← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

والحاصل أن شمول الشريعة وإدراك أحكامها لا يمكن أن يتحقق إلّا من مجتهد من أبرز شروطه أن تكون العربية ملكة له بحيث يدرك سعة لسان العرب ويفهم خطابها ولا يجهله، وأن ما أكد عليه الشاطبي وأبرزه واهتم به هو مذهب الأصوليين أمثال الشافعي والجويني والسبكي والغزالي والشوكاني، وبهذا يتحقق الناظر في الشريعة من معانيها ويدرك شمولها ويحققه في واقع الناس .. ويدرك في المقابل ثباتها ولايضرب بعضها ببعض ويسعى في تغييرها وتتناقض معانيها بين يديه لتفريطه في فهم مواقع خطابها ويرجع سبب ذلك في بعض الأحيان إلى تفريطه في حيازة الملكة في فهم العربية، وعدم الاستظهار بغيره عند الحاجة. أما إن قدر على الملكة -وإن لم يجمع مفردات اللغة- فإنه قادر بمشيئة الله على فهم شمول الشريعة حين الاستنباط منها محافظاً على ثباتها .. ولا ينقص من قدره أن يستظهر بغيره من علماء العربية إذا جهل منها شيء، وسيكون ذلك هو طريقه إلى تحقيق مهمة الاستنباط في سلامة من القصور في فهم الشريعة بحيث لا يعجز عن إدراك سعة معانيها، وفي سلامة من الزيادة عليها بما ليس منها بحيث لا يناقضها ولا يضادها. واشتراط الملكة دون الاحاطة والجمع والاشتغال بالدقائق مع جواز الاستظهار بالغير عند العجز .. هو السبيل الذي يحقق السلامة من القصور والزيادة. فلا الناظر يفقد الملكة بحيث لا يفهم معاني الخطاب ويختلط عليه العام والخاص والمطلق والمقيد .. ويفقد مع ذلك الضوابط التي يتحصن بها في الاستدلال فيحل الحرام ويحرم الحلال ويضيّق الواسع ويقول على الله بغير علم ويضطرب في فهم الشريعة ويقع في سوء جهله ويوقع من تابعه على ذلك .. كما ستأتي الإِشارة إليه من أمثال الذين وقعوا في مخالفة الإِجماع وغرائب الآراء يزعمون أنهم يجتهدون في فهم الشريعة، وهؤلاء تنقصهم الآلة، فلا هم حازوا الملكة في فهم الخطاب ولا هم إلتزموا بالضوابط التي تبنى على علم العربية كما

стр. 247

أشار إلى ذلك الإِمام الشافعي في رسالته في أصول الفقه، ومن ثم خلطوا الشريعة الربانية بأهواء البشر بسوء صنيعهم هذا. فلا بد إذاً من الملكة .. ولكي تكون في الإمكان لا نشترط الإِحاطة .. بل للناظر أن يستظهر بغيره فيما أشكل عليه وأعوزه، وهنا يستطيع أن يدرك مقاصد العربية ومن ثم يدرك مقاصد الشريعة، فيؤتي الاستنباط ثماره محققاً شمول الشريعة وثباتها، فلا نحن أقفلنا باب الاجتهاد وجعلناه من المستحيلات بحيث نوجب الإحاطة بعلم العربية ولا نحن تركنا الحبل على الغارب بحيث يدخل فيه كل دعي وإن جهل، وإلى الحديث عن الشرط الثاني وهو العلم بمقاصد الشريعة. المطلب الثاني معرفة مقاصد (١) الشارع وهذه المعرفة هي التي تؤهل الناظر لدرجة الاجتهاد، يقول الإِمام السبكي: "المجتهد هو: "من هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع" (٢).

стр. 248

والوسيلة التي يكتسب بها قوة يفهم بها مقصود الشارع هي جملة معارف أشار إليها الأصوليون (١). فإذا اكتسب هذه المعارف كمعرفة الكتاب والسنة وقواعد الشريعة وأصول الفقه والعربية .. لكن لم يتمكن بعد اكتساب هذه المعارف من فهم مقاصد الشريعة لأن تلك المعارف لم تصبح له ملكة فإنه والحال كذلك لم يبلغ درجة الاجتهاد. وقد تبين عند دراسة أثر العلم بالعربية على إدراك شمول وثبات الشريعة أن المقصود هنا هو تحقق الملكة لا مجرد الحفظ والنقل وكذلك القول عند ذكر الشرط الثاني وهو معرفة مقاصد الشريعة وقبل النظر في أثر علم المقاصد على إدراك ثبات وشمول الشريعة، نشير إلى وجه الربط بين اشتراط علم العربية وعلم المقاصد، ووجه الربط بيخهما: أن من اتبع معهود الأميين وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم علم أن العرب تجمع بين اعتبار المعاني واعتبار الألفاظ، ولا ترى للألفاظ تعبدًا بحيث تهدر معها المعاني، كما أنها لا تعتبر المعاني فقط وتهدر الألفاظ، بل تبني على أحدهما مرة وعلى الآخر مرة. وقد استدل الإِمام الشاطبي على ذلك في كتابه الموافقات (٢) بأن العرب جرت في كلامها على الاستغناء ببعض الألفاظ عما يراد منها أو يقاربها في المعنى بشرط أن يستقيم المعنى وذلك يدل على أنها لا تعتبر الألفاظ وحدها وإنما تعتبر

стр. 249

المعاني مع مراعاتها للألفاظ بحيث إذا لم يجر المعنى على استقامة لم تستبدل لفظاً بلفظ آخر، فالعبرة عندها بمجموع الأمرين معاً ولا تلتزم أحدهما وتهمل الآخر والعبرة بمراعاتها هذا أو ذاك أو مجموعهما هو جريان المعنى على استقامة. ولذلك أمثلة كثيرة في كلامها منها: ١ - ما حكاه ابن جني عن عيسى بن عمر وحكاه غيره أيضًا قال: سمعت ذا الرمة ينشد: وظاهر لها من يابس الشخت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا (١) فقلت: أنشدتني من بائس، فقال: يابس وبائس واحد (٢)، فلم يعبأ بما بينهما من الاختلاف لما جرى معنى البيت على استقامة وكان صواباً على كلا الوجهين. ٢ - وعن أحمد بن يحيى قال أنشدني ابن الأعرابي: وموضع زير لا أريد مبيته ... كأني به من شدة الرّوع آنس فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا "وموضع ضيق" فقال سبحان الله تصحبنا منذ كذا وكذا ولا تعلم أن الزير والضيق بمعنى واحد؟ ٣ - ومن ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف، وقد تفاوتت بعض القراءات وقرأ بها القراء - وهم يعتقدون أنهم قارئون للقرآن - وإن بدى بينها أول النظر اختلاف في المعنى - وسبب ذلك أنهم علموا أن الكلام جار على استقامة بحسب المقصود منه ومن أمثلة ذلك: (أ) ﴿وما يخادعون إلّا أنفسهم﴾.

стр. 250

﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١). (ب) (لنثوينهم من الجنة غرفًا). ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (٢). وجميع ذلك لا تفاوت فيه من جهة المعنى بل هو جار على استقامة بحسب القصد الشرعي كما هو ظاهر من معنى الآيات، والقرآن في ذلك جار على معهود الأميين من العرب في اعتبار المعاني والمقاصد - دون أن ترى للألفاظ تعبداً وإن كانت تراعيها والعبرة بجريان المعنى على استقامه (٣). ولا يستقيم للمجتهد أن يدرك المعنى الشرعي للنص حتى يلاحظ مجموع الأمرين معاً فلا هو يقف عند مجرد التعبد بالألفاظ فيفوته مقصد الشارع - الذي يعرف من مجموع نصوصه - ولا هو يتبع المقاصد في ظنه وإن خالفت النصوص فيهدر الألفاظ ولا يهتم بجريان المعنى على الاستقامة بل ينبغي عليه ملاحظة الأمرين معاً ولا يعكر على هذا المعنى ما قرره الإِمام الشاطبي في موضع آخر تسهيلاً منه لتحقيق مهمة الاجتهاد - إذا تعلق بالمعاني والمقاصد مجردة عن النظر في النصوص أومسلمة من المجتهد - كأن أدركها مترجمة له ففهم مقاصد الشريعة من وضع الأحكام وبلغ فيها رتبة العلم بها صح منه الاجتهاد وكذلك إذا أخذ الناظر المقيس عليه (٤) مسلمًا فإنه لا يحتاج إلى النظر في مقتضيات الألفاظ.

стр. 251

وقد ضرب الإِمام الشاطبي لهذا النوع من الاجتهاد أمثلة: منها اجتهادات ابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة، والمزني والبويطي في مذهب الشافعي، فإنهم فرعوا المسائل على أصول المذهب على ما فهمه أئمتهم من ألفاظ الشريعة، وعملوا بمقتضى ذلك سواء خالفوا المذهب أم وافقوه، ويعلل الشاطبي صحة هذا النوع من الاجتهاد، بمجموع أمرين: الأول: أنهم اعتمدوا على معرفتهم لمقصد الشارع من وضع الأحكام ولذلك حل لهم الاجتهاد. الثاني: أنه لم ينكر عليهم أحد من أهل العلم .. وذلك دليل على صحة الاجتهاد منهم. والنتيجة التي يصل إليها الشاطبي أن من بلغ في فهم مقاصد الشريعة مبلغهم صح الاجتهاد منه في هذا النوع المشار إليه، وإن لم يبلغ في كلام العرب مبلغ المجتهدين، وأما من بلغ في هذه مبلغهم فله الاجتهاد على الإِطلاق (١). وإنما قلت أنه لا يعكّر على ذلك، لأن الجهة منفكة، ففي الموضع الأول: لم يكن أحد يستطيع أن يدرك لزوم اتباع المعاني والعلل والمقاصد وهو واقف عند حدود الألفاظ لا يتعداها، إلّا إذا سلم أن العرب الأولين -الذي نزل القرآن بلغتهم ومعهودهم- كانوا لايقفون عند حدود الألفاظ بل يعتبرون المعاني ويقدمونها مع مراعاة المحافظة على اللفظ. ومن هنا كان وجه الربط بين إدراك وجوب اتباع المعاني وبين معرفة لغة العرب ومعهودهم وقد نزل القرآن بلسانهم. أما الموضع الثاني: فإن من أدرك معهود العرب من لغتهم وسلّم به فإنه قد لا يحتاج إلى لغة العرب في موضع من مواضع الاجتهاد فإذا أراد أن يعمل المقاصد -وقد علمها مجردة عن الألفاظ -كان ترجمت له أو أراد أن يعمل القياس- وقد أخذ المقيس عليه مسلماً- فإنه

стр. 252

يستطيع أن يجتهد في مثل هذه المواضع دون الرجوع إلى مقتضيات الألفاظ كما قرر ذلك الإِمام الشاطبي. وأنتقل بعد ذلك إلى أمر آخر يبدو لنا فيه بوضوح أثر اعتبار المقاصد والعلل على إدراك الشمول والثبات. فقد احتد الخلاف بين أتباع الظواهر وأتباع المقاصد والعلل -وهم أصحاب الرأي- وقد عرض الإِمام ابن القيم ما يقارب مائة صفحة أو تزيد لمقابلة أدلة الفريقين بعضها ببعض - ونقتصر هنا على مختصر لتلك المناظرة الطويلة نعرضها هنا لا من كلام ابن القيم بل من كلام الشاطبي فإن كلامهما في هذا الباب بعضه من بعض (١) وإليك هذه المناظرة كما يعرضها الشاطبي والتي تظهر منها حاجة المجتهد لفهم المقاصد واتباعه لها لكي يدرك شمول الشريعة في غير ما إفراط ولا تفريط. يتحدث ﵀ عن من اتبع المصالح وأعمل القياس على الإطلاق ومن خالف في ذلك بحيث أن كل واحد من الفريقين غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام اطرد له في جملة الشريعة اطراداً لا يتوهم معه في الشريعة نقص ولا تقصير بل على مقتضى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢). فصاحب الرأي يقول: الشريعة جاءت بمصالح العباد في العاجل والآجل ودرءت عنهم المفاسد، دل على ذلك الاستقراء (٣) فكل نص جاء مخالفاً فليس بمعتبر وقد شهدت الشريعة بما يعتبر وما لا يعتبر على وجه كلي عام، فيعمل بهذا الكلي في مقابل ذلك النص الجزئي.

стр. 253

والظاهري يقول: إن مصالح المكلفين تجري حسب ما أجراه الشارع لأن الشريعة جاءت للابتلاء، فإذا اتبعنا مقتضى النصوص تيقنًا من الإصابة وقد تعبدنا الشارع بذلك، وأما اتباع المعاني فرأي، ما خالف النص منه غير معتبر لأنه خاص مخالف لعام الشريعة (١). وبعد أن عرض منهج الفريقين علق عليه بقوله: "فأصحاب الرأي جردوا المعاني فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات الألفاظ، والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات المعاني القياسية، ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت فيه الأخرى بناء على كلي ما اعتمدته في فهم الشريعة" (٢). والمنهج الوسط كفيل بمشيئة الله أن يؤدي إلى إدراك متوازن لمفهوم الثبات والشمول .. فلا يهدر المجتهد الألفاظ على حساب القياس واتباع المصالح .. ولا يهمل المقاصد ويجمد على الألفاظ، ولهذا يرى الإِمام الشاطبي أن الوقوف عند ما يريده كل فريق مؤد إلى إشكال في المسألة ويقرر وجوب الجمع بين مرادهما ليتحقق الاجتهاد بلا إشكال ولا احتمال، وذلك بأن "يخوض - الناظر - فيما خاض فيه الطرفان، ويتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على الخصوصيات الفرعية، بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر، فلا هو يجري على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين" (٣).

стр. 254

ثم قال عن هذه المنزلة -وهي الجمع بين المعاني وخصوصيات الألفاظ مميزاً لها عن الرتبة التي فيها الظاهري وصاحب الرأي- قال: "وهذه الرتبة لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها، وحاصله أنه متمكن فيها حاكم لها غير مقهور فيها ... ويسمى صاحب هذه الرتبة الرباني، والحكيم، والراسخ في العلم، والفقيه .. " (١). وظاهر بعد هذا البيان أن من هو في هذه المرتبة من الاجتهاد محتاج إلى العلم بالعربية حتى يعرف مقتضيات الألفاظ فلا يهدرها، وإلى معرفة مقاصد الشريعة حتى يعرف مراد الشارع فلا يضيق سعة الشريعة، بل يدرك شمولها ويحققه في خصوصيات الوقائع ويحافظ على ثباتها فلا يهدر خصوصيات الألفاظ ولا يضيع مقاصدها ولايضرب بعضها ببعض فيقع في التغيير والتبديل، ولما تحقق لفقهاء الصحابة - رضوان الله عليهم - هذان الشرطان تحقق لهم بالتالي إدراك شمول الشريعة وتحقيقه في واقع الناس، وسيأتي معنا عند الحديث عن طرق الاجتهاد ومنها الحديث عن المصالح، وذلك في المسائل التي لم ينزل بخصوصها حكم معين مثل تضمين الصناع وقتل الجماعة بالواحد وجمع القرآن .. وكثير من أمثال هذه المسائل التي لم يقفوا أمامها دون نظر واجتهاد، بل نظروا في الشريعة معتبرين لمقاصدها غير مهملين لألفاظها فوجدوا ضالتهم وحققوا شمول الشريعة وحافظوا على ثباتها. وهذا العمل استمر قائماً في الأمة في جل أزمانها .. وما تزال في حاجة إليه لمعرفة مراد الله سبحانه، وعلى من تأهل للنظر أن يكون شديد الحرص على إتقان العلم بهذين الشرطين فإن إدراكهما هو السبيل الوحيد لإِدراك شمول الشريعة في خصوصيات المسائل وثباتها في توازن واتساق. وأضيف هنا ما أشار إليه الدكتور المرشد من أن العلم بالمقاصد معين

стр. 255

للمكلف على ترتيب المناط الخاص ومعين للمجتهد لدفع التعارض الذي قد يتوهمه في بعض الأحيان، كما أن معرفتها طريق إلى معرفة حكم الشرع في آحاد أفعال المكلفين لا في باب واحد من أبواب الفقه بل في جميع الأبواب، فإن الشارع أراد من المكلف أن يجعل قصده موافقاً لقصد الشارع في جميع تصرفاته (١). وأختم هذا الحديث عن المقاصد بأن العلم بها كما أنه هو الطريق إلى تحقق ملكة الاجتهاد كذلك هو الطريق لإدراك الإِعجاز التشريعي وسبب من أسباب زيادة الإِيمان (٢)، وبعد معرفة أهمية العلم بالمقاصد الشرعية واللغوية وأثر

стр. 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 257

ذلك على تحقق الشمول والثبات .. ننتقل إلى الحديث عن ضوابط الاجتهاد لنتعرف على أثرها على الثبات والشمول، وسيتضح لنا بمشيئة الله صلة هذا المبحث بما قبله، ذلك أنه لا يقف المجتهد عند هذه الضوابط ويلتزم بها ما لم يدرك مقاصد الشريعة ومقاصد العربية، والتطبيقات التي سنذكرها تؤكد ما نقوله هنا. فإلى المبحث الرابع بتوفيق من الله وعون، إنه جواد كريم. * * *

стр. 258

المبحث الرابع ضوابطه وأثر ذلك على الثبات والشمول توطئة: إن إدراك المجتهد لسعة الشريعة وشمولها يؤدي به إلى التعرف على حكم الله في كل حادثة فيرتفع عن الناس الحرج والضيق ويتمكنون من الوصول إلى رغبتهم في تطبيق حكم الله، والخضوع له في جميع حياتهم الخاصة والعامة. ومقتضى هذا المعنى أن هذه الشريعة محددة المعالم بينة السمات لها ضوابطها، ولها حرمتها، فلا يجترئ مجترئ على تعدي حدودها وتغيير معالمها وإلّا لما استطاع المجتهدون ولا المكلفون أن يجدوا لهم مأوى يأوون إليه ولا كنف يحتمون به. وقد تكفل الله لهذه الشريعة بالحفظ والثبات والاستقرار فلا تملك أمة ولا هيئة أن تزيد في كتابها أو تنقص منه ولا في سنّة نبيها ﷺ ولا فيما نقل عنها من إجماعاتِ إلّا ويكشف الله كيد الكائدين ... والخطر كل الخطر ليس في زيادة آية أو حديث أو دعوى إجماع أو نحوه فذلك أمر سهل على العلماء كشفه. وإنما الخطر في تأويل الغالين وتحريف المحرفين الذين يجعلون من الدين ما ليس منه ويلبسون على العامة -ومن ماثلهم- الأدلة ويزعمون أنهم يردون إلى الله ورسوله، ويصعب على العلماء الراسخين في كثير من الأحيان كشف زيفهم وفضح دسائسهم لأنهم يدخلون تحت أذيال التأويل زاعمين أنهم

стр. 259

لا يريدون بالإِسلام وأهله إلّا خيراً، وهم يسعون في الفساد من حيث يزعمون الإِصلاح، وفي الفتنة من حيث يزعمون التأليف .. وفي الخوض في الباطل من حيث يريدون بزعمهم بيان الحق وإظهاره. ويزداد خطرهم - إذ ينقلبون على أعقابهم ويكبون على وجوههم عندما يرجعون على علماء الأمة الربانيين من السلف بالمخالفة والتأنيب أو التشكيك، ولسان حالهم يقول أنهم أعلم وأحكم وأعرف بالمصالح ومقتضيات الأحوال، وأنهم أهل الفقه والدراية وهم الذين يجب أن يرجع الناس إلى أقوالهم إن أرادوا أن يتبينوا حقيقة الإِسلام ويعيشوا به بعيداً عما مضى من الأحكام ... حتى لا يدعوا للناس باب فتنة إلّا فتحوه .. ولا بدعة إلّا رفعوا أعلامها .. ولا حرام إلّا أوقعوهم فيه .. وكثيراً ما يؤتى هؤلاء من أحد أمرين: إما من هوان هذا الدين على نفوسهم فيخوضون فيه بأهوائهم ... وإما أن يؤتوا من جهة جهلهم بلغة العرب ومقاصد الشريعة فينسبون إلى الشريعة -بحسن قصد- ما ليس منها. ولخطورة هذا المسلك الغريب على منهج التفكير الإِسلامي أحاول هنا كشف أصوله الفاسدة، وذلك ليستقر مفهوم الثبات والشمول في الشريعة، ونحول بقدر الإِمكان بين هذه الأمة وأهواء الذين لا يعلمون لكي تعود إلى الفهم الأول لهذا الدين الذي أخرج خير القرون ممثلاً في صحابة رسول الله ﷺ والطريق إلى ذلك هو سلامة الناظر في الشريعة من الانحراف، فلا بد له إذاً من معرفة لغة العرب ومقاصد الشريعة كلما أسلفت، وأن يتعرف أيضاً على المسالك الفاسدة، وهي مسالك المبتدعة لكي يحذر منها وتزداد بصيرته بمنهج الحق في طريقة الاستدلال بالنصوص الشرعية كلما كان عليه السلف الصالح، فلا يحدث مسلكاً غريباً ولا يتبع من يحدثه، وبذلك يحافظ على مقصود الشارع فلا يغيره ولا يبدله ولا يقدم بين يديه .. ولا يضيع جهده في اتباع الأهواء. ومع أن "طريقة أهل البدع في الاستدلالات .. لا تنضبط لأنها سيالة

стр. 260

لا تقف عند حد، وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة" (١). ومع القطع بهذه الأمور وهي: ١ - أن الباطل له مسالك كثيرة. ٢ - أن العقل لا يمكن أن يحصر طرقه ومسالكه، ولا الاستقراء. ٣ - أنه يمكن أن تحدث مسالك للنظر جديدة لا عهد للسابقين بها (٢). مع العلم بذلك كله إلّا أنه لا بد من محاولة لتحديد أخطر مسالكهم والتحذير منها، ومن أشدها فساداً: ١ - البناء على غير أصل والجهل بمقاصد الشرع. ٢ - عدم العلم بالعربية. ٣ - اتباع العقل، وتحكيم الأقيسة الفاسدة (٣). المطلب الأول البناء على غير أصل وقع أهل الأهواء في هذا المسلك الفاسد لأنهم يجهلون مقاصد الشريعة، ولم يتلزموا منهج التلقي الذي علمه الرسول ﷺ لأصحابه ورضيه لهم. وكل من جهل مقاصد الشريعة وقواعد الدين وقع في هذا المسلك الذي اشتهر به أهل الأهواء. وتقرير أحكام الشرع، والكلام في الدين لا يكون إلّا بأصل شرعي أو بالبناء عليه.

стр. 261

وقد نقل الإِمام الشافعي الإِجماع على: أنه ليس لأحد كائناً من كان أن يقول إلّا بعلم (١). قال: "ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يقول إلّا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإِجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها" (٢). وهذا أمر لا ينبغي لعاقل يحذر على دينه أن يستريب فيه، وإلاّ هلك مع الهالكين، وهل ضلت الفرق وأضلت إلّا بعد أن تركت هذا الأصل، وهذا هو الإِمام ابن عبد البر ينقل إجماع أئمة الأمصار قديماً وحديثاً ويؤكد ما قاله الإِمام الشافعي قال: " ... الاجتهاد لا يكون إلّا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم وأنه لا يجتهد إلّا عالم بها ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف ولم يجز له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصلِ ولا هو في معنى الأصل وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديماً وحديثاً فتدبر" (٣). وعلى ذلك فإن كل احتمال مبني على غير أصل غير معتبر فلا بد لكل قول من شاهد يشهد لأصله وإلاّ كان باطلاً، ومن هنا اعتبر العلماء كل من تكلم في القرآن برأيه فهو مذموم، "لأنه متقول على الله بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله تعالى" (٤). والراسخ في العلم إنما يتكلم في القرآن ويبين مراد الله سبحانه وهو معتمد على الشواهد لا مجرد الاحتمالات، فلا يقول تحتمل الآية أن يكون الحكم كذا وكذا أو أن المعنى هو كذا وكذا (٥)، ومن هذا النوع رد بعض العلماء الاستحسان

стр. 262

على اعتبار أنه قول مبني على غير أصل، وقال الإِمام الشافعي من استحسن فقد شرع، ذلك أنه اعتبر الاستحسان قول بالهوى والتشهي (١). وليس من البناء على الأصول ما يزعمه بعض المحدثين من الاستناد إلى ما يسمونه "بروح الشريعة" وقد ناقش الأستاذ المودودي ﵀ بعض هؤلاء المتأثرين بالثقافة الغربية، حيث يستندون إلى حرية الرأي ويفسرون النصوص الإِسلامية على ذلك الأساس ثم يعلقون تفسيراتهم بمعان عامة يطلقون عليها "روح الشريعة". وقد قسم المودودي الأمر إلى قسمين: الأول: ما يسميه روح الشريعة الحقيقي وروح الفقه التي ورثناه عن فقهاء السلف فهذه جديرة بالعناية، ولعله يقصد ما استندت إلى أصل معتبر من كتاب أو سنّة أو إجماع أو فهم للسلف، وهو كما قال. الثاني: روح غريبة عن الإِسلام يؤتى بها من خارجه وتفسر نصوص الشريعة على ذلك الأساس الغريب، فهذه ترد وتُسْتقْبح لأنها مؤدية إلى نزع الربقة من طاعة الله ورسوله ﷺ (٢). ويقول الغزالي في المستصفى: "نعلم قطعاً إجماع الأمة قبلهم (٣) على أن العالم ليس له أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في الأدلة .. (٤).

стр. 263

وقال: "إن الصحابة أجمعوا على استحسان (١) منع الحكم بغير دليل ولا حجة، لأنهم مع كثرة وقائعهم تمسكوا بالظواهر والأشباه، وما قال واحد حكمت بكذا وكذا لأني أستحسنه، ولو قال ذلك لشددوا الإِنكار عليه، وقالوا من أنت حتى يكون استحسانك شرعاً وتكون شارعاً لنا .. " (٢). وهنا نشير إلى مسلك بعض الباحثين المحدثين حيث زعم بعضهم أن الصحابة كانوا يبنون على غير أصل (٣). وما هذه النظرة من أمثال هؤلاء إلّا موافقة منهم لمذاهب أهل الأهواء .. وهي شبيهة بنظرات الذين يزعمون أنهم يتبعون روح الشريعة كما أشار المودودي وهم في الحقيقة يتبعون روح الثقافة الغربية (٤). والبناء على أصل شرعي نقله إلينا السلف من الصحابة والتابعين هو طريق عظيم للمحافظة على ثبات الشريعة، فإن اتباع ذلك الأصل الذي ثبتت شرعيته ضابط للاجتهاد عن أن يسلك تلك المسالك الفاسدة التي غُيّر بها الدين وأُدخل فيه ما ليس منه، وبه نميز بين النظر الصحيح والنظر الفاسد، وبه نزيّف تلك الآراء التي تنتسب إلى الشريعة وهي ليست منها لأن كل ما لم يُبْنَ على أصل معتبر كان حقه الإِلغاء لأنه حينئذ مجاف للشريعة، ومن ذلك رد قول المتبعين للمصالح الموهومة المناقضة للشريعة لأن كل ذلك مبني على شفا جرف هار ليس له سند إلّا الأهواء وتخرصات العقول .. ولذلك كان من أعظم سمات المنهج الأصولي عند أهل السنة الرد إلى أصل شرعي من نص أو قياس معتبر .. وهذا هو منهج الصحابة - رضوان الله عليهم -، كما نقل العلماء المعتبرون ﵏ الإِجماع على ذلك.

стр. 264

والأصل الشرعي -كما هو ظاهر- لا يقتصر على أن يكون نصاً شرعياً بل ويكون معنى شهد له نص معين أو مجموعة نصوص كما سيأتي بيانه وهذا هو قاعدة الشمول فإن جميع الحوادث والوقائع التي تجد للناس إما أن تدخل تحت نص شرعي أو تحت معنى شرعي أو تحت أصل مستنبط منهما، والبناء على أصل شرعي يزيد شمول الشريعة عمقاً ووضوحاً عند تحقيقها في عالم الواقع، ذلك أن الأصل الشرعي المستنبط يأخذه المجتهدون في كل جيل ويهتدون به، فهو لهم ضابط عن الوقوع في التغيير والتبديل، كما أنه معلم لهم وقاعدة يبنون عليها، فلا يزداد هذا الأصل مع مر العصور وتعاقب أجيال هذه الأمة إلّا قوة في الثبات وعمقاً في الشمول، وبهذه المعالم يُحفظ جهد المجتهدين ويُبنى بعضه على بعض، ويدركون به شمول الشريعة من جانب ومن جانب آخر يحول بينهم وبين تغيير الأحكام والوقوع في الابتداع، ويربط أجيال هذه الأمة برباط متين من خلال توحيد وتنمية جهد المجتهدين، وهذه أكبر سمات فقهاء أهل السنّة، أما المنحرفون عن هذه الشريعة من أهل الأهواء والابتداع فقد بنوا على غير أصل شرعي، واتبعوا أهواء الأمم الكافرة وطوائفها، وفرقوا دينهم ومناهجهم وقطعوا ما بينهم وبين الجيل الأول، وغيروا الشريعة بعقائدهم وأحكامهم الفاسدة ولم يدركوا ثباتاً ولا شمولاً، فانصرفوا عن الشريعة إلى ما يخالفها يبتغون غير الله حكماً، ويلبسون على الأمة دينها، فليس لهذه الشريعة عندهم معالم ثابتة تميزها عن غيرها، ولم يكفهم أن نزّلها الله عليهم، بل اتبعوا عقولهم القاصرة أضلتهم العجمة وأفسدهم سوء الفهم وأهلكهم الزيغ والانحراف. المطلب الثاني الجهل بلغة العرب تقدم الكلام في أن المجتهد لا بد أن يكون في فهم لغة العرب كالعربي .. بحيث يعلم لغة العرب، وكيفية خطابها، فلا يخرج اللفظ عما وضع له .. وإن لم يكن كذلك لم يجز له النظر في الشريعة، بل عليه الرجوع إلى أئمة

стр. 265

العربية. فإن نطق بالصواب من حيث لم يعلمه فهو مخطئ آثم كما قال الشافعي في كتابه الرسالة (١). وقد مر معنا بيان هذا الشرط والاستدلال عليه بما فيه الكفاية ونقتصر هنا على بيان أثر انعدامه على ثبات الأحكام بشيء من التفصيل باعتبار أن الجهل بها صفة من صفات أهل الأهواء ومسلك من مسالكهم. وأول ما نبدأ به هنا ما أشار إليه الشاطبي في الاعتصام، من أن من أعظم الأسباب التي خرجت بها الفِرَقُ ووقعت بها الضلالات، وتغيرت بها معالم الشريعة في واقع الناس، هو وقوع الناس في العجمة، وتضييعهم للغة العرب .. ونظرهم في الشريعة وهم لا يملكون الآلة، فجاؤوا بالعجائب وقلبوا الشريعة ظهراً لبطن (٢). فإذا كانت الشريعة تأمر بالألفة والمحبة صارت تأمر عند هؤلاء أشباه الأعاجم بالفرقة والعداوة، واذا كانت تأمر بإصلاح ذات البين والكف عن الخوض في الباطل صارت عند هؤلاء على الضد من ذلك (٣). وما زال جهلهم بلغة العرب التي نزل القرآن بها يرمي بهم في أودية المهالك حتى ضلوا وأضلوا .. وهذا وإن كان في أصل الاعتقاد إلّا أنه انجر إلى أحكام الشريعة. وقد أحسن الإِمام الشاطبي عندما بين أصول الفرقة الناجية وهي أهل السنّة والجماعة فذكر من هذه الأصول: أنه لا يتكلم في القرآن والسنة إلّا من هو عربي اللسان (٤). أما المنحرفون عن هذه الشريعة فيتكلمون فيها ولا يتبعون

стр. 266

لغة العرب بل تقودهم مسالكهم الفاسدة وتحف بهم العجمة من كل جانب ومن أمثلة ذلك: ١ - قول من زعم أنه يجوز نكاح تسع من النساء بدليل قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (١). لأنه جمع أربعاً إلى ثلاث إلى إثنتين فكانت تسْعاً. والحق أن معنى الآية فانكحوا إن شئتم إثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً. والقائل بنكاح التسع "لم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب، وإن معنى الآية فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين، أو ثلاثاً أو أربعاً أربعاً على التفصيل لا على ما قالوا" (٢). ومثنى وثلاث ورباع ممنوع من الصرف على وزن فعال ومفعل، فثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ومثنى معدولة عن اثنتين اثنتين، فتقول جاء القوم ثلاث ثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ومثنى أي اثنين اثنين (٣). قال ابن العربي المالكي مقصود الكلام ونظام المعنى فيه "فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاثة فإن لم تعدلوا فاثنتين، فإن لم تعدلوا فواحدة فنقل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته، وهي الواحدة من ابتداء الحل وهي الأربع ولو كان المراد تسع نسوة لكان تقدير الكلام فانكحوا تسع نسوة، فإن لم تعدلوا فواحدة وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن" (٤). ٢ - قول من زعم أن الرجم ليس ممن قضى الله به لأنه ليس في كتاب الله. ففي الحديث الذي رواه عبيد الله أنه "سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي ﷺ فقام رجل فقال: أنشدك الله إلّا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي قال: قل،

стр. 267

قال: إن ابني هذا كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها" (١). وقي هذا الحديث دلالة على أن الرجم ممن قضى الله به لقول النبي ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله" ومثله قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢). أي حكمه وفرضه الذي شرعه لكم وألزمكم به فلا تخرجوا عن حدوده وأمره الذي أمركم به، ولا تقربوا ما حرم عليكم (٣). ولكن العجمة أهلكت هؤلاء فزعموا أن الرجم ليس في كتاب الله فلا يعتبر من شريعته، ولو علموا معنى الأقضين بينكم بكتاب الله" لما انحرفوا في تغيير هذه الشريعة وهي شريعة "الرجم" (٤) ولعلموا أن الله لما أرسل جبريل إلى محمد ﵉ أرسله بالوحي، فكما أن الكتاب وحي من الله وقضاء فكذلك السنّة وحي من الله وقضاء على ما بيناه فيما سبق (٥).

стр. 268

٣ - قول من زعم أن شحم الخنزير حلال، لأن القرآن حرم اللحم دون الشحم: ولو سأل عن لغة العرب لعلم أن اللحم يطلق على الشحم (١)، فإذا حرم القرآن لحم الخنزير فقد حرم شحمه، بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم (٢). قال ابن العربي المالكي "وقد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم لا يعلمون أنه من قال لحماً فقد قال شحماً، ومن قال شحماً فلم يقل لحماً ... " (٣). فالعجمة وهي عدم التمرس بلغة العرب وعدم الرجوع إلى أئمتها هو من الأسباب التي أدت إلى تغيير الأحكام كما هو واضح من هذا المثال. ثم ذكر الشاطبي أمثلة أخرى متفرقة وعلق على بعضها بقوله: "فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله وسنّة نبيه محمد ﷺ وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم براء من ذلك، لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلّم. فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد فهو -إن شاء الله- داخل في سوادهم الأعظم، كائن على ما كانوا عليه، فانتظم في سلك الناجية" (٤). وقد استند الشاطبي على ما حرره الإِمام الشافعي في الرسالة حيث قال: " ... وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها لا يذهب منه شيء عليها ولا يطلب عند غيرها. ولا يعلمه إلّا من قَبِلَهُ عنها، ولا يشركها فيه إلا من

стр. 269

اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله" (١). وقد علق عليه الشاطبي بقوله: "هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد، فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أُدّيت، وأن لا يُحَسِّنْ ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها، فإذا ثبت على هذه الوصاة كان - إن شاء الله - موافقاً لما كان عليه رسول الله ﵊ وأصحابه الكرام" (٢). وما زل أهل الأهواء - وفارقوا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه - إلّا بتركهم لهذه الوصاة، فلم يطلبوا لغة العرب من عند أهلها العالمين بها، ولم يتبعوا معهود العرب في لسانهم، وحسّنوا الظن بأنفسهم، وأوقعوها في المسائل المشكلة فقالوا في الشريعة برأيهم لا بلسانها، فضلوا وأضلوا ... وخالفوا المسلمات في العقائد والأحكام .. وخالفوا مواطن الإِجماع من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها ولا يعد خلاف أهلها خلافاً "وما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الأصولية فهو عين البدعة إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى" (٣). إذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولًا وفروعاً أن يراعي ذلك، ويتق الله في نفسه وفي غيره، ولا يتكلم في الشريعة إلّا وقد تحقق من هذا الشرط مع الشروط الأخرى فإن لم يستطع فعليه بأخذ العلم عن الصحابة وأئمة السلف. وحينئذ لن يتكلم في الشريعة أحد برأيه وإنما سيتكلم فيها بلسانها .. فقد

стр. 270

وضعت هذه الشريعة على الدوام والثبات .. والتزم أصحاب النبي ﷺ اقتداء به - منهجاً للاستنباط منها يحفظ مقاصدها ويعرّف الناس بها ويحافظ على ثباتها، ويحول بين الناس وبين الإِحداث فيها وتغيرها. ونختم هذا الموضع بذكر نصيحة الإِمام الشافعي للمسلمين عامة - نتبعها ما ذكرناه من وصاة الشاطبي تأكيداً وإعانة على الخير وإيصاداً لأبواب الشبه التي أصابت كثيراً من الناس بسبب غفلتهم عن تلك النصيحة، يقول الإِمام الشافعي: "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها. فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه، وترك موضع حظه، وكان يجمع مع النصيحة لهم قياماً بإيضاح حق وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير" (١). المطلب الثالث الاعتماد على "العقلى واتباع المتشابه " هذا من أكبر الأسباب التي أدت إلى الإِحداث في الشريعة وتغيير أحكامها، فأدخل فيها ما يضادها، وأخرج منها ما هو من صلبها فلا أدرك المتبعون لعقولهم و"المتشابه" لا ثباتها ولا شمولها، وخالفوا عن منهج الرسول ﷺ وأصحابه ومن تابعهم على ذلك من فقهاء أهل السنة الذين يعتقدون أن الحاكم بإطلاق هو الله سبحانه، أما العقل فهو محكوم بالشريعة، فالمشرع واحد وهو الله، وكل ما سواه مخلوق في مقام العبودية وقد سبق تقرير هذا المعنى.

стр. 271

وقد مجد الشيخ محمد عبده العقل فقال: إن على الإِنسان أن يتبع عقله حتى يدرك بالبراهين الصحيحة الحق، ثم يرجع بعد ذلك إلى الوحي فإن وجده موافقاً فليحمد الله، ويلزم التصديق والتسليم بدون فحص فيما تكنه الألفاظ إلا فيما يتعلق بالأعمال على قدر الطاقة. وإن لم يجده موافقاً فليتبع حكم العقل، ولا يبحث عن مراد الله ولا رسوله لأنه لا يعلم مراد الله ورسوله إلّا الله ورسوله، وليقل: "آمناً به كل من عند ربنا" (١). فالعقل إذاً هو المعول عليه ابتداء ثم بعد ذلك نرجع إلى الوحي فإن وافق قلنا الحمد لله، وإن لم يوافق اكتفينا بالقول "كل من عند ربنا" وآمنا في الوقت نفسه بحكم العقل المخالف للوحي. وهذا القول ظاهره خلاب، وإذا تحققت منه لم تجده شيئاً. ذلك أن العقل من خلق الله ولا شك وقد كرم الله به الإِنسان عن الحيوان .. إلّا أنه مع هذه المنزلة التي منحه الله إياها، قد جعله الله محكوماً بحكم الوحي، فجعل للوحي

стр. 272

منزلة أعظم من منزلة العقل، فمن أراد أن يحترم عقله ويحافظ على المنزلة التي منحها الله له فليتبع الشرع ويحاكم عقله إليه. فالله سبحانه عندما خلق لإبن آدم عقله كرمه بحيث جعله محكوماً بأمر الله، وجاءت الرسل صلوات الله وسلامه عليها بهذه البديهية .. وحَكّمت الوحي على أنفسها وعقولها ودعت الناس لذلك، فإن يكن العقل من آثار الله -أي من مخلوقاته- والوحي هو كلام الله، فذلك حق وصدق. وعلينا بعد ذلك أن ننظر لنعرف أيهما أعلى مرتبة، الوحي أم العقل، ومن الحاكم؛ وحينئذ سيكون الجواب أن الوحي أعظم مرتبة وأنه حاكم على العقل وإذا أدى العقل مهمته وهو تحاكمه إلى الوحي لن يكون هناك تعارض بته، لأن العقل المتعبد بالوحي لا يمكن أن يعارضه. ولقد أحسن فضيلة الأستاذ الدكتور سليمان دنيا حيث قال مناقشاً للشيخ محمد عبده في تحديده لمهمة العقل: قال: "وعندي أن الشيخ محمد عبده إذا كان لم ينقص العقل حقه فهو قد جاوز به حده" (١). وهذه المجاوزة هي تقديم البرهان العقلي على النص الشرعي، فإذا وافق النص الإِلهي العقل قلنا الحمد لله، وإن خالفه النص الإِلهي، حكمنا بحكم العقل، ولا يعط النص أكثر من قوله: "إنك من عند الله" (٢). ويقول فضيلته: "ذلكم هو كل ما في الأمر، أما النصوص الإِلهية وما تنطوي عليه من آراء فأمرها دائر بين: أن تكون موافقة إلى ما تأدت إليه هذه البراهين (أي العقلية) أو أن تكون مخالفة لها، والأمر في كلتا الحالتين سهل يسير في نظر الشيخ محمد عبده، فإنها إن كانت موافقة، فقد كفى الله المؤمنين القتال، وإن كانت مخالفة فلا قتال أيضاً، لأنه يكتفي بأن يقول آمنت بما جاءت به إلى جانب الإِيمان بما تأدت إليه البراهين" (٣) وينكر عليه الدكتور سليمان دنيا هذا التناقض فيما زعمه من الإِيمان بما أدت إليه البراهين

стр. 273

من جهة وبما جاء من عند الله في حالة التعارض. فيقول: "ولا يخدعنا قول الشيخ محمد عبده فليطرق عن التأويل ويقول آمنا به كل من عند ربنا فإن ذلك إيمان بألفاظ جوفاء لا معنى لها، ما دام قد آمن من طريق آرائه بآراء تعارض هذه الألفاظ معارضة تامة" (١). وعلى أمثال هذه الشبه اعتمد مذهب العقلانيين في العصر الحديث، اتباعاً لمسالك الفرق المنحرفة، وانتشرت المذاهب المخالفة لشريعة الإِسلام (٢). ولا يقال ما وجه الربط بين العقيدة والشريعة في هذا الجانب لأنا نقول: إن العقل إذا اتُّخذَ طريقاً لمخالفة العقيدة بالتأويل فإن الأمر سهل على أصحابه أنْ يتخذوه طريقاً لمخالفة الشريعة بالتأويل، وهؤلاء لا يحتاجون أكثر من أن يقول أن هذا الأمر مصلحة فيتبعونه ويدخلون تحت أذيال التأويل باتباع المتشابهة ويردون ما توجبه النصوص وما تقرر في الإِجماع، والنتيجة واحدة وهي تقديم آرائهم على أحكام الشريعة، كما قدموها على ما جاءت به العقيدة، بل الأمر أخطر من ذلك كما يصوره فضيلة الدكتور سليمان دنيا حيث يقول: "ثم إن لمنهج الشيخ محمد عبده جانباً آخر، له خطورته أيضاً، ذلك أنه طريق تفريق للأمة لا طريق تجميع، ذلك أنه إذا اعتمد كل إنسان على نفسه وعقله فقط فقلما ينتهي واحد إلى مثل ما ينتهي إليه الآخر، وهؤلاء هم الفلاسفة، لأن كل واحد منهم يعول على نفسه وعقله فقط، نجدهم في الغالب متفرقين قلما يلتقون على شيء واحد من كل الوجوه" (٣). وسأذكر بعض التطبيقات التي اعتمدت على نتائج العقل البشري والتي يزعم أصحابها أنهم يريدون تحقيق المصلحة. وسيظهر لنا - بعد دراسة هذه

стр. 274

التطبيقات - خطورة هذا المسلك وآثاره السيئة في هذا العصر على إبعاد الشريعة الإِسلامية عن التطبيق وإقامة الحياة المعاصرة على أحكام القوانين الوضعية. ونختار هنا إحدى الفتاوى في مجال النظام الاقتصادي، فقد أفتى الشيخ محمد عبده بمشروعية ما سُمي "بصناديق التوفير"، واعتمد هو ومن تابعه على هذه الفتوى على أن الربا المحرم هو ما كان أضعافاً مضاعفة، وتعلقوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١). فالمحرم عندهم هو ما كان أضعافاً مضاعفة، أما الفائدة المحددة بعشرة في المئة أو بأقل فليست من الربا المحرم (٢). وقد أصبحت هذه الفتوى قاعدة للاتجاه العصراني وبسببها استحوذت النظرة الغربية على مفهوم الاقتصاد الإِسلامي، وعليها وعلى أمثالها من الشبه انتشر النظام الربوي. وبتمجيد النظر العقلي، وتقديم حكم العقل على حكم الشرع، والمحاولات المستمرة لمقاربة أحكام الشريعة الإِسلامية للأحكام الغربية طلباً للتوفيق بينها، والتماساً للشبه لكي يتم هذا التقارب .. تحقق لأرباب القوانين الوضعية ما أرادوا حيث جعلوها حاكمة على الشريعة وحاولوا جاهدين تطويع الشريعة لقبولها تحت اسم المصلحة واتباع حكم العقل. وفي الحق أن التزام منهج النظر الإِسلامي الصحيح مانع قوي من تسرب آثار الفكر الغربي إلى أحكام الشريعة الإِسلامية .. كما أنه مانع قوي من وقوع أمثال هذه الفتوى، فالربا محرم بنصوص الكتاب والسنة وهذه مسلمة بديهية

стр. 275

طيلة أربعة عشر قرناً ... وقد كان منهج النظر الإِسلامي الذي لم يتسلط عليه العقل الفاسد حارساً لهذا الحكم، فالإِجماع منعقد على حرمة الربا قليله وكثيره، وعقول العلماء مذعنة أمام هذا الحكم الشرعي، ولم يستطع حتى زعماء الاعتزال - الذين مجدوا العقل - أن يذهبوا هذا المذهب، ولكن التطرف في تقديم العقل على الشرع - وتغطية ذلك بكثير من الشبه، هو الذي فتح الباب على مصراعيه لهيمنة الفكر الأوروبي والنظام الغربي على الاقتصاد ومناهجه، حتى احتاج الأمر إلى الدعوة إلى صحوة تنهض بالاقتصاد الإِسلامي تنتشله من أحكام القوانين الوضعية وترده إلى حكم الله ورسوله ﷺ . وما زالت هذه الصحوة تشكو من أمثال هذه الفتاوى ومن آثار المسلك العقلي المخالف للنصوص .. الذي به غُيرت الأحكام وبُدّلت، ووُضِعتْ مواضعها أحكام لم تشهد الشريعة بصحتها. وقد انتقل إلينا هذا المسلك الفاسد من آثار الفلسفة اليونانية على أيدي المعتزلة ومن حذا حذوهم - ومن آثار الفكر الأوروبي الحديث ذي الأصول اليونانية (١) - واتبع أصحابه "المتشابه" فضلوا وأضلوا. ولننظر الآن في مسألة أخذ الفائدة الربوية، ونتتبع أصلها - مع العلم أن الربا محرم في شرائع الرسل السابقين صلوات الله وسلامه عليهم لقوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٢). وقد بدأ تحليله على أيدي طواغيت الفكر في أوروبا في مواجهة رجال الدين النصراني الذين كانوا يحرمون الربا، فقد استخدم المرابون "الفائدة" ..

стр. 276

فمعجم اكسفورد عرف الربا بقوله: "هو مزاولة إقراض المال بمعدلات فائدة فاحشة وخاصة بفائدة أعلى من المسموح به قانوناً" (١). والعقل هو العدة الوحيدة التي يلجأ إليها أساطين الفكر الأوروبي إذا أرادوا أن يقتحموا ما بقي لديهم من القيم الدينية (٢). وبهذه العدة وحدها حاول القائلون بجواز الفائدة أن يزعزعوا أهم أركان الاقتصاد الإِسلامي .. وقد وقف في وجه هذا التيار كثير من العلماء .. وخاصة ما تحققه الدراسات في الاقتصاد الإِسلامي في الآونة الأخيرة. فهذا المؤتمر الثاني للمصرف الإِسلامي تتضمن قراراته في الفقرة الأولى: "أن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو من الربا المحرم شرعاً" (٣). وأما عن شبهة القائلين بحل هذه الفائدة فقد تكفل بالجواب عنها أحد البحوث المقدمة لهذا المؤتمر .. وحاصل الجواب: أن الآية تصور لنا حالة من حالات الربا في الجاهلية .. وهي أن المرابي يقول للمدين اما أن تؤدي وإما أن تربي .. وكلما حل الأجل .. قال له ذلك فتتضاعف الفائدة .. فهذه هي الأضعاف المضاعفة (٤). وأما النظر في حل الفائدة التي لا تتضاعف فيرجع به إلى مثل قوله تعالى:

стр. 277

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وإلى مثل قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢). ولم يقل سبحانه إلّا إذا كانت الفائدة غير مضاعفة، فالآية نص في أن الزائد على رأس المال ربا وإن كان فلساً واحداً (٣)، وهذه الآيات الدالة على تحريم الربا قليله وكثيره دلت في الوقت نفسه على تعطيل المفهوم في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٤). وهنا نحاول أن نتلمس الأدلة على السبب الذي قلنا أنه الحامل على هذه الفتوى وذلك لكي نزيل الشبهة القائلة بأن هذا اجتهاد والمجتهد مأجور صاحبه وإن أخطأ .. ونربط في الوقت نفسه بين هذا الذي تقرر في هذا الموضع وبين ما قدمناه سابقاً من أن التزام منهج النظر الإِسلامي مانع من تغيير الأحكام وتسليط العقل عليها بالتأويل والتحويف، واتباع المتشابه والإِعراض عن المحكم. ونبدأ في بيان ذلك فنقول إن الحكم الذي ثبت الإِجماع عليه معصوم وثابت إلى يوم القيامة ولا يجوز النظر فيه بتة، وأن مخالفته مسلك فاسد .. وإن من يحق له الاجتهاد الشرعي لا يجوز له أن ينظر في مسألة قد تم الإِجماع عليها (٥).

стр. 278

ولا يتحقق من أحد مخالفة. مثل هذا الإِجماع إلّا أن يوصف بوصفين: الأول: أنه مجاف للمنهج الإِسلامي الصحيح في الاستدلال، متبع لمسالك النظر المخالف للشرع. الثاني: أنه طاعن فيما استنبطه العلماء ونقلوه لمن بعدهم جيلاً بعد جيل، واصف له بالخطأ زعاماً أن الحق معه هو. الثالث: أن الاجتراء على مثل هذا المسلك لا يكون إلا ممن اتبع المتشابه وترك المحكم وهذا هو شأن الزائغين الذين حذر الله منهم (١). هذا في منهج النظر .. أما مسألتنا التطبيقية فقد نقل العلماء الثقات الإِجماع عليها، ولم يفرقوا بين الربا قليله وكثيره في التحريم (٢). ونؤكد بعد هذا العرض التطبيقي أن تغيير الأحكام الإِسلامية وتقديم غيرها عليها من أحكام القوانين الوضعية .. ومحاولة التلبيس على العوام بدعوى جواز الاجتهاد .. حتى اهتز مفهوم الثبات وأصبحت دعوى المعاصرة والإِصلاح مطية لزعزعة ثبات الشريعة .. إن هذا كله إنما جاء بسبب اتباع مسالك غربية في النظر من مثل ما ذكرناه من تمجيد العقل واتباعه ومحاكمة الوحي إليه. والحق أن أمثال هذه الفتاوى لم ينتجها الاجتهاد الشرعي .. وأن الاجتهاد الشرعي بضوابطه التي قدمنا وبسلامته من هذه المسالك الفاسدة هو السند الحقيقي للحفاظ على ثبات الأحكام الشرعية ووضع سد مانع بين شريعة الإِسلام وأهواء الذين لا يعلمون، وينبغي أن نبذل الجهد المستطاع لكشف

стр. 279

المسالك الفاسدة التي انتشرت قديماً وحديثاً في الفكر الإِسلامي لنقطع الطريق على الغزو الفكري الحديث بما يحمله من عقائد وأنظمة (١). وعلى هذا الأساس نفسه تمكنت العلمانية - فخالفت في الأصول والفروع - وحكمت بأهوائها على أحكام الشريعة الإِسلامية في أكثر الفروع بالإِبطال مثل أحكام الجنايات "وحكم شرب الخمر" و"الزنى" و"الربا" و"الردة" و"أكثر الأحكام التي تخص المرأة من الحجاب والاختلاط والإِرث" و"الأحكام العامة التي تخص الدولة وسياسة الحروب" .. وغير هذه الأمثلة كثير. حتى حكمت - باسم المصلحة - على الشريعة الإِسلامية بالإِبطال إلا في بعض المواطن مثل ما يسمونه "بالأحوال الشخصية". ونادى بهذا المذهب كثير ممن ينتسبون إلى الإِسلام، واجتمع على نصرته أعداء الشريعة الإِسلامية وهم في كل ذلك يزعمون أن الإِسلام مجد العقل، وله حق العمل بالمصالح بعد التعرف

стр. 280

عليها، وهو الرائد والقائد والحاكم بأن هذه مصلحة أو مفسدة - فإذا اختار العلمانية .. فقد حكم بحكم الشرع .. لأن الشريعة أمرت بإتباع المصالح، والقوانين الوضعية التي هي بعض ثمار العلمانية اللادينية مصلحة بزعمهم، وقد أدى هذا المذهب إلى إبطال أكثر أحكام الشريعة الإِسلامية .. واتسع الخرق على الراقع عندما حاول بعض الكتاب أن يوفق بين أحكام العلمانية وأحكام الشريعة فاضطرهم ذلك إلى إقحام العقل واسطة .. للبلوغ إلى مقصودهم فكان أن اتسع باب التأويل العقلي حتى جعل بعض الباحثين حكم الربا وحكم الردة وحكم الولاء والمناصرة وحكم الجهاد .. وكثير من أمثال ذلك يستوي فيها حكم الشريعة الإِسلامية والعلمانية "اللادينية". ومن أراد أن يتصور ثباتاً لهذه الشريعة وأنها حاكمة على الإطلاق والعموم فلا بد أن يدرك طبيعة العقل وقدرته وما هو الحد الذي حده له الشرع، وما هي وظيفته التي حددها له .. وحينئذ يؤمن إيماناً حقيقياً بحاكمية هذه الشريعة على الإِطلاق والعموم على البشرية كلها وعلى جميع ما تمتلكه من مورثات العقل - سواء ما ورثته من العصور السابقة أو من العقول اللاحقة - تحكم بصحة ما تراه صحيحاً من نتاج العقل البشري، وتحكم ببطلان ما تراه باطلًا .. هذا هو الإِسلام الذي جاءت به الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، ولأجل تجلية هذه العقيدة لا بد من زيادة البيان لموقف الإِسلام من نتاج العقل البشري - كما وضح ذلك فقهاء أهل السنّة والجماعة - ونتيجة ذلك هو العلم اليقيني بثبات أحكام الشريعة الإِسلامية، وأنه ليس "للعقل" مطلقاً أن يقدم بين يديها لا بالنسخ ولا التغيير ولا التبديل، بل هو محكوم بحكمها خاضع لسلطانها. ونثبت ذلك -هنا- بعدة أدلة - مبينين أن من لم يدرك ذلك وقع لا محالة في تيار البدع الذي لم ينقطع (١) ولا يخرجه منه إلا أن ينسلخ من آثار

стр. 281

المسالك الفاسدة قديماً وحديثاً، وبعد أن أعدت ورددت قاصداً التنبيه على خطورة هذه المسالك على ثبات الشريعة أعرض الأدلة على بيان فساده والله المستعان. أولاً: ما قرره فقهاء أهل السنّة والجماعة من أن العقل لا يستقل بالتحسين والتقبيح وأنه لو فرض كذلك لأدى ذلك إلى إبطال الحدود التي حدها الشارع، وإذا أبطل حد واحد جاز إبطال السائر لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وهذا مؤد إلى إبطال الشريعة، وهو باطل قطعاً (١) "وعامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح فهو عمدتهم وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر حتى يردوا كثيراً من الأدلة الشرعية" (٢). ثانياً: أن الله وهو خالق العقل الإِنساني قد جعل للعقول حداً لا تتعداها، فهي لا تدرك كل شيء، ولو أمكن أن تدرك كل شيء وتصل إلى كل ما تطلبه لاستوت مع الباري سبحانه .. فإن علمه سبحانه لا يتناهى ولا يحصره شيء. ولكن المحسوس المشاهد أن العقل لا يدرك كل شيء ولا يصل إلى كل ما يطلبه ومعلوماته تتناهى، وهو مخلوق من المخلوقات قد جعل الله له حداً ينتهي عنده (٣).

стр. 282

فالله سبحانه يعلم كل شيء على التمام والكمال. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١). وقد كفر كبار المدافعين عن منزلة "العقل" بقدرة العقل البشري على معرفة طريقه في الحياة الدنيا وتحديد الصراط المستقيم الذي يفرق بين الحق والباطل. فهذا الإِمام الجويني في القرن الخامس الهجري يكفر بمخلفات الفلسفة اليونانية التي هي نتاج العقل اليوناني ويصرح بأنه لا يمكن أن يدرك خيط النجاة إلّا بالبراءة من ذلك كله (٢). وهذا الإِمام الغزالي - الذي دخل في بطن الفلسفة العقلية وما قدر أن يخرج منها كما يقوله تلميذه ابن العربي المالكي - يموت في آخر حياته وهو ملازم لكتاب البخاري معرضاً عن كل تلك المخلفات الفلسفية التي ورثها العقل البشري (٣).

стр. 283

وأما الجاهلية الحديثة فهذا أكبر أطبائها وحكمائها الدكتور "ألكسيس كاريل" يشهد على قدرات العقل البشري - الذي يعتبر الآن في أقوى أطواره - فيقول: "وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة .. " (١) "إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء ووجوه النشاط العقلي والروحي .. كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإِنسان وانحطاطه في المدنية العصرية؛ وهناك أسئلة أخرى لا عداد لها يمكن أن تلقى في موضوعات تعتبر على غاية الأهمية بالنسبة لنا، ولكنها ستظل جميعاً بلا جواب، فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإِنسان ما زال غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب" (٢). فهل يزعم هؤلاء الكتاب الذين مجدوا العقل قديماً وحديثاً أن قدراتهم العقلية أضخم من قدرات العلم الحديث الذي بلغ في هذا العصر ما لم يبلغه في أي عصر من العصور، وما زال -كما قال- إلكسيس كاريل - يجهل كثيراً من قطاعات النفس البشرية .. ، هذه هي قدرات "العقل" يحددها "العلم الحديث" ويشهد بعجزه عن الكثير مما نحتاج إليه .. كما شهد علماء أهل السنّة من قبل بعجزه عن إدراك مصالح الناس في الدنيا والآخرة (٣) وأنه لا بد له من قائد يقوده ومن معلم يعلمه وهذا القائد والمعلم هو "الوحي". ولذلك نقول إن العقل إما أن يحتكم إليه ويتربى على مبادئه العقائدية وأحكامه الجزئية، فهو حينئذ العقل الراشد المؤمن بالله ورسله وكتبه. وأما أن يند عن حكم الوحي ويتقدم بين يديه فهو حينئذ العقل الجاهلي

стр. 284

المتمرد على الله ورسله وكتبه، والعقل الراشد مستنير بالوحي، يجيبه الوحي عن كل ما يحتاج إليه، فيفتح له الآفاق ويؤدبه بأحكام الشريعة ويجعل بينه وبين كل حكم يخالفها حداً محدوداً وحجراً محجوراً. وأما العقل الجاهلي المتمرد فقد لج في الظلمات وأخذته الحيرة من كل وركان ولم يستطع أن يجيب على ما تحتاجه البشرية بل عجز وثبت عجزه وانكشف وهو في أعلى قمة له في العصر الحديث، وسيكون ذلك هو شأنه، لأن هذه هي طبيعته ولن يكون نظيراً للوحي أبداً، وما ينبغي له وما يستطيع، وعلى الذين لا يزالون يمجدون العقل البشري أن يدركوا الفرق بين "العقل المؤمن الراشد" وبين "العقل الجاهلي المتمرد" وحينئذ سيعلمون أن العقل لم يستحق أي تقدير إلا من بعد أن أذعن للوحي واتبع كل ما جاء به. وعليهم حينئذ أن يتبعوا الوحي، في كل ما جاء به بلا استثناء، وأن يُعَبّدوا عقولهم لأحكامه في رضى وقبول واستسلام. ولا يمكن بحال من الأحوال أن يظن في العقل خيراً ورشداً إن لم يتبع الوحي في العقيدة والشريعة (١). وهذه حقيقة تاريخية يشهد بها العدو والصديق فإن العرب بل أمم الأرض كلهم قبل بعثة الرسول ﷺ لم تنفعهم عقولهم ولم تدلهم على مصالحهم - لأن العقل وحده لا يحدد المصلحة والمفسدة - فقد كان قويهم يأكل ضعيفهم - كما هو الحال في هذا العصر - وكانت أحكامهم لا تحرم الزنى ولا الربا ولا الخمر - كما هو شائع في هذا العصر - وكانوا جدّ مضطربين متناحرين متباغضين فقد قسمتهم أهوائهم إلى قبائل وأمم متناحرة وطبقات يأكل بعضها بعضاً كما هو الحال في كل زمان أعرض عن حكم الله ورسوله، وذهب يترجى الهداية - بزعمه - عند العقل البشري الذي لا يتبع الوحي.

стр. 285

ولعل في هذه التذكرة ما يعرِّف بحقيقة "العقل البشري" وأنه إن لم يتبع الوحي حذو القذة بالقذة سيكون وبالاً على البشرية كما هو الحال عند العرب قبل البعثة وكما هو الحال في هذا العصر الذي كثر فيه إنتاج العقل البشري الذي لا يتبع الوحي، فقد انتج "العلمانية" و"الرأسمالية" و"الشيوعية" و"الوجودية" و"القومية" كما أنتج من قبل الفرق الضالة التي بلغت اثنين وسبعين فرقة، وما زال يقدم للجاهلية الحديثة مذاهب جديدة، كلما كفر بمذهب آمن بمذهب آخر .. والذين مجدوه ما زالوا ينتظرون منه مزيداً من العطاء. ولعل هذا التخبط والضياع يكون سبباً عند كثيرين لإِعادة تقييم مواقفهم من "العقل" الذي اتبعوه .. ولعلهم يرجعون إلى الوحي "كلام الله": ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١). فيؤمنوا به فتخبت له قلويهم وحينئذ تخرج البشرية من ظلمات العقل الكافر بما أنزل الله إلى نور الوحي يتبعه العقل المؤمن الراشد فيقود أهله إلى المصالح كلها ويحول بينهم وبين المفاسد كلها: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). مثال تطبيقي آخر: وبه نزداد إدراكاً لخطورة هذا المسلك لنحذر منه ألا وهو اتباع العقل والمتشابه. تحدث بعض الكتاب عن "الحكم الإِسلامي" فزعم أن الإِسلام قد أعطى الناس حق الحكم بأي نظام في العالم ما دام قد رأوا أنه يحقق لهم مصالحهم. وإن كان اشتراكياً وإن كان علمانياً .. أو أي نظام حادث مما أنتجته العقول البشرية.
следующие страницы →