المسالك الفاسدة قديماً وحديثاً، وبعد أن أعدت ورددت قاصداً التنبيه على خطورة هذه المسالك على ثبات الشريعة أعرض الأدلة على بيان فساده والله المستعان.
أولاً: ما قرره فقهاء أهل السنّة والجماعة من أن العقل لا يستقل بالتحسين والتقبيح وأنه لو فرض كذلك لأدى ذلك إلى إبطال الحدود التي حدها الشارع، وإذا أبطل حد واحد جاز إبطال السائر لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله، وهذا مؤد إلى إبطال الشريعة، وهو باطل قطعاً (١) "وعامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح فهو عمدتهم وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر حتى يردوا كثيراً من الأدلة الشرعية" (٢).
ثانياً: أن الله وهو خالق العقل الإِنساني قد جعل للعقول حداً لا تتعداها، فهي لا تدرك كل شيء، ولو أمكن أن تدرك كل شيء وتصل إلى كل ما تطلبه لاستوت مع الباري سبحانه .. فإن علمه سبحانه لا يتناهى ولا يحصره شيء.
ولكن المحسوس المشاهد أن العقل لا يدرك كل شيء ولا يصل إلى كل ما يطلبه ومعلوماته تتناهى، وهو مخلوق من المخلوقات قد جعل الله له حداً ينتهي عنده (٣).
стр. 282
فالله سبحانه يعلم كل شيء على التمام والكمال.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (١).
وقد كفر كبار المدافعين عن منزلة "العقل" بقدرة العقل البشري على معرفة طريقه في الحياة الدنيا وتحديد الصراط المستقيم الذي يفرق بين الحق والباطل.
فهذا الإِمام الجويني في القرن الخامس الهجري يكفر بمخلفات الفلسفة اليونانية التي هي نتاج العقل اليوناني ويصرح بأنه لا يمكن أن يدرك خيط النجاة إلّا بالبراءة من ذلك كله (٢).
وهذا الإِمام الغزالي - الذي دخل في بطن الفلسفة العقلية وما قدر أن يخرج منها كما يقوله تلميذه ابن العربي المالكي - يموت في آخر حياته وهو ملازم لكتاب البخاري معرضاً عن كل تلك المخلفات الفلسفية التي ورثها العقل البشري (٣).
стр. 283
وأما الجاهلية الحديثة فهذا أكبر أطبائها وحكمائها الدكتور "ألكسيس كاريل" يشهد على قدرات العقل البشري - الذي يعتبر الآن في أقوى أطواره - فيقول: "وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة .. " (١) "إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء ووجوه النشاط العقلي والروحي .. كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإِنسان وانحطاطه في المدنية العصرية؛ وهناك أسئلة أخرى لا عداد لها يمكن أن تلقى في موضوعات تعتبر على غاية الأهمية بالنسبة لنا، ولكنها ستظل جميعاً بلا جواب، فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإِنسان ما زال غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب" (٢).
فهل يزعم هؤلاء الكتاب الذين مجدوا العقل قديماً وحديثاً أن قدراتهم العقلية أضخم من قدرات العلم الحديث الذي بلغ في هذا العصر ما لم يبلغه في أي عصر من العصور، وما زال -كما قال- إلكسيس كاريل - يجهل كثيراً من قطاعات النفس البشرية .. ، هذه هي قدرات "العقل" يحددها "العلم الحديث" ويشهد بعجزه عن الكثير مما نحتاج إليه .. كما شهد علماء أهل السنّة من قبل بعجزه عن إدراك مصالح الناس في الدنيا والآخرة (٣) وأنه لا بد له من قائد يقوده ومن معلم يعلمه وهذا القائد والمعلم هو "الوحي".
ولذلك نقول إن العقل إما أن يحتكم إليه ويتربى على مبادئه العقائدية وأحكامه الجزئية، فهو حينئذ العقل الراشد المؤمن بالله ورسله وكتبه.
وأما أن يند عن حكم الوحي ويتقدم بين يديه فهو حينئذ العقل الجاهلي
стр. 284
المتمرد على الله ورسله وكتبه، والعقل الراشد مستنير بالوحي، يجيبه الوحي عن كل ما يحتاج إليه، فيفتح له الآفاق ويؤدبه بأحكام الشريعة ويجعل بينه وبين كل حكم يخالفها حداً محدوداً وحجراً محجوراً.
وأما العقل الجاهلي المتمرد فقد لج في الظلمات وأخذته الحيرة من كل وركان ولم يستطع أن يجيب على ما تحتاجه البشرية بل عجز وثبت عجزه وانكشف وهو في أعلى قمة له في العصر الحديث، وسيكون ذلك هو شأنه، لأن هذه هي طبيعته ولن يكون نظيراً للوحي أبداً، وما ينبغي له وما يستطيع، وعلى الذين لا يزالون يمجدون العقل البشري أن يدركوا الفرق بين "العقل المؤمن الراشد" وبين "العقل الجاهلي المتمرد" وحينئذ سيعلمون أن العقل لم يستحق أي تقدير إلا من بعد أن أذعن للوحي واتبع كل ما جاء به.
وعليهم حينئذ أن يتبعوا الوحي، في كل ما جاء به بلا استثناء، وأن يُعَبّدوا عقولهم لأحكامه في رضى وقبول واستسلام.
ولا يمكن بحال من الأحوال أن يظن في العقل خيراً ورشداً إن لم يتبع الوحي في العقيدة والشريعة (١). وهذه حقيقة تاريخية يشهد بها العدو والصديق فإن العرب بل أمم الأرض كلهم قبل بعثة الرسول ﷺ لم تنفعهم عقولهم ولم تدلهم على مصالحهم - لأن العقل وحده لا يحدد المصلحة والمفسدة - فقد كان قويهم يأكل ضعيفهم - كما هو الحال في هذا العصر - وكانت أحكامهم لا تحرم الزنى ولا الربا ولا الخمر - كما هو شائع في هذا العصر - وكانوا جدّ مضطربين متناحرين متباغضين فقد قسمتهم أهوائهم إلى قبائل وأمم متناحرة وطبقات يأكل بعضها بعضاً كما هو الحال في كل زمان أعرض عن حكم الله ورسوله، وذهب يترجى الهداية - بزعمه - عند العقل البشري الذي لا يتبع الوحي.
стр. 285
ولعل في هذه التذكرة ما يعرِّف بحقيقة "العقل البشري" وأنه إن لم يتبع الوحي حذو القذة بالقذة سيكون وبالاً على البشرية كما هو الحال عند العرب قبل البعثة وكما هو الحال في هذا العصر الذي كثر فيه إنتاج العقل البشري الذي لا يتبع الوحي، فقد انتج "العلمانية" و"الرأسمالية" و"الشيوعية" و"الوجودية" و"القومية" كما أنتج من قبل الفرق الضالة التي بلغت اثنين وسبعين فرقة، وما زال يقدم للجاهلية الحديثة مذاهب جديدة، كلما كفر بمذهب آمن بمذهب آخر .. والذين مجدوه ما زالوا ينتظرون منه مزيداً من العطاء.
ولعل هذا التخبط والضياع يكون سبباً عند كثيرين لإِعادة تقييم مواقفهم من "العقل" الذي اتبعوه .. ولعلهم يرجعون إلى الوحي "كلام الله":
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١).
فيؤمنوا به فتخبت له قلويهم وحينئذ تخرج البشرية من ظلمات العقل الكافر بما أنزل الله إلى نور الوحي يتبعه العقل المؤمن الراشد فيقود أهله إلى المصالح كلها ويحول بينهم وبين المفاسد كلها:
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).
مثال تطبيقي آخر:
وبه نزداد إدراكاً لخطورة هذا المسلك لنحذر منه ألا وهو اتباع العقل والمتشابه.
تحدث بعض الكتاب عن "الحكم الإِسلامي" فزعم أن الإِسلام قد أعطى الناس حق الحكم بأي نظام في العالم ما دام قد رأوا أنه يحقق لهم مصالحهم. وإن كان اشتراكياً وإن كان علمانياً .. أو أي نظام حادث مما أنتجته العقول البشرية.
стр. 286
يقول: علي عبدالرزاق في كتابه الإِسلام وأصول الحكم (١)، يقول: "والحق أن الدين الإِسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
كما أن تدبير الجيوش الإِسلامية وعمارة المدن والثغور ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني وآراء العارفين.
لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجته العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم" (٢).
وهذا المذهب الذي يدعوا إليه المؤلف مؤد قطعاً إلى تغيير الأحكام الإِسلامية أصولاً وفروعاً، فهو من جهة يزعم أن الإِسلام لم يأت بنظام للحكم لأن الخلافة لا وجود لها في الإِسلام لأنه دين لا دولة، ومن جهة أخرى فإن
стр. 287
القوانين التي نصت عليها شرائع الإِسلام واستنبطها الفقهاء من نصوص تلك الشرائع يمكن أن نقدم عليها أي نظام آخر من أنظمة الأمم الأخرى ونستبدل ما تدعوا المصلحة إلى استبداله حتى ولو اتبعنا أحدث ما أنتجته العقول البشرية.
ولست بحاجة إلى مناقشة المؤلف في دعواه هذه، فقد وقف العلماء من أقطار كثيرة موقفاً معيناً من هذا الكتاب، أشير إليه تنبيهاً للقارئ، والحاجة ماسة بعد ذلك إلى بيان منهج النظر الفاسد الذي اتبعه المؤلف ويتبعه كل من يقول أن الإِسلام دين لا دولة، وسنؤكد من خلال هذا المثال التطبيقي على خطورة هذا المسلك الفاسد وهو اتباع حكم العقل المخالف للشرع وكيف أدى بأصحابه إلى الدعوة إلى تبديل الأحكام الجزئية بل والمفاهيم العقدية.
وسأحاول معالجة هذه القضية من زاوية خاصة وبطريقة أحسبها جديدة، مع شدة ارتباطها بموضوع البحث مع الإِشارة إلى بعض الردود على هذا الرأي من ذلك ما كتبه بعض العلماء والباحثين في الرد على هذا الرأي وقد تمثل ذلك في كتب كثيرة (١)، تتقدمها فتوى لكبار العلماء قضت "بإخراج الشيخ علي عبد الرزاق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" من زمرة العلماء" (٢).
стр. 288
وأذكر هنا بعض الأدلة الدالة على أن الإِسلام ألزم الناس عامة بالحكم والتحاكم إلى أحكامه وشرائعه، ودعاهم إلى إثبات صدق إيمانهم بالله عن طريق الالتزام بشرائعه ونصرتها والبراءة مما يخالفها، ومن هذه الأدلة التي وردت في القرآن:
(أ) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١).
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
فمن قال أن الحكم بما أنزل الله ليس لازماً فهو داخل تحت هذه الأوصاف.
(ب) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤).
وهذا الوصف القرآني الذي وصف الله به عباده المؤمنين يحدد مهمتهم بوضوح وهي التمكين لهذا الدين في الأرض وإقامة شرائعه وتطبيقها أمراً
стр. 289
بالمعروف - كالدعوة إلى التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتطبيق الحدود ونشر الفضيلة - والنهي عن المنكر - وذلك بالنهي عن الشرك والنهي عن قتل النفس والزنى وجميع الموبقات، والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل - وهي القاعدة التي يقوم عليها كل اقتصاد غير إسلامي، ومجاهدة المفسدين في الأرض إقامة للعدل وإعلاء لكلمة الله. والتمكين لهذا الدين عقيدة وشريعة يحتاج إلى سلطة تحكم بما أنزل الله.
(ج) ومنها ما ورد في ذم الزاعمين للإِيمان المريدين للتحاكم إلى أحكام الجاهلية ووصفهم بالنفاق وعدم الإِيمان، يدل على ذلك قوله تعالى في سورة النساء:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (١).
إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: "إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله :
стр. 290
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
ولفظ "شيء" نكرة في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه: ﴿فإن تنازعتم﴾ للعموم فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً ..
وكما دل لفظ "شيء" على العموم في جميع ما يتصور فيه النزاع فكذلك توله سبحانه: ﴿فيما شجر بينهم﴾، "فإن اسم الموصول مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدر، فلا فرق بين نوع ونوع كما أنه لا فرق بين القليل والكثير" (٢).
فالأمر بالتحاكم في جميع ما يقع عليه التنازع والمشاجرة قل أو كثر لا فرق بين نوع ونوع، فيدخل في ذلك كل جزئية من الوقائع والأحداث في جميع شؤون الحياة العامة والخاصة فكيف يقال أن أكبر قطاعات الحياة وهي القطاعات التي تشرف عليها الدولة من تطبيق الأحكام على جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أن هذا لا يدخل في شريعة الإِسلام وليس لازماً للدولة ولها أن تطلبه من حيث شاءت.
ولى معنى الآيات السابقة قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وهذه الآيات دالة على أمور منها:
الأول: أنهم قالوا أنهم مؤمنون بما أُنزلَ على محمد ﵊
стр. 291
من القرآن وبما أنزل على الأنبياء من قبله، فهم قائلون: "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".
الثاني: أنهم قالوا بأنهم طائعون لله ورسوله "وأطعنا".
الثالث: أنهم يتحاكمون فعلاً إلى بعض أحكام الإِسلام:
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (١).
الرابع: أنهم فيما يعرضون عنه من الأحكام يزعمون التوفيق بينه وبين ما يخالفه:
﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (٢).
فصفة هذه الطائفة أنها تقول: "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقول أنها طائعة لله ورسوله، وتتحاكم فعلاً إلى بعض الأحكام وتعتذر عن إعراضها عن البعض الآخر بأنها تريد الإِصلاح والتوفيق". ويلاحظ أنها لا تنفي لزوم التحاكم إلى الله ورسوله!! فنزل البيان القرآني بحكم الله فيهم متمثلاً في هذه الآيات: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ ﴿ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ (٣).
وفي هذه الآية دلالة أي دلالة في لزوم التحاكم إلى شريعة الله ووجوب الإِعراض عما يخالفها وأن كل هذه الدعاوى التي تقال لا تقبل عذراً عند الله ولا عند المؤمنين.
ولقد دخل القائلون بفصل الدين عن الدولة والداعين إلى التحاكم إلى
стр. 292
أي نظام غير إسلامي قد دخلوا في - الأوصاف التي اتصفت بها تلك الطائفة وازدادوا وصفاً آخر ألا وهو: القول: "بأن التحاكم غير لازم أصلاً".
مقارنة علمية:
وهذه مقارنة بين هذه المقالة وما تنص عليه من عقيدة وبين العقيدة التي حذر القرآن منها.
ونضع هذه المقارنة أسوة بالبيان القرآني الذي حض على كشف الشبهة وكشف باطل المبطلين.
والمقارنة بين هاتين المقالتين من وجهين:
الأول: أن هؤلاء متعجبون من أن ينزل الله في سورة من سور كتابه آيات يأمر فيها بإخضاع الدولة لحكمه وأمره.
والطائفة التي سبقتهم يتعجبون من أن ينزل الله سورة يذكر فيها وجوب القتال، فهؤلاء متعجبون من حكم واحد، وأولاء متعجبون من نظام الحكم الإِسلامي كله.
الثاني: أن المتعجبين من أن الدولة يجب أن تخضع لحكم "الدين" قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله من أصحاب النظريات الجاهلية - أوروبية وغير أوروبية - قالوا سنطيعكم في أكثر الأمر وذلك بدعوة المسلمين أن يبنوا "نظام حكومتهم على أحدث ما أنتجته العقول البشرية .. ".
والذين من قبلهم قالوا: ﴿للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر﴾.
وعلى كل قائل بهذه المقالة أو داع إليها أن ينصت إلى البيان القرآني ليعرف ماذا يترتب على مقالته تلك، يقول الله تعالى عن موقف تلك الطائفة:
﴿لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ
стр. 293
فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ (١).
ومن هذه الآية يعلم وجه المقارنة في الأمر الأول فهم يتعجبون أن ينزل الله سورة فيها ذكر القتال، وهؤلاء الذين نحن بصدد مناقشتهم يعجبون أن ينزل الله شريعة وأحكاماً تخضع لها الدولة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ (٢٥)
ويقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ (٢).
ووجه المقارنة في الأمر الثاني ظاهر .. فليحذر كل من يقول بتلك المقالة من هذا المصير المحتوم .. ولا يفتري على الله الكذب .. ومن تاب فإن الله يتوب عليه.
ومن نافلة القول: أن نذكر بأن الحياة لا بد لها من أفراد والأفراد لا بد لهم من أسر والأسر لا بد لها من أحكام، وهؤلاء لهم أحكام خاصة وعامة، ولا بد أن يعيش هؤلاء في مجتمع تكون له صبغة معينة وتحكمه تلك الأحكام في الأموال والأعراض والدماء .. وهذا المجتمع له علاقات مع المجتمعات الأخرى .. وهذه العلاقة تحكمها أحكام معينة أيضاً وهكذا تبنى الحياة الدنيا .. ثم ينتقل الناس إلى الحياة الآخرة ..
فهل كل هذه الأحكام تركها الله سبحانه لحكم العقل لأن الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة!؟
وفي الحق أنه لا يمكن لأحد وهو يعلم تلك الأقسام الخاصة بطبيعة الحياة
стр. 294
الدنيا .. أن يقول أن الشريعة لم تنزل بشيء من ذلك وأن هذه الدنيا عند الله أهون من أن ينزل لها أحكاماً لتطبق فيها .. لأن هذا الاعتقاد مخالف لأبسط البديهيات ..
وليس السبب في هذا الانحراف هو السعي إلى التقدم كما يزعم له أصحابه، وإنما السبب هو عبادة غير الله سبحانه .. وقد عُبد العقل الإِنساني من دون الله، عبدته أوروبا وانتقلت لنا هذه العدوى (١) .. وليس لهذه العبادة من فائدة عند هؤلاء إلا إبعاد الحياة الدنيا عن الدين وإخضاعها لأحكام العقل يشرع لها ويبدئ ويعيد بلا ند ولا شريك ولا ظهير.
وهذه العبادة وإن كانت للعقل في بداية الأمر لكنها تنصرف إلى عبادة الإِنسان لطائفة خاصة تزعم أن لديها القدرة العقلية لسن الشرائع والأحكام التي تحكم حياة البشر في الدماء والأموال والأعراض .. والثقافة والاجتماع والعلاقات العامة .. ولا تحتاج هذه الطائفة التي أعطت نفسها حق التشريع من دون الله أن تستند إلى شبهة مؤلف كتاب "الإِسلام وأصول الحكم" التي ناقشناها آنفاً بل الأمر عندها أبعد من ذلك.
فهذا الدكتور آصف علي فيظي الإِسماعيلي يقول في بحث له بعنوان "القانون الإِسلامي واللاهوت في الهند" إن: "مصدر القانون والدين كليهما في الإِسلام هو الله" ثم قال: "إن البحث النقدي الحديث لهذا الموضوع يجب أن يبدأ بمناقشة المعتقد اللاهوتي الذي يقول: إن الله هو واضع القانون وذلك من جهته التاريخية والفلسفية، ويجب أن يوضح السر في أن القانون عند الساميين اعتبر ذا أصل سماوي، وماذا كانت النتائج التي ترتبت على ذلك بعد، وكيف أن الجماعة الإِسلامية تحت تأثير نظريات القانون الحديث والنظريات السياسية
стр. 295
والتطور الثقافي والعلاقات الدولية - يجب بالتدريج - أن تشير إلى تمييز (١) واضح بين القانون السماوي "الشريعة" والقانون الدنيوي "القانون" وأن تصل إلى استخدام ناقد صحيح للفقه، من هذه الزاوية، إن بحثنا هذا ليس عرضاً تاريخياً، ولكنه مجرد محاولة لإِبراز اتجاه هندي حديث لمعالجة معضلة مزمنة، إنه محاولة لاستخدام مبادئ القرن العشرين القانونية والتاريخية في فهم المعضلة الأساسية في الإِسلام ولاقتراح طريقة تمهيدية لنقد حديث للشريعة" (٢).
فهذه هي آثار النظرية الأوروبية "الجاهلية" التي تنص أن الله ليس له حق وضع الشريعة وإلزام الناس بها، وتثبت هذا الحق لغيره سبحانه .. وتراهم في كثير من عباراتهم يستندون إلى حكم العقل في إعطاء هذا الحق لغير الله، هذا هو أصلهم الذي يدافعون عنه ويدعون الناس إليه (٣).
فقد حكم هؤلاء البشر المخلوقون على ربهم بأنهم أحق منه - وهوخالقهم - بوضع الشريعة والقانون لأنهم بزعمهم أعلم بمصالحهم وأحوال أزمانهم.
وباعتبار هذا الأصل العقائدي عندهم وتفريعاً عليه حكم العقل بوجوب نقد الشريعة الإِسلامية - والناقد لا بد أن يكون أقدر على معرفة الصواب .. أو المفروض فيه أن يكون كذلك - فحكمت هذه الطائفة بأن الله ليس له حق وضع الشريعة .. وما وضعه وشرعه لا بد من نقده وإعادة النظر فيه .. هكذا تمردت هذه الطائفة على ربها وكفرت به وافترت عليه ما ليس لها به علم:
стр. 296
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١).
ولو أن أصحاب هذه المقالة يؤمنون بأن الله هو أعلم بمصالحهم وأحوالهم وحاجياتهم، وهو الحكيم الذي تنزه عن الظلم، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة فأرسل رسله وأنزل كتبه وآخرها القرآن فجعله حجة على الخلق إلى يوم القيامة -ومعه السنة- وأنه سبحانه له الأمر كما أن له الخلق، ولا أمرَ بأمرٍ ولا نهى عن شيء وإلا فيه مصلحة للناس إلى يوم القيامة .. لو كان هؤلاء يؤمنون بهذا لما أوقعهم الشيطان في هذا التمرد على ربهم وخالقهم، وفي بعض هذا البيان كفاية لكشف السبب الذي حمل هؤلاء الذين يتكلمون باسم الإِسلام عن الإِسلام حتى حجروا عليه من أن يتدخل في أهم مركز وأعظم موقع ألا وهو "الدولة" وحكموا على أكثر شرائعه بالِإبطال والتغيير والتبديل (٢) .. وأطاعوا الذين كفروا في أكثر الأمر.
ولما كان أمثال هؤلاء الكتاب في مأمن من أن تكشف أسرارهم ويطلع البحث العلمي عليها .. حتى أنهم لما أمنوا لم يزدادوا إلا إصرارًا على مسالكهم هذه .. وأصبح البحث العلمي يتعامل معهم -في كثير من كتاباته- بنوع من التبجيل تارة وبالتأنيب اليسير تارة .. وأحيانًا بالتشديد عليهم بأنهم اتبعوا اهواءهم وأنصتوا لتأثيرات الغزو الفكري الأوروبي .. ولكن هذا الأخير -مع أهميته- قليل فاعله، ولا بد لأهل الحق أن يتواصوا بكشف انحرافهم تحت ضوابط البحث العلمي الذي يلتزم باتباع الدليل والبينة الظاهرة حتى يحال بين شبههم وعوام الناس، فما هلك من هلك إلا بسببهم ولذلك بذلت ما أستطيعه
стр. 297
هنا لكشف مسلكهم الفاسد وبيان أن أمثال هذه الآراء لا تحسب على العلم الإِسلامي وأن أصحابها ليسوا ملتزمين بأصول البحث الإِسلامي وأن كل ما نسبوه إلى الإِسلام من أمثال هذه الدعاوى إنما هي من بدع الجاهلية سواء الجاهليات القديمة أو الحديثة (١).
دراسة تطبيقية لبيان أصول الحكم:
من خلال آيات سورة النساء يقول الله :
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢).
اشتملت هذه الآية على أصول الحكم في الإِسلام:
١ - "الله" هو"المشرع" أي الآمر الناهي وما بلغه رسوله إلى الناس هو "الشريعة" وهي العدل الذي أمر الله به، ويتمثل ذلك في الكتاب والسنة، فالذي يضع "القانون" هو الله والذي بلغه هو رسوله فالطاعة لهما، مطلقًا، والرد إليهما إذا اختلف الناس، وهذا كله موجود في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾.
٢ - سلطة أرضية تحكم به وتنفذه، وهم أولي الأمر: وذلك في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
وهؤلاء هم الذين يمثلون "الدولة" أي القائمون بالأمر، يحكمون الدولة
стр. 298
والأفراد في جميع الأحوال و"العلاقات الخاصة والعامة الداخلية والخارجية" ملتزمين في ذلك كله بـ "الشريعة الإِسلامية".
٣ - "أمة" أو"شعب" تقطن "إقليمًا معينًا" تخضع لهذه السلطة التي تلتزم بتلك "الشريعة" ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
فهذه الآية نصت على أصول الحكم، "الشريعة" "السلطة الحاكمة" "الأمة" وهي آية واحدة -تحدد شكل "الدولة الإِسلامية" التي يسعى الإِسلام لتحقيقها، وهذه دلالة من الناحية الإِيجابية على أصول الحكم في الإِسلام وفي القرآن مثل هذه الآيات وهي كثيرة لا تحصى.
تطبيق آخر:
يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (١).
فالقرآن يصور لنا أصول الحكم الجاهلي وهي:
١ - واضع القانون: وهوإما أن يكون شخصًا أو جهة تتكون من أشخاص، ويطلق القرآن على هذا "الواضع" لفظ "الطاغوت" (٢) وهو كل معبود من دون الله سواء كان فردًا أو جماعة، وسبب هذه التسمية أن التعدي على حق الله سبحانه -الذي جعله لنفسه وهو إنزال الكتب وسن الشرائع- يعتبر مجاوزة
стр. 299
للحد وهذا هو الطغيان ذلك أن الواضع لا حق له في ذلك، بل الحق الذي عليه هو أن يخضع لما جاء من عند الله.
٢ - السلطة الحاكمة بذلك القانون: وتسمى بالاسم نفسه للسبب نفسه وتكون تارة شخصًا واحدًا كالكاهن، أو مجموعة معينة كزعماء القبيلة أو الحزب.
٣ - الأمة أو الفرد الذي يخضع لهذه السلطة ويبتغي التحاكم إليها عن رضى وطواعية، كما ورد في شأن الرجل الذي نزلت الآية فيه، فهذه الأصول الثلاثة: وهي الجهة التي تضع القوانين والجهة التي تحكم به (١)، والجهة التي تذعن له هي عبارة عن أصول الحكم الجاهلي فها هنا قانون وسلطة وأفراد، وهذه الصورة هي الصورة التي جاء الإِسلام ليرفعها ويحل محلها الصورة الإِسلامية. فبدل أن يعتقد الناس أن واضع القانون هو عقل الفرد أو الأمة أو القبيلة أو الحزب، يجب أن يعتقدوا أن ذلك حق الله سبحانه قد تكفل به، فأنزل "الشريعة" ليخضع الناس لها جميعًا، وبدل أن يعتقدوا أن السلطة التي تقوم على القوانين الأرضية سلطة شرعية يجب عليهم الخضوع لها، أعلمهم الرسول ﷺ أن ذلك من الشرك (٢)، ونهاهم عنه وأمرهم بإنكاره قدر استطاعتهم.
وأبدلهم بذلك وجوب الخضوع لله ورسوله ﷺ ، المتمثل في اتباع الرسول ﷺ في حياته، واتباع الشريعة بعد مماته والطاعة لأولي الأمر القائمين بها.
стр. 300
وبعد الحديث عن حكم الاجتهاد وحكمته وأنواعه وأهم شروطه وضوابطه وبيان أثر ذلك على ثبات الأحكام وشمولها يتبين لنا أنه لا يمكن أن يتحقق شمول في عالم الناس بغير اجتهاد، كما أنه لا يمكن أن يتحقق ثبات واستقرار للأحكام بدون ضوابط لهذا الاجتهاد، وعليه فإن الذي يجب المصير إليه هو القول بأن الاجتهاد فريضة محكمة وسنة متبعة وهو ممكن -من حيث تحقق الملكة والبناء على ما ورثه لنا العلماء المعتبرون في علم الشريعة وعلم العربية، وإن تعذر جمع الأدلة الشرعية جملة لم يتعذر على المخلصين من أهل العلم جمع الأدلة المطلوبة في المسألة التي يراد بيان حكم الله فيها، وإن لم يتمكن أحدهم من ذلك لم تعجز طائفة منهم عن جمعها ومعرفة مقاصد الشارع منها، وليس وراء ذلك إلا القول بتعطيل أحكام الشريعة وإيقاف الاستنباط وهذه جهالة لا يرتضيها لنفسه عاقل.
ولكي لا يقال أن هناك أدعياء كثيرين للاجتهاد -نقول أن الاجتهاد لا بد له من الملكة، ولا يقبل من كل أحد الدخول فيه ما لم تتوفر له، وعلى طلبة العلم أن يبذلوا ما يستطيعون -ولا يدخرون من وسعهم شيئًا لعل الله أن يجعل منهم في مستقبل الأيام من تتحقق فيهم الملكة فيكونون هم الصف الثاني الذي يقوم بهذه المهمة، ومن العلماء المخلصين اليوم من تحققت فيه الملكة فهؤلاء هم أهل الاجتهاد اليوم، أما نحن طلبة العلم فعلينا بذل الجهد وتكفينا المتابعة لأئمة الصحابة والتابعين ومن يتبعهم بإحسان، وفيما ورثوه من العلم كفاية لمن أراد أن يقوم بمهمة التعليم والبيان والدعوة إلى الله، وليختص أهل الاجتهاد بالنظر في المسائل الجديدة، وأيضًا فإن الاجتهاد له ضوابطه التي تفرق بين الصحيح منه والفاسد وتميز بين الذين يتبعون الحق والذين يقعون في آثار المسالك الفاسدة.
ومسيرة الاجتهاد كمسيرة الجهاد والدعوة تحتاج من الصادقين إلى حراسة ولا يمكن أن تُعطل المسيرة لأن أناسًا يخاف من شرهم عليها، فإن هذه المشكلة علاجها معلوم وهو اليقظة التامة لحفظ المسيرة وحراستها من المسالك الفاسدة والآراء الشاذة وكشف زيف المبطلين والمنحرفين وهذا ممكن والحمد لله، ولا تزال طائفة قائمة بالحق، فلتستمر إذًا عملية الاجتهاد، ولتستمر عملية الحراسة وليقم
стр. 301
الصادقون على الجهاد بقدر طاقتهم ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وحينئذ يتحقق وعد الله ونصره بتوفيقه سبحانه وتعود هذه الأمة إلى ما كانت عليه وتحمل رسالتها كما يريد الله لها.
وينبغي أن لا يتضجر الباحثون من كشف الباطل وتميز الحق ولا يملوا ولا يضعفوا لأنهم في واقع الأمر منقسمون إلى ناصر للحق ومدافع عنه، وآخر هو عرضة للنقد -الذي يكون في بعض الأحيان شديدًا لأنه يكشف عن انحرافات خطيرة. نعم لا يتضجر مخلط كتب بقلمه وصاح بعقيرته ثم يقول لم يُقال عني كذا أو كذا ولم ينتقدني فلان أو فلان، لأنا نقول أن من يريد أن لا يصيبه شيء من ذلك فليكف قلمه ولسانه عن الكلام في الدين لأن هذا الدين ليس ملكه، وأولياؤه الصادقون لا بد كاشفون كل فساد بمشيئة الله وعونه، فمن تكلم بغير علم فليتحمل نتيجة عمله وقوله، ونحن لا نريد ممن يتكلم عن الدين أكثر من الرجوع إلى مواطن الإِجماع والوقوف عند المحكم والبعد عن المتشابه والحيطة في الاستدلال والسلامة من الشذوذ وعدم مخالفة ما علم من الدين عقيدة وشريعة، وأن يميز نفسه عن آثار الفرق الضالة قديمًا والغزو الفكري الذي تمثله المذاهب المعاصرة حديثًا، وهذه النصيحة نقدمها للباحثين ونلتزم بها -وخاصة بعد أن تبين لكل بصير ما تؤدي إليه مخالفة هذا الطريق من مخاطر على الكاتب ومن يكتب لهم، وينبغي لكل صادق مع نفسه أن يدعو إليها، لأن ذلك هو الطريق الأعظم للمحافظة على هذه الأمة وإصلاح أمرها وتصحيح العلم الذي يُقدّم إليها، والانتصار للحق المتمثل في الكتاب والسنة والذي حققه في عالم الواقع الرسول ﷺ وأصحابه - رضوان الله عليهم -، ويكفينا ويكفي كل باحث عن الحق ومنتصر له أن يتابعهم ويقتفي آثارهم في التعلم والتعليم والاستنباط والاستدلال، والحذر من ترك الاتباع والوقوع في الابتداع، وهو الطريق الأعظم لجمع شتات هذه الأمة، يقول الدكتور سليمان دنيا مبينًا ذلك: وقد كان هدف الرسول ﷺ من قوله في وصف الفرقة الناجية: "الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي" "أن يجمع شمل هذه الأمة في مستقبلها كما اجتمعت في ماضيها فيكون لها كيان ديني موحد يكون شعارها وعنوانها
стр. 302
ومبعث فخرها ومناط قوتها لا أن يكون كل واحد منها فرقة برأسه يخالف الآخرين ويخالفه الآخرون" (١).
فمن أبى واستكبر عن المتابعة على هذا المنهج -بعد ما تبين له الهدى- فإنما يريد أن يلبس على هذه الأمة أمر دينها ويتبع غير سبيل المؤمنين فلا بد أن يلقى جزاءه ولو بعد حين.
وهذا هو واقع المخالفين عن هذا المنهج قديمًا وحديثًا فيه العبرة لمن أراد أن يعتبر، ونكتفي في هذا المقام بذكر دليل مشهور معلوم عند جميع الباحثين ذلك هو ما كتبه علماء الفرق الضالة -مخالفين هذا المنهج- وقد خلّطوا في أمر العقيدة والشريعة ونشروا أفكار الأمم الضالة داخل هذه الأمة فلم يتلبّثوا إلا قليلًا حتى قيض الله لدينه من يذب عنه ويكشف انحرافاتهم، بعد أن مزقتهم فرقًا وأحزابًا وسلط الله عليهم علماء السنة يردون عليهم بدعهم ويصفونهم بالضلالة كما يستحقون، وهذه كتب السنة من تراجم وعقيدة وأصول وفقه وحديث قد امتلأت بكلام أهل السنة فيهم يحذرون الأمة منهم، فلم يبق لهم والعياذ بالله إلّا الذم بعد أن صالوا وجالوا "ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" .. فليتق الله كل صاحب قلم في دينه وفي هذه الأمة "والعاقبة للتقوى".
* * *
стр. 303
الفصل الثاني
العموم وقضية الثبات والشمول
توطئة:
يأتي هذا الفصل بعد أن تحدثت عن الاجتهاد وحكمه وحكمته وكيف يستطيع الناظر أن يتحقق من الملكة ليستنبط بعد ذلك الأحكام من هذه الشريعة الربانية، وفي هذا الفصل بيان لحقيقة العمومات الواردة فيها وكيفية إفادتها الشمول ليتمكن المجتهد من البناء عليها وتعميم حكم النص على جميع ما يشمله، ويدرك منزلة العمومات الشرعية، لتقوي عنده قاعدة الشمول وتستقر قاعدة الثبات، وبهذا يتحقق الإِعجاز التشريعي الذي يتسق مع الإِعجاز الكوني.
ويضم هذا الفصل من المباحث ما يبين ذلك إن شاء الله.
стр. 304
المبحث الأول
مقارنة بين الإِعجاز الكوني والإِعجاز التشريعي وبيان سماته
تبين مما سبق أن "الشريعة الإِسلامية" موصوفة بالكمال والثبات والشمول، وهذه ألفاظ أتراب يأخذ بعضها بحجز بعض، فإن قلت كمالها يقتضي ثباتها وشمولها فقد صدقت، لأنها لا تكون كاملة إلّا وهي ثابتة شاملة، لأن عدم الثبات نقص وعدم الشمول كذلك.
وإن قلت ثباتها يقتضي كمالها وشمولها فقد صدقت، لأن ثباتها اقتضى -في مراد الله- أنها لازمة للبشر كافة على جميع العصور، ولا تكون كذلك إلا وهي كاملة شاملة لأن ذلك مقتضى الرحمة والحكمة والعدل الرباني تفضلًا منه سبحانه ونعمة.
وإن قلت شمولها يقتضي ثباتها وكمالها فقد صدقت، لأنها لا تكون شاملة إلّا أن تكون ثابتة ما بقي تكليف وعمل في الأرض، وإلّا لم يتحقق الشمول إذا انقطع الثبات، وكذلك لا تكون شاملة إلّا إذا كملت فلا يلحقها نقص أبدًا.
فالكمال والثبات والشمول مقطوع به، وهو قمة الإِعجاز التشريعي (١)
стр. 305
وهو متواكب مع إعجاز الخلق لما نرى من الآيات الكونية، بل هو كما تبين فيما سبق مطبوع بطابع الإِعجاز الخلقي للكون، فالإعجاز التشريعي -الذي يعجز عن الإتيان بمثله أو بشيء منه البشر أجمعون- هو صادر عن إرادة الله في إنزال القرآن - الذي هو كلامه سبحانه - والإعجاز في خلق الكون وآياته ما علمنا منها وما لم نعلم - الذي يعجز عن خلق شيء منه البشر أجمعون - هو صادر أيضًا عن إرادته سبحانه حيث يقول للشيء كن فيكون، ولذلك كان سمة الإِعجاز في الموضعين واحدة حيث طبع بطابع الكمال والثبات والشمول.
ولذلك فإن هذين الإعجازين لا ينقطعان، أما الإِعجاز الكوني فكما قال سبحانه:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (١).
وأول صفاته ضخامته وتعدد مواضعه وكثرة خصائصه وتنوع أشكاله وعمق دلالته - يقابل ذلك كله ضعف طاقات الإِنسان في جميع عصوره - حتى في عصرنا الحاضر - وهذا جعل الإِنسان لا يستطيع أن يتملى هذا الإِعجاز ويكشف عن جميع مجالته ومظاهره وخصائصه دفعة واحدة في جيل واحد فضلًا أن يدرك عمقه، وفي ذلك رحمة بالإنسان لكي يدرك في كل عصر من دلالة هذا الإِعجاز ما يحمله على تصحيح عقيدته في الله واتباع منهجه، وهو في جميع العصور واجد لا محالة من خصائص هذا الإِعجاز ودلالته بحيث يفكر في حق الله عليه فلا يعدم ما يطلع عليه من خصائص الإِعجاز ودلالته ولا يمل من ذلك لأن مواضعه متعددة وأشكاله متنوعة.
ومن الإِعجاز في تدبيره سبحانه لأمر هذا الكون أن جعل الإِعجاز التشريعي متواكباً مع الإِعجاز الكوني، فيجد المتدبر لهذا القرآن حديثًا مفصلًا عن الكون وآياته -بحيث ينكشف له من خصائص الإِعجاز وعمق دلالته وتعدد مواضعه وتنوع أشكاله- ما يدل على أن هذه الشريعة التي جاء بها القرآن
стр. 306
هي من عند خالق هذا الكون فيطمئن لها حينئذ ويسكن إليها - وقد استولى على عقله وقلبه ذلك الإِعجاز في الخلق والتدبير، فيدرك بعمق دلالة الإِعجاز التشريعي، ذلك أن القرآن -بحديثه عن الإِعجاز الكوني بذلك الوضوح الذي يزيده إشراقًا إبداع الصنعة المحسوسة -قد يسر للعقل البشري والقلب الإِنساني تلقي وتفهم مظاهر الإِعجاز التشريعي، ولذلك كانت البداية في الخلق والأمر ببيان الإِعجاز الكوني فيأتي حينئذ الإِعجاز التشريعي ليستوي القلب البشري على الطاعة المختارة التي يتمثل فيها الرضى والطمأنينة لحكم الله الذي حفته مظاهر الإِعجاز من كل مكان، وهناك يتفاوت المؤمنون في إيمانهم وذلك لتفاوتهم في إدراك مظاهر الإِعجاز والإِبداع في الخلق والأمر.
ولا يزال هذان الإِعجازان الكوني والقرآني متواكبين إلى يوم القيامة وما زال التحدي بهما لقادة البشرية اليوم من الحكماء والعلماء والمشرعين - قائمًا فإن التحدي لم يكن لكفار قريش فقط، وما زال أهل الحق يعرضون هذا التحدي على أئمة البشرية اليوم في أوروبا وأمريكا وروسيا وغيرها من الأمم إن كانوا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا الإِعجاز الكوني أو التشريعي أو بشيء منه، وما هم بمستطيعين وما ينبغي لهم ومازال هذا قائمًا في هذا القرن وما بعده من القرون أمام جميع الجاهليات في الأرض:
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (١).
ولنبدأ بتلمس خيوط الإِعجاز التشريعي -زيادة توثق في الإِيمان وبيانًا لعلاقة الإِعجاز الكوني به، وكشفًا عن حقيقة الثبات والشمول.
لا عجب أن تتشاكل طبيعة هذين الإِعجازين فالله صاحب الخلق والأمر وإنّ من أبرز ملامح هذه المشاكلة ما يلي:
١ - الكون خلقه الله وقدر فيه طاقاته، فبقدر ما يتعامل الإِنسان معها بقدر ما يستخرج منها، فالماء طاقة مقدرة في الأرض، إذا استخرجها الإِنسان
стр. 307
فإنما استخرج طاقة كامنة يسر الله له استخراجها ولكنها ليست خلقاً جديدًا مستأنفًا في الأرض:
﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (١).
وفي هذه الآية دلالة على أن الله جعل في هذه الأرض جميع ما تحتاجه البشرية من الطاقات وكل جيل يستخرج منها ما يطيق حسب قدراته ونشاطه ومبلغه من العلم، وكذلك هذه الشريعة، جاءت نصوص الوحي بها متضمنة معاني لا حصر لها، فقد جعلها الله شاملة لما يشاء أن يعلّمه للبشر في جميع أجياله، وكل جيل يعلم منها ما يحتاج إليه في جميع شؤونه، فيستخرج منهاجًا يحكم حياته كلها، فيحفظ له هذا المنهج عقيدة صحيحة -فيسلم من التخلف العقيدي وهو الارتكاس إلى الجاهليات البشرية -ويحفظ حياته الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية فتتحقق حينئذ العبادة في هذه الأرض وهي المهمة التي خلق الله الإنسان من أجلها.
يأتي كل جيل ليرتبط بهذه الشريعة، ويجد علماؤه فيها كل ما يحتاجه في تلك الأمور -وليس شيئًا من ذلك قد أنزل إنزالاً جديدًا مستأنفاً، كلا، وإنما هو متضمن في هذه الشريعة، تماماً كما هو الشأن في هذا الكون فيقف كل جيل ليجد ما يحتاجه من الطاقات في هذا الكون مدخرًا له، ويجد المنهج الصحيح الذي يحكم له جزئيات حياته مدخرًا له في هذه الشريعة فيعلم أن له رباً خلق له كوناً يعيش فيه ليستخرج طاقاته، وإلهاً أنزل له شريعة ليستخرج منها ما يبصره بالمنهج الصحيح، وهذه أول ملامح تلك المشاكلة بين الإِعجاز الكوني والإِعجاز التشريعي.
٢ - إن هذا الكون لا تضاد فيه ولا تناقض بل هو صنعة محكمة مبدعة
стр. 308
وهذا هو الإِعجاز الذي يقابله إعجاز تشريعي حيث أنزل الله شريعته لا تضاد فيها ولا تناقض ولا اضطراب بل هي قول محكم.
وملامح هذه المشاكلة تظهر في مثل قوله تعالى: عن بيان امتناع هذا الكون عن الفساد والاضطراب:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١).
نعم لو كان في السماء والأرض آلهة إلّا الله لاقتضى ذلك أن تتعدد الإرادات في تدبير هذا الكون فهذا يسير القمر إلى جهة وآخر يأمره بضدها وهذا يريد الشمس جارية وذاك يريدها ساكنة، وحينئذ يقع الفساد، فلا يمكن أن تتعدد الألهة -وكل إله يستحق الألوهية- كلا لو كان كذلك لفسدت السموات والأرض.
وشريعة الله التي هي كلامه المعجز ووحيه إلى نبيه لا يمكن أن تتعارض ولذلك قال تعالى:
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
نعم لو كان القرآن من عند غير الله لوجدنا فيه ذلك الاختلاف، فلما لم نجد قطعنا حينئذ أنه من عند الله، مثل سلامة الكون من الفساد دلنا ذلك على أنه من خلق الله، وهذا وذاك هو سند الثبات في هذا الكون وفي هذه الشريعة إلى أن تقوم الساعة فيقدر الله حينئذ ما يشاء، والثبات هو من أهم معالم الإِعجاز التشريعي والإِعجاز الكوني.
٣ - من مظاهر الإِعجاز في الكون أنك تجده متجددًا معطاء بفضل من الله، والإنسان يستثمر ذلك العطاء، وكلما اتجه الإنسان إلى الاستثمار الصحيح
стр. 309
وجد خيرًا كثيرًا بإذن الله، وفي هذا الكون طاقات كلية ثابتة يستخرج منها الإِنسان -عن طريق الاستثمار الصحيح- طاقات جزئية لا حصر لها، ولذلك يختلف البشر في إمكان الحصول على ذلك ما بين مستكثر ومستقل، وقد حمّل الله الإِنسان هذا الجهد ليكابد الحياة ويعمل ويُعمر الأرض فتتحقق العبادة بإقامة الخلافة فيها.
والإِنسان في كل ذلك ليس خالقًا ولا منشئًا حتى وإن اكتشف، لأن أصل الخلقة لله سواء في الكون أو الإِنسان، وجهد الإِنسان إنما هو اكتشاف لِما يسره الله له حسب السنن الربانية.
وكذلك هذه الشريعة -التي هي وحي من الله- جعلها سبحانه متضمنة لكليات تشريعية تحفها جزئيات تشريعية كذلك، ثم كلف الأمة المتبعة لهذه الشريعة أن تجهد جهدها في إقامة فرض الكفاية وهو التعلم، وتهيئة طائفة منها لتقوم بمهمة التعليم والاجتهاد وذلك كله فرض كفاية، وعلى الأمة العمل لإقامته، وهؤلاء المجتهدون يستثمرون تلك الكليات التشريعية، وقد علموا منها ومن تلك الجزئيات كيف يتم الاستثمار وتتحقق مقاصد الشريعة، وحينئذ يتحقق لكل جيل عن طريق -المجتهدين- الحكم في مسائل لا يمكن حصرها البتة، وهذا هو غاية الاستثمار للكليات التشريعية (١)، وهذا الاستثمار اكتشاف لحكم الله، وليس إنشاء ولا تشريعًا تمامًا كما تبيّن لنا في الإِعجاز الكوني، ذلك أنَّ اللهَ وحده هو الخالق والمشرع والآمر سبحانه لا إله إلّا هو.
٤ - من مظاهر الإِعجاز الكوني أنك تجد شجرة واحدة -وهي آية من آيات الله - تتفرع عن أصلها فروع كثيرة جدًا، وتجد أيضًا أنواعًا كثيرة من
стр. 310
المخلوقات -كالهواء والماء والبذر والتربة .. - تجتمع لتخرج -بإذن الله- الزرع بجميع أجناسه، الذي يصلح لسد كثير من حاجات الإِنسان.
وإنك لتجد هذه الملامح في الإِعجاز التشريعي:
فمثلًا إذا تأملت في العموم اللفظي وجدته كأصل الشجرة الواحدة تقوم عليها تلك الفروع المتكاثرة، فاللفظ العام يشتمل في دلالته على فروع كثيرة، أصله لفظ واحد وفروعه لا تنحصر.
وإذا نظرت في مثال آخر وهو العموم المعنوي وجدت جزئيات من الشريعة قد اجتمعت من كل مكان على معنى واحد، فأصبح هذا المعنى جنسًا ينتج لنا أحكامًا خاصة بمسائل كثيرة بل يصبح مثل العموم اللفظي، فهناك لفظ عام تبنى عليه فروع شتى، وهنا جزئيات كثيرة يخرج منها أصل واحد يُحكم به على جزئيات لا تنحصر، فهل رأيت مثل هذا الإِعجاز، شجرة واحدة في الأصل تنمو فروعها وتتكاثر، وجزئيات متناثرة -من تراب وماء وهواء وبذور- تجتمع لتخرج بإذن الله شجرة ذات فروع كثيرة، عمومات لفظية -هي عمدة الشريعة- يتفرع عن كل واحد منها فروع لا تنحصر، وجزئيات كثيرة يتفرع عنها فروع كثيرة جدًا تشابهها في الحكم -عن طريق القياس الشرعي- وهذه الجزئيات تجتمع مرة أخرى لتنتج العموم المعنوي فيحكم به على فروع لا تنحصر.
هكذا في دورة تشريعية معجزة لا أجد لها شبيهًا إلا تلك الدورة الفلكية أو دورة الزروع والثمار المعجزة في الخلقة، التي تظنها قد تقف فينقطع عطاؤها، فكلما طاف بك طائف من شك أبصرتها تنطلق في دورة جديدة تبدد تلك الشكوك، هذه دورة الإِعجاز الكوني الذي يقول الله عنها متحديًا البشر في جميع العصور:
﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
стр. 311
وهذه هي دورة الإِعجاز التشريعي الذي يقول الله عنها متحديًا كذلك:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١).
أقول -والله أعلم بمراده- إن هذه الشريعة وهي كلام الله لا تنفد أبدًا -مهما قدر الله أن يخلق من الأجيال على هذه الأرض وسيجد فيها كل جيل ما يحتاجه يستنبطه منها علماؤه- فلا تنفد أبدًا، بل ينفد البحر دون أن ينفد منها شيء (٢).
وأقتصر على ما في الوسع من تبيين الملامح التي تظهر بين الإعجازين الكوني والتشريعي لعل فيه الكفاية في بيان حقيقة الإِعجاز التشريعي، وأنتقل بعده إلى دراسة موضوع العموميين اللفظي والمعنوي وهما من سمات ذلك الإِعجاز.
* * *
стр. 312
المبحث الثاني
العموم اللفظي
العموم هو الشمول، تقول العرب عم الرجل قومه بالعطية إذا شملهم (١) وعموم الشريعة شمولها، بحيث يدخل في حكمها ما لا حصر له من الوقائع والحوادث في جميع نواحي الحياة البشرية، فكما أن عموم التكليف للبشر أجمعين -وهم غير محصورين- فكذلك العموم هنا يشمل كل ما يحتاجه الناس في عموم الأحوال والأزمان والأمكنة بلا حصر (٢)، ونصوص الشريعة أكثرها
стр. 313
عمومات منها ما ورد في القرآن ومنها ما ورد في السنة وهي من أكبر قواعد الشمول في الشريعة (١)، لأنها من جهة تعتبر جوامع مختصرة يدخل تحتها ما لا يمكن حصره من الجزئيات والوقائع التي تجد في حياة البشرية، ومن جهة أخرى تمثل ثبات الشريعة لأنها عمدتها ولأنها حجة على كل حال عند السلف الصالح يقطعون بعموماتها بحسب فهم المقصد العربي في اللسان وبحسب مقاصد الشارع في موارد الأحكام.
وفي هذا المبحث بيان لحجيتها وقوتها (٢) والجواب عما يعارض ذلك وقد اختلف منهج الأصوليين في دراسة العمومات، وأدى هذا الاختلاف إلى الاختلاف في قوة شمولها فمنهم من ضعفها وجعلها ظنية وهم المتكلمون ومنهم من قواها فجعلها قطعية وهو منهج الحنفية والشاطبي وابن تيمية (٣)، مع أن هؤلاء وهؤلاء يستدلون بها وتتقارب وجهات النظر عندهم إذا أخذوا في الاستدلال، لأن طريقة المتكلمين تنزع -كعادتها- إلى البحث التجريدي -
стр. 314
وقد غلبت عليهم حتى في أصول الفقه فإذا أخذوا في العمل -والتطبيق- تخففوا من آثار مسلكهم في البحث ولذلك سأهتم اهتماماً شديدًا ببيان الفوارق في منهج النظر بين أصحاب المذهبين وستحظى "طريقة المتكلمين" بتحليل يبرز حقيقتها وحجمها العلمي مع بيان السبب الذي حملهم عليها، ولن أقف عند طريقة المتكلمين ومقابلتها بطريقة الحنفية، بل سأنقل البحث إلى ضم طريقة الشاطبي وطريقة ابن تيمية وأقارن بينهما لعل في ذلك تجديدًا لطريقة السلف الصالح، ومظنة ذلك في نقول هذين الإِمامين كما سيأتي بيانه.
وإن مما يساعد إلى الوصول إلى نتيجة صحيحة أن نعلم أن مسألتنا التي وقع عليها الاختلاف مسألة شرعية، لا هي عقلية تجريدية ولا هي لغوية صرفة، وجميع الدارسين -المفروض فيهم- أن يكونوا متعبدين باتباع المقاصد الشرعية والمقاصد العرِبية في فهم لغة العرب، لأنه ليس عندنا عقلاً محضًا نتبعه، ولا لفظًا مجرداً نحتكم إليه، وإنما العبرة بمجموع اللفظ والمعنى تسوقه المقاصد اللغوية وتحكمه المقاصد الشرعية.
المطلب الأول
الفرع الأول
طريقة الإِمام الشاطبي
يعتمد الإِمام الشاطبي ﵀ في دراسته لموضوع "العموم" على منهج متميز يلتزم فيه بمقاصد العربية -وهي الجارية في كلام العرب في التعميم (١)، وبمقاصد الشرع مبتعدًا عما يصوره العقل في مناحي الكلام (٢)، فلا هو يتبع البحث اللغوي التجريدي، ولا البحث العقلي التجريدي كذلك.
يقدم الشاطبي العموم الاستعمالي على عموم الصيغة، وإن كانت في أصل وضعها على خلاف المقاصد الاستعمالية، ذلك لأنه لا يعتبر ما تدل عليه
стр. 315
الصيغة في أصل وضعها عند الإِطلاق (١)، بل يعتمد المقاصد الاستعمالية التي تقضي العوائد بالقصد إليها، وهو لا ينكر أن يكون للصيغة وضع أصلي، بل ذلك مسلم عنده، ولكنه يعتمد على قاعدة معلومة عند أهل العربية وهي: "أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي كان الحكم للاستعمالي" (٢).
فما تدل عليه الصيغة في أصل وضعها عند الإِطلاق قياسي، وما تدل عليه بحسب المقاصد الاستعمالية التي يقصد إليها المتكلم في العادة استعمالي، والاستعمالي مقدم على القياسي، ولذلك اعتبرت العرب مقتضيات الأحوال التي هي ملاك البيان يدل على ذلك:
إن العربي قد يستعمل لفظ عموم يشمل في أصل الوضع نفسه وغيره، ومقتضى الحال أنه لا يريد نفسه ولا أنه داخل في العموم وهذا هو الوضع الاستعمالي (٣). قال ابن خروف (٤):
لو أن رجلًا حلف ليضربن جميع من في الدار وهو معهم فيها فضربهم ولم يضرب نفسه لكان صادقًا.
стр. 316
ولو قال: اتهم الأمير كل من في المدينة فضربهم، لم يدخل الأمير في التهمة والضرب.
قال: فكذلك قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فإن صفاته سبحانه لا تدخل تحت الإِخبار الوارد في هذه الآية، وكل ما وقع الإِخبار به من نحو هذا لا تدخل فيه صفاته تعالى، وهذا معلوم من وضع اللسان فإن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه (٢). ومثله قوله تعالى:
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣).
لم يقصد أنها تدمر السموات والأرضين والجبال .. وإنما المعنى أنها تدمر كل شيء مما مرت عليه ومما شأنها أنها تؤثر عليه في الجملة ولذلك قال:
﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٤).
يؤكد ذلك أنه لا يصح عند أهل العربية الاستثناء في مثل قول الرجل: "من دخل داري أكرمته إلا نفسي" أو "أكرمت الناس إلّا نفسي" أو"قاتلت الكفار إلا من لم ألق منهم" وإنما يصح الاستثناء لغير المتكلم من الداخلين أو المكرمين أو المقاتلين الذين يلاقيهم وهو الذي يتوهم دخوله إذا لم يستثن.
"هذا كلام العرب في التعميم فهو إذًا الجاري في عمومات الشرع" (٥).
стр. 317
وعلى هذا فلا نحتاج إلى التخصيص هنا لا بالعقل (١)، ولا بالحس (٢)، ولا بالمنفصل ولا بالمتصل، وذلك لأن المجموع -من لفظ العام وما لحقه من المنفصل عنه أو المتصل به من ألفاظ- هو الدال على مقصود المتكلم، ومقصده يعرف بالطريقة التي بينها الشاطبي من كلام العرب، وإذا كان المجموع هو الدال -وقد استقر التشريع بعد انقطاع الوحي- فتحصل عندنا العام وما اتصل به من الكلام وما انفصل عنه، فإن دلالته تعرف من المقاصد الاستعمالية وليس هناك إخراج لشيء، وإنما هو بيان لقصد المتكلم من عموم اللفظ لكي لا يتوهم السامع منه غير ما ذكر، فاللفظ المتصل بالعام لا يخصص من محصول الحكم شيئًا لا لفظًا ولا قصدًا، وكذلك المنفصل ليس تخصيصًا حقيقيًا، وإنما هو بيان لمقصود المتكلم من عموم الصيغة (٣) وذلك يعرف من مقصد الشارع، ومقصد الشارع يعرف من مجموع نصوصه وهو وضع واحد لا متعدد، ولا تخصيص فيه لا في اللفظ ولا في الإِرادة، فالحاصل: أن ما يلحق بصيغ العموم سواء كان متصلًا أو منفصلًا إنما هو بيان لوضع الصيغ في أصل الاستعمال فهو تفسير أشبه البيان الذي يأتي عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه (٤).
وفائدة هذا البحث عند الإِمام الشاطبي كما يلي:
١ - أن عمومات القرآن والسنة -وهي عمدة الشريعة- حجة على
стр. 318
تحقيق النظر والقطع بالحكم، وذلك هو الموافق لكلام العرب -الذي نزل القرآن به- وموافق "لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقًا بحسب قصد العرب من اللسان وبحسب قصد الشارع من موارد الأحكام" (١).
٢ - أن هذه العمومات حجة أيضًا بعد التخصيص (٢).
٣ - السلامة من جميع الإِشكالات والشناعات التي وقع فيها بعض الأصوليين (٣).
وبعد أن تعرفنا على مذهب الإِمام الشاطبي أنتقل إلى ذكر الاعتراضات التي يمكن أن ترد عليه وهي قسمان، منها ما ذكره هو وأجاب عنه، ومنها ما ذكره غيره وأجيب عنه هنا -إن شاء الله تعالى- وذلك في الفرع الثاني والثالث.
الفرع الثاني
الاعتراضات التي ذكرها وأجاب عنها
* الاعتراض الأول: إذا ثبت أن حالة الوضع تقتضي إطلاق اللفظ على جميع ما هو موضع له، فإن حالة الاستعمال والتركيب وهي الحالة الثانية لا تخرج عن أحد اعتبارين:
(أ) ما أن تبقى دلالة اللفظ على ما هي عليه، فهو حينئذ الوضع الإفرادي وهذا مقتضاه.
(ب) إذا لم تبق دلالته على ما هي عليه فهو الوضع الاستعمالي الذي خصص الوضع الإِفرادي، وهذا التخصيص لا بد له من مخصص عقلي أونقلي، وهو مذهب الأصوليين وعلى ذلك فلنكتفي بما قرره الأصوليون ولا داعي للقول بالعموم الاستعمالي.
стр. 319
وأجاب الشاطبي عن هذا بجواب حاصله: أن التخصيص غير وارد وذلك أن اللفظ إذا بقيت دلالته فلا تخصيص وهذا ظاهر.
وإذا لم تبق دلالته على أصل الوضع الإِفرادي فذلك سببه كما ورد في الاعتراض وقوع الوضع الاستعمالي، وهذا الوضع الاستعمالي ذو أصالة مستقلة عن الوضع الإِفرادي، بل هو شبيه بالحقيقة العرفية القابلة للحقيقة اللغوية، فمقابلة الوضع الإِفرادي للاستعمالي كمقابلة الحقيقة اللغوية للعرفية، فهما وضعان حقيقان لا مجازيان وعليه فإن العموم الاستعمالي وضع حقيقي لا مجازي.
والدليل على ذلك هو ما ثبت في الأصول العربية من أن اللفظ العربي له أصالتان قياسية واستعمالية، والاستعمالية أصالة أخرى غير ما للفظ في أصل الوضع، وعلى هذا فإن "الاستعمالي" وضع ثان وليس تخصيصًا للوضع الأول.
• الاعتراض الثاني: أن "الاستعمالي" لا يؤثر في دلالة اللفظ حال الإِفراد، ولا يصير وضعًا ثانيًا، بل هو باق على أصله ثم يأتي التخصيص بمتصل أو بمنفصل بعد ذلك.
والدليل على صحة هذا الاعتراض: أن العرب تفهم التعميم من ورود اللفظ العام في سياق الاستعمال حتى يأتي مخصص له، مع أن هناك من الأمثلة ما دل السياق فيها على خلاف ما فهموا، والأمثلة تبين المقصود ومنها:
١ - فهمهم لقوله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١).
فقال الصحابة: أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فقال ﵊: "إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: "إن الشرك لظلم عظيم".
стр. 320
٢ - ومن ذلك أنه لما نزل قوله تعالى:
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١)
قال بعض الكفار فقد عبدت الملائكة وعبد المسيح فنزل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢)
فقد فهم العرب من مقتضى اللفظ العموم وبادرت أفهامهم إليه، واعتبروا اللفظ بما وضع له في الأصل، وفهمهم هذا معتبر، كيف والقرآن قد نزل بلسانهم (٣).
وأجاب الشاطبي بجوابين:
أحدهما مختصر والآخر مفصل، وأكتفي هنا بالأول وحاصله:
أن العموم الاستعمالي لا يفهم إلا باعتبار المقصد الشرعي فمن فهم مقصد الشارع أدرك العموم الاستعمالي، وكذلك يحتاج إلى إدراك المقصد الاستعمالي العربي، والعرب في إدراك مقصد العربية شرع سواء (٤)، وأما إدراك المقصد الشرعي فالتفاوت فيه حاصل، فليس قديم العهد بالإِسلام كجديد العهد به، ولا الدارس والمشتغل به كغيره ولا المبتدئ فيه كالمنتهي والتفاوت حاصل بين المؤمنين: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٥).