← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ولو قال: اتهم الأمير كل من في المدينة فضربهم، لم يدخل الأمير في التهمة والضرب. قال: فكذلك قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) فإن صفاته سبحانه لا تدخل تحت الإِخبار الوارد في هذه الآية، وكل ما وقع الإِخبار به من نحو هذا لا تدخل فيه صفاته تعالى، وهذا معلوم من وضع اللسان فإن العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه (٢). ومثله قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣). لم يقصد أنها تدمر السموات والأرضين والجبال .. وإنما المعنى أنها تدمر كل شيء مما مرت عليه ومما شأنها أنها تؤثر عليه في الجملة ولذلك قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (٤). يؤكد ذلك أنه لا يصح عند أهل العربية الاستثناء في مثل قول الرجل: "من دخل داري أكرمته إلا نفسي" أو "أكرمت الناس إلّا نفسي" أو"قاتلت الكفار إلا من لم ألق منهم" وإنما يصح الاستثناء لغير المتكلم من الداخلين أو المكرمين أو المقاتلين الذين يلاقيهم وهو الذي يتوهم دخوله إذا لم يستثن. "هذا كلام العرب في التعميم فهو إذًا الجاري في عمومات الشرع" (٥).

стр. 317

وعلى هذا فلا نحتاج إلى التخصيص هنا لا بالعقل (١)، ولا بالحس (٢)، ولا بالمنفصل ولا بالمتصل، وذلك لأن المجموع -من لفظ العام وما لحقه من المنفصل عنه أو المتصل به من ألفاظ- هو الدال على مقصود المتكلم، ومقصده يعرف بالطريقة التي بينها الشاطبي من كلام العرب، وإذا كان المجموع هو الدال -وقد استقر التشريع بعد انقطاع الوحي- فتحصل عندنا العام وما اتصل به من الكلام وما انفصل عنه، فإن دلالته تعرف من المقاصد الاستعمالية وليس هناك إخراج لشيء، وإنما هو بيان لقصد المتكلم من عموم اللفظ لكي لا يتوهم السامع منه غير ما ذكر، فاللفظ المتصل بالعام لا يخصص من محصول الحكم شيئًا لا لفظًا ولا قصدًا، وكذلك المنفصل ليس تخصيصًا حقيقيًا، وإنما هو بيان لمقصود المتكلم من عموم الصيغة (٣) وذلك يعرف من مقصد الشارع، ومقصد الشارع يعرف من مجموع نصوصه وهو وضع واحد لا متعدد، ولا تخصيص فيه لا في اللفظ ولا في الإِرادة، فالحاصل: أن ما يلحق بصيغ العموم سواء كان متصلًا أو منفصلًا إنما هو بيان لوضع الصيغ في أصل الاستعمال فهو تفسير أشبه البيان الذي يأتي عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه (٤). وفائدة هذا البحث عند الإِمام الشاطبي كما يلي: ١ - أن عمومات القرآن والسنة -وهي عمدة الشريعة- حجة على

стр. 318

تحقيق النظر والقطع بالحكم، وذلك هو الموافق لكلام العرب -الذي نزل القرآن به- وموافق "لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقًا بحسب قصد العرب من اللسان وبحسب قصد الشارع من موارد الأحكام" (١). ٢ - أن هذه العمومات حجة أيضًا بعد التخصيص (٢). ٣ - السلامة من جميع الإِشكالات والشناعات التي وقع فيها بعض الأصوليين (٣). وبعد أن تعرفنا على مذهب الإِمام الشاطبي أنتقل إلى ذكر الاعتراضات التي يمكن أن ترد عليه وهي قسمان، منها ما ذكره هو وأجاب عنه، ومنها ما ذكره غيره وأجيب عنه هنا -إن شاء الله تعالى- وذلك في الفرع الثاني والثالث. الفرع الثاني الاعتراضات التي ذكرها وأجاب عنها * الاعتراض الأول: إذا ثبت أن حالة الوضع تقتضي إطلاق اللفظ على جميع ما هو موضع له، فإن حالة الاستعمال والتركيب وهي الحالة الثانية لا تخرج عن أحد اعتبارين: (أ) ما أن تبقى دلالة اللفظ على ما هي عليه، فهو حينئذ الوضع الإفرادي وهذا مقتضاه. (ب) إذا لم تبق دلالته على ما هي عليه فهو الوضع الاستعمالي الذي خصص الوضع الإِفرادي، وهذا التخصيص لا بد له من مخصص عقلي أونقلي، وهو مذهب الأصوليين وعلى ذلك فلنكتفي بما قرره الأصوليون ولا داعي للقول بالعموم الاستعمالي.

стр. 319

وأجاب الشاطبي عن هذا بجواب حاصله: أن التخصيص غير وارد وذلك أن اللفظ إذا بقيت دلالته فلا تخصيص وهذا ظاهر. وإذا لم تبق دلالته على أصل الوضع الإِفرادي فذلك سببه كما ورد في الاعتراض وقوع الوضع الاستعمالي، وهذا الوضع الاستعمالي ذو أصالة مستقلة عن الوضع الإِفرادي، بل هو شبيه بالحقيقة العرفية القابلة للحقيقة اللغوية، فمقابلة الوضع الإِفرادي للاستعمالي كمقابلة الحقيقة اللغوية للعرفية، فهما وضعان حقيقان لا مجازيان وعليه فإن العموم الاستعمالي وضع حقيقي لا مجازي. والدليل على ذلك هو ما ثبت في الأصول العربية من أن اللفظ العربي له أصالتان قياسية واستعمالية، والاستعمالية أصالة أخرى غير ما للفظ في أصل الوضع، وعلى هذا فإن "الاستعمالي" وضع ثان وليس تخصيصًا للوضع الأول. • الاعتراض الثاني: أن "الاستعمالي" لا يؤثر في دلالة اللفظ حال الإِفراد، ولا يصير وضعًا ثانيًا، بل هو باق على أصله ثم يأتي التخصيص بمتصل أو بمنفصل بعد ذلك. والدليل على صحة هذا الاعتراض: أن العرب تفهم التعميم من ورود اللفظ العام في سياق الاستعمال حتى يأتي مخصص له، مع أن هناك من الأمثلة ما دل السياق فيها على خلاف ما فهموا، والأمثلة تبين المقصود ومنها: ١ - فهمهم لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١). فقال الصحابة: أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فقال ﵊: "إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: "إن الشرك لظلم عظيم".

стр. 320

٢ - ومن ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١) قال بعض الكفار فقد عبدت الملائكة وعبد المسيح فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢) فقد فهم العرب من مقتضى اللفظ العموم وبادرت أفهامهم إليه، واعتبروا اللفظ بما وضع له في الأصل، وفهمهم هذا معتبر، كيف والقرآن قد نزل بلسانهم (٣). وأجاب الشاطبي بجوابين: أحدهما مختصر والآخر مفصل، وأكتفي هنا بالأول وحاصله: أن العموم الاستعمالي لا يفهم إلا باعتبار المقصد الشرعي فمن فهم مقصد الشارع أدرك العموم الاستعمالي، وكذلك يحتاج إلى إدراك المقصد الاستعمالي العربي، والعرب في إدراك مقصد العربية شرع سواء (٤)، وأما إدراك المقصد الشرعي فالتفاوت فيه حاصل، فليس قديم العهد بالإِسلام كجديد العهد به، ولا الدارس والمشتغل به كغيره ولا المبتدئ فيه كالمنتهي والتفاوت حاصل بين المؤمنين: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٥).

стр. 321

فإذا توقف بعض الصحابة كما في الأمثلة السابقة وغيرها، فلأن إدراك المقصد الشرعي يتفاوت الصحابة فيه فمن خفي عليه ذلك المقصد ثم علمه زال الإشكال، فعدم إدراك بعض الصحابة فيه للعموم الاستعمالي سببه عدم إدراك المقصد الشرعي، كما أن من لم يعرف القصد الاستعمالي العربي لم يدرك العموم الاستعمالي وحينئذ يحمل اللفظ على أصل الوضع. وليس في هذا دلالة على أن اللفظ ليس له إلا وضع واحد، بل له وضع استعمالي فمن لم يعرفه اعتمد الوضع الأصلي. وقد بين الشاطبي عدم إدراك المقصد الشرعي عند بعض الصحابة في الآية الأولى، وعدم إدراك المعترض من الكفار موقع الآية بل جهل مقصد السياق فإن الخطاب فيها لقريش وكانوا يعبدون ما لا يعقل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ... ﴾ الآية إشارة إلى ما لا يعقل، فلا يدخل فيه المسيح ولا الملائكة، فنزل بيانًا لجهل المعترض قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ .... ﴾ فالمسيح والملائكة لم يدخلوا في المعنى الذي من أجله نزلت هذه الآية، فإنها نزلت خطابًا لقريش وما كانوا يعبدون المسيح ولا الملائكة، فالعموم الوارد في الآية عموم استعمالي لم يدخل فيه الملائكة ولا المسيح (١). "وبالجملة فجوابهم بيان لعمومات تلك النصوص كيف وقعت في الشريعة وأن ثم قصدًا آخر سوى القصد العربي لا بد من تحصيله، وبه يحصل فهمها وعلى طريقه يجري سائر العمومات وإذ ذاك لا يكون ثم تخصيص بمنفصل البتة واطردت العمومات قواعد صادقة العموم" (٢). • الاعتراض الثالث: وهو وارد على جواب الاعتراض الثاني وأذكره هنا مستقلًا لِيُمكِن إيضاحه:

стр. 322

وحاصله: أن ما في الجواب من أن بعض الصحابة لم يدركوا المقصد الشرعي، يعارضه أن منهم من أدرك المقاصد الشرعية كما أدركها كثير من العلماء من بعدهم وحملوا اللفظ أيضًا على عمومه في أصل الوضع مع أن السياق على خلافه، ومن أمثلة ذلك: ١ - قصة عمر مع بعض أصحابه حيث رآهم يتوسعون في الِإنفاق فقال لهم: أين تذهب بكم هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية وسياق الآية يقتضي أنها إنما نزلت في الكفار الذين رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة ولذلك قال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ ثم قال: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ... ﴾ (١). فالآية غير لائقة بحالة المؤمنين، ومع ذلك فقد أخذها عمر مستندًا في ترك الإسراف مطلقًا. ٢ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). نزلت فيمن ارتد عن الإِسلام بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). ثم إن عامة العلماء استدلوا بها على كون الإِجماع حجة وأن مخالفه عاص وعلى أن الابتداع في الدين مذموم" (٤).

стр. 323

وغير هذين المثالين كثير وهي مبنية على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهي مسألة مختلف فيها، وحاصل البحث أن أحد القولين هو الأصح ولا فائدة زائدة (١). وأجاب الشاطبي عن هذا بأحد جوابين: الأول: إن هذا ليس من مسألة البحث، وهو فقه حسن يعرفه الراسخون في العلم، فإن الله ذكر المؤمنين بأحسن أعمالهم وذكر الكافرين بأسوء أعمالهم ليكون العبد بين الخوف والرجاء فيرى أحسن أفعال المؤمنين فيقتدي بها، ويرى أفعال الكافرين فيحذر منها، وليس هذا من قبيل الصيغ العمومية، بل من قبيل حمل ذلك محمل الداخل تحت العموم اللفظي. والثاني: إن هذا بيان "فقه الجزئيات من الكليات العامة لا أن المقصود التخصيص بل بيان جهة العموم" (٢). وبهذا الجواب يتقرر عند الإِمام الشاطبي أن العموم الاستعمالي وضع ثان غير الوضع الأصلي، ويعرفه من عرف مقاصد العربية ومقاصد الشريعة وعلى ذلك فالعمومات صادقة العموم وهي حقيقة لا مجاز وليس هناك تخصيص بمنفصل، وهذا هو موقف الصحابة والسلف من عمومات الكتاب والسنة، يبينونها وهم ينظرون إلى مقاصد الشارع فيها، ولا يقتصرون على أصل الوضع، ولا يرون ذلك البيان إخراجًا من أصل اللفظ. ويزيد الشاطبي هذه المسألة إيضاحًا: فيقول: إن التخصيص بالمتصل

стр. 324

سواء بالاستثناء كقولك: "عشرة إلا ثلاثة" فإنه مرادف لقولك سبعة، أو بالصفة وأشباه ذلك: "ليس في الحقيقة بإخراج الشيء بل هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ". ويستشهد بقول سيبويه: "زيد الأحمر عند من لا يعرفه كزيد وحده عند من يعرفه" (١)، ولا تخصيص لا لفظًا ولا قصدًا، وأما أنه ليس بمجاز: فذلك لحصول الفرق عند العرب بين قول القائل: "ما رأيت أسدًا يفترس الأبطال" وقول القائل: "ما رأيت رجلًا شجاعًا" فالأول مجاز والثاني (٢) حقيقة. والشاطبي في هذا الاستدلال يعتمد على أمرين: الأول: الرجوع إلى أهل العربية في هذا الاعتبار. الثاني: اعتبار المقصد الشرعي. أما ما يصوره العقل في مناحي الكلام فلا يعتمده طريقًا لإِثبات مقصوده هنا (٣). أما التخصيص بالمنفصل عنده فليس هو التخصيص الذي يذهب إليه الأصوليون، بل هو بيان للمقصود من عموم الصيغ في أصل الاستعمال العربي أو الشرعي، وما ذكره الأصوليون يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص. وفرق بين قوله أن التخصيص بيان لوضع اللفظ، وبين قولهم أنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه. والفرق بينهما كما يصوره الشاطبي كالفرق بين البيان عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه، وبين البيان الذي سبق عقب الحقيقة لبيان أن المراد المجاز كقولك: "رأيت أسدًا يفترس الأبطال".

стр. 325

فالأول: بيان المراد من اللفظ المشترك ومثله التخصيص بالمنفصل عند الشاطبي الذي هو عبارة عن بيان المقصود من عموم الصيغ. والثاني: بيان أن المراد من اللفظ المجاز لا الحقيقة ومثله عند الأصوليين التخصيص الذي هو بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص. وأما الاعتراضات الأخرى فنذكرها ثم نجيب عنها، وهي: الفرع الثالث اعتراضات أخرى وجوابها ١ - إن الخلاف إنما يكون حقيقيًا بين الجمهور القائلين بأن العام حقيقة بعد التخصيص ومن ثم يكون حجة وبين القائلين بأنه مجاز فيكون محتملاً فلا يكون حجة وهو رأي ضعيف والخلاف فيه كذلك، فلا يحتاج من الشاطبي إلى كل هذا الجهد كما يرى الأستاذ دراز ﵀. ٢ - يقترح أن يعتمد الشاطبي رأي الجمهور وينصره ويرد على المخالف فيقرر أن العام حقيقة فيما قصد ويبقى بعد التخصيص كذلك. ٣ - إن حاصل مذهب الشاطبي أن العام حجة بعد التخصيص ولا يسميه تخصيصًا بل يسميه بيانًا والجمهور يسمونه تخصيصًا وما شنع به على الأصوليين لا معنى له، لأنه يتفق معهم في نهاية الطريق، فإن لزم على رأيهم التساهل بالعمومات وانتفاء جوامع الكلم فكذلك على رأيه لأنه يحتاج إلى مبين والمبين يحتاج إلى فهم لمقاصد العربية ومقاصد الشريعة (١). واقترح ترتيب مذهب الشاطبي على النحو التالي وذلك بأن يقرن الشاطبي ﵀ مذهبه مع مذهب الجمهور للرد على من نفى الحجية بدعوى

стр. 326

المجاز، وهذا الرأي وإن كان ضعيفًا إلّا أنه يوهن الاستدلال بالعمومات، وإن الجوامع لا تكون كذلك إلا إذا كان المعنى محددًا محررًا وهذا لا يتحقق على رأي القائل بالمجاز لأن المجاز محتمل (١). ونؤيد مطلب الأستاذ دراز بادئ ذي بدء ونتمنى تحقيقه، لأن تجميع الطاقة العلمية وإبعاد الخلاف عن مسائل الدين أمر مطلوب محبوب، ولكن هل يمكن للشاطبي أن يسير مع طريقة المتكلمين حذو القذة بالقذة، وقبل أن نعرض لطريقتهم -وهم القائلون بالظنية وقد اختلفوا بعد ذلك في حجية العام- نشير إلى الجواب عن اعتراضات الأستاذ دراز واقتراحاته بما يناسب هذا الموضع ونسجل الجواب في النقاط الآتية: ١ - إن منهج الشاطبي في دراسة العموم يختلف تمام الاختلاف عن مسلك المتكلمين ومن تابعهم، والخلاف جوهري، يشبه الخلاف بين مسلك المتكلمين ومنهج السلف في الاستدلال، ومن الفوارق بينهما ما يلي: (أ) مسلك المتكلمين مسلك تجريدي عقلي، ومسلك الشاطبي مبني على طبيعة هذه الشريعة، فهي شريعة ذات مقاصد نزلت بلسان عربي مبين، فالعبرة بالاستعمال والمقاصد، وعمدة الشاطبي راسخة حيث اعتمد على لغة العرب (٢) وهي الحجة البينة في مثل هذه المسألة. (ب) إن الشاطبي تابع السلف الذين من شأنهم تقوية الأدلة كما تبين لنا عند الحديث عن إفادة الشريعة للعلم، والمتكلمون تابعوا مسلكهم في تضعيف الأدلة ووصفها بالظنية (٣). ٢ - إن الإِمام الشاطبي اعتمد في رد القول بتضعيف العموم والقول بالمخصصات على حقيقة قول الجمهور، فإنهم كما أشار دراز وهو يذكر قول الغزالي لا يدخلون في العموم ما لا يخطر ببال المتكلم وإن البيان للعام لا يسمى

стр. 327

تخصيصًا إلا تجوزًا (١)، فكيف ينتصر الشاطبي لمسلك المتكلمين وهو يعلم أن ما ذهب إليه هو منهج السلف وعليه تدل اللغة وهو بيان في الحقيقة لا تخصيص حتى عند مخالفيه، وإنما قالوا بتضعيف العمومات وأدخلوا المخصصات عليها ثم اختلفوا في حجيتها بعد تضعيفها بسبب التزامهم طرقًا في الاستدلال ليست مثل الطريق الذي سلكه الإِمام الشاطبي، فكيف ينصرهم على مثل هذا. والحقيقة -التي سنذب عنها إن شاء الله بالبينة الظاهرة أن الخلاف بين منهج الشاطبي الذي تابع فيه منهج السلف في الاستدلال وبين مسلك المتكلمين يشبه الخلاف بين علماء الكلام وعلماء السلف، وفي هذا التنبيه كفاية في هذا الموضع. وسيأتي له زيادة بيان وتأكيد في المطلب الثاني، وهو عرض طريقة المتكلمين ومناقشتها. المطلب الثاني طريقة المتكلمين ومناقشتها الفرع الأول ذكر طريقة المتكلمين (٢) وهم جمهور المتكلمين من أتباع المذاهب الثلاثة: المالكية والشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية (٣).

стр. 328

قالوا: إن دلالة العمومات القرآنية والسنّية ظنية (١)، واستدلوا: "بأن

стр. 329

العام قد كثر تخصيصه، وشاع قصره على بعض أفراده، حتى أصبح قولهم "ما من عام إلا وقد خصص" بمنزلة المثل، فنتج عن ذلك احتمال التخصيص في كل عام ولو لم يظهر ما يخصصه، وحيث قام احتمال التخصيص، وإرادة البعض انتفى القطع واليقين لأن القطع لا يثبت مع الاحتمال" (١). وقد آثرت نقل الدليل -الذي ليس لهم غيره- بنصه حتى يكون ذلك أحكم وأوضح وأثبت في بيان حجتهم. وبعد ذلك أعرض منهج الحنفية والشاطبي وابن تيمية في مناقشتها. الفرع الثاني مناقشة الحنفية والإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية لطريقة المتكلمين يتكون دليل المتكلمين من مقدمتين: الأولى: وجود احتمال يمنع من قطعية دلالة العام. الثانية: أن هذا الاحتمال ناشئ من وقوع التخصيص وكثرته حتى أصبح قولهم: "ما من عام إلّا وقد خصص" بمنزلة المثل. والحنفية والشاطبي يردون هذا الاستدلال كل حسب طريقته، ويتفقون تارة في طريقة الجواب وسنبين ذلك، ويختلفون تارة أخرى، والمهم أنهم جميعًا بتساعدون على رد طريقة المتكلمين. فالحنفية يردون المقدمتين معًا: وذلك أن الاحتمال المعتبر عندهم

стр. 330

هو الاحتمال الناشىِء عن دليل، وهذا الاحتمال الذي أُسست عليه طريقة المتكلمين ليس ناشئاً عن دليل فلا عبرة به (١). وقد أجاب القائلون بالظنية بأن هذا الاحتمال ناشئ عن دليل هو وقوعٍ التخصيص وكثرته "فالاحتمال الناشئ عن هذه الكثرة إذا لم يكن راجحاً -لعدم ظهور القرينة الخاصة- فلا أقل من أن يكون احتمالًا مرجوحًا لجواز وجود القرينة مع خفائها وإذا وجد الاحتمال انتفى القطع" (٢). وجوابهم هو من معنى المقدمة الثانية، وهي التي ردها الحنفية أيضًا وكذلك الشاطبي، فقد خالفوهم في مثلهم المشهور "ما من عام إلّا وقد خصص" فهذه ليست مسلمة عند الحنفية، وليست مسلمة أيضًا عند الشاطبي وقد عارضها شيخ الإِسلام ابن تيمية أشد المعارضة: قال الإِمام الشاطبي: ردًا على القائلين بالاستدلال بالعمومات على تحسين الظن لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم قال: "وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها وربما نقلوا في الحجة لهذا الموضع عن ابن عباس أنه قال: ليس في القرآن عام إلا مخصص إلّا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). وجميع ذلك مخالف لكلام العرب ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقًا بحسب. قصد العرب في اللسان وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام" (٤).

стр. 331

"وما نقل عن ابن عباس إن ثبت من طريق صحيح فيحتمل التأويل" (١). ولعل في صحته نظر، ولو صح لاعتمده بعض من انتصر لطريقة المتكلمين، ولكنه لم يثبت، وأما قول الإِمام الشاطبي أنه إن ثبت فيحتمل التأويل -لا يعني ثبوته- بل هو من المجادلة بالحسنى، ولعل التأويل الذي تطلع إليه الشاطبي يشبه ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية -وهو يتعجب أشد العجب من هذه المقالة "ما من عام إلا وخصص" فيعتذر لمن نصرها بأنهم يقصدون "ما من عام فيه لفظ" كل شيء "إلا وخصص إلا كلمة أو كلمات" (٢) أما العمومات الأخرى التي ليس فيها لفظ "كل شيء" فإن ابن تيمية يرى أن قولهم فيها أنها مخصصة إلا قوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أنه من أكذب الكلام وأفسده وإن أطلقه بعض السادات المتفقهة (٣) ومن ثم فإن ابن تيمية يعارض في تضعيف العمومات (٤)، ويتابع السلف كما تابعهم الشاطبي ويعتبر العمومات المسندة المجردة عن قبول التخصيص تكاد تكون قاطعة في شمولها بل قد تكون قاطعة (٥). الفرع الثالث مناقشة ابن تيمية لطريقة المتكلمين ومقارنتها بمذهب الشاطبي وقبل أن أذكر جواب شيخ الإِسلام عن طريقة المتكلمين أذكر أوجه الشبه بين منهج الإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية في عدة نقاط: ١ - أنهما يشتركان في القول بقطعية العمومات. ٢ - أن ابن تيمية يعتبر أن مذهب الجمهور: أن الخاص المتأخر عن

стр. 332

العام يقضي على العام باعتباره تفسيرًا له فيتبين أن صورة التخصيص لم ترد باللفظ العام (١) ويرجح مذهب الجمهور في موضع آخر فيقول: إن "التخصيص فرع على ثبوت عموم اللفظ، ومن هنا يغلط كثير من الغالطين يعتقدون أن اللفظ عام، ثم يعتقدون أنه قد خص منه ولو أمعنوا النظر لعلموا من أول الأمر أن الذي أخرجوه لم يكن اللفظ شاملاً له ... " (٢). وهذا هو مذهب الشاطبي بعينه، فما يرد على العام إنما هو تفسير وهو مذهب الجمهور كما حكاه ابن تيمية. ومن مجموع هذه النقول يتبين لنا مذهب الجمهور وهو أن ما يلحق بالعمومات إنما هو في الحقيقة تفسير لا تخصيص. ٣ - أن ابن تيمية يعارض أشد المعارضة "مثل" المتكلمين الذي بنوا عليه طريقتهم وهو قولهم: "ما من عام إلا وقد خصص" والشاطبي يعتبره -كما اعتبره الإِمام ابن تيمية- معارضًا لجميع الكتب التي أنزلها الله ولسائر كلام الأمم (٣). ٤ - أن العموم اللفظي على هذا التفسير والعموم المعنوي هما طريقان لإثبات حكم الأشياء الكثيرة والقضاء بالكلية العامة كما يقول ابن تيمية ولذلك دافع عنهما ورد قول من ضعفهما وأجاب عما استدلوا به (٤)، وذلك صنيع الشاطبي في الموافقات كما سبق بيانه. وبعد معرفة أوجه الشبه أذكر جواب شيخ الإِسلام -كما أورده في الجزء السادس من الفتاوي الكبرى ويمكن تقسيمه إلى قسمين:

стр. 333

الأول: أجاب فيه عن قول القائلين أن العموم وإن ثبتت به الحجة لكنه ضعيف. الثاني: مناقشة قولهم أن أكثر العمومات مخصوصة، ويمكن أن أقسم جوابه إلى فقرات. (أ) مناقشة قولهم بتضعيف العمومات: أجاب عن قولهم "إن العموم يحتج به على ضعف في دلالته لأن العمومات أكثرها مخصوصة وأنه ما من عموم محفوظ إلا كلمة أو كلمات" (١). أجاب بقوله: "هذا سؤال لا توجيه له، فإن هذا القدر الذي ذكرته لا يخلو: إما أن يكون مانعًا من الاستدلال بالعموم أو لا يكون، فإن كان مانعًا فهو مذهب منكري العموم من الواقفية والمخصصة، وهو مذهب سخيف لم يُنتسب إليه، وإن لم يكن مانعًا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته أن يقال: دلالة العموم أضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يُقر، فإنه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام" (٢). (ب) مناقشة قولهم أن أكثر العمومات مخصوصة: وأجاب عن الثاني بقوله: " .. من الذي سلم أن أكثر العمومات مخصوصة؟ أم من الذي يقول ما من عموم إلّا وقد خص إلّا قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). فإن هذا الكلام وإن كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده.

стр. 334

والظن بمن قاله أولًا أنه إنما عني أن العموم من لفظ "كل شيء" مخصوص إلا مواضع قليلة كما في قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١). ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣). وإلا فأي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنّة وفي سائر كتب الله وكلام أنبيائه وسائر كلام الأمم عربهم وعجمهم. وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة سواء عنيت عموم الجمع لأفراده أو عموم الكل لأجزائه أو عموم الكل لجزئياته" (٤). ثم ذكر ﵀ أمثلة كثيرة تدل على ذلك مع أنه باب واسع كما قال، ومن هذه الأمثلة ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥). عموم يشمل جميع العالمين فليس أحد من العالمين إلّا والله ربه. ٢ - ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٦). فهل في يوم الدين شيء لا يملكه الله؟

стр. 335

٣ - ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١). فهل في هذين الصنفين من لا يجتنب حاله التي كان بها مغضوبًا عليه أو ضالًا؟ ٤ - ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢). الآية .. فهل أحد من المتقين لم يهتد بالقرآن؟ ٥ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣). هل في هذا الذي أنزله الله على رسله ﵈ ما لم يؤمن به المؤمنون لا عمومًا ولا خصوصًا؟ ٦ - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤). فهل خرج هذا العموم أحد من المتقين فلم يدخل في الهدى في الدنيا ولم يكن من أهل الفلاح في الآخرة؛ ٧ - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٥). فهل في الناس من لم يخلقهم الله لعبادته حتى يخرجوا من هذا العموم الوارد في الآية؟

стр. 336

وهناك أمثلة أخرى ذكرها شيخ الإِسلام (١)، وهذه العمومات الكثيرة استخرجها من آيات معدودة من سورة الفاتحة وأول سورة البقرة ثم قال: "فالذي يقول بعد هذا: ما من عام إلا وقد خص إلا كذا وكذا، إما في غاية الجهل وإما في غاية التقصير في العبارة، فإن الذي أظنه أنه إنما عني "من الكلمات التي تعم كل شيء، مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم، وإن فسر بهذا، لكنه أساء في التعبير أيضًا، فإن الكلمة العامة ليس معناها أنها تعم كل شيء وإنما المقصود أن تعم ما دلت عليه أي ما وضع اللفظ له وما من لفظ في الغالب إلا وهو أخض مما هو فوقه في العموم وأعم مما هو دونه في العموم والجميع يكون عامًا" (٢). وهذا هو العموم الاستعمالي الذي بينه الشاطبي وهو يوضح معنى قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣). وكما نص الشاطبي على أن قولهم "ما من عام إلا وقد خص" مناف لكلام العرب فكذلك نص ابن تيمية حيث قال: "ثم عامة كلام العرب وسائر الأمم إنما هو أسماء عامة" (٤). وهذا الأخير هو من معنى ما أجاب به الحنفية -عن طريقة المتكلمين- حيث قالوا إن الألفاظ العامة -في كلام العرب- لو قلنا إنها تحتمل التخصيص بدون قرينة لارتفع الأمان عن اللغة فلا يستقيم ما يفهمه الناس من خطاب الشرع -وعامة خطابه عمومات- ولما استقام قول السيد كل عبد لي فهو حر، فاحتمال التخصيص مؤد إلى التلبيس (٥).

стр. 337

هذا ما يسر الله لي تحريره من أجوبة العلماء الذين ناقشوا طريقة المتكلمين وقد تبين من أجوبتهم أنها تدل على علم راسخ يدعمه البرهان الشرعي والعلم بلغة العرب، ومنهجهم في الاستدلال منهج متميز يبتعد عن الإِطلاقات والاحتمالات المجردة عن الأدلة وعن الفرضيات التي لا برهان عليها، وأسلوبهم في الأداء تطبيقي على مفردات الآيات ومفردات اللغة وسهل ميسر للفهم ومجاف لأسلوب المتكلمين العقلي التجريدي وسنؤكد على ذلك بعد قليل. وبهذا يتبين لنا أن رفع القطعية عن العمومات الشرعية لا موجب له، مع أنه مخالف لكلام العرب ومؤد إلى التلبيس ومخالفة السلف كما صرح به الشاطبي (١)، وقولهم ما من عام إلا وخصص لا يصح، فلم يبق عندهم إلّا القول بكثرة تخصيص العمومات وهذا -إن سلمناه- لا يوجب المصير إلى مقالتهم، لأن وجود هذه الكثرة يقابلها وجود كثرة مثلها في عمومات لم تخصص، فما الذي رجح اعتبار إحدى الكثرتين، فيبقى الأمر كما قال الحنفية وإلا ارتفع الأمان عن اللغة ووقع التلبيس، أما إذا اعتبرنا منهج الإِمام الشاطبي وابن تيمية ونصرناه فإن ذلك أقوى في إسقاط طريقة المتكلمين، ذلك لأن طريقتهم مبنية على التجريد العقلي، والتجريد اللغوي وإغفال المقاصد اللغوية والشرعية، وقبل أن نذكر جواب الإِمام الشاطبي أذكر الدليل على ما قلته آنفًا -من أنهم اتبعوا التجريد العقلي والتجريد اللغوي .. وذلك يُعرف بتحليل طريقة المتكلمين وبيان الفرق بينهما وبين طريقة الشاطبي. الفرع الرابع تحليل طريقة المتكلمين وبيان الفرق بينها وبين طريقة السلف كما يمثلها الشاطبي ونبدأ بتحليل موضعين اثنين: الأول: تحليل جوابهم عن اعتراض الحنفية عليهم بأن مقتضى قولهم ما من عام إلا وخصص مؤد إلى التلبيس ورفع الأمان عن اللغة.

стр. 338

الثاني: تعلقهم حين الاستدلال بالوضع اللغوي دون الالتفات إلى مقصد الشرع واستعماله. وسيكون تحليل هذين الموضعين في سياق متتابع الفقرات دون الفصل بينهما، اللهم إلا ببيان لمميزات طريقة الشاطبي وابن تيمية لأن الأمور تعرف بأضدادها. وأبدأ بتحليل ما أجاب به المتكلمون عن قول الأحناف: "إن القول بالتخصيص للعمومات بدون قرينة يؤدي إلى رفع الأمان عن اللغة"، حيث اجابوا بقولهم: إن القرينة وإن لم تكن موجودة لكنها خافية علينا، وخفاؤها وفقدها لا يدل على انعدامها فلا يلزم من ذلك التلبيس ولا رفع الأمان عن اللغة، لأنا في الحقيقة عولنا على قرينة -في قولنا بالتخصيص للعمومات ومن ثم وصفها بالظنية- والقرينة موجودة وإن خفيت علينا وفقدناه (١). وهذا تجريد عقلي محض، فكأنهم يقولون الأدلة العامة على الظنية لأنها تحتمل التخصيص، فإذا قلنا: لا بد من قرينة وهي مفقودة، قالوا وإن كانت مفقودة لكنها لم تنعدم. وقارن بين هذه الطريقة في الاستدلال وبين طريقة المعتزلة ومن تابعهم من المتكلمين عند الاستدلال على بدعتهم من أن الأدلة النقلية ظنية، فقد استدلوا -كما ذكرنا سابقًا- بأن وجود المعارض العقلي قد أوجب ذلك، فإذا ثبت عندهم فقدان المعارض العقلي لم يقولوا أيضًا بأن الأدلة النقلية تفيد العلم، بل قالوا إنه وإن فُقِد لكنه لم ينعدم، فتبقى الظنية ملازمة للأدلة النقلية. القائلون بظنية العمومات يدّعون بأن القرينة التي أدت إلى احتمال التخصيص منعت القول بالقطعية، وإن فقدنا القرينة لم تثبت القطعية لأن القرينة موجودة وإن فقدت.

стр. 339

والقائلون بظنية الأدلة النقلية يقولون إن المعارض العقلي أدى إلى منع القول بإفادتها العلم، وإن فقدناه لم تفد العلم أيضًا، لأنه يُحتمل وجود المعارض. احتمال وجود القرينة وإن فُقدت ينبني عليه القول بظنية العمومات الشرعية. احتمال وجود المعارض العقلي وإن فُقد ينبني عليه القول بظنية الأدلة الشرعية (١). فهل ترى بينهما من فارق!؟ وبعد هذا نستطيع أن ندرك بعمق منهج الإِمام الشاطبي لأن الأمور تعرف بأضدادها. يرفض الإِمام الشاطبي جعل العقل حكمًا في تحديد القطعية في العمومات بناء على منهجه العام في الاستدلال كما أوضحه في المقدمات، فالعقل ليس له أن يقرر ابتداء حكمًا من الأحكام ولا أن يتقدم بين يدي الأدلة الشرعية، فهو محكوم لا حاكم يسرحه الشرع كما يشاء (٢). أمر آخر مهم جدًا وهو أن طريقة الاستدلال على القضايا الشرعية طريقة شرعية أيضًا تأخذ طبيعة هذه الشريعة، فإذا أنزلت هذه الشريعة المباركة للإفهام (٣) فطريقة الاستدلال ينبغي أن تكون كذلك، وإذا خوطب بها الأميون واعتبر في خطابها الجمهور فينبغي أن تكون طريقة الاستدلال كذلك (٤)، ومن هنا ابتعد الإِمام الشاطبي عن مسلك المتكلمين في أصول الفقه، وابتع طريقًا

стр. 340

شرعياً واضحًا يتميز فيه عن أهل الأهواء مطلقًا سواء من الفرق الضالة أو من تأثر بهم (١). فلا عجب إذًا أن يجانب طريقة المتكلمين في دراسة العموم ... وحاصل ما عنده -وقد سبق- أن العام وبيانه أصبح بين أيدينا عند انقطاع الوحي، فمجموعهما هو الدليل، وهذا المجموع من العام وبيانه هو عبارة عن مجموع المقصد اللغوي والشرعي، ولا دخل لما يصوره العقل في مناحي الكلام ومن هنا لا حاجة لنا بطريقة المتكلمين في التعلق بالاحتمال المبني على وجود القرينة -التي إن فُقدت ما عُدمت- كما يقولون، فما يرد على العام إنما هو تفسير لبيان المقصود منه، وهو في اللغة وفي الشرع موضوع وضعًا استعماليًا وهو مقدم على الوضع الإِفرادي، هذا هو الجاري في كلام العرب، والرجوع في هذا إليهم لا إلى العقل وما يصوره. فالشاطبي -مراعاة لمنهج الشريعة في الإِفهام- ينزل مباشرة إلى الواقع الاستعمالي سواء في كلام العرب أم في خطاب الشارع، فيجد ذلك كله، وضعًا إفراديًا يقابله وضع استعمالي، فالمقصود عند العرب هو الاستعمالي فَلْيُعْتبر إذًا ولا حاجة لغيره، وكذلك في خطاب الشارع نجد مجموع اللفظ العام وتفسيره فلنأخذهما معًا فيكون التفسير بيانًا -نظير البيان الذي يأتي عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه- وإذا كان كذلك فلا حاجة لتوهين العمومات الشرعية فلا نصفها بأنها ظنيات ونستدل بها على تحسين الظن وعدم القطع، كلا بل هي قطعية والقول بغير ذلك "مخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته (أي القرآن) التي فهموها تحقيقًا بحسب قصد العرب في اللسان وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام. وأيضًا فمن المعلوم أن النبي ﷺ بُعث بجوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا على وجه هو أبلغ ما يكون وأقرب ما يمكن في التحصيل، ورأس هذه

стр. 341

الجوامع في التعبير العمومات، فإذا فرض أنها ليست بموجودة في القرآن جوامع بل على وجه تفتقر فيه إلى مخصصات ومقيدات وأمور أخر فقد خرجت تلك العمومات عن أن تكون جوامع مختصرة" (١). وطريقة المتكلمين تأثرت بالفلسفة التجريدية -كما بينا سابقًا- فهي طريقة مجافية لمقصد الشريعة ومنهجها في الاستدلال، ولذلك وقعوا في كثرة الاحتمالات وأوقعوا الأدلة الشرعية معهم في ذلك ووصفوها بالظنية، وكان جل علمهم موسوم بالجدل العقلي -كما هو شأنهم في دراسة العقيدة- وابتعدوا كثيرًا عن الواقع العملي -ولذلك بقيت بينهم وبين عوام المسلمين فجوة ضخمة وما زالت- ولما كان البحث في أصول الفقه لا بد من أن تكون له ثمرة تطبيقه غُلب المتكلمون على طبيعتهم فما استطاعوا أن يخرجوا منها إلّا بعسر شديد تلحظ أثره في أن كثيرًا من مسائل الأصول لا ينبني عليها عمل (٢) وإن كثر عليها الخلاف، والمسائل التي خرجت عن طبيعتهم هي المسائل التي تبنى عليها آثار تطبيقه مثل مسائل العموم، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يدخلوا إلا عن طريق التجريد العقلي، فلما تنزلوا إلى واقع التطبيق كان منهجهم قريبًا من منهج الإِمام الشاطبي، لأن الواقع العملي مغاير في طبيعته للواقع الفلسفي التجريدي -ولو أن المتكلمين ابتعدوا عن التصورات العقلية التجريدية ونزلوا إلى الواقع العملي التطبيقي لسلموا من كثير من الفساد- ويكفيني دليل واحد صرح به الغزالي في المستصفى: ذلك قوله إن إطلاق التخصيص تجوز قال الشيخ أبو زهرة "ومهما يكن اختلاف الفقهاء في مدى المخصصات وقوتها فإنهم يقررون أن التخصيص ليس إخراجًا لبعض أفراد العام من الحكم بعد أن دخلوا فيه بل يقررون أن التخصيص هو بيان إرادة الشارع بعض أفراد العام ابتداء، وأن

стр. 342

الأفراد التي لا تشملها الأحكام المقترنة بلفظ العام لم تدخل في ضمن العام بالنسبة لهذه الأحكام، فقد نصت كتب الأصول شافعية كانت أو حنفية أو مالكية على أن التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده بالإِرادة الأولى، فيكون المخصص مبينًا لإِرادة الخصوص، ولقد ذكر الغزالي أن تسمية الأدلة مخصصة تجوز، إذ التخصيص على التحقيق بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص" (١). ولذلك لم ير الشاطبي أن هذا التخصيص موجود في الشريعة، لأنه لا إخراج من الصيغة في الحقيقة، بل الإِرادة -أي الوضع الاستعمالي الشرعي- استخدم اللفظ العام وأطلقه على بعض أفراده، وهذا الاستعمالي مقدم على الوضع الأول، فما يقوله الأصوليون من أن المخصص قصر العام على بعض أفراده إنما هو تَجوَّز، ولذلك يعتبر الشاطبي هذا -الذي يسميه الأصوليون تخصيصاً- يعتبره بينًا وتفسيرًا، يدلنا على الوضع الاستعمالي -أي ما أراده الشرع- وفي الحقيقة ليس هناك تخصيص في محصول الحكم لا لفظًا ولا قصدًا كما قرره في الموافقات (٢) وهذا الذي قاله هو الذي تؤول إليه طريقة المتكلمين والحنفية أيضًا عندما ينزلون إلى واقع العمل التطبيقي كما بين الشيخ أبو زهرة، وشهد به الغزالي. ومن عظمْ فقه الإِمام الشاطبي أن التفت إلى هذه الحقيقة فقال: "فإن قيل: أفيكون تأصيل أهل الأصول كله باطلًا أم لا؟ فإن كان باطلًا لزم أن يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأ، والأمة لا تجتمع على الخطأ، وإن كان صوابًا -وهو الذي يقتضيه إجماعهم- فكل ما يعارضه خطأ، فإذا كل ما تقدم بيانه خطأ. فالجواب: إن إجماعهم أولًا غير ثابت على شرطه، ولو سلم أنه ثابت لم يلزم منه إبطال ما تقدم، لأنهم إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع الإِفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي حتى إذا أخذوا في

стр. 343

الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتباره كل على اعتبار رآه أو تأويل ارتضاه، فالذي تقدم بيانه مستنبط من اعتبارهم الصيغ في الاستعمال بلا خلاف بيننا وبينهم إلا ما يفهم عنهم من لا يحيط علمًا بمقاصدهم ولا يجود محصول كلامهم .. وبالله التوفيق" (١). فكأن الإِمام الشاطبي يريد أن يصحح لكثير من الأصوليين طريقة الاستدلال ولذلك تجنب ﵀ طريقة التجريد العقلي واللغوي، واعتبر المقصدين اللغوي والشرعي وقدمهما على الوضع الإِفرادي واستند في ذلك كله إلى ركن ركين (٢)، ولو دخل الأصوليون من هذا المدخل لسلموا من الوقوع في شناعات خطيرة، ولا يسلمهم من ذلك أنهم إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتبار الوضع الاستعمالي لأن تلك المحظورات والشناعات يؤدي إليها مسلكهم الأول من ذلك ما قاله الشاطبي واعتمده الشيخ أبو زهرة (٣) "فإن قيل: حاصل ما مر أنه بحث في عبارة والمعنى متفق عليه ومثله لا ينبني عليه حكم، فالجواب: أن لا، بل هو بحث فيما ينبني عليه أحكام، منها أنهم اختلفوا في العام إذا خص هل يبقى حجة أم لا (٤) وهي من المسائل الخطيرة في الدين، فإن الخلاف فيها في ظاهر الأمر شنيع لأن غالب الأدلة الشرعية وعمدتها هي العمومات فإذا عُدت من المسائل المُختلفِ فيها بناء على ما قالوه أيضًا من أن جميع العمومات أو غالبها مخصص صار معظم الشريعة مختلفًا فيها هل هو حجة أم لا، ومثل ذلك يلقى في المطلقات فانظر فيه، فإذا عرضت المسألة على هذا

стр. 344

الأصل المذكور (أي) على ما قرره الإِمام الشاطبي لم يبق الإِشكال لمحظور وصارت العمومات حجة على كل قول. ولقد أدى إشكال هذا الموضع (أي طريقة المتكلمين في الاستدلال) إلى شناعة أخرى وهي أن عمومات القرآن ليس فيها ما هو معتد به في حقيقة العموم وإن قيل بأنه حجة بعد التخصيص، وفيه ما يقتضي إبطال الكليات القرآنية وإسقاط الاستدلال به جملة إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم (١)، وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها" (٢). فالإمام الشاطبي يعتبر الأصل الاستعمالي الشرعي ابتداء .. ولذلك سلم مذهبه من هذه الشناعات، والمتكلمون وقعوا في التجريد العقلي والتعلق بالاحتمالات والتأثر بأصول الكلام في وصف دلالة الألفاظ الشرعية بالظنية ولزمهم من الشناعات ما لزمهم. وعلى طريقتهم في إغفال واقع الاستعمال الشرعي -الذي هو الحجة المعتبرة في فهم إرادة الشارع- أغفلوا واقع الاستعمال العربي - الذي

стр. 345

هو الحجة المعتبرة في فهم مقاصد العرب من كلامها - فجعلوا العام المخصص مجازاً واعتبروا أصل اللغة وأغفلوا عرف الشارع واستعماله، وعلى طريقة الشاطبي أغفلوا المقصد الاستعمالي العربي، إذ لو اعتبروه لعلموا أنه وضع استعمالي معتبر عند العرب ومقدم على الأصل القياسي الذي هو أصل الوضع، ولكنهم أغفلوا ذلك وذهبوا إلى القول بالمجاز -والمجاز محتمل- وقالوا: إن القائلين بأنه حقيقة لا يستقيم قولهم إلا إذا أرادوا بذلك أنه حقيقة في عرف الشارع واستعماله ثم قالوا: "والكلام ليس فيه وإنما هو في اللفظ من حيث وضع اللغة" (١) واللفظ الواحد لا يكون حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى معنى واحد في استعمال واحد (٢)، وهنا يتبين لنا بوضوح الفرق بين طريقة المتكلمين وطريقة الشاطبي، فالمتكلمون أغفلوا المقصدين الشرعي واللغوي، ووقعوا في مقابل ذلك في التجريد العقلي واللغوي، وطريقة الإِمام الشاطبي اعتمدت المقصدين الشرعي واللغوي، وبعدت عن التجريد العقلي واللغوي، فليس هناك وضع واحد أو استعمال واحد وإنما هما وضعان، وضع إفرادي ووضع استعمالي، والثاني مقدم على الأول -وقد ذكرت الحجة لذلك فيما سبق- والبحث محكوم بعد ذلك بمقصد الشارع واستعماله وليس نظراً مجرداً في وضع اللفظ وإن خالف المقصد الاستعمالي في اللغة والشرع. وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نحدد معالم منهج الإِمام الشاطبي مع الإشارة إلى ما يضاده عند التكلمين: ١ - إن منهج الإِمام الشاطبي منهج شرعي راعى فيه المقصد الاستعمالي الشرعي، ومنهج لغوي راعى فيه المقصد الاستعمالي في كلام العرب، وأما طريقة المتكلمين فعلى الضد من ذلك أغفلت المقصد الاستعمالي الشرعي والمقصد الاستعمالي اللغوي، والبحث في العموم يقوم على اعتبار المقصدين لأنه بحث لغوي من جانب وشرعي من جانب آخر، فقاعدة الشاطبي في بحثه أسلم وأحكم وأشمل، بخلاف طريقة المتكلمين.

стр. 346

٢ - تحرر الإِمام الشاطبي من مسلك أهل الكلام في المنهج والأسلوب فلا هو يتبع العقل وما يصوره، ولا يغفل الواقع التطبيقي العملي وما يقتضيه، بخلاف مسلك أهل الكلام فقد غلبت عليهم طبيعتهم حتى في أصول الفقه (١) فاتبعوا "العقل" وما يصوره وأغفلوا الواقع الاستعمالي لهذه الشريعة وللغة العرب وما يترتب عليه. ولهذا الفرق بين الطريقتين - ولما مر ذكره من الأدلة المباشرة يعتبر منهج الإِمام الشاطبي منهج أصيل متميز مستند إلى منهج السلف في الاستدلال تحوطه الأدلة البينة من حيث الاستعمال الشرعي والاستعمال اللغوي، وهو منهج يأخذ طبيعته من طبيعة هذه الشريعة من حيث الإِفهام ومن حيث الاحتجاج. ٣ - تحرر الإِمام الشاطبي من القول بأن العمومات عند السلف ظنية الدلالة لأنهم مخصصون لها بأخبار الآحاد وهي ظنية الدلالة فلو كانت العمومات قطعية لما خصصها السلف بأخبار الآحاد. وقد سبق بيان أن ما نسبه المتكلمون إليهم لا برهان عليه (٢). ولعله من أعظم الشبه التي حملت المتكلمين في أصول الفقه على قولهم بظنية العمومات. وقد تحرر الشاطبي من ذلك كله فلم يتبع هذا الفرض الذي لا صحة له وتحرر من جانب آخر من مذهب الحنفية، فإنه وإن وافقهم في القول بقطعية العمومات إلا أنه يرى أن العام وبيانه دليل واحد ووضع واحد استعمالي يدل على مقصد الشارع، ولا يجعلهما متقابلين بحيث نحتاج إلى التخصيص بالمنفصل أوالمتصل ثم نقع في مقالة المتكلمين أو مقالة الحنفية، ولأن كانت طريقة المتكلمين قد أوجبت على العمومات الشرعية وصف الظنية، فإن الحنفية قد حجزوا أخبار الآحاد - مع صحتها وعدم شذوذها وعلتها - عن تخصيص

стр. 347

العمومات باعتبار أنها قطعية وأخبار الآحاد ظنية، ولا يخصصون بها العمومات والحالة هذه. وكما لم نسلم للمتكلمين القول بظنية العمومات فكذلك لا نسلم للحنفية منع هذه الأخبار من تفسير العام وبيانه، وكما أن ما فرضه المتكلمون من نسبة الظنية إلى الصحابة في العام وبيانه نسبة لا برهان عليها، فكذلك ما فرضه الحنفية من ظنية تلك الأخبار فرض لا صحة له، وقد تبين بالدليل الشرعي والنقل المتفق عليه من لدن الصحابة والتابعين أن أخبار الآحاد على تلك الصفة يصح بها الاستدلال على العقيدة ويزاد بها على القرآن وتكون تفسيراً وبياناً للعمومات (١). فيتحصل لنا من هذه الدراسة: ١ - إن عمدة الشريعة العمومات وهي صادقة العموم قطع السلف بذلك تحقيقاً لما فهموه حسب المقصد اللغوي والمقصد الشرعي. ٢ - إن ما ثبت من الدليل الشرعي متواتراً أوآحاداً يصح الاستدلال به على تفسير العمومات وبيانها، كما يصح الاستدلال به على إضافة السنّة لحكم جديد وإن كان زيادة على ما جاء به القرآن، ويصح الاستدلال بها -أيضاً- على العقيدة، سواء وصفه هؤلاء أوأولئك بالظنية أو القطعية (٢).

стр. 348

٣ - إن العمومات حجة ثابتة تحقيقاً قبل التخصيص وبعده. وهذه من أعظم قواعد الثبات والشمول، فالشريعة عمدتها هذه العمومات الصادقة التي قطع بها السلف .. فهي علم ثابت راسخ الأركان هوقوام الكليات الشرعية منها يستخرج المجتهد -عن طريق الاجتهاد- الأحكام الشرعية وهي معلومة للأمة بل هي أساس الشريعة فهي حجة ثابتة -قبل التخصيص وبعده- وعنها يتفرع شمول الشريعة لأن العموم هو الشمول، وينبني على قاعدة راسخة ثابتة - لا على ظن واحتمال ومجاز .. فتنطلق مهمة الاجتهاد من تلك القاعدة - وطرق الاجتهاد كثيرة كما سيأتي معنا - وذلك بإعمال تلك العمومات واستخراج الجزئيات غير المتناهية منها - إضافة لما ورد من الأحكام الجزئية في الشريعة -فتكون تلك الكليات- التي هي العمومات - هي المعين الذي لا ينضب والبحر الذي لا ينفد يغترف منه المجتهدون ما تحتاجه الأمة من الأحكام فلا ينقطع الاجتهاد ولا ينفد البحر (١)، وإن عملية الاجتهاد كما تحدثنا عنها وكما سنتحدث عنها عند عرض أهم طرق الاجتهاد الأخرى هي الكفيلة باستخراج تلك الكنوز التي اشتملت عليها تلك العمومات سواء عن طريق استخراج النص مباشرة .. أو عن طريق قياس العلة أو عن طريق قياس المصلحة، فالاجتهاد بجميع أنواعه تنقيح المناط أو تخريجه أوتحقيقه هوعمل المجتهدين الذي به يتحقق الشمول في واقع الناس ويستقر على تلك القواعد الصادقة العموم التي تقوم بها الحجة وتثبت بها الأحكام كما هو منهج السلف الصالح بالقطع بعموماتها تحقيقاً، وبيان تلك العمومات بكل ما ثبت في الشريعة. * * *

стр. 349

المبحث الثالث العموم (١) المعنوي العموم المعنوي صنو العموم اللفظي، ودلالتهما على الشمول متشابهة وقد أشرت إلى أن "المعنوي" هو ما دلت مجموعة جزئيات تم استقرائها من مواضع كثيرة في الشريعة على معنى واحد فيجري حينئذ مجرى العموم المستفاد من الصيغ، وقد بينت وجه الإِعجاز التشريعي في ذلك (٢). وإفادته الشمول تكون بالاستدلال به على كل نازلة تَعنْ يمكن أن يدخلها المجتهد تحت عموم المعنى الذي استقرءه من الشريعة دون أن يحتاج إلى صيغة خاصة (٣). وقد عمل السلف الصالح به في مواضع كثيرة نقتصر منها على ذكر موضعين اثنين: الأول: رفع الحرج. الثاني: سد الذريعة. الأول: أصل رفع الحرج: وهو"كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أوالمال حالًا

стр. 350

أو مآلا" (١) ورفعه إما بمنعه قبل وقوعه أو بإزالته بعد وقوعه (٢). وأدلة هذا الأصل مبثوثة في الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة، من ذلك ما ورد في سورة المائدة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣). ومنها ما ورد في سورة الحج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤). ومنها آيات التيسير والتخفيف والرحمة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥). وقوله تعالى لرسوله محمد ﵊: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (٦). واليسرى هي الحنفية السمحة أي الشرائع الموافقة لحاجات البشر، ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٧).

стр. 351

وقد جاءت السنّة المطهرة ببيان أمور ثلاثة هامة تدل على رفع الحرج وهي: ١ - بيان يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عنه (١). ٢ - في خشيته ﷺ أن يكون قد شق على أمته (٢). ٣ - في أمر الصحابة بالتخفيف ونهيهم عن التعمق والتشديد وإنكار ذلك (٣). وهذه تدل جميعها على أن رفع الحرج أصل مقطوع به (٤)، يقول الإِمام الشاطبي وهو يستدل على العموم المعنوي "وإذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء والصلاة قاعدًا عند مشقة القيام والقصر والفطر في السفر والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التلف الذي هو أعظم المشقات، والصلاة إلى أي جهة كانت لعسر استخراج القبلة، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر، والعفو في الصيام عما يعسر الاحتراز منه من المفطرات كغبار الطريق ونحوه إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج، فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء فكأنه عموم لفظي" (٥) أي يحكم به المجتهد على كل نازلة تعن له من غير اعتبار بقياس أو غيره من دليل خاص.

стр. 352

الثاني: قاعدة سد الذريعة (١): ذكر الامام ابن القيم تسعة وتسعين دليلاً على هذه القاعدة (٢)، وبين الإِمام الشاطبي اتفاق الأئمة والسلف على أصل سد الذريعة (٣)، وإليك بعض الأدلة على وجوب سدها نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: ١ - قول النبي ﷺ حين أشار إليه بعض أصحابه بقتل المنافقين الذين ظهر نفاقهم قال: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" فالقتل لهؤلاء مصلحة شرعية، وحصول التهمة هذه بعد قتلهم مفسدة تزيد على تلك المصلحة بكثير، فمنع من المصلحة سداً لذريعة الفساد (٤). ٢ - قوله ﵊ لعائشة ﵂ "لولا قومك حديث عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" فالمصلحة ظاهرة وهي رد البيت إلى قواعده التي أمر الله أن تبنى عليها، والمفسدة هي ارتداد الداخلين في الإِسلام الذين هم حديث عهد بكفرِ، فكانت المفسدة أعظم من المصلحة فمنعت مع أنها مشروعة في الأصل سداً لذريعة الفساد (٥). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦)

стр. 353

فمنع الله من هذا الفعل - مع مافيه من المصلحة - وذلك لتحقق مفسدة أكبر وهي سب المشركين لله تعالى (١). ٤ - "وحرم ﵊ الخلوة بالمرأة الأجنبية، وأن تسافر مع غير محرم ونهى عن بناء المساجد على القبور وعن الصلاة إليها وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (٢) وحرم نكاح ما فوق الأربع لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٣) وحرمت خطبة المعتدة تصريحاً ونكاحها، وحرم على المرأة في عدة الوفاة الطيب والزينة وسائر دواعي النكاح وكذلك الطيب وعقد النكاح للمحرم ونهى عن البيع والسلف، وعن هدية المديان وعن ميراث القاتل ... " (٤) .. وكل ذلك سداً لذريعة الفساد، وهناك جزئيات كثيرة جداً كلها اجتمعت على إفادة معنى السد، فكان منها العموم المعنوي. وقد استدل السلف بهذا الأصل على أمور أخرى مثل تركهم الأضحية مع القدرة عليها مخافة أن يظن الناس أنها واجبة - وقد سبق - (٥) وإتمام عثمان الصلاة بالناس في الحج - مع أن القصر سنة - مخافة أن يظن الأعراب أن صلاة الظهر والعصر ركعتان، وسلم له الصحابة فِى عذره, وفي هذا دليل على أن معنى السد أصل شرعي عما به الصحابة في وقائع لم يكن لها حكم خاص، بل إنما حكموا به عن طريق العموم المعنوي (٦)، وبهذه الأمثلة التطبيقية يتبين لنا أن المجتهد يحكم بالعموم اللفظي على ما يشمله من الأفراد، ويحكم بمجموع

стр. 354

الجزئيات - التي تُنْتِجُ معنى عاماً في الشريعة - وهو العموم المعنوي على كل مسألة تعن يمكن أن تدخل تحت ذلك العموم، ولا يحتاج إلى نص خاص أو قياس، وهذان العمومان - كما سبق - من القوة والحجية بمكان بحيث يسندان خصائص الإِعجاز التشريعي التي سبق ذكرها وهي الكمال والشمول والثبات، ويتصل بهذا الموضع الذي نحن فيه مسألة أصولية تتعلق بالعمومات وهي العمل بها قبل العلم بالمخصص وقد ذكر الدكتور الحكمي هذه المسألة في رسالته "تخصيص العام" وتوصل إلى نتيجة -مرضية- بعد أن ذكر مذهبين للأصوليين الأول يوجب البحث عن المخصص، والثاني يوجب العمل بالعام إلى أن يظهر المخصص ثم قال: "ويظهر لي أيضاً أنه بالرغم من اشتهار الخلاف في هذه المسألة وتدوينها في كتب الأصول إلا أن وجوب التروي في الحكم والفتيا والبحث عن الأدلة المُحْتَملْ وجودها والنظر فيها .. والموازنة بينها قبل العمل أوإصدار الحكم والفتيا قدر متفق عليه بين الجميع" (١) بقي أن ننتقل إلى الخطوة الثانية وهي إلى متى يبحث عن المخصص وما هو القدر الواجب للتروي، والجواب يعرف بما ورد من المذاهب في هذه المسألة وهي في جملتها تدل على أن هذا الوقت قدره يسير لا يعدوا قدر الوقت الذي يبحث فيه الرجل عن متاع بيته بين أمتعة كثيرة وهذا مذهب الجمهور (٢)، والمذهب الثاني: أن يطلع على أقوال من سبقه إذا كانت المسألة اجتهادية فالعادة أن يظهر له المخصص إن كان فيها مخصص فإن لم يظهر علم بعد ذلك أنه لا وجود له، إذ لو كان موجوداً لظهر ولم يخف على المتنازعين في تلك المسألة (٣) وقد رجح الغزالي الأول وذكره الدكتور الحكمي وهذان القولان قريبان (٤) من بعضهما وأضيف مذهب الشاطبي

стр. 355

وهو يرتبط بالعموم المعنوي وقد سبق قريباً - قال: "العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال - وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل - والدليل على ذلك الاستقراء فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة ولم تستثن منه موضعاً ولا حالاً فعده علماء الملة أصلاً مطرداً وعموماً مرجوعاً إليه من غير استثناء ولا طلب مخصص ولا احتشام من إلزام الحكم به ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام" (١). "وعلى الجملة فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه ... فأما إن لم يكن العموم مكرراً ولا مؤكداً ولا منتشراً في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر فلابد من البحث عما يعارضه أو يخصصه" (٢). فهما إذاً صنفان عند الإِمام الشاطبي وليس صنفاً واحداً كما هو عند الأصوليين: الأول: العمومات التي تكررت وتأكدت وانتشرت، فهذه يعمل بها لأنا تبينا أنها على عمومها. الثاني: العمومات التي ليست على تلك الحالة، وهذه لا بد من النظر في بيانها، فإن وجد وإلاحملناها على عمومها (٣)، ولعل مدة البحث - عنده وإن لم ينص على ذلك - لا تخرج عما ذكرته من أقوال الأصوليين. وبهذا نعلم أن هذه العمومات اللفظية والمعنوية هي عمدة الشريعة، وأن
следующие страницы →