← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17821

الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية

عابد السفياني

Полный текст (594 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد جاءت السنّة المطهرة ببيان أمور ثلاثة هامة تدل على رفع الحرج وهي: ١ - بيان يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عنه (١). ٢ - في خشيته ﷺ أن يكون قد شق على أمته (٢). ٣ - في أمر الصحابة بالتخفيف ونهيهم عن التعمق والتشديد وإنكار ذلك (٣). وهذه تدل جميعها على أن رفع الحرج أصل مقطوع به (٤)، يقول الإِمام الشاطبي وهو يستدل على العموم المعنوي "وإذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلاً مفقود فيه صيغة عموم فإنا نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء والصلاة قاعدًا عند مشقة القيام والقصر والفطر في السفر والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر، والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم، وإباحة الميتة وغيرها عند خوف التلف الذي هو أعظم المشقات، والصلاة إلى أي جهة كانت لعسر استخراج القبلة، والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر، والعفو في الصيام عما يعسر الاحتراز منه من المفطرات كغبار الطريق ونحوه إلى جزئيات كثيرة جداً يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج، فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج في الأبواب كلها عملاً بالاستقراء فكأنه عموم لفظي" (٥) أي يحكم به المجتهد على كل نازلة تعن له من غير اعتبار بقياس أو غيره من دليل خاص.

стр. 352

الثاني: قاعدة سد الذريعة (١): ذكر الامام ابن القيم تسعة وتسعين دليلاً على هذه القاعدة (٢)، وبين الإِمام الشاطبي اتفاق الأئمة والسلف على أصل سد الذريعة (٣)، وإليك بعض الأدلة على وجوب سدها نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: ١ - قول النبي ﷺ حين أشار إليه بعض أصحابه بقتل المنافقين الذين ظهر نفاقهم قال: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" فالقتل لهؤلاء مصلحة شرعية، وحصول التهمة هذه بعد قتلهم مفسدة تزيد على تلك المصلحة بكثير، فمنع من المصلحة سداً لذريعة الفساد (٤). ٢ - قوله ﵊ لعائشة ﵂ "لولا قومك حديث عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم" فالمصلحة ظاهرة وهي رد البيت إلى قواعده التي أمر الله أن تبنى عليها، والمفسدة هي ارتداد الداخلين في الإِسلام الذين هم حديث عهد بكفرِ، فكانت المفسدة أعظم من المصلحة فمنعت مع أنها مشروعة في الأصل سداً لذريعة الفساد (٥). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦)

стр. 353

فمنع الله من هذا الفعل - مع مافيه من المصلحة - وذلك لتحقق مفسدة أكبر وهي سب المشركين لله تعالى (١). ٤ - "وحرم ﵊ الخلوة بالمرأة الأجنبية، وأن تسافر مع غير محرم ونهى عن بناء المساجد على القبور وعن الصلاة إليها وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (٢) وحرم نكاح ما فوق الأربع لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٣) وحرمت خطبة المعتدة تصريحاً ونكاحها، وحرم على المرأة في عدة الوفاة الطيب والزينة وسائر دواعي النكاح وكذلك الطيب وعقد النكاح للمحرم ونهى عن البيع والسلف، وعن هدية المديان وعن ميراث القاتل ... " (٤) .. وكل ذلك سداً لذريعة الفساد، وهناك جزئيات كثيرة جداً كلها اجتمعت على إفادة معنى السد، فكان منها العموم المعنوي. وقد استدل السلف بهذا الأصل على أمور أخرى مثل تركهم الأضحية مع القدرة عليها مخافة أن يظن الناس أنها واجبة - وقد سبق - (٥) وإتمام عثمان الصلاة بالناس في الحج - مع أن القصر سنة - مخافة أن يظن الأعراب أن صلاة الظهر والعصر ركعتان، وسلم له الصحابة فِى عذره, وفي هذا دليل على أن معنى السد أصل شرعي عما به الصحابة في وقائع لم يكن لها حكم خاص، بل إنما حكموا به عن طريق العموم المعنوي (٦)، وبهذه الأمثلة التطبيقية يتبين لنا أن المجتهد يحكم بالعموم اللفظي على ما يشمله من الأفراد، ويحكم بمجموع

стр. 354

الجزئيات - التي تُنْتِجُ معنى عاماً في الشريعة - وهو العموم المعنوي على كل مسألة تعن يمكن أن تدخل تحت ذلك العموم، ولا يحتاج إلى نص خاص أو قياس، وهذان العمومان - كما سبق - من القوة والحجية بمكان بحيث يسندان خصائص الإِعجاز التشريعي التي سبق ذكرها وهي الكمال والشمول والثبات، ويتصل بهذا الموضع الذي نحن فيه مسألة أصولية تتعلق بالعمومات وهي العمل بها قبل العلم بالمخصص وقد ذكر الدكتور الحكمي هذه المسألة في رسالته "تخصيص العام" وتوصل إلى نتيجة -مرضية- بعد أن ذكر مذهبين للأصوليين الأول يوجب البحث عن المخصص، والثاني يوجب العمل بالعام إلى أن يظهر المخصص ثم قال: "ويظهر لي أيضاً أنه بالرغم من اشتهار الخلاف في هذه المسألة وتدوينها في كتب الأصول إلا أن وجوب التروي في الحكم والفتيا والبحث عن الأدلة المُحْتَملْ وجودها والنظر فيها .. والموازنة بينها قبل العمل أوإصدار الحكم والفتيا قدر متفق عليه بين الجميع" (١) بقي أن ننتقل إلى الخطوة الثانية وهي إلى متى يبحث عن المخصص وما هو القدر الواجب للتروي، والجواب يعرف بما ورد من المذاهب في هذه المسألة وهي في جملتها تدل على أن هذا الوقت قدره يسير لا يعدوا قدر الوقت الذي يبحث فيه الرجل عن متاع بيته بين أمتعة كثيرة وهذا مذهب الجمهور (٢)، والمذهب الثاني: أن يطلع على أقوال من سبقه إذا كانت المسألة اجتهادية فالعادة أن يظهر له المخصص إن كان فيها مخصص فإن لم يظهر علم بعد ذلك أنه لا وجود له، إذ لو كان موجوداً لظهر ولم يخف على المتنازعين في تلك المسألة (٣) وقد رجح الغزالي الأول وذكره الدكتور الحكمي وهذان القولان قريبان (٤) من بعضهما وأضيف مذهب الشاطبي

стр. 355

وهو يرتبط بالعموم المعنوي وقد سبق قريباً - قال: "العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال - وإن قلنا بجواز التخصيص بالمنفصل - والدليل على ذلك الاستقراء فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في مواضع كثيرة ولم تستثن منه موضعاً ولا حالاً فعده علماء الملة أصلاً مطرداً وعموماً مرجوعاً إليه من غير استثناء ولا طلب مخصص ولا احتشام من إلزام الحكم به ولا توقف في مقتضاه، وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد إلى التعميم التام" (١). "وعلى الجملة فكل أصل تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه ... فأما إن لم يكن العموم مكرراً ولا مؤكداً ولا منتشراً في أبواب الفقه فالتمسك بمجرده فيه نظر فلابد من البحث عما يعارضه أو يخصصه" (٢). فهما إذاً صنفان عند الإِمام الشاطبي وليس صنفاً واحداً كما هو عند الأصوليين: الأول: العمومات التي تكررت وتأكدت وانتشرت، فهذه يعمل بها لأنا تبينا أنها على عمومها. الثاني: العمومات التي ليست على تلك الحالة، وهذه لا بد من النظر في بيانها، فإن وجد وإلاحملناها على عمومها (٣)، ولعل مدة البحث - عنده وإن لم ينص على ذلك - لا تخرج عما ذكرته من أقوال الأصوليين. وبهذا نعلم أن هذه العمومات اللفظية والمعنوية هي عمدة الشريعة، وأن

стр. 356

موقف السلف الصالح منها هو القطع بعموماتها تحقيقاً حسب مافهموه من مقصد الشارع ومقصد العرب من كلامها وأن بيان هذه العمومات -عندهم- يصح، بكل ما ثبت عن الشارع، وأن ما بينه الإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية هوالحق الذي ينبغي المصير إليه، ونسلم حينئذ من جميع الشناعات والآراء الضعيِفة ويتأكد لنا الثبات والشمول، ونلمس آثار الإِعجاز التشريعي ويتيسر لنا فهمه بعيداً عن الإِغراق في التجريد العقلي وما يترتب عليه، ومن المفيد هنا أن نقول أن تقوية العمومات - وإبعادها عن التضعيف وعن القول بالمجاز ونفي الحجة - وكذلك الاستفادة من أخبار الآحاد لبيان هذه العمومات، كل ذلك يقوي الثبات والشمول ويوضحهما ويجعلهما متوازيين متناسقين وذلك إنما هو سبب اتباع الأمر الأول الذي كان عليه سلف الأمة في القرون المفضلة والبعد عن آثار علم الكلام وكلما رجعنا إلى الأصول الأولى واتبعنا الإِسناد العالي كلما اتضح لنا أمر هذا الدين عقيدة وشريعة .. وبالله التوفيق.

стр. 357

الفصل الثالث القياس وقضية الثبات والشمول توطئة: المقصود من هذا الفصل بيان أثر العمل بالقياس (١) على إدراك ثبات الثريعة وشمولها، وقد علمنا فيما سبق أن المجتهد إما أن يدرك العموم اللفظي فيستفيد منه قوة في الدلالة على شموله لأفراد لايمكن أن تحصر، أو يدرك العموم المعنوي فيستفيد منه الحكم على جزئيات غير متناهية بقدر ما يعمل هذه العمومات ويرجع إليها دائماً.

стр. 358

وهنا نتحدث عن دلالة العمل "بالقياس" وهي تسير بنا - كما سنرى - في الطريق نفسه والحمد لله مؤكدة له ومقوية لأساسه. ولأن القياس - مختلف في العمل به بين فقهاء الأمة فهم ما بين معتدل في العمل به، أو صاحب إفراط أو تفريط فيه. ولكي ندرك كيفية دلالته على الثبات والشمول لا بد من أن نبين حجيته، ونساعد من جهة أخرى في تجلية بعض الشبه الواردة عليه، ولذلك سنحاول أن نجدد في طريقة إثبات القياس على منكريه، ونختار لهذا السبيل دراسة طريقة ابن القيم والشاطبي، وفيها من سهولة الأسلوب وقوة الحجة والاعتدال بين المتوسعين في القياس والصادين عنه ما يجعلها جديرة بهذا الموضع دون غيرها من الطرق التي سلكها القياسيون، إضافة إلى أن هذه الأخيرة مُسْتَوْعبة في كتب الباحثين. ومن تمام البحث في هذا الموضع أن نقارن بين طريقة ابن القيم والشاطبي ونتعرف على وجه ارتباطها بمذهب الصحابة - رضوان الله عليهم -، وكل ذلك بما يناسب موضوع الثبات والشمول .. وبالله التوفيق.

стр. 359

المبحث الأول طريقة الإِمام ابن القيم (١) شرح الإِمام ابن القيم كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي أرسله إلى أبي موسى الأشعري في كتابه أعلام الموقعين: ومما ورد فيه قوله ﵁: "ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق ... " (٢). وأوضح ابن القيم أن هذا الكتاب مما اعتمد عليه القائلون بالقياس، وقالوا أنه لم ينكره أحد من الصحابة بل كانوا متفقين عليه، والقياس أحد أصول الشريعة ولا يستغني عنه فقيه (٣). وقد ابتدأ ابن القيم قبل ذلك في بيان الفرق بين الرأي المحمود والرأي المذموم، ثم قسم القياس إلى صحيح - وهو العدل والميزان (٤) - وإلى فاسد،

стр. 360

وبين أن القياس طريق إلى معرفة أحكام الشرع في الوقائع التي لم ينزل بشأنها نص كتاب ولا سنة، وقد استدل على حجيته بالقرآن والسنة وأقيسة الصحابة ورد على المنكرين للقياس. وسأبين طريقته مختصرة حسب الترتيب الآتي: الفرع الأول: ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة. الفرع الثاني: عمل الصحابة بالقياس والتفريق بين الرأي المحمود والرأي المذموم. الفرع الأول الأدلة من الكتاب والسنة: إن حقيقة القياس هي تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم، وقد اشتملت كثير من الآيات القرآنية على هذا المعنى، وقد ذكر ابن القيم أن هذه الأمثال بلغت بضعاً وأربعين مثلاً (١). وأذكر منها: ١ - أخبر القرآن أن حكم الشيء حكم مثله وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (٢). وقوله تعالى خطاباً لكفار قريش: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (٣). أي أكفاركم يا قريش خير من الكفار من قبلكم، والمقصود هنا هو التسوية بينهم وبين من قبلهم في العذاب لأنهم اشتركوا في الاعتقاد، "فهذا

стр. 361

محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة وإلّا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية ولا تمت الحجة" (١). ثم ذكر مواضع أخرى تدل على هذا المعنى ومنها: "كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب والسير المعنوي بالتفكر والاعتبار أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب" (٢). ٢ - إن الله سبحانه نفى عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٤). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قال ابن القيم: "فهذا قياس جلي، يقول سبحانه: إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم، فذكر أركان القياس الأربعة: علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها، والحكم وهو إذهابه بهم وإتيانه بغيرهم، والأصل وهو من كان من قبل، والفرع وهم المخاطبون" (٥). ٤ - القرآن يعلل الأحكام بمعان معتبرة وأوصاف مؤثرة، وقد جاء ذلك

стр. 362

في مواضع كثيرة، وورد التعليل بالباء، واللام، وإن، وكي، ومن أجل، وترتيب الجزاء على الشرط، والفاء المؤذنة بالسببية، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له، ولما وأن، ولعل، وبالمفعول له (١). ٥ - ومما ورد في السنة ما قاله ابن القيم: "وقد ذكر النبي ﷺ علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها بها، وتعديها بتعدي أوصافها وعللها" (٢). ثم ذكر أمثلة كثيرة جداً، وهي مشابهة للأمثلة التي أشرت إليها آنفاً ومنها: (أ) "قياس العكس الجلي": وذلك ما ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر قالوا نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر" (٣).

стр. 363

قال ابن القيم: "وهذا من قياس العكس الجلي، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه" (١). (ب) قياسه حكم القبلة في الصوم -وهي الفرع- على حكم المضمضة بالماء وهو الأصل بجامع أن كلًّا منهما لا يضر. ففي الحديث أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : "صنعت اليوم يا رسول الله أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم فقال له رسول الله ﷺ أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم، فقلت لا بأس بذلك، فقال رسول الله فصم" (٢). قال ابن القيم ﵀: "ولولا أن حكم المثل حكم مثله، وأن المعاني والعلل مؤثرة في الأحكام نفياً وإثباتاً لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذكره ليدل به على أن حكم النظير حكم مثله، وأن القبلة التي هي وسيلة إلى الوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه فكما أن هذا الأمر لا يضر فكذلك الآخر" (٣). (ج) وفي حديث ابن عباس ﵄: "أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن نحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم فقال: "اقضوا دين الله فإن الله أحق بالوفاء" (٤). وترجم له البخاري بقوله: "باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السائل" (٥).

стр. 364

وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قاس أكثر من مائة قياس (١). الفرع الثاني عمل الصحابة بالقياس أو التفريق بين الرأي المذموم والرأي المحمود من ذلك: ١ - قياسهم حد الشرب على حد القذف: وهو محل اتفاق عندهم .. فقد استشار عمر في ذلك فقال علي: أراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون فاجتمعوا على ذلك" (٢) قال ابن القيم: "ولم ينفرد علي بهذا القياس بل وافقه الصحابة". ٢ - قياس ابن عباس في مناقشة الخوارج: وقد ذكر ابن القيم القصة بتمامها (٣). واقتصر على موضع الشاهد هنا اختصاراً. سأل ابن عباس الخوارج عما ينقمون على علي ﵁ فقالوا: "ثلاث نقمناهن عليه، جعل الحكم إلى الرجال وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فقلت -أي ابن عباس- قد جعل الله الحكم من أمره إلى الرجال في ربع درهم في الأرنب، وفي المرأة وزوجها ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٤) أفخرجتم من هذه قالوا نعم.

стр. 365

قالوا: وأخرى، محا نفسه أن يكون أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فأمير الكافرين هو، فقلت لهم ... إنه لما كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ لعلي أكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال رسول الله لعلي: "أمح يا علي" أفخرجتم من هذه قالوا نعم .. قال ابن القيم: "وقياسه المذكور من أحسن القياس وأوضحه" (١). وذلك لأنه قاس جواز تحكيم الرجال في دماء المسلمين على جواز تحكيم الرجال في قتل الصيد للمحرم، وفي الخلاف بين الزوجين، بل هو أولى، وذلك أن الله أمرهم بأن يحكموا في ذلك كله بما يوافق شريعته التي أنزلها وكذلك قاس جواز ما فعله علي عندما محى اسمه على مشروعية ما فعله الرسول ﷺ يوم الحديبية. (٢) ٣ - أنكر ابن عباس على زيد بن ثابت ﵄ مخالفته للقياس، فقد ذهب زيد بن ثابت إلى منع الجد مع الأخوة من الإرث فقال ابن عباس: "ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن إبناً ولا يجعل أب الأب أباً؟ ". قال ابن القيم: "وهذا محض القياس" (٣). ٤ - إنكار الصحابة للرأي المذموم: من ذلك ما ورد إنكاره في قول أبي بكر الصديق وعمر وابن مسعود وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت ومعاذ وأبي موسى ومعاوية ﵃، ونقل ذلك عن الشعبي وسفيان بن عيينة وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن شهاب وغيرهم (٤). وهذا الرأي الذي أنكروه هو الرأي المذموم وهو عند ابن القيم أقسام: ١ - الرأي المخالف للنص: قال: وهذا معلوم بطلانه بالضرورة من دين الإِسلام.

стр. 366

٢ - الرأي الذي هو خرص وظن مع تفريط في معرفة النصوص وفهمها. ٣ - الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والقدرية ومن ضاهاهم. ٤ - الرأي الذي أُحدثت به البدع وغُيرت به السنن (١). ٥ - الرأي المؤدي إلى تعطيل السنن والبعث على جهلها والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات ورد الفروع بعضها إلى بعض قياساً دون ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها، وحكاه عن ابن عبد البر عن جمهور أهل العلم (٢). ثم مثل ابن القيم للقياس الفاسد بقياس البيع على الربا بجامع اشتراكهما في كونها عن تراض ومعاوضة مالية (٣)، وقياس الميتة على المُذكى في جواز أكلها لأنهما يشتركان في إزهاق الروح (٤). قال: "ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين" (٥).

стр. 367

ويقصد ﵀ القياس الفاسد والرأي المذموم. ثم قال بعد ذلك: "وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به وهذا حق كلما سنبينه إن شاء الله تعالى" (١). وقد بينت محل الذم كما سبق، وأما استعمال السلف والاستدلال به فإليك بيان أنواع الرأي المحمود: ١ - رأي الصحابة فقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته (٢). ٢ - الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها ويقررها ويوضح وشمهل طريقة الاستنباط منها (٣). ٣ - والرأي الذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه خلفهم عن سلفهم (٤). ٤ - ما كان أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله وأقضية الصحابة (٥). والحاصل أن الرأي المذموم هو الرأي المجرد الذي لا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين، وهذا أجمع الصحابة على رده (٦). والرأي المحمود هو: "رأي مستند إلى استدلال واستنباط من النص وحده أو من نص آخر معه (٧) فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه" (٨).

стр. 368

وفي هذه النصوص من الكتاب والسنة بيان لمشروعية العمل بالقياس دون إفراط أو تفريط، وعمل النبي ﷺ وعمل الصحابة بيان واضح لذلك، وهو من الأدلة على وجوب الاجتهاد حيث كانوا - رضوان الله عليهم - يجتهدون في النوازل ويعتبرون النظير بنظيره. وبهذا يتعرفون على شمول الشريعة، وفي الوقت نفسه كانوا أشد الناس حذراً من الرأي المذموم وبهذا حافظوا على ثبات الأحكام وسيأتي زيادة بيان لهذا إن شاء الله تعالى.

стр. 369

المبحث الثاني طريقة الإِمام الشاطبي (١) يعتبر الإِمام الشاطبي وسطأ بين المتعمقين في القياس والرافضين له (٢). والقياس عنده طريق لاستخراج الحق من الأدلة وأصله في السنة، يقول ﵀: "وأما علم المقاييس فأصله في السنة في علم السلف بالقياس ... وقد كان السلف الصالح يجتمعون للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها

стр. 370

للتعاون على استخراج الحق، فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى ومن قبيل المشاورة المأمور بها فكلاهما مأمور به (١). وإليك بيان طريقته في الاستدلال على القياس: المطلب الأول الأدلة على إثبات القياس يعتمد الإِمام الشاطبي على الأدلة الكلية لإثبات القياس مبتعداً عن الجدل الذي وقع فيه كثير من الأصوليين، وعن المعالجة الجزئية لإِثبات الأصول الفقهية. فالدليل الأول عنده هو دليل الاستقراء وهو المعتمد، فقد استقرأ الإِمام الشاطبي الشريعة من أكثر من موضع فاستقر عنده على سبيل العلم أن الأحكام شرعت لمصالح العباد، وأن تفاصيل العلل للأحكام قد انتشرت في القرآن والسنة، وهذا الاستقراء -كما يقول- لا يستطيع أن ينازع فيه أحد (٢). إجراء الاستقراء: وردت آيات كثيرة في القرآن تبين أن الأحكام شرعت لمصالح العباد، ومن هذه الآيات: ١ - ما ورد في بعثة الرسل الذين جاءوا بالشرائع وهم الأصل ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٤).

стр. 371

فالرسل بعثوا رحمة للعباد، والرحمة بهم هي حفظ مصالحهم، فشرائع الرسل جاءت إذاً بمصالح العباد العاجلة والآجلة. ٢ - ما ورد في أصل الخلقة: فقد امتن الله على عباده بأنه إنما خلقهم لعبادته ووعدهم على ذلك الحياة الطيبة في الدنيا والثواب المقيم في الآخرة، وهذا معنى أن هذه الشرائع إنما جاءت لمصالحهم. ومن هذه الآيات الدالة على هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١). ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣). ٣ - "وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى ومنها: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٤). والآية جاءت بعد آية الوضوء، وقال في الصيام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥).

стр. 372

وفي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١). ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٢). وفي القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣). ومقصود الشاطبي من هذه الأمثلة التنبيه كما قال، وأما حصر الآيات الواردة في الحكمة من إرسال الرسل، ومن خلق الإِنسان، والحياة، والموت، وكذلك التي ورد فيها ذكر تفاصيل العلل فإن ذلك يحتاج إلى كتاب جامع يحصرها وذلك لكثرة انتشارها في الكتاب والسنة (٤). وبهذا الاستقراء المقطوع باستمراره في تفاصيل الشريعة يثبت القياس والاجتهاد، قال الشاطبي: "فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد" (٥). ويقصد الشاطبي ﵀ أن الاستقراء أفاد قطعاً أن الشارع قاصد بشريعته مصالح العباد، وأحكامه تتضمن هذه المصالح وعلى المجتهد أن يتعرف عليها بطرق الاستنباط المعروفة حتى يستطيع حمل الوقائع التي ليس فيها حكم شرعي على الوقائع التي نزك فيها حكم شرعي، وهذا هو القياس. والقياس عنده لا معنى له: "إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى وهو معنى متفق عليه" (٦).

стр. 373

وهذا الاتفاق حكاه في كتابه الاعتصام في معرض شرحه لكلام الإِمام أحمد حيث ذكر أن القياس معمول به عند جمهور المسلمين ثم قال: "بل هو إجماع السلف ﵃" (١). المطلب الثاني جوابه عن أقوال المعاوضين ويجيب ﵀ عن مذهب المعارضين للقياس بجواب سديد حاصله أن جميع الأقوال المعارضة إنما نشأت لأسباب معينة وهي: ١ - أن المعارضين للقياس حملهم على ذلك وجود بعض الأقيسة مبنية على غير أساس ومستند شرعي، وكل قول مبني على غير ذلك مردود قطعاً. وهذه الشبهة موجودة فكم حمل القياس الفاسد صاحبه على السير على غير هدى. ولذلك جزم الشاطبي أن كل قول مبني على غير أصل شرعي مردود قطعاً (٢). ٢ - أما المعارضون له باعتبار أنه اتباع للظن، واتباع الظن مذموم، فيجيب عنه الشاطبي في موضعين: ففي الاعتصام يقسم الظن إلى ثلاثة أقسام: الأول: "الظن" الذي هو الشك في أصول الدين، وهذا لا يغني، لأنه ينافي الجزم في الاعتقاد. الثاني: الظن بمعنى "ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح" وهو مذموم لأنه اتباع للهوى ولذلك جمع بينهما في الآية:

стр. 374

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (١). وهذا هو حكم كل من مال إلى أمر بمجرد الغرض والهوى. الثالث: ظن على ضربين: (أ) يستند إلى أصل قطعي وهذا معمول به في الشريعة لأنه مستند إلى أصل معلوم فهو من قبيل المعلوم جنسه. (ب) ظن مستند إلى غير شيء أصلاً وهذا غير موجود في الشريعة (٢). وفي الموافقات: يقسم الرأي (٣) إلى محمود ومذموم: (أ) المحمود: وهو الجاري على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة، وهو الذي عمل به الصحابة وفسروا به القرآن، ثم قال: "فإطلاق القول بالتوقف والمنع من الرأي لا يصح" (٤) ومعنى ذلك أن اجتهادهم - رضوان الله عليهم - مستند إلى الدليل الشرعي أي راجع إلى مجموع المعنى اللغوي والمقصد الشرعي. (ب) المذموم: وهو الذي لا ينبني على موافقة اللغة العربية والأدلة الشرعية وكان مذموماً لأنه يرجع إلى الافتراء على الله والتقول عليه بلا برهان.

стр. 375

وهذا هو الذي ورد ذمه في نصوص السلف (١). وسَّوى الشاطبي بين النظر في القرآن بالرأي وبين إعمال القياس الفاسد -الذين لا يجريان على موافقة الشرع- فذكر أن السلف كانوا يتحرجون من النظر في القرآن وتأويله كما كانوا يتحرجون من القياس، ثم بين سبب ذلك فقال: "فإن المحظور فيهما واحد، وهو خوف التقول على الله، بل القول في القرآن أشد فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا أوعنى كذا بكلامه المنزل وهذا عظيم الخطر .. " (٢). وبهذا يتضح مذهب الشاطبي في القول بالقياس (٣)، وإطراحه للرأي المذموم. ونختم طريقة الإِمام الشاطبي بتفصيل ما ذكرته في صدر هذا البحث من أن الشاطبي وسط بين المتعمقين في القياس والصادين عنه. فاقول: ذكر الإِمام الشاطبي مذهب من نفى القياس جملة وأخذ بالنص على الإطلاق، ومذهب من أعمل القياس على الإِطلاق ولم يعتبر ما خالفه من الأخبار جملة، وعلل الشاطبي بعد الشقة بين هذين الطرفين تعليلاً حسناً في عبارة رصينة وقد سبقت الإِشارة إليها وهي قوله:

стр. 376

"فإن كل واحد من الفريقين غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام اطرد له في جملة الشريعة اطراداً لا يتوهم معه في الشريعة نقص ولا تقصير، بل على مقتضى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١). فصاحب الرأي يقول: الشريعة كلها ترجع إلى حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم، وعلى ذلك دلت عموماً وخصوصاً دل على ذلك الاستقراء، فكل فرد جاء مخالفاً فليس بمعتبر شرعاً، إذ قد شهد الاستقراء بما يعتبر مما لا يعتبر، لكن على وجه كلي عام فهذا الخاص المخالف يجب رده وإعمال مقتضى الكلي العام، لأن دليله قطعي، ودليل الخاص ظني فلا يتعارضان. والظاهري يقول: الشريعة إنما جاءت لابتلاء المكلفين أيهم أحسن عملاً، ومصالحهم تجري على حسب ما أجراها الشارع لا على حسب أنظارهم، فنحن من اتباع مقتضى النصوص على يقين في الإِصابة من حيث أن الشارع إنما تعبدنا بذلك، واتباع المعاني رأي فكل ما خالف النصوص منه غير معتبر، لأنه أمر خاص مخالف لعام الشريعة، والخاص الظني لا يعارض العام القطعي " (٢). ثم قال: فأصحاب الرأي جردوا المعاني فنظروا في الشريعة بها، وأطرحوا خصوصيات الألفاظ، والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ فنظروا في الشريعة بها، وأطرحوا خصوصيات المعاني القياسية، ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت فيه الأخرى بناء على كلي ما اعتمدته في فهم الشريعة" (٣). ثم بين أن الراسخ في العلم آخذ بالطرفين معاً على وجه لا يخل فيه بطرف

стр. 377

على حساب الطرف الآخر، فهو جامع بين المحافظة على ألفاظ الشريعة وآخذ بالمعاني التي دلت عليها دون أن يلغي أحدهما بالآخر، بخلاف الفريق الأول حيث جرد المعاني فنظر في الشريعة بها واطرح خصوصيات الألفاظ، وبخلاف الفريق الثاني حيث جرد مقتضيات الألفاظ فنظر في الشريعة بها واطرح خصوصيات المعاني القياسية" (١). المطلب الثالث الإِجماع وقد نقله العلماء الثقات من المحققين: ١ - حكى الشاطبي إجماع السلف - رضوان الله عليهم - على العمل بالقياس (٢). ٢ - قال المزني صاحب الإِمام الشافعي: "الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهلم جراً، استعملوا المقايس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم. قال: وأجمعوا بأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها" (٣). ٣ - ونقله أيضاً شيخ الإِسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٤).

стр. 378

٤ - ونقله ابن عقيل الحنبلي، والصفي الهندي، والرازي، وابن دقيق العيد (١). وقد زعم من أنكر القياس عدم انعقاد الإِجماع، وحاصل ما عندهم أن من الصحابة والتابعين من أنكر العمل بالقياس، لأنهم ذموا العمل بالرأي وأوردوا نصوصاً كثيرة عنهم (٢). وقد تبين أن الرأي المذموم عند السلف من الصحابة ومن بعدهم، هو الجاري على غير أصل الشرع وكذلك القياس المذموم هو المبني على غير أصل (٣). وأول من خرق الإِجماع النظام وتابعه قوم من المعتزلة، وممن قال بإنكاره داود الظاهري من أهل السنة. قال ابن عبد البر: "ما علمت أحداً سبق النظام إلى القول بنفي القياس والاجتهاد" (٤). وخلاف هؤلاء غير معتبر لأنه جاء بعد انعقاد الإِجماع (٥).

стр. 379

مقارنة بين طريقتي ابن القيم والشاطبي: ١ - أنهما قد حررا موضع النزاع بين المثبتين للقياس والمنكرين له. ٢ - اشتركا في نقل إجماع السلف من الصحابة والتابعين على إعمال القياس والرأي المبنيين على أصل شرعي، وذم ما سوى ذلك من الرأي والقياس المبنيين على غير أصل شرعي، مع بيانهما للفرق بين الرأي المحمود والرأي المذموم.

стр. 380

٣ - أن طريقة كل منهما تقوم على الاستدلال بالقرآن والسنة والإِجماع وسواء كان استدلالاً موسعاً كاستدلال ابن القيم، أوعن طريق الاستقراء كاستدلال الشاطبي. وهما في هذا يكمل أحدهما الآخر، فإن شئت أن تقوي استدلالات ابن القيم الجزئية باستقراء الشاطبي تحقق لك ذلك، إذ الاستقراء دليل كلي معتمد. وإن شئت أن تقوي استقراء الشاطبي بالاستدلالات الكثيرة المتنوعة من الأيات والأحاديث التي ذكرها ابن القيم ظفرت باليقين وتحقق لك إجراء الاستقراء بطريقة أوسع مما نبه عليه الشاطبي. ٤ - أنهما يذهبان إلى القول بتعليل الأحكام الشرعية وابتنائها على المصالح، ويريان أن ذلك من ألطف الفقه وأدقه، وأن ذلك هو قاعدة الاجتهاد. ٥ - أنهما وسط بين المتعمقين في القياس .. والمنكرين له. ٦ - أنهما يدركان إدراكاً عميقاً وجهة كل من الفريقين، ويختلفان في أن ابن القيم توسع في ذكر أدلة كل منهما، وأن الشاطبي كان أكثر التفاتاً لتحديد السبب الذي حمل الفريقين على ذلك بصورة عميقة وبيان شاف مع أنه لم يفرد القياس بدراسة خاصة. ٧ - أن طريقتيهما في العرض والاستدلال والأسلوب بعيدتان عن الجدل والمصطلحات الفلسفية. ٨ - أنهما حريصان كل الحرص على المحافظة على خصوصيات الألفاظ من جانب والمحافظة على اعتبار المعاني من الجانب الآخر، وذلك هو قاعدة الثبات والشمول في الشريعة. ٩ - أن ما كتباه يعتبر تجديداً لمذهب السلف في القياس دون إفراط أو تفريط بحيث يتحقق الشمول وتسلم الأحكام من التغيير والتبديل، قال

стр. 381

الإِمام ابن عبد البر وهو يحكي مذهب السلف في الاجتهاد والقياس على الأصول وبيَنَ أن المذموم هو: "القياس على غير أصل والقول في دين الله بالظن، وأما القياس على الأصول والحكم للشيء بحكم نظيره فهذا ما لا يختلف فيه أحد من السلف بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وجد له القياس الصحيح منصوصاً لا يدفع هذا إلّا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام" (١) وهذا معنى ما قلته سابقاً من أن طريقة ابن القيم وطريقة الشاطبي وسط بين الصادين عن القياس والمتعمقين فيه، إضافة إلى بيان مذهب الصحابة من خلال بيان مذهب هذين الإمامين. * * *

стр. 382

المبحث الثالث تطبيقات على أركان القياس وبيان شرط التعليل بالحكمة المطلب الأول تطبيقات على أركان القياس إن العمل بالقياس على هذا النحو يكفل لنا ثبات أحكام الشريعة التي ترتبط بالأحكام القياسية، فالحكم الناتج عن القياس ينبني على "الأصل" وهو النص، وعلى "حكمه" وهو ثمرة "النص" التي استخرجها المجتهد منه سواء بطريق "العلة" وهي الوصف الظاهر المنضبط، أو ما شابهها من الحكم (١)، فالأصل وحكمه ثابتان، لأن "النص" الذي هو الأصل ثابت لا يتغير ولا يتبدل، لأنه وُضح على الأبدية فهو معصوم، والثبات ناتج عن عصمته - وقد سبق - أن ذلك متحقق في الوحي، وأنه كذلك أبداً حتى لو تصورنا استمرار الحياة الدنيا وعدم انقطاعها و"حكمه" كذلك، لأنه مدلول النص، فالنص ومدلوله ثابتان ولا يتصور "نص" بغير مدلول ولا معنى لثبات النص إلّا إثبات مدلوله، هذا إذا كان مدلوله واحداً. أما إذا اتسع معناه وتعددت مدلولاته فهي ثابتة أيضاً، لأن ثباتها هنا هو علم المجتهد بشمول النص لها دون غيرها. فكأن النص وعاءً، تارة يكون فيه معنى واحد فدلالة النص عليه ثابتة، وتارة يكون فيه أكثر من معنى، فيعلمها المجتهد وتكون ثابتة بحيث يتبين شمول هذا النص لهذه المعاني، فالأصل إذاً وما دل عليه ثابت.

стр. 383

أما "العلة" فهي ثابتة كذلك ودليل ثبوتها ظهورها وانضباطها، وهذا قدر متفق عليه في أوصاف "العلة" ومعنى ظهورها وانضباطها أي ثباتها وعدم اختلافها باختلاف الأشخاص وباختلاف البيئات والأحوال، فالنَّسَبُ يثبت بقيام فراش الزوجية أو الإِقرار، وهذا فيه معنى الظهور، وفيه أيضاً معنى الانضباط تماماً مثل كون "السكر" هو العلة لتحريم الخمر فهو أمر ظاهر في أن من شرب "المسكر" أصابه السكر عادة وكذلك هو ثابت لأنه متعلق بالخمر ذاتها وبكل مسكر، فهي إذاً علة ظاهرة ومنضبطة وهذا معنى ثباتها، ولذلك ربط الشارع الحكم بها، فعندنا إذاً ثلاثة أركان "أصل" و"حكم" و"علة الحكم" وقد ظهر لنا معنى الثبات في كل، وهذه هي أعظم أركان القياس فهو إذاً طريق يؤكد ثبات الأحكام المرتبطة به. بقي أن ندرس أمرين مهمين قد يظنهما كثير من الدارسين منافيين لذلك. الأول: كون "الحكمة" وهي الأمر المناسب الذي قصد الشارع إلى جلبه إن كان نفعاً أو دفعه إن كان مفسدة - أن هذه الحكمة إذا رُبط الحكم بها أدى ذلك إلى الاضطراب والتغير وهذا ينافي الثبات، وعليه فلا يجوز ربط الحكم بالحكمة مطلقاً (١). والثاني: أن الركن الرابع من القياس وهو "الفرع" لا بد من إثبات صلاحيته ليكون محلًا لحكم الأصل وذلك لا يكون إلاّ عن طريق "العقل" وإذا دخل العقل هنا أصبح القياس حكماً عقلياً، وتد تقرر فيما سبق أن منهج الاستنباط منهج شرعي لا عقلي، فإما أن يكون - عقلياً - وهو ينافي الثبات (٢)،

стр. 384

وإما أن يكون شرعياً ولا منافاة حينئذ، ولكن لابد من تفسير لعمل العقل في القياس وهل إدراكه لكون الفرع محلاً صالحاً لنقل الحكم إليه يوجب أن يكون القياس حكماً عقلياً أم لا يوجب ذلك. وبدراسة هذين الأمرين وبيانهما يكون الجواب وبالله التوفيق، ويتجلى لنا مفهوم الثبات والشمول من ناحية الأحكام القياسية. المطلب الثاني التعليل بالحكمة (١) وأثره على ثبات الأحكام وشمولها تبين لنا كيفية دلالة القياس على الثبات، وذلك لأن كلًا من الأصل وحكمه ثابتان وعلة الحكم ثابتة لأنها ظاهرة منضبطة، أما الحكمة فقد وقع الاختلاف بين الأصوليين في جواز التعليل بها، ويرجع خلافهم إلى سبب جوهري وهو كون "لحكمة" تارة تظهر وتنضبط وتارة لا تظهر ولا تنضبط، فمن اشترط ظهورها وانضباطها - كما اشترط في العلة - لم يعلل بها والحال عنده أنها لا تنضبط ومن لم يشترط علل بها أيضاً واكتفى بتضمين الحكمة لجلب المصلحة ودفع المفسدة، وهناك رأي ثالث ارتبط بظهور الحكمة وانضباطها أو عدم ذلك فإن ظهرت وانضبطت علل بها وإن لم تظهر وتنضبط لم يعلل بها. وهذه الآراء الثلاثة لها تأثيرات على معنى الثبات والشمول في الأحكام التي يجري فيها القياس. ولبيان صلة كل رأي بما نحن فيه أقول: إن منع التعليل بها مؤد إلى المحافظة على ثبات الحكم إذ أنه لا يقع حينئذ اختلاف ولا تغيير إذا لم نربط الحكم بها - وفي هذا سد للتعليل بها سواء انضبطت أو لم تنضبط.

стр. 385

وأما جواز التعليل بها مطلقاً انضبطت أم لم تنضبط فهو مؤد إلى توسع مفهوم الشمول ولكن في تغيير واختلاف في حالة عدم الانضباط. وأما المفصلون وهم الذين منعوا التعليل بها إذا لم تنضبط، وأجازوه إذا انضبطت، فهؤلاء حافظوا على الثبات والشمول معاً في توازن مطلوب. فإذا ربطنا بها الحكم في حالة انضباطها أكدنا مفهوم الثبات وهذه نتيجة لإلزام "الحكمة" بشروط "العلة" وهنا تحقق السلامة من الاختلاف والاضطراب الذي هو خصيم الثبات. وإذا ربطنا بها الحكم في هذه الحالة أيضاً تحقق مفهوم الشمول حيث لم نقتصر على اتباع العلل فقط بل اتبعنا الحكم بشرط الظهور والانضباط ومنعنا اتباعها في عدم الانضباط فتحقق لنا مفهوم الثبات في الموضع نفسه. وهذا الذي أقوله هنا لم أسبق به النظر في أدلة الأقوال الثلاثة وأرجح بمجرد النظر إلى المحافظة على الثبات والشمول، بل هو نظر بعد جمع أدلة الأقوال الثلاثة وتبين رجحان مذهب المفصلين، وإنما قدمت ما قدمت لبيان وجه الربط بين موضوع التعليل بالحكمة وبين قضية البحث، وسيتأكد ذلك عند شرح المقصود من الحكمة وبيان المذاهب الثلاثة وأدلتها ومناقشتها وبيان الراجح منها ومناقشة بعض المحدثين فيما نسبه إلى بعض الأئمة الأصوليين. فإليك بيان ذلك بعدما تبين لنا كيف يتحقق ارتباط الثبات والشمول بالقياص سلباً أو إيجاباً، وسيكون في مناقشة الأدلة على الطريقة الأصولية ما يؤكد الايجابية عند بيان الصواب أو يؤكد السلبية، فإلى بيان معنى الحكمة بالأمثلة مع عرض مذاهب الأصوليين، وذلك في فروع، وسنبين إن شاء الله أثر ذلك على الثبات والشمول. الفرع الأول • الرأي الأول: الجواز مطلقاً وهو اختيار الرازي والبيضاوي، استدلا بأن مقصد الشارع من إناطة الحكم بالوصف الظاهر إنما هو لاشتماله على جلب

стр. 386

مصلحة أو دفع مفسدة وهو المقصد من التشريع، وحينئذ فالاعتماد عليه أولى من الوصف الظاهر (١). وعورض بأن الحكمة لا تظهر ولا تعرف في بعض المواطن ولذلك أناط الشارع الحكم بالوصف الظاهر المنضبط، وعند ذلك علمنا أن هذا هو المعتبر، وحتى إن تخلف الحكمة في بعض الأحيان لا يمنع اتباع الوصف الظاهر بالحكم، فالسفر وصف ظاهر يتبعه الحكم برخصة القصر حتى للملك المرفه الذي تحققنا أن المشقة لا تلحقه بسفره وكذلك الحمالين في شدة الحر قد تحققنا أن المشقة تلحقهم وأن الحكمة تحقق فيهم لكن لم يربط الشارع الحكم بها. الفرع الثاني • الرأي الثاني: عدم الجواز مطلقاً، ونسبه الآمدي للأكثرين (٢). واستدل أصحاب هذا المذهب. ١ - قالوا إنما جاز التعليل بالوصف الظاهر المنضبط لتعذر التعليل بالحكمة (٣). ٢ - أن الحكمة - وهي المصلحة أو المفسدة - متعلقة بالحاجات والأمور الباطنة، فلا يمكن الوقوف على مقاديرها لاختلاف الأشخاص والأحوال، ولذلك ربط الشارع الحكم بالوصف الظاهر المنضبط ولم يربطه بالحكمة لعدم إمكان ذلك. وأجيب عنه: بأنه لو لم يمكن العلم بها لما أمكن العلم بالوصف الظاهر

стр. 387

فإن الوصف لايُعلم إلا إذا عُلمت ثم إنه يجوز التعليل به اتفاقاً وكذلك الحكمة. فإذا ظن المجتهد ربط الحكم بهذا الوصف الظاهر المشتمل على جلب المصلحة أودرء المفسدة - وهي الحكمة - حصل الظن بمقدارها فيربط الحكم بالفرع لأن العمل بالظن واجب (١). ويرد على هذا الجواب أن الحكمة لما لم تنضبط ربط الشارع الحكم بما ينضبط وهو الوصف الظاهر فيكون هو المعتبر وإن تخلفت الحكمة كما في مثال سفر الملك المرفه (٢). وأُورد عليه: أن الحكم رُبط بالوصف المشتمل على المشقة وهو السفر ولم يُربط بكونه سفراً فقط (٣). والجواب: أننا علمنا ابتداء أن الحكم إنما رُبط بكونه سفراً فقط، ثم عرفنا بعد ذلك - استنباطاً - أن حكمته هي المشقة غالباً. وما ذكره الشلبي من قوله "مسألة السفر والقصر فيه التي جعلها مانعوا التعليل بالحكمة متكئاً لهم في الذهاب إلى الأوصاف وإهدار الحكم ليس فيها تعديه، ولم يجني المتكلمون فيها بعد طول الجدال فائدة، فلا عدى الحكم إلى غير المسافر ولا منع الملك المرفه" (٤). وهذه المناقشة لدليل المانعين لاتستقيم، لأنهم استدلوا بهذا المثال على إبطال التعليل بالحكمة وهو دليل لهم، على منع التعليل بها في حالة عدم الانضباط - كما هو في المثال السابق وهنا تتحقق الفائدة.

стр. 388

وأما على مذهب المؤلف - إذا اعتبر جواز التعليل بالحكمة مطلقاً فيلزمه التعدية إلى غير المسافر ويلزمه أيضاً منع الملك المرفه. الفرع الثالث • الرأي الثالث: التفصيل: يجوز التعليل بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة، وأما إذا كانت خفية مضطربة فلا وهو اختيار الآمدي. واستدل: بأن الحكم إنما ربط بالوصف الظاهر لأنه مشتمل على حكمة خفية، وإننا أجمعنا على ذلك، فإذا عرفت الحكمة وكانت مساوية له كانت أولى بربط الحكم بها (١). وأعترض عليه بأن إمكان ضبط الحكمة غير مسلم لرجوعها إلى جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي مما تخفى وتضطرب فلا تكون منضبطة، وإن أمكن ذلك فلا يمكن إدراكه إلا بعسر ومشقة وحرج وهو مدفوع بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. أما منع التعليل بها إذا لم تكن ظاهرة منضبطة فلعدم إمكان الوقوف عليها لاختلاف الأشخاص والأحوال، فيجب ربط الحكم بالوصف الظاهر الذي هو المظنة، وبذلك يُرفع الحرج أيضاً. ومثاله الملك المرفه فإنه يقصر الصلاة وإن لم تتحقق المشقة في حقه (٢)، والحمالون في البلاد الحارة لا يقصرون في الحضر مع أنهم يجدون أضعاف ما يجده المسافر الذي يقطعِ فرسخاً في كل يوم وسبب ذلك عدم إمكان ضبط المشقة فربطت بالمظنة وجوداً وعدماً. وأورد عليه: أن الحرج وإن كان موجوداً في البحث عن الحكمة الخفية الا أن ذلك متحققاً عند البحث عنها لمعرفة الوصف الظاهر، بل هو أشق.

стр. 389

ورد بمنع التساوي في الحرج لأن معرفتها على ضابطها يسهل تحديدها، وأما إذا خلت عن الضابط فإن التعرف عليها فيه حرج شديد وممن رجح مذهب الآمدي الدكتور الشلبي حيث قال: "وقد أطال الآمدي في الاعتراض والجواب بما لا يخرج عن المناقشات في الأدلة السابقة ومن هذه المناقشة يتبين لنا رجحان مذهب المفصلين" (١). ونسب إلى الإِمام الشاطبي القول بمذهب المجوزين مطلقاً وقد اعتمد في ذلك على نص الشاطبي في تعريف العلة حيث قال: "أما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإِباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي فالمشقة علة في إباحة القصر، والفطر في السفر، والسفر هو السبب الموضوع سبباً للإِباحة، فعلى الجملة: العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة نفسها لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة، منضبطة أو غير منضبطة وكذلك نقول في قوله ﵊ "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فالغضب سبب، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما ولا مشاحة في الاصطلاح" (٢). وعلق عليه الشلبي بقوله: "فالناظر في كلامه يراه قد أطلق السبب على الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي جعلها الأصوليون علة وعمم فيها حتى شملت الأسباب المشروعة لأحكام وضعية كالبيع الموضوع لانتقال الأملاك والأسباب الموضوعة لأحكام تكليفية كحصول النصاب لوجوب الزكاة، ونراه في العلة يقول: المراد بها الحكم والمصالح، ثم يقول: فعلى الجملة العلة هي المصلحة نفسها والمفسدة نفسها، ولم يشترط فيها الظهور والانضباط كما شرطوا ثم يصرح بأن المسألة اصطلاح" (٣). ويُناقش الكاتب كما يلي:

стр. 390

أولاً: قوله أن الشاطبي صرح بأن المسألة اصطلاح، يشعر بغير مقصوده، لأن اصطلاحه إنما هو خاص بالتسمية وهو يطلق لفظ "السبب على معنى" العلة عند الأصوليين، ويسمي الحكمة عندهم علة أما التعليل بهما او بأحدهما فهذه مسألة أصولية تحتاج إلى تقييد شرعي. ثانياً: قوله لم يشترط فيها الظهور والانضباط كما شرط الأصوليون، يريد الكاتب أن يقول أن الشاطبي لا يشترط الظهور والانضباط في التعليل بالحكمة وأن مذهبه هو مذهب القائلين بجواز التعليل بها مطلقاً، وعلل ذلك بقوله أنه لم يشترط لها شروطاً كما اشترطوا، وتابعه على هذا التفسير بعض الباحثين (١). وبعد بيان نظرة المؤلف ومن تابعه انتقل إلى بيان مذهب الشاطبي من كتابه الموافقات وقد حاولت ما استطعت استقراء المواضع التي تكلم فيها الشاطبي عن الحكمة لكي أتعرف على مذهبه دون الاقتصار على النص الذي نقله الشلبي. والمقصود من ذلك هو التأكيد على أن بعض الباحثين يتتبعون بعض نصوص الأئمة ويبنون عليها بعض آرائهم كما سيتبين لنا في هذا الموضع، وقد ذهب الكاتب إلى إطلاق المصلحة - وهي نوع من القياس - من ضوابطها، واستدل على ذلك بمجموعة نصوص لبعض الأئمة (٢) منها هذا النص المنقول عن الإِمام الشاطبي، وقد خصصت له هذا الموضع لأنه مرتبط بالتعليل بالحكمة وسأبني عليه عند الحديث عن المصلحة ومناقشة موقف الكاتب منها ومن نصوص الأئمة وفتاواهم. وإليك الأن تحقيق مذهب الإِمام الشاطبي.
следующие страницы →