Полный текст (1 072 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
يضف إلا إلى الفعل لأنه في معنى (إذا)، و (إذا)، هذه، لا تضاف إلا إلى الأفعال؛ هذا المنصوص في كتاب سيبويه على ما حكاه خصمك.
ثم شتمه بهد هذا شتما أسقط لأنه لا حاجة إلى ذكره. ثم قال: وأما قولك: قال الله : ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ فلا أعرف لك فيه معنى إلا أن تكون قدرت على الخليل ويونس وسيبويه وأصحابهم إلى أهل هذا العصر الزلل. فإن كان هذا هكذا فلسنا ننكر أن يخلق الله ، في هذا العصر، من هو أفهم من بعض من تقدم، ولكن لا يكون عقله مثل عقلك. والذي قلته هو على ما قال سيبويه في كتابه، وهو كقول الشاعر:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني .... عنيت فلم أكسل ولم أبتلد
وقال آخر:
стр. 632
إذا فئة قُدِمت للقتا .... ل فر الفغا وصلينا بها
وليس هذا بأبعد من قوله: [١٣٩/آ]
صعدة نابتة في حائر .... أينما الريح تميلها تمل
ولا من قوله:
إن الله يرجعني إلى الغزو لا أرى .... - وإن قل مالي- طالبا ما ورائيا
وبعد هذا ذم وشتم، وهذا آخر الرسالة بعد إسقاط ما فيها من ذلك.
والفغا في قوله (فر الفغا) أصله للبسر الفاسد المغبر.
стр. 633
ذكر طرفٍ من أبيات المعاني
ولسنا نعني بأبيات المعاني ما لم يعلم ما فيه من الغريب. وإنما يعنون بأبيات المعاني ما أشكل ظاهره وكان باطنه مخالفا لظاهره، وإن لم يكن فيه غريب، أو كان غريبه معلوما.
كما أنشدني شيخي الإمام العالم تاج الدين- ﵀:
وأنثى، وما كانت من الجن أمها .... ولا الإنس، قد لاعبتها ومعي ذهني
فأولجت فيها قدر شبر موفر .... فصاحت، ولا والله ما عرفت تزني
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت .... لأعزله عنها وفي النفس أن أثني
يصف البكرة التي يستقى عليها الماء.
стр. 634
ومن أبيات المعاني:
ذر الآكلين الماء يوما فما أرى .... ينالون خيرا بعد أكلهم الماء
هؤلاء كانوا يبيعون الماء؛ فهذا نوع من أبيات المعاني وهو جعل سبب الشيء الشيء ولما كان الماء سبب الأكل- لأنهم يبيعونه ويأكلون ثمنه- جعله مأكولا؛ ومن ذلك قوله:
أكلت دما إن لم أرعك بضرة .... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فلو كان على ظاهره لم يكن عظيما؛ فقد كانوا يأكلون الدم؛ ولهذا قيل: (لم يحرم من فصد له). وإنما أراد أكل
стр. 635
الدية لأنها من أجل الدم فصار الدم مأكولا بهذا المعنى.
ومنه قوله:
بكرت تلومك بعد وهن في الندى .... بسل عليك ملامتي وعتابي [١٣٩/ب]
كيف تقول: بكرت بعد وهن، والوهن ساعة من الليل؟ وإنما المراد: عجلت تلومك، يقال: بكرت على فلان عشية، أي سبقت إليه؛ فهذا هو الأصل في (بكر) أنه بمعنى (عجل) في أي وقت كان، ثم كثر استعماله في الغدوات.
ومن أبيات المعاني:
بني رب الجواد فلا تفيلوا .... فما أنتم، فنعذركم لفيل
стр. 636
أراد: يا بني رب الجواد، أي: يا بني ربيعة الفرس، لأن ربيعة الفرس بمعنى صاحب الجواد؛ ويقال: رجل فيل، أي: مخطئ الرأي، والجماعة أفيال، وقد فال رأيه، أي: أخطأ.
ومنها قوله:
قوم إذا حل الكرام بأرضهم .... قلبوا الثياب وأردفوا الأكوارا
كان من شأنهم أن الضال يقلب ثوبه ويردف؛ فوصف قوما في فلاة يضل من سلكها، يعني لصوصا؛ لأنهم يأوون في القفار التي بهذه الصفة فجعلها أرضهم؛ فإذا حل الكرام بها ضلوا.
ومنها:
وما مائل عند الطعان برأسه؟ .... وما راكب في الحرب قد مات طائره؟
المائل برأسه: الرمح. والراكب في الحرب: السهم. مات طائره: أي: مات الطائر الذي ريش السهم منه.
ومنها:
стр. 637
وسوداء المناسم يمتطيها .... أخو الحاجات ليس لها نظير
على أن الشفار تنال منها .... فأحملها إذا جد المسير
يعني نعلا.
ومنها قول من قال -وقد أخذت عمامته وأعطي مكانها قلنسوة-
بدلت بعد طويلة بقصيرة .... سوداء تبرق كالغراب الواقع
يضع الجناح على الجناح وتارة .... يلقى الرياح بجؤجؤ متواضع [١٤٠/آ]
ومنها في عين الإنسان:
وأشباه يرى فيهن ماء .... يطول بهن سير المهتدينا
يكون لهن طول النشر داء .... ولا يبرأن إلا ما طوينا
стр. 638
ومنها:
وما مقبلات مدبرات تشابهت .... مفرقة الأسماء واللون واحد
تصادف في أطوارهن حلاوة .... ومنهن مرات وسخن وبارد؟
يعني الأيام والليالي.
ومنها:
وأسمر أحياه وقد مات حقبة .... حفيف هراجيب مع الفجر رزح
فهب ولم يطو الجفون لرقدة .... وما كاد، لولا جرسها، يتزحزح
إصلاحه أن يقال: (بمزحزح) وأن يقال: (كان).
يعني قرادا مات زمانا من الدهر لغيبة الإبل، فلما أحس بها عاش. ويقال إن الرعاء السابقين إلى الماء إذا أرادوا القراد يتحرك
стр. 639
علموا أن الإبل قد جاءت. والهراجيب، جمع هرجاب، وهي النوق التوام المسرعة. والرزح جمع رازح، وهي التي ألقت نفسها إلى الأرض من التعب. ويقال زح عن المكان، وزاح: إذا زال عنه؛ والزحزحة من هذا، وهو في الأصل ثنائي ملحق بالرباعي.
ومنها:
عريفجة الحسل استداحت بأرضنا .... فيا لعباد الله للأشر المردي
عريفجة تصغير عرفجة. والحسل: ولد الضب، جعل هذه العرفجة له؛ لأنه إذا كانت شجيرة قريبة من موضعه استذلها وتقلب عليها وكسر أغصانها، فضرب هذا مثلا لذليل صار بأرضهم عظيما.
يقول: إن هذه العريفجة صارت دوحة، والدوحة أعظم ما يكون من الشجر. كما قالوا: استنسر البغاث [١٤٠/ب] واستأتن الحمار، يضرب لمن ضعف بعد قوة، واستتيست
стр. 640
العنز [١٤٠/ب]، يضرب مثلا لمن يعدو طوره، وقد يقال في هذا المعنى أيضا استنوق الجمل.
ومنها في وصف فرس:
وكأنما اشتملت على وهواهه .... زوراء مائلة الجراب بيون
وهوهته: صهيله. ومائلة الجراب: يعني بئرا.
والجراب: ما حول البئر. والبيون: التي بان موقف الشاربة عن جرابها لاعوجاجه؛ وهذا كقول الآخر:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة .... أجش هزيم والرماح دوان
وإنما قيل للفرس: أجش، تشبيها لصهيله بجشة صوت
стр. 641
الرحى. وهزمه: صوته. وقال آخر:
ويصهل في مثل جوف الطوي .... صهيلا يبين للمعرب
المعرب: العالم بالخيل العراب؛ فإذا سمع صوت هذا الفرس علم أنه عتيق.
وقال آخر:
يشنفن للنظر البعيد كأنما .... إرنانها ببوائن الأشطان
يقال: شنف يشنف شنفا: إذا أحد النظر. وشنفت الرجل شنفا: إذا أبغضته. ولا يكون هذا الصهيل الذي كأنه في بئر إلا في الخيل العراب.
стр. 642
ومنها:
يفد بأميه سراح وينتحي .... على مزدهى يهفو وليس بطائر
إذا ما رأى ملسا ضواحي جلده .... يقول جزاء من حليب وحازر
سراح: اسم فرسه. يفديها بأميه: يريد أمه وخالته؛ لأنها نجته حين هرب على ظهرها. وينتحي: يعتمد على مزدهى ازدهار الخوف يعني قلبه. يهفو: يهم بالطيران، يقال: هفا الطاشر: إذا هم بذلك ولم يطر. وإذا رأى ضواحي جلده: ما برز منه. ملسا: سليمة من الجراحة؛ سميت ضواحي لأنها تبرز للشمس وذلك نحو الصدر والكاهل [١٤١/آ]. جزاء من حليب وحازر: أي من لبن سقيتك إياه، يقول ذلك لفرسه، كما قال الآخر:
стр. 643
أهان لها الطعام وأنقذته
غداة الروع إذ أزمت أزام
وكقول الآخر:
على ربذ التقريب يفديه خاله
وخالته لما نجا وهو أملس
فنحن لام البيض وهو لأمه
لئن قاظ لم يصحبنه تتكدس
يقول: نجا على فرس ربذ التقريب، فلسنا لأمنا أي فنحن نعام وهو إنسان إن لم تصحبنه الخيل أن تقيظ. والتكدس: مشي
стр. 644
الفرس وكأنه مثقل؛ قالت الخنساء:
وخيل تكدس مشي الوعو .... ل نازلت بالسيف أبطالها
ومنها:
بذلوا ذخائر تبع ومحرق .... وتسوموا بعظام عبد مدان
ونعوا أبا وهب وقال عبيدهم: .... اليوم تبرد غلة الصديان
أراد بالذخائر والدروع والسيوف؛ لأنها ذخائر الملوك. وتبع: ملك اليمن، حميري. ومحرق: من ملوك الحيرة، لخمي. ولما انتسبوا إلى عبد المدان عرفوا بذلك فصار كالسيماء وهي العلامة التي تعرف بها الأبطال.
ومنها:
стр. 645
أمنت مراصد عامر ونباله .... عون الشربة حيث حان ورودها
صبت عليه ضئيلة لم يدر من .... أنى يدافعها وكيف يذودها
عامر: صائد لدغته حية فمات؛ فأمنت الوحش نبله ومراصده. والشربة: الموضع الذي كان يصيد به، وهو اسم له. والأفعى إذا طالت [١٤١/ب] حياتها صغر جسمها، فهذا معنى (ضئيلة).
ومنها:
عالم بالذي يريد نقي الصـ .... ـدر عف على جثاه نحور
الجثا: قبور آبائه، ينحر عليها دائما. وهذا معنى قول حسان:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم .... قبر ابن مارية الكريم المفضل
стр. 646
يَسْقُونَ من ورد البريص عليهم .... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومنها:
فأوردها التقريب والشد منهلا .... قطاة معيد كرة الورد عاطف
أراد: إن هذا المنهل لعبده إذا وردته القطا وصدرت عنه رجعت إليه من الطريق لقلة الماء في حواصلها؛ وذلك لبعده. ورواية الأصمعي: (التقريب والشد) بالنصب.
ومنها:
فلولا طول عنقي سدت قومي .... ولكن طال عنقي فاستمالا
طول عنقه: استشرافه على بيوت الناس لينظر إلى نسائهم، وكان زانيا.
ومنها:
стр. 647
سباهية تخال الشمس أما .... وتحسب أن والدها ثمير
ترد على الحصى طرفا كليلا .... وناظره بما تهوى بصير
السباهية: المعجب. يقول: إن هذه لعجبها تحسب الشمس أمها والقمر أباها والثمير: القمر، وابن ثمير: الليل المقمر. وبنت ثمير: الليلة القمراء. هي من الحياء ترمي ببصرها إلى الأرض، وتنظر بطرف كأنه كليل، وليس بذلك بل هي عالمة بما تريد.
ومنها:
نزلنا بورقاء بن عوف جماعة .... وليس لنا جار سواه بمنبج
وقد خصرت أطرافنا فكأنما .... تجللها مما بها شوك عوسج
فبتنا لديه وادعين بلذة .... وألبسنا قطفا له لم تنسج
стр. 648
كسونا بها الأطراف خملا فأدفأت .... وبتنا بليل المرزبان المتوج
القطف التي لم تنسج أراد بها النار. منها: [١٤٢/آ]
وإن التي ضمت أخلة بيته .... عليها لأم العاويات الفلاحس
فنافس أبا المغراء فيها ابن زارع .... على أنه فيها لغير منافس
يقول: إن التي ضرب عليها خباؤه لهي أم الكلاب العاويات، ويقال للكلب: فلحس. و (أبا المغراء) منصوب على النداء. و (ابن زارع) بدل منه، أو عطف بيان، ثم التفت عن المخاطبة إلى الغيبة، فقال: (على أنه فيها لغير منافس).
ومنها:
ألم يك في كف ابن ظبية زاجر .... لعادية الثاوي أبوه بغضورا
стр. 649
وإن القساسي الذي فت ضرسه .... وشاخس فوديه لعند ابن أحمرا
كان ابن أحمر- وهو ابن ظبية- قتل أبا هادية بغضور؛ فالمعنى: ألم يك في كف ابن ظبية الذي قتل أباك يا هادية بغضور زاجر لك وناه؟. والقساسي: السيف. وقساس: جبل فيه معدن تعمل منه السيوف الماضية. ومن ههنا أخذ أبو الطيب قوله:
فإن الحسام الصقيل الذي .... قتلتم به في يد القاتل
ومنها- وهو لأبي العرندس العوذي، من بني عوذ، بفتح العين، ابن سود-:
стр. 650
أقول لذي البوائق من لكيز .... أليل مد فوقك أم صباح
فلو تحت الكواكب حيث تسري .... لما علقت بثوبك الملاحي
أقوى في هذا الشعر وإصلاحه: أفي ليل فعالك أم صباح. والبوائق: الدواهي؛ أي أقول لصاحب الدواهي أي: الذي يرتكبها: أليل تفعلها فيه أم نهار؟ أي: إن هذه البوائق التي تركبها بالنهار ظاهرة للناس ولا تكترث [١٤٢/ب]، إنما عملك هذا عمل من لا يدري أنه في نهار، فلو أن الكواكب سرت حيث سريت- لأنه الكواكب في ظاهر الأمر الذي يعتقدونه لا تسري بالنهار- فلو كانت تسري حيث تسري أنت لما لحيت، أي: لو فعلت هذا حيث تسري الكواكب، أي: لو فعلته بليل لما أصابك لوم؛ لاستتارك.
ومنها:
стр. 651
كأن ذات العرش لما بدت .... مقصورة بيضاء في مجسد
ذات العرش: الثريا. والمقصور: من قوله : ﴿حور مقصورات﴾. شبهها بامرأة مقصورة في ثوب أحمر وهو المجسد، لأنها من أجل الجدب طلعت في حمرة الأفق.
ومنها:
ولهم قباب كالهضاب شوامخ .... شدوا بكل مطهم أبوابها
شدوا، أي: ربطوا خيلهم على أبوابها. والمطهم: الفرس التام الجمال. والمطهم من كل شيء كذلك.
ومنها:
وإذا تعذرت السواعد والتوت .... جال المفدى وسطها المضبوح
стр. 652
أغلى به رخو الإزار معدل .... فبدا يمار له دم مسفوح
السواعد: مجاري اللبن في الضرع. يقول: إذا تعذر اللبن جال المفدى، يعني القدح. والمضبوح: الذي به ضبح، وهو أثر النار لأنه يقوم بالنار. أغلى به من الغلاء، أي: أخذ به، أي بالقدح، سهاما كثيرة لكثرة فوزه؛ ولذلك سمي المفدى لما يتكرر له من الفوز. معذل، أي يعذل كثيرا على الإنفاق. فبدا، يعني القدح، يمار له دم الناقة التي قامر عليها. وهكذا كقول لبيد:
وجزور أيسار دعوت إلى الندى .... بمغالق متشابه أجسامها [١٤٣/أ]
وقول الأعشى:
وجزور أيسار جررت إلى الندى .... ونياط مقفرة أخاف ضلالها
وكان الميسر من مفاخرهم؛ لأنهم كانوا يفعلونه في أيام الشدة وعدم اللبن، وأيام الشتاء، يجتمع الفتيان منهم وذوو اليسار ويشترون جزورا أيما بلغت، ويدعون الجازر ويسمونه (القدار)
стр. 653
فينحر ويجعلها عشرة أجزاء.
وقوله: (بمغالق) يعني القداح، واحدها: مغلق. وقوله: (متشابه أجسامها) يريد أنها جعلت على قدر واحد. فإذا قسمت الجزور على ما تقدم حضر الأيسار، وواحدهم يسر، وجيء بالقداح، وهي عيدان من نبع قد نحتت وملست وجعلت سواء في الطول. وقد نظمت أسماءها فقلت:
يلي الفذ منها توأم ثم بعده .... رقيب وحلس بعده ثم نافس
ومسلبها ثم المعلى فهذه السـ ...... .. ـهام التي دارت عليها المجالس
فللأول- وهو الفذ- سهم إن فاز، وفوزه خروجه، وعليه غرم سهم إن خاب، أي لم يخرج. وكذلك باقيها على الترتيب فيما له وعليه إلى المعلى وهو السابع له سبعة وعليه سبعة، ويفرض في كل سهم منها بحسب ماله، وعليه حز.
وتكثر هذه السهام بثلاثة أخر أغفال ليس فيها حزوز، ولا لها علامات؛ ليكون ذلك أنفى للتهمة، وأبعد من المحاباة وهي:
стр. 654
(المنيح) و (السفيح) و (الوغد).
فإذا أحضرت القداح، وحضر الأيسار أخذ كل منهم من القداح على قدره وقدرته وطاقته ورئاسته. فمنهم من لا يبلغ حاله أكثر من الفذ فأخذه له؛ فإن خاب غرم سهما ورأى ذلك سهلا؛ وإن فاز أخذ سهما ورأى ذلك كافيا [١٤٣/ب]. ومنهم من يأخذ المعلى ولا يبالي بما يغرم إن خاب، وينال النصيب الأوفر إن فاز. ومنهم من يأخذ المعلى وسهما أخر إن لم يحضر من يتمم السهام، فيأخذ ما فضل من القداح، ويقول للأيسار: قد تممتكم؛ وفي ذلك يقول متمم بن نويرة في أخيه مالك:
إذا حضر القوم القداح وأودقت .... لهم نار أيسار كفا من تضجعا
يقول: من تضجع من الفتيان ولم يأخذ ما بقي أخذ هو ما بقي حتى يتممهم. وقال الغنوي:
стр. 655
إذا شهد الأيسار أو غاب بعضهم .... كفى الحي وضاح الجبين أريب
وإنما سميت هذه القداح (مغالق)؛ لأنها تغلق الرهن إذا ضربوا بها.
و التجزئة التي يقسمها القدار: أن يجعل الكتفين جزأين كل واحد جزء، والصدر جزء وهو الزور، والعضدان جزءان ويقال لهما: ابنا ملاط، والكاهل جزء، وهو ابن مخدش، والملحاء وهو ما بين السنام إلى العجز جزء، والعجز جزء، والفخذان كل واحد منهما جزء؛ ويرد على الفخذين خزرات العنق والطفاطف.
ثم يقسم على الأجزاء العشرة ما فضل من الجنبين والسنام والكبد ومن قطع اللحم حتى تستوي، فإذا استوت الأجزاء العشرة كلها بقي العظم الذي لا يصلح أن يكون على واحد من الأجزاء؛ فإن شاء الجزار أخذه، وإلا كان لأهل الفاقة والفقر من العشيرة، ولا يأخذه أحد من الأيسار؛ لأن ذلك عندهم عيب وعار، ويسمى
стр. 656
ذلك العظم (الريم). وأظن قول الشاعر:
إذا مت فاعتادي القبور فسلمي .... على الريم أسقيت السحاب الغواديا
مأخوذا من ذلك. وقد زعم أبو العلاء أن (الريم) في هذا البيت القبر؛ والذي ذكرته أولى. [١٤٤/آ].
ثم يبقى الرأس والقوائم ويأخذها الجزار في أجرته وتسمى (الجزارة)، ثم اتسعوا في ذلك فسموا الرأس والقوائم جزارة؛ قال ذو الرمة:
شخت الجزارة مثل البيت سائرة .... من المسوح خدب شوقب خشب
فإذا أخذ كل واحد من الأيسار قدحه دفع جميعها إلى رجل ويسمونه (الحرضة)، ومن شأنه المعروف له أنه لم يأكل قط لحماً
стр. 657
بثمن، إنما يأكله عند غيره، أو يهدي له الأيسار. وكانوا أكثر ما يجتمعون على الميسر بالليل، ويوقدون نارا لذلك، ثم يؤخذ ثوب شديد البياض، فيلف على يد الحرضة، ويسمى ذلك الثوب (المجول)، وإنما يجعل ذلك الثوب على يده ليغشي بصره، فلا يعرف قدح زيد دون عمرو، وهذا بعد أن يلف كفه بقطعة من جرا لئلا يجد مس قدح يكون له مع صاحبه محاباة.
فإذا أخذ القداح لم ينظر إليها، ويجلس خلفه آخر، ويسمى (الرقيب) ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به. ثم يفيض بالقداح، فإذا نشز، أي ارتفع، منها قدح استله الحرضة من غير أن ينظر إليه، ثم ناوله الرقيب، فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من أجزاء الجزور على قدر نصيب القدح منها؛ وذلك هو الفوز. فإن شاء بعد ذلك أمسك وإن شاء أعاد السهم على خطار آخر، ويمسى ذلك (التثنية)، وهو مراد النابغة في قوله:
أني أتمم أيساري وأمنحهم .... مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
стр. 658
فإن خرج الفذ أخذ صاحبه نصيبه، وله جزء واحد كما تقدم. ثم ضربوا بالقداح الباقية على التسعة الأجزاء الباقية. وإن [١٤٤/ب] خرج التوأم أخذ صاحبه جزأين وقعد إن شاء.
وضربوا بباقي القداح على السبعة الأجزاء الباقية، فإن خرج المعلى أخذ صاحبه الأجزاء السبعة التي بقيت، ووقع الغرم- أعني ثمن الجزور- على من لم يخرج سهمه، وهم أربعة: أصحاب الرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل. ولجملة هذه القداح ثمانية عشر سهما، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءا، ويلزم كل صاحب قدح من هذه القداح مثل ما كان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه.
فإن لم يخرج الفذ ولا التوأم وخرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أجزاء، ثم ضربوا ثانية فخرج المعلى أخذ صاحبه السبعة الأجزاء الباقية، وهي تتمة الجزور، وكانت الغرامة على من لم يخرج قدحه، وهم أصحاب القداح الستة التي خابت.
فإن خرج المعلى أول القداح أخذ صاحبه سبعة أجزاء الجزور واحتاجوا إلى نحو جزور أخرى؛ لأن في القداح التي خابت المسبل وله ستة أجزاء، ولم يبق من اللحم إلا ثلاثة
стр. 659
أجزاء. ومن خاب قدحه في الجزور الأولى لم يأكل منها شيئا، وذلك عندهم قبيح يعاب.
فإذا نحروا الجزور الثانية وضربوا عليها بالقداح فخرج المسبل أخذ صاحبه ستة أجزاء، منها الثلاثة التي بقيت من الجزور الأولى، ولزمه الغرم في الجزور الأولى ولم يلزمه في الثانية شيء؛ لأن قدحه قد فاز فيها. وصار غرم الجزور الثانية على من لم يخرج قدحه، على ما سبق من الحساب.
وبقي من الجزور الثانية سبعة أجزاء يضرب عليها بقداح من بقي. فإن خرج النافس أخذ صاحبه خمسة أجزاء ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا، ولزمه الغرم في الأولى. وبقي جزءان من اللحم وقد بقي من القداح [١٤٥/آ] الحلس، وله أربعة أجزاء، فاحتاجوا إلى نحر أخرى لتتمة الأجزاء الأربعة، ولا يأكل من خاب في الجزور الثانية منها شيئا.
فإن نحروا الجزور الثالثة وفاز الحلس أخذ صاحبه أربعة أجزاء، منها جزءان من الثانية وجزءان من الثالثة، ولم يغرم من ثمن الجزور الثانية شيئا؛ لأنه قد فاز، وكان ثمنها على من خاب قدحه. وبقي من الجزور الثالثة ثمانية أجزاء، فيضرب عليها
стр. 660
بالقداح من بقي حتى تخرج قداحهم موافقة لأجزاء الجزور. فإن كانت أجزاء اللحم موافقة لأجزاء القداح لم يحتاجوا إلى نحر شيء؛ فإن أعاد من فاز قدحه مرة ثانية فخاب غرم من ثمن الجزور التي خاب قدحه فيها، على هذا الحساب.
فإن فضل من أجزاء اللحم شيء وقد خرجت القداح كلها كانت تلك الأجزاء الفاضلة لأهل الوبد من العشيرة، وهم أهل الضعف وسوء الحال، وشدة العيش. ويقال: رجل وبد، أي: سيء الحال، ويستوي في الوصف به الواحد والجمع، كما تقول: رجل عدل؛ ويجمع أيضا على أوباد، كما يقال: عدول؛ ومنه قوله:
لأصبح الحي أوبادا ولم يجدوا .... عند التفرق في الهيجا جمالين
ورج مستوبد بمعنى الوبد.
ومن أبيات المعاني قوله:
стр. 661
١ - يا عين بكي حنيفا رأس حيهم .... الكاسرين القنا في عورة الدبر
٢ - أيسار صدق ينسيهم مراديهم .... صك القداح مواريب على الخطر
قوله: (الكاسرين القنا في عورة الدبر) فعورة الدبر: ما وراء القوم [١٤٥/ب] إذا انهزموا؛ لأنهم إذا انهزموا بقي ما وراءهم عورة ضائعا؛ فهؤلاء يحامون عن العورة ويطاعنون عنها حتى تتكسر رماحهم.
ومن هذا قوله : ﴿إن بيوتنا عورة﴾، وقول الشاعر:
стр. 662
الحافظو عورة العشيرة لا .... يأتيهم من ورائنا وكف
وقوله: (ينسيهم مراديهم) يريد أرديتهم، أي إنهم لإقبالهم على الميسر وطربهم لصك القداح يذهلون عن أرديتهم. و (المواريب) من قولهم: أربت العقدة: إذا أحكمت شدها، أي: هم شداد إذا قامروا لا ينحل لهم عقد.
٣ - أعداء كوم الذرى ترغو أجنتها .... عند المجازر بين الحي والحجر
الكوم: جمع كوماء، وهي العظيمة السنام. وهم أعداؤها لأنهم ينحرونها، يعني أنها تنحر وهي حوامل فيخرج الجنين حيا يرغو.
٤ - يمشي إليها بنو هيجا وإخوتهم .... شم مخاميص لا يعكون بالأزر
стр. 663
الهيجا: الحرب، تمد وتقصر. ومخاميص، أي: خمص البطون والواحد خميص، وهذا الجمع على غير القياس. وقوله (لا يعكون بالأزر) أي يطرحون الأشياء ولا يكترثون بشد إزار ولا غيره؛ وذلك مما تمدح به ملوكهم.
ومثل المخاميص في خميص الأناجيح في جمع منجح، قال:
بغاته إنما يبغي الصحاب من الـ .... ـفتيان في مثله الشم الأناجيح
٥ - لا يفرحون إذا ما فاز فائزهم .... ولا تضيق عليهم أربة العسر
يقول: إذا فازوا لم يفرحوا بذلك، ولا يبطرهم الفوز. ومنه قول [١٤٦/آ] الله : ﴿إن الله لا يحب الفرحين﴾.
стр. 664
والأربة: الشدة، أي: لا يبالون بالغرم وإن كانوا معسرين.
٦ - هم الخضارم والأيسار إن ندبوا .... إذ لا تجيل قداحا راحتا يسر
الخضارم: الأسخياء، والواحد خضرم، وأصل الخضرم للبحر.
ومنها:
١ - يا بنت آل هشام هل علمت إذا .... أمسى المراضيع في أعناقها خضع
٢ - أني أتمم أياسري بذي أود .... من فرع شنحاط ضاحي ليطه قرع
يعني القدح. وإذا كان ذا أود كان أسرع لخروجه. وشنحاط أرض. وضاحي ليطه: ظاهر جلده وما ضحا منه للشمس أي برز.
стр. 665
٣ - يحدو قتائله بيض غطارفة .... شم الأنوف مغاليق الضحى خلع
القتائل: الأشباه، وهذا قتل هذا أي شبهه، والجمع: أقتال؛ قال الأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليو .... م وأسرى من معشر أقتال
ويقال أيضا: فلان قتل فلان أي عدوه.
فقول ابن مقبل: (يحدو قتائله) أي قتائل قدحي. و (مغاليق الضحى) أي: يغلقون الرهن والخطر. و (خلع) معناه: يسلبون الرجال أموالهم بالقمار ويخلعونها.
٤ - ألو الوفاء ولو أدوا قداحهم .... ولا يزال لهم من لحمها قنع
ألو الوفاء، أي: يؤدون ما يلزمهم وفاء به، ولو لم يبق لهم إلا
стр. 666
قداحهم لأدوها. والقنع: الزيادة والكثرة، ويقال: هو ذو قنع، أي: كثير المال جواد.
ومنها قول عمرو بن قميئة- وهو صاحب امرئ القيس في قوله:
بكى صاحبي لم رأى الدرب دونه .... ..... ...... ...... -:
١ - بودك ما قومي على أن تركتهم .... سليمى إذا هبت شمال وريحها
يريد: بودك يا سليمى قومي، و (ما) زائدة. على أنك تركتهم وفارقتهم [١٤٦/ب] وسليمى: امرأته وكانت أرادت منه فراق قومه.
٢ - إذا النجم أمسى مغرب الشمس رابيا .... ولم يك برق في السماء يليحها
стр. 667
رابياً، أي: مرتفعًا. والنجم: الثريا. وأشد البرد عند طلوع الثريا أول الليل. ويليحها: يظهرها ويضيئها. يقول لها: لعل ودك أنك عند قومي في هذه الحال.
٣ - وغاب شعاع الشمس في غير جلبة .... ولا هبوة إلا وشيكا مصوحها
الجلبة: السحابة، وكذلك الجلب. والوشيك: السريع. والمصوح: الذهاب. والهبوة: الغبرة.
٤ - وهاج غمام مقشر كأنه .... نقيلة نعل بان منها سريحها
مقشعر: لا ماء فيه. والنقيلة: النعل البالية من النعال التي تنعل بها الإبل إذا حفيت، وجمعها: نقال. والسريح: السيور التي تشد بها النعل، الواحدة: سريحة.
стр. 668
٥ - إذا عدم المحلوب عادت عليهم .... قدور كثير في القدور قديحها
القديح: المغروف.
٦ - يثور إليها كل ضيف وجانب .... كما رد دهداه القلاص نضيحها
الجانب: الأجنبي الغريب. والدهداه: صغار الإبل، سميت بذلك لأن الإبل إذا وردت الماء دهدهتها ودحرجتها. والنضيح: الحوض.
٧ - بأيديهم مقرومة ومغالق .... يعود بأرزاق العباد منيحها
مقرومة، يعني القداح بها علامات. وليس المنيح ههنا القدح الذي ذكرناه أنه لا سهم له؛ وإنما المنيح ههنا الممنوج منها المعطى وهو القدح الفائز. ويجوز أن تعيد الهاء في (منيحها) على العباد، ويكون المنيح بمعنى الفاعل، أي: تمنحهم هذه القداح ما أصابوه من قمرها.
ومنها قول الطرماح:
стр. 669
١ - وابن سبيل قريته أصلا .... من فوز بح منسوبة تلده [١٤٧ آ]
البح: القداح كأن أصواتها فيها بحة. وتلد أي: قديمة منسوبة إلى الشجر التي تتخذ منها نحو النبع.
٢ - لم تستدر في ربابة ونحا .... أصلابها وشوش القرا حشده
الربابة: الجلدة التي تجمع القداح فيها، وفي غير هذا الموضع: القداح نفسها. ونحا أصلابها، أي: اعتمد عليها هذا القدح. الوشوش القرا أي الخفيف، فخرج. والحشد: المجتهد.
٣ - دفعت فيها ذا ميعة صخبا .... مغلاق قمر يزينه أوده
стр. 670
الميعة: النشاط. والصخب: الصوت، يعني قدحا.
٤ - لم يبق فيه من كف صاحبه .... أخلاق سرباله ولا جدده
يقول: إنه من كثرة ما تمسه كف صاحبه. وأراد بالسربال ههنا ماله من القشر.
٥ - موعب ليط القرا به قوب .... سود قليل اللحاء منجرده
موعب الليط، أي: قد استؤصل جميع ليطه، واستوعب جميعه. والقوب: الآثار.
٦ - يغدو من الحي ضيفه دسما .... وقد أوى وهو ظاهر وبده
٧ - مجرب بالرهان مستلب .... خصل الجواري طرائف سبده
следующие страницы →