← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿وما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. ومن هذا الجنس، قوله ﵇: «لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نزل هذا في حقنا منزلة قوله: حرمت عليكم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد»، ولكن عرف التحريم بذكر اللعن الذي هو موجبه، وعرف تعلق التحريم [بنا] بتعيير اليهود بذلك، وأن مثله يذكر في معرض التحذير في العادة. [ومن الألفاظ] والأسامي ما يجري على لسان ذكرها ولا يكون مقصوداً، ويعرف ذلك [بجري العادة] في النظم. كقوله ﷺ : «من أعتق شركا له في عبد» و «أيما رجل مات أو أفلس» الحديث. فذكر العبد والرجل جرى وفاقاً، لا أثر له في

стр. 107

الحكم، ولكنه سابق إلى اللسان في عادة البيان، بتغليب الذكور -في الذكر -على النساء. ويقرب من هذا الجنس، قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾. فخصص بالتحريم اللحم؛ والشحم والجلد وسائر أجزائه مفهومة منه؛ فنزل في البيان منزلة قوله: والخنزير، وحمل التخصيص فيه على عادة البيان، وهو: أن السابق إلى اللسان ما يعتاد أكله، وهو: اللحم. فهذا ومثاله -من عادات البيان عند نظم الكلام يعرفها من ألفها ومارسها؛ وتبين به أن [التعريف بحكم] المسمى غير موقوف على النطق بالعبارة الموضوعة] ٢٠ - ب [له في أصل الوضع، ولا ينبغي أن يتعجب [الإنسان] من قولنا: إن الإيماء إلى الوصف الذي أضيف الحكم إليه، نص في اعتباره. وإن لم يكن ذلك نطقاً صريحاً. هذا كله كلام منا في الدلالة على كون الوصف علة بالطرق النقلية، التصريحات منها والتنبيهات.

стр. 108

المسلك الثالث: إثبات كون الوصف علة بالإجماع. وما دل الإجماع على كونه مؤثراً في الحكم وموجباً له، فهو مقبول كما دل عليه النص والإيماء، ولذلك أمثلة: منها: أن الأخ للأب والأم يقدم على الأخ للأب في الميراث؛ [يقاس عليه] التقديم في ولاية النكاح؛ والجامع: أن [رجحان أحد السببين]-مع الاشتراك في الأصل -يوجب التقديم، كما في الإرث. فإذا قال المطالب: ولم قلت: إن الاختصاص بمزيد هذا السبب، له تأثير في [هذا] الحكم؟ فنقول: الإجماع منعقد على التقديم في الميراث، وعلى أن التقديم بهذه العلة. فهذه المزية ظهر بالإجماع أثرها في جنس هذا الحكم، في غير محل النزاع. المثال الثاني: أن الجهل بالعوض له تأثير في الإفساد ومنع الثبوت

стр. 109

في الذمة [في البيع]؛ فيقاس عليه المهر، ويقال: عوض مجهول، فيفسد ولا يثبت كالثمن. فإذا قيل: ولم قلتم: إنه يفسد لكونه مجهولاً؟ فنقول: الإجماع منعقد على أن للجهل تأثيراً في إفساد العوض. وإذا أثر في غير محل النزاع بالإجماع، فليؤثر في محل النزاع. المثال الثالث: أن نقول في السارق إذا تلف المال تحت يده: إنه مال تلف تحت اليد العادية، فيضمن كالمغصوب. فإذا قيل: ولم قلتم: إن تلف المال تحت اليد العادية يوجب الضمان؟ قلنا: بالإجماع ظهر تأثير هذا الوصف في إيجاب الضمان، في مسئلة الغصب وجميع الأيدي العادية. المثال الرابع: أن يقول الحنفي في الثيب الصغيرة: إنها صغيرة، فيولي عليها في بضعها كالبكر الصغيرة. فيقال: ولم [قلت: إنها] إذا كانت صغيرة يولي عليها [في بضعها]؟.

стр. 110

فيقول: ظهر بالاتفاق -في غير محل النزاع -تأثير الصغر في الولاية. فإن أراد بذلك البكر الصغير: توجه المنع عليها، فإنها مولي عليها للبكارة عندنا لا للصغر. فيقول: ظهر تأثير ذلك في الابن الصغير، وفي ولاية المال - بالاتفاق؛ وولاية البضع من جنس ولاية المال؛ فإذا أثر في شيء أثر فيما هو من جنسه. فتنقطع المطالبة بهذا القدر.

стр. 111

المثال الخامس: أن يقول الحنفي: المريض إذا أقر بعد أن صار ماله مستغرقاً بالدين بإقراره في الصحة -لم يقبل إقراره، لأنه بالإقرار يفوت حق غرماء الصحة، فيكون محجوراً عليه كما في الهبة. فيقال: ولم قلت: إنه إذا فوت حقهم ينبغي أن يكون محجوراً؟ فيقول: كما في الهبة. فيقال: ولم قلت: إن منع الهبة معلل بذلك؟ فيقول: الإجماع منعقد على أنه إن لم يكن دين مستغرق، نفذت هبته في الثلث. وإنما امتنعت هبته، لما فيه: من تفويت حق الغرماء. وإن أنكر منكر ذلك: وجب التعليل به؛ لأن حق الغير -بالاتفاق -له تأثير في الحجر في الهبة] ٢١ - أ [كما في الرهن، وكما في التركة إذا تعلق الدين بها. فهذا وصف عهد مؤثراً في الحجر، في الشرع بالاتفاق. وأمثلة ذلك كثيرة. ولعل شطر المسائل القياسية يجري على هذا المنهج. وهو مقبول باتفاق القائلين بالقياس.

стр. 112

خيال وتنبيه: فإن قال قائل: من قدم الأخ من الأب والأم، على الأخ من الأب باختصاصه بالقرابة المخصوصة، مطالب بإثبات العلة؛ ولا يغنيه قوله: إن هذا يؤثر بالاتفاق في التوريث. إذ يقال: إذا سلم لك تأثيره [في التوريث والتقديم فيه] فلم ينبغي أن يؤثر في التقديم في ولاية النكاح؟ وهل وقع النزاع إلا فيه؟ وكذلك يقال للحنفي إذا علل بالصغر: إنه إن سلم لك تأثير الصغر في ولاية المال وفي حق الابن، فلم قلت [إنه] ينبغي أن يؤثر في ولاية البضع وفي حق الثيب؟ وهل النزاع إلا فيه؟. وهلم جرا إلى جميع الأمثلة التي أوردتموها [فإن المعلل لا يخلو إما أن يكون أظهر] تأثيرها في عين الحكم المتنازع فيه، أو في حكم آخر يزعم أنه من جنسه. فإن ظهر تأثيره في عين الحكم المتنازع فيه: لم يتصور الخلاف معه؛ إذ الوصف إذا اتفق على كونه مؤثراً [في إيجاب حكم، كيف يحكم بتخلف الحكم عنه من وافق على كونه مؤثراً] فيه؟ وهل لموافقته على كونه مؤثراً فيه معنى سوى ثبوت الحكم [به] وترتبه عليه؟ وإنما يتصور إظهار الوفاق في غير محل النزاع.

стр. 113

وكذلك الجهل: ظهر أثره في إفساد العوض في عقد البيع؛ فلم ينبغي أن يؤثر في [إفساد] الصداق [في عقد النكاح]؟. وحق الغير: ظهر تأثيره [في الحجر] في الهبة في حق المريض، فلم ينبغي أن يؤثر في الحجر في الإقرار؟ فما وجه التقصي عن هذه المطالبة؟ الجواب: أن هذه المطالبة ساقطة [العبرة] باتفاق القائمين. وفي قبولها حسم باب القياس، فإن التعليل: لتعدية الحكم المنصوص [عليه] إلى غير محل النص. وهذا السؤال يرد على العلل الثابتة بالنص والإيماء وطرق التنبيهات. فيقال: إذا حرم البيع في وقت النداء لكونه تركا للسعي الواجب، فلم يحرم النكاح والإجارة؟ وإن سلم كون ترك السعي موجباً تحريم البيع، فلم يوجب تحريم النكاح؟ وأي بعدٍ في أن يحرم ترك السعي بالبيع، ولا يحرم بالنكاح؟. ويترقى من هذا إلى التخصيص بالشخص والزمان [والمكان]، فيقال: إذا أثر الزنا في حق ماعز، فلم يؤثر في حق غيره؟ وأثر الجماع في إيجاب الكفارة في حق الأعرابي، فلم يؤثر في حق غيره؟

стр. 114

فإن قيل: ظهر على القطع أن لا اختصاص للحكم [بالأعيان والمكان والزمان؛ وعرف هذا بأدلة قطعية في الشرع]. قلنا: [لا مستند] فيه إلا معرفتنا بإتباع الأحكام الأسباب المؤثرة فيها. فأنا لا نقتصر على إلغاء الزمان والمكان، فقد قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ الآية. ورد ذلك في حق المؤمنات، ويلحق بهم الكافرات؛ لأنه فهم السبب، وهو: الطلاق قبل المسيس، فإذا كان سبباً لسقوط العدة في حق المؤمنة، فكذلك يكون في حق الكافرة. وكذلك قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فإن ذلك في اللمس والغائط، ونحن نطرد ذلك في البول] ٢١ - ب [والنوم والمذي والمني وجميع الجهات. لأنه فهم بالإيماء أن السبب: فقد الماء، فاتبعنا السبب دون المحل. وعلى الجملة: مثل هذا السؤال يظهر من منكري القياس، وينجر بهم إلى إنكار هذه الأمثلة، وهو خروج عن إجماع الصحابة واتفاق العلماء. وكل ذلك باطل، لأن المعنى المؤثر إذا ظهر: قضت العقول

стр. 115

باتباعه وقطع النظر عن المحال والصور. فإن قيل: أليس ينقدح في الفرق بين التقدم في الميراث، والتقدم في ولاية النكاح -أن يقال: لقرابة الأم مدخل في الإرث، فأثرت في الترجيح؛ وليس لقرابة الأم مدخل في ولاية النكاح؟ قلنا: [القياس لا يحسم] باب الفرق على المعترض، ولكن إبداء التأثير يحسم [عليه] باب المطالبة، ويرهقه إلى بيان مفارقة بين المحلين، بعد جريان الاشتراك فيما ظهر تأثيره. والنظر في هذا يتعلق بالمجتهد، وبالمناظر: أما المجتهد، فعليه أن يبحث عن مدارك الفرق بين الميراث [وبين] ولاية البضع، بطريق السبر والتفحص عما يعن له من الخيال. فإذا لم يظهر له فرق: فقد سلم جمعه عن المعارضة، فيحكم به. وإن ظهر [له] الفرق: نزل ذلك منزلة المعارضة إذا ظهرت. وأما المناظر، فليس عليه -في النظر -التعرض لانحسام مداراك الفرق، بعد إبانة الاشتراك في الوصف المؤثر: لأن الاشتراك في الوصف المؤثر غلب على الظن الاجتماع؛ فعلى الخصم إبداء ما يقابله. أما المطالبة المحضة، دون التنبيه على وجه الإشكال في الفرق، فساقط. فإن قيل: لم قلت: إن [مزية] قرابة الأمومة إذا رجح

стр. 116

قرابة الأبوة فيما لها أثر فيه، فينبغي أن يرجح فيما لا أثر لها [فيه]؟ فهذا السؤال صحيح وإن كان عليه صيغة المطالبة؛ لأنه اشتمل على التنبيه على ما يطرق إشكالاً على الجمع، فإن هذا الوصف له أثر [في الميراث] فلا يبعد أن يكون معتبراً في الترجيح [فيه]. فقد نبه على الفرق ولكن على صيغة المطالبة، وهو الأحسن في إيراد [هذا] السؤال، والأبعد عن الانتهاض للابتداء والتمهيد، والتصدي للذب عن صحة دعوى يذكرها في معرض فرق مطرد منعكس، يطالب بتصحيح كلا طرفيه. فإذا ذكر هذا السؤال، فعلى المناظر المعلل أن يعترض عليه بما يفسده. فإن عجز: كان منقطعاً. وهذا الجنس جار في جميع الأقيسة. فأما المطالبة المحضة -بعد تسليم تأثير الوصف في الحكم في الأصل -فهو دعاء إلى تخصيص العلل بمواردها. وهو حسم لباب القياس. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: حاصل هذا المسك راجع إلى أن الإجماع أظهر تأثيراً لمعنى في حكم، فليكن مؤثراً في جنسه. وللمنازع أن يقول: أنا قائل بموجبه، وهو مؤثر في جنسه؛ ولكن ما الدليل على أن محل النزاع

стр. 117

[من] جنس محل الوفاق؟ فلابد من إقامة الدليل عليه، والخصم لا يسلم أن ولاية النكاح -في استحقاق التقدم فيه -من جنس الميراث، ولا أن ولاية البضع -في حق الصغير -من جنس ولاية المال، ولا أن الصداق -في التأثير بالجهالة] ٢٢ - أ [من جنس الثمن، ولا أن الإقرار -في حق المريض -من جنس التبرع، وهلم جرا إلى نظائره. ولو لم يطالب بإقامة الدليل على ذلك [واكتفى]-بما ادعاه -من التأثير فيما زعم بتحكمه أنه من جنسه -لا تسع مسلك التعليل والإلحاق، ولجاز إبعاد النجعة بالتأليف بين المتباعدات. فيقول القائل ضرباً للمثل: ظهر تأثير الحلول في إبطال الكتابة على أصل الشافعي، فيلكن مؤثراً في إبطال السلم، من غير إقامة دليل على أنه من جنسه. ويقول أيضاً: ظهر تأثير التفرق قبل القبض في إبطال بيع المطعوم بالمطعوم؛ فليظهر في الثياب وسائر الأموال. وكذلك في حكم تحريم الفضل والنساء. وكذلك يقول: الحج يقضى عن الميت، لأنه دين كما قاله رسول الله ﷺ . فتقضى الصلاة والصوم كذلك. إلى غير ذلك:

стр. 118

من أمور بعيدة لا من ارتكابها في نصرة هذا المسلك، ولا وجه لها. فالجواب: أن إقامة البرهان على تجانس الحكمين ليس في المقدور؛ لأن المجانسة تثبت بالاشتراك في جميع الصفات، وانتفاء الصفات الفارقة. وذلك غير متصور؛ فإنه إذا ظهر الاشتراك في صفات، تبقى [صفات فارقة ظاهرة، وتحتمل] صفات فارقة خفية: ينسب مدعي انتفائها إلى التحكم بما لا يعرف. وفي هذا السؤال -أيضاً -حسم باب القياس، كما في التخصيص بالمحل والشخص والزمان والمكان في الأمثلة التي ضربناها. ولكن لو فوض إليه التحكم بدعوى الجنسية: للزم منه نوع آخر من التحرف والاتساع. فإنما الحكم الفصل، والفيصل العدل؛ إبانة التساوي في المناسبة، وبه تنقطع المطالبة. وبيانه أن نقول: قدم الشرع الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب، في الميراث. وليس هو على مذاق التحكمات الجامدة، التي

стр. 119

لا تلائم مسالك العقول في رعاية العدل والنصفة والنظر للجوانب؛ بل عقل أن تقديمه لاختصاصه بهذه المزية المخصوصة من القرابة. فهو سبب الترجيح والتقديم. وهو معنى يناسب التقديم، ويتقاضاه ويستدعيه. ومناسبته للتقديم في ولاية النكاح، كهي في الميراث. فإن التقدم والتقديم والسبب المقدم لا يختلف بما فيه التقديم؛ وإنما الاختصاص يناسب التقديم مطلقاً في كل ما يتصور فيه التساوي والتفضيل. وهذا القدر من التقدير يغلب على الظن الاجتماع، وتنقطع به المطالبة، وعلى الخصم بعده أن ينبه على وجه الفرق، كقوله: إن قرابة الأم لها مدخل في الوارثة، ولا مدخل لها في ولاية النكاح. [فتأثيرها في الترجيح فيما لها فيه مدخل، لا يدل على تأثيرها في الترجيح فيما لا مدخل لها فيه]. فيقول القائس: لا مدخل لقرابة الأم في العصوبة؛ وهذا ترجيح [في الميراث] بطريق العصوبة. فيقول المعترض: الفرض والتعصيب طريقان في الميراث؛ فله -على الجملة -مدخل في جنس الميراث. فيقول القائس: إنها -مع كونها مؤثرة في الفرض -ساقطة التأثير في أصل العصوبة؛ فكيف اعتبرت في الترجيح [بالعصوبة في

стр. 120

الميراث]؟ كذلك يتجاذبان أهداب النظر، وتجري مراتب الكلام على مسالك معقولة المرام، متسقة النظام، فأما الجمود على المطالبة بعد إبداء المشاركة في المناسبة [فـ] لا وجه له. وكذلك الحنفي [إذا قال] في الثيب الصغيرة: إنها صغيرة فيولي] ٢٢ - ب [عليها كالبكر؛ وطولب بإثبات الوصف -فيقول: ظهر تأثير الصغر في ولاية المال؛ وولاية البضع من جنس ولاية المال. فإذا قيل: لم قلت: إنه من جنس ولاية المال؟، كفاه أن يقول: هو من جنسه في مناسبة الصغر إياه؛ لأن التصرف في البضع كالتصرف في المال، لارتباط قوام مصلحة المعيشة [به]؛ والصغر نوع عجز يستدعي نصب قوام مشفق يتولى ما يتعلق بالمصلحة. ففي هذه المناسبة تستوي الولايتان، وليس ربط ولاية المال بالصغر خارجاً عن المعقول، بل هو معقول، وسببه ما ذكرناه. فعلى الشافعي -بعد ذلك -النزول عن المطالبة، والتنبيه على وجه

стр. 121

الفرق بين الولايتين، أما من جهة الإيماء في إضافة هذه الولاية إلى البكارة والثيابة في الأحاديث الواردة؛ [أو] [إلى] الإجماع على تأثير الرضاء في ولاية البضع بالبكارة، دون ولاية المال. يعني [به] الاكتفاء بالصمت؛ أو إلى المناسبة في إفادة الثيابة نوع ممارسة توجب قطع الإجبار عنها. إلى غير ذلك: من طرق الكلام في تلك المسألة. وكذلك: إذا قال الحنفي في مسألة غرماء الصحة والمرض: إن إقراره في المرض يفوت حق الغرماء، فيبطل في حقهم كالهبة؛ فطولب بالإثبات- يكفيه أن يثبت بالسير أن الهبة امتنعت لحقهم [فينبغي أن يمتنع الإقرار]. فإذا سلم له ذلك وقيل له: لم قلت: أن الهبة إذا امتنعت لحقهم، ينبغي أن يمنع الإقرار؟ كان السؤال ساقطا بعد استواء الهبة والاقرار في المناسبة، لآن المقصود عصمة حقوقهم؛ والإقرار كالهبة في التفويت. فعلى الشافعي أن ينبه على وجه الفرق، بأن يقول مثلا: حق الغريم أثر في منع المريض من الهبة المستغنى عنها؛ فلم يؤثر في المنع من الإقرار المفتقر إليه دينا وشرعا وعرفا؟

стр. 122

فيقول الحنفي: إذا ظهر أن المانع حقوق الغرماء، استوى في الممنوع به المحتاج إليه والمستغنى عنه؛ كما في الرهم والتركة: إذا تعلق بها الدين. فيقول الشافعي: حق الغريم ليس كهبة الحقوق، فإنه لا يمنعه من صرفه إلى أوطاره وأغراضه، وأثمان الجواري واستيلادهن، ومهور النساء مع الاستغناء عنهن؛ لأن ذلك في مظنة الحاجة، وكذلك الإقرار ملتحق بها، وينقطع عن الهبة. فهذا تدرج النظر، وترتيب الفكر. فأما المطالبة، فمنقطعة ببيان الاستواء في المناسبة. كما سبق. وأما ما أوردناه- من الأمثلة في تقرير هذا الخيال- فسبيل دفعها أن يقال: أما قول القائل: الحلول أثر في إفساد الكتابة، فليؤثر في إفساد السلم- فهو باطل لأن هذا القدر ينتقض بالبيع وسائر العقود التي لا يشترط فيها الأجل. وإذا قيد بما هو احتراز: توجهت المطالبة بابداء الاستواء في المناسبة. فإن أبدى: يأن كل واحد عقد إرفاق شرع في حق عاجز بالرق

стр. 123

والإفلاس؛ والرفق ينتفي بالحلول- كان هذا على شكل القياس، وانقطعت عنه المطالبة، ولزم أن يعترض عليه إما بالقرض، أو بالفرق بين السلم والكتابة، أو أنه لا قائل لهذا المذهب [٢٣ - أ] وهو: التسوية بين العقدين في الصحة والبطلان؛ فإن كل واحد من الفريقين فرق بينهما، إلا أن يصدر من مذهب ذي مذهب، فيعترض عليه [بطريقة] لا بالمطالبة. وأما القول القائل: التفرق قبل القبض أبطل بيع الطعام بالطعام، فليبطل غيره [فهو] تحكم، ولا يمكنه ابداء الاشتراك في المناسبة. وأبو حنيفة لا يقول باشتراط التقابض إلا في النقود، ويعلل ذلك [بالتحرز] عن بيع الكالئ بالكالئ، ولا يطرد ذلك في سائر الأعيان. والشافعي يعلل تحريم المطعوم بسبب الطعم ومناسبته لتقييد طريق تحصيله بمزيد شرط وتضييق؛ فالمطالبة متوجهة على هذه العلة. وأما قول القائل: إن الصوم دين كالحج، فيقضي عن الميت- فهو على شكل القياس. وكيف لا، وقد علل رسول الله- ﷺ -

стр. 124

بكونه ديناً، في قوله: «أرأيت لو كان على أبيك دين [فقضيته»] ولكنه منقوض بالصلاة. فإن خالف مخالف مخالف فيهما دميعا: منع من هذا القياس بالفرق لا بالمطالبة؛ وقيل: كونه ديناً أثر في تجويز النيابة للوارث فيما يقبل النيابة شرعا في الحياة، وهو: الحج، فلم يؤثر فيما لا يقبل النيابة أصلا؟ فيكون هذا تنبيها عل وجه الفرق، ويبين أن المطالبة تنقطع بإبداء الاستواء في المناسبة. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: ابداء الاستواء في المناسبة إنما يمكن فيما عقل المعنى في كونه مؤثرا [في حكم] وقد ينصب الشارع سببا مؤثرا في حكم: لا يعقل معناه، ولا ندري: لم أثر فيه؟ وهذا كقوله ﵇: «من مس ذكره فليتوضأ»، جعل المس سببا للوضوء، ولا يعقل معناه؛ ومع هذا يقاس عليه مسه.

стр. 125

ذكر الغير, وقد يخرج عن عمومه مسه ذكر نفسه بعد الابانة. وكذلك قال تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾، فجعل اللمس سببا للوضوء ولا ندري مناسبته [له]، ثم ألحق به الرجل إذا لامسته المرأة إذا لامست الرجل. وكذلك: انعقد الاجماع على أن خروج الخارج من السبيلين يوجب الوضوء، ولا مناسبة له، وألحق الخارج من غير السبيلين [به]. أما أبو حنيفة: فألحق الفصد والحجامة وغيرهما. وأما الشافعي: [فألحق] ما إذا انسد المخرج المعتاد وانفحت ثقبة تحت

стр. 126

المعدة. إلى أمثال له يجري فيها شكل القياس المؤثر، ولا يمكن إبداء المناسبة حتى يظهر به الاستواء في المناسبة. وصورة القياس في هذه المسائل أن يقول: مس الذكر، فينتقض وضوءه، كما إذا مس ذكر نفسه. فإذا طولب، قال: ظهر تاثير مس الذكر في الوضوء بالنص، وهو قوله ﵇ «من مس ذكره فليتوضأ». فإن قيل له: ظهر تأثير مس ذكره في الوضوء لا مس ذكر غيره؛ فكيف ينفصل عن المطالبة بإبداء الاستواء في المناسبة؛ ولا مناسبة أصلا؟ وكذلك يقيس الملموس على اللامس، ولمس المرأة الرجل على لمس الرجل المرأة؛ ويظهر التأثير بالنص، ويعجز عن إبداء الاستواء في المناسبة. وكذلك: في خروج الخارج من السبيلين. وكذلك: قال رسول الله- ﷺ «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي، فجعل عتق التشرك سببا لعتق الباقي وغرمه، ولا مناسبة له، ثم تقاس عليه الأمة». إلى غير ذلك: من نظائر لها كثيرة، ترجع جملتها إلى نصب الشارع [٢٣ - ب]، أسبابا مؤثرة في أحكام لا يعقل معنى كونها مؤثرة

стр. 127

في إثبات تلك الأحكام، ويجري فيها القياس. فما سبيل الخروج عن المطالبة دون إبداء المناسبة فيها؟ [أو ما سبيل إبداء المناسبة فيها؟، أو] ما وجه الافتقار إلى المناسبة في الآمثلة السابقة، [إن لم نفتقر إليها في هذه الأمثلة]؟ فالجواب: أن هذه الأمثلة اختلف الأصوليون في تسميتها: فمنهم من عبر عنها: بأنها في معنى الأصل. وهذا عندنا كلام مجمل. والوجه: تسميتها قياسا، ولكن ليس من قبيل الأمثلة السابقة. فإن القائس- في مثل هذه الأمثلة- لا يجعل السبب المؤثر في حكم [مؤثرا في حكم] آخر، حتى يطالب بإثبات المجانسة بين الحكمين، بالاستواء في المناسبة. ولكنه يجعل السبب مؤثرا في عين الحكم الذي ظهر أثره فيه، ولكن في محل آخر غير منصوص عليه إذ [قد] ظهر تأثير اللمس والمس وخروج الخارج، في إيجاب الوضوء؛ وهو يجعلها مؤثرة في إيجاب الوضوء.

стр. 128

نعم، لو قال [قائل]: هذه الأسباب إذا نقضت الطهارة، ينبغي أن تنقض الصوم- لكان هذا وزان الأمثلة السابقة، ولقيل له: لم قلت: إذا ظهر تأثيره في نقض الطهارة ينبغي أن يظهر في نقض الصوم؟ ويضطر إلى إبداء المجانسة بالاستواء في المناسبة. [نعم: نرى] أن يلقب هذا القياس بتنقيح مناط الحكم ومتعلقه. وسنذكر أمثلة هذا الجنس في موضعه. وقد سمى فريق من الأصوليين هذا الجنس: دلالة الخطاب. وسماه آخرون: ما في معنى الأصل. وحاصل ذلك يرجع إلى تنقيح متعلق الحكم ومناطه، بإلغاء ما اقترن [به] وفاقا غير مقصود باضافة الحكم إليه. فإن قوله: «[من] مس ذكره فليتوضأ»؛ إضافة الوضوء إلى مس الذكر لا باعتبار أنه ذكره؛ ولكن جرى ذكر الإضافة إليه وفاقا، لأنه الغالب في المس؛ إذ يبعد أن يمس الإنسان ذكر غيره. وكذلك قوله ﵇: «من أعتق شركا له في عبد» [الحديث].

стр. 129

فإعتاق البعض سبب السراية [لإعتاق كل العبد]؛ ولكن جرى ذكر العبد وفاقا: لأنه السابق إلى اللسان في العادة. فهو- بحكم العادة- كناية عن الرقيق. وكان كقوله ﵇: «أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه». والمرأة ملحقة بالرجل، ولكن جرى ذكر الرجل وفاقا: لأنه السابق إلى اللسان، فهو- بحكم العادة- كناية عن الإنسان في هذا المقام. وكذلك لو قال لزوجته: أنت طالق يوم يقدم زيد، فقدم ليلا- طلقت عند أكثر الفقهاء، لأن اليوم في هذا المقام- بحكم العرف- كناية عن الوقت، فإنه السابق إلى اللسان.

стр. 130

وكذلك قال رسول الله- ﷺ «لا يبلون أحدكم في الماء الراكد» يتضمن تحريم صب البول من الكوز في الماء؛ لأن المفهوم المنع من تنجيس الماء بإلقاء النجاسة فيه؛ ولكن الإنسان بطبعه ممتنع من إلقاء النجاسات في الماء من غير غرض؛ وإنما يتفق منه البول في الماء؛ فجرى تخصيصه وفاقا بحكم العادة. وهذه أمور تعرف من دلالة الخطاب، وسياق الكلام، وقرينه الحال. فنتجاسر على الإلحاق ونتقصى عن المطالبة في هذا الجنس من الإلحاق، بهذا [٢٤ - أ] الفن في الكلام. والجواب الآخر: أن هذا الجنس- أيضا- غير خارج عن فهم نوع من المعنى. فإن المس نوع هتك: إذ هو مقدمة الإمذاء؛ فإنه يحرك الآلة، ويبعث الشهوة، ويذكر الوقاع؛ فيخرج المذي: فينتقض الوضوء، لكونه سبب خروج المذي وإن لم يخرج. وكذلك: لمس النساء سبب الإمذاء، فينتقض الوضوء وإن لم يمذ.

стр. 131

كما كان النوم سبب خروج الريح، فكان حدثا وإن لم يخرج. وكذلك: التقاء الخانين سبب خروج المني، فجعل جنابة وإن لم يتحقق. وخروج النجاسة- على الجملة- يناسب الاشتغال بالتطهير في محل النجاسة، وفي جميع البدن. ولكن حط استيعاب للعسر، واقتصر على الأعضاء الظاهرة في الغالب. فهذه المعاني تفهم من هذه الأسباب في التخصيص، وفي التعدية: إما بنفسها، وإما بكونها قرينة معينة في فهم مناط الحكم من جهة المذكور، ومنبهة على إلغاء ما لا مدخل له في هذا النوع من التأثير. فهذا طريق تقرير هذا الفن، وقد سمينا هذه الأجوبة: تنبيها، وهي- على التحقيق- خيال في مقابلة خيال؛ وهو: سياق نوع من الجدال، وتمهيد طريق إلى التخييل والاحتيال. وإنما الكشف الشافي ما نذكره الآن، وهو [أن] قول القائل: إذا ظهر تأثير العلة في حكم، فلم ينبغي أن يؤثر في جنس آخر من الحكم؟ إن كان محل التعدية جنسا آخر. وإن كان عين الحكم أو مثله، فكيف تتصور- مع تسليم كونه مؤثرا- المنازعة في الحكم مع وجود المؤثر فيه؟. وهذا خيال لا طائل وراءه: فإن العلة إذا ظهر تأثيرها فيحكم، فلا تستعمل في إثبات حكم آخر- أعني: في إثبات نوع آخر من الحكم-

стр. 132

بل تستعمل لتعدية ذلك الحكم بعينه إلى محل آخر، على لسان الفقهاء. وهو- على التحقيق- إثبات مثل ذلك الحكم في محل آخر. وهو كالأمثلة التي ضرناها في اللمس والمس وخروج الخارج؛ فإنه جمل علة لانتقاض الوضوء: فلا يستعمل إلا في انتقاض الوضوء؛ ولكن في محل آخر غير محل النص: كمس ذكر الغير، ولمس المرأة الرجل، وخروج الدم من غير المخرج المعتاد. وجميع الأقيسة تجري على هذا المثال: فإن القياس لتعدية حكم المنصوص بالعلة المتعدية، وتعميمه لعموم العلة. ولو كان يثبت بالعلة جنس آخر من الحكم: لم يكن هذا تعدية المنصو؛ بل كان ابتداء لحكم على سبيل الاستئناف. فلعتقد هذا في كل قياس. أما المثال الذي ضربناه في تقديم الأخ من الأب والأم في الميراث، وقياس التقديم في ولاية النكاح عليه- فهو من هذا القبيل: لأن الاختصاص بهذه المزية علة التقديم في الإرث، فيعمم التقديم؛ وهو قضية معقولة، ونعديه إلى محل آخر وهو: ولاية النكاح. وتكون نسبة ولاية التزويج إلى الإرث، كنسبة الزبيب إلى التمر في الربا؛ فإن الطعم والكيل حرم الفضل في التمر، فيثبت تحريم الفضل في الزبيب: للاشتراك في العلة. وكذا: الصغر علة ولاية المال، وولاية البضع- في حق الابن، فيجعل علة ولاية البضع في حق الثيب [الصغيرة]، لأنه عقل كونه

стр. 133

علة الإجبار والولاية [في البضع] في حق الابن، وهو محل الحكم، فيعدى إلى البضع في [حق] الثيب؛ والبضع ينزل من المال منزلة نوع من المال مع نوع آخر، ومنزلة الزبيب من التمر في الربا. فالحكم الثابت في محل الإجماع بعينه، يعدى [٢٤ - ب] ويعمم بالقياس. وكذلك نطرد هذا الجنس في جميع الأمثلة التي ذكرناها. وإذا نبهنا على الطريق: لم يخف وجه التقرير في جميع الأمثلة؛ وما خرج من هذا الجنس فليس من القياس في شيء. فإن قيل: أليس جعل الشرع القتل علة الحرمان في الميراث، فجعل [بالقياس علة] بطلان الوصية، وهو حكم آخر. وقد قال تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾، جعل الضعف والسفه علة قضاء الدين، فجعل علة الإجبار في سائر التصرفات: من البيع والإجارة، وغيرهما؟ قلنا: هذا داخل الحد الذي ذكرناه. وإنما المفهوم أن الضعف

стр. 134

بالصغر والسفه سبب نيابة الولي المشفق عنه، فيما تمس حاجته إليه: من قضاء الدين؛ فسائر ما تمس حاجته إليه ينزل من محل النص منزلة سائر المكيلات والمطعومات من المنصوص في الربا. والثابت بالنص في قضاء الدين: [النيابة] بعلة الصغر في محل الحاجة؛ فعديت النيابة إلى كل ما تتعدى إليه الحاجة. وأما الوصية، فمن يبغي الإلحاق: يتكلف التلفيق بهذا الطريق، ويثبت أن استحقاق المال [بمجرد مطلق] الموت نوع خلافه؛ تارة يستفاد بالقرابة، وأخرى بالزوجية، وطوروا بالوصية؛ فالكل باب واحد؛ فيرجع الافتراق إلى العدد كما في الربويات، أو يقول: المفهوم من النص معارضته بنقيض قصده فيما تعدى باستعجاله؛ وفي هذا تشترط الوصية والإرث ويرجع التمييز إلى العدد، وهذا شرط كل قياس. وما خرج عن هذا القياس، فليس من القياس في شيء. يبقى خيال السائل: أنه إذا سلم كونه مؤثرا، فكيف يتصور النزاع في المسألة بعد الإجماع على وجود ما هو المؤثر؟

стр. 135

قلنا: من سلم الإجماع على كون الوصف مؤثرا، وسلم سلامته عن المعارضة في محل النزاع- لم يتصور منه النزاع مع ذلك إلا بجحد أصل القياس. وإنما منشأ النزاع أحد أمرين: إما الاسترابة في كون الوصف مؤثرا بالإجماع والمجاحدة فيه، أو اعتقاد معارضة في الفرع. أما مثال الأول: فكمنازعتنا لأبي حنيفة في دعواه أن المؤثر في إطال هبة المريض حق الغريم؛ فإن من أصحابنا من يعتقد: أنه بطل تصرفه نظرا له في نفسه، وليس من النظر إبطال إقراره؛ وإنما ننازعهم: لأنا لا نسلم كون هذا الوصق مؤثؤا بالإجماع. فطريقه أن يكشف عما يدعيه: من الإجماع؛ وهو إبطال ما ندعيه: من المعنى؛ ليتعين معناه. فإنه حكم لابد من تعليله بما يتضمنه المرض الحادث. والذي يمكن أن يقدر علة [لا يزيد] على المعنيين؛ في بطلان أحدهما إثبات الآخر. فيقول: إبطال تصرف العاقل نظرا له، لا عهد به. وإبطال تصرفه لحق الغير [عهد في الشرع في مواضع بالإجماع؛ فإحالة الحكم في هذا المقام إلى ما] عهد في الشرع اعتباره في إبطال التصرفات أولى؛ لأنه معنى عرف بالإجماع تأثيره في جنس هذا الحكم. فيرجع مثار النزاع إلى أنا لا نعترف بالإجماع أولا، فلو اعترفنا

стр. 136

أولا بالإجماع: لما نازعناه رفي الإقرار إلا بتقدير [٢٥ - أ] دليل في الإقرار يعارض ما ذكروه، وهو قياس الإقرار على النكاح وسائر التصرفات، لرابطة الحاجة؛ ويتبين به أن حق الغريم لا يمنعه إلا عما يستغني عنه في هذا المقام. بخلاف حق الغريم في الرهن والتركة وغيره. وأما الجنس الآخر من المنازعة- بعد تسليم التأثير- فينشأ من تقدير المعارضة: كما ذكرناه على أحد التقديرين في مسألة غرماء المرض والصحة، وكما نعتقد في مسألة الثيب الصغيرة، ويعتقد أبو حنيفة في مسألة غرم السارق. فأما مسألة الصغيرة، فنسلم أن الصغر علة الولاية في حق الابن وفي حق ولاية المال؛ نسلم وجود الصغر في [عين] محل النزاع؛

стр. 137

ولكن نقول: عارض الصغر الثيابة، وهي علة لإسقاط الولاية بنصب الشارع إياها علة، بقوله: «الثيب أحق بنفسها من وليها». ويسلم الخصم وجود علة الضمان [في السارق] ولكن يقول: عرضه وجوب القطع، ومن ضرورته إسقاط الضمان بتقدير انتقال العصمة إلى [اليد] كما قرروه في تلك المسألة. ولو استعمل سائل هذا الاعتراض على طريق المطالبة والممانعة، وقال: لا نسلم أن تلف المال تحت اليد العادية سبب الضمان لمجرده، بل هو مع سقوط القطع هو السبب؛ والصغر مع انتفاء الثيابة هو العلة- فهذا كلام فاسد يضاهي كلام من يقول: العلة ما ذكرته مع

стр. 138

السلامة عن المعارضة [فإذا ذكر وجه السلامة عن المعارضة] فهو مردود عليه؛ والمطالبة متوجهة عليه بإبداء المعارضة، إذا ليس هذا جاريا مجرى أجزاء العلة، بل له منصب الاستقلال. فإن قيل: فبماذا تنقطع المطالبة إذا قال السائل: سلمت تأثير العلة في ذلك المحل، فما دليل تأثيره في محل النزاع؟ قلنا: هذه المطالبة ساقطة بمجرد تسليم التأثي، وكان كقول القائل: سلمت أن الكيل هو المؤثر في تحريم [ربا] الفضل في البر، وسلمت وجود الكيل في الجص؛ ولكن لم قلت: إذا أثر ثم، ينبغي أن يؤثر ها هنا؟ وهذا تشوف إلى حسم باب القياس؛ وليس يحتاج المعلل إلأى إظهار وجه المناسبة بعدما سلم له كون الوصف مؤثرا في الحكم في موضع ما: لأن معنى كونه مؤثرا [هو]: أن الحكم حصل به ومن أثره، وأن الشارع نصبه علة موجبة، وقد عرف ذلك بالإجماع، فصار كما لو عرف ذلك بالنص والإيماء. وقد بينا أنه يستغنى فيه عن إبداء المناسبة، وإن كان يبعد انفكاكه عن مناسبة ما. فقل ما يوجد- من تصرفات الشرع- ما يجري على مذاق التحكم الجامد المحض؛ ولكن: لو وجد وجب اعتباره في غير

стр. 139

محل النص، بحكم الدليل الذي دل على أصل القياس، وكان هذا كما لو قال: لا تبيعوا التمر بالتمر لأنه حلو؛ فيعتر الزبيب به بجامع الحلاوة، بعد أن عرف الشرع كونه علة وإن لم تعرف مناسبته ووجه اقتضاء تحريمه من طريق المصالح. وإذا قال: لا تبيعوا البر بالبر لأنه أيض؛ قيس عليه الأرز وإن لم تعرف مناسبته. ولم نلتفت إلى قول القائل: أن البياض علة في البر لا في غيره، والحلاوة علة في التمر لا في غيره. والسبب في ذلك كله- وهو طريق الرد على منكري القياس-: قضاء العقول باتباع الأسباب، والأعراض عن المحال. فلا فرق في [٢٥ - ب] عقل حملة الشريعة- بين أن يقول الشارع: اقتلوا ما عزا لأنه زان؛ وبين أن يقول: اقتلوه لأنه طويل- في أنا نطرد إيجاب القتل في حق جميع الزناة وجميل الطوال، وان انتفت المناسبة؛ لأن المناسبة طريق يعرف بها كون الوصف منصوبا من جهة الشرع علما على الحكم وعلة له؛ وهي دون النص والإجماع، فإذا ظهر بالنص أو الإجماع: أغنىعلى إظهار المناسبة. ورجع حاصل هذا المسلك إلى أن الوصف إنما يصير علة: إذا علم أن الشارع جعله علة؛ وإنما يعرف جعل الشارع إياه علة: بنصه،

стр. 140

أو بإشارة النص في تنبيهه وإيمائه كما سبق، أو بالإجماع من الأمة. فالإجماع في التعريف كالنص. فالتحق هذا المسلك بالمسالك السابقة، ووقع الاستغناء فيه عن المناسبة كما في المنصوص والمنبه عليه. المسلك الرابع: في الاستدلال على كون الوصف علة بالمناسبة بينه وبين الحكم. وهذا ما اختلف فيه الأصوليون. فالذي ذكره لأبو زيد [الدبوسي]: أن المناسبة لا تكفي في إثبات كون الوصف علة، بل لابد من إظهار التأثير: بالنص، أو الإجماع، كما سبق. فاقتصر على المسالك السابقة، ولم يقنع بما دونه. واستدل عليه: بأن الإخالة يرجع حاصلها إلى الوقوع في النفس، وقبول القلب له، وطمأنينة النفس إليه، وهذا أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم، فإنه إذا قال: غلب

стр. 141

على ظني هذا، فللخصم أن يقول: لم يغلب على ظنى. فتحكيم القلب] إنما يجوز [عند فقد الأدله الظاهرة، وعند تصادم الأدله وانحسام مسالكها، للضروره الداعيه إليه. ثم هو مقيِّد في حق المجتهد، ولا ينتصب حجة على الخصم بحال. وهذا الذي ذكره هو مساعد عليه ولكن ليس المراد بالمعنى المخيِل المناسب ما ظنه وتخيله؛ ولكن نعنى بالمناسبه معنى معقولاً ظاهراً في العقل، يتيسر إثباته على الخصم بطريق النظر العقلي: بحيث ينسب الخصم في جحده-بعد الإظهار بطريقه - إلى النكر والعناد. فإذن منشأ الأشكال بيان حدّ المناسبه؛ والإخالةُ عباره عنها. وقد أطلق الفقهاء المؤثر، والمناسب، والمخلِ، والملائم، والمؤذن بالحكم، والمشعرِ به. واستبهم على جماهير العلماء والأفاضل -إلا من شاء الله-دِرك الميز والفصل بين هذه الوجوه، واعتاص عليهم طريق الوقوف على حقائقها، بحدودها وخواصها. واتصل بأذيال

стр. 142

هذه الأجناس قياس الشبه والطرد، وهي المغاصه الكبرى، والغمره العظمى. فلقد عز على بسيط الأرض من يعرف معنى الشبه المعتبر، ويُحسن تمييزه عن المخيل والطرد، وإجراءه على نهج لا يمتزج بأحد الفنين. ونحن-] بعون الله وحسن توفيقه [-نفضل هذه الأجناس، -] ونشفى فيه الغليل [ونوجز القول في قياس الشبه. ونندفع الآن في بيان ما ترشحنا له: من-] أنواع [قياس المعنى. فنقول: الحاصل من جمله هذه العبارات ثلاثة] أنواع [. المؤثر، والمناسب، والملائم . أما المشعر والمؤذن والمخيل، فهى فى حكم العبارات المكررة عن] ٢٦ - أ [المناسب. أما المؤثر، فما ذكرناه، وهو: الذي دل النص أو الإجماع على كونه علة الحكم فى محل النص] أو في غير محل النص [. فهذا الذي رأينا تلقيبه: بالمؤثر، ليتميز الجنس] عن الجنس]، وإلا فتسمية المناسب

стр. 143

والملائم مؤثراً وتسميه المؤثر مناسباً وملائماً] متجة. فكان ماجعل عله للحكم، فإنما جعل علة: لأن الشارع جعله علة؛ لا مناسبته [؛ ولكن المناسبه قد تكون تعريفاً وتنبيهاً على جعل الشرع اياه علة - عند بعض العلماء. وما عرف جعل الشرع] اياه [علة، فقد عرف تأثيره: إذ لا معنى للتأثير إلا حصول الحكم من أثره وبسببه. ولكن: لما انقست المعاني ثلاثه أقسام، أحببنا أن نفرد كل قسم - على حسب اصطلاح الفقهاء - بعبارة معرفه. وإنما الغرض تعريف وجه التميز والإنقسام. ثم إذا عرفت: فلتتخذ هذه العبارات أعلاماً معرفه لها. فالعبارات هي التي تتبع المعاني وتُسوى عليها؛ فأما تسويه المعاني على العبارات- فهو من دواعي الخَبَط، وجوالب الضلال. فنقول: هذه المراتب تتبين بضرب الأمثلة: أما المؤثر، فقد ذكرنا مثاله. وأما المناسب، فمثاله: تحريم الخمر، فأنه يظهر تعليله بكونه مسكراً مزيلاً للعقل، حتى يقاس عليه النبيد. ولكن فى الكتاب تعرض للتعليل بهذا المعنى؛ فهو- من هذا الوجه- يلتحق بالمؤثر؛ إذ ظهر بالنص تأثير هذا الوصف: حيث نبَّه على إثارته العداوة والبغضاء، ولكن:

стр. 144

لو لم يكن فى القرآن التعرض لهذا، واقتصر عى ذكر التحريم على تجرده - لكان تعليله بالإسكار وإزالة العقل: تعليلاً بكلام مناسب. ومعنى مناسبته: استدعاء هذا المعنى من وجة المصلحه هذا الحكم، واقتضاؤه له. فإن العقل ملاك أمور الدين والدنيا. فبقاؤه مقصود، وتفويته مفسده. فحرم لما فيه: من الإفضاء الى الفسده. وهذا كلام جلى معقول يمكن إثباته على الخصم. فأين هذا من قول أبى زيد: أنه يرجع الى قبول القلب، وطمأنينه النفس؟. ولا نشك في تمييز هذا عن قول القائل: أنه حرم لرائحته الفائحة المخصومه، أو لحمرته، إذ لا تناسب الحمرة التحريم، ولاتستدعيه، ولا تتقاضاه عقلاً. وهذا يتقاضى التحريم لما ذكرناه؛ فتميز عن الطرد بالمناسبه العقليه بين المعنى وبين الحكم. وتميزه عن المؤثر، بأن يقال: لم يعهد قط في الشرع، في موضع آخر- لا بالنص، ولا بالإجماع- كون الإسكار مؤثراً فى التحريم، حتى يكون التعليل به تعليلاً] بمعنى [عرف تأثيره، ولنقدر عدم انباء النص التعليل بهذه العله، حتى يستدَّ التمثيل، وينقطع عن المؤثر، فإن المستدل بالمناسبه يدعى الإستغناء عن النص وإيمانه ودلالة الإجماع على كونه مؤثراً؛ ويزعم: أن المناسبه كافية في التعريف، على ما سنذكر وجه حصول المعرفه بها. وكذلك إذا قلنا: إن الجماعة قتلوا بالواحد، كيلا يتخذ الظلمة

стр. 145

الاستعانه ذريعة إلى قتل الأعداء-كان ذلك تعليلاً بمخيل مناسب ظهر وجه استدعائه للحكم، واقتضائه له في العقل. ولم يدل دليل على تأثيره: لا من جهة النص؛ ولا من جهة الإجماع. بخلاف التعليل بالصغر فإنه- مع المناسبه المعقولة - ظهر تأثيره في الولاية المالية، وولاية التزويج - في حق الأبن، بالإتفاق. وكذلك إذا قلنا: حط قضاء الصلوات عن الحائض، لما فيه: من الحرج والمشقة والكُلفة مع تكرر الصلاه في اليوم والليله؛ بخلاف قضاء الصوم -كان] هذا [الكلام مناسباً] ٢٦ - ب [مخيلاً، متميزاً عن تعليله: بأن الصوم يقضى لأنه لا تجب فية الطهاره مثلاً، بخلاف الصلاه. فإن هذا الفرق لايناسب، ولا ينسى عن الحكم في قضيه العقل بحال. فهذا بيان المناسب. وليس يتميز عن المؤثر بذاته، وإنما يتميز عن المؤثر بأن ليس من جهة النص والإجماع دلالة على كونه علة، بل لا دلالة عليه سوى مناسبته. وما دل الإجماع على كونه عله] وسبباً]، قد يناسب: كالصفر يناسب الولاية، ومزيد
следующие страницы →