Полный текст (678 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
المسح في التخفيف، وهو الاقتصار على ما ينطلق عليه الاسم.
قيل له: ومن سلم لك أن ذلك من أثر كونه مسحا؟ فتضطره المطالبة إلى أن يعترف بعدم المناسبة، لا بل هو من أثر كونه مجرى على الشعر: لو وقع عليه. وهو طرد في مقابلة كلامه، فأي مناسبة لكونه مسحا: في تجوير الاقتصار على ما يقع عليه الاسم؟ وإنما منتهاه أن يقول: إذا قوبل مسح الرأس بسائر الأعضاء، فارقه في جواز الاقتصار على أقل ما يسمى باسمه، فلا يفارقه إلا في كونه مسحا، فهو علام الحكم، وهو عين ما ذكرنا: من طلب الفارق بين الذاتين، بعد مقابلة إحداهما بالأخرى.
وكذلك يقول: مسح الخف إذا قوبل بسائر الأعضاء وبغسل الرجل، لم يفارقها إلا في كونه مسحا. فهو العلامة، ويتعدى إلى مسح الرأس: في سقوط التكرار.
فيقول المجادل المعاند: [لا] بل فارقه في وقوعه على الخف.
فيقول: ليس مخصوصا بالخف، فإنا المتيمم- أيضا- يمسح على الوجه بالتراب ولا يكرر، ولا شركة بينهما إلا في وصف كونه مسحا.
وكذلك يرد عناد المعاند: أن الاقتصار على الأقل لإجرائه على الشعر لو أجرى عليه، بخلاف سائر الأعضاء، ويقول: مسح الخف أيضاً
стр. 317
يساويه في الاقتصار، ولا شركة بينهما إلا في عموم وصف المسح. فكان التعليل بالوصف الجامع المشترك- الضابط لجميع محال الحكم- أولى.
فيقول الشافعي- في مقابلته-: لا، بل فارق مسح الخف سائر الأعضاء: في كونه وظيفة بدلية ليست أصلية، وإنما الأصل: الغسل على الرجل، وبهذا يفارق المسح [على الرأس]: فإنه أصل كالغسل في سائر الأعضاء، وفي هذا يشارك التيمم، فإنه لما كان يؤدي بدلا، لم يشرع فيه التكرار.
وعند هذا، يتقابل المقامان، ولابد من الترجيح، وقد سلك كل [٤٩ - ب] من الفريقين- من قدماء علماء المذهبين- مسلك الترجيح: فدل أنهم رأوا التعليل بالوصف الذي لا يناسب، بطريق المقابلة، وطلب الفارق بين المتقابلين. كما ذكرناه في طلب الفارق بين حالتي الذات الواحدة.
فإن قيل: ذكروا هذا بطريق التشبيه.
قلنا: لا نضايقهم في هذا التقليب، وكل طارد يلقب طرده أيضا بلقب التشبيه، وإذا قال: أردت به تشبيها يغلب على الظن.، فيقول: وتشبيهي هذا- الذي لقبته بالطرد- يغلب على الظن، فكل مسلك يذكره يعارضه في طرده، حتى يقول: المحكم فيه الذوق السليم، فإن هذا يغلب على
стр. 318
الظن، والطرد لا يغلب. فيقول: وقد غلب هذا على ظني، ولم يغلب تشبيهك على ظني، وما الذي زكى ذوقك وعصمه من الغلط؟ ويرجع الأمر إلى حدس في الضمير: لا يصلح للمحاجة، وتتقابل فيه الدعاوى.
فإن قال: تشبيهي يوهم الاجتماع في مخيل هو مأخذ الحكم. فيقول: وجمعي- الذي لقبته بالطرد أيضاً- يوهم، فما الفارق؟ وكل ما ينطق به لسان المشبه، ينطق به لسان القائس الذي سمى طارداً.
فلتحذف هذه الألفاظ جانباً، وليقل: لابد من تغليب ظن في كون الوصف علامة، عن ظن أنه ليس بعلامة [ولابد] لغلبة الظن من طريق، وطريقه: طلب الفارق لوقوع الافتراق بين الذاتين. وهو الذي اعتمده العلماء في مسح الخف وتعليله.
فإن قيل: عول الشافعي على مناسب وهو: أن الخف لا ينبغي تنظيفه، والتكرار لتكملة النظافة، والخف يتخرق بالتكرار، فصين عنه لذلك.
قلنا: هذا خيال، فإن الخف كما لا يتخرق بأصل المسح فلا يتخرق بتكرار إمرار اليد الرطبة عليه.
стр. 319
وأما قوله: الخف لا يبغي تنظيفه، قلنا: فلم شرع أصل المسح؟ فليكن تكرار المسح للغرض الذي شرع له أصل المسح؟ تكميلا له.
فإن قيل: ليس في المسح نظافة، ولكنه وظيفة تعبدية، حتى لا تتعود إخلال [هذا] العضو: فنركن إلى الدعة في حالة الكشف، ولا نغسله، كما في التيمم: فإنه شرع لمثل هذا المقصود، وإلا فلا نظافة فيه.
قلنا: ليكن تكرار المسح تأكيداً لهذه الوظيفة التعبدية وتكملة لها، أو ليحكم بأن الرأس لما اكتفى فيه بالمسح: فلم يقصد تنظيفه حتى يكمل بالتكرار، فأي نظافة في المسح على شعرة واحدة؟ فليترك بالتكرار.
وهذه وساس وخيالات في غاية الضعف [والوهي]، لقبها بعض فقهاء العصر- وهم المتلقفون عن أبي زيد- بالمعاني المؤثرة المعقولة، وذلك لظنهم أنه لا مدرك للدليل على كون الوصف مناطا للحكم، وعلامة عليه- سوى المناسبة. فصنعوا للطرديات صيغة المناسبات، وأخرجوها في معارضتها، فغلب على كلامهم [الحكم] الضعيفة الوعظية، وهي- في إثارة الظنون- أبعد من المسالك التي ذكرناها.
المثال الآخر، قول علمائنا في مسئلة التبييت والتعيين: إن
стр. 320
صوم رمضان صوم مفروض، فافتقر إلى التبييت كالقضاء. وهم يقولون: إنه صوم عين، فلا يفتقر إلى التبييت كالتطوع.
وقولهم: صوم عين فلا يفتقر إلى التعيين، من قبيل المؤثر: لو سلم على السبر. أما استعمال في مسألة التبييت، فهو من قبيل الطرد، وأي مناسبة بين كونه فرضاً وبين كونه مفتقراً إلى التبييت؟ والفرض والنقل استويا في النية؟ [وأي مناسبة بين كونه عينا، وبين الاستغناء عن التبييت: إذا لم يعر عن أصل النية].
أما إمامي ﵁ فكان يقول بهذا القياس في مسألة التبييت، ويقول: إنه تشبيه، وليس بطرد.
وأما المراوزة، فإنهم لما أنبث فيهم كلام أبي زيد: من طلب التأثير، ولم يحيطوا بأغوار ذلك الكلام، وما فيه: من وجوه الالتباس- لم يجوزوا الاستشهاد بالأصول. ولقد ناظرت جمعا من أفاضلهم، فكانوا يلقبون كل من يستشهد بأصل في كلامه: بأنه أحكامي لا يعرف الفقه. وأي ضلال- في عالم الله يزيد على هذا؟ فمعظم أحكام الشرع يثبت بالقياس، وإنما انتظم القياس: باستنباط المعاني والعلامات من موارد النصوص، فكيف يستجيز التصرف في الشرع، من يحسم باب الالتفات إلى الشواهد والاستمداد من النصوص، ويزعم: أن المعاني المعقولة المؤثرة هي التي تقبل دون الأحكام؟ ولذلك انفتح عليهم باب من الهذيان ضلوا فيه، وأخذوا يثبتون أحكام الشرع على حكم ضعيفة خيالية: يستترِكُها
стр. 321
أرذال الواعظين، وهجروا [٥٠ - أ] لأجلها مسالك علماء السلف، وما نقل عن الشافعي- صاحب المذهب- في مسائله. وكذلك يفعل الله تعالى بمن لم يؤيده بتوفيقه، ولم يرشده إلى طريقه.
فنرجع الآن إلى المقصود، ونقول:
قولنا: صوم مفروض فيفتقر إلى التبييت، طرد محض لا يناسب، ولكن الظن حاصل منه، وطريقه:- أنه تقابل أصلان: القضاء والتطوع، ودار صوم رمضان بينهما، ففارق التطوع: في كونه فرضا، وهو الوصف الذي سبق إلى الفهم كونه فارقا، فقدر ذلك علامة على الحكم: متضمنة للمناسبة المغيبة عناء وقد شاركه صوم رمضان في هذا الأصل: فالتحق به، وانقطع عن التطوع.
وهذا يقابله قوله: لا، بل يفارقه في كونه صوم عين، وقد شارك صوم رمضان التطوع في هذا الوصف، ولا يعني قولنا: لا مناسبة بين كونه صوم عين، وبين الاستغناء عن التبييت. فإنه لا مناسبة [أيضاً] بين الفريضة وبين التبييت، ولكنا نبين أن صوم التطوع ليس بصوم عين، كما ذكرناه في تلك المسئلة.
ولو قال قائل: فارق القضاء التطوع: في كونه فرضا، وفارقه- أيضا: في كونه قضاء، وكل واحد لا يناسب، فهلا جعلتموه مناطا وضابطا للحكم؟
قلنا: لأن صوم الكفارات والنذور كلها يفتقر إلى التعيين، وليس
стр. 322
قضاء، فالوصف الشامل الجامع هو الفرضية، ولم يفارقه إلا التطوع.
فإن قال: ويضاف الحكم في الكفارة إلى كونه كفارة، وفي النذر إلى كونه نذرا، فإذا جاز التعليل بالطرد: فيجوز أيضا تعليل الحكم بعلل.
قلنا: ولكن التعليل بالفرضية تشهد له جميع الأصول، ولو علل بالقضاء: لم تشهد له سائر الأصول، فإذا علل ذلك بالكفارة: لم يشهد له القضاء. فالوصف المشترك الجامع للحكم المشترك أحرى بأن يكون علامة: متضمنة للمعنى المصلحي [المغيب عنا]، وهو أغلب على الظن من التفريق بأمور متفرقة لا تتوارد عليه الشهادات.
فإن قيل: فالحج أيضا مفروض، ولا يفتقر إلى التعيين، فبم تجيبون عنه في مسئلة التعيين؟
قلنا: وهو مشكل على الخصم- أيضا- في مسئلة التعيين، فإن الحج لا يتعين وقته ولكن بان لنا- بالدليل- أن الحج مخصوص بقضايا، بعلامة كونه حجا، وأن ذلك لم يتعد: [لا] إلى الصوم، ولا إلى الصلاة. فتضمن قولنا: صوم، احترازا عنه، وحقيقته ترجع إلى أن القضاء: إذا لم ينجذب إلى الحج، فالأداء أيضا لا ينجذب إليه. ومناسبة الحج للقضاء،
стр. 323
كمناسبته للأداء، فقام الشبه بما ذكرناه.
ولنا في كل مثال غرضان، أحدهما: بيان أنه مقول به من جهة الفريقين، وقد ماء الأصحاب ومحدثيهم، والثاني: إبانة كيفية إثارة الظن من هذا النوع من التعليل، مع الانفكاك عن المناسبة، وكيف لا يثور الظن.
فإذا لم يبن معنى مناسب في التبييت، وعرف أصلان في الشرع متقابلان- فيجب أن يحكم بقضية في محل النزاع، وهو دائر بين الأصلين، وفارق التطوع: في كونه فرضا، كما فارق القضاء، وبان أنه ليس يشارك التطوع إلا في كونه صوما، وفي هذا شارك القضاء أيضا، ونحن نقدر معنى مناسبا: لم نطلع عليه في القضاء وفي التطوع، فيعلم قطعا إن الأغلب على الظن: أن المتعدى إلى الأداء معنى القضاء، لا معنى التطوع- قبل الإطلاع على ذلك المعنى، وهذا معنى التشبيه.
وحاصله راجع إلى طلب الفارق، والتعليل بعلامة المصلحة المجهولة، لا بعين المصلحة، وإثبات كون الوصف علامة- من بين سائر الأوصاف- بالمقابلة وطلب الفارق، كما تقدم.
المثال الآخر، قول الشافعي ﵁: طهارتان، فكيف تفترقان؟ وهو التنبيه على قول أصحابنا: طهارة عن حدث، [وطهارة حكمية]، وطهارة: موجبها في غير محل موجبها، فأشبهت التيمم. وقد تقابل ها هنا أصلان: إزالة النجاسة، والتيمم، فأردنا أن نطلب مناطا
стр. 324
للفرق بينهما من أوصاف التيمم، فكان- من الأوصاف العامة- أنه طهارة: فيبطل بإزالة النجاسة، وأعم منه أنه شرط الصلاة: فيبطل بستر العورة، واستقبال القبلة، وأخص من الطهارة أنه طهارة بجامد: فيبطل بالاستنجاء. فكان الأخص والأولى أن يقال: طهارة حكمية، وطهارة عن حدث، وموجبها في غير محل موجبها، وكل ذلك يرجع إلى شيء واحد، وفي هذا [المقام] يستوي الوضوء والتيمم، فغلب على الظن أن هذه هي العلامة المشتملة على المصلحة المجهولة.
فكان ذلك لعجزنا عن إبداء المناسبة، حتى لو أظهر الخصم مناسبا: انحل هذا التعليل، بل ينحل [هذا بقولهم]: طهارة بالماء، فأشبه إزالة النجاسة، وإن لم يذكر وجه المناسبة- إلى أن نتكلم عليه.
ولو سلم للخصم ما يدعيه: من أن الماء مطهر لعينه، والتراب غير مطهر لعينه، فافتقر إلى قصد [٥٠ - ب]- لكان ذلك فرقا مخيلا، ولكن الشافعي يقول: هو مطهر للنجاسات العينية لعينة، وأما إزالته الحدث: فبالشرع كالتيمم، من غير فرق. فهو مشابه له. وكذلك:
стр. 325
إذا سلك الخصم مسلك الفرق. ونتكلم عليه حتى يسلم لنا هذا الجمع: ولا أخالة له، وهو محض التشبيه، وهو: الطرد الذي لا يناسب، ولكن طريق إثباته: المقابلة بين الأصلين المتقابلين، وطلب الفارق والتصرف في المسألة المترددة، بالعلامة الفارقة أو الجامعة.
ولا ينبغي أن ينخدع المحصل بما يذكر في الطهارة الحكمية: من الاخالة بأنه ينبئ عن كونه تعبدا وعبادة وقربة، والقربات تفتقر إلى النيات، لأن افتقار العبادات إلى النيات لابد من تعليله بمسلك مخيل، وعند أبي حنيفة: لا فرق بين العبادات [وأمور المعاملات] في النية، فإن النية عنده تعتبر فيما لا يتعين، يجب ذلك في قضاء دين العباد، ولا يجب في رد المغصوب، ويجب في قضاء الصوم، ولا يجب في صوم رمضان، فعلى هذا يديره، فلا مناسبة بين كونها حكمية وبين الافتقار إلى النية بحال، وإنما حاصلها يرجع إلى التشبيه.
ولذلك أطلق الشافعي القول، فقال: طهارتان، فكيف تفترقان؟ استبعد أن يكون بينهما فرق معتبر، مع الاشتراك في وصف: يكاد يقوم مقام الخاصية، وهو: أن كل واحد طهارة عن حدث، فرأى
стр. 326
الإضافة إلى هذا الوصف متعينا.
وكل ذلك إشارة منا إلى أن التعليل بالوصف الذي لا يناسب، مقول به من كافة العلماء: السلف منهم والخلف. فلا مضايقة في التلقيب: بالشبه والمؤثر، بعد أن لاح الغرض.
مثال آخر: اتفق الفريقان على أن يد السوم توجب الضمان، وطلب كل فريق علامة يجعلها مناطا للحكم.
فقال الشافعي: هو أخذ مال الغير لغرض نفسه، لا بالاستحقاق، محترزاً بأحد الوصفين: عن الوديعة، وبالآخر: عن الإجارة، ويد الموصي له بالمنفعة، ويد المرتهن. فكانت هذه الأوصاف- التي بها الاحتراز- علامات لا تناسب، فلم ينبغي أن يكون إثبات اليد على مال الغير لغرض نفسه- من غير استحقاق- سببا للضمان؟ فهذا لا يعرف كونه سببا [إلا بنصب الشارع إياه سببا. ولم يصرح الشارع بنصبه سببا] باعتبار هذا الضبط، وهذه العلامة. ولكن توصل إليه الشافعي بنظره والتفافته إلى المسائل، فجعله علامة.
وقال أبو حنيفة: لا، بل علامته: أنه مأخوذ على جهة الضمان، وهو الشرى، والمأخوذ على جهة الشيء، كالمأخوذ على حيقته، وخرج [عليه يد الرهن] وعكسه في العارية، فكيف يطمع في مناسبته؟ ولو عكس [وقوبل] وقيل: [لا، بل] المأخوذ على جهة الشيء، ليس
стр. 327
كالمأخوذ على حقيقته، لاعتدال القولان، ولم يفترقا.
والغرض من هذا المثال: بيان القول بالوصف الذي لا يناسب، من الفريقين. ووجه تنشئة الظن منه يستقصى في تلك المسألة.
مثال آخر: حكم الشرع بضرب الدية على العاقلة، على خلاف المخيل في سائر الأموال والغرامات والكفارات. فوقع النزاع في القليل.
فقال الشافعي: القليل واجب بالجناية على النفس، فيضرب على العاقلة كالكثير، وهذا يجري مجرى العلامة الضابطة للمصلحة المجهولة: في ضرب الدية على العاقلة.
فلو قال قائل: لا، بل علامة الأصل: كونه كل بدل النفس- بطل بالأطراف.
ولو قال [قائل]: علامته كونه كثيرا مجحفا، بطل بحصص الشركاء، وقيمة العبد القليلة، وغرة الجنين.
ولو قال: علامته: كونه مقدرا، بطل بأرش الحكومات.
стр. 328
وإذا بطلت هذه العلامات: سلم ما ذكرناه.
مثال أخر: أوجب الشرع في يد الحر نصف دينه. فقال الشافعي: في يد العبد نصف قيمته. ولا أخالة فيه: إذ المناسب اتباع النقصان، كما في الكل. ولكن نعلم ضرورة أن [غناء] يد العبد من العبد، [كغناء يد] الحر من الحر، وأن النسبة مستوية. زلًا يجري ذلك في البهائم. وأن قدر الشرع بدل كل الحر، فسببه: صيانته عن تحكم السوق فيه. وقد تقل القيمة مع شرف الخصال، لقلة الرغبات في الاستخدام. وهذا غير محذور في الطرف: فأن أروش الحكومات تعرف بتقدير القيمة؛ ثم تكثر بالنسبة إلى [مبلغ] الدية، فما تقتضي فيه القيمة
стр. 329
دينارًا مثلًا -لكونه عشر القيمة -توجب مائة دينار. ومع هذا [يقدر؛ فعرف أن ذلك لسر] في خلقة الآدمي: اقتضى وقوع اليد من الجملة موقع النص؛ وهو في العبد كهو في الحر [٥١ - أ] فكانت هذه العلامة الخاصة مقدمة على المخيل المرسل المتسع.
مثال أخر: لأبي حنيفة ﵀، قوله: أن العبد تقدر قيمته كالحر، والمناسب لا يوجب التقدير مع تفاوت الخصال: كما في البهائم؛ ولكن شبهه بالحر، وهذا يدل- من مذهبه- على القول بالشبه.
فأن قيل: لا، بل هذا قول بالمؤثر؛ لأن بدل الدم مقدر، والعبد يضمن منه الدم: فكان مقدرا، فهذا من قبيل دخول تفصيل تحت جملة، ويرجع شكل الدليل فيه إلى مقدمتين ونتيجة كما قدمتموه.
قلنا: الشافعي-﵀ -لا يسلم كون بدل الدم مقدرا؛ وإنما المقدر بدل دم الحر. وأبو حنيفة-﵀ -يلحق العبد به: بالتشبيه. وهذه طريقة لنا في تلك المسألة؛ إذ نسلم أن العبد دم، ولكن نقول: المقدر دم الحر، ونستبدل بالعبد القليل القيمة. فيرجع النظر -عند تجاذب القول -إلى أن التقدير معلوم بعلامة الدمية، أو بعلامة الحرية؛ ويكون ذلك نظرا في العلامات دون الوقوف على المعاني. وإن سلمنا [له] [أنه ليس مقدرًا] بعلامة الدمية، فنقول: بدل
стр. 330
المال [غير] مقدر، وقضية الأموال والدماء متعارضة فيه. فنسلك مسلك التغليب، وتصير المسألة تشبيها من طريق أخر على ما سنذكره. طريقًا آخر لتغليب الأشباه.
ويقرب من هذا المأخذ، النزاع في أن دية العبد: هل تضرب على العاقلة؟ وهو راجع إلى تجاذب العلامات.
مثال آخر، وهو البرهان القاطع على قول زعماء القائسين، وعلماء الشرع من المتصرفين- بالتعليل بالوصف الذي لا يناسب، من غير تنصيص وإيماء من جهة الشارع؛ وأنهم سموا ذلك الوصف- وإن كان لا يناسب- علة، في اصطلاحهم، لا علامة.
وهو: تعليل الحديث الوارد في الربا -المشتمل على الأشياء الستة.
فقال الشافعي: [نعلل بالطعم والنقدية] أو الطعم والتقدير على قول. وقال أبو حنيفة: نعلل بالكيل والوزن. وقال مالك: [نعلل] بالنقدية والقوت. وكلهم اتفقوا على تعدية الحكم بهذه الأوصاف؛ وهي لا تناسب، وإنما هو الذي لقبه فريق بالطرد، وآخرون بالشبه.
فأن قيل: أبو حنيفة تلقى ذلك من قوله ﷺ : ((وكذلك ما يكال ويوزن))؛ فكان ذلك عامًا.
стр. 331
قلنا: هذا [حديث] كذب موضوع [متقول] ولم ينقل عن أبي حنيفة. وأصحابه -السابقون واللاحقون -سلكوا مسلك التعليل بالاستنباط، لا بهذه التكملة المختلفة.
فأن قيل: أبو حنيفة لا يقول بالقياس المؤثر المناسب؛ وقد أظهر تأثير الكيل كما عرف ذلك من [كلامه و] كلام أصحابه؛ وهو الذي بالغ أبو زيد في تقريره، حتى وقاه إلى مضاهاة المعقولات، وأظهر تأثيره.
وبيانه بالإيجاز: أن تحريم البيع في الأشياء الستة، ينبغي أن يتعرف مما اعتبره الشرع في موضع آخر في التحريم، وليس ذلك-في هذا المقام - إلا تحريم الفضل الذي لا مقابل له بالإجماع؛ وهو أن يقول: بعتك العبد بهذه الثوب على أن تزيد درهما. فالدرهم ربا، وهو فضل لا مقابل له، فإذا باع صاعا بصاعين؛ فالصاع الزائد فضل لا مقابل له؛ وإنما صار ذلك فضلًا: بشرط الشرع المماثلة في المقابلة، بقوله: ((الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، والفضل ربا))، ومشروط الشرع كمشروط
стр. 332
العاقد؛ ثم اختص بالمقدرات المتجانسات: لأن الفضل يظهر بعد ظهور المماثة، والمماثلة تظهر بالجنسية والتقدير. ولا يظهر الفضل بين جنسين [غير مقدرين بالكيل أو الوزن]: إذ لا معيار للماثلة [فيه]. ولا يظهر بين الشعير والحنطة: إذ لا مجانسة في الصفات، فظهر الفضل المحرم بهذين الوصفين: فسميناه علة لذلك. فأما فضل الصفات فألغى الشرع قيمتها بقوله: ((جيدها ورديئها سواء)) وهذا أظهر مسلك في التأثير فكيف هذا شبها وتعليلا بوصف لا يناسب؟
قلنا: التبس جنس هذا الكلام على معظم أبناء الزمان، لكثرة مقدماته ومراتبه التي سلسلها: فالتبس المقصد في غمارها، ونحن نحل هذه التعقيدات، [بتسليم] جميع المقدمات؛ وهو: أن الفضل- الذي لا مقابل له- محرم، وأن ظهور الفضل بالكيل والجنسية [على] ما ذكروه. ولكن لا يظهر الفضل-في مسألتنا -ما لم تصر المماثلة
стр. 333
مشروطة. وعن علته البحث؛ فلم شرطت المماثلة في بيع المتماثلات المقدرة؟ ولم لا يجوز أن نقابل صاعًا بصاعين، كذراع بذراعين، وخشبة بخشبتين؟ وهند هذا يتبين عجزهم عن إبداء التأثير؛ فيقولون: لأنه متماثل متجانس يمكن تحصيل المماثلة فيه [٥١ - ب]
قلنا: وما أمكن تحصيل المماثلة فيه، لم تشترط فيه المماثلة الممكنة؟ [وما هذا] إلا كقول القائل: ما أمكن رؤيته [تشترط رؤيته] وما أمكن قبضه يشترط قبضه في المجلس، وما أمكن نقله يشترط نقله. وهلم حرا إلى الممكنات. فتأثير التجانس والتقدير: في تحصيل شرطها الشارع؟ إن عقل سببه: فليذكر حتى يتعدى؛ وإن لم يعقل فليقتصر على مورد النص.
فتبين أن تطويلاتهم مسلمة، ولا منفعة فيها، وإنما مجرى النظر، وموقع البحث: طلب على اشتراط المماثلة فيما أمكن فيه تحصيل المماثلة؛ حتى إذا عقل ذلك المعنى: اتبع في الاقتصاد والتعدي. ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يذكروا فيه مناسبة: لم يجدوا إليه سبيلًا.
فأن قال قائل: لاح -على القطع -من أبي حنيفة القول بالوصف
стр. 334
الذي لا يناسب والتعليل به من غير نص وإيماء. ولكن كيف يصح ذلك من الشافعي في هذه المسألة: فإنه يتمسك فيها بالإيماء، من قوله: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام))؛ وقد يتمسك [فيها] بمناسبة الحرمة لإظهار الشرف؛ بالتقييد بالشروط. كما قدمتموه في أمثلة المناسبات؟
قلنا: أما التعليق بالإيماء فقد قررنا طريقه؛ وليس مسلك الشافعي مقصورا عليه؛ فأنه علل الربا في الدراهم والدنانير، بكونها جوهري الأثمان. ولا إيماء فيه. وأما تلك المناسبة، فمن محدثات المتأخرين؛ لم يذكرها الشافعي؛ وإنما أحدثه من لم تتسع حوصلته لدرك جميع [مدارك] التعاليل، ولم يستقر قدمه في فهم قاعدة الشبه. فتشوفوا إلى خيالات هي -على التحقيق -نفاخات الصابون: تنكشف بأدنى بحث [عن] غير طائل. وقد [نبهنا على وجه] فساد [هذا المناسب بما] تقدم. ومن لم يستقل فهمه بدرك وجه الفساد في كل مناسبة: خيلت في مسئلة علة الربا من [كل] الجوانب، فلا ينتفع بكلامنا هذا، [ولا مطمع له في فهمه]: فأن درك فسادها من الجليات؛ ومن تقاعدت
стр. 335
رتبته عن درك الجليات: كيف ترتقي قريحته إلى فهم الدقائق [التي لا يكشفها فضل التقرير، وإنما تدرك بجد التأمل واتقاد القريحة، بعد الانقباض عن كدورة المألوفات وشوائب التقليدات؟].
والذي يدل على أن الشافعي لم يذهب في التعليل مسلك الأخالة، فضل ذكره في كتاب الرسالة -وقد نقلناه بلفظه:
قال الشافعي: قال الله تعالى ﴿والوالدات يرصعن أولادهن﴾ الآية. وأمر النبي ﵇ -هذا: بأن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدها [بالمعروف]؛ وكان الولد من الوالد: فأخبر على
стр. 336
صلاحه في الحال التي لا يغني فيها عن نفسه. فكان الأب: إذا بلغ أن لا يغني عن نفسه بكسب ولا مال، فعلى ولده صلاحه في نفقته وكسوته. قياسًا على الولد، ولم يضيع شيئًا هو منه، كما لم يكن للوالد ذلك، والوالدان وإن بعدوا، والولد وإن سفلي -في هذا المعنى [مشتركون].
فقلنا: ينفق على كل محتاج منهم غير محترف، وله النفقة على الغني المحترف.
وذكر حكم رسول الله ﵇ -بأن الغلة بالضمان، وقال: فكانت الغلة لم تقع عليها صفقة البيع، فيكون لها حصة من الثمن. فكانت في ملك المشتري: في الوقت الذي لو مات فيه العبد مات من ماله، فدل أنه إنما جعلها له: لأنها حادثة في ملكه وضمانه. فقلنا كذلك في ثمر
стр. 337
النخل، ولبن الماشية وصوفها، وأولادها وولد الجارية، وكل ما حدث في ملك المشتري وضمانه. وكذلك وطء الأمة الثيب وخدمتها. و ((نهى النبي ﵇ -عن الذهب بالذهب، والورق بالورق، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح؛ إلا مثل بمثل، يدا بيد)) فلما حرم النبي ﵇ -في هذه الأصناف المأكولة -التي شح الناس عليها حتى باعوها كيلًا -لمعنيين أحدهما: أن يباع منها شيء بمثله دينًا، [والآخر: زيادة أحداهما] على الآخر نقدا- كان ما كان في معناها محرمًا: قياسًا عليها، وذلك: كل ما أكل مما بيع موزونًا.
стр. 338
والوزن والكيل في ذلك سواء. وذلك: كالعسل والسمن والزيت والسكر، وغيره: مما [يؤكل ويشرب] ويباع موزونًا، ولم يقس الموزون على الموزون من الذهب والورق: لأنه يجوز أن [٥٢ - أ] يشتري بالدراهم والدنانير نقدًا عسلًا وسمنًا إلى أجل؛ ولو قيس عليه: لم يجز إلا يدًا بيد، كالدنانير بالدراهم)) و ((أما الذهب والفضة فمحرمان في أنفسهما: لا يقاس [شيء] عليهما؛ لأنه ليس في معناها: لأنهما الأثمان والقيم إلا الديات، والمأكول المكيل محرم في نفسه، ويقاس به ما كان في معناه: من المأكول الموزون؛ لأنه في معناه)).
هذا كله نقلناه من لفظ الشافعي؛ فليتأمل المنصف: ليعرف كيف علل بهذه الأوصاف التي لا تناسب، ذاهبًا إلى أن المشارك له في هذه الأوصاف في معناه، غير معرج على المناسبة والإيماء.
стр. 339
ونقل أبو بكر الفارسي من لفظ ابن سريج -في مساق كلام له في تصحيح العلل بالاطراد، والسلامة عن النواقض-فضلًا، وهو قوله:
((قلت: فأن قال قائل: إذا أدعيتم أن العلل تستخرج وتصح بالسبر والنظر والاطراد في معلولاتها؛ فأن عارضها أصل يدفعها: علم فسادها؛ وأن لم يعارضها أصل: صحت فأخبروني: إذا انتزعتم علة من أصل [محللًا]، وانتزع مخالفوكم [علة محرما]، فما [الذي] جعل علتكم أولى؟ فأن أحلتم ذلك أريناكموه: زعم العراقي قي علة البر: أنه مكيل، وأن ذلك لا ينكسر، وزعم الشافعي: أنها هي الأكل، وأن ذلك يطرد)).
[فأجاب عن ذلك]-بعد فصل طويل ليس من غرضنا -: ((أنا نقول بالاعتلال بالأكل دون الكيل؛ فنقول: أنا تركنا جعل كل واحد-
стр. 340
-من هذين الأمرين -علة: [لأنه يخرجنا] عن قول العلماء الذين احتجنا إلى ترجيح قول بعضهم على بعض، ومعارضة [قول] بعضهم بقول بعض، لأن الشافعي أقتصر على الأكل، والعراقي على الكيل؛ فرجحنا هذه على تلك: بأننا وجدنا الكيل معناه معنى الوزن، ووجدنا ما حرم [من الوزن]-من الذهب والفضة -لا يدل على تحريم الموزونات؟
[وذلك: أن الذهب لا يجوز بالورق نساء، ويجوز الذهب بالموزونات نساء])).
وقرر هذا الكلام، ثم قال: ((دل هذا على أن الشيء حرام لمعنى فيه، كالذهب والورق: فأنها أصل التقلب وقيم المتلفات، وفيها فرض الزكوات؛ فلم يحرما: لأن ها هنا أمرا يعرف به مقدارهما وهو: الوزن؛ بل لما فيهما: من منافع الناس التي [لا] يعدلها فيها سواهما، ومن التقلب والنقد الذي إليه مرجع المعاملة الدائرة بين الناس. وكذلك البر والشعير، إنما حرما: لأنهما الأقوات والمعاش، والغذاء
стр. 341
والطعام، ثم جرد من ذلك كله الأكل، فكانت أعم الأمور، وقد ضم إليها- في وقل لأصحابنا آخر- الكيل والوزن. قال الشافعي في كتاب البيوع القديم: وروى عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا إلا في ذهب أو روق، أو ما يكال أو يوزن: مما يؤكل أو يشرب. وقول ابن المسيب -في هذا- من أصح الأقاويل)).
فهذا جملة ما أردنا نقله من لفظ الشافعي وابن سريج، ليتبين طلبة العلم -من أهل العصر -أن أرباب المذاهب بأجمعهم ذهبوا: إلى جواز التعليل بالوصف الذي لا يناسب من غير استناد إلى إيماء ونص ومناسبة.
ولو نقل كلام الشافعي وابن سريج، وكلام المتلقفين عن الشافعي -في علة الربا -لبلغ أوراقًا. ورجع كل ذلك إلى التعليل بهذه الأوصاف: من غير تعريج على مناسبة وإيماء ونص؛ وإنما المناسبات الضعيفة لفقها المحدثون الظانون: أن مدارك العلل محصورة فيها؛ المتقاعدون -ببلادتهم، وقصور هممهم -عن الإحاطة بكلام الأولين ومدارك نظرهم؛ فحصروا النظر على تخيلاتهم أقناعيه، وخيالات خطابية؛ تستمال
стр. 342
بها النفوس المنخدعة بالتزويقات، وهجروا كلام الأئمة، وطمسوا مسالكهم، وزعموا: أن القياس ينحصر في المؤثر؛ ومنهم: من زاد المخيل؛ ومنهم: من زاد الشبه، ومنهم: من زاد الدلالة، والتبس مضمون هذه العبارات على جماهير فضلاء الدهر؛ فقاموا وقعدوا، وصوتوا وصعدوا؛ ولم يتحصلوا -في ضبط المراتب -على طائل.
وغرضنا الآن أن نبين نقلا من علماء الشرع -كمالك وأبي حنيفة والشافعي ﵏ -القول [٥٢ - ب] بالوصف الذي لا يناسب، وتسميتهم ذلك: علة، ولذلك استتب تعليل النقدين بالنقدية القاصرة؛ والشبه لا يقوم إلا بفرع وأصل. فلم يكن لهم مسلك إلا طلبهم فارقا بين النقدين وغيرهما: مما لا يجري فيه الربا. فكانت النقدية علامة سابقة إلى الفهم، سلمت عن المعارضة بما هو أولى منها، وهو مأخذ هذا الجنس من التعليل.
فأن قال قائل: لم تزيدوا -فيما ذكرتموه -على أمثلة ضربتموها، ومذاهب نقلتموها من الأئمة، والمذاهب لا تنتهض حجة، فما الحجة على القول بالوصف: الذي لا يناسب ولا يدل عليه إيماء ولا نص ولا تأثير [ولا مناسبة]؟
قلنا: إنما استقصينا القول في نقل المذاهب، لنفرة بني الزمان [عن ذلك] وتشوفهم إلى المؤثر والمخيل، وإلى الإيماء والنص؛
стр. 343
وحصرهم المدارك فيها، ومن قبل هذا الجنس [من التعليل] لقبه بلقب الشبه، فأريناه -من تعليل الشافعي بالنقدية القاصرة التي لا فرع لها -أنه ليس مقصورا على التشبيه؛ إذ الشبه إنما يقوم من فرع وأصل، ولا فرع لهذا الأصل.
ودليل القول بهذا الجنس: إثارته لغلبة الظن؛ ووجه تغليب الظن فيه [قد ذكرناه بما] ضربناه: من الأمثلة. ونحن نحرر الآن -عن ذلك- عبارة رشيقة، فنقول:
نقدم أن الصفة الطارئة -التي حدث الحكم بحدوثها -علة للحكم، أو علامة [له]. ومستنده: أن حدوث الافتراق افتقر إلى فارق؛ ولا فارق إلا ما ظهر. وهذه مقدمتان لو سلمتا: لا يبقى للنزاع وجه، فأما الافتقار إلى فارق -مع وقوع الافتراق -فقطعي؛ وأما قولنا: لا فارق إلا ما ظهر، فتمام النظر فيه: بالسبر والتدوار على جميع الفوارق الممكنة، وإبطالها أو ترجيح ما ظهر أولًا عليها، فيقع النظر في التعيين، بعد وجوب الفارق، وكان هذا الجنس جليًا، لوجوب القول
стр. 344
بالتعليل وطلب الفارق؛ وذلك: لأن الحكم حدث بتغير أمر، فكانت [الصفة] المغيرة للذات هي المغيرة للحكم.
وكذلك نقول في الشبه بعد الفرض في الربا: جرى الربا في الأشياء الأربعة ولم يجر في الثياب والعبيد، وليس ذلك إلا لافتراقهما في معنى: اقتضى الفرق، فلابد من طلب فارق، ولا فارق إلا الطعم -لكانت الإضافة إلى الطعم ضرورية، وإنما الشأن: في إثبات المقدمتين؛ فأنهما -بعد الثبوت -تلتحق النتيجة المستفادة منهما، بدرجة العقليات.
أما قولنا: لا فارق إلا الطعم، فنعني به [أنه] لا فارق أولى من الطعم، فإنه أولى من الكيل والقوت والمالية، وكل ما يفرض: من الصفات، وطريقة الترجيح كما ذكر في تلك المسألة، وكما سنذكر الآن طرفًا منه. والكلام في هذه المقدمة مجال الفقهاء، وقد أكثروا فيه؛ وإنما الغموض في المقدمة الأولى. وهو: أنه لابد من طلب فارق وعلامة فاصلة زائدة على المفارقة بالذات. فإن [الأشياء الستة] متميزة -بأساميها وذواتها -[عن غيرها]، فلا تحتاج إلى إعلام حكمها بأمارة زائدة على أساميها وذواتها]. ولما ظهر الاحتياج إلى العلامة الفارقة- في صورة
стр. 345
الطرد والعكس- كان النظر فيه أظهر.
ومن أجاب عن هذا السؤال، فقد قرر قاعدة الشبه والقول بالوصف الذي لا يناسب؛ وحل عقدة علة الربا، وكشف الغطاء عنها. فنقول في قاعدة الربا: بأن لنا بالإجماع أنه لابد من إعلام محل الحكم بإمارة جامعة مانعة، زائدة على الإعلام بالاسم والذات، فأن الربا بالإجماع غير مقصورة على الأشياء الستة؛ إذ إتباع الاسم والتخصيص بذات المسمى- يقتضي أن [يقال]: لا يجري الربا في الدقيق والخبز وما يؤخذ من البر، ولا فيما يؤخذ من التمر: لأن اسم البر لا يطلق على الدقيق، ولا هو منصور بصورته. فلن يعرف حكمه باسم البر؛ فأنه غير البر: اسما وصورة ومعنى. ولذلك قلنا: أن الدقيق لا يقوم مقام البر في الزكوات، لأنه بدل المنصوص لا عين المنصوص، وأبو حنيفة يقيمه مقامه باعتبار المعادلة بالقيمة؛ كما يجزيه في سائر العروض. ولم يذهب أحد من الأمة: إلى أن الربا لا يجري في الدقيق والخبز؛ وكان الخلق في زمان الصحابة يحترزون عنه.
وإن نازع منازع فيه، فتقول: الرطب الإجماع يجري فيه الربا، وليس تمرا. ولذلك نقدره بدلا في الزكوات عن التمر كسائر الأبدال؛ فليس هو مسمى باسمه، ولا [هو] متصور بصورته، وهو غير منصوص
стр. 346
عليه، فإن أنكر منكر ذلك: دفعناه بإجماع الصحابة؛ فأنهم اعتقدوا جريان الربا في الرطب، حتى جاء المحاويج من الأنصار إلى النبي ﵇ -وشكوا إليه احتياجهم إلى الرطب، وأن ليس بأيديهم إلا فضول قوت من التمر؛ فأرخص لهم النبي ﵇ -في العرايا: فيما دون خمسة أوسق و [لو] لم يكن الرطب ربويًا: لكان بيع التمر به [٥٣ - أ] كبيعه بالثياب والعبيد، فدل أن الصحابة وكافة الأمة اعتقدوا من عند آخرهم: أن الرطب -وأن لم يتناوله اسم التمر -تعدي إليه الربا؛ وكذلك البر. فوجب طلب الصفة التي وقعت فيها الشركة بين البر والدقيق، والتمر والرطب. فأنها علامة محل الحكم، لا الاسم المجرد المخصوص بذات المسمى. والدقيق لا يشارك البر في كونه برًا؛ ويشاركه: في كونه مالًا ومكيلًا، ومطعومًا وقوتًا. فوجب امتحان هذه العلامات، وسبرها بالعرض على الشهادات.
فثبت بهذا -على القطع -المقدمة الأولى، وهو: وجوب طلب
стр. 347
علامة للحكم زائدة على الاسم والذات. ثم إذا وجب: فلابد من الحصر والتعيين؛ وهي المقدمة الثانية.
وبهذا، انتهى الكلام في قاعدة الربا إلى رتبة في الوضوح: لم يبق عليها غبار لمن أحسن الإحاطة به. إذ بان وجوب طلب علامة بالإجماع، زائدة على الاسم المخصوص بالذات؛ وبان -على القطع، [أو] بالإجماع، أو بغالب الظن المستفاد من [السبر]-أن لا شركة إلا في الصفات الأربع.
وبطل -عند الشافعي: اتضح الأمر؛ وهذا سياق إثبات [كل] وصف لا يناسب.
فأن قال قائل: [ساعدكم -في هذه الصورة- إبانة]
الإجماع على وجوب تعدي [الحكم عن] المسميات المخصوصة؛ فهل تشترطون هذا في كل مسألة: تسلكون فيها مسلك التشبيه ونصب العلامة الخالية عن المناسبة؟
قلنا: لا نشترط ذلك، ولكن إن ساعد: فهي الرتبة العليا؛ [وتلتحق درجة الظن فيها] بالطرد والعكس؛ لأنه ظهر ثم وجوب طلب الفارق،
стр. 348
وقد التحقت هذه الرتبة بها: في وجوب طلب العلامة الحاصرة؛ وهما في المقدمة الثانية، وهو: سبر الصفات الممكنة وتعيينها- لا يختلفان؛ ويلتحق بهذه الرتبة عندي كل أصل: عرف الحكم فيه بإجماع مرسل، لا بلفظ خاص منقول، كإلحاقنا قليل الدية بكثيرها: لأنه عرف بالإجماع [أصل الضرب]، ولم ينقل لفظ خاص في مقدر خاص، حتى يقال: يكتفي بتمييزه باسمه الخاص.
فإن قيل: المستند ما روي: ((أنه ﵇ -ضرب الدية على العاقلة في قصة تخاصم الجاريتين)) وهو عبارة عن كل الدية.
قلنا: وعرف بالإجماع أنه ليس مخصوصاً بكل الدية، ولا بالمقدرات: إذا جري في الحكومات؛ ولا بالكثير: إذا وظف حصة آحاد الشركاء -وقد قلت حصصهم -على العاقلة. وكذلك قيمة العبد القليل القيمة،
стр. 349
عن الضبط، ووجب -على الضرورة -طلب علامة: معرفة محل الحكم، حاصرة فارقة بينه وبين الواجبات التي [لا] تتحمل، فتعين أن يكون منوطاً ببدل الجناية على النفس.
ولا يبقي -في هذا -إلا سؤال بعيد لمن يستمد من إنكار القياس من حيث لا يدري، فيقول: لنقتصر على المعلوم إجماعًا، ولنترك الباقي على الأصل.
وهذا فاسد: فإن محل الإجماع لم يتعين بعبارة منقولة؛ وإنما امتنع الإجماع في القليل: لمخالفة الخصم؛ فهو الذي كدر الإجماع، فلم يكدره؟ [وما حمله على المخالفة]؟ وبم ينضبط محل الحكم: ويستحيل أن [يضبط إلا] بالإجماع؟ وانعقاد الإجماع مبني على موافقته؛ فتكون موافقته مبنية على الإجماع، والإجماع مبنياً على موافقته؛ ولم ينعقد الإجماع: لأنه لم يوافق، ولم يوافق: لأنه لم ينعقد الإجماع، وهذا تناقض.
стр. 350
فإن قال: أعتمد الإجماع الذي أنا مسبوق به.
قلنا: ولا تقدر على أن تنقل من أهل الإجماع، إخراج القليل عن محل الإجماع، فإن أهل الإجماع لم يتعرضوا للضبط، حتى تتبين به إخراجهم القليل، أو إدراجهم [له] تحت الجملة، فإن نقل خلافاً ممن قبله، كانت الحجة من أولئك مقامة على المخالف فيه، كما أقمناه عليهم: لو كان خلافهم فيه مبتدئًا غير مسبوق بإجماع سابق.
ومن هذا القبيل أيضًا: تقدير [دية] أطراف الأحرار؛ فإنه لم ينقل بلفظ مخصوص الحر، فكان الضبط بعلامة الحرية، وبعلامة الآدمية - أمراً: يتعين طلبه لحصر محل الحكم؛ فسلك فيه مسلك الترجيح: إذا لم يرد اسم خاص، حتى يقال: أنه تميز باسمه، فلا يتعدي، فلو نقل ناقل مثلاً أن النبي ﵇ -قال: في يد الحر نص ديته؛ كان ذلك لفظًا خاصًا، ولم يقع إلحاق العبد به في هذه الرتبة، فلو نقل أنه قال: في يد الرجل نصف ديته؛ فهذا يشمل العبد، فعلى المخرج عن هذه العلامات الضابطة- الدليل.
ومن هذه الرتبة الواضحة: النية في الطهارة؛ فإنها لم تختص بذات التيمم بالإجماع، بل تعدي إلى وظائف حكمية سواها، وكذلك يد السوم.
وأكثر أمثلة الأشباه نظفر فيه بمثل هذا المسلك؛ وعند ذلك تتضح
стр. 351
رتبة الكلام؛ إذا الغموض الأظهر في قولنا: لا بد من طلب علامة حاصرة فارقة، وأنه [لم يخصه] باسمه وذاته، فيقال: كيف افتقرنا إلى طلب ما هو موجود؟ وقد اندفع هذا الغموض في هذه الرتبة.
الرتبة الثانية: أن لا تساعد دعوى الإجماع على وجوب تعدي المنصوص، وقد صار المنصوص علماً محصوراً باسمه، فالكلام في هذا الطرف أغمض؛ ومع ذلك فيجري القول بالتشبيه بالعلامات فيه، وسبيل الكلام هو أن نقول [٥٣ - ب] للمنكر: أتسلم في هذا الجنس جواز إلحاق ما في معناه به؟ فإن قال: لا، كان معانداً وأخرج من زمرة العلماء؛ فإن ما في معني الأصل: من الشرعيات، جار مجري الضرورات: من العقليات؛ ومنكره جار مجري السوفسطائية، فحشوية منكري القياس: سوفسطائية الشرع؛ ولسنا نخاطب أولئك، وإنما نخاطب طبقة القائلين، وهم علماء الدين؛ وسيقولون: نعم. فنقول: هل يتبين لكم أن الدقيق في معني البر، وأن الرطب في معني التمر؛ كما بأن للصحابة حتى سألوا عن مسئلة العرايا؟، وهو بيان مستند الإجماع المنقول في المرتبة الأولى؟ فيقولون: نعم، فنقول: هل يتبين أن الزبيب في معني التمر؟ فإن أنصفوا قالوا: نعم، فقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني: أقطع بأن الزبيب
стр. 352
في معنى التمر، وأن الأرز في معني البر، وأن الذرة في معني الشعير، وما ذكره بين.
فإن جاحد مجاحد هذا: فذلك لكثرة تفكره في هذه المسئلة، وشغفة بطريقة المحاجة والملاحة فيها؛ وذلك قد يعمي طريق الصواب، ويفسد الذوق السليم من ذوي الألباب، فنرتقي به إلى مثال آخر، فنقال: [لو] ثبت الوضوء بنبيذ التمر، هل كان نبيذ الزبيب في معناه؟ أو نقول: لو ورد الحكم في تمر صبحاني اتفق السؤال عنه، هل كانت العجوة في معناه؟ وكيف ينكر هذا شافعي: وقد طرد الشافعي نقصان الرطب في حال الجفاف، في سائل الأشياء الرطبة، وقال: أنها في معناه؟ وطرد أبو حنيفة سقوط الفطر في الجماع ناسيًا، وزعم: أنه في معني الأكل، مع حكمه بأنه على ضد القياس، حتى [لم] يلحق به المكره والمخطئ، إلى غير ذلك: مما عرف من كلامهم، فلا نطول الكلام مع نعتقد خارجًا عن زمرة الفقهاء المتصرفين. [وقد قال بما في معني الأصل جميعهم، فإن قال المنصف] نعم، نعترف بأن الزبيب في معني التمر.
قلنا: فقد اتضح بطلان الإعلام بالاسم، ووجب طلب الوصف الذي بالشركة فيه التحق الزبيب بالتمر، والتحق النظر بالرتبة الأولى.
стр. 353
فإن قال: أطلب وصفًا يخص التمر والزبيب ولا يتعداهما.
قلنا: إن قدرت عليه فعلينا إبطاله، فإن [أحد] الأوصاف إنما يسلم: إذا بطل غيره أو رجح عليه.
وغرضنا أن نبين وجوب طلب علامة زائدة على الاسم المخصوص بذات المسمى، وقد حصل به الغرض.
فإن قال: أقتصر في التعدي على ما علم أنه في معني النص، وهو: ما يتناهي القرب فيه، وعلم ذلك على وجه لا يتطرق المراء إليه: كالأمة مع العبد في العتق، والزبيب مع التمر [ها هنا].
قلنا: وهل يجوز في العقل -من حيث الإمكان -وقوع مقدر من التقارب لا يفيد إلا غلبه الظن بكونه في معناه [ولا يفيد العلم؟] فإن قال: لا، كان خارجاً عن قضية العقل؛ فإن كل مسلك تصور
стр. 354
أن يكون مفيدًا للعلم، فهو إلى إفادة الظن أقرب، وإن قال: نعم: قلنا: والظن كالعلم في وجوب الإلحاق، فإنا لم نستبن من المناسبات إلا الظنون.
فإن قال: لم ينقل عن الصحابة هذا الجنس، قلنا: المنقول عنهم ينحصر، بل فهم من مسالكهم إتباعهم غلبات الظنون، وهو: الحكم بالرأي الأرجح.
فإن قال: فكم من رأي غالب تركوه، قلنا: ذلك لمخالفته نصًا، أو قياسًا، أو رأيًا أغلب على الظن منه، فإما أعراضهم عن الرأي الغالب السليم عن القوادح والمعارضة -فلا يظن بهم، ولا يستجيز مسلم أن يتقول ذلك على صحابي أو إمام متدين؛ فإن من أنكر الشبه، أنكره: من حيث [أنه] لم يبين له وجه غلبة الظن [منه]، ومن اعترف بحصول غلبة الظن، ثم أنكر الحكم به -كان معاندًا.
فإن قال قائل: قد ثبت بما ذكرت أن نوعًا من القرب يجوز أن يفيد ظنًا؛ وهذا لا ينفعك في هذه المسائلة، فإن القرب بالطعم لا نسلم أنه مفيد ظنًا.
стр. 355
قلنا: وليس من غرضنا عين هذه المسئلة، بل غرضنا: إقامة البرهان على جواز إعلام الحكم بصفة لا تتناسب، يقع -بالمقاربة والمشاركة فيها -الاشتراك في الحكم؛ وقد حصل الغرض.
ثم طريق تقرير الظن في هذه المسألة: أن نبين أنه لا علامة، تقدر حاصرة أو جامعة، للتمر والزبيب - إلا القوات والكيل والمالية والطعم، وقد بطل الكل إلا الطعم، أو ترجح الطعم: فصار أولى، وإذا سلك هذا المسلك حصل الظن، وعند ذلك تجوز الفتوى به والعمل عليه.
وقد تقررت القاعدة؛ فما من أصل إلا ويقاربه ما هو في معناه؛ علماً، أو ما هو في معناه: ظناً، وكل ذلك: لمشاركته إياه في علامة معلومة أو مظنونة؛ فإن لم يوجد ذلك، اقتصر على النص: إذا من النصوص ما لا يتعدي حكمها؛ إذ لا يوجد ما هو في معناها، أما الزبيب، فقد علم أنه في معناه: قبل أن تتعين العلامة؛ لأنه كيفما تصور [في العقل] العلامة، وقد قال النبي ﵇: ((من أعتق شركا له في عبد: قوم عليه الباقي)، فالعبد معلوم باسمه، وعلم أن الأمة في معناه قبل أن نتبين حد العلة والعلامة الحاصرة؛ ولو أعتق نصفًا من عبد يملك
следующие страницы →