← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رتبة الكلام؛ إذا الغموض الأظهر في قولنا: لا بد من طلب علامة حاصرة فارقة، وأنه [لم يخصه] باسمه وذاته، فيقال: كيف افتقرنا إلى طلب ما هو موجود؟ وقد اندفع هذا الغموض في هذه الرتبة. الرتبة الثانية: أن لا تساعد دعوى الإجماع على وجوب تعدي المنصوص، وقد صار المنصوص علماً محصوراً باسمه، فالكلام في هذا الطرف أغمض؛ ومع ذلك فيجري القول بالتشبيه بالعلامات فيه، وسبيل الكلام هو أن نقول [٥٣ - ب] للمنكر: أتسلم في هذا الجنس جواز إلحاق ما في معناه به؟ فإن قال: لا، كان معانداً وأخرج من زمرة العلماء؛ فإن ما في معني الأصل: من الشرعيات، جار مجري الضرورات: من العقليات؛ ومنكره جار مجري السوفسطائية، فحشوية منكري القياس: سوفسطائية الشرع؛ ولسنا نخاطب أولئك، وإنما نخاطب طبقة القائلين، وهم علماء الدين؛ وسيقولون: نعم. فنقول: هل يتبين لكم أن الدقيق في معني البر، وأن الرطب في معني التمر؛ كما بأن للصحابة حتى سألوا عن مسئلة العرايا؟، وهو بيان مستند الإجماع المنقول في المرتبة الأولى؟ فيقولون: نعم، فنقول: هل يتبين أن الزبيب في معني التمر؟ فإن أنصفوا قالوا: نعم، فقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني: أقطع بأن الزبيب

стр. 352

في معنى التمر، وأن الأرز في معني البر، وأن الذرة في معني الشعير، وما ذكره بين. فإن جاحد مجاحد هذا: فذلك لكثرة تفكره في هذه المسئلة، وشغفة بطريقة المحاجة والملاحة فيها؛ وذلك قد يعمي طريق الصواب، ويفسد الذوق السليم من ذوي الألباب، فنرتقي به إلى مثال آخر، فنقال: [لو] ثبت الوضوء بنبيذ التمر، هل كان نبيذ الزبيب في معناه؟ أو نقول: لو ورد الحكم في تمر صبحاني اتفق السؤال عنه، هل كانت العجوة في معناه؟ وكيف ينكر هذا شافعي: وقد طرد الشافعي نقصان الرطب في حال الجفاف، في سائل الأشياء الرطبة، وقال: أنها في معناه؟ وطرد أبو حنيفة سقوط الفطر في الجماع ناسيًا، وزعم: أنه في معني الأكل، مع حكمه بأنه على ضد القياس، حتى [لم] يلحق به المكره والمخطئ، إلى غير ذلك: مما عرف من كلامهم، فلا نطول الكلام مع نعتقد خارجًا عن زمرة الفقهاء المتصرفين. [وقد قال بما في معني الأصل جميعهم، فإن قال المنصف] نعم، نعترف بأن الزبيب في معني التمر. قلنا: فقد اتضح بطلان الإعلام بالاسم، ووجب طلب الوصف الذي بالشركة فيه التحق الزبيب بالتمر، والتحق النظر بالرتبة الأولى.

стр. 353

فإن قال: أطلب وصفًا يخص التمر والزبيب ولا يتعداهما. قلنا: إن قدرت عليه فعلينا إبطاله، فإن [أحد] الأوصاف إنما يسلم: إذا بطل غيره أو رجح عليه. وغرضنا أن نبين وجوب طلب علامة زائدة على الاسم المخصوص بذات المسمى، وقد حصل به الغرض. فإن قال: أقتصر في التعدي على ما علم أنه في معني النص، وهو: ما يتناهي القرب فيه، وعلم ذلك على وجه لا يتطرق المراء إليه: كالأمة مع العبد في العتق، والزبيب مع التمر [ها هنا]. قلنا: وهل يجوز في العقل -من حيث الإمكان -وقوع مقدر من التقارب لا يفيد إلا غلبه الظن بكونه في معناه [ولا يفيد العلم؟] فإن قال: لا، كان خارجاً عن قضية العقل؛ فإن كل مسلك تصور

стр. 354

أن يكون مفيدًا للعلم، فهو إلى إفادة الظن أقرب، وإن قال: نعم: قلنا: والظن كالعلم في وجوب الإلحاق، فإنا لم نستبن من المناسبات إلا الظنون. فإن قال: لم ينقل عن الصحابة هذا الجنس، قلنا: المنقول عنهم ينحصر، بل فهم من مسالكهم إتباعهم غلبات الظنون، وهو: الحكم بالرأي الأرجح. فإن قال: فكم من رأي غالب تركوه، قلنا: ذلك لمخالفته نصًا، أو قياسًا، أو رأيًا أغلب على الظن منه، فإما أعراضهم عن الرأي الغالب السليم عن القوادح والمعارضة -فلا يظن بهم، ولا يستجيز مسلم أن يتقول ذلك على صحابي أو إمام متدين؛ فإن من أنكر الشبه، أنكره: من حيث [أنه] لم يبين له وجه غلبة الظن [منه]، ومن اعترف بحصول غلبة الظن، ثم أنكر الحكم به -كان معاندًا. فإن قال قائل: قد ثبت بما ذكرت أن نوعًا من القرب يجوز أن يفيد ظنًا؛ وهذا لا ينفعك في هذه المسائلة، فإن القرب بالطعم لا نسلم أنه مفيد ظنًا.

стр. 355

قلنا: وليس من غرضنا عين هذه المسئلة، بل غرضنا: إقامة البرهان على جواز إعلام الحكم بصفة لا تتناسب، يقع -بالمقاربة والمشاركة فيها -الاشتراك في الحكم؛ وقد حصل الغرض. ثم طريق تقرير الظن في هذه المسألة: أن نبين أنه لا علامة، تقدر حاصرة أو جامعة، للتمر والزبيب - إلا القوات والكيل والمالية والطعم، وقد بطل الكل إلا الطعم، أو ترجح الطعم: فصار أولى، وإذا سلك هذا المسلك حصل الظن، وعند ذلك تجوز الفتوى به والعمل عليه. وقد تقررت القاعدة؛ فما من أصل إلا ويقاربه ما هو في معناه؛ علماً، أو ما هو في معناه: ظناً، وكل ذلك: لمشاركته إياه في علامة معلومة أو مظنونة؛ فإن لم يوجد ذلك، اقتصر على النص: إذا من النصوص ما لا يتعدي حكمها؛ إذ لا يوجد ما هو في معناها، أما الزبيب، فقد علم أنه في معناه: قبل أن تتعين العلامة؛ لأنه كيفما تصور [في العقل] العلامة، وقد قال النبي ﵇: ((من أعتق شركا له في عبد: قوم عليه الباقي)، فالعبد معلوم باسمه، وعلم أن الأمة في معناه قبل أن نتبين حد العلة والعلامة الحاصرة؛ ولو أعتق نصفًا من عبد يملك

стр. 356

جميعه: لم يقوم عليه، ولم يكن ما عتقه مسمى باسم الشركة؛ ولكن نعلم أنه يعتق وأنه في معناه؛ ولو أعتق نصفًا معينًا من عبده، أو عضوا كيده أو رجله- غلب على الظن أن بعض العبد في معنى بعضه؛ شائعًا كان أو معينًا، كما كان نصف العبد الخالص في الملك: في معني النصف الممزوج بملك الغير. ولكن ذلك معلوم، وهذا مظنون. وإنما ينكشف هذا الظن بأن نبين أن لكون [المضاف إليه محلًا قابلًا] لسائر التصرفات -أثرا في سريان العتق، فينقطع ما ظناه، أو نبطل عليه ما ذكره، فسلم الظن الأول. وكل وصف لا يناسب وعلامة شبهية ظهرت أولًا، فهي على خطر الانمحاق بمعني تقابل به [هو أظهر] أو أولى منه؛ وكذلك كل مناسب يظهر أولًا، فهو على هذا الخطر، وذلك لا يدل على بطلان جنسه. وإذا انتهي الكلام إلى هذا المنتهي، فلو تحدينا وادعينا أن القول بالشبه قطعي في فن الأصول: لم نبعد؛ إذا بان على القطع أن غالب الظن متبع، وبان في العقل جواز استفادة [الظن من نوع من القرب

стр. 357

لا يناسب، كما جاز استفادة] العلم منه، وإنما الغموض في أحاد المسائل: لتعارض الصفات الجامعة والفارقة فيها، وعسر مدارك الترجيح في بعضها، وإلا فالقول بهذا الجنس يترقي إلى رتبة القطعيات، بالتقرير الذي [كنا] ذكرناه. فإن قال قائل: فنبهونا على طريق سير العلامات الفارقة الجامعة عند تعارضها، وطريق ترجيح البعض منها على البعض، وأهم الأمثلة مسائلة الربا: فإنها معيار النظر، وعليها تدوار الأصوليين في أمثلة العلل؛ وهي من أغمض المسائل. قلنا: الطريق فيه أن نردد النظر بين الطعم والكيل أولًا، ونقول: التعليل بالكيل باطل لوجهين، أشار الشافعي إليهما: أحدهما: أن الكيل مثل الوزن؛ والتعليل بالوزن باطل: لأنه لو علل به، لوجب تحريم بيع الموزون بالموزون نساء، كما حرم بيع المكيل بالمكيل، وكل جنسين مختلفين اشتركا في العلة.

стр. 358

والإجماع منعقد على جواز إسلام النقدين في الأشياء الموزونة من النحاس والرصاص والزعفران وغيرها، وبهذا المسلك، عرفنا وجوب التعليل لحكم الربا، إذا لو اقتصرنا على موجب الاسم، لقلنا بامتناع إسلام الدراهم [في] الموزونات، فإنه قال ﵇ عقيب ذكر الأشياء الستة الستة: ((فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد)). وهذا يقتضي تحريم إسلام النقدين في الأشياء الأربعة، كما اقتضي تحريم إسلام أحد النقدين في الآخر، وأحد الأشياء الأربعة في الباقيات، ولا دليل -من حيث اللفظ -يوجب تقاطع النقدين عن الأشياء الأربعة؛ [فدل على] الرجوع إلى التعليل، وإنما معناه: فإذا اختلف الجنسان من هذه الجملة المشتركة في علامة الربا، لا من هذه الجملة المعلومة باسمها وصورتها، وهذا الإجماع نص في وجوب البحث عن العلة، والتجاوز

стр. 359

عن موجب اللفظ، وكيف يتماري فيه منصف مع قول أمير المؤمنين عمر ﵁: أن الناس ليقولون: أن عمر أعرف الناس بأبواب الربا؛ ولو كنت عالماً بها: لكان أحب إلى من حمر النعم؛ وإن الربا من آخر ما نزل على النبي صلي الله عليه وسلم، فمات [قبل أن] يبينه لنا، فدعوا الربا والريبة))، ولو كان الحكم يقتصر على المسميات: لما خفي على العوام؛ [فكيف عمر] مع ما اشتمل عليه اللفظ من التفصيل والتعديد، فكيف ينتهي أشكاله إلى أن ينسب عمر إلى الاختصاص بدركه من بين كافة الصحابة: وهم الغواصون في علم الشريعة، والمجتهدون في مصادرها ومواردها؟ وغرضنا الآن بطلان التعليل بالوزن، مع انعقاد الإجماع على إسلام النقدين في الموزونات. فإن قالوا: السلم محرم بالإجماع في الثمنية أو المثمنية؛ كان ذلك تحكماً مستحدثاً [لا أصل له] دعاهم إلى ذلك مساق مذهبهم،

стр. 360

ولا مستند له، وإن زعموا أنا فهمنا ذلك من الإجماع، قلنا: وهلا فهمتم من الإجماع اختصاص النقدين بعلتهما، كما فهمناه حتى لا تخرجوا إلى الضبط بالثمنية والثمنية؟ الوجه الثاني للإبطال، هو: أن التعليل بالكيل يوجب إخراج الحفنة [والحفنتين] عن حكم الربا؛ وإخراج الحلي عن ذلك، والربا جار فيهما بحكم النقص. قال الشافعي: وما ناقض الشبه فهو المنتقض دون الشبه؛ إذا موجب الشبه جريان الربا في كل ما باسم البر والذهب، وذلك جار في القليل والحلي؛ والعجب أنهم أخرجوا القليل وأدرجوا الحلي وخاتم [٥٤ - ب] الفضة، ولم يطردوا ذلك في خواتم الحديد، فبه عرف تناقض هذا الأصل. فإن قيل: أبو حنيفة أساء [في] التفريغ؛ فيمكن التعليل بالكيل وطرده في الجنس، وإجراء الربا في الحفنة، وذلك لا يدل على أن الكيل غير صالح. قلنا: لا، بل استد في التفريع؛ فإنه أراد بالكيل والوزن

стр. 361

اعتبارهما لا إمكانهما، حتى قال أبو يوسف: كل مصر لا يوزن فيه اللحم، فلا بأس بطابق طابقين، والحفنة والخواتم لا يعتاد فيه التقدير، فلو قيل: أنه من جنس المقدر، لتعددت العلة، ولكانت العلة في الكثير أنه مقدر، وفي القليل: أنه من جنس المقدر، ولكان كقولنا: [أن كثير] الخمر محرم بعلة الإسكار، والقليل بعلة كونه داعيًا إلى السكر؛ وهما علتان: إحداهما خفية ضعيفة، والأخرى قوية، وتقسيم البر بتعدد علته، محال لا وجه له، فهذان وجهان لإبطال مذهبه، وقد أشار الشافعي إلى وجهين آخرين، يصلحان للترجيح، لا [للا] بطال: أحدهما: أن الطعم مقصود هذه الأشياء، ولأجه فطرت وخلقت؛

стр. 362

ولما ظهر مقصودها شح الناس عليها: فباعوها مقدرًا لا جزافًا، فتقدير المقصود الخاص علامة، أولى من تقدير ما يجري مجري العاصم للمقصود، والدراهم والدنانير متميزة بمقصودها الخاص: الذي لا يعدلهما [فيه] غيرهما؛ فكون الخاصة علامة للحكم - أغلب على الظن من العدول إلى الوزن المعرف للمقدار، لأجل المشاحة في المعاملات. الثاني: أن الكيل علامة الإباحة، فيبعد أن يكون علامة التحريم وان اختلف محله، ونحن قد عددنا علامة الإباحة وعلامة التحريم؛ وإحالة تضاد الأحكام على اختلاف العلامات أغلب على الظن من إحالتها على اختلاف المحال، مع اتحاد العلامة. وقد ترجح أيضًا بتأييده بقوله ﵇: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام)). والعبارة المحررة لأصحابنا في الترجيح معروفة؛ وهي: أن علتنا سلمت عن المعارضة والمناقضة، واستندت إلى عموم أسمها، ولم تخرج عن حكم أصلها، ولم تتناقض في نفسها، وقد استقصي ذلك في التعاليق.

стр. 363

[فلسنا للأطناب فيه، وإنما الغرض التنبيه على طريقه؛ فإن الترجيح من المسالك الجارية في هذه المسئلة المتعينة فيها: في بعض أطرافها]. فإن قيل: [تأيدت] علتهم بقوله ﵇: ((إلا كيلا بكيل)). قلنا: ذلك مذكور للخلاص [من الربا]؛ وهو معتبر علامة للخلاص والإباحة. فإن قيل: إيجاب المماثلة -في القابل للمماثلة -أولى؛ فليعلم الشرط بإمكان حصوله، فللكيل والجنسية تأثير في إظهار محل الحكم؛ فهو أولى بأن يجعل علامة عليه. ولأن الربا شرع مقرونًا بالخلاص، وفي التعليل بالطعم إجراؤه في السفرجل والبطيخ وما لا خلاص فيه. قلنا: لهذا، ضم الشافعي في قول الكيل إلى الطعم، واعتبر اجتماعهما، وقال: قول ابن المسيب في هذا من أصح الأقاويل كما سبق نقله. وهذا قول قوي جامع لجميع أطراف الكلام، فتكون العلامة -على هذا القول -اجتماع الأمرين. ولعله رجع في الجديد عن هذا؛ لأنه وردت أخبار في الربا في حلي الذهب، والخرز الذي يباع عددًا. فقد علم النبي ﵇ -طريق بيعه: في عقد اشتمل على خرز الذهب

стр. 364

واللآلئ وذكرت الفضة في مسائلة مد عجوة، فعرف به أن المقصود هو المتبع، دون التقدير، وقد قررنا وجه ذلك في مسائلة الحفنة. فإن قيل: فتدواركم على المقصود الخاص، تنبيه على متانة طريق مالك ﵁ -في التعليل بالقوت: فإنه الأخص. قلنا: [لولا ورود] الملح: لكان التعليل به أخص، ولكن عدل الشافعي عنه لأجل الملح. فأما قوله: ما يستصلح به القوت [قوت]، ففاسد: لأنه

стр. 365

لا يخلو أما أن يكون علة على حيالها كالنقدية، فيلزم [على مسافة] جواز أسلام البر في الملح، وهو خلاف الإجماع، أو يقال: هو يرجع إلى القوت لاتصاله به بطريق الاستصلاح، وذلك يلزم أن يعدي إلى الحطب والتنور وما يتصل بإصلاح القوت؛ ومهما تعدي إلى ذلك على تبعية القوت، فتعديته إلى الفواكه التي تسد مسد القوت، وإلى الآدام التي تقع تبعًا للقوت: كاللحم وغيره -أولى. وعند ذلك يتداعي إلى القول بالطعم. وإذا قال: للملح خاصية ليست لغيره، قلنا: أن لم يكون هو القوت فهو علة أخرى، فليجز إسلام الأشياء الثلاثة فيه، كما جاز إسلام النقدين في الأشياء الأربعة [٥٥ - أ] وهو خلاف الإجماع، فلولا الملح لكان ما ذكره مالك أولى وأخص. وعلى الجملة: تعليل الأشياء الأربعة بعلة واحدة، أولى: فإنه إذا [كثرت الأصول، كان ككثرة الشواهد، فإذا] اشتركت في الطعم، كان الطعم مشهوداً له من جهة الملح أيضاً، فهذا يتبين بطريق الترجيح. فإن قيل: فليكن تعليل أبي حنيفة بالتقدير للأشياء الستة

стр. 366

أولى؛ أو ليكن تعليل ابن الماجشون بالمالية أولى. قلنا: الوزن غير الكيل عند أبي حنيفة، كما ذكرناه، وإنما التقدير عبارة شاملة؛ ولذلك لم يتعد إلى الذرع والعد، وهو نوع تقدير، وأما [مالية ابن الماجشون] فهي أوسع الصفات وأعمها، وأبعدها عن الخاصية المقصودة، وهو مضطر إلى تجويز إسلام النقدين في غيرهما؛ وفيه التفريق في العلة، وعلى لجملة: لا تلغي أخص الصفات -مع صلاحها -بالأعم؛ فهو ليس آخذاً مذهبه من الشبه والعلامة؛ ولعله يأخذ من المنع من اجتاح المال وتفويته من غير منة ومجمدة ومثوبة، وإليه ترجع مقابلة الشيء بمثله؛ ثم يعتذر عن الجيد بالردئ، بما اعتذر أبو حنيفة به: من إسقاطه قيمة الجودة. فإن قيل: فهلا جمعتم بين هذه العلل؟ قلنا: اعتذر ابن سريج عن هذا: بأن ذلك يخرجنا عن قول العلماء، وسنذكر مستند قول العلماء، فإن التعليل - في مثل هذا المقام - بعلتين، غير جائز إلا أن يجعل الجميع علة؛ كما قال الشافعي في قول: أن العلة هي الطعم مع التقدير؛ وقال مالك: القوت، وفيه الجمع بين الكل.

стр. 367

القول في بيان الفارق بين الشبه والطرد فإن قال قائل: رجع حاصل نظركم -في القاعدة السابقة -إلى أن الوصف الذي لا يناسب، يجوز أن يكون علامة على الحكم؛ وزعمتم: أنها علامة متضمنة لوجه المصلحة وملتزمة لها، وإن كان لا يطلع على وجه المصلحة، فما الفرق بين ذلك وبين الوصف الطردي الذي اتفق المحققون على رده، مع الاعتراف بأن كل واحد منهما ينفك عن المناسبة بنفسه وإنما يتوهم اشتماله على مناسبة خفية، وقضية مصلحية: غابت عنا، وما من وصف طردي إلا ويمكن أن تدعي فيه هذه القضية، فكيف يتميز عن الطرد المردود، مع الاستواء في هذه الخاصية؟ قلنا: هذه غمرة عظيمة خاض فيها فريق: فدرات رؤوسهم، وخارت عقولهم، ولم يحصلوا على طائل، فمن طلب ما لم يخلق، تعب ولم يرزق؛ فإنهم التمسوا فرقًا بين الطرد والشبه [بأمر] يرجع إلى تمييز أحدهما عن الآخر، بوصف [في] ذاته، وأنشئ، لا يتميز عن جنسه ومثله، بوصف يرجع إلى ذاته، وها نحن نكشف الغطاء عن هذا السر، ونقول: الأحكام أنما تظهر -في حقنا -بعلامات منصوبة عليها؛ والعلامات للأحكام تنقسم: إلى الأسامي اللغوية، وإلى الأوصاف الزائدة على الأسامي. فأما المسميات المعلومة بعلامة الأسامي فهي التي يقتصر فيها

стр. 368

على مورد النص، ولا حاجة في بيانها إلى أطناب. وأما المعلومات بعلامات زائدة على الأسامي، فهي التي يقال فيها: أنها قياسية، وتلك العلامات تنقسم: إلى ما يناسب الحكم في ذاتها، على ما أوضحنا معني المناسبة، وإلى ما لا يناسب، ويعرف كونه علامة بالطرق أنتي ذكرناها في علة الربا. فما يناسب كله جنس واحد، يندرج تحته الشعب المنتشرة التي قدمناها. وما لا يناسب -أيضًا- كله جنس واحد: من حيث الذات والنفس؛ وهو متناول لما سماه المسمون: شبهاً، ولما سموه: طرداً، أيضاً، فلا فرق بين الشبه والطرد، عند النظر إلى ذات الأوصاف التي لا تناسب الأحكام. [فالكيل والقوت والطعم] كله طرد في لغة هؤلاء واصطلاحهم؛ وإن سموه شبهاً: فلا حرج في الإطلاق، وإنما الغرض بيان أن الوصف الذي لا يناسب جنس واحد بالنظر إلى ذاته، فطلب الفرق بتمييز البعض عن البعض بالجنسية، طلب لما لا ينال أبد الدهر. فإن قال قائل: كيف تنكرون هذا الفرق: وأنتم مضطرون إلى الاعتراف بأن كل وصف من الأوصاف وجد مع الحكم، لا يجوز أن يعلل الحكم به، وأن يجعل علامة عليه، ويتبع في إثبات الحكم ونفه؛ بل هو منقسم: إلى ما يصلح الاعتماد، وإلى ما لا يصلح؟ فما الفيصل الفارق؟ وقد سامحناكم بحذف لفظ الطرد والشبه. قلنا: نعم؛ الأوصاف التي لا تناسب -أيضًا -تنقسم [٥٥ - ب] إلى [ما تصلح للاعتماد عليها، وإلى ما لا تصلح]؛ كما أن المناسب أيضًا

стр. 369

ينقسم: إلى ما يصلح للاعتماد وإلى ما لا يصلح، ولكن ليس انقسامه لافتراق راجع إلى الذات؛ وإنما هو بالإضافة إلى السلامة عن المعارضة بما [نقول: أنه] أولى منه؛ وإلى عدم السلامة عنه، وهذا يستوي فيه المناسب وغير المناسب. وإيضاحه [هو]: بأن نقسم الكلام ونجربه في طرفين؛ أحدهما: فيما يعتمده المجتهد، ويجوز له أن يفتي به والآخر: فيما يسمع من المعلل، ويسوغ له الاقتصار عليه في مبتدأ التعليل، إلى أن يستنزل عنه بالاعتراض والمعارضة بما هو أولى منه. أما المجتهد، فلا يحل له الاعتماد على مجرد ظهور الوصف الذي لا يناسب، ما لم يسبر سائل الأوصاف سبراً حاصراً: من حيث الإمكان والاستطاعة في حق المجتهد، وما لم يقابل الوصف الذي ظهر هل أولاً بسائر الأوصاف، فإذا قابله بها، وأبطل جميعها أو رجح ما ظهر أولاً على غيرها - على ما ذكرناه في مسئلة علة [الربا]-حل له الاعتماد عليه: في العمل والفتوى، وهذا السبر -أيضاً -واجب [عليه] في المناسب؛ فإنا سنبين أنه لا يجوز تعليل الحكم بعلتين مناسبتين: عرفنا

стр. 370

بشهادة الحكم، فلا بد أن تبطل سائر الأقسام، إذا لو ظهر مناسب أقوى مما ظهر أولًا: لصار الأول بالإضافة إلى الثاني كالطرد المهجور، ولذلك لم يلتفت إلى سلامته عن النقض والمعارضة وغيره. وكذلك لا بد من استقصاء السبر في الأوصاف التي لا تناسب، فإن ظهر وصف لا يناسب فبحث وسبر، فعثر على مناسب -انمحق الوصف الأول واضمحل؛ وإن لم يعثر على مناسب، ولكن عثر على وصف آخر لا يناسب - وهو أمس للمقصود، وأخص منه بالغرض -انمحق الأول وبطل، كما ذكرناه في الطعم بالإضافة إلى الكيل. فإذًا: كل وصف ظهر وسلم -بعد السبر -عن البطلان بظهور ما هو أولى منه، جاز الاعتماد عليه، وهو الذي عبر عنه: بالشبه. وكان وصف ظهر أولًا، ولكن ظهر في مقابلته وصف آخر -أما على البديهة أو بالتأمل -هو أولى وأخص من الأول: فالأول لا يجوز الاعتماد عليه، وهو الذي يعبر عنه: بالطرد، فرجع الافتراق بين القسمين، إلى الإضافة، لا إلى الذات، وهذا الافتراض جار في المناسبات. فلأجل هذا، رأينا أن نهجر عبارة الطرد والشبه: كيلا نخيل افتراقا من حيث الذات؛ فإن فهم ما إليه رجع الافتراق، فلا حرج بعده في الإطلاقات، والاصطلاحات بالتعريفات.

стр. 371

وعبارة الشبه [أيضًا] مستكرهة من وجه آخر، وهو: أنا قد بينا أن ذلك لا يقوم إلا بفرع وأصل؛ وأنا نعلل النقدين بالنقدية القاصرة، ونظن أنها هي الصفة الملتزمة المتضمنة للمصلحة الخفية الغائبة عنا، ولا فرع لهذا الأصل، وسنذكر ما نريده بالعلة القاصرة، وندرأ عنه [اعتراض الخصوم، واستبعادهم] وقد تبين أن الوصف الذي لا يناسب جنس واحد، وأن ظهور الفرق: بالإضافة؛ فالكيل يظهر أولًا: فيظن أنه علامة؛ فيظهر الطعم -بالطريق الذي ذكرناه -ويصير أولى منه؛ فينقلب الكيل ساقطًا مطرحًا؛ وقد يعبر عنه: بالطرد، وعن الطعم - الذي صار أولى-: بالشبه، وقد يظهر بالتأمل للناظر في الطعم ويطرحه، ويعبر عنه: بالطرد، وعن القوت: بالشبه، ثم قد يتبين له بطلان القوت بالملح كما سبق، فينعطف إلى الطعم ويقول: هو الوصف المعتبر الذي يغلب على الظن كونه علامة؛ ويجعل القوت طردًا مهجورًا. ولا فرق بين هذه الأوصاف الثلاثة: من حيث الذات؛ وإنما

стр. 372

افترقت: بالإضافات، فلهذا استكرهنا عبارة الطرد والشبه: فإنه يوهم جنسين مختلفين، ولا اختلاف: إذ الطارد يزعم أنه شبه بين الفرع والأصل، بما ذكره من الوصف؛ وتسميته شبهًا -بهذا التأويل -صحيح، والمشبه يسمي: طاردًا، من حيث أنه أتي بوصف لا يناسب، وتسميته طاردًا -بهذا التأويل -صحيح. فلم يكن [لفظ] الطرد والشبه إلا مشوشًا ومعميًا لمقصود الكلام؛ فوجب اطراحه والقول بأن الأوصاف تنقسم إلى [ما يناسب] وإلى [ما لا يناسب]؛ وغير المناسب ينقسم إلى ما يسلم عن المعارضة [٥٦ - أ] بعلامة هي أولى منه؛ فيصلح لاعتماد المجتهد [عليه] بعد البر؛ وإلى ما لا يسلم عن وصف هو أولى منه، وهذا ينقسم فمنه: ما يكون قرب وصف آخر معلوماً بالبديهة، [ومنه: ما يعلم بالنظر. فما يعلم بعده، وقرب غيره، وكونه أولى منه بالديهة]-فهو: الطرد القبيح الذي لا يتصور أن يكون معول مجتهد. وما يعلم كون غيره أولى منه بالتأمل، يتصور أن يختلف في العثور عليه المجتهدون بحسب اختلاف قرائحهم؛ فيسميه من لم يعثر على

стр. 373

الأولى: شبهاً، ومن عثر على الأولى يسمي الآخر: طردًا. فإن قيل: فهلا حددتم الوصف المعتمد -الذي عبر عنه فريق بالشبه -[بالوصف] الخاص، أو بالمقصود - كما قاله المعبرون - لتمييز الشبه عن الطرد؟ قلنا: لأن الخاص إضافة؛ فالشيء يكون خاصاً: بالإضافة إلى شيء، عاماً: بالإضافة إلى غيره، فالطعم خاص بالإضافة إلى المالية، عام بالإضافة إلى القوت، والقوت خاص بالإضافة إلى الطعم، عام بالإضافة إلى الذات المسمي باسم البر والتمر، والأخص غير مشروط بالاتفاق عند القائلين بالشبه؛ فإن الأخص في النقدين: النقدية؛ ولم يبطل الوزن بالإضافة إليه لأنه أعم: إذا لو بطل لذلك، لبطل الطعم بالإضافة إلى القوت: لأنه أعم. وأما المقصود فليس يشترط في صحة التشبيه -عند المطلقين لهذه اللفظة -أن يقع التشبيه بالمقصود؛ وإنما يساعد ذلك في الربا، وقد يكون الشبه خلقيًا، وقد يكون حكميًا؛ فكيف يصح [حد الشبه] بهذا؟ فإن قيل: وهلا حددتموه بما حده به القاضي ﵁: من أنه الذي يغلب على الظن كونه في معنى الأصل؟

стр. 374

قلنا: لا حجر في هذه العبارات؛ وهي حاوية للمقصود إجمالًا، ولكن لا بيان فيه، فلم يشكل إلا تمييز الوصف: الذي يغلب على الظن الاشتراك [فيه الاشتراك] في الحكم؛ عن الوصف: الذي لا يغلب -بحد فاصل، ومعيار صادق: نرتفع به المنازعات، وهذه عبارة متسعة تشمل جميع أنواع القياس. ونحن الآن في طلب الوصف الذي يغلب، وتمييزه عما لا يغلب؛ أهو متميز [بذاته]؟ أم بالإضافة؟ فأقول: إذا كان الكل لا يناسب، فالتمييز: بالإضافة التي ذكرناها. فإن قيل: فهلا حددتموه: بأنه الوصف الذي يوهم الاجتماع في مخيل مبهم هو مأخذ الحكم، كما قاله القاضي؟ قلنا: ولا حجر -أيضًا -في إطلاق هذه العبارة، لمن يبغي عبارة حاصرة؛ لا لمن يبغي كشفًا ووضوحًا، فإنا رأينا جملة من الأوصاف تذكر [في محافل ومجامع، تجمع أفاضل وأكابر]؛ فتختلف آراؤهم [وتتفرق أهواءهم] في أنها من الأوصاف التي توهم الاجتماع في المخيل: فتسمي شبهًا؛ أو لا توهم: فتسمي طردًا، فلم يتجنس هذا

стр. 375

الوصف عندهم، ولم يتميز بعلامة يترفع معها النزاع، وإذا رد الأمر إلى ما يغلب [على الظن] أو ما يوهم؛ اختلف ذلك بالطباع والقرائح: على ما نشاهد ذلك من الفقهاء في المناظرات، وهي الخصومة الناشبة التي لا سبيل إلى قطعها. فيقول القائل: طهارة حكمية، فتفتقر إلى النية كالتيمم؛ أو: عبادة يبطلها الحدث، فتفتقر إلى الموالاة كالصلاة؛ أو: عبادة مختلفة الأركان يستحب الترتيب في متماثلاتها، فيستحق في مختلفاتها قياسًا للوضوء على الصلاة. ويقول في افتراض الفاتحة في الصلاة: عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط في أركانها ما يتعدد سبعاً كالحجج. فهذا وأمثاله يعرض على الجمع من الفقهاء، فلا يتفق رأي اثنين منهم في أن هذه [هل] تغلب على الظن، أو هل توهم الاجتماع؟ بل يقول فريق: الكل طرد، ويقول آخرون: الكل شبه، وتقول طائفة: ما ذكره في نية الطهارة تشبيه، لكثرة تكررها على اللسان، فهو مغلب؛ وما ذكره -من القياس على الحجج -فطرد، وما ذكره -من الترتيب والموالاة في الطهارة -فمعتدل؛ وهو محتمل لأن يقال: أنه طرد ولأن يقال: أن شبه، وكل ذلك لعدولهم عن المنهاج السديد

стр. 376

[والصراط المستقيم]، وظنهم أن الفرق راجع إلى ذات هذه الأوصاف، هيهات هيهات، إنما افتراقها: لخفاء الأوصاف المقابلة لها مرة، ولجلائها [أخرى]، فقولنا: حكمية، يقابلها: أنها طهارة بالتراب والوضوء بالماء، وقولنا: يبطلها الحدث كالصلاة، يعارضها: أن الكلام لا يبطلها، بخلاف الصلاة، إلى أمثال لذلك لا نستقصيها، بل [نجتزي بالتنبيه لمن يفهمها ويعيها]، فهذه الأوصاف المتقابلة، كلها طرد غير مناسب كما ذكرناه في الربا، فطريق نصبها علامة وترجيح البعض منها على البعض -ما سبق، فإذا استنهج المجتهد الطريق [٥٦ - ب]، واستتم السبر والتحقيق، [وشاء الله التوفيق] يحصل بالآخرة على ظن [غالب مستقر: يتكل عليه، و] يطمئن إليه. الطرف الثاني: الكلام في المعلل، فإن قيل: ما ذكر تموه سياق نظر المجتهد، فما الموظف على المجادل في ابتداء التعليل؟ وبماذا تنقطع عنه المطالبة؟ أيلزم أن يستوفي السبر ويبطل الصفات الفارقة بعد أن يحصرها؟ أم يكتفي منه بالاقتصار على ما أبداه، ويقال: على من ادعي بطلانه، إظهار ما يراه أولى أو مماثلاً له، حتى يتكلم عليه،

стр. 377

ويجعل الوصف الذي ذكره أول رتبة من مراتب النظر، ومرقاة من مراقية؛ إلى أن يستنزل عنه بالمعارضة بمثله، أو بما هو أولى منه. قلنا: ليس هذا السؤال عن مسئلة شرعية، حتى يفتي فيها بتحليل أو تحريم، أو إثبات أو نفين لا كالطرف السابق: فإن النظر فيه يتعلق بقطب ديني عظيم، وإنما هذه مسئلة جدلية؛ والجدليات رسميات واصطلاحات، وكل فريق اصطلحوا على أمر، فالوجه أن يساعدهم الواحد الفرد، ويندس في غمارهم، ويكلمهم بمعتادهم، هذا هو الأصل بعد استمرار العادات، وترسخ الاصطلاحات. نعم: لو سئلنا عن أولى ما يصطلح عليه، وأليقه بمقصود الجدال ومصلحته؛ فقد نبدي فيه ما نبديه، فنقول: أما الذين ذهبوا إلى [أنه لا يقبل] إلا المؤثر -وهو المراوزة وأهل سمرقند في عصرنا هذا -فلا يقطعون المطالبة إلا بإبداء التأثير؛ وقد يطلق الإنسان فيما بينهم الإخالة، فتنفر طباعهم، [وتشمئز نفوسهم] لرؤيتهم في كتاب أبي زيد -أن الإخالة باطلة في الجدال. فطريق المناظر معهم، أولًا: أن يهجر لقب الإخالة، ويسمي مخيلة: مؤثرًا؛ ووجه الإخالة: تأثيرًا، ويظهر الإخالة بلقب التأثير، فيروح عليهم -بعد التلقيب بهذا اللقب -كل ما سميناه مخلًا

стр. 378

مناسباً، كما [تقدم التفصيل فيه]. فمن استمسك- مع هؤلاء- بعلامة لا تناسب، ولم تقطع المطالبة عنه- فطريقه: أن يقيم البرهان الأصولي على جواز التعليل بالوصف الذي لا يناسب، كما قدمناه، فيبتدئ بالإيماء، والإضافة اللفظية، ثم ينحدر إلى الحكم عقيب الوقائع، ثم إلى الطرد والعكس، ثم إلى الشبه، وهو: إعلام الحكم بعلامة لا تناسب. أو يضرب لهم الأمثال نقلا عن الأئمة، ويقرر طريق الظن وثورانه من الوصف الذي لا يناسب، كما تقدم في مسئلة علة الربا-: إن صادف من نفسه منة التقرير، وساعدته حشمة: يستميل [بها] أساعهم للإصغاء إلى كلامه، إلى أن ينهيه إلى تمامه. فإن لم يجد هذه المنة، ولم تساعده هذه القوة [والحشمة] فليكلمهم بلسانهم، وليلقب كل ما سنح له-: من الخيالات البعيدة الإقناعية- بلقب التأثير؛ فيروج عليهم الغث والسمين، والنازل والثمين؛ وتنقطع عنه المطالبة وينغمس في غمرة المسئلة.

стр. 379

وإن جرت المناظرة مع فريق: يجوزون التعليل بغير المؤثر؛ فهؤلاء- أيضا- ينقسمون: فأهل بغداد وسائر العراقيين، يلقبون هذا الجنس: بقياس الدلالة؛ فإذا ذكر وصفا غير مؤثر: فليلقبه بهذا اللقب، ليقطع المطالبة عنه. وإن جرت المناظرة بنيسابور-[ومجامعها- في غالب الأمر، غاصة بالمتلقفين] من أستاذنا إمام الحرمين- قدس الله روحه- فليذكر من الأوصاف غير المناسبة، ما يراه سديدًا: غالبًا على الظن، سليما عن المعارضة؛ وليلقبه بلقب الشبه، وإياه والاعتراف بأنه طرد؛ فيعظم ثوران المستمعين وإنكارهم عليه، وتنفر عنه الطباع، وتنبو عن كلامه الأسماع؛ بحيث لا يصغى بعده إلى كلامه، ولا يزاد على الاستهزاء والتهجين، وليروج عليهم كل وصف طردي لا يناسب، بلقب الشبه [فهو رائج]؛ ولا تتوجه عليه إلا مطالبات بيان وجه التشبيه. فإذا أخذ في كلامه، وقرر وجه الجمع، وذكر: أنه لا فارق إلا كيت وكيت وهي باطلة، وأن لا مسلك للقول بالتشبيه إلا هذا- تلقى ذلك منه بالقبول، وانقلب الاستبعاد من جملتهم إلى المطالب، فهذا هو الطريق في [مجاملة هؤلاء الفرق ومجادلتهم].

стр. 380

ولو أحدث محدث رسما آخر، وأراد قطع المطالبة عن نفسه، بمجرد التعليل- لم يصغ هؤلاء إليه؛ وإنما يتلقاه بالقبول طوائف من المشايخ: هجروا وهجر كلامهم، وشهروا بالانفكاك عن التحقيق، بمصيرهم إلى القبول بنوع من التعليل: لا يناسب، ولا يؤثر. فإذا كانت المسئلة رسمية، فعلينا أن ننبه على المراسم، وطريق مكالمتهم. وقد فعلنا ذلك. فإن قال قائل: هذه حكاية مراسم [الجدال] مع التنبيه [٥٧ - أ] على المراشد في مجادلة هؤلاء الفرق؛ [فما الذي ترونه أليق] بمصلحة المجادلة: الاشتغال بالاعتراض على كل طرد يذكر، أو المطالبة بإظهار الوجه الذي منه استقى غلبة الظن؟ قلنا: المعهود من عادة المشايخ- في الأعصار السابقة [على هذا العصر]- الاشتغال بالاعتراض، دون الجمود على المطالبة، فكانوا يسمعون كل قياس ذكر، اشتمل على جمع بين فرع وأصل برابطة؛ [و] كانوا ينقضونه: أن كان منقوضا؛ ويقابلونه بما هو أولى [منه]

стр. 381

من أوصاف الأصل: إن كان مقابلا. وهذا هو الواجب في مصلحة الجدال. وبيانه: أن الجدال لا يخلو أما أن وضع لمقصود الأفحام والإلزام، ومؤاخذة الخصم في مضائق الخصام؛ أو [وضع] لإبداء [مستند فتوى المجتهد] الذي يحل الاعتماد عليه في الفتوى. فإن وضع لإبداء مستند المذهب: فينبغي أن لا تقطع المطالبة عمن أبدى مناسبا أيضا؛ بل يكلف أن يسبر أوصاف الأصل وما يقدر فيها: من مخيلات؛ ثم يسبر الأصول التي تقدر ناقضا؛ ثم يسبر المعارضات بطرقها، ويبين سلامة ظنه عنها، فهو الذي يجوز الاعتماد عليه في الفتوى. وهذا ما أوجبه القاضي [أبو بكر]﵁ في كل مسئلة على كل معلل؛ وقال: ما لم يسبر سائر المعاني والمفسدات، ولم يدفعها- لا يستقر قدمه. وهذا قد اتفق أهل الأعصار على خلافه في مصلحة الجدال؛ لأن الجدال معاونة على النظر، ومصاولة بأسلحة الخواطر والفكر؛ ولو وظف على المعلل ذلك في الابتداء: لم يبق للخصم كلام؛ وانبث الأمر من غير جدوى.

стр. 382

وإذا بطل هذا المأخذ، فنقول: الجدل موضوع لتنقيح الخواطر وامتحانها بالتداور على درجات الفكر؛ ولإفحام الخصم، وقطعه بالإلزامات، ولذلك أجمعوا على قبول التعلق بمناقضات الخصم. وتعلق فريق بالتركيبات- وهم الأكثرون- ولم يجوزوا للمعترض أن يمنع النقض ويدل عليه. إلى غير ذلك: من أمور لا تخفى. فوجب- على الضرورة- رعاية مصلحة الجدال. فنقول الآن: كل طرد ذكره المعلل فهو مسموع؛ ثم هو مردود بطريقة: إن كان مردودا. ولابد وأن يذكر وجه رده بالنقض: إن كان منقوضا؛ أو بالمقابلة بفاسد يقاومه: إن كان فاسدا؛ أو بالمعارضة بتحكم يساويه: إن كان تحكما. حتى يجتزئ المعلل الطارد المفحش في طرده على قرب، ولا يطول الخصام بالمطالبة بإبداء وجه غلبة الظن، وتنازعهما في أن هذا مغلب أم لا، وتحاكمهما إلى أهل المجمع مع افتراق القرائح فيه. وهذا ما عهد من الأولين. فيقول: اتفقنا على جواز التعليل بما لا يناسب. ونفرض مثلا في الجص، فنقول [مكيل فكان ربويا. فقيل: ولم قلت: إن البر ربوي لكونه مكيلا؟ فنقول:]، لابد من طلب علامة [لحكم] الربا،

стр. 383

ولا علامة إلا الكيل. فهما مقدمتان، ففي أيهما النزاع؟ فإن [قال: لا أسلم] أنه لابد من طلب علامة، بل الحكم معلوم باسمه. فهذا سؤال صدره عن إنكار القياس [بل هو عين معتقدهم]؛ فإن قال: أوجب طلب العلامات، ولكن من الأحكام ما يعرف باسمه، فبم تنكر على من يقول: هذا من ذاك؟ فهذا السؤال مقبول، وهو مقاومة في علامة [الأصل] بما يقابله. إذ حاصله رجع إلى أن الحكم في البر معلوم بكونه برا؛ وهو [يقول: وهو معلوم بعلامة الكيل. فقد عارضه بطرد مثله؛ فعليه إبطال] ما ذكره، أو الترجيح. فنبين له- بطريقه- بطلان التخصيص بالاسم، وهو: الإجماع القاطع على أن الحكم غير مقصور على اسم البر والتمر، كما تقدم. أو بطريق آخر يساعده في كل مسئلة، على حسب النظر فيها. فرجع حاصل الأمر [فيه] إلى منعنا إياه عن قوله: لم قلت: إن العلامة هي الكيل، مع الاقتصار عليه؟ بل ننبه على علامة أخرى تقاوم كلامه في كونه طردا؛ وهو: كونه برا؛ إلى أن يفرق ويرجح. فإن قال: سلمت أنه لابد من طلب علامة زائدة على الاسم، ولكن

стр. 384

لم قلت [لا] علامة إلا الكيل؟ - فهذا السؤال مردود مع الاقتصار على هذا القدر؛ فإنه سؤال لا منتهى له. وفي تمهيده حسم طريق الجدال. إذ غايته أن نقول: لا صفة إلا الطعم والقوت [والكيل] والمالية؛ وقد بطل الكل، فللسائل أن يقول: وراء هذا صفة لم تطلع عليها، ولا يلزمني إظهارها. وإنما ينقطع عنه هذا النزاع، بحصر قاطع دائر بين النفي والإثبات- وذلك لا يلفى في الشرعيات- أو بحكاية إجماع على حصر العلل، وذلك لا يساعد إلا في مسئلة الربا: لأن العلماء قصدوا بالنظر الأصل، دون الفروع. وهو على خلاف سائر المسائل. ولو أحوجناه إلى أن يتكلم على القوت والطعم والمالية، ويذكر فيها مسالك الترجيح والابطال- للزمه أن يتكلم على نفس الكيل، وما وجه إليه: من الالزامات؛ وأن يعد شرائط العلل؛ وأنه لا يناقض نصا ولا أصلا. إلى [٥٧ - ب] غير ذلك، ولا يستوعب في أول النوبة جميع المسئلة؛ وانخرم نظام التناوب في الجدال. فطريق المعترض أن يتكلم على الكيل بالنقض وطرق الاعتراضات، أو يقابله بالطعم أو غيره من الصفات؛ ويكفيه ذكرها. وتكليفه الذكر- من غير دليل- أهون وأقطع للخصام من تكليف المعلل حصر سائر

стр. 385

الصفات وسبرها وإبطالها؛ لأن الفوارق والعلامات لا استقلال بحصرها. فإن لم يعرف المعترض غيره، فالمعلل صادق في قوله: لا علامة سواه، وإن عرف غيره: فذكره هين حتى يتكلم عليه. ولو جوزنا [له] أن يضمر ولا يبدي، لانتهى الأمر إلى أن لا يضمر: وهو يدعى الإضمار والامتناع عن الذكر جدالا، وهو غير صادق فيه. وكان ذلك سؤالا لا منتهى له. وعن هذا، قلنا: [لو ذكر اخالة الكيل مثلا]، فليس يلزمه أن يبين [نفي] اخالة الطعم والقوت أو يبطلهما؛ لأن ذلك يقطع نظام التناوب، ولأن ذلك [إتمام للنظر]، والتعليل لابتداء النظر لا لإتمامه، فدل أنه إذا لم يمكن إبطاله لعدم المناسبة، لوجوب القول بما لا يناسب- كما تقدم-: فلو سلم قوله: لا علامة إلا هذا، استقر قدمه، وإن كان كاذبا: فنبين كذبه بذكر الطعم وغيره حتى يجتزئ فهو أولى وأقرب إلى الاقحام والاجتزاء، من أن تكلفه السبر الذي

стр. 386

لا [يتوصل إلى الوفاء] به. وحاصله يرجع إلى أنه لم يظهر لي. فإذا قبل منه بالآخرة [قوله]: لم يظهر لي إلا هذا، فليقبل [هذا] ابتداء، ولينبه على بلادته، وقصور نظره- بذكر الوصف الظاهر للخصم، حتى ينقطع. فإن قال: لا علامة أولى من هذا؛ فلا يقال [له]: [لم قلت؟ أو] بم عرفت أنه لا علامة أولى من هذا؟ بل يقال: بم عرفت أن هذه العلامة أولى من علامة الطعم؟ حتى يلزمه الكلام عليه. فإن قال: إنه لا يناسب. قيل له: والكيل لا ينسب. فكذلك يقاومه رتبة بعد رتبة، لينتظم ترتيب الجدال. ويبين أن هذا الوصف: هل سلم عن المعارضة بما هو أولى منه: فيعتمد، أو لم يسلم: فيطرح؟ فإن قيل: رجع حاصل استدلال المعلل إلى أن دليل صحة علامتي عجزك عن إظهار علامة [أخرى] أظهر منها؛ وهو راجع إلى

стр. 387

أن دليل [صحة ما ذكره عجزه] عن [علامة] الإفساد. ولو فتح هذا الباب؛ فلقائل أن يقول: وراء هذا الجبل غزالة، [ودليل صحته عجزك عن الإفساد]. وجبريل [الآن] في السماء [الرابعة]، ودليل صحته عجزك عن الإفساد. والإنسان قد يعجز عن إفساد [ذلك]، ولا يكون دليلا. قلنا: [نعم] إلى هذا يرجع؛ ونحن نقول: هذا فاسد، ولكن نذكر فساده؛ [فيقال: لا، بل ليس وراء هذا الجبل غزالة، ودليل صحة قولي عجزك عن إفساده]، وإذا صح قولي: فسد قولك. وجبريل ليس في السماء الرابعة بل في السابعة؛ ودليل ذلك عجزك عن إفساده. فهذا الطريق أقرب إلى إفحام الخصم، من الإصرار على بارد المطالبة، وصرفه إن كان الرجل مجازفا في قوله: لا علامة أولى مما ذكرته، ودليله عجزك عن إظهاره، وربما يكون صادقا ومعتمدا عليه؛ عرف ذلك بالبحث والعجز عن العثور على وجود وصف آخر أصلا، أو في وجود وصف آخر أولى منه. فيستقر قدمه، ويكون- في الابتداء- دليله على خطر الفساد:: بالمقابلة بما هو مثله، كما في المناسب.

стр. 388

وذلك لا يدل على خروجه عن كونه على مرتبة من الكلام يلزمه إفساده بطريقه. وعلى الجملة: لو سلم أن لا علامة أولى مما ذكره، لاستقام كلامه، ولا يعرف نفي العلامات إلا بالسبر؛ والوفاء بالسبر في الجدل غير ممكن على وجه يقطع السؤال؛ ويلزم عليه إلزام السبر في المناسب أيضا، كما ذكره القاضي. فإن قيل: المناسب إذا ظهر فهو بظهوره يستثير ظنا، ثم يزول ذلك الظن بالنقض والمعارضة، والوصف الذي لا يناسب [لا استثارة المظن إلا بظهوره وسبر] ما وراءه من العلامات والفوارق [فأول حصول الظن فيه] بالسبر؛ فيلزم ذلك بخلاف المناسب. قلنا: لا، بل رب وصف غير مناسب يصح التشبيه به؛ وهو بظهوره يستثير ظن الجمع قبل البحث عما وراءه. كقولنا: طهارة حكمية؛ فإنه ينبه في مبتدأ الأمر، على التقارب وعسر الفرق، قبل سبر الفروق الكثيرة المشهورة لأبي حنيفة بين التيمم [والوضوء]. ولو لم نكتف بما أظهره: للزمه أن يتكلم على كل [فرق مهم ويبين بطلانه]؛

стр. 389

ويتوجه عليه بالآخرة أن فرقا آخر غادرته ولم تطلع عليه. ولا منتهى له. فتكليف المعترض ذكره أولى من [تكليف المعلل] السبر؛ لأن المعترض لا يعدل عن الإظهار- مصرا على المطالبة [٥٨ - أ]- إلا لعلمه بضعف الفرق، وأنه لا يقاوم الجمع. فإن قيل: فليقبض من المعلل الوصف الذي يستثير الظن، دون الوصف الذي لا يستثير. قلنا: شرط ذلك في الجدال مستحيل؛ لأن إثارة الظن تختلف بالأشخاص، ويطول فيه النزاع: فيدعى المجيب أنه مثيره، وينكره المعترض، ولا يمكن إثباته بيمين ولا بشاهد؛ فربما لا تجرى المناظرة في مع، فإن جرت: فالجمع يختلفون- أيضا- في اعتقاد كون الوصف مثيرا. فاستحال- في مصلحة الجدال- فتح هذا الباب؛ بل وجب القول بأن ما لا يثير الظن- عند المنصف- فذلك: لأنه يجاوره على القرب ما هو أولى منه. فليذكره حتى يفتضح؛ فهو أولى من رد الأمر إلى معيار مضطرب: تختلف فيه القرائح والفطن [ويبقى النزاع ناشبا

стр. 390

لا ينقطع]، وهذا قطعي عندنا في مصلحة النظر، يعرفه من كثر تدواره على الأشباه في المناظرات. فإن قيل: [إن كان في فتح هذا الباب نوع عسر لا وفاء به، وضرب خصام لا مقطع له؛ ففي المصير إلى ما صرتم إليه، فتح باب في الهذيان: لا منتهى لقبحه، وتعترفون ببطلانه] من غير احتياج إلى الاعتراض عليه، كقول القائل: الخل مائع لا تنبى النقاطر على جنسه، فلا تزال النجاسة به كالدهن واللبن. وكقولهم: [الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه كالماء] وكقول بعض المستهزئين: الذكر طويل مستدار فلا تنتقض بمسه الطهارة كالمنارة. ولا ينقطع هذا الجنس عما ذكرتموه: بأنها حسيات؛ فإن الأوصاف الحسية قد تصلح للتشبيه والتعليل عندكم. ورب وصف حكمي لا يصلح، بل هو باطل بلبديهة، كقول القائل: تجب قراءة الفاتحة في الصلاة، لأنها عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط فيها ذو عدد سبع: كالحج، أو أحد عددي صوم التمتع، فلا تصح الصلاة دونه كالثلاث. والمراد به: آيات الفاتحة.
следующие страницы →