← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لا [يتوصل إلى الوفاء] به. وحاصله يرجع إلى أنه لم يظهر لي. فإذا قبل منه بالآخرة [قوله]: لم يظهر لي إلا هذا، فليقبل [هذا] ابتداء، ولينبه على بلادته، وقصور نظره- بذكر الوصف الظاهر للخصم، حتى ينقطع. فإن قال: لا علامة أولى من هذا؛ فلا يقال [له]: [لم قلت؟ أو] بم عرفت أنه لا علامة أولى من هذا؟ بل يقال: بم عرفت أن هذه العلامة أولى من علامة الطعم؟ حتى يلزمه الكلام عليه. فإن قال: إنه لا يناسب. قيل له: والكيل لا ينسب. فكذلك يقاومه رتبة بعد رتبة، لينتظم ترتيب الجدال. ويبين أن هذا الوصف: هل سلم عن المعارضة بما هو أولى منه: فيعتمد، أو لم يسلم: فيطرح؟ فإن قيل: رجع حاصل استدلال المعلل إلى أن دليل صحة علامتي عجزك عن إظهار علامة [أخرى] أظهر منها؛ وهو راجع إلى

стр. 387

أن دليل [صحة ما ذكره عجزه] عن [علامة] الإفساد. ولو فتح هذا الباب؛ فلقائل أن يقول: وراء هذا الجبل غزالة، [ودليل صحته عجزك عن الإفساد]. وجبريل [الآن] في السماء [الرابعة]، ودليل صحته عجزك عن الإفساد. والإنسان قد يعجز عن إفساد [ذلك]، ولا يكون دليلا. قلنا: [نعم] إلى هذا يرجع؛ ونحن نقول: هذا فاسد، ولكن نذكر فساده؛ [فيقال: لا، بل ليس وراء هذا الجبل غزالة، ودليل صحة قولي عجزك عن إفساده]، وإذا صح قولي: فسد قولك. وجبريل ليس في السماء الرابعة بل في السابعة؛ ودليل ذلك عجزك عن إفساده. فهذا الطريق أقرب إلى إفحام الخصم، من الإصرار على بارد المطالبة، وصرفه إن كان الرجل مجازفا في قوله: لا علامة أولى مما ذكرته، ودليله عجزك عن إظهاره، وربما يكون صادقا ومعتمدا عليه؛ عرف ذلك بالبحث والعجز عن العثور على وجود وصف آخر أصلا، أو في وجود وصف آخر أولى منه. فيستقر قدمه، ويكون- في الابتداء- دليله على خطر الفساد:: بالمقابلة بما هو مثله، كما في المناسب.

стр. 388

وذلك لا يدل على خروجه عن كونه على مرتبة من الكلام يلزمه إفساده بطريقه. وعلى الجملة: لو سلم أن لا علامة أولى مما ذكره، لاستقام كلامه، ولا يعرف نفي العلامات إلا بالسبر؛ والوفاء بالسبر في الجدل غير ممكن على وجه يقطع السؤال؛ ويلزم عليه إلزام السبر في المناسب أيضا، كما ذكره القاضي. فإن قيل: المناسب إذا ظهر فهو بظهوره يستثير ظنا، ثم يزول ذلك الظن بالنقض والمعارضة، والوصف الذي لا يناسب [لا استثارة المظن إلا بظهوره وسبر] ما وراءه من العلامات والفوارق [فأول حصول الظن فيه] بالسبر؛ فيلزم ذلك بخلاف المناسب. قلنا: لا، بل رب وصف غير مناسب يصح التشبيه به؛ وهو بظهوره يستثير ظن الجمع قبل البحث عما وراءه. كقولنا: طهارة حكمية؛ فإنه ينبه في مبتدأ الأمر، على التقارب وعسر الفرق، قبل سبر الفروق الكثيرة المشهورة لأبي حنيفة بين التيمم [والوضوء]. ولو لم نكتف بما أظهره: للزمه أن يتكلم على كل [فرق مهم ويبين بطلانه]؛

стр. 389

ويتوجه عليه بالآخرة أن فرقا آخر غادرته ولم تطلع عليه. ولا منتهى له. فتكليف المعترض ذكره أولى من [تكليف المعلل] السبر؛ لأن المعترض لا يعدل عن الإظهار- مصرا على المطالبة [٥٨ - أ]- إلا لعلمه بضعف الفرق، وأنه لا يقاوم الجمع. فإن قيل: فليقبض من المعلل الوصف الذي يستثير الظن، دون الوصف الذي لا يستثير. قلنا: شرط ذلك في الجدال مستحيل؛ لأن إثارة الظن تختلف بالأشخاص، ويطول فيه النزاع: فيدعى المجيب أنه مثيره، وينكره المعترض، ولا يمكن إثباته بيمين ولا بشاهد؛ فربما لا تجرى المناظرة في مع، فإن جرت: فالجمع يختلفون- أيضا- في اعتقاد كون الوصف مثيرا. فاستحال- في مصلحة الجدال- فتح هذا الباب؛ بل وجب القول بأن ما لا يثير الظن- عند المنصف- فذلك: لأنه يجاوره على القرب ما هو أولى منه. فليذكره حتى يفتضح؛ فهو أولى من رد الأمر إلى معيار مضطرب: تختلف فيه القرائح والفطن [ويبقى النزاع ناشبا

стр. 390

لا ينقطع]، وهذا قطعي عندنا في مصلحة النظر، يعرفه من كثر تدواره على الأشباه في المناظرات. فإن قيل: [إن كان في فتح هذا الباب نوع عسر لا وفاء به، وضرب خصام لا مقطع له؛ ففي المصير إلى ما صرتم إليه، فتح باب في الهذيان: لا منتهى لقبحه، وتعترفون ببطلانه] من غير احتياج إلى الاعتراض عليه، كقول القائل: الخل مائع لا تنبى النقاطر على جنسه، فلا تزال النجاسة به كالدهن واللبن. وكقولهم: [الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه كالماء] وكقول بعض المستهزئين: الذكر طويل مستدار فلا تنتقض بمسه الطهارة كالمنارة. ولا ينقطع هذا الجنس عما ذكرتموه: بأنها حسيات؛ فإن الأوصاف الحسية قد تصلح للتشبيه والتعليل عندكم. ورب وصف حكمي لا يصلح، بل هو باطل بلبديهة، كقول القائل: تجب قراءة الفاتحة في الصلاة، لأنها عبادة ذات تحليل وتحريم، فيشترط فيها ذو عدد سبع: كالحج، أو أحد عددي صوم التمتع، فلا تصح الصلاة دونه كالثلاث. والمراد به: آيات الفاتحة.

стр. 391

أو: الثلاث إحدى مدتي المسح، فلا يجوز الاقتصار عليها في الصلاة كالواحد، إلى غير ذلك: من الهذيانات، فإن [من] مساق كلامكم أن كل ذلك مسموع: يجب الاعتراض عليه. قلنا: الذين ذهبوا إلى وجوب الاعتراض على الطرد بطريقه- كما تقدم- حاولوا الانفصال عن هذا الجنس، فقالوا: إنما يجوز التعليل بوصف موجود مع الحكم- وإن كان لا يناسب- بشرط أن يصلح لإضافة الحكم إليه. ومنهم من قال: يشترط أن لا تستحيل إضافة الحكم إليه. ومنهم من قال: يشترط أن يكون له في القلب خيال الصحة. وقطعوا- بهذه الشرائط- أمثال هذه الأمثلة، عما قبلوه. ونحن نقول: هذه الشرائط في الجدال فاسدة؛ إذ يكثر النزاع فيها، فأكثر الأوصاف يتنازع الخصمان في أنها تصلح، أو [أن] لا تستحيل إليه الإضافة، أو له في القلب خيال الصحة. فإن هذا يختلف بالطباع؛ ورب طرف ظاهر تتفق الطباع عليه، ولكن يعاند المعاند بذكره. فلابد من طريق في قطع لسانه، سوى تحكيم العقلاء، [أو تحكيم]

стр. 392

الحاضرين؛ [فإن الأمثلة الواضحة على الطرفين- في النفي، أو في الإثبات- مما يقل؛ والأكثر هو الأوساط الدائرة بين الطرفين ويطول فيه النزاع]. فأقول: هذه الأمثلة لا يتصور أن يذكرها جاد في الكلام؛ وإنما تذكر على سبيل الاستهزاء؛ [أو على طريق] اللعب بالمبتدئين، أو على طريق التحدي بتمشية الفاسد، وإفحام الخصم بالسلاح الضعيف، كمن [يزعم: أنه] يقاوم الأسنة بأحداقه، [ويصادم النبال بأشداقه؛ شجعا على ضعيف: لا يحتمل السيف والسنان. فإن فرض معاند يذكر شيئا من ذلك، أمكن إفضاحه- على قرب- بما يقطع لسانه، دون أن يذكر له أنا نعلم- بالضرورة- بطلانه؛ فإنه يقابل ذلك] بالجحد؛ وإنما علم بطلان هذه الأمثلة بالضرورة: بالطريق الذي ذكرناه أولا، وهو: وجود ما هو أولى منه [وأقرب]، ودرك قرب غيره بالبديهة من غير احتياج إلى تأمل. [فإن ذكر معاند ذلك، فطريق الجدال عندنا]: إفحامه بطريقه، وهو: أن يقال مثلا: استويا في الطول والاستدارة، ولكن افترقا في أن

стр. 393

هذا ذكر، وذلك ليس بذكر؛ وأن هذا يخرج منه المني، وذاك لا يخرج. [وهلم جرا إلى هذيانات تقابله]. فينقطع به ويجتزئ؛ ويقال [له]: لم يكن امتناع الإزالة بالدهن، لامتناع بناء القنطرة عليه؛ بل لما فيه: من الدسومة؛ بخلاف الخل. فيجتزئ. [ويقابل قوله: الخل مائع، فتجوز إزالة النجاسة بعينه، كالماء: بأن الخل ليس ماء، فيتعين إزالة] النجاسة بغيره، كالدهن. ولسنا نذكر هذا: لأنا نقدر عاقلا يتعلق بمثله، ويهدف نفسه للافتضاح، وعرضه للتعرض، [وإنما ذكرنا هذا: لنبين] أن طريق الجدال الاعتراض، كما ذكرناه. إذ التمييز بما تقدم لا ينقطع عنه الخصام، [ولا ينبغي أن تنفر الطباع عن هذا الكلام؛ وليعلم] أن امتحان القرائح بالمجادلة [بهذا الجنس] كامتحانه بالمجادلة بالحقائق. فهو- من حيث الإلزام والإفحام، ورعاية الانتظام في الكلام، ومؤاخذة الخصم في مضائق الخصام- غير مختلف. نعم: الامتحان بنوع من التحقيق تكثير فيه الجدوى، [أولى. فلذلك نرى هذا الجنس مهجورا

стр. 394

من ذوي الجد]. [وإنما يذكر هذا الجنس للعب] والاستهزاء. [٥٨ - ب] فبطلان هذا الجنس- عندنا- ليس لتمييزه عما تقدم بذاته، بل هو الوجه الذي يبطل به ما تقدم: من ظهور ما هو أولى منه؛ إلا أن ظهور غير ما ذكرناه في هذا المقام قد يدرك بديهة. وفيما تقدم قد يدرك بنوع تأمل. فهذا هو البيان الشافي في [إظهار] مصلحة المجادلة، وهي لازمة على كل قائل بالشبه لزوما ضروريا؛ وإن لم يقل به: انتهى في كل تشبيه نذكره، إلى الانقطاع الصريح الذي لا مخرج له منه بطريق الجدال، [إلا] بطريق الاستبصار والاستشهاد، ومجرد الاستبعاد من غير كلام ينصب في قال الجدال على السداد، فهذا منتهى المراد [في هذا الكلام].

стр. 395

القول في بيان ما يعده العامة من الشبه الذي قدمناه، وليس منه وهو أنواع ثلاثة ترجع جملتها إلى إتباع العلامات الجامعة، بعد قيام الدليل على وجوب طلب العلامة. فقد ذكرنا أن لقياس الشبه عمادين، يترجمها قولنا في حكم الربا: [انه] لابد من طلب علامة، ولا علامة إلا الطعم. وأن منشأ غموض هذا الجنس من القياس، قولنا: لابد من طلب علامة؛ والخصم ينكر هذا الوجوب، ويقول: العلامة المعرفة: الاسم المذكور في النص، أو الحد المعلوم بالإجماع؛ وإنما وجوب التعدي عند العثور على علامة مناسبة. فأما إذا سلمت المقدمة الأولى- وهو: أنه لابد من طلب علامة. فلا يسع لأحد من القائسين أن ينكر طريق السبر والترجيح، في تجاذب العلامات بعد حصرها بطريق الاجتهاد، إذا دل الدليل على وجوب إضافة الحكم إلى علامة زائدة على الاسم الخاص. النوع الأول من ذلك: إتباع الشبه في جزاء الصيد من التمثيل بالنعم، كمصيرنا إلى أن في النعامة بدنة، وفي اليربوع جفرة، وفي الغزال عنزا، وفي الظبية شاة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبشا،

стр. 396

وفي الأرنب عناقا، وفي الضب جديا [جمع الماء والشجر]؛ إلى غير ذلك. فهذا وأجناسه عده عادون من جملة قياس الشبه؛ واستدلوا عليه [بصحة التشبيهات] بالصفات الخلقية؛ وهو خيال باطل، [وتمثيل مائل. إذ] قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، فمن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل سن النعم﴾. فأوجب المثل وحصر في النعم، فكان طلب الوصف- الذي به تقع المماثلة- واجبًا بحكم النص. فسلمت المقدمة الأولى، وهي الغامضة من قياس الشبه، وإذا سلم ذلك فلا يمكن طلب المماثلة إلا بالخلقة، ولا تعويل إلا على المماثلة في الصغر والكبر؛ فإن الصيد والنعم لا يتماثلان في الألوان والصفات والعادات؛ فصار النظر في تعيين الصفات التي إليها النظر في المماثلة- واقعا من جملة النظر في المقدمة الثانية؛ وذلك ضرورة كل [قابل للشرع] [وقائل به. ومثاله:] إيجاب الشرع مهر المثل. وتعرفنا ذلك بالنظر إلى مثل الموطؤة من نساء العشيرة؛

стр. 397

وإنما يعرف كون غيرها مثلا لها: بالجمال والورع، والصلاح والنسب، وجميع الصفات؛ [بنوع نظر]. وكذلك أوجب الشرع الكفاية في نفقة الولد، وقيس به الوالد؛ إذ قال ﵇ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»؛ وإنما تعرف كفاية الولد، بالنظر إلى مثله: في السن والصحة، والقوة والسلامة، وغير ذلك: من صفات تؤثر في الحاجة إلى الطعام. ويلتحق بهذه الجملة معرفة القيم [المختلفات]؛ فإنها تعرف بالقياس إلى الأشباه والأمثال والنظائر. وتقدير كفاية الولد [بما ظهر] بالاجتهاد في النظر إلى المثل، أظهر من قياس الوالد على الولد، مع أن اعتباره [به] برابطة البعضية، يلتحق بالأقيسة المناسبة. فإذا كان هذا القياس أجلى من المؤثر، فكيف يدرج في غمار الشبه الضعيف [الذي قدمناه؟] أو كيف يستدل به على صحة الشبه الضعيف؟ فكل صفة تبعدنا بطلبها، فطلبها بالسبر والحصر والترجيح والاجتهاد حتم لا يسع [لأحد] خلافه. ولهذا نقل عن أبي هاشم

стр. 398

- هو من منكري القياس- القول بإتباع الشبه في مسئلة جزاء الصيد، متعللا؛ بأن ذلك منصوص عليه. فبان بذلك أن هذه رتبة علية في الاجتهاد؛ وسببه: ثبوت المقدمة الأولى بالنقل؛ وهو منشأ الغموض في قيس الشبه. فإن قيل: احتمل أن يكون المعنى بالآية المثل من النعم في القيمة؛ وهو أن يشتري بقيمته مثله من النعم. قلنا: إن كان هذا هو المراد، فرعاية المماثلة وإيجاب [٥٩ - أ] المثل من النعم أصلا بالشبه الخلقي- باطل قطعا؛ فإن كان المراد منه ما ذكرناه: فإيجاب القيمة باطل قطعا، أما النظر في أن المراد منه ماذا؟ [ف] طريقه طريق التأويل والتصرف في الألفاظ. وقد صح لنا- بعمل الصحابة وأفضيتهم في بلاد مختلفة، وأوقات متفاوتة، بمثل ما حكمنا به- أنهم فهموا من الآية ما ذكرناه. وغرضنا أنه إن بان [أن المراد] تلك المقدمة، لم يكن هذا من القياس؛ وإن لم يتبين: فليس طلبه من الآية على مذاق مأخذ وجوب

стр. 399

طلب العلامة في قاعدة الربا. النوع الثاني من ذلك: ما عرف مناط الحكم فيه بالإجماع، ثم سنحت واقعة تركبت من مناطين ازحما عليه، فتتجاذب أطراف الكلام في الترجيح. وهذا ينقسم: إلى ما يزدحم عليه المناطان المتناقضان، فيوجد كل مناط على كماله بتمام صورته. وإلى ما يتركب منهما، فيكون ممزوجا في ذاته، متركب المزاج من القسمين؛ فيتكلم فيه بالتغليب بالشوائب. أما مثال القسم الأول: فكنظرنا في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة؟ وهي تتقدر في نفسها؟ وذلك: لأن الإجماع منعقد على أن بدل الدم مقدر، وأن بدل المال غير مقدر، وقد ازدحم على العبد كلاهما؛ فهو إنسان كامل حامل لأمانة الله تعالى ومكلف كالأحرار؛ وهو مال متحول كالفرس والثوب. فمن قدر: لم يخرج عن تقدير بدل الدم، وهو مناط التقدير بالاتفاق. ومن لم يقدر: لم يخرج عن ترك التقدير في بدل المال، وهو علامة لعدم التقدير. ولكن ازدحمت علامتان: تناقض حكمها، وعلم كونهما علامة بالإجماع. فكانت العلامة في أصلها معلومة كونها مناطا، ومعلوم الوجود في المسئلة، فيتعين طريق الترجيح على كل قائل بالقياس. وكذلك القول في ضرب بدله على العاقلة. وكذلك القول في أنه

стр. 400

هل يملك أم لا؟ لأن الإنسان يملك والمال لا يملك؛ وهو موصف بكلا الأمرين: بالإنسانية والمالية. ولسنا نحيل أن يعثر باحث في هذه المسائل، على وصف يناسب حكمها في النفي والإثبات فيتبعه. ولكن لو قدر فقد المخيلات المناسبات، واعترف المعترف بها- وجب عليه طلب الحكم عن الطريق الذي ذكرناه. وكذلك قد لا يسلم أن المقدر بدل الدم، بل يقول: المقدر بد دم الحر؛ ويستشهد بالقليل القيمة. فيخرج النظر عن مقصود المنال. ولكن لو ترك ذلك الطريق- أيضا- فما ذكرناه- من طرق النظر-[متبع]، فلينتبه الناظر لمقصدنا من سياق كل كلام، ولا ينظرن بعين السخط، ولا يتشوفن- بسبب الحرص على الطعن- إلى تشويش هذه القواعد، بالتحوم على أمور غير مقصودة: قد لا نتعرض لأمثالها أحيانا، اتكالا على قرائح المسترشدين [وعلما منا بتنبههم لها دون التنبيه]. وإذا بان أن ما ذكرناه طريق، فليس هو من الشبه المقدم؛ فإنا قدمنا أن له عمادين، وأن الغموض في تمهيد العماد الأول، وهو: طلب العلامة مع الاستغناء عنها بالاسم المعروف. وهذا الغموض مندفع في هذا المثال أيضا.

стр. 401

وكذلك لا يبعد قول القائل: إن قياس الشبه- على الحد الذي تقدم في مسئلة الربا- في محل الاجتهاد، وليس مقطوعا [به]، وهذا- الذي ذكرناه الآن- القول به مقطوع به؛ بل يضطر إليه كل ناظر متقبل للشرع. ثم الترجيح في [مثل] هذا المقام، بين المناطين للحكم، قد يكون بالذات كقولهم: النفسية أصل والمالية عارض: إذا يبقى بعد العتق إنسانا، ولا تبقى المالية مع فوات الإنسانية. وقد يرجع بالالتفات إلى الأحكام، كقول أصحابنا: أن البدل مصروف إلى السيد؛ ترجيحا لقضية المالية، ورعاية لجبر جانبه، فليرع في القدر ما يحصل به الجبر، كما روعي في الأصل ذلك، إلى نظائر لذلك هو من مسالك الفقهاء، وقد استقصيناها في مواضعها. وقد لاح انفصال هذا- أيضا- عن الشبه الضعيف الذي قدمناه، وإن كان ذلك- أيضا- مقولا به. وقد نقل عن أبي هاشم أنه قال: لا يجوز أن يثبت بالقياس إلا حكم

стр. 402

ورد الشرع بجملته، فيدخل بالقياس تفصيل تحت الجملة الثابتة، حتى لو لم يثبت ميراث الجد والأخ على الجملة نصا، لما جاز الخوض في ميراثهما عند الاجتماع بالقياس. وظني أنه أراد بما ذكره استثناء القاعدة التي نحن فيها، عن محل إنكاره من المقاييس. فإنه ثبت جملة أن بدل الدم مقدر، وأن بدل لدال غير مقدر؛ ونحن- على أي وجه ترددنا- لم ننحكم بما لم يرد الشرع بجملته؛ بل أدخلنا واحدا مفصلا تحت جملة سابقة معلومة بالشرع. فبهذا يتبين انقطاع هذا عن الشبه المذكور الممثل بعلة الربا، وهو واضح لا شك فيه. وإذا عقل وجه الفرق: فلا حرج في إطلاق لفظ الشبه [٥٩ - ب]، فهو صالح لأن يطلق على كل قياس. ومثال القسم الآخر- وهو: المركب المزاج في ذاته من العلامتين والمناطين للحكم- قولنا: أن [حكم] اللعان مشوب مركب من شائبة اليمين والشهادة؛ لأنه يتقيد بقوله: أشهد، ويتقيد بالحلف الذي يتضمن تصديق الحالف؛ فإذا سنح حكم في اللعان: لا يتوافق فيه اليمين والشهادة؛ وجب الترجيح بالتغليب لأحد الشائبتين. وكذلك إذا قلنا: إن حد القذف مركب من حق الله ،

стр. 403

وحق الآدمي. ففيه شائبتان؛ والكفارة مركبة من العقوبة والعبادة؛ وزكاة الفطر مركبة من المؤونة والعبادة؛ والظهار مركب من الطلاق والقذف. فإذا اتفق حكم هذه الشوائب: لم تشتبه، وإذا تناقضت: وجب النظر إلى الغالب. ويعرف الغالب مرة بالنظر إلى الذات، والبحث عن خاصية [نفس] كل ركن قدر شائبة. وقد يعرف بكثرة الأحكام، وقد يعرف بوجود حكم خاص قوي في الشهادة للمقصد المعلوم. وكل ذلك يعلم بطلب من هذه المسالك: إذا فقدت المعاني المناسبة. وغرضنا أنها إذا فقدت: فالأخذ من هذه الجهات واجب بالإتقان بين القائسين. وليس ذلك واقعا في محل الخلاف المقدم في قياس الشبه السابق: لأن مناط الحكم معلوم بالإجماع، وقد وجد على مزاج التركيب، فهو كمتولد من أصلين مختلفين، ومتركب في المحسوسات من لونين يعرف بالحس أن الغالب عليه أيهما، فكذلك يعرف بالنظر في هذا المقام. وقد يتقابل الأمر فيتوقف المجتهد، كما تردد الرأي في أن الظهار إذا تكرر على التوالي هل يتعدد حكمه؟

стр. 404

والقذف إذا تكرر لم يتكرر حكمه، وهو خبز زور كالقذف؛ والطلاق إذا تكرر: تكرر حكمه، والظهار من طلاق الجاهلية وهو سبب للتحريم؛ وقد تصرف الشرع فيه بنوع من التغيير. ويمكن إلحاق هذا المثال بالشبه السابق؛ فإنه ليس يتبين أن علامة التكرار كونه طلاقا، وأن علامة عدم التكرار كونه قذفا؛ فإن كان: فالظهار ليس طلاقا ولا قذفا. ولكنه جنس آخر: شابه القذف بصيغته، وهو: أنه كلمة زور؛ وشابه الطلاق بحكمه، وهو: أنه سبب للتحريم. فإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ تكرر حكمه. وإذا قال: أنت زان أنت زان، أنت زان؛ لم يتكرر حكمه. فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي [أنت علي كظهر أمي] فهو دائر بين [هاذين] الأصلين، وقد قررنا عدم العثور على علة تناسب التكرار وعدمه؛ فالوجه أن يقابل الطلاق بالقذف، وتطلب علامة

стр. 405

فارقة: إذا لم نعثر على مناسب فارق. ونعرض الظهار على تلك العلامة. ويلتحق هذا الوجه- من التمثيل- بالشبه الذي تقدم وإنما غرضنا أن المركب تحقيقا يجب الحكم فيه بطريق التغليب، فلو [أنكرنا القول] بالشبه السابق لوجب القول بهذا الجنس. فإن قيل: فما وجه غلبة الظن فيه؟ قلنا: إذا ثبت أن إحدى الشائبتين أغلب، فثبوت الحكم على وفقها أغلب على الظن من ثبوت الحكم على وفق الشائبة المغلوبة؛ لأنا نقدر المناط الشرعي متضمنا لوجه في المصلحة واللطف غاب عنا، ونقدره مقرونا بالعلامة والمناط الظاهر، فإذا غلب ذلك المناط: كان ذلك دليلا على غلبة المصلحة التي هي في ضمنه، بحسب غلبتها. نعم: لا ننكر- من حيث التجويز- احتمال تغير المصلحة بهذا التركيب؛ ولكن كما نتوهم تغير مصلحة العلامة الغالبة، نتوهم- أيضا- تغير مصلحة العلامة المغلوبة. والتغيير إلى المغلوب أقرب، وبه أولى: إذ نقدر وجود حيزين من المصلحة بحسب وجود العلامتين؛ فنقدر غلبة مصلحة العلامة الغالبة، على مصلحة العلامة المغلوبة؛ فابتاعه أغلب عند المقابلة بمعارضة المغلوب في جواره. وإنما الغموض في بيان وجه

стр. 406

التغليب. فأما بعد وضوحه، فلا غموض في وجوب إتباعه. فإن قيل: إنما أثبت الشرع الحكم عند اتحاد مزاج المناط والعلامة؛ فإذا تركب كان المركب واقعة أخرى غير المفرد؛ فلم تكن إضافة الحكم إلى المناط فيه واجبا، فمن يدعي وجوب طلب العلامة، فعليه الدليل. وعند ذلك يلتحق القول بالشبه الذي قدمتموه؛ إذ تطرق النزاع إلى المقدمة الأولى، كما سبق. قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن وجوب طلب المناط ها هنا ظاهر، لأن الحكم متناقض، والتخلية عنهما غير ممكن، والجمع غير ممكن، والتخصيص لا يعقل إلا بالترجيح؛ فكانت هذه الضرورة ظاهرة في وجوب طلب الترجيح. لا كواقعة الربا: إذ لا ضرورة في طلب علامة بعد معرفة الحكم باسمه؛ ولم يتركب الجص من أصلين: عرف [٦٠ - أ] ارتباط الحكم بأحدهما على القطع في الشرع؛ حتى يتعين تغليبه. فكان هذا من فن لا ينازع فيه المنكرون للشبه، ولا تسعهم المنازعة فيه. والدليل على أن الاحتمال الأغلب يجب إتباعه في هذا الجنس، ما روى عنه- ﷺ أنه قال لفاطمة بنت أبي حبيش وقد استحيضت: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي

стр. 407

عنك الدم وصلي». وهذا لا يقال إلا لمن تميز بين الدمين بلون السواد، على ما عرف؛ وهو علامة على الحيض تميزه عن الاستحاضة، وليست قاطعة، ولكنها علامة ظاهرة تحتذى، ويشبه ذلك قياس المعنى المناسب: فإن العلة المناسبة تحتذى وتتبع وجودا وعدما. وقد روى أنه- ﵇ قال لأخرى حين استفتت لها أم سلمة رضوان الله عليها: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، ثم لتغتسل ولتستتفر بثوب ولتصل». وإنما قال ذلك لمن أعوزها التمييز. وهو مشبه بقياس غلبة الشبه، فإن العادة تحتمل التغيير؛ ولكن- مع ذلك- الاستمرار أغلب من التغيير؛ فرد إلى الأغلب، وترك الاحتمال

стр. 408

المغلوب بالإضافة إليه. وقال ﷺ لحمنة بنت جحش وقد استحيضت: تحيضي في علم الله ستا أو سبعا، كما تحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن»، وهذه كانت قد أعوزها التمييز والعادة؛ فردت إلى عادة النساء: لأن الموافقة أغلب على الطباع- مع اتحاد الإقليم والبلد- من المخالفة، والمخالفة- أيضا- غالبة ليست نادرة؛ ولكنها- بالإضافة إلى الموافقة- مغلوبة، وهذه رتبة دون الرد إلى عادتها، والرد إلى عادتها دون الرد إلى التمييز. وكل ذلك إتباع للظن، وهو شاهد لصحة إتباع الأغلب في تغليب الشوائب: من حيث أن الحيض عرف حكمه نصا، والاستحاضة عرف حكمها نصا؛ ووقتها بعد مجاوزة يوم وليلة من أول الاستحاضة إلى خمسة عشر [يوما]، متردد محتمل للحيض والاستحاضة، فأمرنا أن نأخذ بأغلب الاحتمالات عند الاشتباه. وهو راجع إلى تمييز مناط عن مناط، معلومين بالشرع بالظن الغالب، فهو يشهد لهذا الجنس. وقد يشهد أيضا- من بعد- الشبه الذي ذكرناه في مسئلة الربا- وهو المختلف فيه بين العلماء- بعد ما ثبت وجوب طلب

стр. 409

العلامة؛ فأنا- في مدارج العلامات- نأخذ بالأقرب فالأقرب، والأغلب [فالأغلب]، كما أمرنا في هذه القاعدة بإتباع العادة مع التمييز؛ وهي علامة ناجزة قد تقرر ضعفها، ولكن عند عدمها تتعين؛ وعادة النساء مع وجود عادتها كالطرد الساقط المغلوب، ولكن- عند عدم عادتها- إتباعها أولى. ثم يحتمل أن يقال: إتباع نساء العشيرة أولى، لأن الموافقة فيه أغلب من إتباع نساء البلدة؛ ولكن قد يترك لنوع عسر يلفى فيه، فإنه ربما تختلف العادة بعمتيها وخالتيها، وأختيها: وكانت إحدى الأختين مثلا لأب وأم والأخرى لأب، إلى غير ذلك: من اضطرابات لا يمكن الوفاء بها، [وغالب عادة] النساء على الست والسبع أمر مستمر لا يختلف؛ فيرجع إليه لذلك. وهو بعينه نظير التدوار على مراتب العلامات: في القرب والبعد، والخصوص والعموم، كما سبق ذكره في مسئلة [علة] الربا. النوع الثالث من ذلك: ما علم مناط الحكم فيه على الجملة، ووقع

стр. 410

النظر في تنقيح المناط: بإلغاء بعض القيود والاختصاصات أو اعتبارها، والتداور فيها على أمور عقل من الشرع تأثيرها في الأحكام. وذلك ينقسم: إلى ما عرف المناط فيه بورود الحكم مرتبا على وقوع الواقعة، وإلى ما عرف بالإضافة اللفظية بصيغة التسبيب؛ من الترتيب بفاء التعقيب، وترتيب الجزاء على الشرط، كما سبق في مسالك الإيماء، وإلى ما عرف مناط الحكم فيه بحدوث الحكم عند حدوث العارض.

стр. 411

مثال القسم الأول- وهو المعلوم بالورود على الواقعة- ما روى أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ : هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: «أعتق رقبة». ففهم من مورد الشرع أمران، أحدهما: وجوب الكفارة على الأعرابي. والثاني: تعليقه بما صدر منه، وجعل الفعل الصادر منه موجبا. ولم يكن هذا كورود الشرع بتحريم الخمر، وجريان الربا في البر، فإنه لا يفهم من مجرد وروده إلا الحكم في المحل المسمى، ولا يفهم تعليق الشرع إياه بمناط [الحكم ومتعلقه]، بل تستثار- بالاستنباط والنظر- علته ومتعلقه. وفي مثالنا هذا، عرف الحكم على السائل، وعلم وراءه تعلقه بسبب، وهو الصادر منه. ثم الصادر منه مقيد بقيود، وواقع على [٦٠ - ب] أنواع خصوص؛ فالنظر في حذف تلك القيود أو اعتبارها- تداورا على ما عقل من مورد الشرع، وفهم كونه داخلا في الاقتصار والإيجاب- نظر واجب مقول به بالاتفاق. ولا يجوز أن يكون واقعا في رتبة الشبه المختلف فيه، بل لا يجد قياس إلى إنكار هذا الجنس، سبيلا.

стр. 412

ولذلك قاس [به] أبو حنيفة في إلحاق الأكل بالجماع، مع إنكاره القياس في الكفارات. وقد عبر بعض الأصوليين- عن هذا الجنس- بالاستدلال على موضع الحكم، وزعم: أن ذلك لا يسمى قياسا، وسماه أبو زيد الدبوسي: دلالة الخطاب. وسماه فريق: قياس الشبه. وغرضنا أن نبين أنه [مقول به] بالاتفاق، وليس داخلا في قبيل الشبه الذي اختلف فيه المتقبلون للقياس. وبيان هذا الجنس من التصرف بالمثال: أن الجماع في حق الأعرابي وقع على وجوه في الخصوص؛ إذ كان حرا بالغا ذكرا، فالحكم به في العبد والصبي والمرأة إذا جومعت- مأخوذ من النظر في تنقيح المناط. وهو بالإضافة إلى المرأة- أيضا- تقيد بخصوص: إذ صادف آدمية حية أنثى منكوحة حرة. فالحكم به في الجماع المصادف للبهيمة، والميتة، والإتيان في غير المأتى من الرجال والنساء، وفي المملوكة التي ليست منكوحة، وفي المنكوحة الرقية، وفي الأجنبية المحرمة- مأخوذ من فهم المناط [وتنقيحه].

стр. 413

وهو بالإضافة إلى العبادة التي لاقاها وأفسدها، مقيد بكونه صوما فرضا أداء عن رمضان. فالحكم فيما ليس بصوم كالحج، وفي النفل في أداء صوم آخر، وفي القضاء- مأخوذ من فهم المناط. وهو بالإضافة إلى نفسه- أعني الجماع- مخصوص بكونه إفطارا بمقصود، وهو قضاء شهوة الفرج. فالحكم في ابتلاع الحصاة وليس بمقصود، وفي الأكل وليس بقضاء شهوة الفرج- مأخوذ من النظر في فهم المناط. فهذه وجوه من القيود والخصوص اتفقت [في الواقعة التي فيها الحكم]. وبعضها محذوف لا مدخل له في الاقتضاء، وبعضها معتبر، وبعضها مختلف [فيه، و] التدوار- في الإلغاء والإبقاء- على تأثيرات معقولة من مورد الشرع، ومناسبات مفهومة تترقى في رتبتها عن الشبه المقدم المختلف فيه، ولذلك لا يتصور الخلاف من القائسين، في [هذا] الجنس. والضبط في هذا: أن ما عرف كونه مؤثرا أو مؤيدا لتأثير الأصلي، فلا يلغي، وما علم أنه لا مدخل له في اقتضاء الحكم، فيلغى

стр. 414

وبيانه: أن القيد في حق المجامع بالحرية والذكورة والبلوغ. أما البلوغ فمراعى، فلو جامع الصبي في نهار رمضان وهو صائم، فلا كفارة عليه؛ لأنها- على الجملة- منوطة بنوع جناية على حق الله ، على مذاق العقوبات، وقد بان من الشرع أثر الصبا في إسقاطه، فلا يلحق به الصبي. وأما العبد، فيلحق به. وهو كالحر المعسر، لأنهما- في التكليف ووجوب عبادة الصوم- يستويان، ولم يعرف للرق تأثير في التسليط على إفساد العبادات. وأما المرأة فملحقة عند أبي حنيفة- وهو أحد قولينا- بالرجل، وإن لم يتعرض لها رسول الله ﷺ ، لأن كل عقوبة منوطة بالجماع، سوى الشرع فيها بين الرجل والمرأة. ونحن [قد] تفرق- على قول-: [لأنها ما] أفطرت بالجماع؛ أو لأن للأنوثة تأثيرا في إسقاط الغرامات المالية المتعلقة بالجماع: كالمهر، وثمن ماء الغسل، وغيره.

стр. 415

وأما القيود في حق المحل- وهو المرأة- فلا تأثير للحرية ولا للحل قطعا، فالأمة والأجنبية في معنى المنكوحة الحرة: إذ لم يعرف للنكاح وللحل مدخل في إيجاب الكفارة، فالتحق ذلك بالزمان المخصوص والمكان المخصوص، إذ لا مدخل لهذه الأوصاف في التأثير، ولا في تأييد المؤثر، إذ عقل أن الكفارة وجبت لنوع جناية [على حق الله تعالى] والجناية لا تتأثر بهذه الصفات، كما لا تتأثر بالزمان والمكان. وأما جماع الميتة والبهيمة والإتيان في غير المأتى، فهو في محل النظر: فالشافعي- ﵁ يوجب الكفارة؛ فإنه قضاء شهوة

стр. 416

بالجماع. بخلاف الإنزال بين [غضون السمن والأفخاذ]. فإن ذلك ليس جماعا. وأبو حنيفة يقول: هذا يسمى جماعًا مجازًا، وليس المحل محل الشهوة في الأصل، إلا في حق المضطر. فلا تتعدى إليه الكفارات. وأما قيود العبادة، فهي مرعية. فأما إفساد الحج بالجماع، فقد ورد نص بالواجب فيه، وأما القضاء والتطوع وغير صوم رمضان- فلا يلتحق به. إذ عرف من الشرع تعظيم هذا الشهر الحرام. فكان له تأثير في تفخيم الجناية وتفاحشها. فلم تحذف هذه القيود. وأما الجماع نفسه، فقد ذهب مالك- ﵁ إلى حذف

стр. 417

قيوده، وأوجب بابتلاع الحصاة، وقال: الجناية من حيث كان إفسادا، والكل مفسد: موجب للقضاء مفوت لفضيلة الوقت. وأبو حنيفة اعتبر كمال الإفطار بمقصود تتشوف النفس إليه [٦١ - أ] فإن هذه عقوبة بإزاء جناية، فتتأثر بما يؤثر في إثارة [باعثة] التشوف. فساعده عليه الشافعي- ﵁ وزاد، فاعتبر كونه جماعا: لأن توقان النفس إليه لا يسكن بمجرد وازع الشرع؛ وقد ظهر للجماع المحظور تمييز في الشرع عن غيره، إذا صادف الحج أو ملك الغير. فهذه وجوه من التصرفات معقولة من مورد الشرع. إذ فهم أن الكفارة منوطة بنوع الجناية، وفهم مناسبتها وتأثيرها. فحكم التأثير في إلغاء القيود وإبقائها. فكان ذلك كلاما واضحا، ومسلكا في التصرف لائحا؛ مترقيا عن غموض الشبه المختلف فيه الذي قدمناه. فمن سماه شبها- على ذلك التأويل- فقد غلط. لأن وجه الغموض فيه: [في] انتهاض طلب علامة متعدية [بعد] تعرف الحكم باسمه في محله، والاستغناء عن طلب المناط. وفي هذا المقام فهم الحكم، وفهم معه ارتباط

стр. 418

الحكم، وتعلقه [بسببه ومناطه]. فإن قيل: هذا الجنس الذي ذكرتموه هو الذي عبر عنه عامة الفقهاء: بما في معنى الأصل. فغيرتم العبارة عنه، وبدلتم كسوته بالتلقيب: بتنقيح مناط الحكم. قلنا: معظم الأغاليظ والاشتباهات، ثارت من الشغف بإطلاق ألفاظ دون الوقوف على مداركها ومآخذها، فلسنا نمنع من إطلاق هذه العبارة بعد فهم هذا المأخذ. وإنما المنكر أن يظن الظان- في هذه المسألة ونظائرها- أن غير الوارد ألحق بالوارد، بمجرد التقارب والتشابه، دون فهم الاستواء في السبب [بعد فهم] السبب، ورجوع الافتراق إلى ما لا تأثير له في السبب. وقد يظن العامة أن ذلك من القرب المحض، وهيهات، فإنا نلحق الأمة بالعبد [في قوله ﷺ ]: «من أعتق شركا له في عبد». ونلحق العبد [بالأمة] في قوله : ﴿فإذا أحسن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. وقد انعقد الإجماع على إجبار السيد الأمة على النكاح. وليس يمكن إطلاق القول بأن العبد في معناها. فلئن كان [هذا] مأخوذا من القرب، فالقرب لا يختلف باختلاف الأحكام.

стр. 419

بل هو مأخوذ من العلم بأن مناط السراية: العتق من الشريك، ومناط التشطير: الرق، ولا مدخل للأنوثة والذكورة في الرق والعتق؛ فاستويا في السبب، واختلفا فيما لا مدخل له في [تغيير] السبب. وللأنوثة والذكورة تأثير في تغيير أمر النكاح. فإن الأنثى مملوكة بالنكاح والذكر مالك: فلم يغن قول القائل: إن [السبب المسلط على] إجبار الأمة: ملك اليمين؛ والعبد يشاركها فيه. فإنه- مع المشاركة- فارقها فيما لا مدخل له في التأثير في هذا الجنس من الحكم. وكذلك ألحقنا العبد بالحر المعسر في الكفارة في جماع الأعرابي، ولم نلحق العبد بماعز في الرجم على الزنا. والتقارب في المسألتين واحد من حيث الظاهر. وكذلك ألحقنا المرأة بماعز في الرجم، وترددنا في إلحاقها بالأعرابي في الكفارة، والتقارب في المسئلتين واحد من حيث الظاهر. فعلم أن المستند فيه ما تقدم، وهو ما عرف من الشرع: من تأثير الرق في تخفيف عقوبة الزنا؛ بالنص مرة، وبالنظر أخرى. فدل أن [مناط المعرفة] في هذه المسائل العلم بمقدمتين؛ إحداهما: الاشتراك في السبب. والثانية: رجوع الافتراق إلى ما لا مدخل له في

стр. 420

الحكم، وهو- على التحقيق- راجع إلى تتمة المقدمة الأولى. وهو الاشتراك في السبب. فإن كانت المقدمتان معلومتين: لم تختلف فيه القرائح، وعبر عنه: بأنه في معنى الأصل. وإن كانتا مظنونتين: أمكن تقرير النزاع فيه. ومن عرف هذه الحقائق فلا حرج عليه في إطلاق العبارات. مثال القسم الثاني- وهو: ما عرف كونه مناطا بالإضافة اللفظية- كقوله ﵇: «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي». فهذا بطريق الترتيب بصيغة الجزاء والشرط. وقوله ﵇: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعا إحداهن بالتراب» وهذا من طريق الترتيب بفاء التعقيب، وهو- أيضا- للتسبيب. فقد علم- على الجملة- بمجرد سماع الحديث الأول أن إعتاق أحد الشريكين نصيبه سبب للسراية إلى الباقي، وأنه موجب له ومناط لحكمه، وإنما النظر: في تنقيح المناط بإلغاء قيود وإبقائها. ففي قوله: أعتق «قيد عن البيع والطلاق وسائر التصرفات، وفي قوله: شركا» قيد عن نصف العبد المستخلص، والبعض المعتق من العبد.

стр. 421

[وفي قوله: له» قيد عن إعتاقه ملك الغير]. وفي قوله: من عبد قيد عن الأمة. فأما قيد العتق فمرعى؛ فمن باع شركا له في عبد: لا يسري إلى الباقي ولا يقوم عليه؛ إذ عرف بالشرع نوع قوة وغلبة المعتق لم تعرف للبيع؛ ولذلك يستدعى البيع شرائط يفسد بفواتها، ويفسد بزيادة شرط فاسد، إلى غير ذلك من الأمور، فلم يلغ هذا القيد. نعم: لو ألحق به طلاق البعض وحكم بسرايته، فله وجه: لأن الطلاق والعتاق قريبان [٦١ - ب] في الشرع: في القوة والنفوذ وقبول التعليق بالاغرار وغيره فيظهر تساويهما في عدم قبول التجزي. وأما قوله: شركا فهو قيد عن نصف العبد المستخلص، وهو ملغي: فإن السراية إلى ملكة تلتحق بالسراية إلى ملك الغير بطريق الأولى، وجرى التقييد بالشرك للعادة. وقوله: له قيد معتبر لا يلتحق به توجهه العتاق على نصيب الشريك، لأن ذلك يخرج العتق عن كونه عتقا: [فإنه] لا ينفذ بنفسه. وأما قوله: من عبد» فقيد محذوف: لأن الأمة في السبب كالعبد؛

стр. 422

ولا مدخل للأنوثة في تغيير ما يناط بالعتق والرق، وإنما جرى ذكر العبد وفاقا بسبقه إلى اللسان. كقوله ﵇: «أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه». والمعني بالرجل: الجنس. وكان إلغاء هذه القيود مستندا إلى فهم عادة البيان، إذ الفصيح قد يبين الجنس بذكر بعض الصور. كقول القائل مثلا: من باع ثوبا زال ملكه، وهو يريد به جميع الأمتعة: من الفرش والدار. ولكن نبه بالبعض على الكل. وبذكر واحد من الجملة على الجملة. فهذا ما يجزئا على إلغاء هذه القيود المصرح بها، مع [ما] تقدم: من الاشتراك في السبب، ورجوع الافتراق إلى ما يعرف أنه لا مدخل له [في الحكم]. وذلك قد يعلم كما ذكرناه. وقد يظن كقولنا في إعتاق البعض المعين. فإنا نقول: السبب- بعد التنقيح- هو: إعتاق بعض الرقيق، وهذا بعض، ولا أثر للشيوع؛ ولكن خروج الشيوع عن كونه داخلا في التأثير، مظنون غير معلوم. والغرض أن المظنون والمعلوم من هذه الجملة، دائر على مراتب في النظر معقولة، تترقى عن لا شبه المختلف فيه. والمنكرون لذلك الجنس قائلون بهذا الفن، لا محالة. فأما قوله ﵇ «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله»، فالولوغ مقيد عن الكروع وغيره. والكلب قيد عن سائر الحيوانات، حتى

стр. 423

الخنزير، والإناء قيد عن الثوب وغيره. وقوله: فليغسله» قيد عن فعل آخر: من لفرك والتشميس وغيره؛ وقيد عن غسل غير صاحب الإناء. وقوله: سبعا» قيد عن سائر الأعداد سواه. وقوله: إحداهن بالتراب» قيد عن الصابون والأشنان وغيره. فلينظر الناظر: كيف يتصرف في هذه القيود؟ فنقول: المعقول الجملي أو تغليظ الشرع نجاسة هذا الحيوان. فأما الولوغ، ففي معناه الكروع: لأنه دل على نجاسة سؤره، وعرقه عند الشافعي- ﵁ في معنى لعابه، وأبو حنيفة لا يراه في معناه، ويرى هذا القيد مرعيا. وذلك: لتنازعهما في آن

стр. 424

المعقول من الحديث نجاسة الكلب، أو نجاسة سؤره على الخصوص؟ وهذا أمر فهمي عقلي، وقد يستمد من [شواهد] الشرع. فعند الشافعي- ﵁ جرى ذكر الولوغ على الغالب، تنبيها على النجاسة المطلقة، كما جرى ذكر الإناء على الغالب: فإنه يغسل الثوب من لعابه اتفاقا، كما يغسل من ولوغه الإناء، فذكر الإناء تنبيه على الجنس: إذ العادة أن الكلب [إنما] يلغ في الأواني. وأما تخصيص الكلب، [< فـ > لم يمكن الغاؤه]، وإلحاق سائر الحيوانات أو الحيوان الذي لا يؤكل لحمه، أو السباع [به]. فإن الكلب سبع وحيوان وغير مأكول اللحم وكلب؛ فكان لخصوص وصفه، أثر في التنجيس؛ عرف ذلك من شواهد الشرع: في تخصيصه بمزايد التغليظ والتشديد، فلم يلغ هذا القيد. نعم: ينقدح تردد في الخنزير؛ فإنه أخوه: في نظر الشرع، والأمر باجتنابها وتحريمها وتنجيسها، فيحتمل أن يقال: يغسل من [نجاسته سبعا]، فإنهما أخوان كالطلاق والعتاق. على ما ذكرناه في قضية السراية؛ فكأنا نعلل نجاسته بتغليظ أمره في الشرع؛

стр. 425

ونلحق به الخنزير على رأي، وهو من قبيل القياس المناسب المستنبط، لا من قبيل المناط. أما قوله: فليغسله» فلا يلتحق به الفرك والتشميس [ولا غيره]، لما عرف: من أثر الغسل في الشرع. ثم هو متناول للغسل بكل مائع؛ ولكنا نزيد قيدا: فنقيده بالغسل بالماء، لما عرف: من اختصاص الماء. وكما أن ذكر بعض القيود بالعادة من جملة البيان، فإخلال البعض- أيضا- اتكالا على الفهم بالعادة- من جملة البيان. فأما تقييده عن غسل غير صاحب الإناء، فساقط؛ فالمفهوم وجوب الإزالة [٦٢ - أ] ولكن ذكر صاحب الإناء على العادة. وأما قوله: سبعا» فلا يقوم مقامه عدد آخر. وأما قوله: بالتراب» فاختلف فيه؛ فمنهم من ألحق به الصابون والأشنان، وقال: المعقول مزيد تغليظ بجمع غير الماء إلى الماء، وذكر
следующие страницы →