← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[وفي قوله: له» قيد عن إعتاقه ملك الغير]. وفي قوله: من عبد قيد عن الأمة. فأما قيد العتق فمرعى؛ فمن باع شركا له في عبد: لا يسري إلى الباقي ولا يقوم عليه؛ إذ عرف بالشرع نوع قوة وغلبة المعتق لم تعرف للبيع؛ ولذلك يستدعى البيع شرائط يفسد بفواتها، ويفسد بزيادة شرط فاسد، إلى غير ذلك من الأمور، فلم يلغ هذا القيد. نعم: لو ألحق به طلاق البعض وحكم بسرايته، فله وجه: لأن الطلاق والعتاق قريبان [٦١ - ب] في الشرع: في القوة والنفوذ وقبول التعليق بالاغرار وغيره فيظهر تساويهما في عدم قبول التجزي. وأما قوله: شركا فهو قيد عن نصف العبد المستخلص، وهو ملغي: فإن السراية إلى ملكة تلتحق بالسراية إلى ملك الغير بطريق الأولى، وجرى التقييد بالشرك للعادة. وقوله: له قيد معتبر لا يلتحق به توجهه العتاق على نصيب الشريك، لأن ذلك يخرج العتق عن كونه عتقا: [فإنه] لا ينفذ بنفسه. وأما قوله: من عبد» فقيد محذوف: لأن الأمة في السبب كالعبد؛

стр. 422

ولا مدخل للأنوثة في تغيير ما يناط بالعتق والرق، وإنما جرى ذكر العبد وفاقا بسبقه إلى اللسان. كقوله ﵇: «أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه». والمعني بالرجل: الجنس. وكان إلغاء هذه القيود مستندا إلى فهم عادة البيان، إذ الفصيح قد يبين الجنس بذكر بعض الصور. كقول القائل مثلا: من باع ثوبا زال ملكه، وهو يريد به جميع الأمتعة: من الفرش والدار. ولكن نبه بالبعض على الكل. وبذكر واحد من الجملة على الجملة. فهذا ما يجزئا على إلغاء هذه القيود المصرح بها، مع [ما] تقدم: من الاشتراك في السبب، ورجوع الافتراق إلى ما يعرف أنه لا مدخل له [في الحكم]. وذلك قد يعلم كما ذكرناه. وقد يظن كقولنا في إعتاق البعض المعين. فإنا نقول: السبب- بعد التنقيح- هو: إعتاق بعض الرقيق، وهذا بعض، ولا أثر للشيوع؛ ولكن خروج الشيوع عن كونه داخلا في التأثير، مظنون غير معلوم. والغرض أن المظنون والمعلوم من هذه الجملة، دائر على مراتب في النظر معقولة، تترقى عن لا شبه المختلف فيه. والمنكرون لذلك الجنس قائلون بهذا الفن، لا محالة. فأما قوله ﵇ «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله»، فالولوغ مقيد عن الكروع وغيره. والكلب قيد عن سائر الحيوانات، حتى

стр. 423

الخنزير، والإناء قيد عن الثوب وغيره. وقوله: فليغسله» قيد عن فعل آخر: من لفرك والتشميس وغيره؛ وقيد عن غسل غير صاحب الإناء. وقوله: سبعا» قيد عن سائر الأعداد سواه. وقوله: إحداهن بالتراب» قيد عن الصابون والأشنان وغيره. فلينظر الناظر: كيف يتصرف في هذه القيود؟ فنقول: المعقول الجملي أو تغليظ الشرع نجاسة هذا الحيوان. فأما الولوغ، ففي معناه الكروع: لأنه دل على نجاسة سؤره، وعرقه عند الشافعي- ﵁ في معنى لعابه، وأبو حنيفة لا يراه في معناه، ويرى هذا القيد مرعيا. وذلك: لتنازعهما في آن

стр. 424

المعقول من الحديث نجاسة الكلب، أو نجاسة سؤره على الخصوص؟ وهذا أمر فهمي عقلي، وقد يستمد من [شواهد] الشرع. فعند الشافعي- ﵁ جرى ذكر الولوغ على الغالب، تنبيها على النجاسة المطلقة، كما جرى ذكر الإناء على الغالب: فإنه يغسل الثوب من لعابه اتفاقا، كما يغسل من ولوغه الإناء، فذكر الإناء تنبيه على الجنس: إذ العادة أن الكلب [إنما] يلغ في الأواني. وأما تخصيص الكلب، [< فـ > لم يمكن الغاؤه]، وإلحاق سائر الحيوانات أو الحيوان الذي لا يؤكل لحمه، أو السباع [به]. فإن الكلب سبع وحيوان وغير مأكول اللحم وكلب؛ فكان لخصوص وصفه، أثر في التنجيس؛ عرف ذلك من شواهد الشرع: في تخصيصه بمزايد التغليظ والتشديد، فلم يلغ هذا القيد. نعم: ينقدح تردد في الخنزير؛ فإنه أخوه: في نظر الشرع، والأمر باجتنابها وتحريمها وتنجيسها، فيحتمل أن يقال: يغسل من [نجاسته سبعا]، فإنهما أخوان كالطلاق والعتاق. على ما ذكرناه في قضية السراية؛ فكأنا نعلل نجاسته بتغليظ أمره في الشرع؛

стр. 425

ونلحق به الخنزير على رأي، وهو من قبيل القياس المناسب المستنبط، لا من قبيل المناط. أما قوله: فليغسله» فلا يلتحق به الفرك والتشميس [ولا غيره]، لما عرف: من أثر الغسل في الشرع. ثم هو متناول للغسل بكل مائع؛ ولكنا نزيد قيدا: فنقيده بالغسل بالماء، لما عرف: من اختصاص الماء. وكما أن ذكر بعض القيود بالعادة من جملة البيان، فإخلال البعض- أيضا- اتكالا على الفهم بالعادة- من جملة البيان. فأما تقييده عن غسل غير صاحب الإناء، فساقط؛ فالمفهوم وجوب الإزالة [٦٢ - أ] ولكن ذكر صاحب الإناء على العادة. وأما قوله: سبعا» فلا يقوم مقامه عدد آخر. وأما قوله: بالتراب» فاختلف فيه؛ فمنهم من ألحق به الصابون والأشنان، وقال: المعقول مزيد تغليظ بجمع غير الماء إلى الماء، وذكر

стр. 426

التراب لوجوده غالبا، وهذا كالضعيف الذي لا يصلح للاعتماد عليه. فهذا مساق هذه التصرفات؛ ومآخذها أمور معقولة من سياق الكلام، مفهومة من موارد الشرع. وليس من قبيل الشبه [المقدم ذكره] المختلف فيه بين الفقهاء والأصوليين. مثال القسم الثالث- وهو: ما عرف مناط الحكم فيه بحدوث حكم عقيب أمر حادث؛ يعلم على الجملة أن الحادث موجبه، ثم ينظر في تنقيح قيوده-: كالحكم بلزوم الوضوء بخروج الخارج من السبيلين؛ وقد اختلف العلماء فيه: فقال أبو حنيفة- ﵁ مناط الحكم خروج النجاسة؛ فألحق به الفصد والحجامة وكل نجاسة سالت، وقال: إحالة وجوب الطهارة على النجاسة- وقد عرف تأثيرها في الطهارة في محله- أولى من إحالته على المحل الذي منه ينفصل؛ فسائر أجزاء البدن وأعضائه له حكم واحد في الطهارة والنجاسة، فلا يعرف للمحل مدخل فيه. وقال الشافعي- ﵁: المعتبر خروج خارج من

стр. 427

[المسلك] المعتاد، ولا يتبع [خروج] النجاسة؛ بل يجب بخروج الدود والريح وغيرهما. وتعلقه بالريح يدل على أنه لا تتبع النجاسة؛ وأن قدر اشتمال الهواء المنفصل بالريح على نجاسة، فيمكن تقدير ذلك في الريح الخارج من غير المسلك المعتاد، وفي الجشاء المتغير؛ ولا تتعلق به الطهارة بالإجماع. فكان المسلك المعتاد متبعا من حيث [أن] [سبب وجوب] الوضوء: الصلاة؛ ولكن جعلت الأحداث- التي تتكرر بالطبع على الدوام- مواقيت لها، فليس في معناها الفصد والحجامة؛ وفي معناها انفتاح ثقبة تحت المعدة مع انسداد المسلك المعتاد فإنه قائم مقامه. وقال مالك- ﵁ بما ذكره الشافعي ﵁؛ وزاد عليه الاعتياد في الخارج، فلا ينتقض بالدم إذا خرج من السبيلين، وبما يندر: لأنه لا يتكرر بالطبع. وأنكر الشافعي هذا: من حيث أنه رأى تتبع النجاسة والبحث عنها خبيثا قبيحا، مع اختلاف الطبائع، واختلاط العلل بالأمزجة.

стр. 428

فأقام المحل مقام الخارج، فما يخرج من المحل المعتاد يلتحق بالخارج المعتاد كيفما كان. فهذا منهم نظر في تنقيح المناط، ومدركه شواهد الشرع وإبقاء ما يقدر له أثر، وإلغاء ما لا يعقل له أثر. وكذلك عفا الشرع عن قريب [من] مقدار درهم من النجاسة، على محل النجو. فقال أبو حنيفة- ﵁: [عفى عنه] لقلته وقدره؛ فهذا القدر معفو عنه على سائر المواضع: إذ جميع البدن- في وجوب تطهيره، وملابسته للصلاة- على وتيرة. وقال الشافعي- ﵁: لهذا المحل اختصاص في تكرر نجاسته، ومسيس الحاجة إلى العفو والرخصة فيه؛ ولا يدرأ هذا قول أبي حنيفة- ﵁: أن الواقف على شاطئ البحر جاز له

стр. 429

الاقتصار على [قدر] الحجر؛ فتبين به أنه ليس في محل الرخصة، فإن تكرار الحاجة إلى الغسل على الدوام- هو السبب في العفو، وهو الذي فهمه الأولون، ولذلك اخترزوا عن رشاش النجاسة، وتساهلوا في الاستنجاء. ومن هذا القبيل: طريان الخيار بعتق الأمة تحت العبد، فإنه تجدد بطريان حادث علم أنه متعلقه وموجب حدوثه، وهو- أيضا- متسع لوجه آخر، وهو: ورود الحكم مرتبا على واقعة؛ إذ عتقت بريرة، فخيرها رسول الله ﷺ . والنظر في هذه المسألة بتعيين مناط الحكم لا بتنقيحه؛ فإنه احتمل أن يكون سببه ملكها نفسها، فيطرد في الحرة. ويحتمل أن يكون سببه نقيصة الزوج وظهورها عند حدوث الحرية، فالنظر في ترجيح أحد المناطين بالسبر، والامتحان بشواهد الشرع، وبقوة المناسبة والتأثير. والأمثلة السابقة وقع الاتفاق فيها على جملة، فانقسم الناظرون: إلى ن يضم الزيادة إلى المزيد، وإلى من يلغي الزيادة ويقتصر على الأصل: فسميناه تنقيحا. وفي هذا المثال تعدد المأخذ وتباين. وهو كالتنازع في أن الصغيرة زوجت لبكارتها أو لصغرها؛ فهما مناطان ليس

стр. 430

أحدهما مضموماً إلى الآخر عند فريق. بل كل فريق يعتبر أحد المناطين. واعتبار النقيصة في الخيار أظهر تأثيرا؛ إذ لا تطرق لخيار التروي إلى النكاح؛ ولذلك إذا بلغت الصغيرة [لم] تتخير، فليس خيارها اعتراضا على ما سبق من العقد بالرد، بل هو لمستأنف الحال فيعتبر النقصان. وتأثير الصغر- في مسئلة التزويج- أظهر من حيث العموم؛ إذ ظهر أثره في المال، وفي أمور فارق فيها الصبي البالغ. والشافعي- ﵁ يقول: للبكارة والثيابة تأثير في النكاح على الخصوص؛ ويشهد له أخبار وردت في إدارة أمر النكاح على الثيابة والبكارة. والغرض: أن متعلق كل فريق- في مسئلة الصغيرة، وخيار الأمة- مناسب مطرد؛ والنظر في التعيين بالترجيح، وهو دليل على امتناع تعليل الحكم [٦٢ - ب] بعلتين، على ما سنذكره. فإن الجمع يمكن في المسئلتين، ولم يذهب إليه فريق. والمقصود من جميع هذه الأمثلة: أن مناط الحكم إذا صار معلوما [أما] على الجملة، أو على التفصيل- فالنظر في تنقيحه وتعيينه: بالتدوار على طلب التأثير. والمناسبة في

стр. 431

الإلغاء والإبقاء ليس من باب الشبه المجتهد فيه، الذي قدمنا مثاله في علة الربا. والعجب من بعض المصنفين في الأصول-: من أفاضل قدماء الأصحاب- أنه قال: إلحاق السفرجل بالبر برابطة الطعم، من قياس المعنى والعلة. وإلحاق النكاح الفاسد بالصحيح في أحكامه، من قياس الشبه؛ لدورانه بين الزنا والحلال، وغلبة الشبه الحلال. ونحن نقول: الأمر على العكس. فأما قاعدة الربا فقد قدمناها. وأما النكاح الفاسد فالمتبع [فيه] في إثبات النسب والمصاهرة، والعدة، والمهر، وسقوط الحد- المعني. فإن الأصل أن المولود على فراش الرجل والمخلوق من مائه، منسوب إليه. وإنما قطع النسب بجناية الزنا وعدوانه؛ ولا عدوان من صاحب الظن. والمهر جيب بالتفويت وقد حصل. والمصاهرة تتبع النسب؛ وإذا ثبت النسب: فلابد من صون الماء- عن الخلط- بالعدة. وأما الحد فيسقط بالشبهة، فكيف لا يسقط عمن لا يوصف بالمعصية؟ نعم: لو عبر معبر عن هذه المعاني: بالشبه، وعما تقدم في الربا: بالمعنى؛ وأفسد هذه المعاني في النكاح الفاسد- ليضطر إلى الأخذ من مجرد الشبه- فلا يبعد شيء من ذلك، بعد الوقوف على المقاصد التي نبهنا عليها. [وظني] أنه لا يبقى- بعد هذا التقرير والتفصيل والتمثيل-

стр. 432

أشكال في قواعد الشبه والطرد والمخيل، على كل من أتقن هذه القواعد، وأمعن النظر فيها بعين الإنصاف. وسنأتي على بقية البيان [في الطرد والشبه والمخيل].-[إن بقى منه شيء في الإمكان]- في [باب] بيان القياس على المعدول عن سنن القياس، إن شاء الله . * * *

стр. 433

القول في بيان أشكال البراهين النظرية، الجارية في المسائل الفقهية والغرض: بيان المسالك الجارية في المسائل التي يعدها الفقهاء قياسية، لا نقلية. فأقول: هذه البراهين ثلاثة: برهان اعتلال، وبرهان استدلال، وبرهان خلف. أما برهان الاعتلال، فهو: الجمع بين الفرع والأصل، برابطة العلة؛ كما تقدم ذكره في القياس. وشكل هذا البرهان يرجع إلى مقدمتين ونتيجة، وبيانه أنك تقول: المغصوب مضمون. فهذه مقدمة، وتقول: العقار مغصوب. فهذه مقدمة ثانية، فنتيجتهما: أن العقار مضمون. وتقول: المغصوب مضمون، وولد المغصوبة مغصوب: فكان مضمونا. وتقول: المال مضمون بالإتلاف، والمنفعة مال: فتضمن بالإتلاف. وتقول: السارق مقطوع، والنباش سارق: فكان مقطوعا. وتقول: المطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم: فكان ربويا. وكل ذلك راجع- في أول التمهيد- إلى دعوى دخول واحد معين، تحت جملة معلومة. وإن شئت قلت: الطعم علة الربا، والطعم موجود في السفرجل: فجرى الربا فيه. والغصب علة الضمان، وقد وجد في العقار: فوجب الضمان. وعبارة الفقهاء- في هذا الجنس- أنه مطعوم، فأشبه البر. أو جرى فيه الربا: قياسا على البر. أو مغصوب: فيضمن كالمنقول. وكل ذلك يرجع إلى دعوى دخول واحد معين، تحت جملة شاملة. وشكله من البراهين العقلية؛ مقدمتان ونتيجة؛ كما تقدم.

стр. 434

ثم قد يفرض النزاع في المقدمة الأولى مع تسليم الثانية؛ كقول الخصم: أسلم أن السفرجل مطعوم. ولكن لا نسلم أن الطعم علة الربا، وأن المطعوم ربوي، بل بعض المطعوم ربوي لا بعلة كونه مطعوما. وقد يسلم [المقدمة] الأولى وينازع في الثانية؛ كقوله: سلمت أن الغصب علة الضمان، ولكن لا نسلم وجود الغصب في العقار وولد المغصوبة والمنفعة. وسلمت أن السرقة علة القطع، ولكن لا أسلم أن النباش سارق. فإذا وقع النزاع في المقدمة الأولى، لم تثبت إلا بالأدلة الشرعية: فإن المتنازع فيه قضية شرعية، وهو: كون الطعم علة مثلا، فيثبت ذلك: بالنص، أو الإيماء، أو الترتيب على الواقعة، أو الحدوث بحدوث الوصف، أو بالتأثير، وهو: أن يثبت أثره في عين الحكم، في محل آخر، بنص أو إجماع، أو بالمناسبة كما تقدم، أو بالطرد والعكس، أو بالإجماع المنعقد على أنه لابد من طلب علامة، والسبر الواقع بعده في نفي علامة سوى المذكور، كما ذكرناه في مقدمات قياس الشبه. وهو يسمى علة أيضا عند أكثر الأصوليين؛ وإليها أشار كلام الشافعي في الطعم والنقدية. أما إذا وقع النزاع في المقدمة الثانية، وهو: وجود العلة في الفرع، بعد تسليم كون الوصف علة- فهذا يعرف تارة بالحس: إن كان الوصف حسيا؛ وقد يعرف بالعرف، وقد يعرف باللغة، وقد يعرف [٦٣ - أ] بطلب الحد وتصور حقيقة الشيء في نفسه، وقد يعرف بالأدلة الشرعية النقلية. مثال الحسي؛ قولنا في الماء الكثير المتغير بالنجاسة- إذا زال تغيره

стр. 435

بوقوع التراب فيه-: أنه سبب مبطل للتغير الحاصل بالنجاسة، فصار كهبوب الريح، وطول المكث. وشكله: أن المزيل لتغير النجاسة يبطل حكم النجاسة [والتراب مزيل: فكان مبطلا. فيقول: نسلم أن المزيل للتغير مزيل حكم النجاسة]، ولكن لا نسلم أن التراب مزيل، بل هو ساتر كالزعفران والمسك. فيعلم ذلك بأدلة حسية طبيعية. ومثال العرفي: قولنا: إن بيع الغرر باطل، وبيع الغائب غرر: فكان باطلا. فيقول: أسلم المقدمة الأولى، ولكن لا أسلم أن بيع الغائب بيع غرره فيقال: إنما يعرف هذا من العادة، فيحكم العرف فيه. وأما مثال اللغوي، فكقولنا: العتاق يحصل بالكناية المحتملة، والطلاق محتمل للعتاق: فيحصل به. فيسلم المقدمة الأولى، وينازع في الثانية، وهي: كون الطلاق محتملا للعتاق، فيطلب من مدارك الكنايات ومآخذ التجاوزات والاستعارات. وأما ما يثبت بالنقل، <فـ> كإثباتنا كون النباش سارقًا، بقول عائشة ﵂ «سارق أمواتنا كسارق أحيائنا» وإثباتنا

стр. 436

[كون] العقار مغصوبا، بقوله- ﵇: «من غصب قيد شبر من الأرض» الحديث. وإثباتنا كون اللائط زانيا، بقوله ﷺ : «إذا أتى الرجل فهما زانيان». وشكل القياس فيه: [أن] الزنا موجب للحد، واللائط زان، فوجب عليه الحد. وأما ما يعرف بتصور ذات الشيء، وطلب حده الجامع المانع- < فـ > كقولنا: ولد المغصوب مغصوبا، لأن حد الغصب: إثبات يد عادية على المال على وجه تقصير يد المالك [عنه]؛ وقد جرى. فربما ينازع في هذا الحد وصحته، وربما يسلم، وينكر من وجود في ولد المغصوب، ويقول: ليس اليد عادية، ذا لا مانع من جهته أو لم تقصر يد

стр. 437

المالك عنه، فإنه غير دافع له عنه. فيثبت منعه بالتسبب: بإثبات اليد على الأصل، ويستشهد عليه بولد الصيد. ويثبت قصور يد الملك: بيان ثبوت يد الغاصب، وأن يد الملك منتفية شرعا لثبوت يده؛ فالانتفاء كالزوال. فإذا نوزع في أصل الحد، وقيل: لا، بل الغصب عبارة: عن إثبات يد تزيل يد المالك؛ ولا يد للمالك على الولد ولا على المنفعة حتى تزال- الغصب أو حكمه، حاصل دون تقدير الزوال؛ كالمودع إذا جحد الوديعة، فإنه لم يزل يدا ومع ذلك جعل غاصبا. فهذا ترتيب النظر في التحديات. وقد يتصل النظر- في هذا الجنس- بتنقيح مناط الحكم؛ مثل أن نسلم أن اسم الغصب غير حاصل، ولكن مناط الضمان من الغصب: حصول اليد العادية، ونسلم أن اسم السرقة غير حاصل للنباش، ولكن مناط القطع من السرقة: أخذ مال محترم من حرز مثله، ونسلم أن اللائط ليس بزان، ولكن مناط الحد من الزاني: تضييع النساء بقضاء شهوة الفرج في الفرج. وعلى هذا يتغير شكل القياس ويرتد النزاع إلى

стр. 438

المقدمة الأولى؛ إذ لا نقول على هذا الطريق: إن الزنا موجب، وإن اللائط زان؛ ولا أن السرقة موجبة، وأن النباش سارق، بل نقول: تضييع الماء بقضاء شهوة الفرج موجب، واللائط متصف بذلك. وأخذ المال المحترم من حرز مثله موجب، وقد وجد في النباش. فينازع الخصم في المقدمة الأولى، ويقول: لا أسلم أن الموجب ما ذكرته؛ بل الموجب: فعل يسمى زنا وسرقة. فليدرك المسترشد الفرق بين المسلكين؛ فإن النزاع يتحول من مقدمة إلى مقدمة. [فهذا هو] الطريق. وغرضنا أن [نبين أن] جميع براهين الاعتلال إلى مقدمتين ونتيجة يرجع حاصلها إلى [دعوى] علة لحكم، ودعوى وجودها في محل [النزاع]، ومحاولة ترتيب الحكم عليها. ومثاله في العقليات: أن العلم علة كون الذات عالمة، وقد قام العلم بذات الله تعالى: فكان عالماً. ومثاله من الحسيات، أن نقول: [أن] الحيوانية علة التغذي، والإنسان حيوان: فكان متغذياً. وشكله من البراهين أن نقول: كل حيوان متغذ، وكل إنسان حيوان؛ فكل انسان متغذ، فلا يعقل

стр. 439

النزاع في النتيجة بعد تسليم المقدمتين. وإذا وقع النزاع في المقدمات أثبت بطريقة. ولا تفارق الفقهيات العقليات [في ذلك]، إلا أن المسلك الذي [يثير ظنا] في المقدمتين -كاف في الفقه، ولا يكفي في العقليات. البرهان الثاني: برهان الاستدلال . [وهو: الاستدلال] على الشيء بما ليس علة موجبة له، ولكن تثبت علته بوجه من الدلالة معقولة. ولا حرج في تسمية برهان الاعتلال: استدلالا. فإن العلة مع الإيجاب للمعلول، تدل على المعلول. ولكن المعلول قد يدل على العلة، ولا يوجبها. وهذا النوع -وهو الاستدلال بما ليس موجبا -ينحصر في ثلاثة: الاستدلال على الشيء بوجود خاصيته، أو بوجود نتيجته، فوجود الخاصية [٦٣ - ب] يدل على وجود ذي الخاصية، وعدمها يدل على عدمه. وكذلك وجود النتيجة يدل على وجود المنتج. وعدمها يدل على عدمه. والاستدلال على الشيء بمثله ونظيره، فإن ما يثبت للشيء: يثبت لنظيره ومساويه، على الضرورة. مثال الاستدلال بالخاصية، كقولنا: الوتر نفل، لأنه يؤدي على الراحلة، ويطرد هذا في النوافل، وينعكس في الفرائض. ووجه

стр. 440

دلالته؛ أن الأداء على الرواحل خاصية النوافل، فلا تؤدي فريضة على الراحلة بحال. وإذا وجد خاصية الشيء: دل على وجود ذلك الشيء .. وهذه الدلالة لا خفاء بها بعد تسليم الخاصية؛ إذ معنى الخاصية؛ الملازمة لذاته على وجه لا ينفصل عنه، ووجود الشيء يدل على وجود ما يلازمه، ولا ينفك عنه. فإن قال الخصم: لست أسلم أن جواز الأداء على الراحلة خاصية النفلية؛ لأني أقول: الوتر ليس بنفل، ويؤدي على الراحلة. فالسؤال على هذا الوجه فاسد: لأنا نقدر -في ابتداء النظر -حكم الوتر في الفرضية والنفلية مشكلا: يتلقى من الأدلة، ويتعرف منها؛ ونقدر أنه لم يقم دليل فيه على النفي والإثبات، فوجدناه ينجذب إلى النفل في خاصية: لا تعرض قط في فريضة، فيغلب على الظن كونه نفلا. ونحن نجوز أن يقوم للخصم دليل على كون الوتر فرضا؛ فيبين بذلك الدليل بطلان هذه الخاصية. أما هذه الخاصية، فثابتة، وبها يعرف حكم الوتر، ولا دليل فيه، فإن قام عليه دليل مقصود: سقطت هذه الدعوى؛ وعلى الخصم أن يذكر دليلا: إن كان عنده. نعم: للخصم أن يقول: جواز الأداء [على الراحلة] خاصية عدم الفريضة؛ فلذلك تؤد الفرائض، وأنا أسلم أن الوتر ليس فرضا

стр. 441

ولكنه واجب؛ فقد وفيت بموجب الخاصية. وهذا السؤال واقع، ولكن شرطه: أن يبين فرقا بين الواجب والفرض، وعندنا لا فرق بينهما، فنبطل عليهم ما ذكروه، ويسلم الاستدلال بالخاصية. ومن هذا القبيل -أيضا -قولنا: عتق المكاتب لا ينصرف إلى جهة الكفارة، لأنه وقع عن جهة الكتابة، ونستدل على وقوعه عن جهة الكتابة، باستتباعه الإكساب والأولاد؛ [وهو] من خاصية الكتابة، فدل على بقاء الكتابة وعدم انفساخها. وهي دلالة ظاهرة إلى أن يبين الخصم أن

стр. 442

الكتابة باقية فيما على السيد، ومنفسخة فيما له؛ بدليل انفساخها في حق قرار النجوم، حتى يسقط باعتاقه، وهلم جرا إلى كلامه في تلك المسئلة. وغرضنا: أن هذا ليس استدلالا بالعلة الموجبة؛ فليس الأداء على الراحلة [موجبا لفرضية] أو نفلية، ولا علة لها. ولا استتباع الإكساب [والأولاد] موجبا للكتابة، ولكنها خاصية ملازمة للذات؛ غرف ملازمتها بالشرع. ويمكن أن نقرر وجه التمسك بهاتين الخاصيتين، بطريق الاطراد والانعكاس، وبطريق الشبه. ولكن ذلك جار فيما لا يعد من الخاصية؛ ولهذا وجه في الدلالة يزيد على المشابهة والاطراد والانعكاس. النوع الثاني: الاستدلال بالنتيجة على المنتج، وبعدمها على عدم المنتج. ووجه دلالتها -بعد تسليم كونها نتيجة -واضح: فالعالمية نتيجة العلم وقيامه بالذات. فنقول: البارى عالم، فدل على قيام العلم به. ومأخذ هذا الجنس -أيضا -الملازمة؛ فإن الموجب يلازم الموجب، كالخاصية الملازمة؛ فدل وجوده على وجوده: فإنه ملازم.

стр. 443

ومثاله قولنا: بيع لا يفيد الملك، فلا ينعقد، أو نكاح لا يفيد الحل، فلا ينعقد. وقولنا: المقارض لو ملك الربح: لملك ربح الربح. فإنه نتيجته، فانتفاؤه يدل على انتفاء الملك. وقولنا: لو ملكه كاملا: لملكه ناقصا، ولما انحصر الخسران فيه. فلما انحصر فيه، دل أنه لم يملكه. وكل ذلك راجع إلى الاستدلال على انتفاء الشيء بانتفاء نتيجته. وهو -بعد تسليم كونه نتيجة -لا خفاء بوجه دلالته. والخاصية -أيضا -يمكن ردها إلى النتيجة، إذ يقال: استتباع الكسب والولد نتيجة الكتابة وموجبها، فوجوده يدل على وجود الكتابة الموجبة. وامتناع الأداء على الراحلة نتيجة الفرضية، فإنه إذا افترض كاملا: لم يؤد ناقصا؛ فعدم الامتناع يدل على انتفاء الفرضية. فإن أمكن تقدير خاصية الملازمة: ليس يجعل موجبا ولا موجبا، وكان لا ينفك عن الوصف الآخر -فالاستدلال بأحدهما على الآخر جائز، وهو زائد على الاستدلال بالموجب والموجب. النوع الثالث: الاستدلال على الشيء بنظيره، كقولنا: من صح طلاقه صح ظهاره، ومن وجب عليه العشر والفطرة وجبت عليه الزكاة، والمخرج الذي لا ينقض القليل الخارج منه الوضوء، فكثيره -أيضا -لا ينقص الوضوء. إلى نظائر كثيرة له.

стр. 444

وهذا -أيضا -يمكن تقريره بطريق الشبه، وبطريق الطرد والعكس، كما سبق في الوجه الأول من الطرد والعكس. ولكن ذكر الشافعي ﵁ -هذا بطريق الاستدلال على الشيء بنظيره. ووجه دلالته: أن ما ثبت للشيء [فهو ثابت] لمساويه ومثله. وهذا لا غموض فيه، وإنما الغموض في دعوى المماثلة، فالخصم لا يسلم أن الطلاق مثل الظهار، ولا أن العشر مثل الزكاة، ولا أن القليل النجس الخارج مثل الكثير [٦٤ - أ] فيقول: المثل المحقق هو: الذي يسد مسد الشيء، ويقوم مقامه، ويساويه في الصفات الجائرة والواجبة والمستحيلة، وذلك لا يمكن أن يدعى في أمثال هذه المسائل على الإطلاق؛ ولكن تعقل المماثلة بالإضافة والتشبيه إلى جهة معينة، كما يعقل أن الأنثى مثل الذكر بالإضافة [إلى] العتق والرق، فألحق أحدهما بالآخر: في سراية العتق، وفي تشطير الحد. ولا يمنع من هذه الدعوى مفارقته لها في ولاية النكاح، وانقطاع العبد عن الأمة في اجبار السيد، ولا مفارقة المرأة الرجل في الشهادة والإمامة وغيرهما. فإن ادعينا مماثلة الذكر للأنثى بالإضافة إلى الرق والعتق. وكما يدعى:

стр. 445

أن العبد مثل الحر المعسر في الكفارة، وأن السرية مثل المنكوحة في لزوم الكفارة بمجمامعتها. فهذا معقول على القطع مع ما بينهما: من وجوه من المفارقة ترجع إلى تمييز النكاح عن التسري؛ ولكن بالإضافة إلى إفساد الصوم لا مفارقة. ولذلك جاز أن تتلاقى القواعد المتباينة الخواص، في قضايا جملية عامة. فيقال: الصوم كالصلاة في النية، والبيع كالنكاح في الإيجاب والقبول، فيقاس البعض على البعض في هذه القضايا، وتمتنع دعوى المماثلة في أمور أخر هي الخواص. فإذا تمهدت هذه المقدمة، اتجه للشافعي أن يقول: الظهار كالطلاق، معناه: [الظهار] كالطلاق بالإضافة إلى الكفر والإسلام؛ إذ كل واحد سبب تحريم في زوجته، ووجه منع الكفر الظهار: من حيث أنه يمنع تعلق خطاب الشرع عند أبي حنيفة، والتحريم حكم الشرع. فيقول الشافعي، تحريم الظهار في كونه خطاب الشرع

стр. 446

كتحريم الطلاق؛ ولا خفاء بالمماثلة بالنسبة إلى الخطاب ومنع الكفر، فإذا لم يمنع تحريم الطلاق: لم يمنع ما هو مثله. فهذا وجه الدلالة، فكأنه قدر للخصم مستندا، وقدر الطلاق نقضا عليه، وبنى عليه: أن الطلاق إذا لم يمتنع: [لم يمتنع] الظهار المماثل له في التحريم، بالإضافة إلى الخطاب وموانع الخطاب. وهذا الدليل واضح، إلى أن يقول الخصم: الثابت بالظهار تحريم ينقطع بالكفارة، ولا تعقل الكفارة في حق الكافر؛ بخلاف الطلاق. فيقول الشافعي: لا، بل تعقل الكفارة. وإن سلم أنه لا كفارة، فهذا امتناع قاطع [لامتناع] التحريم. إلى غير ذلك من طرق النظر في تلك المسئلة. وكذلك يقول الشافعي ﵁ -إذا وجب العشر وزكاة

стр. 447

الفطر، وجب سائر الزكوات، لأنهما: في كونهما عبادة، وفي مناسبة الصبا لهما بالقبول أو بالمنافاة -متساويان. فحسن دعوى التماثل بالإضافة إلى الخطاب. فإن الخصم يجعل الصبا مانعا من الخطاب بالعبادات. فيقول الشافعي ﵁: لو منع ذلك: لمنع العشر والفطرة؛ فإنهما عبادتان كالزكاة، وسائر العبادات المالية -بالنسبة إلى حال الصبي -على وتيرة واحدة: إذ تقدير لزومه في ذمته، وتسليط الولي على أدائه، وتأخير الخطاب بالأداء عنه إلى بلوغه معقول في الكل على وجه واحد، فكان ذلك دعوى مماثلة بالإضافة. ورجع حاصله إلى تقدير مستند للخصم في كون الصبا دافعا، وتقدير انتقاضه بالعشر، ومعرفة مماثلة الزكاة في تلك القضية العشر. وعلى الخصم أن يبدى وراء هذا مأخذه: بأن العشر يثبت على العين، وأن زكاة الفطر مؤونة. فلو ثبت ذلك: لا نقطع دعوى المماثلة. فنتكلم عليه: بأن العشر والفطرة يفتقر كل واحد إلى النية. ويجوز الإخراج من غير المعشر، وذلك يدل على أنه لم يثبت على العين. ولكن الدلالة الظنية قائمة من أول الاستدلال للمعلل، إلى أن يستنزل عنه

стр. 448

بالتنبيه على جهات الفرق. فنعود إليه بإبطال جهات الفرق. وكذلك نقول: قليل الدم إذا خرج من الفصد لا يبطل، [فكذلك] كثيره لا يبطل، لأن القليل كالكثير، وعرف مماثلته له بالإضافة إلى مأخذ الخصم. فإن مأخذه الحاق جميع المواضع بالمحل المعتاد، وفي المحل المعتاد يستوي القليل والكثير. فإذا لم تكن سائر العروق في معنى المخرج المعتاد في القليل، لم يكن في معناه في الكثير: الذي هو مثله في هذا المحل. فإن قيل: قول الشافعي ﵁ ذكاة لا تفيد [حل اللحم]، فلا تفيد طهارة الجلد -ما مأخذه؟. قلنا: هو أن نقول: طهارة الجلد نتيجة حل اللحم، فإنه لما كان يؤكل على الرؤوس والأكارع والمسموط، حكم بطهارته: [فجلده] تابع. فإذا انقطع االمتبوع: انقطع التابع. فأما أن يجعل نتيجة، أو يجعل تابعا. وقد عرف التلازم بين التابع والمتبوع، كما عرف بين النتيجة والمنتج. وأما الاستدلال بطريق المماثلة -كما ذكرناه في الظهار والطلاق، والعشر والزكاة -فبعيد: لا وجه له في هذا المقام. البرهان الثالث: برهان الخلف ، وهو: أن لا يتعرض للمقصود، ولكن يبطل ضده المقابل [له] وإذا بطل أحد الضدين، تعين الضد الآخر.

стр. 449

وحاصل ذلك يرجع إلى: تقسيم وسبر، وإبطال لبعض الأقسام، لتعيين ما بقى من الأقسام. وفيه نوع آخر، وهو: حصر لجملة [في] أقسام، وإبطال جميع الأقسام لإبطال الجملة. وبرهان الخلف في القسم الأول، هو أن نقول: لو لم يكن كذا لكان كذا، وباطل أن يكون كذا. فثبت أنه كذا. ومثاله أن نقول: لو انعقد بيع الغائب [٦٤ - ب]: لصح الزامه بصريح الإلزام، وباطل أن [يصح الإلزام] بصريح الإلزام، فباطل أن ينعقد [البيع]. وإذا بطل جانب الانعقاد، ثبت جانب الفساد. وكذلك نقول: لو ملك المقارض الربح: لملك ربح الربح؛ وباطل أن يملك ربح الربح: لأن ذلك يؤدي إلى تفاوت في القسمة يخالف الإجماع، فبطل القول بالتمليك. وهذا ينقسم إلى الدائر بين النفي والإثبات كما ذكرناه، وهو القوي البالغ: لأنه برهان في العقليات. وإن لم يكن دائرا بين النفي والإثبات: فلا فائدة له في العقليات،

стр. 450

ولكن يفيد في الظنيات. كقولنا: لو لم يكن الطعم علة: لكانت العلة هي القوت أو الكيل أو المالية؛ وكل ذلك باطل: فثبت الطعم. وهذا -بعد وجوب التعليل -صالح للتعيين؛ ولكن الشك يتطرق إلى هذا الجنس في موضعين؛ أحدهما: في دعوى الحصر. والأخرى: في دعوى البطلان. وإذا كان التقسيم دائرا بين النفي والإثبات -اتحد مظنة الشك، وهو: دعوى البطلان في أحد القسمين. ولذلك جرى التقسيم -الدائر بين النفي والإثبات -في العقليات. فنقول: لو لم يكن العالم حادثا: لكان قديما؛ ومحال أن يكون قديما؛ لأنه يلزم أن لا يتغير؛ فيثبت أنه حادث. إلى أمثال له كثيرة. وإلى هذا البرهان يرجع ما لقبه فريق: بقياس العكس؛ ومثلوه بقول أبي حنيفة ﵁: لو لم يلزم الصوم بالاعتكاف، لما لزم بالنذر كالصلاة. وزعم فريق: أن هذا باطل، لأنه: استدلال بالضد، وهذا الخيال

стр. 451

فاسد لأنه راجع إلى برهان الخلف. وطريقه هو: أن الصوم لو لم يكن واجبا لما وجب عند النذر، وقد وجب عند النذر، فدل على أنه لازم. فهو برهان خلف، ولكن يقال لصاحبه: لم قلت: أنه لو لم يكن لازما لما لزم بالنذر؟ [وأي بعد] في أن يكون النذر سببا؟. فننازعه في هذه الاستحالة. فيبين استحالته ويقول: لو لزم الصوم بالنذر في الاعتكاف: للزم الصلاة بالنذر. فيرجع إلى الاستدلال على الشيء [بنظيره] ومثله، إذ يقول: الصلاة في اللزوم بالنذر، وفي مناسبة الاعتكاف -مثل الصوم؛ [ولا تلزم] الصلاة بالنذر، فكيف يلزم الصوم؟ فيرجع حاصل الدليل إلى أن من نذر الصوم مع الاعتكاف: لزمه الصوم في الاعتكاف؛ فلا يخلو: أما أن يكون ذلك لاشتراط الصوم في الاعتكاف، أو كان للالتزام، مع اعتقاد أنه ليس شرطا؛ وباطل إحالته على الالتزام: إذ لو صلح الالتزام لإيجابه -مع

стр. 452

أنه ليس شرطا -للزم ذلك في الصلاة، وهي مثله بالإضافة إلى النذر. فإذا بطل ذلك في مثله: بطل فيه، وتعين الجانب الآخر. فعلينا أن نبدي فرقا بين الصوم والصلاة، ونظهر أن الصوم كف من جنس الاعتكاف: فيمتزج به، ويتأثر بوجوده [معه] بخلاف الصلاة؛ على ما ألف في تلك المسئلة. النوع الثاني من برهان الخلف: أن تحصر جملة في أقسام، وتبطل آحاد الأقسام لإبطال الجملة. كقولنا: لو كان الايلاء طلاقا، لكان بطريق التصريح أو الكتابة. وبطل كونه صريحا، وبطل كونه كناية: فبطل كونه طلاقا. فيرجع إلى مقدمتين ونتيجة. وهو: أنه لا طلاق إلا بصريح أو كناية، ولا صريح ولا كناية: فلا طلاق. وكل ذلك من مسالك الأدلة؛ وأكثرها متداخلة. والتقسيم

стр. 453

وبرهان الخلف كثير الدخل في جميع المآخذ: إذ عليه تدور معظم النظريات. هذا تمام ما أردنا أن نذكره: في بيان الطرق التي تعرف بها علل الأصول. وهذا أحد الأركان الخمسة في معرفة القياس، على ما رسمناه. وإنما الأركان هي الأربعة الباقية تحقيقا. وهي: الأصل، والفرع، والحكم، والعلة. [وما ذكرناه: طريق معرفة أحد الأركان، وهو: العلة]. * * * *

стр. 454

القول في بيان الركن الثاني وهو العلة والنظر فيه [يتعلق] بطرفين؛ أحدهما: ما يجوز أن يجعل علة من جملة القضايا، والثاني: في وجه إضافة الحكم إلى العلة. الطرف الأول: فيما يجوز أن يجعل علة؛ فنقول فيه: يجوز أن تكون العلة حكما، كقولنا: حرم الانتفاع بالخمر، فبطل بيعه. ويجوز أن تكون وصفا محسوسا. ثم يجوز أن يكون ذلك الوصف عارضا: كالشدة، ويجوز أن يكون لازما: كالنقدية والطعم والصغر. ويجوز أن يكون [من فعل] المكلف: كالقتل والسرقة. ويجوز أن يكون وصفا واحدا، ويجوز أن يكون مركبا من أعداد. ويجوز أن يكون نفيا، و [يجوز] أن يكون إثباتا.

стр. 455

وكل ذلك من الواضحات، فلا نطنب فيه. ويجوز أن تكون وصفا مناسبا: كالاسكار يناسب تحريم [٦٥ - أ] الشرب، ومشقة المرض تناسب الرخصة في القعود، وكذلك سائر المصالح: إذا اتبعت بأعيانها. ويجوز أن تكون إمارة المصلحة: كالسفر في التخفيف، فإنه مناط الرخصة لا عين المشقة، بخلاف قعود المريض؛ فإنه يتبع عين المشقة. وقد تكون أمارة المصلحة الخفية المجهولة التي لم يطلع عليها: كالطعم، ونقصان الرطب في ثاني الحال إلى غير ذلك: من الصفات التي لا تناسب، فإنا نقدرها متضمنة لوجوه من المصالح [التي] لا يطلع عليها؛ والأوصاف الظاهرة التي أطلعنا عليها أمارات المصالح. ويجوز أن تكون العلة في المذكور نصا وهو: الأصل. ويجوز أن تكون [فيما لم] يتعرض له النص، ولكن تتعلق بالمنصوص نوعا من التعلق. قال رسول الله ﷺ : "لا تنكح الأمة على الحرة"، فعلل الشافي ﵀ -بارقاق الزوج جزءا من نفسه، مع الاستغناء عنه. وعداه إلى القادر على طول الحرة. وليس في القدر المنطوق [به] في النص تعرض للولد، ولا للزوج؛ ولكن النكاح

стр. 456

المذكور له تعلق بالزوج، وله مصير إلى حدوث الولد ورقه. وهذه أمور أطنب الأصوليون فيها، وليس فيها غموض. وأنا أوثر الإيجاز في غير محل الحاجة؛ وأدخر التقرير لمظان الغموض. وإنما الغموض في الطرف الثاني من النظر في هذا الركن. الطرف الثاني: في بيان وجه إضافة الحكم إلى العلة ، وينكشف ذلك بالنظر في أربع مسائل؛ أحدهما: تخلف الحكم عن العلة مع وجودها؛ وهو الملقب بالنقض أو تخصيص العلة. والثانية: وجود الحكم دون العلة؛ وهو الملقب بالعكس أو عدم التأثير. وبه يتعلق النظر بتعليل الحكم بعلتين، وإضافته إلى كل واحدة. والثالثة: إضافة الحكم إلى العلة في المنصوص، وأن الحكم في محل النص مضاف إلى النص أو إلى العلة. والرابعة: بيان العلة القاصرة، وهي مبنية على إضافة الحكم في محل النص إلى العلة. فنبدأ بانتقاض العلة وتخصيصها: مسئلة: اضطراب رأي الأصوليين في تخصيص العلة الشرعية: فأنكره جمع، وجوزه آخرون، وفرق فريق بين العلة المنصوص عليها،

стр. 457

وبين العلة المستنبطة. ومن رأي التخصيص دفع النقض بقوله: إني لم أطرد العلة لمانع؛ وشبه ذلك بالتخصيص المتطرق إلى عمومات الألفاظ. ومن أنكر التخصيص زعم: أن العلة تبطل وتضمحل بانقطاع طردها في بعض الأطراف؛ بأن توجد ولا يوجد الحكم معها. وقال آخرون: المنصوصة لا تنقطع بانقطاع طردها؛ بل يجعل ذلك خصوصا، ويبقى الوصف في الباقي علة، كما يبقى العموم في باقي المسميات حجة. وإن كانت [مظنونة] مستنبطة: انقطع الظن بالانتقاض. ولقد عظم خوض الأصوليين في المسئلة، وعظموا الأمر فيها: فقال منكرو التخصيص: أن القول به يجر إلى مذهب المعتزلة، ويلزم القول بالاستطاعة قبل الفعل. وقال آخرون: القائل بالتخصيص فقيه محض، والمنكر له داخل في غمار الحشوية. ولقد أكثر [كل] فريق في إقامة الدليل على معتقده؛ وليس يلفى شفاء الغليل في شيء من ذلك؛ ولو حكيناها، وتتبعنا بالإبطال ما ضعف منها -لطال الكلام. فنرى أن [نبتدئ بالمختار] وما يتخيل لنا

стр. 458

فيه. ومن أحاط [علما بما نبديه الآن] علم أن وجه الخلل -فيما ذكر -[هو]: الإخلال ببعض الأطراف، وإجمال القول في محل التفصيل. ولم ينقل عن أبي حنيفة والشافعي ﵄ -تصريح بجواز التخصيص أو منعه؛ ولكن نقل أبو زيد ﵁ -من كلام أبي حنيفة والشافعي ﵄ -تعليلات بعلل منقوضة: يمكن دفعها بوجوه من النظر مقتبسة عما جرى التعليل به، لا بطريق التصريح. فاستدل بها على قولهم بالتخصيص. وقال المنكرون للتخصيص: إن ذلك جرى منهم في الكتب على طريق التساهل، وترك الاعتناء بما هو خارج عن الغرض. كما نقل عن الشافعي ﵁ -أنه قال: طهارتان، فكيف يفترقان؟. وهذا ينتقض بإزالة النجاسة. وقوله: النكاح ليس بمال، فلا يثبت بشهادة النساء. وذلك ينتقض بالولادة. إلى أمثال لذلك: نقلها ونشأ من المذكورات وجوها من الفقه سماها تأثيرا، ودفع بها هذه

стр. 459

النقوض. وليس -في شيء من ذلك -ما يدل على القول بالتخصيص مطلقا. وإنما غموض المسئلة: لغموض لفظ التخصيص، ومراد القائل به منه. ونحن نكشف الغطاء عنه بالتفصيل. فنقول: حكم العلة -مع وجود وصف العلة -يتصور انعدامه في ثلاثة أطراف، على ثلاثة أوجه: أحدها: أن توجد العلة [٦٥ - ب] بكمالها، ولكن يندفع حكمها بمعارضة علة مضادة لها، فيسقط الحكم بطريق الاندفاع بالمضادة [به]، لا بطريق اختلال العلة أو نقصان شيء منها. وذلك كقولنا: أن ملك الجارية علة لملك الولد الحاصل منها، ويجرى ذلك في ولد الزنا وولد النكاح؛ ولا يجرى في ولد المغرور بالحرية، فينعقد الولد على الحرية، ويندفع الرق -بعد كمال سبب الرق -بسبب الظن المعارض، ولذلك يجب الغرم على المغرور [بالحرية]، فهذا وجه لانعدام حكم العلل. الوجه الثاني: أن ينعدم حكم العلة لا لخلل في ركن العلة وذاتها؛ ولكن: لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها. كقولنا: أن السرقة علة القطع؛ وينتقض ذلك بسرقة ما دون النصاب، وسرقة

стр. 460

الصبي، والسرقة من غير الحرز. وكقولنا: أن القتل العمد علة القصاص؛ وينتقض [ذلك] بقتل الأب، وقتل الصبي، والقتل الذي يصادف مهدرا: من حربي أو مرتد. وكقولنا: أن البيع علة زوال الملك؛ ويبطل ذلك ببيع الموقوف والمرهون والمستولدة، وبيع الصبي والمجنون. وكقول أبي حنيفة ﵁ -الغصب سبب ملك [بدل] المغصوب، فكان سبب ملك المغصوب؛ وينتقض بغضب المدبر والمستولدة. وكقوله: الاستيلاء سبب الملك؛ وينتقض ذلك باستيلاء المسلم على مال المسلم، وباستيلاء الكافر على [مال] المرتد. وكل هذا جنس واحد؛ وهو راجع إلى إنعدام الحكم لا لخلل في ذات السبب، ولكن: لخلل في المحل. وعلى هذا المذاق، قولنا: الطعم علة ربا الفضل؛ وينتقض بالبر مع الشعير. والزنا علة الرجم؛ وينتقض بزنا غير المحصن. فهذا وجه [آخر] يخالف الوجه الأول. الوجه الثالث: أن ينعدم الحكم في صوب جريان العلة، بورود [مسئلة في] الشرع على نقيض تلك العلة: مستثناة عن القياس، أو غير مستثناة. وهو الذي يسمى: نقضا مطلقا وفيه معظم الغموض.
следующие страницы →