Полный текст (678 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
المذكور له تعلق بالزوج، وله مصير إلى حدوث الولد ورقه.
وهذه أمور أطنب الأصوليون فيها، وليس فيها غموض. وأنا أوثر الإيجاز في غير محل الحاجة؛ وأدخر التقرير لمظان الغموض. وإنما الغموض في الطرف الثاني من النظر في هذا الركن.
الطرف الثاني: في بيان وجه إضافة الحكم إلى العلة ، وينكشف ذلك بالنظر في أربع مسائل؛ أحدهما: تخلف الحكم عن العلة مع وجودها؛ وهو الملقب بالنقض أو تخصيص العلة. والثانية: وجود الحكم دون العلة؛ وهو الملقب بالعكس أو عدم التأثير. وبه يتعلق النظر بتعليل الحكم بعلتين، وإضافته إلى كل واحدة. والثالثة: إضافة الحكم إلى العلة في المنصوص، وأن الحكم في محل النص مضاف إلى النص أو إلى العلة. والرابعة: بيان العلة القاصرة، وهي مبنية على إضافة الحكم في محل النص إلى العلة.
فنبدأ بانتقاض العلة وتخصيصها:
مسئلة: اضطراب رأي الأصوليين في تخصيص العلة الشرعية: فأنكره جمع، وجوزه آخرون، وفرق فريق بين العلة المنصوص عليها،
стр. 457
وبين العلة المستنبطة.
ومن رأي التخصيص دفع النقض بقوله: إني لم أطرد العلة لمانع؛ وشبه ذلك بالتخصيص المتطرق إلى عمومات الألفاظ.
ومن أنكر التخصيص زعم: أن العلة تبطل وتضمحل بانقطاع طردها في بعض الأطراف؛ بأن توجد ولا يوجد الحكم معها.
وقال آخرون: المنصوصة لا تنقطع بانقطاع طردها؛ بل يجعل ذلك خصوصا، ويبقى الوصف في الباقي علة، كما يبقى العموم في باقي المسميات حجة. وإن كانت [مظنونة] مستنبطة: انقطع الظن بالانتقاض.
ولقد عظم خوض الأصوليين في المسئلة، وعظموا الأمر فيها: فقال منكرو التخصيص: أن القول به يجر إلى مذهب المعتزلة، ويلزم القول بالاستطاعة قبل الفعل.
وقال آخرون: القائل بالتخصيص فقيه محض، والمنكر له داخل في غمار الحشوية.
ولقد أكثر [كل] فريق في إقامة الدليل على معتقده؛ وليس يلفى شفاء الغليل في شيء من ذلك؛ ولو حكيناها، وتتبعنا بالإبطال ما ضعف منها -لطال الكلام. فنرى أن [نبتدئ بالمختار] وما يتخيل لنا
стр. 458
فيه. ومن أحاط [علما بما نبديه الآن] علم أن وجه الخلل -فيما ذكر -[هو]: الإخلال ببعض الأطراف، وإجمال القول في محل التفصيل.
ولم ينقل عن أبي حنيفة والشافعي ﵄ -تصريح بجواز التخصيص أو منعه؛ ولكن نقل أبو زيد ﵁ -من كلام أبي حنيفة والشافعي ﵄ -تعليلات بعلل منقوضة: يمكن دفعها بوجوه من النظر مقتبسة عما جرى التعليل به، لا بطريق التصريح.
فاستدل بها على قولهم بالتخصيص.
وقال المنكرون للتخصيص: إن ذلك جرى منهم في الكتب على طريق التساهل، وترك الاعتناء بما هو خارج عن الغرض.
كما نقل عن الشافعي ﵁ -أنه قال: طهارتان، فكيف يفترقان؟.
وهذا ينتقض بإزالة النجاسة. وقوله: النكاح ليس بمال، فلا يثبت بشهادة النساء. وذلك ينتقض بالولادة. إلى أمثال لذلك: نقلها ونشأ من المذكورات وجوها من الفقه سماها تأثيرا، ودفع بها هذه
стр. 459
النقوض.
وليس -في شيء من ذلك -ما يدل على القول بالتخصيص مطلقا. وإنما غموض المسئلة: لغموض لفظ التخصيص، ومراد القائل به منه. ونحن نكشف الغطاء عنه بالتفصيل. فنقول:
حكم العلة -مع وجود وصف العلة -يتصور انعدامه في ثلاثة أطراف، على ثلاثة أوجه: أحدها: أن توجد العلة [٦٥ - ب] بكمالها، ولكن يندفع حكمها بمعارضة علة مضادة لها، فيسقط الحكم بطريق الاندفاع بالمضادة [به]، لا بطريق اختلال العلة أو نقصان شيء منها. وذلك كقولنا: أن ملك الجارية علة لملك الولد الحاصل منها، ويجرى ذلك في ولد الزنا وولد النكاح؛ ولا يجرى في ولد المغرور بالحرية، فينعقد الولد على الحرية، ويندفع الرق -بعد كمال سبب الرق -بسبب الظن المعارض، ولذلك يجب الغرم على المغرور [بالحرية]، فهذا وجه لانعدام حكم العلل.
الوجه الثاني: أن ينعدم حكم العلة لا لخلل في ركن العلة وذاتها؛ ولكن: لعدم مصادفتها محلها أو شرطها أو أهلها. كقولنا: أن السرقة علة القطع؛ وينتقض ذلك بسرقة ما دون النصاب، وسرقة
стр. 460
الصبي، والسرقة من غير الحرز. وكقولنا: أن القتل العمد علة القصاص؛ وينتقض [ذلك] بقتل الأب، وقتل الصبي، والقتل الذي يصادف مهدرا: من حربي أو مرتد. وكقولنا: أن البيع علة زوال الملك؛ ويبطل ذلك ببيع الموقوف والمرهون والمستولدة، وبيع الصبي والمجنون.
وكقول أبي حنيفة ﵁ -الغصب سبب ملك [بدل] المغصوب، فكان سبب ملك المغصوب؛ وينتقض بغضب المدبر والمستولدة. وكقوله: الاستيلاء سبب الملك؛ وينتقض ذلك باستيلاء المسلم على مال المسلم، وباستيلاء الكافر على [مال] المرتد. وكل هذا جنس واحد؛ وهو راجع إلى إنعدام الحكم لا لخلل في ذات السبب، ولكن: لخلل في المحل. وعلى هذا المذاق، قولنا: الطعم علة ربا الفضل؛ وينتقض بالبر مع الشعير. والزنا علة الرجم؛ وينتقض بزنا غير المحصن. فهذا وجه [آخر] يخالف الوجه الأول.
الوجه الثالث: أن ينعدم الحكم في صوب جريان العلة، بورود [مسئلة في] الشرع على نقيض تلك العلة: مستثناة عن القياس، أو غير مستثناة. وهو الذي يسمى: نقضا مطلقا وفيه معظم الغموض.
стр. 461
فهذه وجوه ثلاثة متباينة المأخذ: في انعدام حكم العلل. والنظر في كل وجه منها يتعلق بأربع قضايا: قضية جدلية، وقضية اجتهادية فقهية، وقضية حقيقية عقلية، وقضية لفظية لغوية. وما من قضية -من هذه القضايا -إلا ولها التفات إلى سائر القضايا المباينة لها. فلأجل التفاتها، واشتباك الوجوه الثلاثة المتباينة -غمض مدرك المسئلة على الكافة، ولم يخل فريق عن إخلال وتقصير: لا طلاقه الكلام الجمال من غير تفصيل، وترتيب وتنزيل على هذه الوجوه المتباينة.
والآن، فإذا بان مظان النظر جملة، فنعود إلى التفصيل، ونبدأ بالوجه الأخير -ففيه معظم النظر والأشكال -فنقول:
إذا انتقضت العلة في صوب جريانها، فهي كقولنا: صوم، فيفتقر إلى تبييت النية؛ فينتفض بالتطوع. وكقولنا: حق مالي، فيورث؛ فينتفض بالأجل. وكقولنا: طهارة، فتفتقر إلى نية؛ فينتفض بإزالة النجاسة. وهذه علل مظنونة مستنبطة. وقد تكون العلة قطيعة إجماعية؛ كقولنا: متماثل الأجزاء، فيضمن بالمثل؛ فيبطل باللبن في مسئلة المصراة. أو نقول: فوت حق الغير، فيضمن. أو لم يجب ضمانه على الغير؛ فيبطل بضرب الدية على العاقلة. وكقولنا: نجس خارج من مسلك معتاد، فينتفض الطهر به؛ فيبطل بدم الاستحاضة، وبول سلس البول.
стр. 462
فنقول: العلة المنقوضة لا تخلو إما أن كانت قطعية، أو مستنبطة بالظن. فإن كانت قطعية: فلا فرق بين أن تكون منصوصا عليها، أو معلومة بالإجماع. والمسئلة -الواردة نقضا -لا تخلو إما أن يظهر فيها قصد الاستثناء بخصوص حالة، أو لم يظهر فيها قصد الاستثناء. فإن لم يظهر فيها [قصد الاستثناء] فهذا غير متصور عندي: إذا كانت العلة قطعية، بل إذا ظهر النقض: يتبين أن المذكور أولا بعض العلة لا جميعها. فإذا قلنا: نجس خارج [من أعماق البدن]، فينقض الوضوء؛ وبان لنا -بنص قاطع -أن الفصد والحجامة لا ينقضان الوضوء، كما نقل عن رسول الله ﷺ : "أنه لم يتوضأ حين احتجم" -فلا نقول: أن العلة خروج [النجاسة] ولكن فعله ورد تخصيصا مانعا لحكم العلة؛ بل ننعطف ونقول: تبينا أن العلة خارج نجس من
стр. 463
المخرج المعتاد، وأنا كنا أخللنا ببعض العلة: فتنبهنا له بما حدث من المسئلة.
فهذه هي القضية الاجتهادية الفقهية، وهو: أن الأول فسد جعله علة، ووجب أن يضم إليه [ضد] الوصف الموجود في مسئلة النقض.
فأما القضية الجدلية، فيها وجوب الاحتراز عن هذا النقض، وانقطاع المعلل: إن لم يحترز، ولا يمكن من الاعتذار: بأنه خارج من غير المحل المعتاد؛ ويقال له: لم تتعرض لما ذكرته أولا، وكانت قرينة حالك تقتضي أن تذكر تمام العلة، فذكرت بعضها. والجدل اصطلاح؛ ولا نعرف خلافا في هذا الاصطلاح.
وأشد الناس غلوا في تخصيص العلل، أبو زيد الدبوسي ﵁؛ وقد اعترف: بأن ذلك لا يقبل من المعلل؛ وأنه لا يمكن من أن يقول: العلة ما ذكرته، وأنا أطردها إن لم يمنعني [منه] مانع؛ وفي مسئلة النقض منعني [مانع، وهو]: النص [٦٦ - أ] وإن كان ذلك يقبل في تخصيص العموم.
وفرق: بأنه يحتمل أن يكون عدم الحكم -في مسئلة النقض -لمانع، ويحتمل أن يكون لعدم العلة، أو عدم كمالها؛ وما يدعيه علة كاملة:
стр. 464
إنما يقوله برأي يحتمل الغلط والفساد، فلعلل ذلك لفساد [العلة أو نقصانها. وأما تخصيص العموم، فلا يتردد بين أن يكون لفساد] العموم، فإن ذلك لا يحتمل الغلط.
ثم مساق كلامه: أنه يلزمه أن يظهر مانعا في محل النقض، ولا يلزمه أن يظهر دليل الخصوص عند التعلق بالعموم. ومع هذا فلا يظن به قبوله من العلل إبداء مانع: ينعطف به وصف على أصل العلة، ويصير مضموما إليه، ولم يكن قد نبه عليه في اعتلاله. فإنه [قد] ذكر في الجدال طريقة دفع النقض، مأخوذا من نفس التعليل. إذ قال: مهما قلنا: نجس خارج، فينتفض الطهر به كالبول؛ فقيل لنا: ينتفض بالدم إذا لم يسل عن رأس الجرح -دفعناه بطريقين:
أحدهما: أن نقول: ذلك ليس بخارج، وإنما هو ظاهر، وفرق بين من يظهر بالخروج من البيت، وبين من يرفع السقف من فوقه: فيظهر المناظر؛ والبشرة غطاء ساتر للدم، فإذا خدشت ظهر الدم، وإذا سأل:
стр. 465
خرج. وهذا النوع -من الاحتراز -مقبول بالاتفاق، لا خلل فيه: من حيث اللفظ.
الوجه الثاني -الذي ذكره في الدفع -بيان [التأثير] وهو: أنه ظهر تأثير الخارج في إيجاب تطهير المحل عنه؛ فيؤثر في التطهير في غير محله. وينعكس هذا في الذي لم يسل. وفي قبول هذا الجنس -من الاحتراز -خلاف بين الجدليين: من حيث أن الكلام الأول لم يشعر [به] لفظا وتنبيها. فقال قائلون: لابد وأن نزيد في العلة، فنقول: نجاسة خارجة إلى محل يلحقها وجوب التطهير فيه، فيلحقها وجوب التطهير في غيره.
وهذه مسألة اصطلاحية؛ وليس يبعد الاصطلاح على كل واحد من الوجهين. ولعل التصريح بلفظ الاحتراز أحسن في رسم الجدل، وأبعد عن المماراة. والخطب في هذا يسير، فلا نطنب فيه. هذا بيان القضية الجدلية والاجتهادية.
وأما القضية العقلية -وهي: إضافة المعلول إلى العلة، على ما عقل من الشرع، على مثال العلل العقلية والحسية -فنقول فيها: بطلت
стр. 466
الإضافة بهذا الجنس من النقض؛ إذ الحكم مضاف إلى مجموع الوصفين.
وليس [الإضافة إلى أحدهما] أولى من الآخر. فإن الحكم لم يجب بمجرده، ولا حدث عقيب حدوثه على تجرده، ولا ظهر عنده بمجرد وجوده؛ فتخصيصه بالإضافة لا وجه له.
أما القضية اللفظية، فهي: تسمية [ذلك القدر علة؛ وإن كان الحكم لا يقترن به. ولسنا نرى لذلك وجها]:
فإنا سنبين حد العلة، وطرق إطلاق هذه اللفظة على المعاني الشرعية. وعلى أي وجه فرض، فلا يجوز تسمية ذلك القدر علة. بل يقال: تبين أن ذلك القدر بعض العلة، لا كلها.
هذا كله: في بيان أن مثل هذا النقض لا يتصور وروده على العلل القطعية؛ وإذا ورد: تبين للناظر أن ما كان يظنه كل العلة، بعض العلة [لا كلها].
فأما إذا ظهر قصد الاستثناء من الشرع، وعلم ذلك على القطع -: كمسئلة المصراة ومسئلة العرايا، ومسئلة تحمل العاقلة -فإنا إذا قلنا: متماثل الأجزاء، فيضمن بالمثل -كان هذا علة قطعية في إيجاب المثل: إذ به تتميز ذوات الأمثال عن غيرها. وإذا قلنا: باع الربوي المكيل بجنسه من غير كيل، فبطل -فهو قطعي في قاعدة الربا، وهو منصوص [عليه،
стр. 467
ويبطل] بصورة العرايا. وإذا قلنا: أتلف مضمونا متقوما من هو من أهل الالتزام، فغرم -كان ذلك قطعيا في إيجاب الغرم؛ وانتقض بصورة الضرب على العاقلة.
فالحكم في هذه المسائل معلوم؛ والعلة التي ذكرناها معلومة، فما الطريق فيه؟. فنقول: بعد تعيين مسئلة المصراة مثلا -يتصدى فيها رأيان:
أحدهما أن نقول: تماثل الأجزاء هو العلة لإيجاب المثل؛ وهو موجود في صورة المصراة؛ والموجود علة، ولكن [إنما] امتنع حكمها لمانع، وذلك المانع هو: النص.
والآخر أن نقول: التماثل [هو] العلة، لا في هذه الصورة بل في غيرها، وعرف بالنص تخصيص العلة بغير هذه المسئلة؛ فالتماثل الموجود ليس علة في صورة التصرية، وهو علة في غير هذه الصورة.
وهذا هو الأولى، وهو المقطوع به، إذ لا معنى لتسميته علة في هذه الصورة، ولا يثبت الحكم بها لا تقديرا ولا تحقيقا. بل نقول: عرف من الشرع أن التماثل علة في غير المصراة وليس علة في المصراة؛ وكان ذلك قولنا: إن الشدة والاسكار علة التحريم بعد نسخ الحل، ولم يكن علة
стр. 468
في الزمان السابق على النسخ، ولكن جعله الشرع علة في هذا الزمان، ولم يجعله علة في الزمان السابق.
وربما يقول المعترض ملبسا: إذا كان التماثل هو العلة، والتماثل موجود -فالعلة موجودة. وإذا كان الاسكار هو العلة، والاسكار في الزمان الأول موجود -كانت [٦٦ - ب] العلة موجودة؛ وكان كقول القائل: الإنسان حيوان، والإنسان موجود، فالحيوان موجود. فوزانه قولنا: الاسكار علة، والاسكار موجود، فالعلة موجودة.
قلنا: هذا لازم لو كان الاسكار علة بذاته ثابت الإيجاب عقلا؛ وكذلك التماثل. وليس الأمر كذلك، وإنما صار علة بنصب الشرع، والشرع نصبه علة في زمان دون زمان، وفي محل دون محل، وعرف النصب على هذا الوجه، من موارد الشرع [ونصوصه].
فإن قيل: فهذا تصريح بأن مجرد الاسكار ومطلقه ليس بعلة؛ بل العلة: اسكار مضاف إلى زمان، [وتماثل أجزاء مضافة] إلى بعض الأشياء، فمن جعل مطلق الاسكار -دون قيد الإضافة -علة، فقد اقتصر على البعض. وكان هذا كما لو قال رسول الله ﷺ مثلا:
стр. 469
اقتلوا زيدًا لأنه أسود؛ فيجب بموجب التعليل أن يقتل كل أسود: إذ عقل منه أن السواد علة؛ فظاهره أن العلة مجرد السواد. فلو بان لنا -بالشرع والتنصيص -أنه لا يقتل سوى زيد: [لانعطف] على ما تخيلناه أولا، فنقول: لم يكن السواد المطلق المجرد علة، بل كانت العلة سواد زيد؛ وسواد زيد المعين لا يفرض إلا في [زيد المعين]، فاطردت العلة ولم تنتفض، ولم تتخصص. بل سواد زيد -وهو السواد المضاف -هو العلة؛ والسواد الذي [ليس مضافا إلى زيد] ليس بعلة.
وعن هذا التحقيق، قال الأستاذ أبو إسحاق ﵁: علة الشرع لا تقبل التخصيص ولا الانتقاض؛ بل إذا لحقها الخصوص: تبين به أن الوصف المخصوص بالقيد الذي لحقه، هو العلة. ولو ورد نص صريح -لا يقبل التأويل -بأن السواد المطلق هو العلة، فلا يجوز أن يرد نص [من الشارع] بامتناع قتل من هو أسود. وإن ورد: فيكون كالنسخ الرافع المناقض للأول.
قلنا: هذا نوع من التحقيق لا سبيل إلى جحده؛ فلذلك
стр. 470
[لا نقول]: التماثل الموجود في مسئلة المصراة علة؛ ولا نقول: الاسكار الموجود قبل ورود التحريم علة، ولكنا نقول: هو علة في زمان، وعند عدم ذلك الزمان ليس بعلة، والتماثل علة في غير المصراة، وفي المصراة ليس بعلة.
وليس يتعلق هذا النظر إلا بالقضية الجدلية والعقلية واللفظية. أما الاجتهادية، فلا نتغير به: إذ علم أن التماثل علة في الموضع الذي علمه، وعلم أيضا الاستثناء في الموضع الذي استثنى. فلم تكن علة مظنونة حتى ينقطع ظنه بما جرى من النقض؛ فيحكم المجتهد في غير مسئلة المصراة: بإيجاب المثل، وفي مسئلة المصراة بما ورد به النص. وقد فرغ المجتهدون من الفتوى؛ فتبقى قضية عقلية، وهو: أنا [هل] نتبين بالاستثناء قيدا للعلة وإضافة، ونقول: العلة تماثل في غير مسئلة التصرية، وهو تماثل مضاف لا تماثل مطلق. وأنا هل نسمى [مطلق] التماثل علة؟ وهل يكون هذا الاسم عليه صادقا؟ وأن المعلل [هل] يجب عليه الاحتراز لفظا؟
فنقول: إن كان الخصم لا يأخذ مخالفته من مسئلة المصراة، فتكليف الاحتراز لفظا قبيح، لأنا إذا تنازعنا في الخبز مثلا: أنه من ذوات
стр. 471
الأمثال، أو من ذوات القيم؛ فقلنا: أنه متماثل الأجزاء، فوجب المثل على متلفه؛ فقال: باطل بلبن المصراة -فهذا السؤال مردود؛ وهو الذي يقال فيه: إن المعدول عن القياس لا يرد نقضا على القياس ؛ إذ تعين أن يقال: متماثل الأجزاء إلا في صورة التصرية؛ إذ ليس ينعطف من تلك المسئلة [على العلة، ما] يرجع إلى إثبات صفة، حتى ينضم إلى التماثل. ولست أبعد أن يصطلح فريق على وجوب الاحتراز عنه؛ ولكنه قبيح جدا.
وأما إذا كان الخصم يأخذ مذهبه من مسئلة المصراة -كما إذا اشترى مصراة، ورضى بعيب التصرية؛ فاطلع على عيب آخر [قديم] فرد الأصل، ولزمه رد بدل اللبن الذي اشتمل الضرع عليه حالة العقد -فقال قائلون: يرد صاعا من التمر؛ لأنه في معنى المصراة: إذ هو المضمون بعينه. فإذا قال المعلل -في هذه الصورة -: متماثل الأجزاء؛ واقتصر على هذا، ونقض بالمصراة، فقال: أنا أطرد العلة ما لم يمنع النص -فهذا فيه نظر جدلي.
فيحتمل أن يقال: إن مرجع الخلاف البحث عن كون المسئلة واقعة في محل الاستثناء، أو في محل العموم، وهو لم يتعرض له.
ويحتمل أن يقال: ما ذكره علة، وإنما يترك بمانع النص وتخصيصه.
стр. 472
فليبين الخصم أن المانع متعد إليه بمعناه، وإن لم يتعد بلفظه. وهذا يستمد من المصير إلى أن المنكر لا دليل عليه، وكان الأصل إتباع العلة. ومن يدعي ورود التخصيص عليها: فعليه إبداء وجهه. ويعتضد هذا بالتمسك بالعموم.
فلو قال الشارع مثلا: ما تماثل أجزاؤه ضمن بالمثل؛ فللمعلل أن يتمسك به في [هذه] الصورة التي فرضنا النزاع فيها.
فإذا قيل له: العموم مخصوص في صورة المصراة، فيقول: وهو حجة في الباقي.
فإذا قال: [٦٧ - أ] والنزاع واقع في أن الصورة المفروضة، باقية تحت العموم، أو ملتحقة بمحل الخصوص؛ -فما الدليل على بقائها تحت العموم؟ -فليس على المعلل ذلك؛ بل على المعترض أن يبين كيفية تعدي دليل الخصوص إليه.
وقد قال ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"؛ والتطوع مخصوص منه، وفي رمضان خلاف. وللشافعي
стр. 473
-﵀ -التمسك بالعموم. وعلى أبي حنيفة ﵁ -أن يبين وجه تعدي الخصوص من التطوع إلى رمضان. فإذا ثبت ذلك، فأي فرق بين أن يقول الشارع: ما تماثل أجزاؤه فهو مضمون بالمثل؛ وبين أن نعلم قطعا -من الإجماع ووضع الشرع -أن ما تماثل أجزاؤه فهو مضمون بالمثل، وأن التماثل هو العلة الموجبة له؟. فورود الخصوص على العلة المعلومة، كوروده على الصيغة المعلومة. نعم: لو كانت العلة مظنونة [تطرق بالخصوص] إمكان الفساد إلى الأصل؛ وإذا كانت معلومة فهي كالصيغة المسموعة.
فإن قيل: الفرق، أن ورود [التخصيص] يبين أن لا تعويل على مطلق العلة؛ بل ينعطف عليه قيد الإضافة إلى بعض المواضع، فيكون [هذا] [هو] المنبع؛ والنزاع واقع في قدر ذلك القيد: [في] الاتساع والضيق، والاشتراك والقصور؛ والمعلل ذاكر مطلق العلة، ولم يتعرض للقيد المنعطف عليه، بسبب الخصوص. والنزاع
стр. 474
واقع في [تعرف قدر] القيد والإضافة.
قلنا: وكذلك ورود الخصوص على الصيغة العامة بين أن الاعتماد على الصيغة اللغوية بإطلاقها باطل؛ إذ الصيام إذا أريد به بعض الصيام: صار مجازا بالإضافة إلى وضع اللفة؛ وصار الاعتماد فيه على قرينة انضافت إلى الصيغة. ثم قيل: يجب على المجتهد -في نظره وفتواه -أن يبحث عنه؛ وأن دليل الخصوص منتف [عنه] في صوم رمضان -حتى ينبني علمه على مجموع الصيغة، وانتفاء دلالة الخصوص. [ولا يحل قوله] أن يفتى بالصيغة في صوم رمضان -وهو يراها مخصوصة [في التطوع]-ما لم يتبين له أن صوم رمضان ليس في معنى التطوع؛ وأن دليل الخصوص غير متعد إليه: لا بلفظه، ولا بمعناه. ولكن: إذا كان معللا، كفاه التعلق بصيغة العموم من غير تعرض لانتفاء دلالة الخصوص؛ بل على المعترض لقيام دلالة الخصوص. فلا فرق بينه وبين العلة المعلومة، وإنما فارق العلة المظنونة المناسبة: من حيث أن صحتها أخذت من شهادة الحكم، فإذا ورد الحكم على مناقضتها في بعض المسائل، أوهم بطلان العلة، فأما إذا كانت العلة معلومة، فورود
стр. 475
الخصوص ليس مبطلا، وإنما غاية الخصوص أن نعطف عليها قيدا، كما نعطف على صيغة العموم التقييد بقرينة. فلا فرق بين التعلق بها وبين التعلق بالعموم: لا في حق المجتهد، ولا في حق المجادل. هذا وجه النظر في القضية الجدلية والاجتهادية.
وأما القضية العقلية: فإنها تتعلق بطرفين: هما: أن التماثل -في مسئلة المصراة -هل نقول: إنه علة ولكن دفع النص حكمه؟ أو نقول: ليس بعلة في المصراة، وهو علة في غيرها؟
فإن قلنا: أنه علة في المصراة واندفع حكمها لمانع النص، لم نفتقر إلى أن نعطف قيدا على العلة في غير المصراة.
وإن قلنا: إنها خرجت عن كونها علة في المصراة، وإنما هي علة في غيرها -فهل نقول: إن مطلق التماثل هو العلة ولكن في غير المصراة؟ أو نقول: تبين أن العلة تماثل مقيد مضاف إلى غير المصراة؟
فهذان نظران عقليان [وبهما نلتفت إلى القضية اللفظية] في
стр. 476
تسميتها علة. ومن هذا المضيق نشأ معظم الغموض في تخصيص العلل؛ فنقول:
أما تسمية التماثل علة في صورة المصراة، ولا حكم لها: لا تحقيقا، ولا تقديرا -فلا وجه له؛ وإن سماه مسمى علة: فهو مجاز، ومعناه: أنه علة في غير المصراة، وهو موجود في المصراة. كما نقول: العلة هي الشدة، والشدة موجودة في أول الإسلام؛ فهي علة: ولا حكم لها. فيكون ذلك استصحابا للاسم الثابت بإزاء حقيقته، على الصورة المنفكة عن الحقيقة، كما يسمى الميت أنسانا بطريق الاستصحاب؛ مع العلم بزوال الإنسانية: فإنها بطلت بالموت و [إنما] بقيت الصورة. ويضاهي [هذا] أيضا تسمية العموم حجة في محل الخصوص.
فقوله ﵇"لا صيام" يتناول التطوع بالصيغة اللغوية؛ فالصيغة موجودة لغة، ولكن تسميتها حجة لا وجه له: فإن الحجة ما يوجب الحكم، ولا حكم لهذه الصيغة فكيف تكون حجة؟
فلو قال قائل: أمكن أن يقال: الصيغة حجة أوجبت
стр. 477
الحكم، ولكن اندفع الحكم لمعارض. كما يقال في تعارض النصين: إذ كل واحد موجب، ولكن اندفع حكمه بالتعارض. وكذلك يقال: التماثل أوجب ضمان المثل في مسئلة [المصراة]؛ ولكن اندفع حكمه لمعارضة النص، ويلتحق ذلك بما ذكرتموه في الوجه الأول: من امتناع أحكام العلل بالاندفاع بالمعارضة، لا بطريق تطرق الخلل إلى ركن [٦٧ - ب] العلة وصفتها.
قلنا: هذا خيال لا حاصل له؛ فإنا لو قلنا: العموم أوجب الحكم في صورة التطوع، واندفع بالدليل الوارد في التطوع -لكان الاندفاع في حكم الارتفاع والانقطاع، فيجرى مجرى النسخ: فيتضمن أثباتا ثم نفيا. وإنما الخصوص -بالاتفاق -لبيان أن المخصوص لم يندرج تحت العموم؛ لا لبيان أنه اندرج ثم ارتفع. وهذا متفق عليه؛ والحجة فيه: أن النفي معلوم، وأمكن أن يكون أصليا: بأن لم يندرج؛ وأمكن أن يكون اندفاعا: بأن يقدر اندفاعه بعد الاندراج تقديرا. وفيه إثبات ونفي؛ والنفي متفق عليه، وتقدير هذا الإثبات تحكم لا مستند له؛ وقد وقع الاكتفاء
стр. 478
بتقدير الانتفاء من الأصل؛ وبهذا فرق بين الخصوص والنسخ.
وأما النصان: إذا تعارضا، فلا يحتمل أن [لا] يكون النص متناولا لما هو نص فيه. إذ معنى كونه نصا فيه: أنه [غير] محتمل لأن لا يتناوله. فهذا مقام ضيق دقيق: لا يدرك إلا بالفكر الصافي، والذهن النقي عن شوائب البلادة والتقليد.
وإذا ثبت ذلك: الطرد هذا في خصوص العلة، فيقال: تبين أن الشرع جعل التماثل علة في غير المصراة؛ وفيه نفي حكم التماثل في المصراة أصلا. واحتمل أن يقال: هو علة فيه أوجب الحكم، واندفع الحكم فيه بعارض النص. وفيه إثبات ونفي؛ والنفي متفق عليه، والإثبات تحكم لا مستند له، فهذا واضح للمتأمل. وعلى هذه الحقيقة، تنبني القضية اللفظية؛ فلا وجه لتسميته علة؛ فإن الوصف الشرعي إنما يسمى علة: أما لإيجابه الحكم، كما في العقليات. وأما لظهور الحكم والتغيير بحدوثه كما في الحسيات. وأما لكون الحكم [معقولا به، على ما سنذكر اضطراب هذه الوجوه. وكيف ما قدر، فالتماثل لم يوجب الحكم في المصراة كما سبق، ولا عقل به الحكم فيه، إذ لم يعقل الحكم فيه،
стр. 479
ولا تغير حكم المحل به: إذ لم] يتغير به المحل. فلا وجه لتسميته علة، ولا لاعتقاده علة.
وعند هذا ننعطف على غير مسئلة المصراة، فنقول: التماثل المطلق هل نسميه علة فيه، فتكون العلة مخصوصة [فيه]؟. أو نقول: لا، بل التماثل المضاف إلى المواضع المعلومة هي العلة مع القيد، والتماثل المضاف إلى غير المصراة لم يوجد في المصراة، ولا الشدة المضافة إلى زمان وجدت في غير ذلك الزمان، ولا السواد المضاف إلى زيد وجد في غير زيد؛ فيكون الحكم منعدما بانعدام العلة، ويكون ذلك عكسا لا خصوصا؟.
فهذا -أيضا -من المغمضات؛ ومنشأ الغموض: أن الناظرين فيه لم يتنبهوا على مطلع النظر؛ ومطلع النظر: معرفة حد العلة وحقيقتها، وتسمية الوصف علة للأحكام الشرعية استعارة. فلينظر: من أين استعيرت هذه اللفظة؟ وذلك يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يقال: هو مستعار في الشرع من العلل العقلية. والعلة العقلية: ما تستقل بإيجاب الحكم، ويحصل الحكم بمجردها، فكل ما وجد بمجرده، ولم يحصل به الحكم -لم يكن بمجرده
стр. 480
علة. ويقتضي هذا أن لا يسمى مطلق التماثل علة؛ لأن مجرده موجود في المصراة، ولم يوجب الحكم. فالموجب للحكم: تماثل مقيد مضاف.
وإذا قال: اقتلوا فلانا لأنه أسود؛ اقتضى ظاهره أن العلة مجرد السواد [المطلق]؛ فيقتل كل أسود. فلو بان بالنص أنه لا يقتل غير زيد، [قلنا]: تبين أن السواد المطلق المجرد ليس بعلة؛ وإنما العلة: سواد زيد، وسواد زيد لا يوجد في غير زيد: فينعدم الحكم بعدم العلة، ويستحل الخصوص على العلة -على هذا المأخذ: لأن العلة ما توجب الحكم بمجردها؛ فإذا وجب الحكم بمجموع أمور -من إثبات ونفي وإضافة -فالعلة المجموع لا البعض.
ولما كثر ممارسة الأستاذ أبي إسحاق للبحث عن العلل والمعلولات العقلية، ولم [يثبت عنده] للعلل الشرعية استعارة إلا منها -أثبتها على مثالها، وقال بموجبها: لا يتصور الخصوص: لا على العلل المستنبطة، ولا على العلل المنصوصة، إذ العلة: ما توجب المعلول، فإذا لم توجب: انعطف قيد على العلة لا محالة، كما ذكرناه في السواد المنصوص عليه.
المأخذ الثاني لاستعارة اسم العلة: البواعث العرفية؛ فإن الباعث على
стр. 481
الفعل يسمى في العادة: علة للفعل، فيعطي الإنسان غيره مالا، فيقال: لم أعطيته؟ فيقول: لأنه فقير؛ فيقال: فقره علة إعطائه، على معنى: أنه داعية وباعثه. وجنس هذه العلل يحتمل الخصوص؛ إذ لو سأله فقير آخر فلم يعطه، فقيل له: لم لا تعطيه وهو فقير؟ فينتظم أن يقول: لأنه عدوي؛ ولا يعد ذلك مناقضا للكلام الأول في العادة، ولو سأله ثالث فلم يعطه، فروجع في ذلك وقيل له: أنه فقير، فلم لا تعطيه؟ فيقول: لأنه معتزلي -فهذه الكلمات [٦٨ - أ] لا تعد مناقضة في العادة.
نعم: الذي غلب على كلامه جدال المتكلمين، قد يقول له: ناقضت كلامك؛ لأنك عللت عطيتك الأولى بالفقر، فكان من حقك [أن نقول] أعطيته لأنه فقير، وليس عدوي [ولا] معتزليا، فإن الباعث لو كان هو الفقر بمجرده، فقد وجد في العدو وفي المعتزلي. فالباعث مركب من وجود الفقر ونفي العداوة والاعتزال. فهذا يعد -في العادة -من عجرفة الطبع، واعوجاج الكلام. إذ قد تنبعث داعية العطية والصدقة من العلم بالفقر؛ وليس يخطر بالبال العداوة ولا الاعتزال. وكذلك كل ما يتصور أن يقدر من الصوارف وباعث الفعل، لا يتصور أن [لا]
стр. 482
يكون معلوما للفاعل، ولو كانت السلامة عن صارف العداوة والاعتزال جزءا من الباعث، لوجب أن يكون معلوما حالة الفعل، وقد تصور أن لا يكون معلوما؛ وهو -مع ذلك -باعث، ويسمى: علة.
فعلى هذا المأخذ في الاستعارة، يجوز تسمية التماثل المطلق -في غير المصراة -علة؛ ويكون ضم شرط السلامة عن صورة التصرية إلى العلة، وتقدير التركب منه -برودة في الكلام: تنفر عنها الطباع، كشرط السلامة عن صوارف العداوة والاعتزال. ومن جوز الخصوص على العلل، وسماها -بعد لحوق الخصوص -علة؛ فهذا منشأ نظره وخياله.
المأخذ الثالث: تسمية ما يظهر الحكم به -: أما في نفسه، أو في حق علم الناظر -علة. وهذا يستند إلى الحسيات، [كمن عرض له سقام] وفارقته الصحة بعلة عارضة عليه، يسمى ذلك العارض -المغير لحاله من الصحة إلى السقام -علة، فيقال: حدث به علة البرودة مثلا فمرض. وربما يكون ذلك العارض مستمدا من وصف سابق خلقي: كغلبة البياض على اللون مثلا؛ فيكون الضعف حادثا [با] لعلة الحادثة مع المزاج السابق؛ ولكن الحادث بمجرده يسمى: علة؛ لأن الضعف ظهر -[في حق المحل] وفي حق علمنا -بحدوث ذلك العارض.
стр. 483
وكذلك: من وقف على شاطئ شط أو بئر، فلطمه إنسان لطمة رداه في البئر وهلك -سمي لطمه وترديته علة لهلاكه وإن لم يتصور أن يكون ذلك موجبا للهلاك إلا بشرط خلو الهواء عن [الجسم الممسك] بحدوث عمق البئر. ولكن أشارت العقول إلى إضافة الهلاك إلى الضرب، لا إلى أهواء البئر؛ وإن كان لا يوجب الهلاك إلا به.
وبهذا التأويل، استقام للفقهاء تسمية البيع والقتل والزنا: سببا للحكم وعلة؛ دون الإضافة إلى المحل والأهل، لأنها من الحوادث التي إذا حدثت: ظهر الحكم بها. أما صفات الأهلية والمحلية، فسابق مطرد.
فعلى تأويل الاستعارة من هذا المأخذ، يجوز تسمية التماثل المطلق علة: لأنه يظهر الحكم بمجرده في سائر المواضع، دون أن يعرف الناظر إضافته إلى غير مسئلة المصراة، إذ لا يعرف هذه الإضافة من لا يعرف مسئلة المصراة، وقد يظهر للناظر هذا الحكم بهذه العلة، دون أن يسمع مسئلة المصراة.
فهذا منشأ هذه الخيالات. ولكل طريق من ذلك وجه، وإنما اشتد إنكار فريق على فريق: من حيث إنكارهم للتسمية مأخذا سوى ما اعتقدوه.
فمنكر خصوص العلل مستمد من فن الكلام. والقائل بخصوصه
стр. 484
ملتفت إلى العادات؛ وعلى منهاجه يجري نظر الفقهاء، وهو عن منهاج الكلام أبعد، ولذلك قيل: إن القائل بالخصوص في العلل فقيه محض، لأنه يجرد نظره إلى العادات والمعتقدات الظاهرة. فنقول للذي سماه علة: ما الذي عنيت به؟ إن عنيت وجوب الحكم بمجرده -وهذا حد العلة عندك -فهذا بمجرده لا يوجب الحكم، دون نوع من الإضافة. وإن عنيت به أن الحكم يعرف بمجرد معرفته، دون أن تخطر بالبال الإضافة -فهذا على هذا التأويل مسلم. وإذا كان اسم العلة مستعارا في هذا المقام، فطريق الاستعارة متسعة، ولا حجر فيها بعد الإحاطة بالمقصود المتعلق بالقضايا الاجتهادية، والجدلية، كما قررناها.
وتبين أن منشأ هذا الخصام العظيم: أنهم لم يتفقوا على حد واحد للعلة معلوم؛ ولو وقع الاتفاق عليه: لهان عرض الوصف -المذكور في محل النزاع -على ذلك [المحك]. فهذا كله في العلة القطعية.
ونحن نتعرض للوجوه الأخر في امتناع أحكام [العلل، قبل أن نتعرض لخصوص العلة المستنبطة -: لنستوفي أولا الكلام] في وجوه الإضافات العقلية واللفظية؛ إذ النظر في العلة المظنونة له مأخذ آخر.
الوجه الآخر لامتناع الحكم: أن يندفع بعد كمال العلة، بمعارضة علة دافعة، كرق ولد المغرور: فغنه جرى فيه علة كاملة، وهو: ملك الأصل؛ غذ لا سبب لملك أولاد الحيوانات إلا ملك الأصل. ولكن عارضه
стр. 485
علة الحرية: اقترنت به، فدفعت حكمه. ولو لم يكن ذلك اندفاعا: لم وجب الغرم: لأن الغرم لا يجب إلا بتفويت؛ ولا تفويت: إذ لا مفوت، ولكن: قيل: دفعه في معنى قطعه. ولو اختل سبب الرق وانعدم، لكان انعدامه لا يوجب الضمان؛ فإنه لو اعتق نصيبه من الجارية المشتركة، فأتت بولد -لم يغرم قيمة الولد: لأنه انعقد على الحرية لانعدام سبب الرق. ولا غرم على معدم سبب الرق في الولد: لأجل الوالد.
وكذلك: إذا زوج أمته من عبده، فاستحقاق البضع، علة استحقاق المهر. حتى نقول: [لا ينفك عنه مع التفويض، ولا مهر في هذه الصورة، ولكن نقول:] سقط بالرق المقارن، فكان في حكم الواجب [الساقط] لا في حكم المنتفى من أصله لانعدام سببه: لأن ملك السيد على العبد لو طرأ: [٦٨ - ب] لبرأ ذمته من غير أن يطرق خللا إلى سبب الاستحقاق؛ فإذا قارن دفع: وكان كما لو طرأ وقطع؛ فالمندفع في حكم المنقطع.
وكذلك القصاص الواجب: إذا انتقل بحكم الإرث إلى ابن من عليه القصاص -سقط. ولو كان سبب استحقاق ابن القاتل مقترنا، لم يجب القصاص؛ وكان في معنى الواجب الساقط. وقد عبر بعض أصحابنا عنه:
стр. 486
بأنه وجب ثم سقط. فقيل له: إن سقط فلم وجب؟ وإن وجب مع الأبوة واقترانها، فلم سقط؟ فكانت هذه اللفظة مختلة. والمعنى أنه في حكم الواجب الساقط: إذ الحكم ثابت تقديرا. ولذلك قال بعض المحققين: من اشترى قريبه لم يدخل في ملكه؛ بل عتق عليه واندفع ملكه. فاندفاع ملكه له حكم العتاق: إذ لو ملكه لدام ملكه، والقرابة توجب نفي الملك: فتوجب دفع الملك، وهو دفع في معنى القطع.
وهذا استبعده فريق، وهو عندي سديد على هذا التأويل.
وكذلك قال الفقهاء: من نصب شبكة في مدارج الصيد، فتعاق به صيد بعد موته -حصل الملك لورثته بطريق التلقي من المورث: حتى تقضي منه ديونه، وتنفذ فيه وصاياه. ومعناه: أن علة ملك المورث جرت بكمالها؛ ولكن الموت دافع له فلتقاه الوارث؛ فكان ذلك في معنى
стр. 487
الانتقال تقديرا: لأنه بطريق التلقي منه، وإن كان الملك لا يصادف الميت بحال. فالتلقي [منه] كالانتقال.
وكذلك قال بعض الفقهاء: الجناية في حق الجاني -في شبه العمد والخطأ -سبب للوجوب؛ والعاقلة يتعرضون له بطريق التحمل، ولكن يجرى ذلك على وجه مختطف لا يحس؛ ولكن يعقل تقديرا.
وقال أبو حنيفة ﵁: عقد الوكيل سبب في [وجوب حق الموكل]، والملك يحصل للموكل بطريق التلقي منه على تقدير مختطف لا يدركه الحس، فيكون في معنى الانتقال. حتى جوز لوكيل المسلم أن يشتري الخمر -إذا كان الوكيل ذميا -بهذا الطريق.
فهذا متفق عليه بين العقلاء والفقهاء، وهو معقول كما تقرر، وهو: [أن ما] إذا طرأ قطع الحكم لا بتبعيض العلة، فإذا أقترن دفع، وكان
стр. 488
الدفع في معنى القطع.
والغرض في هذا المقام أن نبين أن الحكم وإن اندفع، فالموجب علة محققة من حيث اللفظ، والعقل، والاجتهاد، والجدل. ولا حاجة إلى الاحتراز عن مواضع انتفاء الحكم، بهذا الطريق.
الوجه الثالث: لانتفاء الحكم مع وجود العلة: أن ينتفي لا لخلل في ركن العلة، ولكن لخلل في المحل والأهل والشرط، كقولنا: أن البيع سبب لزوال الملك وعلة له. وللبيع ركن، وهو: صيغة الإيجاب والقبول. وله مصدر، وهو: العاقد. وشرطه: [أن يكون عاقلا بالغا مالكا. وله موقع ومنزل، وهو: المبيع، وشرطه]: أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه. إلى غير ذلك من الشرائط. والفقهاء يطلقون القول بأن البيع هو السبب والعلة، مع علمهم بأن الحكم لا يتعلق بمجرد وجود صيغة البيع، ما لم تصدر عن مصدر مخصوص، ولم تضف إلى محل مخصوص.
فنقدم في هذا الطرف القضية العقلية واللفظية، فنقول: لا وجه لتسميته علة على مذهب من يأخذ العلة من مثال العلل العقلية؛ فإن الموجب للحكم بيع مضاف إلى عاقد مخصوص مصادف لمعقود مخصوص، فالعلة عبارة عن البيع الموصوف بسائر الأوصاف. فإذا لم يحصل الملك: كان
стр. 489
ذلك لانعدام العلة والسبب. وإليه يشير مسلك الأستاذ، فيقول: لا فرق بين أن يمتنع الحكم لفقد الإيجاب والقبول أو لخلل فيه، وبين أن يمتنع لصدوره من الصبي، وبين أن يمتنع لمصادفته خمرا. فالكل ممتنع لامتناع السبب. فإذا باع الصبي، بطل: لعدم السبب. وإذا بيع الخمر، بطل: لعدم السبب. وإذا بيع واختل الإيجاب والقبول، بطل: لعدم السبب. فإن السبب المشروع -الذي هو علة لإفادة الحكم -: بيع مضاف إلى عاقد مخصوص، وإلى معقود مخصوص. ففقد بعض الأوصاف فقد لسبب والعلة.
فعلى هذا، إذا قال الحنفي مثلا: الغصب سبب لملك بدل المغصوب، فكان سببا لملك المغصوب أو كان علة له -ينتقض بالغصب في المدبر. وقد اختلف الجدليون في ذلك، فمنهم من قال: هذا النقض غير لازم؛ فإنا نقول: الغصب في المدبر سبب، ولكن المحل غير قابل للتمليك، ولذلك لا يقبل البيع. ومن الجدليين من زاد احترازا وقال: فينبغي أن يفيد الملك في المحل القابل [للتمليك].
وكذلك إذا قلنا: ملك الصبي كامل: فكان سببا لوجوب الزكاة؛
стр. 490
فقيل لنا: باطل بملكه فيما دون النصاب. إلى أمثال له، فهو النقض المائل عن مقصد التعليل، الوارد على صورة اللفظ. ونحن نقول: القضية الاجتهادية في هذا الجنس معلومة؛ إذ لا يجوز للمجتهد أن يفتي بحصول الملك بمجرد ملاحظة البيع، ما لم يلحظ اتصافه بقيوده، وإضافاته.
فإنما الموجب للحكم بيع موصوف بالإضافة إلى شخص مخصوص ومحل مخصوص. فإذا صادف جميع القيود والإضافات [حاصلة]: حكم بالملك وإلا فلا.
وأما القضية الجدلية، فالذي نراه فيها أن هذا النقض غير لازم: لأنه مائل عن مقصد الكلام. فإنا وإن كنا نعلم أن موجب الحكم مركب من جملة الأوصاف، ولكن جهات النظر ونواحيها متباعدة. فليس بطلان بيع الصبي من جهة بطلان بيع الخمر. بل يقال: لا خلل في الركن وهو: الإيجاب والقبول. وإنما الخلل في صفة العاقد. فيطلب مأخذه؛ ومأخذه يبعد [٦٩ - أ] عن مأخذ صفات المعقود وصيغة الإيجاب والقبول. فنقول: بيعه سبب صادف محله ولكن لم يصدر من أهله، وبيع الخمر صدر من أهله ولكن لم يصادف محله؛ فتتباعد مقاصد النظر، وتتباين مآخذه.
стр. 491
فإذا كان المقصود البحث عن جهة، فتعرض المعلل لمأخذها -فلا ينبغي أن يناقض بما ينشأ النظر فيه من ناحية أخرى بعيدة عن مقصد النظر.
فإذا قال القائل: الصبي أهل للبيع، لم يحسن أن يقال: لو كان أهلا لصح منه بيع الخمر.
وإذا قال: المبيع [الغائب] محل للبيع، لم يحسن أن يقال: لو كان كذلك لصح [فيه] بيع الصبي، فإنه وإن بطل بيع الصبي فيه، لم يناقض قوله: هو محل البيع. وكان مثاله من كلام الشارع صلوات الله عليه قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" وما دون النصاب سائمة، ولا زكاة فيه. ولا يعد نقضا لهذا الكلام: لأنه منحرف عن مقصود الكلام.
وقد قال : "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا" فجعل السرقة علة للقطع؛ وسرقة ما دون النصاب سرقة
стр. 492
وليس بعلة، ولا يعد ذلك نقضا ولا مناقضا؛ لأن مقصود الكلام التعرض للجهة والسبب، لا للمحل الذي يعمل فيه السبب.
فهذا ما نراه في القضية الجدلية، وهو: رد كل نقض منحرف عن مقصد الكلام؛ كما ذكرناه.
وكذلك لا نرى انتقاض قول الحنفي بالمدبر، إذ قال: الغصب سبب ملك البدل، فليكن سبب ملك الأصل، لأنه يقول: هو في المدبر -أيضا -سبب؛ فليس من مقصوده التعرض للمحل الذي يعمل فيه السبب. وهذا عبر الجدليون عنه: بأن المعلل للجملة لا يناقض بالتفصيل . فهذا ما يتعلق بالقضية الجدلية، والاجتهادية.
أما القضية [العقلية والاسمية]، فنقول فيها: تسمية السرقة المطلقة علة في القطع لا يستقيم على مذهب من يأخذ حد العلة من العقلية؛ لأن العلة الموجبة سرقة مضافة مخصوصة، فلا يضاف الحكم عقلا إلى السرقة المطلقة، ولا تسمى السرقة المطلقة عن قيد الإضافة علة، فالعلة سرقة مقيدة بجميع قيودها. وكذلك البيع والقتل والزنا، وجميع الأسباب، فلا يسمى مطلقها علة. أما من يأخذ اسم العلة من ظهور الحكم بسبب حدوثه، فالحادث المتجدد هو السرقة والقتل والبيع [والزنا].
стр. 493
فأما أوصاف الفاعل والمحل فسابق؛ فيضاف الحكم إلى الحوادث لا إلى أوصاف المحل، وإن كان أوصاف المحال والفاعلين شروطا لحصول المقاصد، كما ضربناه: من أمثال المردي في البئر؛ والعلة العارضة الموجبة للضعف. وهذا المسلك أقرب إلى الفقه.
وقد فرق الفقهاء بين ما قبل وجود السبب، وبين ما بعده -في الأحكام؛ والوجوب منتف في الحالتين جميعا. فجوزوا تقديم الزكاة بعد وجود ملك النصاب وقبل انقضاء الحول، ولم يجوزوا قبل ملك النصاب. وجوزوا تقديم الكفارة على الحنث بعد وجود اليمين، ولم يجوزوا [قبل اليمين]؛ والوجوب منتف في الحالتين: اعتمادا على سبب الوجوب. فسموه سببا وإن لم يتصل به الوجوب، فتسميته علة على هذا التأويل -أيضا -غير بعيد.
وكذلك جوزوا التكفير عن القتل بعد الجرح، بالمال وبالصوم
стр. 494
الذي هو عبادة لا تقدم على وقتها.
وتستمد هذه التسمية الفقهية المعتضدة بالعرفيات التي قدمنا أمثلتها من قضية في الإضافة عقلية؛ فإن الذات الموصوفة بصفات، إذا أوجبت حكما: أشارت العقول إلى الإضافة إلى الذات دون الصفات، فإن الصفات توابع، فلا تجعل ركنا مع الذات وجزءا من الموجب. فالكتابة إذا حدثت من جهة الكاتب: أضيفت إلى الكاتب لا إلى العلم والقدرة والقصد والإرادة وإن كنا نعلم أن ذات الكاتب لا تحدث الكتابة إلا بعد الاتصاف بهذه الصفات.
وكذلك: إحداث العالم مضاف إلى الإله -في ذاته، فيقال: هو المحدث؛ وتستقيم الإضافة إلى مجرد الذات، دون التعرض للصفات.
فإن قال قائل: هو إشارة إلى ذاته الموصوفة بصفاته، قلنا: يجوز أن يقال: زيد محدث هذه الكتابة، فيضاف الإحداث إلى ذات زيد:
стр. 495
وليس زيد عبارة عن الذات مع العلم والإرادة والقصد، فإنه -مع الانفكاك عن هذه الصفات -تعقل ذاته، وزيد إشارة إليه لا إلى الصفات.
فكذلك بهذه القضية العقلية، تستقيم إضافة حدوث الملك إلى البيع في ذاته، وحدوث وجوب العقوبات إلى القتل والسرقة والزنا في ذواتها.
فإن قولنا: بيع مكلف"، [إضافة؛ وهو:] صفة البيع لا يعقل قيامه إلا بالبيع. وقولنا: سرقة نصاب"، إضافة إلى السرقة. والإضافة صفة تابعة للمضاف إليه، فكان الذات في نفسها هي التي يضاف إليها، دون الأوصاف التابعة. وبهذا تنفصل عن أجزاء العلة وأبعاض أركانها: إذ ليس بعضها، تابعا للبعض، فهو كالإيجاب والقبول: لا يضاف الحكم إلى واحد، بل يضاف إليهما. فالسبب يتركب منهما، وليس أحدهما وصفا للآخر.
ولذلك، قلنا: لو ملك نصف النصاب وعجل نصف شاة: لم يجز، ولو ملك كمال النصاب وعجل الزكاة قبل انقضاء الحول: جاز. لأن الموجب هو نصاب باق حولا؛ وكونه باقيا صفة النصاب: فلم يكن ركن العلة وبعض السبب. فجاز التقديم بعد وجود أصل
следующие страницы →