← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فإذا كان المقصود البحث عن جهة، فتعرض المعلل لمأخذها -فلا ينبغي أن يناقض بما ينشأ النظر فيه من ناحية أخرى بعيدة عن مقصد النظر. فإذا قال القائل: الصبي أهل للبيع، لم يحسن أن يقال: لو كان أهلا لصح منه بيع الخمر. وإذا قال: المبيع [الغائب] محل للبيع، لم يحسن أن يقال: لو كان كذلك لصح [فيه] بيع الصبي، فإنه وإن بطل بيع الصبي فيه، لم يناقض قوله: هو محل البيع. وكان مثاله من كلام الشارع صلوات الله عليه قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" وما دون النصاب سائمة، ولا زكاة فيه. ولا يعد نقضا لهذا الكلام: لأنه منحرف عن مقصود الكلام. وقد قال : "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا" فجعل السرقة علة للقطع؛ وسرقة ما دون النصاب سرقة

стр. 492

وليس بعلة، ولا يعد ذلك نقضا ولا مناقضا؛ لأن مقصود الكلام التعرض للجهة والسبب، لا للمحل الذي يعمل فيه السبب. فهذا ما نراه في القضية الجدلية، وهو: رد كل نقض منحرف عن مقصد الكلام؛ كما ذكرناه. وكذلك لا نرى انتقاض قول الحنفي بالمدبر، إذ قال: الغصب سبب ملك البدل، فليكن سبب ملك الأصل، لأنه يقول: هو في المدبر -أيضا -سبب؛ فليس من مقصوده التعرض للمحل الذي يعمل فيه السبب. وهذا عبر الجدليون عنه: بأن المعلل للجملة لا يناقض بالتفصيل . فهذا ما يتعلق بالقضية الجدلية، والاجتهادية. أما القضية [العقلية والاسمية]، فنقول فيها: تسمية السرقة المطلقة علة في القطع لا يستقيم على مذهب من يأخذ حد العلة من العقلية؛ لأن العلة الموجبة سرقة مضافة مخصوصة، فلا يضاف الحكم عقلا إلى السرقة المطلقة، ولا تسمى السرقة المطلقة عن قيد الإضافة علة، فالعلة سرقة مقيدة بجميع قيودها. وكذلك البيع والقتل والزنا، وجميع الأسباب، فلا يسمى مطلقها علة. أما من يأخذ اسم العلة من ظهور الحكم بسبب حدوثه، فالحادث المتجدد هو السرقة والقتل والبيع [والزنا].

стр. 493

فأما أوصاف الفاعل والمحل فسابق؛ فيضاف الحكم إلى الحوادث لا إلى أوصاف المحل، وإن كان أوصاف المحال والفاعلين شروطا لحصول المقاصد، كما ضربناه: من أمثال المردي في البئر؛ والعلة العارضة الموجبة للضعف. وهذا المسلك أقرب إلى الفقه. وقد فرق الفقهاء بين ما قبل وجود السبب، وبين ما بعده -في الأحكام؛ والوجوب منتف في الحالتين جميعا. فجوزوا تقديم الزكاة بعد وجود ملك النصاب وقبل انقضاء الحول، ولم يجوزوا قبل ملك النصاب. وجوزوا تقديم الكفارة على الحنث بعد وجود اليمين، ولم يجوزوا [قبل اليمين]؛ والوجوب منتف في الحالتين: اعتمادا على سبب الوجوب. فسموه سببا وإن لم يتصل به الوجوب، فتسميته علة على هذا التأويل -أيضا -غير بعيد. وكذلك جوزوا التكفير عن القتل بعد الجرح، بالمال وبالصوم

стр. 494

الذي هو عبادة لا تقدم على وقتها. وتستمد هذه التسمية الفقهية المعتضدة بالعرفيات التي قدمنا أمثلتها من قضية في الإضافة عقلية؛ فإن الذات الموصوفة بصفات، إذا أوجبت حكما: أشارت العقول إلى الإضافة إلى الذات دون الصفات، فإن الصفات توابع، فلا تجعل ركنا مع الذات وجزءا من الموجب. فالكتابة إذا حدثت من جهة الكاتب: أضيفت إلى الكاتب لا إلى العلم والقدرة والقصد والإرادة وإن كنا نعلم أن ذات الكاتب لا تحدث الكتابة إلا بعد الاتصاف بهذه الصفات. وكذلك: إحداث العالم مضاف إلى الإله -في ذاته، فيقال: هو المحدث؛ وتستقيم الإضافة إلى مجرد الذات، دون التعرض للصفات. فإن قال قائل: هو إشارة إلى ذاته الموصوفة بصفاته، قلنا: يجوز أن يقال: زيد محدث هذه الكتابة، فيضاف الإحداث إلى ذات زيد:

стр. 495

وليس زيد عبارة عن الذات مع العلم والإرادة والقصد، فإنه -مع الانفكاك عن هذه الصفات -تعقل ذاته، وزيد إشارة إليه لا إلى الصفات. فكذلك بهذه القضية العقلية، تستقيم إضافة حدوث الملك إلى البيع في ذاته، وحدوث وجوب العقوبات إلى القتل والسرقة والزنا في ذواتها. فإن قولنا: بيع مكلف"، [إضافة؛ وهو:] صفة البيع لا يعقل قيامه إلا بالبيع. وقولنا: سرقة نصاب"، إضافة إلى السرقة. والإضافة صفة تابعة للمضاف إليه، فكان الذات في نفسها هي التي يضاف إليها، دون الأوصاف التابعة. وبهذا تنفصل عن أجزاء العلة وأبعاض أركانها: إذ ليس بعضها، تابعا للبعض، فهو كالإيجاب والقبول: لا يضاف الحكم إلى واحد، بل يضاف إليهما. فالسبب يتركب منهما، وليس أحدهما وصفا للآخر. ولذلك، قلنا: لو ملك نصف النصاب وعجل نصف شاة: لم يجز، ولو ملك كمال النصاب وعجل الزكاة قبل انقضاء الحول: جاز. لأن الموجب هو نصاب باق حولا؛ وكونه باقيا صفة النصاب: فلم يكن ركن العلة وبعض السبب. فجاز التقديم بعد وجود أصل

стр. 496

السبب. ونصف النصاب بعض السبب وأحد أركانه؛ فلم يمكن أن يجعل تابعا وتقدم بسبب وجوده الزكاة. فهذه قضايا عقلية: تتأيد بالعادات، وتؤيد المصير إلى تسمية الأسباب [عللا]، وإضافة الأحكام إليها إذا حدثت، وإن كان الحكم لا يجب بمطلقها وبمجردها؛ وإنما يجب بموصوفها بإضافات. ولكن الحكم يضاف -عقلا [٦٩ - ب] وعرفا ولغة -إلى الذات الموصوفة؛ فجاز تسميتها علة بهذا الطريق. وبان أن ذلك جار في الجدل على الوجه الذي قررناه، ونبهنا على القضية الاجتهادية فيه أيضا. فإن قال قائل: سياق كلامكم يدل على أن العاقد والمبيع في مقام الشرط والمحل في البيع، وليس في مقام الركن. ونحن نعلم أن البيع لا ينعقد بيعا دون مبيع، فالمبيع هو الركن، فكيف يقال: أنه محل يجري مجرى الشرط؟ قلنا: الشرط والمحل والركن عبارات أطلقها الفقهاء، وغمض مدركها على الأكثر؛ لأنهم يعبرون بها عن مقاصد مختلفة، ولم يتفقوا فيها على حد معلوم بالاصطلاح. ونحن ننبه على الغرض، ثم لا حرج في الاطلاقات، فنقول: القتل لا يتصور إلا بقاتل وقتيل وفعل يسمى قتلا؛ وإذا وجب القصاص فإنما يجب بالقتل. ولا يتصور [أن ينفعل القتل قتلا] إلا بالقتيل والقاتل، [وفعل يسمى قتلا]. ولكن لا تجعل

стр. 497

حياة القتيل ووجوده بعضا من موجب القصاص ولا ركنا، ولكن يحال الحكم على القتل المجرد، ثم نعلم أن القتل لا ينفعل قتلا إلا بحياة المقتول ووجوده ووجود الفاعل، ولكن القصاص يضاف إلى ما يضاف إليه الهلاك، والهلاك يضاف إلى الفعل وهو: الجرح، لا إلى محل الجرح وفاعل الجرح؛ وإن كان الجرح لا ينفعل جرحا إلا بفاعل ومحل. فهذه أمور معقولة ينبغي أن تتحقق أولا، ثم إذا تحققت: اصطلح الفقهاء على التعبير عما يضاف إليه [الحكم]: بالسبب والعلة؛ وعلى التعبير عما لا ينفعل السبب إلا بوجوده: بالشرط والمحل. ثم ركن السبب عبارة عن نفس السبب وذاته، فإن اتحد ذاته: اتحد الركن؛ وإن تعدد ذاته كالإيجاب والقبول: سمي أحد العددين ركنا من أركان العلة وبعضا من أبعاضها، ولم تسم الشروط ركنا وبعضا من ذات السبب. فهذه اصطلاحات الفقهاء بينة، ومقاصدها معلومة، ولا حجر -بعد الإحاطة بها -في المضايقة فيها، والمساهلة عليها. هذا: مع العلم بأن الحكم ينتفي عند انتفاء الشرط والمحل، كما ينتفي عند انتفاء السبب. فلا رجم عند عدم الزنا، ولا رجم -أيضا -عند عدم الإحصان، ولكن جهات الانتفاء هي المختلفة. ولما تباينت جهات النظر، وتعددت في

стр. 498

أنفسها، واختلفت خواصها -اصطلح الفقهاء على عبارات متعددة: تنبئ -باصطلاحهم -عن مقاصدها. فهذا فن الفقه. وهو اللائق به. والقول المائل عنه، بتقدير جميع الأوصاف قيودا للعلة وأبعاضا وأركانا لها: من حيث كان الوجود موقوفا على جميعها -مستمد من فن الكلام، كما نبهنا عليه. ولن يتصور الخلاف في هذه المسئلة: من حيث المعنى؛ وإنما يرجع ذلك إلى التسمية، أو إلى الإضافة المعلومة بالعادة؛ على ما ذكرناها. هذا تمام البيان فيما يتعلق بامتناع الحكم [لعارض مدافع] هو في حكم القاطع، وفي امتناعه لفقد شرط ومحل. والآن ننعطف على المقصود الذي كنا فيه، وهو: بيان ورود النقض على العلة المظنونة ؛ فالنظر فيه كثير الجدوى في الفقه، فنقول -وبالله التوفيق -: المسئلة الواردة نقضا على العلة المظنونة، لا تخلو: أما أن يعلم

стр. 499

قطعا أنها وردت مورد الاستثناء عن القاعدة لخصوص معنى وحالة؛ أو لم يعلم كونها واردة على طريق الاستثناء وأستبقاء العلة فيما وراءه. فإن علم أنها وردت مورد الاستثناء، لم يكن نقضا على العلة جدلا، ولا ينقطع به ظن المجتهد في مجرى نظره. وبيان ذلك بالمثال: أنا إذا عللنا -لإيجاب المماثلة بالكيل في الربويات -بعلة الطعم، فأورد علينا مسئلة العرايا نقضا -لم ينقطع الظن عن العلة [به]: لأنه علم أنه ورد مورد الاستثناء عن جملة القاعدة، بخصوص حالة؛ والاستثناء صريح في استبقاء المستثنى [منه]: فإنه لم يرد مورد النسخ لقاعدة الربا، بل ورد مورد اقتطاع طرف لنوع حاجة. والدليل على كونه استثناء: الإجماع، فإنه وارد على المعلل بالكيل والقوت والمالية، فكيف يستقيم -في الجدل من هؤلاء -النقض به، وعلتهم -أيضا -منقوضة به؟ وكيف ينقطع ظن المجتهد عن الطعم، وعلى أي وجه تقلب فهو مضطر إلى أن يفهم أن الحكم في العرايا لم يرد لدفع قاعدة الربا، بل ورد

стр. 500

[مقررًا لها] بما جرى فيه: من التقييد بخمسة أوسق وغيره. ولكنه اقتطعت صورته لحاجة مخصوصة؟ وهذا يلحق النظر فيه بالعلة القطعية، وهو: أن ورود الاستثناء على العلة يعطف قيدا على العلة. وهل يخرج مطلقها عن أن يسمى علة أو يضاف الحكم إليه؟ وقد ذكرنا بيانه. وحد ما يعلم كونه واردا مورد الاستثناء: أن يضطر إليه كل فريق على أي وجه ردد النظر؛ لا يختص ذلك بمذهب دون مذهب. فإذا علم المجتهد أنه على أي وجه تقلب في نظره، وعلى أي علة اعتمد: اضطر إليه -كان ذلك إجماعا في وروده مورد الاستثناء، فلا ينقطع نظره. وإن كان مجادلا، فلا يلزمه النقض، لأنه منقلب على الخصم في علته ومذهبه -أيضا -. وهل يجب الاحتراز عنه بصورة لفظ، وتقييد بقيد عبارة؟ اختلف فيه الجدليون. والأصح -عندنا -: أن تكليف ذلك قبيح في الاصطلاح، كما تقدم. ومن أمثلة ذك: تمسكنا -في إيجاب تعيين النية في الصوم -بكونه عبادة مفروضة، فيفتقر إلى التعيين. فقيل [لنا]: يبطل [هذا]

стр. 501

بالحج، فإنه لا يفتقر إلى التعيين. فأقول: أما المجتهد فلا ينقطع ظنه الحاصل بمخالفة الحج له؛ فإنه كيف ما تردد، فالحج على خلاف قياس العبادات في النية؛ فإنه لو أهل بإهلال كإهلال زيد -وهو لا يدري -: انعقد. وتطرق إليه أمور لا تتطرق إلى سائر العبادات. فعلم أن الشرع قطعه عن قياس غيره، واستثناء عنه؛ لا أنه رفع به قياس [٧٠ - أ] العبادات. إذ لابد من إتباع نوع من النظر في افتقار العبادات إلى النية، فكيفما ورد فالحج على مخالفته. هذا نظر المجتهد. وربما يسنح في هذا المقام أن المعنى المناسب -لو ظهر -متروك، ووجب العدول إلى التشبيه. وهو: أن الصوم إلى الصلاة أقرب منه [إلى] الحج. وعلى الجملة: انعطف من الحج قيد وإضافة على العلة المطلقة؛ وذلك القيد لا يناسب، وإنما هو تمييز بعلامة فاصلة لمحل جريان الحكم -عن محل انقطاعه؛ وهو: الشبه الذي قدمناه. فأما أن يستعمل الشبه والعلامة كاستعمال المخيل وتخصيصه، وأما أن يعتبر العلامة ويضيف الحكم إلى نفس العلة. ولذلك اضطر النكرون للتعليل بأوصاف لا تناسب، إلى جواز الاحتراز -في مثل هذه المواضع -بوصف

стр. 502

لا يناسب؛ فإنه مضموم [إلى المناسب] غير مستقل بنفسه. وبه يتبين أن القول بالعلامات الفاصلة التي لا تناسب -وهو الذي يسمى: الشبه مرة، والطرد أخرى -حق لا محيص عنه. إذ لو سبر السابر جميع المناسبات المخيلة، لم يصادف واحدا منها يطرد من غير احتياج إلى تقييد، وتخصيص، وإضافة إلى جنس دون جنس. وتلك الإضافات: [إضافات] قيود بعلامات لا تناسب؛ كتخصيص معنى مناسب بالبيع، وقطعه عن النكاح. وتخصيص مناسب بالقصاص، وقطعه عن السرقة؛ مع أن صرف المناسبة ومحضها ينسب إلى الكل على وتيرة [واحدة]. ولكن يقال: علم أن الشرع راعى هذا المعنى في موضع دون موضع؛ والتقييد ببعض المواضع على خلاف المناسبة؛ فالمناسبة منقوضة، ويتعين الرجوع إلى العلامات المعرفة لمجارى الأحكام ومقاطعها؛ وهو: القول بالوصف الذي لا يناسب في تعريف محل الحكم به، سمي ذلك شبها أو طردا. وإذا نبهنا على هذه الدقيقة، فنعود إلى الغرض ونقول: كما لا ينقطع ظن المجتهد بورود الحج نقضا -: لعلمه بأن الحج يخالف كل قياس

стр. 503

ذكر، ونزول الحج منزلة العرايا، وكونه نقضا لكل علة ذكرت في الربا -فليعلم أن المجادل أيضا يدفع النقض بهذا الطريق، ويقول: معول الخصم على عدم التعيين [في الحج] والحج -أيضا -لا يتعين وقته. وقياسه الافتقار إلى التعيين. فهو نقض على كل فريق؛ فليخرج من اللبس وليعلم أن حكم الشرع فيه وارد في معرض قطعه، واستثنائه بخصوص اسمه وصفاته عن غيره. فالنظر في الباقي -على ما يقتضيه التعليل -مستمر، والحج لا يورد نقضا على شيء منه. فإن المعلل لا يفارق خصمه في أصل التعليل؛ وإنما يفارقه في عين العلة. والحج نقض على كل علة عينت، فليس يختص الخصم بالتزامه، وهو على خلاف الكل بالإجماع. فكأنا عرفنا بالإجماع أن وروده مورد الخصوص والاستثناء، لا مورد النقض والدفع للقاعدة الجارية. فهذا وما يضاهيه لا يرد نقضا. ثم للجدليين خلاف: في أن الاحتراز عنه بلفظ، هل يجب؟ كقولنا: صوم، مثلا. وقد نبهنا عليه، والأمر فيه قريب.

стр. 504

فإذن الحد في هذا الجنس: أن يعلم بالإجماع وروده على مخالفة كل قياس، أو يعلم بإجماع الخصمين وروده على الفريقين. وإذا أحاط الإنسان بهد الحد، علم أن قول أصحابنا: حق مقصود، فيورث -قياسا لخيار الشرط على خيار [الرد] بالعيب -منقوض بالأجل. ولا يغنيهم قولهم: أن الأجل خارج عن القياس. لأن الخصم لا يعترف به، بل يزعم أنه يسويه على قياس نفسه. وكذلك إذا قلنا: الكتابة الفاسدة خارجة عن القياس، فلا تلزم نقضا في البيع الفاسد -لم يسمع ذلك؛ لأنها غير خارجة عن قياس مذهب الخصم، على ما يعتقد في انعقاد الفاسد. وإن صوم التطوع: إذا ورد نقضا [على] غلتنا في تبييت النية، لم يسمع قولنا: أنه خارج عن القياس؛ لأن الخصم يزعم أنه غير خارج عن قياسه. وكذلك: إذا عللنا للمساواة في القصاص في مسئلة [قتل] الحر بالعبد، والمسلم بالذمي؛ فأورد قتل الجماعة بالواحد نقضا -لم يسمع قولنا: أنه خارج عن القياس؛ لأن الخصم يزعم أنه جار على قياسه: في أن المساواة غير مرعية، وأن كل واحد قاتل على الكمال [والتمام]

стр. 505

إلى نظائر لذلك: اشتهر في المجادلات؛ ولا وجه لشيء من ذلك. فإن قيل: فالخصم قد يقول: إن استغناء الحج عن التعيين ليس خارجا عن قياسي، وإنما القرينة عندي تعين، كما أن القصد يعين. فقد حصل التعيين بالقرينة. قلنا: إن استقام له ذلك، فتلك المسئلة لا تصلح للتمثيل. [فيرد التمثيل] إلى مسئلة العرايا: فإنها ترد بالاتفاق على كل فريق؛ ولا يجرى تعليل معلل فيه بحال. وإذا ضبطنا قاعدة برابطة وقيدناه بمثال، فإن سنح للناظر في عين ذلك المثال شيء، فليطلب مثالا أمثل وأقرب منه؛ ولا ينعطف على القاعدة المعلومة بالإبطال، لما يتطرق إلى الأمثلة من الاختلال. وإنما المقصود أن ورود المسئلة على الكافة -إذا لم يكن معلوما -لم يسمع مجرد الدعوى بالخروج عن القياس. وهذا كله بيان ما علم [أن] وروده مورد الاستثناء [مع أن العلة مظنونة، فأما إذا لم يعلم وروده مورد الاستثناء] كالتطوع في مسئلة

стр. 506

تبييت النية -فالاحتراز عنه في الجدل واجب لا شك فيه: إذ لا تبقى إلا الدعوى المجردة في خروجه عن القاعدة. أما المجتهد، فهل ينقطع ظنه عن العلة التي ظنها؟ وهل يجوز أن يبقى الظن مع ورود النقض؟ فقد ردد القاضي ﵁ -كلامه [في هذا]، وردد رأيه في أن القول ببطلان العلة بمثل هذا [النقض] معلوم، أم مظنون؟ والتفصيل [٧٠ - ب] الحاوى للغرض فيه -عندي -أن يقال: إن انقدح الاعتذار عن مسئلة النقض بفقه على مذاق التعليل، [وهو المناسبة: إن كان التعليل مناسبا؛ أو الشبه: إن كان التعليل] شبها -فلا شك في انقطاع الظن: إذ تبين به أن ما سنح بعض العلة، وينعطف عليه قيد مناسب. فالعلة مجموع الأمرين. فإذا قلنا: طهارة فافتقرت إلى النية"، وانتقض بإزالة النجاسة -وجب التقييد بأنها طهارة حكمية. وظهر للمجتهد والمجادل أن علامة الحكم كلا الوصفين، لا أحدهما. وكذلك: إذا كانت العلة مخيلة، وانقدح عذر مخيل ينضاف إلى الأول ويصير جزءا منه -فلا شك في أن العلة صارت منقوضة، وانعطف عليها قيد.

стр. 507

أما إذا كانت العلة مخيلة، وكان لا ينقدح في مسئلة النقض عذر وجه من الوجوه -ولنقدر مثاله: التطوع في مسئلة التبييت؛ إذ المعنى المخيل: أن العبادة تفتقر إلى النية، والنية لا تنعطف على ما مضى، وأول العبادة لا يستغنى عن النية؛ فهذا كلام مناسب مخيل، وهو منقوض بالتطوع، ولنقدر أنه ليس ينقدح في التطوع عذر مخيل على مذاق العلة، وهو كذلك -فالظن الذي ذكرناه هل ينقطع بورود التطوع.؟ هذا محل [النظر: إذ يحتمل] أن يجعل التطوع معرفا لفساد العلة، ويحتمل أن يجعل استثناء بخصوص صفة مع بقاء العلة التي ذكرناها معتبرة. وقد تردد الأصوليون في هذا؛ وأنا أفصل القول في جنسه، فأقول: إن كان المناسب -الذي ذكره المعلل -على رتبة لا يستقل بنفسه مرسلا، ويفتقر إلى أصل يشهد له -كما قدمنا فيه التفصيل -: انقطع الظن بالنقض: لأنه لا طريق [إلى معرفة] كونه علة إلا شهادة الحكم له بوروده على وفقه. كما ذكرنا طريق التعليل بالمناسبات. وإذا كان يعتقد صحته بورود الشرع على وفقه؛ فمسئلة النقض على خلافه -تشهد بأنه ليس ملحوظا. فمن أعطى فقيرا ولم يذكر سببه، ظننا أنه أعطاه: لكونه فقيرا. إذ الفقر مناسب يصلح أن

стр. 508

يكون باعثاً. فإذا حرم فقيرا مثله في الفقر: علم أن الفقر لم يكن باعثا، وانقطع الظن؛ أو علم أن الفقر مع وصف آخر كان باعثا، وقد عدم ذلك الوصف في الفقير الآخر، ولسنا نطلع عليه، فهذا الجنس يقطع بانقطاع الظن فيه. فأما إذا كانت المناسبة على رتبة لا تفتقر إلى شهادة الأصل، وهو: المعنى الملائم والمؤثر -كما ضربنا أمثلته في الاستدلال المرسل -فإذا ورد نقص عليه، واحتمل أن يكون قد سلك به مسلك الاستثناء -فلست أجل بقاء الظن وحمل النقض على الخصوص والاستثناء بخصوص حالة. ولست أعني بالمناسب المستغني عن الأصل: الوصف الذي دل الإجماع أو النص على كونه مؤثرا في عين الحكم؛ فإن ذلك يلتحق بالعلة المعلومة، وهو الذي زعم أبو زيد ﵁ -أنه مشروط في العلل، ولم يقبل عليه النقض. وذلك سبق مثاله في المصراة، وضرب الدية على العاقلة. ولكن: ربما تعرف العلة بالظن لا بالعلم اليقيني، ويكون استدلالا مرسلا بمعنى يلائم تصرفات الشرع، وورود النقض عليه لا يقطع الظن. وأقرب مثال له. مسئلة [تبييت النية]؛ فإن قولنا: العبادات مفتقرة إلى النية"، كلام معلوم. وقولنا: أن كل اليوم يجب صومه"، [كلام]

стр. 509

معلوم. وقولنا: أن [صوم بعض] اليوم بعض العبادة وقد خلا عن النية"، معلوم. وقولنا: أن النية عزم وقصد لا ينعطف على الماضي"، معلوم في العقل؛ وعدم انعطافه حكما مظنون، مستنده: عدم انعطافه عقلا وتحقيقا. فهذا كلام لا يفتقر إلى الاستشهاد بالقضاء؛ ولكنه منقوض بالتطوع. ولا [يخطرن الناظر بالبال] منع بعض المتقدمين أن العبادة من

стр. 510

التطوع: بعض اليوم؛ فذلك من المنكرات في الشرع. فإذا نظر المجتهد في التطوع، احتمل عنده احتمال الشرع انعطاف النية على السابق حكما؛ وإن لم ينعطف تحقيقا. واحتمل أن يقال: استثنى التطوع عن هذه القضية: رخصة، وترغيبا في تكثير النوافل، وتساهلا فيها. فلقد تساهل الشرع في النوافل في أمور فارق فيها الفرائض. ولو كان كذلك: لبقيت العلة التي ظهرت أولا باقية في الظن؛ ولو كان بخلافه: لا ينقض. وليس يبعد أن يترجح للمجتهد ظن الاستثناء على ظن الإبطال؛ فيعتمده. فهذا في محل الاجتهاد، ويختلف بآحاد المسائل، وبقوة المناسبات وبظهور وجه خيال الاستثناء. وحظ الأصول أن كلا الأمرين مجوز في الإمكان، والنظر في تعيين آحاد المسائل إلى المجتهد. ثم إذا استقر الظن على العلة السابقة للمجتهد، فطريق المجادل: أما الاحتراز ظاهرا، وأما الإبداء للمقصود إجراء على ما يجرى به رسم الاصطلاح، وهو: أن يبين أن ظن الاستثناء -مع ظن إبقاء المعنى معتبرا -أغلب من ظن الانعطاف على المعنى بالإبطال. وعند هذا تكاد تظهر الحاجة إلى الاستشهاد بالقضاء: لنتبين به أن هذا المعنى لم

стр. 511

يعطله الشرع مطلقا، بل أبقاه مستعملا في الفرض. والأداء: بأن يكون محل استعماله، كما كان القضاء محل استعماله -أولى من أن يكون محل تعطيله. كما في التطوع. وبالاحتياج إلى هذا الاستشهاد، يتبين أن التعلق بالعلامة الشبهية أولى من التعلق بالمناسبة التي لا تطرد؛ فإن الحكم إن كان يتبع المناسبة المحضة: فقد صارت منقوضة. وإن كان يتبع العلامة الحاصرة القاطعة لمجرى الحكم عن موقعه -وهو: علامة الفرضية -: فليتعلق به [٧١ - أ] بطريق الشبه، كما سبق. وكل متعلق بمناسبة فهو مضطر إلى تقييد مناسبته بقيود، وتخصيصها بمواضع. مع أن المناسبة لا تختص بتلك القيود. ولأجله قال قائلون -وبه تشبث أبو زيد ﵁: أن المناسبة لا وجه للتعلق بها، ولكن الأوصاف -التي عقل من الشرع ضبط الأحكام بها، وعرفت فواصل بين النفي والإثبات بموارد الشرع

стр. 512

ومصادره -هو المتبع. وكل ذلك يرجع إلى إتباع أسباب وأوصاف موضوعة من جهة الشرع: لا تناسب بأنفسها. نعم: قد يتخيل للشرع حكمة فيها؛ والحكم يتبع الوصف الظاهر والسبب المنصوب، دون الحكمة: فإنها لا تطرد، بل يضطر في سياقها إلى قيود لا يوقف على حكمتها؛ وإن وقف على حكمتها بنوع من التوهم، لم يوثق به. وهذا كلام متين؛ وفيما قدمناه -من بيان المناسبة ومراتبها -ما يشفي الغليل. [ويلغي غموض هذا السؤال عند من أحاط به واحتوى على جميع دقائقه، كما قررناه]. مسئلة: اضطرب رأي الأصوليين في إضافة الحكم إلى علتين: فمنهم: من منعه؛ واستدل: بإجماع العلماء على الترجيح في مسئلة علة الربا، مع توافق العلل وإمكان الجمع. ومنهم: من جوز؛ واستدل: بأن المرأة الحائض المحرمة المعتمدة بحرم وطؤها بهذه الجهات؛ فالتحريم حكم واحد، وقد ثبت بهذه العلل.

стр. 513

وكذلك الشخص: يقتل ويرتد، فيستحق قتله بجهات، فيتحد القتل، ويتعدد السبب. والمسئلة في غطاء من الأشكال: لا يكشفه إلا التفصيل، فأقول -والله المستعان -: النظر في المسئلة يتعلق بقضية عقلية، وأخرى جدلية، وأخرى اجتهادية فقهية. أما القضية العقلية، فلا بد من تقديمها؛ فأقول: جواز إضافة الحكم الواحد عقلا إلى علتين، ينبني على درك حد العلة وحقيقتها، وما هو المراد [من إطلاقها] في لسان الفقهاء. فقد أطلق الفقهاء اسم العلة على ثلاثة معان متباينة -من لم يعرف تباينها: اشتبه عليه معظم أحكام العلل في [هذا] الركن -الذي رسمناه لبيان العلة -وفيما عداه من الأركان -: أحدها: تسميتهم البواعث والدواعي إلى الفعل: علة الفعل؛ وهو المسمى مناسبا في لسانهم. وعلى هذا التقدير، ليس يبعد -في قضية العقل -تعدد البواعث، وترادفها على الشيء الواحد. هذا من حيث

стр. 514

[التجويز العقلي]. كمن يعطي الفقير لفقره، وقد يعطي القريب -أيضا -لقرابته، فيكون كل واحد باعثا على الإعطاء [وداعيا إليه]، ويسمى علة بهذا الطريق. ومن مجوزات العقل أن تجتمع القرابة والفقر في شخص واحد، ويكون كل واحد باعثا مستقلا، على معنى: أنه لو ويسمى علة بهذا الطريق. ومن مجوزات العقل أن تجتمع القرابة والفقر في شخص واحد، ويكون كل واحد باعثا مستقلا، على معنى: أنه لو انفرد لاستقل داعيا إلى الفعل. ويجوز أن يكون اجتماعهما هو الباعث، حتى لو انفرد أحدهما: لم يكن باعثا. وعند ذلك تتحد العلة، ويرجع التعدد إلى وصف العلة. فعلى هذا، لا يبعد في العقل تقدير ترادف مصلحتين على قضية واحدة: بحيث يكون لكل واحدة رتبة الاستقلال لو تجردت عن صاحبتها. فهذا أحد مآخذ التسمية باسم العلة. المأخذ الثاني: العلامات المعرفة التي لا تناسب ولا تدعو، وإن كان يتصور أن تتضمن مناسبا لا نطلع عليه. فهذا -أيضا -قد يسميه الفقيه: علة، على معنى: أن الحكم يظهر في حق المتعبد بوجوده. وهذه العلل على مذاق الشروط: التي لا توجب بنفسها، ولا يضاف الإيجاب إليها إلا غلى نوع من التأويل. وعلى هذا -أيضا -لا يبعد أن يكون على

стр. 515

الحكم الواحد علامتان: يثبت الحكم -في حق المتعبد -بأية علامة كانت. كما يقول الرجل: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن كلمت زيدا فأنت طالق. فيتعلق الطلاق في حق المرأة، بكليهما. فكذلك: [للشرع] أن يضيف أحكاما متماثلة إلى علامات؛ ثم تجتمع العلامات، أو نتفرق. المأخذ الثالث للعلة: أن يكون الشيء موجبا؛ كالزنا للرجم، والقتل للقصاص، والسرقة للقطع. إلى غير ذلك: من الأسباب التي عقل جعل الشرع إياها موجبة، ولم تعقل الأحكام بأنفسها منفصلة، [بل عقل] كونها موجبة للأسباب، وكون الأسباب موجبة لها. فهذا -أيضا -إذا كان كونه موجبا مأخوذا من جعل الشرع إياه موجبا فلا يبعد في العقل أن يجعل الشرع سببين موجبين لجنس واحد من الحكم يتماثل في نفسه. كما نقول مثلا: القتل يجب بالزنا، ويجب بالكفر [بعد الإسلام].

стр. 516

وها هنا نظر دقيق عقلي، وهو: أن العلة -على هذا المأخذ -أثبتت على مثال العلل العقلية؛ ولا يجوز إثبات الحكم الواحد، في المحل الواحد -بعلتين؛ كالعالمية الحاصلة للذات بشيء واحد: لا يجوز أن تكون بعلمين. فعلى هذا المذاق، لا يجوز تعليل حكم واحد، في محل واحد، من وجه واحد -بعلتين؛ فإن المعلول واقع بالعلة. وكما لا يجوز أن يحدث شيء واحد عن [جهة] محدثين، لا يجوز أن يقع المعلول الواحد بعلتين، لأن من ضرورة إضافة الحادث إلى محدث، قطعه عن الآخر، فلا يتصور أن يكون واقعا بهما، مع اتحاده في المحل. ومن علل الشرع ما أثبت على مثال العقليات: إذ جعلت موجبة، ولم يعلم في الشرع ما أثبت على مثال العقليات: إذ جعلت موجبة، ولم يعلم في الشرع موجباتها منفصلة عن الموجبات؛ بل عقل من الشرع نصب الموجبات لها، كأسباب العقوبات أجمع. فلا يتصور تعليل حكم واحد، في محل واحد، بعلتين؛ على معنى: [أنه تقدر كل واحدة منهما موجبة له]. فإن الإيجاب إذا كان على مثال إيجاب العقليات: ففي اعتقاد الإيجاب لواحد، نفي الإيجاب عن الآخر.

стр. 517

وهذا [ما] يليق بمذهب الأستاذ أبي إسحاق ﵁ في مصيره إلى استحالة التخصيص، فإنه ليس يعتقد للعلة مأخذا إلا على هذا الوجه. وهو اللازم على جميع الفرق في الأسباب [٧١ - ب] التي عرف من نصوص الشرع انتصابها موجبات للأحكام. فإنا وإن قلنا: إنها ليست موجبات لذواتها، فنعني به: أنها لولا ورود الشرع لما أوجبت. والآن فقد ورد الشرع بنصبها موجبة. ونصب الشيء موجبا: حكم من الشرع معقول، وإذا صار موجبا، وأضيف إليه الموجب -انقطع إضافته عن غيره. فإن قيل: فالقول بالأسباب الموجبة ضروري في الشرع؛ ونحن نرى جملة من الأسباب تترادف ويتحد موجبها. قلنا: اتحاد الموجب، مع تعدد الموجب، لا يعقل. فإذا أشكل شيء من هذا الجنس: فإما أن يكون الحكم متعددا متغايرا، ويتخايل إلى الناظر الاتحاد؛ وأما أن يكون السبب متحدا في جنسه، ويتخايل للناظر التعدد؛ وأما أن تسقط إحدى العلتين وتخرج عن كونها

стр. 518

موجبة، ويحال الإيجاب إلى الأخرى بطريق الترجيح: أما بالتقدم في الوجود، أو بالقوة في نفسه. فإن كل موجب يستدعى موجبا. وإذا لم تختلف الأحكام: تماثلت، والمتماثلات متضادة في العقل لا تجتمع في محل واحد. وهذا يتبين بإيراد الصور في معرض الأسئلة، ودفعها بطريق الانفصال. فإن قيل: المحرمة الحائض المعتدة يحرم وطؤها. فالوطء واحد، والتحريم واحد، والعلل متعددة. وكذلك: من زنا وكفر وقتل، قتل بهذه الأسباب. فالحكم واحد، والأسباب متعددة. قلنا: عماد القاعدة العقلية -التي قدمناها -أمران؛ أحدهما: أن المتماثلات متضادة، فلا تتعدد أحكام متماثلة في محل واحد. والآخر: أن كل موجب يستدعى موجبا بالضرورة؛ فإن لم يكن له موجب: خرج عن الإيجاب. ونحن وراء الوفاء بهذين الأصلين، في كل سؤال.

стр. 519

أما الحيض والعدة والإحرام، فكل واحد موجب تحريما على حياله، فهذه تحريمات متعددة وليست متماثلة، بل هي متغايرة: فلا تناقض فيما ذكرناه. ودليل تغايرها: أن القول بتحريم الوطء في الحيض -تجوز؛ إنما المحرم: مخامرة [الأذى؛ وفي الوطء مخامرة الأذى]. والمحرم: إفساد العبادة؛ والوطء يفسد العبادة. والمحرم: خلط الأنساب؛ والوطء يتضمن خلط الأنساب في العدة. فمن جامع -بعد اجتماع هذه الأسباب -فقد جنى على العبادة بالإفساد، وجنى على الأنساب بالخلط، [وخامر الأذى]. فيتضمن فعل واحد هذه الوجوه المتعددة المتباعدة. فإذا زال الحيض: زال تحريم مخامرة الأذى؛ وإذا زال الحج: زال تحريم الجناية على العبادة. وكذلك على هذا الترتيب. والدليل القاطع عليه: أنا لو قدرنا لكل واحد من هذه الجنايات مرتبة في العقوبة في [الدار] الآخرة -لكان الوطء في هذه الحالة تستحق به جميع العقوبات؛ والعقوبات مترتبة بترتيب المعاصي، كما يترتب الثواب بترتيب الطاعات. والثواب الموظف على طاعة لا ينال إلا بمثلها. وكذلك العقاب. وحد المثلين: ما يسد أحدهما مسد الآخر في كل قضية. وهذه

стр. 520

التحريمات متباينة الرتب والدرجات؛ فكيف يقدر تماثلها أو اتحادها؟. وكذلك الرجم غير القتل: فإنه -في صورته -يتميز عنه؛ والشيء لا يتميز عن نفسه بحال. وقتل الردة يخالف قتل القصاص: فإن قتل الردة يسقط بالإسلام [وهو دعاء إلى الإسلام]، وقتل القصاص يسقط بعفو المستحق، والشيء لا يفارق نفسه. فكيف يفرض الاتحاد ولا يفرض التماثل [أيضا]؟ فإن أحدهما لا يسد مسد الآخر: في جميع القضايا الواجبة والجائزة والمستحيلة. [فإن قيل: من قتل رجلين، فوجب] القتل الواحد بعلتين: أو وجب عليه قتلان متماثلان؟ وكيفما قدر، فهو نقض لأحد القضيتين العقليتين اللتين ذكرتموهما. قلنا: لا، بل وجب قتلان لمستحقين مختلفين وليسا متماثلين: إذ لا يستويان في جميع القضايا الواجبة والجائز والمستحيلة. إذ لو عفا

стр. 521

أحدهما: لم يسقط [حق] الآخر، ومأخذ استحالة اجتماع المتماثلين: أن الأسود لا يعقل أن يسود، كما أن الموجود لا يعقل أن يوجد. ومن لا يستحق زيد قتله يعقل أن يستحقه وإن كان قد استحقه عمرو من قبل، فهما مختلفان: يعقل اجتماعهما من هذا الوجه. فإن قيل: لو قتل ابني رجل واحد: فالمستحق واحد [والقتل جنس واحد] والقصاص جنس واحد. فيم تندفع المماثلة؟ وبم تثبت المخالفة؟ قلنا: إنما يثبت -في الأصل -للقتيلين: [فهما المستحقان الأصليان] وثبت للأب بطريق التلقي بالوراثة. ولذلك لا يثبت له: إذا لم يكن أهلا للوراثة. فقد عقل الاختلاف بالإضافة إلى مستحقين مختلفين. ولذلك لو عفا عن أحدهما لم يسقط الآخر. وذلك يدل على التعدد. واختلاف المستحق في الأصل، يدل على التغاير والاختلاف: فقد ثبت أنا أضفنا -إلى علتين -حكمين مختلفين؛ لا حكما واحدا، ولا حكمين متماثلين. فإن قيل: الولادة سبب لتحريم النكاح بين الوالدة والولد، والرضاع -أيضا -سبب؛ فلو ولدت وأرضعت، فهل تقولون: التحريم حاصل

стр. 522

بعلتين على نعت الاتحاد؟ فإن قلتم ذلك: أبطلتم إنكار [إضافة] الموجب [الواحد] إلى موجبين؛ وإن أثبتم تحريمين؛ فهما متماثلان، فلا يعقلان بزعمكم. قلنا: لا، بل التحريم واحد، وهو حاصل بالولادة. والإرضاع ليس بعلة: فإنه لم يوجب تحريما؛ فهو ساقط بالإضافة إلى الولادة، لأنهما لا يختلفان -أعني التحريمين -حتى نقضي بإحالة كل واحد منهما إلى موجبه، فإن المحل متحد، والتحريم متحد. ولكنا نحيل الحكم على الولادة من وجهين: أحدهما: أن الولادة بعضية حقيقية. والرضاع [٧٢ - أ] مشبه بالبعضية شرعا، وشبه الشيء ساقط بالإضافة إلى حقيقته، عند وجود الحقيقة. وعلى الجملة، العقل يشير إلى إحالة الأمر على الأقوى؛ لأن الأضعف لا يعتد به مع الأقوى. وهذا كما أن البلدة: إذا كان إليها

стр. 523

طريق يبلغ مرحلة، وطريق يبلغ عشر مراحل -فالطريق البعيد لا يعد طريقا؛ وسالكه لا يترخص بالقدر المنوط بالسفر الطويل: مهما استوى الطريقان [في الأغراض]. وكذلك قال الشافعي ﵁ -وعن جميع الأئمة -: إذا نكح المجوسي أمه وولدت منه ابنا، فهذا ابنه وأخوة من أمه، فإنه ابن أمه أيضا. ولكن الوراثة عند الشافعي بالنبوة، وأخوة الأم لا تعد قرابة مع البنوة. والتقديم بالقوة يشهد له المشروع والمعقول: أما المشروع: فالحائض إذا صامت ليلا [فلا نقول]: بطل صومها بعلتين، أحداهما: الليل. والأخرى: الحيض؛ بل الحيض ساقط بالإضافة إلى نبو الوقت عن القبول.

стр. 524

و [كذلك] من باع حرا أو خمرا بشرط خيار مجهول أو أجل مجهول، فلا نقول: البيع فاسد بالشرط وبالحرية؛ بل الشرائط ساقطة بالإضافة إلى نبو المحل عن القبول، فإن محل العقد أقرب إلى العقد من شرطه وحكمه. فأحيل على الأقرب. وهذا مما تشهد له العقول، ويشهد لذلك انفساخ النكاح والإجارة بملك اليمين، لاستحالة إحالة الاستحقاق للمنفعة على الجهتين، واستحالة تعرية السبب عن فائدة، فقدم الأقوى، وحكم بانفساخ الأضعف واندفاعه. وكذلك في المحسوسات: فإن الحيوان المقيد تمتنع عليه الحركة، والطائر المحبوس في القفص يمتنع عليه الطيران بسبب القيد [والقفص]. فلو مات: خرج القيد عن كونه مانعا، وأحيل الامتناع على عدم الحياة؛ ولا يقال: إنه ممتنع بعلتين، إحداهما: الموت. والأخرى: القفص. ولو جاحد مجاحد ذلك: شهد عليه عقله بالخبل والضلال إن كان ذا عقل؛ وإلا فصدر [المراء فيه] عن غباوة وجهالة. الوجه الثاني لإسقاط أثر الرضاع: أن الرضاع طرأ على محرم

стр. 525

بالولادة: فإن الولادة سابقة بالضرورة. والمحرم لا يحرم، فيسقط أثر الرضاع، وامتنعت الإضافة إليه: إذ السابق من التحريم مضاف إلى الولادة، والطارئ غير معقول. وكما لا يعقل أن يوجد الموجود ويسود الأسود، لا يعقل أن يحرم المحرم ويتصف بالتحريم الذي هو متصف به. فلم يجد محلا فارغا حتى يؤثر فيه فسقط أثره، لفقده محلا. ووجه فقد المحل: أنه لا يعقل تحريم المحرم، كما لا يعقل تجدد السواد على السود. وكذلك لا يعقل بيع المبيع، ولا رهن المرهون من المرتهن والمشتري: لأن المحل مشغول بمثله. فلا يقبل ورود ما هو مشغول به. وكذلك: إذا أحدث الرجل وانتقض طهره [بأن بال مثلا، فبال] بعد ذلك أو تغوط -فلا نقول: إن الثاني علة لانتقاض الطهر؛ وإن كان مثل الأول. ولكن: لم يصادف طهرا حتى ينقضه، فإن المنتقض لا ينتقض. فهذه قضايا عقلية لا ينكرها من له ذهن سليم. فإن قيل: ما قولكم في الصغير المجنون؛ الثابت للأب عليه: ولايتان مختلفتان؟ أم ولاية واحدة مضافة إلى علتين؟ أم تلغى إحدى العلتين؟

стр. 526

قلنا: لا سبيل إلى القول بإثبات ولايتين متماثلتين، فإنه لا يعقل: إذ حاصله أن يقال: يلي عليه ويلي عليه؛ والمتكرر العبارة دون المعبر، فالولاية واحدة. وهي مضافة إلى الصغر: فإنه سابق. فإن الجنون لا يعقل إلا في سن التمييز، وقد صادف الجنون محلا مشغولا بمثل حكمه، فسقط. نعم: لو اطرد حتى بلع الصبي، فهو بعد [زوال] الصبا محال على الجنون الكائن بعد الصبا. وقد صادف محلا فارغا، فأفاد حكمه هذا فيه، إذا لم يبن بين الولايتين فرق. فإن بان فرق [في قضية] بين ولاية الجنون والصبا -عقل التعدد وحكم بالاختلاف. فإن قيل: فلومس ولمس معا، أو بال وتغوط معا -[فلا تقدم] ولا ترجح بالقوة فماذا تقولون؟. قلنا: الجواب عنه من وجهين: أحدهما أن نقول: الحدث ليس موجبا حكما. وإنما هو ميقات تكرر الأمر بالوضوء لأجل الصلاة؛ فهذا كالعلامة، لا تأثير له في الإيجاب. ويجوز أن يعلم الشيء بعلامتين ثم تزدحمان. وليس للعلامة مدخل في

стр. 527

الإيجاب حتى يقال: الإضافة إلى أحداهما توجب قطع الإضافة إلى الأخرى. الثاني: أنه لو قدر كونه موجبا نقضا، على قياس الأسباب المؤثرة -فنقول: الحكم متحد وهو: الانتقاض؛ والعلة -أيضا -متحدة، ولها حكم الاتحاد، وإن تعددت صورها. فالجنس واحد. فإنه لو بال: فالقطرة الأولى ناقضة [للطهارة وهي] تشتمل على أجزاء تستقل آحادها بالنقض، ولكن الحكم مضاف إلى الجملة، والجملة في حكم الشيء الواحد. وكذلك: إذا تعدد المخرج وتعددت الصورة؛ فعلة الانتقاض: الأصل، لا قدر ما به الحدث؛ فالإضافة إلى الأصل. وهذا كما أن سارق ألف دينار يجب عليه قطع واحد؛ ولا نقول: إضافة الوجوب تختص بربع دينار من الجملة؛ بل الربع فصاعدا هو الموجب. فكيفما كان، فالوجوب مضاف إلى الكل على وجه واحد: لا بطريق التعدد، ولا بطريق التمييز والتعيين. وكذلك الموضحة اليسيرة توجب خمسا من الإبل. وكذلك

стр. 528

الواسعة، ولا يضاف [الحكم] بالوجوب إلى الأقل ويعرى بالباقي، بل يقال: الكل جنس واحد، والإضافة إليه. وكذلك القول في زيادة قدر الشهود إذا شهدوا. وكذلك من [٧٢ - ب] استوعب [جميع] رأسه بالمسح، يقال: أدى الفرض بجميعه، ولا يقال: إن الواقع منه فرضا أقل ما يسمى مسحا، والباقي نفل: فإن ذلك القدر لا يتعين. ولو جاز ذلك -مع الإبهام من غير تمييز، حتى يبقى على الإبهام في علم الله سبحانه أيضا، ويجري مجرى خصلة من خصال الكفارة في تعلق الوجوب بها لا على التعيين -لجاز طرد مثله في الأحداث المجتمعة، في أمثال هذه الالتزامات ويقال: النقض حاصل بواحد لا على التعيين. ولا فرق بين هذه الصور في هذه القضية. ويقرب منه أن مالك نصف العبد إذا أعتق النصف عتق الباقي. والعتق مضاف إلى جميع النصف، وإن كان عتق العشر وأقل منه علة كاملة في إيجاب السراية. وكذلك من يملك نصف الدار يأخذ الباقي بالشفعة؛ وقدر العشر

стр. 529

وأقل منه [علة] كاملة في الاستحقاق عند الإنفراد، ولذلك يسوى بين الشريكين المتفاوتين في النصيب: في مسئلة العتق، وفي مسئلة الشفعة على أصح القولين. وهذا: لأن العلة [أصل] الشركة وأصل العتق. فلا نظر إلى مقدرا ما به العتق وما به الشركة، ولم تتغير الإضافة به. فكذلك الأحداث: النظر فيها إلى أصل الحدث، وهو: جنس واحد؛ وما به الحدث مختلف طريقه وقدره، فلا تتغير [به] الإضافة. فإن قيل: إذا حصل الموت عقيب جراحتين، أو عقيب القد نصفين وحز الرقبة، ووجدا معا من غير تقدم وتأخر -فالموت محال على أيهما؟.

стр. 530

قلنا: قد يقول الخبير بصناعة الكلام: إن إيجاب العلة المعلول إنما يتلقى من العقل في المعقولات، ومن الشرع في المشروعات. وحصول الموت عقيب الجرح ليس شرعيا، والعقل قاض بأن مزهق الأرواح هو الله تعالى، وأن الجرح ليس بعلة أصلا. وهذا له مسلك واضح في صناعة الكلام. ولكنا -في مساق كلامنا هذا -نستنهج منهج الفقهاء، ونتبع فيه الاعتياد. فنقدر الجرح علة الموت، ونخرجه على المنهاج الذي ذكرناه في الأحداث ونظائرها على ما تقدم. هذه قضايا عقلية أثرتها وحركتها، ولم أجد أحدا من النظار تعرض لها؛ فلابد من الإحاطة بها في معرفة قضايا [العلل الثابتة على مثال] العلل العقلية. فأما العلامات، فلا تؤثر في الإيجاب حتى تضاف الأحكام إليها، فالعلل الثابتة على مذاق العلامات: لا تجرى فيها هذه القضايا. إلا أن تقدر العلامة علة في حق حصول العلم بالحكم. فعند ذلك قد تجري هذه القضايا والبواعث والدواعي التي يعبر عنها بالمناسبات في هذه القضايا؛ وربما تلتحق بقبيل العلامات: إذا لم يظهر أثرها في الإيجاب. هذا تمام النظر في القضية العقلية.
следующие страницы →