Полный текст (678 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قلنا: لا سبيل إلى القول بإثبات ولايتين متماثلتين، فإنه لا يعقل: إذ حاصله أن يقال: يلي عليه ويلي عليه؛ والمتكرر العبارة دون المعبر، فالولاية واحدة. وهي مضافة إلى الصغر: فإنه سابق. فإن الجنون لا يعقل إلا في سن التمييز، وقد صادف الجنون محلا مشغولا بمثل حكمه، فسقط.
نعم: لو اطرد حتى بلع الصبي، فهو بعد [زوال] الصبا محال على الجنون الكائن بعد الصبا. وقد صادف محلا فارغا، فأفاد حكمه هذا فيه، إذا لم يبن بين الولايتين فرق. فإن بان فرق [في قضية] بين ولاية الجنون والصبا -عقل التعدد وحكم بالاختلاف.
فإن قيل: فلومس ولمس معا، أو بال وتغوط معا -[فلا تقدم] ولا ترجح بالقوة فماذا تقولون؟.
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
أحدهما أن نقول: الحدث ليس موجبا حكما. وإنما هو ميقات تكرر الأمر بالوضوء لأجل الصلاة؛ فهذا كالعلامة، لا تأثير له في الإيجاب. ويجوز أن يعلم الشيء بعلامتين ثم تزدحمان. وليس للعلامة مدخل في
стр. 527
الإيجاب حتى يقال: الإضافة إلى أحداهما توجب قطع الإضافة إلى الأخرى.
الثاني: أنه لو قدر كونه موجبا نقضا، على قياس الأسباب المؤثرة -فنقول: الحكم متحد وهو: الانتقاض؛ والعلة -أيضا -متحدة، ولها حكم الاتحاد، وإن تعددت صورها. فالجنس واحد. فإنه لو بال: فالقطرة الأولى ناقضة [للطهارة وهي] تشتمل على أجزاء تستقل آحادها بالنقض، ولكن الحكم مضاف إلى الجملة، والجملة في حكم الشيء الواحد. وكذلك: إذا تعدد المخرج وتعددت الصورة؛ فعلة الانتقاض: الأصل، لا قدر ما به الحدث؛ فالإضافة إلى الأصل.
وهذا كما أن سارق ألف دينار يجب عليه قطع واحد؛ ولا نقول: إضافة الوجوب تختص بربع دينار من الجملة؛ بل الربع فصاعدا هو الموجب. فكيفما كان، فالوجوب مضاف إلى الكل على وجه واحد: لا بطريق التعدد، ولا بطريق التمييز والتعيين.
وكذلك الموضحة اليسيرة توجب خمسا من الإبل. وكذلك
стр. 528
الواسعة، ولا يضاف [الحكم] بالوجوب إلى الأقل ويعرى بالباقي، بل يقال: الكل جنس واحد، والإضافة إليه. وكذلك القول في زيادة قدر الشهود إذا شهدوا.
وكذلك من [٧٢ - ب] استوعب [جميع] رأسه بالمسح، يقال: أدى الفرض بجميعه، ولا يقال: إن الواقع منه فرضا أقل ما يسمى مسحا، والباقي نفل: فإن ذلك القدر لا يتعين. ولو جاز ذلك -مع الإبهام من غير تمييز، حتى يبقى على الإبهام في علم الله سبحانه أيضا، ويجري مجرى خصلة من خصال الكفارة في تعلق الوجوب بها لا على التعيين -لجاز طرد مثله في الأحداث المجتمعة، في أمثال هذه الالتزامات ويقال: النقض حاصل بواحد لا على التعيين. ولا فرق بين هذه الصور في هذه القضية.
ويقرب منه أن مالك نصف العبد إذا أعتق النصف عتق الباقي. والعتق مضاف إلى جميع النصف، وإن كان عتق العشر وأقل منه علة كاملة في إيجاب السراية.
وكذلك من يملك نصف الدار يأخذ الباقي بالشفعة؛ وقدر العشر
стр. 529
وأقل منه [علة] كاملة في الاستحقاق عند الإنفراد، ولذلك يسوى بين الشريكين المتفاوتين في النصيب: في مسئلة العتق، وفي مسئلة الشفعة على أصح القولين. وهذا: لأن العلة [أصل] الشركة وأصل العتق. فلا نظر إلى مقدرا ما به العتق وما به الشركة، ولم تتغير الإضافة به. فكذلك الأحداث: النظر فيها إلى أصل الحدث، وهو: جنس واحد؛ وما به الحدث مختلف طريقه وقدره، فلا تتغير [به] الإضافة.
فإن قيل: إذا حصل الموت عقيب جراحتين، أو عقيب القد نصفين وحز الرقبة، ووجدا معا من غير تقدم وتأخر -فالموت محال على أيهما؟.
стр. 530
قلنا: قد يقول الخبير بصناعة الكلام: إن إيجاب العلة المعلول إنما يتلقى من العقل في المعقولات، ومن الشرع في المشروعات. وحصول الموت عقيب الجرح ليس شرعيا، والعقل قاض بأن مزهق الأرواح هو الله تعالى، وأن الجرح ليس بعلة أصلا. وهذا له مسلك واضح في صناعة الكلام. ولكنا -في مساق كلامنا هذا -نستنهج منهج الفقهاء، ونتبع فيه الاعتياد. فنقدر الجرح علة الموت، ونخرجه على المنهاج الذي ذكرناه في الأحداث ونظائرها على ما تقدم.
هذه قضايا عقلية أثرتها وحركتها، ولم أجد أحدا من النظار تعرض لها؛ فلابد من الإحاطة بها في معرفة قضايا [العلل الثابتة على مثال] العلل العقلية.
فأما العلامات، فلا تؤثر في الإيجاب حتى تضاف الأحكام إليها، فالعلل الثابتة على مذاق العلامات: لا تجرى فيها هذه القضايا. إلا أن تقدر العلامة علة في حق حصول العلم بالحكم. فعند ذلك قد تجري هذه القضايا والبواعث والدواعي التي يعبر عنها بالمناسبات في هذه القضايا؛ وربما تلتحق بقبيل العلامات: إذا لم يظهر أثرها في الإيجاب.
هذا تمام النظر في القضية العقلية.
стр. 531
أما القضية الاجتهادية والجدلية، <ف> هو: أنه إذا سنحت علة في الأصل، فظهرت علة أخرى أمكن إحالة الحكم عليها، أو أبداها الخصم -فهل يبطل به النظر الأول حتى يحتاج إلى الترجيح؟ هذا مما اختلف فيه:
فقال قائلون: هذا اعتراض فاسد؛ فإن تعليل الأصل بعلتين جائز، فلتكن تلك العلة -أيضا -ثابتة معه، فليس [في هذا] ما يناقض الأولى. وعلى هذا بنوا بطلان الاعتراض بالفرق، وقالوا: لا معنى له إلا إبداء علة في الأصل، وبيان عدمها في الفرع. فلا وجود العلة التي ذكرها المعترض: يبطل علة الأصل، ولا عدم [تلك] العلة في الفرع: يوجب عدم الحكم مع قيام علة أخرى.
ومنهم: من قبل الاعتراض بالفرق، على خلاف ما ذكره هؤلاء.
والقول بالنفي والإثبات مطلقا [عندنا] مختل من الجانبين؛ فالوجه أن نقول: إن كانت علة الأصل مما تثبت بشهادة الحكم لها، فظهور علة أخرى يدفع الظن الحاصل من شهادة الأصل.
стр. 532
وإن كانت العلة ثابتة بالنص، [أو بإيماء النص]، أو بتأثير معلوم من غير الأصل بالإجماع -فظهور علة أخرى: لا يقدح.
وكل هذا الجنس لا يحتاج إلى الاستشهاد بالأصل. وهو الذي سميناه: المؤثر، [الذي] يرجع حاصل النظر فيه إلى إدخال تفصيل تحت جملة. وإنما المفتقر إلى الأصل: ما يفتقر إلى إثباته بشهادة الحكم له على وفقه. وقد بينا أمثلة المؤثر.
وأما الثابت بالمناسبة، أو الوصف الذي لا يناسب: إذا عرف بالطريق الذي ذكرناه في الطرد والعكس، أو بطريق الشبه الذي ذكرناه -فظهور علة أخرى يقطع الظن. لأن مأخذه: أن الحكم الثابت في العين أو الثابت في الذات، لابد له من معنى باعث عليه ومتقاض له بالمناسبة؛ فإذا ورد وفق مناسبة موجودة، غلب على الظن أنه الداعي، كما أن من علمنا فقره فأعطاه معط شيئا، غلب على الظن أنه أعطاه لفقره، فإذا علمنا أنه قريبه: ارتفع الظن الأول، واحتمل أن يكون للقرابة. فلابد من ترجيح لأحد الظنين. وإذا ثبت هذا في المناسب، فهو
стр. 533
في الطرد والعكس والشبه: أولى. لأن مأخذ الكلام فيهما: أنه لابد من علامة فاصلة لمجرى الحكم عن موقفه ومقطعه، ولا علامة إلا كذا.
فإذا ظهرت علامة أخرى، بطل قولنا: لا علامة إلا كذا، وانقطع الظن. وقد قررنا ذلك في موضعه.
فإن قيل: فلو انعدمت العلة المؤثرة، فهل يجب انعدام الحكم [بها؟ وهل] هو المعنى بالعكس؟.
قلنا: نعم، [الحكم] الحاصل بتلك العلة ينتفي عند انتفاء تلك العلة، ولكن يجوز تقدير علة أخرى: يناط بها الحكم عند عدم العلة الأولى. وإلا، فلو قدرنا انتفاء جميع العلل: لانتفى الحكم.
وكذلك: إذا وقع الاتفاق على اتحاد العلة، فمن ضرورة [انتفاء العلة] انتفاء الحكم: إذ لا يستغنى الحكم عن موجب.
ولكن: يجوز أن تنتفي علة، ولا ينتفي الحكم: لموجب له من علة أخرى، أو نص يرد فيه. ولما جاز ذلك: لم يجب على المجادل التعرض له، [٧٣ - أ] لأنه يقع خارجا عن مقصود الكلام. وإنما
стр. 534
مقصود الكلام إثبات الحكم عند جريان العلة. وإلا فعلى المجتهد الوفاء بعكس العلة عند انعدامها، كما يجب الوفاء بطردها عند وجودها.
فلاح [أن] كل كلام يفتقر إلى الاستشهاد بأصل، ليكون حكم الأصل شاهدا لكونه علة أو علامة -ينقطع الظن الحاصل منه عند ظهور غيره. ونزل ذلك -في التقدير -منزلة من قال: مس الذكر، فصار كما لو مس وبال. لأنه إذا وجد في الأصل علة [أخرى] مستقلة: لم يصلح للاستشهاد به على كون المس موجبا. وإن استند إلى الإيماء أو النص: في إثبات أن المس سبب -استغنى [به] عن الاستشهاد بالأصل، وجرى دليله في الأصل والفرع على وتيرة واحدة.
وكذلك إذا قلنا: أمة كافرة فلا يتزوجها المسلم كالأمة المجوسية، كان ساقطا؛ لأن التمجس مستقل [بإثبات التحريم]، فكيف يشهد الأصل لكون الرق معتبرا. ولو قام دليل على أن الرق مؤثر من نص أو إيماء أو إجماع، لاستغنى عن الاستشهاد بالأصل.
وبهذا يتبين وجه مصير العلماء إلى الترجيح في علة الربا، فإنها علامات شبهية عرفت بورود الحكم، لا بشهادة نص أو إجماع لتأثيرها في
стр. 535
الحكم، فهذا منتهى النظر في المسئلة.
مسئلة: اختلفوا في صحة العلة القاصرة:
فذهب الشافعي ﵁: إلى صحتها، لأن جواز تعدية العلة ينبني على معرفة صحتها بطريقة. وليس للتعدي مدخل في التصحيح، وهو نتيجة التصحيح.
وقال أبو حنيفة ﵁: إنها باطلة. فإنه لا حكم لها: إذ الحكم في محل النص ثابت بالنص، ولم يثبت بها حكم في غيره.
ونشأ من هذا أمر، وهو: أن الحكم في الأصل هل يضاف إلى العلة، أم لا؟ فهم يزعمون أن المضاف إلى العلة حكم الفرع. فأما حكم الأصل فمضاف إلى النص لا إلى العلة.
وهذه المسألة -عندي -لفظية: تنبني على بيان حد العلة، وما هو المراد بإطلاقها. وقد بينا أن الفقهاء يطلقون اسم العلة: على
стр. 536
العلامة الضابطة لمحل الحكم. وقد تطلق على الباعث الداعي إلى الحكم، وهو: وجه المصلحة. وقد تطلق على السبب الموجب للحكم الذي يتنزل: في الإيجاب وإضافة الموجب إليه، منزلة العلة العقلية، بنصب الشرع. وإذا خرجت المسألة على هذه المآخذ ارتفع الخلاف.
فإذا أريد بالعلة: السبب الموجب الذي يقتضي إضافة عقلية، كما في العلل العقلية؛ فهذا يقتضي أن يقال: إن كانت العلة منصوصا عليها، كالسرقة مثلا -جاز إضافة الحكم إليها [وإن كانت قاصرة]. وإن كانت مستنبطة بالظن، فلا: لأن المضاف -[وهو الحكم]-مقطوع به، فيستحيل أن يكون المضاف إليه مظنونا. والعلة المستنبطة مظنونة، فالحكم بأن الحكم [حصل] بها، إضافة مقطوع به إلى سبب مظنون. وإضافته إلى النص القاطع -والحكم مقطوع به -أولى من إضافته إلى العلة المظنونة، وقطع إضافته عن السبب الظاهر المقطوع [به].
وعن هذا المنهج، فرق فارقون بين العلة المنصوصة والمستنبطة.
стр. 537
وإن أطلق [اسم] العلة لإرادة الباعث على الحكم والداعي له، وهو: وجه المصلحة. فيقول الناظر: الحكم ثابت بالنص ومضاف إليه. والسبب الباعث للشرع على النص: المصلحة الفلانية. فهذا لا حجر في إطلاقه.
ثم تلك المصلحة قد يستوفيها النص ويستوعب مجاريها، وقد يقصر النص عنها، فيلحق به غيره. وقد تقصر على النص، فيخصص النص به.
فإن قيل: وأي فائدة فيه إذا كان حكم النص [يستغنى عنها، فلا يثبت بها] غيره؟ وما لا فائدة فيه فهو عبث.
قلنا: إن عنيتم بالفائدة إثبات حكم به، فهذا لا فائدة له. وإن عنيتم بالبطلان أنه لا فائدة لها، فالبطلان -بهذا التأويل -مسلم. وإنما نعني بصحتها: أن الباحث لا يدري في أول الأمر: أيعثر على مصلحة مطابقة للنص، أو على مصلحة زائدة على محل النص متعدية؟ فإقدامه على النظر -وهو يتوقع الفائدة -لا يعاب عليه، فلا يعد عبثا. وإذا
стр. 538
عثر عليه ونظر فيه، فرأى النص مستغرقا جميع مجاريه. فالمعني بصحته: أن وقوفه على قصوره لا يقطع الظن الحاصل، ولا يبطل مستند الظن ومثاره؛ بل يبقى الظن كما كان. فيتوهم -برأي غالب، واعتقاده قوي في النفس -أن الباعث للشارع على التنصيص على الحكم، هو الذي ظهر له.
وإذا فسرنا الصحة بهذا [القدر]، وفسروا البطلان بذلك القدر الذي ذكروه، وأنصف كل فريق منا ومنهم -انكشف الغطاء، وارتفع الخلاف.
فإن قيل: نعني ببطلانها أن القول بها رجم بالظن، وحكم على الغيب مع الشك والريب؛ وهو ضد العلم. وإنما جوز الركون إليه لحاجة العمل [به]. فإذا لم يكن معمولا به، فهو من قبيل العلوم والاعتقادات، لا من قبيل التعبدات العملية. وشرط الاعتقادات: العلم دون الشك والظن.
قلنا: سلمتم لنا حصول الظن وبقاءه، وأن الوقوف على عدم التعدي لا يعطف ضعفا وخللا على الظن السابق. وهذا ما عنيناه بالصحة فقط،
стр. 539
وإن سلمنا خلوه عن كل فائدة. على أنا نظهر فيه فائدتين:
أحداهما: من حيث الاعتقاد والإحاطة بمحاسن الشرع، وما فيها: من طمأنينة النفوس، وثلج الصدور. فإن ذلك لا يحصل من التحكم الجامد. وإذا وقع الوقوف على وجه المصلحة: اطمأنت النفوس، وانقادت للقبول عن طوع، وترقت عن مرارة التقليد [٧٣ - ب] وقهر التحكم. ولذلك تأثير في استمالة القلوب للإذعان والاطمئنان.
وقولهم: إن ذلك ظن [وليس بعلم]؛ فليس ذلك قادحا في الغرض. فمعظم اعتقادات الخلق تخمينات وظنون، ومعظم بواعثهم وصوارفهم -في مواردهم ومصادرهم، وتصرفهم في معايشهم -فنون الظن والتوهمات. وتأثيرها في التحريض على الفعل تأثير العلوم. ونحن نقول: تقرير النفوس على موارد الشرع -بالتنبيه على المحاسن والمصالح المستخرجة بدقيق الفكر -من أحسن المواعظ. والوعظ في الأصل إما واجب وإما مندوب. فسلوك هذا الطريق [حق لا] يمنعه كونه مظنونا. والدليل عليه: أن رواية أخبار الآحاد على وفق القرآن جائز؛ ولا فائدة فيها: ففي القرآن المقطوع به غنية عن الحديث المظنون. ومع ذلك لا يمنع منه. فهذه فائدة اعتقادية وعملية -أيضا -في جواز
стр. 540
النظر، والترغيب في قبول الأحكام عن طواعية من النفس، وطمأنينة من القلب. ومن أنكر رسوخ أحكام الشرع في النفوس، وتسميرها بضبات المحاسن ومسامير المصالح -وإن كانت مظنونة -فقد أنكر ما يعلم على القطع بقضية من مطرد العادة. فهذه فائدة ظاهرة.
والفائدة الثانية: إبطال إلحاق غير منصوص، بالمنصوص، بعلة متعدية.
فإن قيل: وفي الاقتصار على النص، والإقلاع عن التعليل -ما يفيد هذه الفائدة.
قلنا: ربما يبدو لبعض الناظرين علة متعدية، [فيلحق.
فإن قيل: فلو ظهرت علة متعدية]، فليس في ظهور القاصرة ما يمنع التعليل بها: إذ يجمع بين العلتين؛ ثم تكثر فروع علة، وتقل فروع الأخرى.
قلنا: قد بينا أنه لا يجوز الجمع بين علتين: عرفنا بالمناسبة، ودلالة الحكم عليهما. فإذا ظهرت علتان: انقطع شهادة الحكم عن أحداهما على الخصوص، ولا يشهد لهما على الجمع؛ فيتعين الترجيح. فالأقوى والأظهر هو الذي يحال عليه [الحكم]، أو كلاهما
стр. 541
بطريق الاجتماع: بأن يقال: العلة مجموعهما. فإذن: العلة القاصرة إذا صحت وقويت: دفعت المتعدية، ومنعت الإلحاق. فتظهر بها الفائدة.
الوجه الثالث في إطلاق العلة: العلامات الحاصرة لمجرى الحكم عن مقطعه وموقعه؛ كالنقدية في الدراهم والدنانير: فإنها قاصرة، وليست جارية مجرى السبب المنصوب للإيجاب حتى تنقطع [به] الإضافة عن النص. ولا هي من وجوه المصالح حتى يكون في الوقوف عليها فائدة في الاعتقادات. وإنما المقصود الحصر والتمييز؛ وذلك حاصل بمجرد الاسم، فأي فائدة في ترك الإضافة إلى الاسم المنصوص، والإضافة إلى وصف لا يناسب؟ فالكلام عليه من وجهين:
أحدهما: أنا نريد بالصحة أن الظن الحاصل لا ينقطع بالوقوف على عدم التعدي، فهو كالمتعدي. ولا نعني بالصحة إلا هذا القدر. وما عدا هذا فإطلاق البطلان عليه -بعد التفصيل الذي ذكرناه -لا حرج فيه. على أنا نقول: فيه فائدة. وهي: دفع العلامة المتعدية، كالوزن؛ فإنه يندفع بالنقدية إذا كانت النقدية أظهر منه. وقد بينا أنه لا يجوز الجمع بين علتين، نعني بكونها علة أنها علامة الحكم، إذا كان يعرف كونه
стр. 542
علامة للحكم بالطريق الذي ذكرناه. ولذلك لم يجمع العلماء بين النقدية والوزن؛ ومستند إجماعهم ما نبهنا عليه في مسئلة الجمع بين علتين، ومسئلة علة الربا في إثبات قاعدة الشبه والطرد.
فإن قيل: إعلام الحكم بالاسم المنصوص [عليه] ممكن، وهو: كونه ذهبا وورقا؛ كما ورد النص به. فأي فائدة في قطع الإضافة عن الاسم المنصوص وإضافته إلى وصف مظنون؟
قلنا: تعليل ربا الورق بالنقدية تشهد له الدنانير، وتعليله بكونه ورقا لا تشهد له الدنانير. فإذا قوبل أحدهما بالآخر، كان الوصف الجامع لمجارى الحكم أحرى بأن يناط به الحكم المشترك. وهذا: لأنا نظن أن الربا معلل بمصلحة خفية لم نطلع عليها؛ ونظن أن وصف النقدية يتضمن تلك المصلحة ويشتمل عليها: لأنه مقصود خاص مطلوب من هذين المعنيين، لا يشابههما غيرهما فيه. فالغالب أن المصلحة الداعية إلى الحكم، مودعة في هذه الصفة [الجامعة]؛ وهذه الصفة كالطرف والغالب [لها]، وهو أغلب على الظنون من تقدير ذلك في كونه ورقا:
стр. 543
ولا يشهد له الذهب؛ وفي كونه ذهبا: ولا يشهد له الورق. ومن أحاط بالمسلك الذي قررناه لإعلام الحكم بعلامات الأشباه -كما تقدم -علم أن الظن الحاصل في مثل هذه الصورة [قائم]. [ولا] ينعطف فساد وضعف على الظن الحاصل المقدم، بسبب الوقوف على عدم التعدي.
فهذا بيان العلة القاصرة؛ وعليه تنبني إضافة الحكم في محل النص إلى العلة وإن كانت متعدية.
ويتضح فيه وجه آخر، وهو: أنه إذا لم نقل: إن الحكم في الأصل معلل بهذا، والعلة موجودة في الفرع -لا ينتظم القياس، وقولهم: إن حكم العلة [التعدي] كلام غير معقول، فإن الحكم لا يتعدى ولا يسري. وإنما الثابت في الفرع: مثل حكم الأصل، وهو غيره لا عينه. ويستحيل أن يكون وجود الطعم في البر علة الربا في الأرز، بل يقال: الطعم في البر علة الربا [٧٤ - أ] فيه، وطعم الأرز مثل طعم البر، فكان موجبا لمثل حكمه.
فأما القول: بأن التعدي هو حكم العلة، فتعقيد في اللفظ لا وجه له.
وقد أجاب بعض محققيهم عما ذكرناه: بأن الحكم في الأصل يضاف إلى العلة في حق الفرع، وليس مضافا إلى العلة في حق نفسه.
стр. 544
وهذا جمع بين النفي والإثبات، وارتكاب تناقض يدرك بطلانه على البديهة. فقضية الإضافة إذا ثبتت في نفسها: فهي [قضية] معقولة، لا تختلف بالإضافات. وهي كقول القائل: العالمية في زيد مضافة إلى علمه في حق عمرو، وليس مضافا إلى علمه في حق نفسه. فهذا تهافت في الكلام بين.
وقد انكشف الغطاء عن العلة القاصرة، وبان أن مرجعها إلى إطلاق لفظي لا جدوى له.
... *
стр. 545
القول في بيان الفرق بين العلة والشرط
وهذه قاعدة غامضة المجرى، متوعرة المرقى؛ ولكنها غزيرة الجدوى. ولقد أطلق الفقهاء عبارات أضافوها إلى العلة؛ كركن العلة، وشرط العلة، ومحل العلة، ووصف العلة، وبعض العلة، ونفس العلة.
أما محل العلة، فأرادوا به: شرط العلة. وأما بعض العلة وركنها وذاتها، فأرادوا بها: نفس العلة، أو بعض أجزائها: إذا كانت العلة متركبة من أوصاف.
فليقصر الناظر نظره على معرفة العلة والشرط، كلا ينتشر نظره، فإنما الغامض: الفرق بين شرط العلة وبعضها الذي يسمى ركنا. مع أن الحكم -في حصوله -موقوف على الكل؛ حتى لا يحصل دون شرطه، كما لا يحصل دون علته. هذا مع أن علل الشرع أمارات وعلامات، وما افتقر الحكم في حصوله إليه فهو أمارة. فكيف يتضح الفرق بين أمارة وأمارة؟. فنقول -وبالله التوفيق -:
المقدمات التي تبتني على وجودها النتائج والمسببات في المحسوسات، يقضي العقل فيها بالفرق بين ما تحصل النتائج بها، وبين ما تحصل عندها
стр. 546
بسبب آخر يوجبها، ويقضي العقل بالإضافة إليها.
مثاله: أن الهلاك المترتب على التردية في البئر، لا يتصور حصوله اعتيادا بهذا الطريق، إلا بوجود البئر ووجود فعل المردي؛ فالتلف موقوف عليهما، والعقل يفرق -في الإضافة ودرك الإيجاب -بين البئر والفعل، ويقضي: بأن التردية علة الهلاك، والبئر شرط ليصير فعل المردي مهلكا. ففعل المردي إنما يوجب الهلاك عند وجود البئر. إذ لولا البئر: لاستمسك على الأرض ولم يهلك. ولكنه إذا هلك عند وجود البئر: هلك بالتردية. هذا معلوم من قضايا العقل. وعليه رتب حكم الغرم؛ إذ لم ينزل المردي وحافز البئر منزلة الشريكين، وإن [كان] الهلاك في حصوله موقوفا على فعل كل واحد منهما: بل اختص المردي بالالتزام، وقيل: إنه مباشر علة الهلاك. وحافز البئر [هنا] شرط العلة، لا نفس العلة.
وكذلك القول [في القاتل مع] الممسك. إلى نظائر له كثيرة.
وإذا تمهدت هذه المقدمة في المعقول والمحسوس، فالأحكام الشرعية
стр. 547
ترتب على الأسباب الموجبة بنصب الشارع وترتيبه، كترتيب المسببات المحسوسة على الأسباب الواقعة بحكم اطراد الاعتياد. وكذلك قد تركب المقدمات الشرعية التي تترتب الأحكام عليها، وينسب بعضها إلى الحكم انتساب البئر إلى الهلاك، وبعضها ينسب انتساب التردية [إليه. فما وقع موقع البئر عبر عنه: بالشرط؛ وما وقع موقع التردية] عبر عنه: بالعلة.
وأصل الانقسام معلوم بالعقل والشرع، وإنما الغموض في المسلك الذي به يعرف تمييز أحد القسمين عن الآخر في آحاد المسائل؛ ونحن نحد كل واحد [منهما] بعبارة حاوية جامعة مانعة؛ ثم نهذبها بالتفصيل: ففيه تحصيل شفاء الغليل، وتبيين سواء السبيل.
أما العلة في وضع اللسان: فعبارة لما يتغير به [المحل] من حال إلى حال. ولما تغير حال المريض من القوة إلى الضعف بالوصف العارض، سمي العارض: علة.
стр. 548
وفي لسان الفقهاء: قد يعبر به عن العارض الموجب لحدوث الحكم، [وقد يعبر به عن البواعث والصوارف وهي: المصالح]. وقد يعبر به عن العلامات المظهرة للحكم؛ كما سبق تقريره.
وأما الشرط: فهو -في وضع اللسان -عبارة عن العلامة، فأشراط الساعة: أعلامها؛ وسمي الشرطي شرطيا: لا علامة نفسه بلباس يميزه عن غيره؛ والصكوك شروط: لأنها أعلام التذكر.
وفي لسان الفقهاء، عبارة عما يمتنع وجود [عمل] العلة إلا بوجوده، لا لما تجب به العلة أو يجب به الحكم. أو يقال: هو عبارة عما يجب الحكم عنده بوجود علة الحكم.
وفي الشرط مشابهة للعلة، لأن العلل الشرعية أمارات، وفيه معنى العلامة المحضة؛ ولكنه -في غرضنا -يتميز عن العلة،
стр. 549
و [عن] العلامة [المحضة]، فإن العلامة المحضة: ما يدل على الشيء من غير أن يكون لذلك الشيء تعلق به، كالميل علم على الطريق. وأشراط الساعة: أعلام، فهي علامات باصطلاحات لا تعلق للمدلولات بها، ولا هي بذاتها تدل على مدلولاتها، بل دلالتها بنوع اصطلاح.
وأما الشرط، فللمشروط به نوع تعلق؛ إذ للهلاك نوع ارتباط بالبئر من حيث الوجود ظاهرا، وللبينونة نوع [تعلق بدخول الدار إذا علق عليه؛ على معنى ظهوره عقيبه في الظاهر. هذا وجه] تمييزه عن العلامة المحضة.
ووجه تمييزه عن العلة [المحضة] أنه لا يمكن أن يقال: الحكم حصل به ووجب حدوثه بسببه. فالطلاق غير واقع بالدخول [٧٤ - ب]، بل بالتطليق عند الدخول. فهذا وجه التمييز بالحدود والمراسم، على وجه الإجمال.
أما التفصيل، فتمييز الشرط عن العلة الموجبة -الثابتة على مثال العلل العقلية -واضح؛ ونعني بالموجبات: الأسباب المنصوبة للمغارم واللوازم والعقوبات والاهلاكات، وكل حكم حادث، وتغير طارئ
стр. 550
بسبب طريان أمر لم يكن. فهذه هي العلل الموجبة الجارية على مذاق العلل العقلية في الإيجاب لا تفارقها إلا في [أن إيجابها] عرف شرعا: بأن جعل الشرع إياها موجبة.
فالبيع سبب ملك الرقبة. والنكاح علة لملك المنفعة. والسرقة والزنا والقتل والإتلاف والالتزامات والعقود، علل لموجباتها وقضاياها.
ثم ملك النكاح لا يحصل إلا بالنكاح [الجاري بمشهد الشهود؛ وإذا حصل قيل: أنه حصل بالنكاح عند] حضور الشهود، لا بالشهادة. وبراءة الذمة عن الصلاة، حصلت بفعل الصلاة عند اقتران الطهارة، لا بفعل الطهارة. والملك في البيع حصل بالإيجاب والقبول -وهو: البيع -لا بذات البائع، ولا بذات البيع، ولكن [البيع] لا ينعقد بيعا إلا عند وجود مبيع وبائع: [إذ] لا يتصور ولا يتكون دونه. والرجم يجب على الزاني عند وجود الإحصان بالزنا، لا بالإحصان. والقطع يجب على السارق البالغ بالسرقة عند البلوغ، لا بالبلوغ. إلى أمثال كثيرة لا مطمع في إحصائها.
فإن قيل: [قد] يتمادى المتماري في بعض الأوصاف التي
стр. 551
ذكرتموها، وأنها من الشرائط أو من أجزاء العلة وأركانها، فما المعيار الصادق، والفيصل الفارق في مظان الاشتباه؟.
قلنا: الذي يظهر لنا في ضبط مجارى النظر فيه -والعلم عند الله -أن كل وصف يناسب الحكم، أو يتضمن المعنى المناسب تيقنا أو توهما: فهو العلة. وما وراء ذلك =من الأوصاف التي عرف وقوف الحكم عليها، ولا مناسبة بينها وبين الحكم: لا على طريق المناسبة بنفسها، ولا على طريق التضمن للمناسب -فهو الشرط.
ثم الشروط تنقسم: إلى ما تتأثر به العلة، كالإحصان مع الزنا، وإلى ما يعلم اعتباره من جهة الشرع تحكما، ولا يعرف له تأثير معقول: لا في الحكم ولا في العلة؛ وذلك مما يقل اتفاقه، ولكنه جائز -على الجملة -وقوعه.
فإن قيل: فهلا عولتم في الضبط على ما يحصل الحكم عقيبه، فيقال: أنه العلة. وما سبق وجوده ولم يحدث به الحكم فهو الشرط؛ كالزنا مع الإحصان، والتردية مع الحفر، وصفات الأهل والمحل في سائر الأسباب؟
стр. 552
قلنا: لا تعويل على هذا الضبط؛ لأن الطلاق المعلق على الدخول يظهر عقيب الدخول؛ والعلة هو الطلاق السابق: لأنه المناسب. ومن اشترى قريبه: عتق عقيب الشراء؛ والعلة هي: القرابة، لأنها المناسبة للصلة بالإعتاق.
فإن قيل: فكيف ميزتم الطعم عن الجنسية في الربا، ولا مناسبة؟
قلنا: هذا فيه غموض؛ وقد يتخيل للناظر أن الشافعي ﵁ -قال ذلك من جهة الإضافة المفهومة من قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام"، كما عرف من إضافة القطع إلى السرقة، والجلد إلى الزنا، وهو فاسد: لأن النقدية متميزة عن الجنسية في هذه القضية، ولا إضافة فيها. ولأن الإضافة إلى الجنسية أظهر، إذ قال: فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد"، فبين [أن] ربا الفضل زائل بزوال الجنسية؛ ومن أقوى درجات التأثير: أن يوجد الحكم بوجود وصف ويعدم بعدمه؛ فهذا أظهر من الإضافة اللفظية في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" وربما يتخيل للناظر [أيضا] في الجواب أن الطعم هو الوصف المظهر للحكم، لأنه إذا قوبلت الأشياء الأربعة -وهي مجرى الربا -بالعبيد والثياب ولا يجري فيها الربا: ظهر فيها المفارقة بالطعم؛ كما ذكرناه في وجه تقرير العلامة. وهو -أيضا -فاسد: فإن انعدام الحكم
стр. 553
لانعدام الجنسية مفهوم من قوله ﷺ : "فإذا اختلف الجنسان" وأظهر مما ذكرناه. كيف ولو قيل: لو باع صاعا من حنطة بصاعين من حنطة فهو محرم، وبصاعين من شعير جائز. ولا فارق إلا الجنسية، فهو أظهر مما تقدم؟.
وربما يقول القائل: لا معنى لتسمية أحدهما علة والآخر محلا؛ فإن ذلك لم ينقل من كلام الشافعي ﵁ -وإنما المنقول من كلام أصحابنا: أن الطعم في الجنس [الواحد] هو: العلة. [كما يقول أبو حنيفة: الكيل في الجنس هو: العلة]. فمن هذه اللفظة تخيل كون الجنسية محلا، إذ جعل كالظرف للطعم.
وعلى هذا يقال: مسألة تحريم النساء بالجنس المجرد غير مبني على هذه القاعدة، بل نسلم أنها وصف، ولكن لا يستقل بتحريم النساء؛ بخلاف الوصف الآخر، لأن تحريمه بمجرد وصف الطعم مأخوذ من قوله: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد". فعلم أن الباقي بعد زوال الجنسية علة في تحريم النساء، وأن زوال الجنسية لا يعدم ربا النساء. وهذا بأن يدل على سقوط أثر الجنسية، أولى من أن يدل على كونها علة مستقلة.
стр. 554
وهذا الخيال، وإن قررناه في "كتاب المآخذ" و"كتاب تحصين المآخذ" ففيه نظر: لأنه إذا ثبت أن علة ربا الفضل مركبة من الطعم والجنسية [٧٥ - أ] وأنهما وصفان لا يتميز أحدهما عن الآخر في التأثير في الربا؛ ثم ثبت استقلال أحد الوصفين بإفادة أحد الأحكام -دل ذلك على استقلال الوصف [المساوي] له: لأن ما ثبت للشيء يثبت لمثله، على ما قررناه في وجوه الاستدلال في باب أشكال البراهين. وكونه مثلا [له] يعرف بالإضافة إلى الربا؛ وقد سلم كونه مثلا [له] من زعم: أنه أحد الوصفين، [وأن لا] تميز من حيث التأثير.
فنقول: سبيل الفرق ومدركه: [توهم تضمن] المعنى المناسب. فإنا بينا أنا نظن أن الطعم أمارة على مصلحة خفية غابت عنا، وهي علامة عليه. ولسنا نتخيل ذلك في الجنسية: فكانت الجنسية في حكم المحل الخالي عن المناسبة وتضمنها، ولا تأثير لها -على حيالها- في إيجاب جنس حكم الأصل؛ كالإحصان المجرد: لا يؤثر في إيجاب العقوبة. وأما الطعم فهو متضمن للمصلحة: [فيعقل] أن يؤثر على حياله، وإن
стр. 555
فقد محله، [تأثيرا] متقاصرا، ولا يلزم منه أن يساويه المحل المنفك عن توهم المناسبة. وانضم إليه أمر، وهو: أن الجنسية لا تتأثر بالطعم؛ ومقصود الطعم يتأثر بالجنسية. ومن علامات الشرط: أن تتأثر العلة به دون الحكم، والحكم يتأثر بالعلة.
وهذا لو سلم فهو واضح. ولكن لو قال قائل: ما الذي حملكم على هذا التحكم؟ ولم أبعدتم أن تكون الجنسية -أيضا -متضمنة نوع مناسبة ومصلحة لم تطلعوا عليها؟. فإنكم إذا كنتم تحكمون على الغيب بما لا تعرفون ولا تطلعون عليه، [بتوهمات] غير محسوسة -فليتوهم ذلك في الجنسية كما في الطعم؛ إذ كل واحد بنفسه غير مناسب.
فنقول: هذا التوهم مستنده ظن غالب، وهو أن الطعم هو المقصود الذي به قوام [الخلق، و] نظام العالم، [وبقاء] الجنس، وهو المعاش والغذاء، وإليه ضرورة كل حيوان.
وكذلك النقدية: مقصود الدراهم والدنانير، وعليها تدوار
стр. 556
المعاملات وفيها حياة الأموال، وبها تقوم المتلفات. فيغلب على الظن أن المصلحة المتخيلة المتوهمة تتضمنها هذه المقاصد العظيمة الظاهرة، وإن كنا لا نطلع على وجه تلك المصلحة. فالجنسية -بالإضافة إلى هذه المقاصد -بعيدة عن الغرض المطلوب.
وقد ظهر بهذا القدر تمييز الطعم عن الجنسية، وامتنع على الخصم أن يدعي: أن ما ثبت للشيء ثبت لمثله. إذ بهذا القدر ينقطع ظن التماثل، وتندفع دعواه.
ولم نعن بكونه محل العلة إلا أنه لا يساوي العلة في الاستقلال بإفادة ما استقلت العلة -أعني الطعم -بإفادته؛ فإذا سلم لنا هذا القدر: فلا حرج على من يعبر عنه بركن العلة ووصفها؛ فلا مضايقة في الاطلاقات.
هذا طريق تقرير مذهب الشافعي ﵁، وهو دقيق خفي: لأن أصل إثبات العلة خفي، وتمييزها عن الشرط يقع وراءه في الخفاء؛ ولأجل دقته تنفر عن قبوله قريحة من لا تتسع فطنته إلا لدرك الجليات، وبكل ذهنه عن الإحاطة بالدقائق والخفيات.
فإن قيل: هذا [تصرفكم في] المناسب أو متضمن المناسب،
стр. 557
ومن الأسباب ما يعرف كونها أسبابا: بالإضافة اللفظية من جهة الشرع، وبحدوث الحكم عقيبب حدوثه وإن كان لا يناسب. كما قدمتموه. فيم يتميز فيه الشرط عن الركن؟. فهل تعولون فيه على الحدوث، حتى يقال: الحكم محال على الحادث آخرا، والسابق في رتبة الشرط؟
قلنا: لا، بل إذا ثبت أن السابق معتبر في الحكم كالعارض اللاحق، فلا يرجح بالتقدم والتأخر، بل إن [كان] يتخيل كون أحدهما متضمنا للمصلحة الخفية كما في الطعم والجنسية، اتبع ذلك. وإلا سوى بين جميع [هذه] الأوصاف، ولم يرجح [غير] المناسب على غير المناسب: [بالتأخر واستعقاب الحكم]؛ كما لم يرجح الوصف المناسب على المناسب: بالتأخر؛ بل لا يختص بالإضافة الوصف الأخير من العلة.
وذهب أبو حنيفة ﵁: إلى أن الوصف الأخير من العلة يضاف الحكم إليه؛ لأن الوصف السابق به صار موجبا، فيصير في حكم علة العلة، وبنى عليه أن شراء القريب اعتاق، لأن ملك القريب هو العلة، وقد أحث الملك حتى صارت القرابة السابقة مؤثرة
стр. 558
معه؛ فهو في معنى المباشر.
ونحن نقول: الملك محل، فإنه لا يناسب العتق الذي هو ضده، وإنما المناسب هو القرابة؛ وإن سلم كونه وصفا: فلا يختص الوصف الأخير بالإضافة. ولهذا نقول: إذا تعدى جماعة بوضع أحمال في سفينة حتى غرقت، فالضمان على الكل لا على الوضع الأخير.
[وإن تحريم المسكر يوجب تحريم سائر الأقداح، وإنه لا يختص بالقدح الأخير] لأن السكر حاصل بالكل لا بالأخير. والدليل عليه: أن الإجماع منعقد على أن الإيجاب والقبول في البيع لا يترجح أحدهما على الآخر بالتأخير. حتى إذا اشترت الزوجة زوجها، وانفسخ النكاح، وأردنا جهة في حوالة الفسخ: لتشطير المهر، أو لإسقاطه -لم نأخذ ذلك من التقدم والتأخر.
وكذلك شهود الدخول: يترتب على شهادتهم -بعد سبق شهود التعليق -حصول الفرقة. وليس لقائل أن يقول: إنهم بشهادتهم جعلوا التعليق السابق تطليقا، فيختصون بالضمان.
وعلى الجملة: إذا آل الأمر إلى هذه الإضافات في الأحكام، فهي اجتهادية.
وقد اختلف قول الشافعي ﵁ -ورأي أصحابنا في
стр. 559
معظمها؛ واختلف قولهم [٧٥ - ب] في أن شهود التعليق والزنا: إذا رجعوا هل يختصون بالغرم، أم يشاركهم شهود الإحصان الصفة؟.
ولذلك نظائر كثيرة، وكل ذلك يبين اتفاق العلماء على الفرق بين الشرط والعلة، وأن هذه قاعدة مهمة لابد من معرفتها، ولا يجوز التساهل فيها: اتكالاً على أن الحكم موقوف على الجميع، وأن علل الشرع أمارات: إذ الإيجاب فيها معلوم من الشرع -أيضًا- فجرى على مذاق الموجبات العقلية.
فإن قيل: مالك السفينة إذا شحنها بأحمال، فألقى أجنبي فيها حملا فغرقت -فلم اختص بالضمان؟ وهلا وزع وعطل ما يخص المالك: إن لم يكن التعويل على آخر الأوصاف؟.
قلنا: لأن فعل المالك لا يصلح لأن يحال عليه الهلاك ويناط به الضمان؛ فأحيل على فعل المتعدى، [إذ بعض] أوصاف العلة لا يتقاعد
стр. 560
عن الشرط.
والضمان واجب على الحافز للبئر: إذا ترىدى فيها الماشي عن جهل؛ لأن مشيه لا يصلح لأن يكون سببًا ويضاف إليه؛ فأضيف الهلاك إلى الشرط، [وهذا وجه] غير منفك عن الخلاف.
ونحن [الآن] نتعرض لمسائل يدور [النظر فيها على البحث عن المحل والشرط]، والعلة.
فمن ذلك: شراء القريب بنية الكفارة، فإنه لا ينصرف إليها عندنا: لأن الواجب عليه التحرير، والتحرير عبارة عن إيجاد علة العتق بطريقة المباشرة، وعلة العتق: القرابة دون الشراء؛ فإن الشراء سبب الملك:
стр. 561
فلا يصلح أن يجعل سببًا لزواله؛ والقرابة نسبة تستدعي الصلات والمبار، والعتق صلة ومبرة؛ فكانت نيته عند الشراء كنيته عند الصفة التي علق العتق عليها، [ومع ذلك علق العتق عليها] دون النية.
وإنما أوجبنا عليه ضمان السراية: لأن الضمان يناط بالشرط والمحل إذا لم يمكن إحالته على العلة. والقرابة لا يمكن [إحالة] إيجاب الضمان عليها، ولا على المتسبب إليها؛ فأحيل على الشراء كما في صورة التعليق.
وأبو حنيفة ﵁ يدعي: أنه أحد وصفي العلة وهو الأخير: فيضاف إليه. ولسنا نسلم أنه أحد الوصفين؛ فإنه لا مناسبة له. وأن سلم: فالأخير لا يتعين للإضافة، كشقي الإيجاب والقبول.
ومن ذلك: مسئلة شريك الأب؛ فأنها أديرت على الفرق بين العلة
стр. 562
والمحل. ولقد تكلفت في "كتاب المآخذ" طريقًا يستغني بها عن اقتحام ورطة الفرق بين العلة والمحل؛ وبينت أن الموجب بكمال شرائطه جرى. وأن القصاص في حكم الساقط الواجب، وأن اندفاع القصاص به، في معنى انقطاعه: بطريان العفو، أو طريان استحقاق الابن. وهو متين بالغ.
ولكنه غير واف بنصرة مذهب الشافعي ﵀ في جميع الأطراف؛ إذ قطع الشافعي ﵁ بوجوب القصاص على شريك المسلم والحر في قتل الكافر والرقيق، إذا كان الشريك كفئًا؛ والكفاءة شرط لا ينعقد القتل سببًا لإيجاب القصاص عندنا إلا بوجودها. فقد فقدت العلة شرطها. وليس التفاوت في الكفاءة من الدوافع؛ ولذلك لو طرأ: لم ينقطع الوجوب؛ بخلاف استحقاق الابن. فلابد من مسلك آخر لتقرير المذهب.
وطريقة "المآخذ" كافية في الجدال. فأنا لا نلتقي بأبي حنيفة ﵁ في هاتين المسئلتين: فأنه يوجب القصاص فيهما، على
стр. 563
كلا الشريكين.
فنذكر طريق الفرق بين العلة والمحل في صورة شريك الأب؛ وترجمته أن نقول: لا شركة في محل الشبهة، ولا شبهة في محل الشركة. فإن الشركة في القتل -وهو عمد محض- لا شبهة فيه، والشبهة: في القاتل، ولا تتصور فيه الشركة؛ وإنما تتعدى الشبهة من الشريك إلى الشريك: للمشاركة؛ ولم تقع المشاركة إلا في الفعل. ولا خلل في ذات الفعل: فإنه علة لإيجاب القصاص؛ وإنما الخلل في الأب الذي هو محل لعمل العلة في الإيجاب فيه.
فإن قيل: كيف يقال: إنه موجب، ولم يوجب، [والعلة ما يوجب] الحكم؟
قلنا: [قد] تكلمنا على هذا في مسئلة تخصيص العلة؛ بينا المراد بإطلاق اسم العلة، فليطالع المنتهى إلى هذا المقام، تلك المسئلة أولاً: حتى يستمد منها. ونحن الآن نذكر ما يتعلق بخصوص هذه المسئلة، فنقول:
стр. 564
نعني بالعلة: ما يضاف إليه الحكم من جملة ما يترتب الحكم عليه، أو ما يناسب الحكم. والحكم يضاف إلى القتل العمد، لا إلى [الأبوة]؛ وهو المناسب. والأجنبية لا تناسب [الحكم]. وهذا مع الفقهاء سهل: فإنهم سلموا الفرق بين الزنا والإحصان، وأن أحدهما علة والآخر شرط. وإنما الغموض مع من ينكر الأصل، على ما سننبه عليه [إن شاء الله تعالى]. فإذا لاحظنا -في تمييز العلة عن الشرط- مسلك الإضافة العقلية، وقلنا: إنه يضاف إلى القتل لا إلى صفة القاتل- تصدى في مساقه نظر مشكل في التفاصيل. إذ ينقدح للمزني أن يقول:
стр. 565
شريك الخاطئ مقتول، لأن العلة هو: القتل عند قيام القصد والمعرفة بذات القاتل. وهو متعلق بالقتل لا بصفة القاتل، فإن تخيل أن الفعل يتصف به، إذ يقال: قتل عمد؛ فوجه اتصافه [به]: إضافة القصد إليه [٧٦ - أ]. وكما يضاف القصد إلى الفعل فيتصف الفعل به، فيضاف الفعل إلى الفاعل -أيضًا- فيتصف به.
ومن الصفات العقلية: الإضافات، والنسب؛ والأخوة صفة يعقل وجودها وعدمها؛ وهي نسبة محضة، معناها: أن الأخ ابن الأب وابن الأم. ومعنى كونه ابن الأب: نسبة؛ فالنسب من الصفات العقلية.
ولكن: لم يجعل الشافعي ﵁ النسب من الصفات، وجعل الفعل من الصفات، وعن هذا نشأ اضطراب القول في شريك السبع. وشريك النفس. وشريك المستحق والمأذون والحربي والمجنون
следующие страницы →