← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17827

شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل

أبو حامد الغزالي

Полный текст (678 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فلا يصلح أن يجعل سببًا لزواله؛ والقرابة نسبة تستدعي الصلات والمبار، والعتق صلة ومبرة؛ فكانت نيته عند الشراء كنيته عند الصفة التي علق العتق عليها، [ومع ذلك علق العتق عليها] دون النية. وإنما أوجبنا عليه ضمان السراية: لأن الضمان يناط بالشرط والمحل إذا لم يمكن إحالته على العلة. والقرابة لا يمكن [إحالة] إيجاب الضمان عليها، ولا على المتسبب إليها؛ فأحيل على الشراء كما في صورة التعليق. وأبو حنيفة ﵁ يدعي: أنه أحد وصفي العلة وهو الأخير: فيضاف إليه. ولسنا نسلم أنه أحد الوصفين؛ فإنه لا مناسبة له. وأن سلم: فالأخير لا يتعين للإضافة، كشقي الإيجاب والقبول. ومن ذلك: مسئلة شريك الأب؛ فأنها أديرت على الفرق بين العلة

стр. 562

والمحل. ولقد تكلفت في "كتاب المآخذ" طريقًا يستغني بها عن اقتحام ورطة الفرق بين العلة والمحل؛ وبينت أن الموجب بكمال شرائطه جرى. وأن القصاص في حكم الساقط الواجب، وأن اندفاع القصاص به، في معنى انقطاعه: بطريان العفو، أو طريان استحقاق الابن. وهو متين بالغ. ولكنه غير واف بنصرة مذهب الشافعي ﵀ في جميع الأطراف؛ إذ قطع الشافعي ﵁ بوجوب القصاص على شريك المسلم والحر في قتل الكافر والرقيق، إذا كان الشريك كفئًا؛ والكفاءة شرط لا ينعقد القتل سببًا لإيجاب القصاص عندنا إلا بوجودها. فقد فقدت العلة شرطها. وليس التفاوت في الكفاءة من الدوافع؛ ولذلك لو طرأ: لم ينقطع الوجوب؛ بخلاف استحقاق الابن. فلابد من مسلك آخر لتقرير المذهب. وطريقة "المآخذ" كافية في الجدال. فأنا لا نلتقي بأبي حنيفة ﵁ في هاتين المسئلتين: فأنه يوجب القصاص فيهما، على

стр. 563

كلا الشريكين. فنذكر طريق الفرق بين العلة والمحل في صورة شريك الأب؛ وترجمته أن نقول: لا شركة في محل الشبهة، ولا شبهة في محل الشركة. فإن الشركة في القتل -وهو عمد محض- لا شبهة فيه، والشبهة: في القاتل، ولا تتصور فيه الشركة؛ وإنما تتعدى الشبهة من الشريك إلى الشريك: للمشاركة؛ ولم تقع المشاركة إلا في الفعل. ولا خلل في ذات الفعل: فإنه علة لإيجاب القصاص؛ وإنما الخلل في الأب الذي هو محل لعمل العلة في الإيجاب فيه. فإن قيل: كيف يقال: إنه موجب، ولم يوجب، [والعلة ما يوجب] الحكم؟ قلنا: [قد] تكلمنا على هذا في مسئلة تخصيص العلة؛ بينا المراد بإطلاق اسم العلة، فليطالع المنتهى إلى هذا المقام، تلك المسئلة أولاً: حتى يستمد منها. ونحن الآن نذكر ما يتعلق بخصوص هذه المسئلة، فنقول:

стр. 564

نعني بالعلة: ما يضاف إليه الحكم من جملة ما يترتب الحكم عليه، أو ما يناسب الحكم. والحكم يضاف إلى القتل العمد، لا إلى [الأبوة]؛ وهو المناسب. والأجنبية لا تناسب [الحكم]. وهذا مع الفقهاء سهل: فإنهم سلموا الفرق بين الزنا والإحصان، وأن أحدهما علة والآخر شرط. وإنما الغموض مع من ينكر الأصل، على ما سننبه عليه [إن شاء الله تعالى]. فإذا لاحظنا -في تمييز العلة عن الشرط- مسلك الإضافة العقلية، وقلنا: إنه يضاف إلى القتل لا إلى صفة القاتل- تصدى في مساقه نظر مشكل في التفاصيل. إذ ينقدح للمزني أن يقول:

стр. 565

شريك الخاطئ مقتول، لأن العلة هو: القتل عند قيام القصد والمعرفة بذات القاتل. وهو متعلق بالقتل لا بصفة القاتل، فإن تخيل أن الفعل يتصف به، إذ يقال: قتل عمد؛ فوجه اتصافه [به]: إضافة القصد إليه [٧٦ - أ]. وكما يضاف القصد إلى الفعل فيتصف الفعل به، فيضاف الفعل إلى الفاعل -أيضًا- فيتصف به. ومن الصفات العقلية: الإضافات، والنسب؛ والأخوة صفة يعقل وجودها وعدمها؛ وهي نسبة محضة، معناها: أن الأخ ابن الأب وابن الأم. ومعنى كونه ابن الأب: نسبة؛ فالنسب من الصفات العقلية. ولكن: لم يجعل الشافعي ﵁ النسب من الصفات، وجعل الفعل من الصفات، وعن هذا نشأ اضطراب القول في شريك السبع. وشريك النفس. وشريك المستحق والمأذون والحربي والمجنون

стр. 566

والصبي. وشريك السيد. فتارة يكتفي بالفعل العمد، ويجعل فعل السبع والصبي عمدًا. وتارة يضم إليه المضمون، فيقول: لابد من عمد محض مضمون. ثم قد يكتفي بضمان الكفارة، فيوجبه على شريك النفس، وشريك السيد. وتارة يشترط ضمان الدية، ولا يوجبه على هؤلاء، ولا على شريك الحربي والسبع، ويوجب على شريك الصبي. وهذا مسلك غامض ونظر متشابه. وإذا نصرنا قول الإيجاب في هذه الصورة، قلنا: العلة قتل العمد؛ وقتل السبع والمجنون والحربي عمد، ولكن الخلل في محل اللزوم في حق السبع: من جهة فقد صفة الإنسانية؛ وفي الحربي: من جهة فقد الالتزام؛ وفي الصبي [والمجنون]: من جهة فقد العقل والتكليف. وقد تستثنى عن هذا فعل السبع، فيقال: هو ليس بعلة. وتأثير [إلغاء] الفعل بالبهيمية يزيد على تأثيره بالخطأ. فإذا قطعنا بالإسقاط عن شريك الخاطئ ففي شريك السبع أولي. وما من صورة إلا ويتعلق بها نوع غموض. ولكن ذلك ينشأ من

стр. 567

غموض الفرق بين ركن العلة وشرطها. هذا ما أردنا أن نقرره على مذاق كلام الفقهاء. ولقد سبق صور منه: في مسئلة تخصيص العلة. ونحن هنا نعكر عكرة على كلام الفقهاء، ونبين وجه قول القائل: إن الشرط والمحل لا معنى له، وأن الحكم لا يفتقر إلا إلى العلة؛ ثم العلة قد تكون ذاتًا مطلقة، وقد تكون ذاتًا موصوفة بصفات. ونعرض الكلام في الزنا والإحصان: ليقاس به غيره، فنقول: العلة عبارة عن موجب الحكم؛ والموجب: ما جعله [الشرع] موجبًا، مناسبًا كان أو لم يكن. وهي كالعلل العقلية: في الإيجاب؛ إلا أن إيجابها بجعل الشرع إياها موجبة، لا بنفسها. والعلة للرجم: [زنا المحصن] لا الزنا المطلق. والإضافة إلى المحصن وصف الزنا؛ والإضافات والنسب أوصاف معقولة؛ فكما يعقل وصف الإنسان بالطول والسواد، يعقل وصفه بالأخوة والأبوة. إلا أن الأخوة من صفات النسب، وهي ثابتة: إذ يعقل نفيها ووجودها؛ وهي قائمة بالغير: فكانت صفة.

стр. 568

نعم، لا يجوز تسميتها عرضًا على اصطلاح المتكلمين؛ وإنما نعني به الأوصاف والقضايا، كما يعقل كون السواد لونًا وعرضًا، وهذه قضايا متعددة. وأوصاف السواد معقولة، على ما تقرر طريقها في إثبات الأحوال في فن الكلام. ونقول: الزنا بالإضافة إلى المحصن وصف ينتفي عند صدوره من غير المحصن؛ وتلك الإضافة وصف العلة. ومناط الرجم: الزنا المضاف الموصوف؛ وهو كما قررناه: من تعليل القتل بالسواد، إذ قال الشارع: اقتلوا زيدًا لأنه أسود. وأن مساقه [يقتضي] قتل كل أسود. فلو بان أنه لا يقتل سوى زيد بالنص. انعطف منه قيد على السواد، وتبين أن السواد المطلق ليس بعلة؛ وإنما العلة: سواد زيد. فكذلك يتبين أن الزنا المطلق ليس بعلة، وإنما العلة: زنا محصن؛

стр. 569

فالإضافة من أوصاف العلة. ويجري هذا في القتل، فأنا نقول: القتل المطلق ليس بعلة، بل العلة: قتل عمد مضاف إلى فاعل مخصوص، وهو: العاقل المكلف الأجنبي المتكافئ، الذي ليس بمستحق ولا مأذون؛ وهلم جرا، إلى سائر صفات القاتل. وصفات القتيل -أيضًا- كذلك. فإذا صدر القتل من صبي: فالعلة ناقصة؛ إذ قد نقص منها وصف الإضافة إلى البالغ. وكذلك في كل صفة تنعدم. وكذلك علة الملك: بيع مخصوص بقيود وإضافات، لا بيع مطلق. وهو: بيع عاقل مكلف لمال متقوم معلوم مقدور على تسليمه. ولا يقال: حصل الملك بالعقل والتكليف والتقوم والعلم وصفات الأهل والمحل؛ بل: بالبيع الموصوف بقيود الإضافات إلى هذه الصفات. فبيع الخمر باطل: لنقصان العلة؛ بيع الصبي باطل: [لنقصان العلة. ولكن جهات النقصان متفاوتة؛ فبيع الصبي باطل]: لنقصان وصف من البيع،

стр. 570

يحصل ذلك الوصف بالإضافة إلى [الفاعل] العاقل. وبيع الخمر باطل: لنقصان وصف الإضافة إلى المحل. فلما تفاوتت جهات النقصان: تباعد مآخذ النظر فيها ومداركها؛ وكل ذلك راجع إلى نقصان في العلة. والعلة عبارة عن مجموع أمور رتب الشرع عليها الحكم؛ إلا أن تلك الأمور تنقسم؛ فمنها: ما هو موصوف، ومنها: ما هو وصف تابع. وآحاد الأوصاف متساوية، وآحاد أجزاء الموصوف -أيضًا- متساوية. ونعني بتساوي آحاد الأوصاف: أن نقصان الإضافة إلى [غير] عاقل في البيع، كنقصان الإضافة إلى الخمر: في قضية الوصفية. ونعني بتساوي أجزاء الموصوف: أن الإيجاب كالقبول، في أن كل واحد منهما جزء لصورة البيع؛ وليس أحدهما وصفًا للآخر تابعًا. وهي في التساوي كآحاد الأحمال: في إغراق [٧٦ - ب] السفينة، وآحاد الأقداح: في إثارة الكر. [حتى] لا يترجح البعض على البعض -من هذا الوجه- عند تعدد الجهات، وتوزعها وتعارضها. وقد يترجح الموصوف على الوصف: عند التعدد والتزاحم في تغليب الإضافة. ومن هذا [الفرق] نشأ اختلاف النظر في المسائل التي أديرت على الفرق بين العلة والمحل. وإنما ينكشف الغطاء عن هذا، بإيراد المسائل

стр. 571

الفقهية، اعتراضًا على هذه القاعدة، والانفصال عنها. خيال وتنبيه: فإن قيل: كيف تنكرون الفرق بين العلة والمحل، وقد قضيتم بأن الضمان يجب [على] المرادي لا على الحافر، والهلاك لا يحصل إلا بهما جميعًا؟ وكذلك توجبون الغرم على شهود [الزنا في الرجم]، دون شهود الإحصان إذا رجعوا. وتوجبون على شهود التعليق، دون شهود الصفة إذا رجعوا؟. قلنا: أما مسئلة التردية، فإيجاب الغرم [فيها] على المردي [لا على] الحافر، لا يدل على فرق بين الشرط والعلة؛ فأنا قد نوجب الضمان على الحافر: إذا كان الماشي جاهلاً [بها]؛ وبالجهل لا يخرج التخطي عن كونه علة التردي. ولكن ليس تأثير الحفر في الإهلاك، مثل تأثير التردية. بل هما مختلفان، والرأي فيه رأيان: إما بالتقسيط، وإما الترجيح. والتقسيط إنما يعقل في المتساويات: كآحاد الأحمال في إغراق السفينة؛ فإنها متساوية المنهج في التأثير، وكأحد شقي العقد: فإنه مثل النسق الآخر، فقد يقسط ثم. أما تأثير الحفر، فليس من جنس تأثير

стр. 572

التردية. فطلبنا مسلك الترجيح، ورأينا الإيجاب على المردي أو [لي]: لاتصال فعله بالهلاك مع التعمد. وفعل الحافر قد انقطع بالحفر. وإنما المتصل [الهلاك هو: ما أحدثه بحفره]. وإن كان الماشي جاهلاً: رجحنا الحفر؛ لأن المشي لا يقصد به التردي. وكذلك الحفر لا يقصد به التردي؛ ولكن الحفر عدوان في الأصل: فترجح. فإن كان الرجل قد حفر في ملك نفسه، وتردى [فيه] الرجل جاهلاً -حكم بالإهدار: إذ لا مناسبة بين الفعلين حتى يوزع، ولا ترجيح. أو يقضي بترجح التردي والمشي وبهدره لصدوره من صاحب الحق. فهذا مأخذه، وهو في مظنة الاجتهاد: يتصور وقوع الخلاف فيه. وليس فيه ما يناقض كلامنا. وأما شهود الإحصان والزنا، فمأخذ النظر فيه: أن من أثبت الإحصان، لم يثبت ما يجب به الرجم ولا جزءًا من الموجب؛ إذ الرجم يجب بالزنا المضاف إلى المحصن؛ والإضافة صفة للزنا. فشهود الزنا أثبتوا الزنا، وهو بعض الموجب. وبقيت الإضافة، وتلك حصلت عند

стр. 573

ثبوت الحرية، متولدة من الإحصان والزنا: لا من الزنا على الخصوص، ولا من الإحصان على الخصوص. فإن الإضافة نسبة بين المضاف والمضاف إليه. فيحتمل أن يقال: تولدت هذه الإضافة من الجهتين على وتيرة واحدة؛ فيتوزع الغرم: إذ ليس لأحد الجانبين ترجيح؛ وهما كجنس واحد -أعني: ركني الإضافة- في توليد الإضافة. ويحتمل أن يرجح جانب الزنا: لأن الرجم تعلق بالزنا المضاف، لا بالإحصان المضاف [إليه]. فإن الإضافة إذا صارت صفة الزنا: صار الزنا الموصوف موجبًا؛ فالموجب: زنا المحصن، لا إحصان الزاني. فكانت هذه الإضافة في الإيجاب صفة للزنا وتابعة له: فرجح جانب الموصوف والمتبوع. وهذا في غاية الدقة، فليتأمله الناظر. وليعتقد به غرض الشافعي ﵁ في ترديد القول في هذه المسئلة، من هذا الوجه. وهذا هو العذر أيضًا في شهود التعليق والصفة؛ وقد اختلف قول الشافعي ﵁ فيه. ويقرب من هذه [المسئلة]: إرضاع الزوجة الكبيرة [الزوجة]

стр. 574

الصغيرة وحصول الفراق به، ووجوب المهر على المرضعة. فإن اللبن يصل إلى الجوف بالتقام الثدي، وامتصاص الصغير. فرجح أصحابنا [الغرم في] جهة الكبيرة، وجعلوا امتصاص الصبي طبيعة لا يثبت لها حكم الاختيار، بالإضافة إلى التقام الثدي. ومنهم: من خالف فيه. وكذلك فتح باب القفص والاصطبل: فإن الفوات بالفتح، وطيران الطائر. واختلف القول في الترجيح: فقد يرجح جانب [الفاتح المختار] على الفعل الطبيعي الصادر من البهيمة [فيسقط]: إذ لا مناسبة. وقد يرجح جانب الطيران، ويلتحق ذلك بحل قيد العبد المختار.

стр. 575

فهذه مسائل اجتهادية، ومأخذها ما ذكرناه، وليس فيها إبطال ما قدمناه. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: فبم قطعتم الجنسية عن الطعم في مسئلة ربا النساء؟. قلنا: لأن وجه دلالة أبي حنيفة ﵁ أن أحد الوصفين مثل الآخر؛ وقد ظهر لنا أن تضمن الطعم المصلحة المناسبة أولى من الجنسية، على ما [تقرر]. فلم يثبت التماثل، فلم تجب التسوية بين الوصفين، وإن كان كل ذلك جزءًا من علة ربا الفضل، على ما [تقدم تقريره]. خيال وتنبيه: فإن قيل: فكيف تخرجون على هذه المسئلة شراء القريب، ومعتضدكم: أن الملك محل، والقرابة علة؟ قلنا: وإن سلمنا أنه أحد الوصفين، فالحكم لا يحال على أحد عند إيجاد العلة. على أن الوصف المنعطف من المحل على العلة إضافة، وهي تابعة [للمضاف إليه] وقيامها بها؛ ولا حكم للتابع على حياله -في

стр. 576

مقابلة المتبوع، ومساواته له-: في جواز الإضافة [٧٧ - أ] إليه. وبهذا فارق ضمان السراية: إذا أوجبناه على المشتري؛ لأن إضافة الضمان إلى القرابة غير ممكن، فترجح جهة الإضافة على ذات المضاف، فهذا طريق الكلام. خيال وتنبيه: فإن قيل: كيف تخرجون [على هذه المسئلة]، مسئلة شريك الأب؟ قلنا: الذي نقطع به أن فعل الأب، وفعل الصبي، وفعل المسلم والذمي- إلى أمثال ذلك- ليس موجبًا على مذاق هذه القاعدة، فلا يكون علة. فلا يستقيم القول: بأن الموجود علة القصاص؛ بل الموجود علة ناقصة، والناقصة ليست بعلة. إلا أنا نقول: لم ينتقص منها إلا الإضافة؛ والشريك أجنبي، فإذا أضيفت إليه: كملت العلة، لأن وصف الإضافة يختلف باختلاف الإضافات، بخلاف أوصاف الذات. وبيانه: أن فعل الشريك معتبر في حق الشريك لا يجاب القصاص به عليه؛ ووجه إضافته إليه: أنه معين له على غرضه، وهو مستعين به. فكأنه حصل مقصوده بنفسه وبغيره؛ وغيره آلة لانتهاضه عونًا له على غرضه. ولو حمل الأب، [وضرب به] على الابن -وجب عليه

стр. 577

القصاص: لأن الأب صار في حكم الآلة، وصارت حركة الأب مضافة إلى الحامل: وهو أجنبي، فكملت به العلة. فعلى هذا [كل] نقصان ينشأ من الإضافة، لا يظهر في حق الشريك؛ فإنه إذا أضيف إليه: صار الشريك في حكم الآلة. ويرجع اختلاف أقوال الشافعي ﵁ في تلك المسائل، إلى أن النقصان يرجع فيها إلى فوات الإضافات، وإلى فوات أوصاف ذات القتل؛ فيحكم -في كل مسئلة- بما يستقيم على السبر. فإن قيل: لو كان تقدير إيجاب القصاص على الشركاء ما ذكرت، لوجب أن يقال: إذا قطع يميني رجلين، فتمالا على قطع يمينه -يجعل كل واحد منهما مستوفيا لتمام حقه، ويقال: شريكه آلة [له]، ومعبن له على غرضه. قلنا: كما ينقدح أن يجعل الشريك عونًا له وآلة من وجه برابطة الاستعانة، ينقدح أن نقطع إضافته إليه: لكون الشريك مستقلا

стр. 578

بالاختيار والإرادة. ولكن رجح الشرع إحدى الجهتين في الإبتداء: محافظة على القاعدة الكلية، ولا يلزم طرد ذلك في الاحتذاء والاقتصاص؛ مع انتفاء الحاجة التي نهبنا عليها. فإن قيل: فإذا عفى عن أحد الشريكين ينبغي أن يسقط عن الآخر، لأن الفعل -في نفسه- صار معفوًا عنه. ولو جرح جراحتين، [فعفى عن إحداهما] سقط القصاص [به] وقد عفى عن بعض فعله؛ فإن فعل الشريك مضاف إليه على هذا التقدير. قلنا: العفو عن الشريك: بإسقاط القصاص عنه؛ ولا يتأثر الفعل به. ولفعله وجهان: وجه إلى الفاعل، ووجه إلى الشريك. فالعفو لاقاه من الوجه المتعلق بالفاعل، لا من الوجه المتعلق بالشريك. فنزل ذلك منزلة موت أحد الشريكين وتعذر القصاص بسببه. فهذا وجه التردد على هذه القضايا الدقيقة. ولا يطمعن المتساهل على الوقوف عليها بمبادئ النظر، ولا يظن المتكاسل الناظر إلى هذه الخفايا -من بعد- بمؤخر عينيه، ما يتراءى له -من ضعف هذه المعاني- صادرا إلا عن كلالة بصيرته، وكدورة قريحته. فلا إحاطة بهذه المغاصات إلا بجد واف وذهن صاف، وقلب مشحون بإنصاف.

стр. 579

خيال وتشبيه: فإن قال قائل: كيف تخرجون على هذا تقديم الكفارة على الحنث، ومعتمد أصحابكم: أن السبب هو اليمين؛ وقد وجد، ولم يتأخر إلا الحنث، وهو شرط الوجوب؟ قلنا: العلة في الكفارة -عندنا- يمين كاذبة؛ فاليمين أصل، وكونها كاذبة صفة لها. وإنما تصير كاذبة بالحنث، فبه تحصل هذه الصفة. وإذا وجدت ذات العلة، ولم توجد صفتها -لم يتنجز الوجوب؛ ولكن: دخل وقت التقديم والأداء، وإنما عرف في هذا من الزكاة؛ فإن العلة: نصاب باق حولاً؛ فالنصاب أصل، والبقاء صفة. ونقصان الصفة لا يمنع التعجيل في عبادة مالية. فرأينا نسبة نقصان صفة اليمين بفوات الحنث، كنقصان صفة النصاب بانتفاء البقاء؛ فألحقناه به، ورأيناه في معناه. وكذلك جوز الشرع تقديم الكفارة على الزهوق بعد وجود الجرح؛ والكفارة تجب بالقتل، والقتل عبارة عن جرح مزهق. والجرح [هو الأصل]، وكونه مزهقًا وصف لا يحصل إلا عند الزهوق. وتراخي الوصف -مع وجود الأصل- لا يمنع الأداء. فهذا وجه

стр. 580

التصرف، وهو نوع من القياس معقول. فإن قيل: فهلا جورتم التعجيل لمن ملك نصابًا غير سائمة: إذا أسامها من بعد؛ وقد وجد الأصل، وتراخت الصفة؟ قلنا: يمكن أن يجاب عن هذا: بأن السوم والملك وصفان متساويان، فليس [أحدهما تبعًا] للآخر؛ إذ نفرض ملك غير سائمة، وسائمة غير مملوكة. وليس في بطلان أحدهما ما يتضمن بطلان الآخر؛ فينزل منزلة نقص النصاب، ولا ينزل منزلة الصفات التابعة. وقد يقاومه السائل: [فيفرض غنمًا باقية] حولا غير مملوكة، [ومملوكة غير باقية]. فلم جعل أحدهما تبعًا للآخر، والملك تارة يوصف بالبقاء [٧٧ - ب] وتارة بالأسامة؟ والجواب عنه: أن منشأ هذا الغلط إجمال لفظ الملك، فإنه قد يراد به المملوك، وهو: الغنم في هذا المقام. وقد يراد به الملكة والقدرة الشرعية؛ والسوم صفة الغنم الذي هو المملوك ومتعلق الملك؛ و [الملك]-الذي يعبر به عن القدرة والمالكية- لا يقبل الوصف بالسوم،

стр. 581

ويقبل الوصف بالبقاء؛ والبقاء اعتبر صفة للملك الذي هو [الملكة و] القدرة؛ والسوم اعتبر صفة للملك الذي هو المملوك والمحل للملكية. فهذا منشأ هذا الغلط. وقد يجاب عنه، فيقال: المراد بالباقي هو: الذي يبقى في علم الله سبحانه حولا؛ فإذا انقضى الحول: تبين أن الموصوف بالبقاء هو الموجود أولاً؛ فإن من يعيش مائة سنة، إذا طال بقاؤه: عاد الوصف إلى المولود الذي حدث حالة الولادة، فتبين بالآخرة أنه المعمر. وكذلك المرض: إذا اتصل بالموت تبين أن المرض الأول هو المميت؛ والجرح إذا اتصل بالزهوق تبين أن الجرح -في أول الأمر- كان مزهقًا. وهو كما إذا قال: آخر عبد اشتريه فزوجتي عنده طالق؛ فإذا اشترى عبدًا لم تطلق زوجته: لأنه لم يبن كونه آخرًا؛ فإذا مات ولم يشتر بعد [ذلك عبدا]: تبينا وقوع الطلاق من وقت الشراء؛ لأن كونه آخرًا وصف يرجع إليه. وكذلك اليمين: إذا جرى الحنث فيها صارت اليمين السابق حلفًا، ولكن بان ذلك في حقنا الآن.

стр. 582

وأما السوم الطارئ، فلا يعطف وصف السوم على الزمان السابق. هذا ما ذكره أبو زيد الذبوسي: في الفرق بين السوم والحول؛ وهو ضعيف إذ هذا التقرير يجري في مرض الموت، وشراء آخر العبيد. ونحن نحكم فيهما: بأن الحكم موقوف في حق علمنا؛ لأن العاقبة غائبة عنا. فإذا انكشفت العاقبة: انعطفنا على تصرفات المريض، وعلى زوجة المعلق على آخر شرائه -بطريق التبين؛ وفي الزكاة واليمين لا ننعطف -بطريق التبين- على الأول. والدليل عليه أنه [لو] قال: [والله لا] تطلع الشمس غدًا، فلا يحكم بتنجيز الوجوب عليه؛ وإن كنا نقطع بأن اليمين كاذبة. وقد قال أبو حنيفة ﵁: لو قال: والله لأصعدن السماء غدًا: انعقدت يمينه، ولم تلزمه الكفارة في الحال. وكذلك لو أنبأ صادق عن بقاء النصاب حولاً في علم الله تعالى، لكنا لا نحم بتنجيز الوجوب.

стр. 583

فإن قال [قائل]: لأن موت الحالف والمالك ممكن، وبقاؤهما شرط لوجوب الكفارة [والزكاة]. قلنا: لو صارت اليمين كاذبة في الحال بطريق التبين، لكان السبب تامًا في حياته، فلم [يشترط بقاؤه بعد] تمام السبب. فكذلك في الزكاة. فدل أن هذا ليس من قبيل التوقف بعد توهم كمال العلة؛ بل نقطع بأن الموجود علة ناقصة بوصف، لا كاملة بجميع صفاتها. وطريق الجواب ما سبق. وعلى الجملة: هذه قضايا [جميلة] ظنية، وموازنات تخمينية تنبني الأحكام في الاجتهاد عليها؛ وهي معقولة دون تمييز الشرط عن العلة. خيال وتنبيه: فإن قال قائل: ما ذكرتموه هو الفرق بين العلة والشرط؛ ولكنكم غيرتم العبارة: فنشأتم من الشرائط للعلل إضافات، وعبرتم عن تلك الإضافات بأوصاف العلة، واجتنبتم عبارة الشرط

стр. 584

والمحل. [ثم اعترفتم بالفرق بين تلك الأضافات، وبين ذوات العلل المضافة. فلم تزيدوا إلا] تغيير عبارة. فليضبط الفرق بين العلة والشرط، بالإضافة والمضاف إليه. قلنا: ليس كذلك؛ فإن الإضافة لا تصلح للضبط: فإن اليمين الكاذبة هي علة الكفارة، والكذب وصف للخبر لا يرجع إلى الإضافة. فليس قولنا: يمين كاذبة، كقولنا: يمين بالغ؛ بل يقع الكذب من اليمين، موقع العمدية من القتل. وقد جعل الشافعي ﵁ وصف العمدية للقتل وكنا في العلة، وجعل الإضافة محلاً. أعني: أنه فرق بينهما في تلك المسئلة. فكيف يستقيم هذا الضبط؟. فإن قيل: فليضبط بالأوصاف مع الذوات؛ فذوات الأشياء علل. والأوصاف شرائط. فإن كونها كاذبة صفة لليمين أيضًا، وإن لم تكن من طريق الإضافة. قلنا: وهذا ينتقض بالعمدية، فإنها صفة بالإضافة إلى القتل. ويبطل بالطعم والجنسية: فإنهما وصفان متقابلان: ليس أحدهما تابعًا للآخر؛ إذ يعقل الطعم دون الجنسية، والجنسية دون الطعم. ولو قال قائل: العلة الطعم في الجنس، فصار الجنس محلاً، ورجع إلى الإضافة -قابله أن العلة: الجنسية في المطعوم؛ ولم يكن أحدهما أولى

стр. 585

من الآخر. فإن قيل: فليضبط الفرق بالمناسبة، أو توهم تضمن المناسبة؛ فعليهما التعويل في مسئلة شريك الأب، ومسئلة ربا النساء. قلنا: وهذا بالضبط -أيضًا- لا يستقيم من وجهين: أحدهما: أنك تجوز أن تتركب العلة من وصفين: أحدهما يناسب، والآخر لا يناسب. ويكون كل واحد منهما ركنا في العلة: من حيث التسمية والتحقيق؛ ويعرف ذلك بالنص. والآخر: أن البقاء حولا في المناسبة كالسوم؛ لأن السوم: لخفة المؤونة، والبقاء: لكثرة الدفق. فإن المال -بوصف النماء-[٧٨ - أ] صار سببصا لايجاب المواساة؛ وإنما نماؤه: بانقضاء الأوقات، فهو في المناسبة كالسوم. ثم سلك بالسوم مسلك بعض النصاب: في حكم التعجيل، دون البقاء. فإن قيل: فإذا لم يكن بد من فرق بين بعض أجزاء العلة وبعضها، ولا ضبط، فما الطريق؟. قلنا: عبارة الشريط والمحل هي المختلفة. والضبط به -مع أنه غير مضبوط- لا مطمع فيه. ولكن الوجه أن يقال: مجموع الأمور -التي يترتب الحكم عليها- متساوية في افتقار وجود الحكم إليها.

стр. 586

نعم: لو ثبت في الشرع لوجود بعضها حكم، فهل يلحق بهما سائر الأبعاض؟ [قلنا]: إن كان مثلاً لها: ألحق؛ وإلا فلا. والمفارقة تارة تدرك بكون أحدهما صفة [والآخر موصوفًا]، وتارة تدرك بالمناسبة، وتارة تدرك بزيادة المناسبة، وتارة تدرك بتوهم التضمن. على ما قررناه في الأمثلة السابقة. فتلك المسالك المعقولة متبعة في الفرق والجمع؛ وذلك يختلف باختلاف المسائل، واختلاف الأحوال. وطريق المجتهد [يعتمد] في اتباع غلبة الظن؛ فإن أفضى به [الاجتهاد إلى الفرق] بين أمرين -كان الحكم موقوفًا على مجموعهما، [وعبر] عن أحدهما بالشرط، وعن الآخر بالعلة، فلا حرج عليه في الإطلاقات بعد فهم هذه المقاصد. وغرضنا من هذه الترديدات: الكشف عن حاصل ما ترجع إليه هذه الألفاظ؛ وبعد الإيضاح لا حرج في الاصطلاح. وإنما منشأ الأشكال التخاوض في هذه الأمور، دون التوافق على حدود معلومة لمقاصد العبارات. فيطلق المطلق عبارة لمعنى يقصده، والخصم يفهم منه معنى

стр. 587

آخر يستبد هو بالتعبير [به] عنه، فيصير به النزاع ناشبًا قائمًا: لا ينفصل أبد الدهر. هذا ما أردنا أن ننبه [به] على غور هذا الأصل.

стр. 588

القول في بيان معنى السبب في لسان الفقهاء لا ينبغي أن يظن [أن] السبب جنس زائد على [جنس] العلة والشرط. ولكن لما تداولته الألسنة، وأطلقه الفقهاء لمعان مختلفة -أحببنا بيانه. فالسبب -في وضع اللسان- هو: الحبل والطريق أيضًا؛ ثم عرف أن نزح الماء لا يتأتى دون الحبل، وأنه إذا حصل: حصل بالاستقاء لا بالحبل. والاستقاء -الذي هو علة نزح الماء من البئر- ليس حاصلاً أيضًا بالحبل. وكذلك الوصول أيضًا إلى البلد المقصود: لا يحصل دون الطريق؛ وإذا حصل: كان حاصلاً بالسير لا بالطريق؛ ولا يحصل السير أيضًا بالطريق. فلما فهم نسبة الحبل والطريق من المقصود، استعير اسم السبب لكل ما يقع من المقصود هذا الموقع. وهو: كل ما لا يحصل المقصود دونه؛ وإذ حصل: حصل بعلة مستقلة لا بذلك السبب.

стр. 589

ثم أطلق الفقهاء لفظ السبب على أربعة أوجه: الوجه الأول: إطلاقه في مقابلة المباشرة، فإذا قوبل بالمباشرة: أريد به الشرط المحض. واستعملوا هذه اللفظة في الضمان، وقالوا: الضمان على المباشر لا على المتسبب. فيراد بالمباشرة: إيجاد العلة، وبالتسبب: إيجاد الشرط. فقالوا: الحافر متسبب، والمردي مباشر؛ من حل قد العبد حتى أبق فهو متسبب؛ والمباشر هو العبد: إذ [الفرار حصل] بالأباق عند حل القيد، لا بحل القيد. وزعموا: أن الإحصان من الرجم، يقع موقع الشرط. فهذا أقرب وجوه الإطلاق إلى وضع اللسان. الوجه الثاني: تسميتهم علة العلة سببًا، كالرمي، فإنه يقال فيه: إنه سبب الموت، لأن الموت لا يحصل بالرمي، فكان الرمي سببًا من هذا الوجه. ولكن لما حصل بالسراية والجرح -وهي حاصلة بالرمي- كان الرمي علة العلة. [فلهذا كان] موافقًا لوضع اللسان، من أحد الوجهين. فهذا مأخذ الاستعارة، وهو: أن الحكم لم يحصل به إلا بواسطة العلة، كما لا يحصل الوصول بالطريق إلا بواسطة العلة. إلا أن السير ليس حاصلاً بالطريق؛ والعلة ها هنا حاصلة بالسبب. وهذا الجنس

стр. 590

من السبب له حكم المباشرة من كل وجه: في إيجاب الحكم؛ فلا ينبغي أن تشتبه المباشرة بالسبب، بهذا الإطلاق. الوجه الثاني: تسميتهم ذات العلة -مع تخلف الصفة عنها- سببًا: كتسميتهم اليمين سببًا للكفارة، وتسمية ملك النصاب سببًا، دون الحنث وانقضاء الحول. ووجه الاستعارة: أن الحكم غير حاصل بمجرده، كما لا يحصل الوصول، [والماء] بمجرد الطريق والحبل. وهذا الجنس قد استقصيناه. وبينا أن نقصان الصفات التابعة، قد يفارق [نقصان] أبعاض ذات العلة في بعض الأحكام؛ كما سبق. الوجه الرابع: تسميتهم العلة الموجبة سببًا، كتسمية علل الغرامات والعقوبات والكفارات: أسبابًا. وتسمية البيع: سببًا للملك إلى غير ذلك. فهذا أبعد الوجوه في الاستعارة عن وضع اللسان؛ لأن المقصود مضاف إلى العلة، ولا يضاف إلى السبب في الوضع. ولكن وجه الاستعارة: أن العلل الشرعية في معنى الشروط والأمارات من [كل] وجه؛ لأنها لا توجب الأحكام بذواتها، بل يجب الحكم عندها بإيجاب الله تعالى. فمن

стр. 591

هذا الوجه [حسنت] الاستعارة. فهذه مدراك مختلفة لمعنى السبب. فإذا أطلق الفقيه لفظ السبب، فإن فهم بالقرينة مقصوده [٧٨ - ب]-كمعارضته إياه بالمباشرة- فذاك. وإن لم يفهم: فلابد من الاستفصال: إذا كان الغرض يختلف باختلاف الوجوه التي ذكرناها. فإن قيل: السبب المذكور في مقابلة المباشرة، هل يناط القصاص بمثله وهو الشرط المحض؟ قلنا: نعم: فإن القصاص عندنا يجب على شهود القصاص؛ والهلاك حصل بفعل مختار من الولي أو القاضي؛ والصادر من الشاهد تمكين يجري مجرى الشرط. ولكن: لما رأى الشافعي ﵁ إيجاب القصاص على المكره، ورأى الإكراه سببًا في مقابلة مباشرة المكره- قاس الشهادة به. وأبو حنيفة ﵁ لا يوجب القصاص إلا بالمباشرة؛ [وتخيل: أن المكره مباشر]، والمكره آلة. فمنشأ النظر بيان أن الإكراه مباشرة أو تسبب. فأبو حنيفة ﵁ يقول: المباشرة عبارة عن إيجاد علة القتل، [وإيجاد] علة العلة. والإكراه علة فعل المكره. ويزعم: أن

стр. 592

فعل المكره حصل به، فإلجاؤه يحدث داعية القتل في نفسه؛ وتلك الداعية تحدث الفعل [فكان القتل متولدًا] من إكراه المكره، بواسطة داعية تولدت من الإكراه. والشافعي ﵁ يقول: لو كان كذلك لما أثم المكره؛ فإثمه يدل على بقاء اختياره حسًا وشرعًا، وفيه إخراج الإكراه عن كونه علة. نعم: فيه مشابهة العلة من حيث أنه يثير داعية على الجملة، وإن كانت تلك الداعية مقرونة بخيرة يتسع معها مخالفة الداعية. فكذلك في الشهادة معنى العلة، على معنى: أنها تثير داعية في نفس القاضي من جهة الشرع؛ وتلك الداعية تفضي إلى الهلاك بواسطة الفعل؛ فكانت في معناه؛ ولهذا كان الكلام في طرف الرجم أظهر منه في طرف القصاص: لأن اختيار الولي ظاهر في إحالة الهلاك عليه، وتلك الداعية لا تحدث بالشهادة. لكن يقرر ذلك بطريق آخر، وهو: أن بطلان العصمة

стр. 593

وحصول الإهدار [حصل] بالشهادة، وكان ذلك هلاكًا حكيمًا، فإذا اتصل بالهلاك الحسي: [تم، ووجب] القصاص على الشاهد: لأنه تعاطى سبب الهلاك الحكمي المقترن بالهلاك الحسي المفضي إليه. فهذا وجه النظر في تلك المسئلة. فإن قيل: بأي تأويل سميتم تعليق الطلاق سببًا، حتى شرطتم اقتران النكاح به للانعقاد، ومنعتم التعليق على الملك، وأبو حنيفة ﵁ ينكر كونه سببًا؛ ويزعم: أنه يمين في الحال؛ وينقطع حكم اليمين بوجود الحنث: فلا يكون سببًا [لما يرتفع به]، فإن السبب هو الطريق إلى المقصد، فأما ما ينعدم بالاتصال بالمقصد فلا يكون سببًا؟ قلنا: تسميته سببًا بمعنى العلة: التي فقدت [صفة] الإضافة إلى محل، أو فقدت الشرط على اصطلاح الفقهاء. فإن الفراق يقع -عند وجود الصفة- بالطلاق السابق، لا بالصفة الحادثة. وظهر أثر ذلك في

стр. 594

الشهود: إذا رجعوا في قضية الغرم. فإذا حصل الفراق عند الدخول، كان مضافًا إلى الكلام السابق [لا] إلى الدخول: فهو العلة. فلذلك شرط اقتران شرط الطلاق به، وهو ملك النكاح. فإن قيل: إنما يصير كلامه علة للفراق عند الدخول؛ وقبله يمين وليس بعلة للفراق. قلنا: إذا وجد الدخول واللفظ، وحصل الفراق؛ فهو مضاف إلى اللفظ لا إلى الدخول، فهذا هو المراد بكونه سببًا وعلة. أما قولهم: إنه قبل الدخول ليس بعلة، فإن عنوا به: أنه ليس بموجب للفراق في الحال، فمسلم. وذلك: لنقصان وصف الإضافة الحاصل من الاقتران بالشرط. وأن عنوا [به]: أن ذات العلة وركنها وما يضاف [إليه الحكم] عند حصوله غير موجود -[فهو باطل. فإن الزنا يسمى علة وسببًا على ما سبق وجهه؛ وهو غير موجب] بمجرده دون وصف الإضافة إلى المحصن؛ ولكن عند حصول الوصف يضاف إلى الزنا، لا إلى وصف

стр. 595

الإضافة. [فهذا -على منهاج] كلام الفقهاء- واضح. فإن قيل: فإن سلم كونه سببًا وعلة بهذا التأويل، فلم يشترط أن يقترن به ملك النكاح، وملك النكاح يراد لاتصال الطلاق بالمحل، وهو لا يتصل به قبل الشرط، والمحل مهيأ للطلاق عند وجود الشرط. وليس يشترط في حال التكلم إلا أهلية العاقد لصدور السبب منه؛ فكما لا تشترط صفات المتكلم عند وجود الصفة والشرط، [حتى وقع] وإن كان الزوج مجنونًا عند الدخول -فكذلك صفة المحل: لا تشترط عند صدور السبب من العاقد؟ قلنا: من سلم كونه علة وسببًا كما ذكرناه، لزمه أن يعترف بمذهبنا؛ إذ صفات المحل يشترط وجودها حالة وجود السبب، وإن كان السبب في الحال لا يتصل بالمحل ولا يتنجز حكمه. فإذا قال الرجل لأجنبية: تزوجتك على ألف، وطلقتك على مائة؛ فقالت المرأة: زوجت نفسي،

стр. 596

وقبلت الطلاق- لم يقع الطلاق عندهم، لأن الإيجاب تقدم [حكمه] على النكاح؛ والإيجاب لا يتصل حكمه بالمحل إلا بعد وجود القبول؛ فهي منكوحة بعيد القبول ومعه. وكذلك قال الشافعي [٧٩ - أ]﵀: لو قال لعبده: كاتبتك على ألف، وبعتك الثوب بدينار؛ فقال العبد: قبلت الكتابة، واشتريت الثوب -لم يصح شراء الثوب. وقد كان الموجب أهلا للإيجاب حالة الإيجاب، والعبد كان أهلا للشراء حالة القبول؛ ولكن: لما لم يقترن شرط أهلية القابل بحالة الإيجاب، لم ينعقد سببًا. فدل [على] أن مأخذهم ما سبق: من أن التعليق في الحال يمين، وليس بعلة للفراق ولا سبب له. وقد بينا وجهه. وأما قولهم: أن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصد، واليمين يرتفع بوجود الصفة.

стр. 597

قلنا: هو -من حيث كان يمينا- ليس موجبًا للفراق. ومن حيث كان موجبًا للفراق، يتقرر عند الدخول، ويتنجز الفراق، [ولا يرتفع كالتطليق] الناجز؛ فإنه [سبب] يستعقب الفراق، ويكون ذلك تقررًا في حقه لا ارتفاعًا. وإنما سمي يمينًا: من حيث أنه بالعادة يمنع من الفعل، وهو من هذا الوجه ليس بسبب للفراق. وكذلك اليمين: سبب للكفارة [والمنع الشرعي]؛ ولا نقول: ارتفع بالحنث [بل تقرر]؛ فإن اليمين الكاذبة موجبة للكفارة، وقد تحقق الوجوب واستقر. وإنما [المرتفع] المنع الطبيعي: من حيث محاذرته لزوم الكفارة. والمنع الشرعي لا نقول: ارتفع، بل اليمين لم تقتض المنع إلا [في] مرة واحدة، فتقرر موجبها: أن سلم كون اليمين موجبًا للمنع. هذا ما أردنا أن نهذب به مقاصد الفقهاء من إطلاق لفظ السبب والعلة والشرط، ووجه إضافة الأحكام إليها تحقيقًا وتمثيلاً [والله أعلم].

стр. 598

القول في بيان ركن الحكم من أركان القياس وهو الركن الثالث يجوز أن يثبت بالقياس كل حكم شرعي، لم يتعبد فيه بالعلم. ويتبين هذا بالضبط بالنظر في المسائل: مسئلة: لا يجوز أن يثبت بالقياس الشرعي القضايا العقلية واللغوية، لأن القياس دليل شرعي: فلا يدل إلا على قضية شرعية. ويخرج عليه: [أن] تسمية النبيذ خمرًا بالقياس، لا وجه له: لأنه أمر لغوي، فيعرف من وضع اللغة. وإذا لم ينقل الاسم، ولا نقل من أهل اللغة تجويز [الإثبات] للأسامي بالقياس -لم يكن الاسم لغويًا؛ والأسامي اللغوية أعلام للمسميات: فلا وجه للتعرف فيها بالقياس.

стр. 599

نعم: الطريق أن نسلم أنه لا يسمى خمرًا؛ ولكن الخمر محرمة لعلة الإسكار، فتحريم غير الخمر كما حرم الربا في غير البر: لمشاركته البر في معنى الطعم، وإن لم يشاركه في الاسم. وكذلك: إثبات اسم الزنا للواط، واسم السرقة للنباش، واسم اليمين لليمين الغموس، [بالقياس]-لا وجه له: فإن هذه أمور لغوية. فإن سلمنا اتباع الأحكام هذه الأسامي، وجب إثبات الأسامي بالنقل؛ كما روى أنه ﷺ قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"، وأمثال ذلك. أو نزعم: أن الأحكام غير منوطة بهذه الأسامي، وإنما هي منوطة بمعان تتضمنها. فمناط الحكم من الزنا: تضييع الماء بالجماع المشتهي المحرم؛ ومناطه من السرقة: أخذ المال المحترم من الحرز؛ إلى أمثال لذلك: وكذلك النظر في أن الطلاق هل يحتمل العتاق [أم لا]؟ وأن قوله: أنت طالق هل يحتمل العدد [أم لا]؟ إلى أمثال هذه المسائل. [فأمثال هذه المسائل] إنما تتعرف من البحث عن وضع اللغة: بطريق الاستعارة والكناية؛ فالقياس في هذه المسائل باطل.

стр. 600

وكذلك القضايا العقلية: كالقتل مثلاً، وأن المكره متسبب أو مباشر، وأن كل واحد من الشركاء قاتل أم لا. فهذا يعرف بتعرف حد القتل، وهو أمر عقلي: لا يعرف بالقياس الشرعي. نعم: يجوز أن يثبت [الشرع لفعل] ليس قتلاً تحقيقًا، حكم القتل، فيعبر عنه: بأنه قتل شرعًا، أي هو قائم مقام القتل: في إفادة الحكم. مسئلة: ما تعبدنا فيه بالعلم لا يثبت بالقياس؛ [لأن القياس] لا يفيد إلا ظنًا، ولا يثمر العلم. ويخرج مخرجون على هذا الأصل: أنا إنما لم نثبت صلاة سادسة [القياس، لهذا الأصل. وهذا فيه نظر؛ فإن تقرير الوجوب بالظن ممكن كما في الوتر؛ وإنما لم نوجب صلاة سادسة] [لا] لأنه [لا] قياس يدل عليه، [بل: لا] نعقاد الإجماع على الانحصار، ولأنه
следующие страницы →