Полный текст (678 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وقبلت الطلاق- لم يقع الطلاق عندهم، لأن الإيجاب تقدم [حكمه] على النكاح؛ والإيجاب لا يتصل حكمه بالمحل إلا بعد وجود القبول؛ فهي منكوحة بعيد القبول ومعه.
وكذلك قال الشافعي [٧٩ - أ]﵀: لو قال لعبده: كاتبتك على ألف، وبعتك الثوب بدينار؛ فقال العبد: قبلت الكتابة، واشتريت الثوب -لم يصح شراء الثوب. وقد كان الموجب أهلا للإيجاب حالة الإيجاب، والعبد كان أهلا للشراء حالة القبول؛ ولكن: لما لم يقترن شرط أهلية القابل بحالة الإيجاب، لم ينعقد سببًا. فدل [على] أن مأخذهم ما سبق: من أن التعليق في الحال يمين، وليس بعلة للفراق ولا سبب له. وقد بينا وجهه.
وأما قولهم: أن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصد، واليمين يرتفع بوجود الصفة.
стр. 597
قلنا: هو -من حيث كان يمينا- ليس موجبًا للفراق. ومن حيث كان موجبًا للفراق، يتقرر عند الدخول، ويتنجز الفراق، [ولا يرتفع كالتطليق] الناجز؛ فإنه [سبب] يستعقب الفراق، ويكون ذلك تقررًا في حقه لا ارتفاعًا. وإنما سمي يمينًا: من حيث أنه بالعادة يمنع من الفعل، وهو من هذا الوجه ليس بسبب للفراق.
وكذلك اليمين: سبب للكفارة [والمنع الشرعي]؛ ولا نقول: ارتفع بالحنث [بل تقرر]؛ فإن اليمين الكاذبة موجبة للكفارة، وقد تحقق الوجوب واستقر. وإنما [المرتفع] المنع الطبيعي: من حيث محاذرته لزوم الكفارة. والمنع الشرعي لا نقول: ارتفع، بل اليمين لم تقتض المنع إلا [في] مرة واحدة، فتقرر موجبها: أن سلم كون اليمين موجبًا للمنع.
هذا ما أردنا أن نهذب به مقاصد الفقهاء من إطلاق لفظ السبب والعلة والشرط، ووجه إضافة الأحكام إليها تحقيقًا وتمثيلاً [والله أعلم].
стр. 598
القول في بيان ركن الحكم من أركان القياس وهو الركن الثالث
يجوز أن يثبت بالقياس كل حكم شرعي، لم يتعبد فيه بالعلم. ويتبين هذا بالضبط بالنظر في المسائل:
مسئلة: لا يجوز أن يثبت بالقياس الشرعي القضايا العقلية واللغوية، لأن القياس دليل شرعي: فلا يدل إلا على قضية شرعية.
ويخرج عليه: [أن] تسمية النبيذ خمرًا بالقياس، لا وجه له: لأنه أمر لغوي، فيعرف من وضع اللغة. وإذا لم ينقل الاسم، ولا نقل من أهل اللغة تجويز [الإثبات] للأسامي بالقياس -لم يكن الاسم لغويًا؛ والأسامي اللغوية أعلام للمسميات: فلا وجه للتعرف فيها بالقياس.
стр. 599
نعم: الطريق أن نسلم أنه لا يسمى خمرًا؛ ولكن الخمر محرمة لعلة الإسكار، فتحريم غير الخمر كما حرم الربا في غير البر: لمشاركته البر في معنى الطعم، وإن لم يشاركه في الاسم. وكذلك: إثبات اسم الزنا للواط، واسم السرقة للنباش، واسم اليمين لليمين الغموس، [بالقياس]-لا وجه له: فإن هذه أمور لغوية.
فإن سلمنا اتباع الأحكام هذه الأسامي، وجب إثبات الأسامي بالنقل؛ كما روى أنه ﷺ قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"، وأمثال ذلك. أو نزعم: أن الأحكام غير منوطة بهذه الأسامي، وإنما هي منوطة بمعان تتضمنها. فمناط الحكم من الزنا: تضييع الماء بالجماع المشتهي المحرم؛ ومناطه من السرقة: أخذ المال المحترم من الحرز؛ إلى أمثال لذلك:
وكذلك النظر في أن الطلاق هل يحتمل العتاق [أم لا]؟ وأن قوله: أنت طالق هل يحتمل العدد [أم لا]؟ إلى أمثال هذه المسائل.
[فأمثال هذه المسائل] إنما تتعرف من البحث عن وضع اللغة: بطريق الاستعارة والكناية؛ فالقياس في هذه المسائل باطل.
стр. 600
وكذلك القضايا العقلية: كالقتل مثلاً، وأن المكره متسبب أو مباشر، وأن كل واحد من الشركاء قاتل أم لا. فهذا يعرف بتعرف حد القتل، وهو أمر عقلي: لا يعرف بالقياس الشرعي.
نعم: يجوز أن يثبت [الشرع لفعل] ليس قتلاً تحقيقًا، حكم القتل، فيعبر عنه: بأنه قتل شرعًا، أي هو قائم مقام القتل: في إفادة الحكم.
مسئلة: ما تعبدنا فيه بالعلم لا يثبت بالقياس؛ [لأن القياس] لا يفيد إلا ظنًا، ولا يثمر العلم.
ويخرج مخرجون على هذا الأصل: أنا إنما لم نثبت صلاة سادسة [القياس، لهذا الأصل. وهذا فيه نظر؛ فإن تقرير الوجوب بالظن ممكن كما في الوتر؛ وإنما لم نوجب صلاة سادسة] [لا] لأنه [لا] قياس يدل عليه، [بل: لا] نعقاد الإجماع على الانحصار، ولأنه
стр. 601
لو كانت واجبة: لتواتر [نقل] فعلها، كما تواتر [في] سائر الصلوات؛ [فعدم] التواتر -في ممحل وجوب التواتر عرفًا- يفيد العلم بالانتفاء؛ فلا يستعمل القياس على ضد المعلوم. فإن أراد هذا التصرف بما ذكره ما أشرنا إليه، فلا نعترض عليه.
مسئلة: الحكم الثابت من جهة الشرع، نوعان:
أحدهما: نصب الأسباب [عللا] للأحكام؛ كجعل الزنا موجبًا للحد، وجعل الجماع موجبًا للكفارة، وجعل السرقة موجبة للقطع. إلى غير ذلك: من الأسباب التي عقل [من] الشرع نصبها عللا للأحكام.
والنوع الثاني: إثبات الأحكام ابتداء من غير ربط بالسبب.
وكل واحد -من النوعين- قابل للتعليل والتعدية مهما ظهرت العلة المتعدية.
فيجوز أن يقال: الجماع إنما نصب سببًا لعلة كذا، فينضب [الأكل] سببًا لوجود العلة. والزنا إنما نصب سببًا للرجم لكذا، فاللواط ينصب سببًا لوجود تلك العلة؛ وإن لم يكن اللواط زنا [٧٩ - ب]
стр. 602
والأكل جماعًا؛ لأن نصب الشيء موجبا للحكم، قضية شرعية. كما أن [إثبات] الحكم قضية شرعية. فإذا قال الشارع: حرمت عليكم الخمر، كان ذلك حكمًا على سبيل الابتداء. فيبحث عن علته، ويقال: لأي معنى حرم الخمر؟ وكذلك إذا قال: اقطعوا السارق، فيقال: جعل السرقة سببًا، فلأي علة جعلها [موجبة] للقطع؟. فيجوز أن نطلع على علته، ونجعل غير السرقة موجبًا: لوجود العلة التي لأجلها جعلت السرقة موجبة.
ولقد نقل عن أبي زيد ﵁ كلامان [يكادان يناقضان] ما ذكرناه:
أحدهما: ما تداولته ألسنة المتلقفين عنه: من أن الأحكام تتبع الأسباب دون الحكم، وأن الأسباب لا تعلل، وأن وضع الأسباب بالرأي والقياس لا وجه له، وأن الحكمة ثمرة الحكم ومقصوده لا علته. وإذا ذكر معنى الردع والزجر مثلا -في قواعد العقوبات- قالوا: [إن]
стр. 603
هذه حكمة العقوبة، لا علتها.
والآخر: ما صرح به في "كتاب التقويم": من أن الاختلاف إذا وقع في موجب الحكم، أو صفة [الموجب أو في شرط الحكم، أو في صفة الشرط، أو في أصل الحكم أو في صفة] [أصل] الحكم -لم يجز إثبات شيء من ذلك بالقياس، وإنما يثبت بالقياس حكم معلوم بوصفه من غير منازعة تثبت في محل؛ فيرجع النظر في أنه مقصور على محله. أو هو متعد عنه إلى غيره؟. فأما الأقسام الثلاثة السابقة فلا مجال للقياس فيها:
أما قسم الموجب، فنحو الاختلاف في أن الجنس بانفراده هل يوجب تحريم النساء؟ وأن السفر هل هو سبب مسقط لشطر الصلاة؟ وأن إسلام [الحربي] هل هو سبب لجعل نفسه وما له مضمونًا بالإتلاف؟
وأما صفة الموجب، فنحو الاختلاف في أن النصاب سبب للزكاة بصفة النماء أو دونه؟ واليمين سبب للكفارة بصفة الحرمة وحدها، أو بصفة
стр. 604
الإباحة والحرمة؟ والإفطار سبب للكفارة باسم الجماع، أو باسم قضاء إحدى الشهوتين؟
وأما الشرط، فكالاختلاف في الشهود والولي في النكاح، [والتسمية في الذبح؛ وأن شرط نفوذ الطلاق على المرأة: النكاح] أو العدة؟
وأما صفة الشرط، فكالاختلاف في عدالة شهود [النكاح].
وأما أصل الحكم، فكالاختلاف في أن الركعة الواحدة مشروعة صلاة أم لا؟ والأربعة مشروعة على المسافر أم لا؟ والمسح على الخفين مشروع أم لا؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا؟ والقراءة تسقط بالاقتداء أم لا؟
وأما صفة الحكم، فكالاختلاف في القراءة المشروعة في الشفع الثاني: فرض أم سنة؟ وأنها فاتحة أم لا؟ وأن الطلاق يملكه الزوج مباحًا والكراهة لعارض أو يملكه مكروهًا والإباحة
стр. 605
لعارض؟ إلى أمثلة كثيرة ذكرها لهذا الأصل.
وهذا الذي ذكره ليس يتعلق به نظر أصولي لنخالف فيه؛ فإنه ليس يدعي نبو هذه الأحكام عن القياس لأمر يرجع إلى ذات الحكم. ولكن المفهوم من كلامه: أن الحكم لا يجوز أن يثبت بالرأي ابتداء؛ وإنما الثابت بالقياس: احتذاء مورد الشرع، على معنى أن الوارد في محل يعدى. وإذا وقع النزاع في أصل الحكم: أشرع أم لا؟ فلا يلفى مشروعًا بالاتفاق في موضع، حتى يعدى. وهذا لا معترض عليه. وحاصله راجع إلى أن القياس من غير أصل، غير صحيح، وهو كما ذكر. ولكن قد ننازع في دعواه -في بعض الأمثلة- أنه لا يلفى له أصل يقاس عليه. فيخرج الكلام عن مقصود الأصول: فإنه يسلم أن ما يوجد له أصل يجوز القياس عليه؛ إذا قال بقياس المطعومات -في نفي شرط القبض- على العبيد والثياب. وهو قياس [في] نفي الشرط. واعتذر بأني وجدت الصحة من غير شرط القبض، حكمًا ثابتًا بالشرع في العبيد؛ فعديته: ما لم يمنع منه نص. وعلى من يدعي النص إظهاره. وزعم: أن من يتمكن من إبداء [أصل] مثل ذلك -في الأمثلة السابقة- يصح تعليله. وعند هذا يرتفع [الخلاف و] النزاع الأصولي.
стр. 606
والغالب: فقد أصل ينتفع به في الأمثلة التي ذكرها؛ فإنها أحكام مبتدأة لا على مثال سبق، و [لا] مضاهاة أصل تقدم. [ثم الثابت] بالقياس حكم معدى إلى محل، من أصل آخر ثبت فيه بتمهيد الشرع، لا بطريق التعدي. وذلك لا يلفى في القواعد المبتدأة.
ويمكن أن يتكلف طلب أصول ترد الفروع إليها: بجوامع عامة، وروابط متسعة؛ يقل الانتفاع بها في غالب الأمر. كمنكر شرط الشهادة في النكاح: يقيسه على نكاح الكافر، أو يقول: عقد معاوضة فأشبه البيع. ولا انتفاع بهذا القياس: فإن الكفار لم يؤاخذوا -في أنكحتهم- بشرائط الإسلام؛ فلا يتعرف سقوط [الثرط] عن المسلمين، بسقوطه عنهم؛ والبيع بعيد عن مضاهاة النكاح لما يشتمل النكاح عليه: من النسب والولد، وأمر الفراش، ووجوب الاعتناء بصيانة الولد [ونسبه] [وافتقار ذلك لصيانة الفراش]، وافتقار
стр. 607
صون الفراش إلى الشهادة. فما يتفق من الأصول -في هذه الأمثلة- يقل جدواها.
وقد يعرض على الندور أصل ينتفع به؛ فليس يرجع النزاع إذن إلى مقصود أصولي. فلنتجاوز هذا المقام.
أما كلامه الثاني في أن الأسباب لا تعلل، ولكن تتلقى على وجهها بالقبول -فهذا فيه نوع لجمال، [٨٠ - أ] فلعل المراد به ما قالوه: من أن الكفارات والحدود لا تثبت قياسًا، ولكنها تتبع الأسباب المنصوبة من جهة الشرع المنصوص عليها؛ وإنما المعقول من معانيها: حكم ومصالح؛ والأحكام تتبع الأسباب دون الحكم والمصالح. وعلى هذا بنوا منع قياس النباش على السارق، بعد تسليم أنه ليس سارقًا؛ ومنع قياس اللائط على الزاني، بعد تسليم أنه لا يسمى زانيًا.
ويدل على فساد هذا الكلام مسلك كلي قاطع؛ وهو: أن نصب السبب علة للحكم، حكم من جهة الشرع. فجاز أن تعقل علته، ويفهم بالبحث باعث الشرع وداعه؛ ويتبع ذلك [المعنى] المفهوم، كنفس الحكم الثابت الذي لم ينط بسبب. وهذا قاطع في إثبات
стр. 608
الجواز العقلي.
فإن سلم ذلك، وقال: هذا مجوز ولكنه غير واقع؛ لأنه لا تلفى الأسباب علة مستقيمة تتعدى.
فنقول: الآن ارتفع النزاع الأصولي، فلا ذاهب إلى تجويز القياس: حيث لا تعقل العلة، ولا يستقيم على السبر المعنى المفهوم. ونحن الآن نبين تصور ذلك بالأمثلة، ونستنطق الخصم بالاعتراف به، ونذكر طريق القياس في تعليل الأسباب من وجهين:
أحدهما: أن قياس اللائط على الزاني، وقياس النباش على السارق، إلى أمثال ذلك -مع الاعتراف بزوال اسم الزنا- كقياسهم الأكل على الجماع في الكفارة في نهار رمضان، من غير فرق. وقد قالوا بأجمعهم: إفطار كامل بمقصود في نفسه، فيوجب الكفارة؛ قياسًا على الجماع. فنحن نقول: إيلاج فرج في فرج محرم قطعًا مشتهى طبعًا، فيوجب الحد كالزنا. وأخذ مال محترم من حرز مثله ولا شبهة له فيه، فيلزمه القطع كالسارق. فما الفرق بين المسئلتين؟ ولسنا ندعي أن الاعتراض لا يتوجه على هذه الأقيسة؛ ولكن: كل قياس مستهدف لاعتراض المعترضين. وإنما الغرض إثبات أصل القياس.
стр. 609
فإن قيل: ليس ذلك قياسًا؛ فإن الكفارة ليست كفارة الجماع، وإنما هي كفارة الإفطار.
قلنا: وليس القطع قطع السرقة، وإنما هو قطع أخذ المال المحترم من حرز مثله. ولا الحد حد الزنا، بل هو حد تضييع الماء- لا على طريق طلب النسل- في محل مشتهي طبعًا، محرم قطعًا. إذ لا معنى لهذا الكلام، إلا أن الكفارة ما نيطت باسم الجماع، بل نيطت بمعنى يتضمنه. و [نحن] كذلك نقول في الزنا والسرقة. [وكل ما أطلقوه] في ذلك المثال، لم يمتنع عن مثله في هذه الأقيسة.
فإن قيل: لسنا نعلل الكفارة، ولا نقول: إنما علق بالجماع لعلة أنه إفطار. بل يتبين- بدلاته النص من الشرع- أن الكفارة ما نيطت من الجماع إلا بوصف الإفطار. فإن وصف كونه جماعًا ساقط فيكون تعلقه بالأكل بحكم النص داخلاً تحت عمومه لأنه إفطار. ورجع النظر إلى تنقيح مناط الحكم، على ما قدمتم أمثلته في أحكام الأشباه.
قلنا: ونحن نلقب قياسنا أيضًا: بتنقيح مناط الحكم؛ وندعى: أنا
стр. 610
بأدلة النص والشرع- تعرفنا أن الحكم ما يناط بالزنا: لكونه ملقبا بلقب الزنا، بل مناط الحكم ما ذكرناه. ورجع حاصل هذا إلى تغيير عبارة عن القياس.
فإن قيل: بين هذا الجنس الذي هو تنقيح مناط الحكم، وبين جنس القياس- فرق: فإن القياس أن نقول: علق الشرع الحكم على الجماع لعلة كذا، فنعلقه على [الأكل]: لوجود تلك العلة؛ وهذا ممتنع. ونحن نبين بالنظر أن الحكم ما علق بالجماع وإنما علق بالإفطار؛ فلا نعلقه بغير ما علق الشرع به. فيرجع النظر إلى الاستدلال على موضع الحكم، [ويتعلق بالبحث عن مورد النص]. فإن سلم لكم جنس هذا في الزنا والسرقة وسائر الأسباب: لم نمتنع منه. فإنه يرجع إلى تعرف متعلق الحكم؛ وهذا جار دون البحث عن الحكمة التي هي الباعثة للشرع على نصب السبب؛ فاتباع الحكمة هو المستنكر، دون [هذا] الجنس.
قلنا: الآن إذن انفتح الباب بهذا الجنس في الأسباب، ورجع النظر إلى تلقيب هذا الباب، فننحدر منه إلى الوجه الآخر، وهو اتباع
стр. 611
الحكمة؛ ولسنا نعني بالحكمة إلا العلة المخيلة والمعنى المناسب، كقولنا: إن الجوع لمفرط والألم المبرح في معنى الغضب: في تحريم القضاء؛ حيث قال رسول الله ﷺ : "لا يقض القاضي وهو غضبان". لأنه جعل الغضب سببًا لتحريم القضاء، فعقلت حكمته، هو: أنه يدهش العقل، ويزيح عنه أبواب الصواب، ويمنعه من استيفاء الفكر في طلب النصفة، وتحري العدل في القضية؛ وهذه الحكمة بعينها تدعو إلى نصب الجوع المفرط والألم المبرح مانعًا؛ فهذه حكمة معقولة في تعليل السبب وتعديته.
وكذلك: إذا ورد الشرع بأن الصغير مولى عليه، فنحن نقيس عليه المجنون؛ لأنا نعقل الحكمة في نصب الصغر سببًا للولاية، وهو: ضعف العقل والافتقار إلى الناظر؛ فنقيس به المجنون. فمن زعم: أن مثل هذا النظر غير ملحوظ في تصرفات الشرع، أخرج عن حزب النظار. وإن اعترف به وغير العبارة، وزعم: أن هذا يرجع إلى تنقيح المناط -وهو: أن مناط التحريم من الغضب: دهشة العقل، لا صورة الغضب. ومن الصغر: ضعف العقل، لا عين الصغر. وهذا موجود في الفروع
стр. 612
الملحقة بها- قلنا: وبم عقل ذلك إلا بالمناسبة ودرك وجه الحكمة، على ما قررناه في أمثلة المناسبات؟
ولقد أجمعوا على أن قياس النبيذ [٨٠ - ب] على الخمر جائز في القدر المسكر؛ وفهمه الحمة في مناسبة الإسكار لتحريم الخمر، كفهم هذه الحكمة، إلا أن تيك الحكمة في إثبات الحكم وهو التحريم، وهذه حكمة في نصب السبب؛ ونصب السبب -أيضًا- حكم: فلا فارق. وكما تبين بحكمة الإسكار أن التحريم غير منوط بلقب الخمر، تبين -أيضًا- أن التحريم ما نيط بصورة الغضب، ولا نيطت الولاية بصورة الصغر. فلا فرق بين البابين.
فإن قيل: إنما نعني بالحكمة معنى الزجر في العقوبات: من القتل، والرجم، والقطع [في السرقة]؛ فإن ذلك حمكة الحكم وثمرته، لا عليته: إذ الزجر [يحصل] عند إقامة العقوبة؛ وما يحصل مرتبًا على الشيء لا يصلح أن يكون علة فيه. فإن العلة تتقدم في الرتبة على المعلول، وتسلوقه في الوجود. [وأما التراخي] فغير معقول.
قلنا: الحاجة إلى الزجر هي العلة في نصب القتل سببًا لإيجاب القصاص؛ ولا ننكر أن [القصاص يجب بالقتل وأنه علته؛ ولكن إنما يجعل] القتل [سببًا لإيجاب القصاص]: المحاجة إلى الزجر
стр. 613
عنه، لما فيه: من الفساد، وفوات النفس المقصود بقاؤها. والحاجة سابقة على السبب، فصلحت لأن تكون [علة] باعثة [عليه]؛ ولا نعني بالحكمة والمعنى المخيل إلا الباعث على شرع الحكم. وهذا كقول القائل: خرجت من البلد اتقاء [من] عفونة هوائه، فالعفونة هي العلة الباعثة المحركة وهي سابقة في الوجود على الخروج. وقد يقول: خرجت من البلدة للقاء زيد الذي هو خارج البلد؛ فاللقاء مرتب على الخروج، ويسمى علة الخروج، وهو ثمرة الخروج ومقصوده؛ وصلح لأن يجعل علة، وحقيقته ترجع إلى التعليل بحاجة اللقاء؛ وحاجة اللقاء مقدم على الخروج. فكذلك القول بالتعليل بالحكم التي هي مقاصد الأحكام؛ وهذا واضح.
فإن قال قائل: إنما لم يجز التعليل بحكمة الزجر، لأنها تنتقض ولا تنضبط أطرافها، وتنثلم حواشيها وجوانبها. فإذا قال
стр. 614
القائل: علة نصب الزنا سببًا للجلد هو: الحاجة إلى الزجر، فلينتصب اللواط علة -بطل ذلك بكل معصية تتشوف [النفس و] الطبع إليها، وبطل بالقبلة والمعانقة والأنزال بين معاطف السمن والأفخاذ، فيضطر إلى أن يقول: [ليس كل حاجة علة]، وإنما العلة حاجة خاصة، وهو: الحاجة إلى الزجر عن فاحشة الزنا، فإذا وقع مقيدًا بهذا، لم تظهر له فائدة، وإن لم يقيد به: استهدف للنقض.
قلنا: حاصل الكلام راجع إلى أن العلة المنقوضة لا يصلح الاعتماد عليها؛ وهذا مسلم. فليبطل الحكم بالنقض لا بكونه حكمة؛ وليسلم أن الحكمة إذا عقلت ولم تنتقض، جاز التعليل للأسباب بها، حتى يرتفع الخلاف المتعلق بالنظر الأصولي. ويرتد التخاوض إلى طريق الاحتراز عن النقض.
على أنا نبين [لهم] طريق التعليل بالحكمة، فنقول: ماصين بالقصاص عن المنفردين بالجناية، يصان بالقصاص عن المشتركين: قياسًا للأيدي على النفوس.
стр. 615
فإن قيل: ولم قلتم ذلك؟
قلنا: لأن المصلحة المقتضية لقتل النفوس الواحدة، تقتضي استيفاء الأيدي باليد الواحدة.
فإن قيل: القطع منوط بالقطع، والحم يتبع السبب دون المصلحة؛ فأثبتوا أن الشريك قاطع لكل اليد، حتى يجب عليه القطع.
قلنا: لسنا ندعي أن الشريك قاطع لكل اليد، ونسلم أن الحكم يتبع السبب. ولكن: كما نيط [القتل بالقتل، نيط القطع بالقطع] ثم الشرع الحق المشاركة في القتل بالقتل، ونصبه سببًا للقصاص؛ وإن لم نعقل مستندًا لمصلحة معلومة. وتلك المصلحة تقتضي أن تجعل المشاركة [في القطع مساويًا للانفراد في كونه] سببًا. [وإنما التعليل لجعل المشاركة سببًا] ولنصب فعل الشريك موجبًا، إلحاقًا له بفعل المنفرد، كما في النفس. وهذا الكلام -على هذا المنهج- معقول.
فإن قيل: وما تلك [المصلحة و] الحكمة؟
قلنا: هو أن السر في نصب قتل المنفرد موجبًا للقصاص؛ الحاجة إلى عصمة الدماء؛ وهذه الحاجة تقتضي نصب فعل الشريك سببًا: إذ لو فتح هذا [الباب] لا نخرم مقصود الأصل. فهذا كلام معقول.
стр. 616
فإن نقض بالشركة في السرقة، أو قيل: إن كل واحد من الشريكين قاتل -تكلمنا عليه بما ذكرناه في بيان الاستدلال المرسل؛ وبينا طريق دفع النقض. وجرى التعليل بالحكمة في نصب السبب، على مذاق سائر التعليلات.
وكذلك نقول: جعل الشرع القتل بالجارح سببًا للقصاص، بمعنى مقعول ومصلحة ظاهرة. وتلك المصلحة جارية في القتل بالمثقل، فألحق به.
وكذلك [نصب] الزنا سببًا للرجم: صيانة للنسل عن الانقطاع، وزجرًا عن تضييع الماء؛ وهو جار في اللواط. ونصب السرقة علة للقطع: صيانة للأموال المحرزة عن الاختلاس؛ وذلك جار في أخذ النباش.
وطريق الفقهاء -في الاحترازات عن النقوض [فيها]- مشهورة؛ فإذا استتب ذلك، وجب القول به. فإن اعترف به الخصم: ارتفع الخلاف، وإن زعم: أن هذا تعليل بالبواعث، والبواعث مستنبطة لا يطلع
стр. 617
عليها؛ فالحكم بها رجم بالظن على الغيب، وجزم في محل الريب -فقد أقمنا بالبرهان على هذا، في بيان وجه التعلق بالمناسبات. وهذا مسلك بين، فإن أراد بمطلق هذه الألفاظ معنى خارجًا عن هذه الأقسام التي ذكرواها، لم ننازعه فيه؛ فإنما الغرض [إثبات] متعلق بالأجناس التي فصلناها. [والله أعلم].
مسئلة: اختلف الأصوليون في أن انتفاء حكم الشرع، وهو: البقاء على الحكم الأصلي قبل الشرع؛ هل يعرف بالقياس؟
والوجه فيه -عندنا- أن يقال: أما قياس الدلالة فجار فيه، وأما قياس العلة فلا.
وقياس الدلالة هو: أن يستدل على انتفاء [٨١ - أ] الحكم بانتفاء نتيجته، أو انتفاء خاصيته. أو يستدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن مثله، على ما قررناه في برهان الدلالة.
وأما العلة فلا تصور لها في النفي الأصلي، وتتصور في النفي الحادث الطارئ على الإثبات السابق. وبيانه أنا إذا قلنا: لا تجب الكفارة بالأكل والشرب، رجع حاصله إلى إنكار دعوى الخصم تغيير الأكل عما كان عليه في الأصل، وانتصابه موجبًا. فليس بقاؤه على النفي الأصلي بموجب،
стр. 618
ولكن: إذا تغير عما كان [عليه] فصار موجبًا بعد أن لم يكن -افتقر إلى مغير، وهو النص مثلا.
فإن قيل: فبم عرفتم ذلك؟
قلنا: بانتفاء دليل الإيجاب، فـ[أن دليل الإيجاب] هو النص الوارد في الجماع، وإنما يتعدى إليه بإلغاء وصف الجماع؛ [ولوصف] الجماع أثر: فلا سبيل إلى إلغائه؛ إذ دليل الإيجاب [قوله]: "من أفطر فعليه ما على المظاهر" وهذا الحديث مطعون فيه. وإذا انتفى دليل الإيجاب: [انتفى الإيجاب] ويعني بانتفائه: بقاؤه على ما كان، وعدم تغييره عنه.
فإن قيل: فعدم علة الإيجاب، على انتفاء الوجوب.
قلنا: هذا تعقيد في عبارة؛ فعدم السبب يدل على عدم المسبب؛
стр. 619
فأما أن يوجب العدم [فلا]: لأن العدم الأصلي كائن دون تقدير السبب، فإنه ليس أمرًا حادثًا، حتى يفتقر إلى محدث. ومثاله: عدم العالم قبل وجوده في الأزل، مع وجوده الحادث، فإنه إذا طرأ الوجود: افتقر إلى سبب موجد وهو الإرادة؛ وبقاؤه على العدم الأزلي كان لا يستدعي سببًا، وإن كان جائز التغيير إلى الوجود.
وقد يقول القائل: سبب [العدم] عدم إرادة الوجود، فيقال: هذا باطل، إذ لو قدر عدم الإرادة والمريد، لكان العدم مستمرًا أيضًا. بخلاف الوجود المحال على الإرادة: فأنا لو قدرنا انتفاء [إرادة الصانع: امتنع الوجود. ولو قدرنا انتفاء] إرادة العدم: لما انقلب العدم وجودًا. نعم: إذا وجد الشيء وطرأ عليه العدم، افتقر العدم الطارئ إلى موجب.
فكذلك البراءة الطارئة على الشغل في الذمة: تفتقر إلى سبب موجب. فأما البراءة الأصلية فلا تفتقر إلى سبب، بل انتفاء أسباب الشغل كاف في انتفاء الشغل، والبقاء على البراءة الأصلية. وهذا: [لأن تغير المحل] بالسبب المغير أمر ضروي، فإن السبب المغير من غير تغير لا يعقل، ولا تغير في هذا المقام.
стр. 620
فإن قال قائل: البراءة الأصلية والنفي الأصلي هل هو حكم من الشرع؟ فإن كان من الأحكام الشرعية: فالأحكام [الشرعية] حادثة بحدوث الشرع، فافتقر إلى محدث. وإن لم يكن من أحكام الشرع: [فهذا من المحال. لأن قولنا: لا تجب الكفارة بالأكل، حكم من أحكام الشرع]، كقولنا: تجب الكفارة بالجماع؛ وأحكام الشرع تنقسم إلى النفي والإثبات.
قلنا: النفي الأصلي ليس من حكم الشرع، على معنى: أنه لم يحدث بورود [الشرع فإنه] ليس بحادث. فكيف بحال حدوثه على الشرع، ولا حدوث له؟
نعم، قد يقال: إنه من الشرع على تأويل معرفته بدلالة الشرع عليه؛ وإذا ورد دليل عليه: رجع حاصله إلى دلالته على كف الشرع عن التغير [عما كان عليه قبل الشرع، لا على إثبات حكم له. ولكن كف الشرع عن التغيير] يعرف من الشرع، كما أن أقدامه على التغير يعرف منه أيضًا.
فإن قيل: التبقية على النفي الأصلي، فعل من الشرع حادث.
стр. 621
قلنا: معنى التبقية: الامتناع من التصرف والتغير مع تعري الامتناع بدلالة؛ وتلك الدلالة: إما ظن وإما علم بعدم التغيير. فإذا قلنا: الوتر لا يجب، لم يكن لانتفاء وجوبه علة شرعية، بل معناه: أنه لم يرد دليل الوجوب، فبقى على ما كان. وهو كقولنا: لا تجب صلاة سادسة لا بعلة، ولكن لم يرد دليل الوجوب [فبقى على ما كان. وهذه دقيقة عظيمة] عقلية: لابد من الإحاطة بها، ويرجع لحاصلها إلى الفرق بين الدلالة المعرفة، والعلة المغيرة. فالدلالة المعرفة لا تستدعي حدوث أمر، إذ القديم يعرف كما يعرف الحادث.
والعلة المغيرة تستدعي حدوث التغيير، ولا تغيير في النفسي الأصلي.
فإن قال قائل: فما وجه إقامة البرهان على النفي الأصلي، في الجدال؟
قلنا: [له] ثلاثة أوجه:
أحدها: قياس الدلالة، كقولنا: صلاة تقام على الراحلة، فلا نحكم بوجوبها: كركعتي الفجر. وكقولنا: لا يملك المقارض ربح الربح، فلا يملك الربح. وهذا استدلال بانتفاء النتيجة. وقولنا: عقد لا يفيد
стр. 622
الحل، [فلا نعقد]. إلى أمثاله.
الوجه الثاني: السبر لمدارك الوجوب، وهو أن نقول: المدارك من الكتاب والسنة [والإجماع] والقياس؛ وهي منتفية. ونقول في كفارة الأكل: مأخذ وجوبها الجماع، وليس [هو] في معناه لكذا وكذا. وهذا في الجدال عسير: لأن حاصله يرجع إلى الجهل بقيام الدليل؛ وهو صالح للدفع لا للإلزام؛ فإن المعلل وإن استقصى في السبر، فللخصم أن يقول: الدليل أمر آخر وراء ما قدرت، وأنت لم تعثر عليه؛ والحصر غير ممكن. وإن قال: غلب على ظني بالسبر الذي ذكرته؛ فيقال له: وسبرك -على قدر استطاعتك- عذر في حقك؛ فأما أن يكون دليلاً على انتفاء الدليل، فلا. فإن حاصل كلامك: أني عثرت على هذه المسالك وهي فاسدة؛ فنسلم لك ذلك. فإن قلت: ولم أعثر على غيرها، فهو -أيضًا- مسلم. فإن قلت: ما لم أعثر عليه ينبغي أن لا يكون؛ فمن أين [لك هذا] والناس يختلفون في العثور على المدارك؟ فإن قلت: غلب على ظني -ببحثي- انتفاء مدرك [آخر]؛ فيقال: وما مستند
стр. 623
ظنك: ما عثرت [عليه]، أو ما لم تعثر [عليه]؟ وما عثرت عليه لا يغلب على الظن عدم ما لم تعثر عليه؛ وعدم عثورك على الدليل لا يغلب على الظن عدم الدليل. وإن غلبه: فهو عذر في حقك لا يلزم الخصم الانقياد له.
فغاية الممكن أن يقال: إذا أتى المعلل بسبر المدارك المعروفة، فعلى المعترض إبداء ما عنده حتى يتكلم عليه فيثور نزاع لا قطع له: في أن السبر الذي ذكره هل استوعب المشهور، مع عسر ضبط المستور، واختلاف الكتب والتعاليق في الاشتمال على الأدلة، والانفكاك عنها؟.
فإذا انحسم هذا الطريق، فأنا أقول الآن: ما قاله [٨١ - ب] بعض الأصوليين: من أن النافي لا دليل عليه؛ فإنه لا يدعي أمرًا حتى يطالب بإثباته، بل هو جاحد منكر، وإنما عليه الدفع؛ فعلى المثبت إقامة الدليل. [وقد عبر بعض الأصحاب عن هذا: باستصحاب الحال، وأنه حجة. ولا وجه له: فإن استصحاب الحال يرجع حاصله إلى الجهل
стр. 624
بالدليل] المغير؛ وذلك يصلح للدفع لا للإلزام. وإذا كان يقتصر على الدفع: فليقصتر على ما ذكرناه، وليشمر لإبطال ما يدعي عليه.
فإن نازع منازع في قولنا: لا دليل على النافي؛ قلنا: هذا اصطلاح، وهو ينبني على المواضعة، ولكل فريق أن يصطلحوا على ما يرون.
ولكنا نقول: الأليق بمصلحة الجدال، وإظهار مقاصد المسائل -ما ذكرناه. ويدل عليه أمران:
أحدهما: أن المنازعة في المسائل، على مثال المنازعة في الأملاك. وليس على النافي لشغل الذمة إلا الدفع؛ وإنما الدليل على مدعي الشغل.
فإذا قال المدعي: لي عليك ألف، فانكره -فليس له أن يقول: ما الدليل على أن ليس لي عليك شيء؟ بل هو المطالب بإثبات ما يدعيه. وبه تنتظم مراتب الخصام. فللمدعي الإثبات، وللمنكر الدفع الإبطال.
والآخر: أن وضع الجدال على وجه -لا يتصور القيام به في جميع الصور- محال؛ ولو طولب النافي [الدليل]، لعجز عن
стр. 625
القيام به، فأنا قد بينا أن النفي الأصلي لا علة له؛ وإنما يعرف بالدلالة. وقد لا تساعده دلالة سوى اعتقاده انتفاء دليل الإثبات؛ وانتفاء دليل الإثبات لا يتصور إثباته في الجدل؛ فإنه وإن استقصى في الاحتواء على الاحتمالات، فللخصم أن يقول: وراء ما ذكرته [مدرك: غادرته ولم تعثر عليه؛ فيضطر إلى أن يقول: لم أعثر عليه أنا؛ فان] عثرت أنت عليه، فأبرزه حتى نتكلم عليه. وتضطره المطالبة بالآخرة إلى هذا لا محالة، فليبتدئ بها قبل أن يضطر إليها؛ فإنها أقرب إلى فصل الخصام، وتحصيل المرام. فأي فائدة في عد المدارك المنتشرة، والنهوض لإفسادها: والخصم قد لا يثبت الحكم بها، أو لا يثبته بجميعها؛ وإنما يثبته بواحد ليس منها؟ فلينبهه عليه حتى يعتني به، ويتسغني عما لا يعنيه. فاضماره له نكد محض، يطول المراء، ولا يقطع الخفاء، ولا يكشف عن المقصد الغطاء.
وإلى هذا، ترجع دعوى المعلل: جرى السبب ولا شبهة. إذ يقال: لا أسلم انتفاء الشبهة. فيقول: الشبهة كذا وكذا، وقد انتفت، فيقول: سلمت انتفاء ما ذكرت، ولكن لا أسلم الانحصار فيه، بل وراء ما ذكرت شبهة. فلا طريق إلا أن يكلفه الإظهار حتى يتكلم عليه؛ فليكلفه أولاً:
стр. 626
فهو أقرب إلى الغرض.
فإن قيل: إذا تمسك المسؤول بالاستمرار على النفي. وطالب السائل بالدليل، [وامتنع عن إظهار الدليل الذي اختص بالتغيير]- رجع حاصله إلى دعوى الجهل بالدليل المغير؛ والسائل يسلم له جهله بالدليل، [ويمتنع عن إظهار الدليل] الذي اختص بمعرفته؛ ومنصب المسؤول يرتفع عن أن يتضمخ بمثل هذا القصور ويعترف بالجهل؛ فمن اعترف بالجهل على نفسه، فقد ألزم نفسه نهاية الذل والركاكة.
قلنا: منصب المسؤول يقتضي إحاطته بخيالات الخصم، واستقلاله بإبطالها بعد بذل المجهود: في الاستيعاب والحصر. ويتبين ذلك بقدرته على استئصال كل خيال بيديه. فإن أظهر مسلكًا [آخر] عجز المسؤول فيه -توجهت الدبرة عليه، وسدد سهام التشنيع والتعيير إليه. ولكن: ليس يلزمه في الابتداء إبداء تمام سبره؛ لأن ذلك يحوجه إلى ذكر الاحتمالات وتشعيب النظر في إفسادها؛ ثم لا ينتهي إلى حصر: يقطع لسان المجادل، ويمنع تجويز قسم آخر لم يعثر عليه. فتكليف الخصم إبداء
стр. 627
ما يدعيه -ليطعن المنكر فيه- أضم للانتشار، وأحوى لأطراف الاعتبار.
فإن قيل: المجتهد لا يفتي [بالنفي] والبقاء على الحكم الأصلي، ما لم يعتقد انتفاء الدليل: إما علمًا، وإما ظنًا، وظنه وعلمه يحصل بمستند؛ فليبد في الجدال مستند ظنه.
قلنا: مستند ظنه السبر والبحث؛ وحاصله يرجع إلى عدم العثور، بعد بذل المقدور؛ وهو صالح لأ [ن] يكون عذرًا له بينه وبين الله ؛ ولا يصلح أن يكون حجة ملزمة للخصم، فإنه يرجع بالآخرة إلى أن يدعي عدم الدليل وراء ما لاح له؛ ودعواه العدم لا تكون حجة على خمصه. فإنما يقدر على دعوى العدم: في حق نفسه، لا في حق خصمه؛ فيضطر بالآخرة إلى أن يكلف الخصم [إبداء] ما يضمره حتى يتكلم عليه؛ وتقوم مراتب النظر بينهما [به]. فليكلف ذلك ابتداء: لينتظم نشر الكلام، ويستلين قياد المرام، وتتذلل للخصمين مدارج الخصام.
стр. 628
فإن قيل: فإذا تصور الاستدلال على النفي بقياس الدلالة، فليكلف المسؤول إيراده.
قلنا: ذلك متصور؛ ولكن قد تعرض صور لا تساعد فيها دلالة، وإنما يعرف [انتفاء الحكم] بدلالة انتفاء الدليل، [وبيان انتفاء الدليل] بطريق الحصر -في الجدال- غير ممكن، فيضطر إلى ما ذكرناه.
فإن قيل: أبو حنيفة ﵁ ينفي شرط الولي في النكاح؛ ويذكر فيه قياس العلة [ويقول]: حرة عاقلة، فتستقل بالنكاح كالرجل. وينفي شرط الرؤية في المبيع، ويذكر قياس العلة [ويقول]: مبيع [معلوم العين] مقدور على تسليمه: فكان محلاً للبيع كالمرئي. إلى أمثلة [له] مشهورة، من انتفاء شروط العقود من الجانبين.
قلنا: في هذه الأدلة نظر؛ ولكن ليس ذلك من غرضنا، والذي يتعلق بمساق هذا المقصود: أن هذه العلة ما نصبت لنفي الشروط والبقاء
стр. 629
على الحكم الأصلي، بل نصبت للصحة، والصحة في العقود حكم شرعي حادث بالشرع. فجاز أن يقال: علة الصحة من الرجل كذا، وقد وجدت العلة في المرأة، [٨٢ - أ] وهذا متصور: من حيث الإمكان؛ وهو -مع ذلك- عسير المجرى؛ فمتى سلم الخصم أن العلة الحرية والعقل، وأن الذكورة ليست مضمونة [إليها]؟. ولكن لما كان الوصف العارض لإثبات الشرط، حكمًا شرعيًا وهو: الصحة، وكان الانتفاء حاصلاً في ضمنه -أمكن نصب العلة للصحة.
فإن قيل: فهل تكلفون نافي الشرائط نصب الدليل، أو تكتفون منه بأن يقول: لا دليل علي، وعلى من يدعي مزيد شرط إثباته؟
قلنا: لا، بل نكلفه الدليل. فإنه يدعي الصحة دون الشرط، وهو حكم شرعي يستند إلى موجب لا محالة. نعم: يكتفي منه بالعمومات المتسعة، كقوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾، وقوله: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. فيستند إلى العموم [ويقول: كل ما يسمى باسم النكاح فالظاهر يقتضي صحته؛ وعلى من يدعي التخصيص
стр. 630
بالشرط] الدليل. فبهذا القدر ينقلب وجوب الدليل على مثبت الشرط. وليس يمكن التعلق بالعمومات في النفي المرسل: إذ لا يساعد ذلك. فلا عموم من جهة تدل على أن الأكل، وابتلاع الحصاة، والقبلة، والمعانقة، والبيع والشراء، ومس الجدار، وجميع الحركات والسكنات والأفعال -لا توجب الكفارة؛ فما لا يوجب لا حصر له. وإنما النص يرد بالإيجاب في محل؛ فيقتصر أو يتعدى إلى القدر الذي يشاركه في المعنى. فأما ما بقى على النفي الأصلي، [فلا يرد فيه دليل. بل يكفي في معرفة بقائه على النفي الأصلي]، [عدم ورود الدليل] المغير.
فإن قيل: كلامكم هذا يشير إلى أن الإباحات ليست من الشريعة، وأن الإباحة ليست حكمًا من أحكام [الشرع]. وهذا مذهب الكعبي زعيم المعتزلة. فكيف ارتضيتم لأنفسكم موافقة أهل البدعة؟
стр. 631
قلنا: تهجين قضايا الأدلة -بسبب قبول بعض المبتدعة لها، واعتقاده إياها- من دأب ذوي الخور والجبن. فلقد عرفنا بالدليل حدوث العالم وافتقاره إلى محدث، وصدق الرسول وتأييده بالمعجزة. وهو -أيضًا- مذهب المعتزلة والروافض والكرامية. ولا سبيل إلى اجتناب الحق: ترفعا من خسة الشركاء.
فنقول: المباح يطلق ويراد به: انتفاء الحرج عن فعله وتركه. وهذا ليس من [حكم] الشرع: فإن انتفاء الحرج عن الفعل والترك جار قبل الشرع، وجار في فعل البهائم. وقد تطلق الإباحة ويراد بها: تخيير الشرع بين الفعل والترك بخطابه. فإن ورد خطاب التخيير، فه من [أحكام الشرع]: إذ حكم الشرع خطابه. وإن لم يرد فلا يقال: إنه [من] حكم الشرع ولم يرد الخطاب. فإن مس الجدار -مثلاً- يستوي فعله وتركه في شهر رمضان: في إيجاب الكفارة. ونحن نحكم بأنه لا يوجب الكفارة: لا بورود خطاب فيه. أو دلالة خطاب عليه؛ ولكن: لأنه لم يرد دليل على إيجابه، فلم يكن هذا من أحكام الشرع، على التأويل الذي ذكرناه.
стр. 632
فالمفتي لا يحكم ببراءة ذمة السائل عن الكفارة، إذا سأله عن مس الجدار، بل يمتنع عن الفتوى بالشغل: لفقد دليل الشغل. فتبقى الذمة [على البراءة الأصلية].
والدليل القاطع على الفرق بين النفي والإثبات: أن العلم بعدم دليل الإثبات كاف في [النفي؛ والعلم بعدم دليل النفي غير كاف في] الإثبات. فليس قول القائل: لا أثبت لأنه لم يقم دليل الإثبات، كقوله: أثبت لأنه لم يقم دليل النفي. وهذا واضح للمتأمل المنصف إن شاء الله تعالى.
стр. 633
القول في الركن الرابع من أركان القياس وهو ركن الأصل
للأصل المقيس عليه -الذي منه استنباط العلة- شرائط:
الشرط الأول: أن يكون حكم الأصل ثابتًا؛ فإنه إذا لم يكن ثابتًا، وتوجه المنع عليه من المعترض -لم يترتب الفرع عليه: إذ ثبوته في الفرع، فرع ثبوته في الأصل.
الشرط الثاني: أن يكون ثابتًا بطريق سممعي شرعي؛ إذ لو كان ثابتًا بطريق عقلي أو لغوي -لكان الحكم عقليًا أو لغويًا، ولم يمكن إثباته بالقياس الشرعي.
الشرط الثالث: أن يكون الطريق الذي عرفت به علة الحكم -وهو: كون الوصف المشروط علة لحكم الأصل- أيضًا شرعية؛ إذ لو عرفت علته بطريق العقل: لكانت العلة عقلية، وحكمها عقليًا؛ يستغنى -في إثباتها طردها- عن القياس الشرعي.
الشرط الرابع: أن يكون حكم [الأصل] ثابتًا بطريق سوى
стр. 634
القياس على أصل آخر، وهو: النص أو الإجماع. فإنه لو كان ثابتًا بالقياس على أصل آخر، فالجامع بين الفرع وبينه، لا يخلو: إما أن يكون موجودًا في الأصل الأول، أو كان مفقودًا:
فإن كان موجودًا، فليقس عليه. فرده إلى أصل، ثم رد الأصل إليه -عبث. وهو كمن يقيس الذرة على الأرز برابطة الطعم، ثم يرد الأرز إلى البر. فليقس الذرة على البر أولاً: إذ ليس الأرز بأن يجعل أصلا، أولى من الذرة. فلا يقتضيه وهما فرعا أصل واحد.
وإن كانت العلة مفقودة في الأصل الأول، موجودة في المسئلة المتوسطة التي جعلها أصلا لفرعه -كان ذلك باطلاً؛ لأن العلة لا تخلو: إما أن كانت شبهية من قبيل العلامات، أو كانت مناسبة مخيلة واقعة في رتبة المؤثرات:
فإن كانت شبهية -وذلك الشبه [ليس موجودًا] في الأصل الأول -لم يتصور أن يعرف كونه علامة الحكم، مع إثبات الشرع أصل الحكم. حيث لا وجود لتلك العلامة. ومن تأمل ما ذكرناه في طريق إثبات العلامات في الركن الأول من الكتاب، ظهر له وجه الفساد في هذا التركيب.
على أنه لو فتح هذا الباب: لجاز أن نشبه بالثالث رابعًا بوصف
стр. 635
لا يشبه الثاني به؛ وكذلك القول في الخامس وما بعده من الأعداد، فننهي بالتدريج إلى رتبة: نعلم -على القطع- أنه ليس في معنى الأصل [٨٢ - ب] وهو كمن وجد حصاة: فالتقط أخرى لمشابهتها لها، ثم التقط ثالثة لمشابهتها الثانية، ثم التقط رابعة لمشابهتها الثالثة؛ هكذا إلى أن التقط مائة حصاة. فلو نظر [إلى] الأخيرة وقاسها بالأولى، لم يجد بينهما مشابهة، وكان بحيث لو وجدها ابتداء: لما شبهها بالأولى. وهذا شيء لا شك فيه.
فأما إذا كانت العلة مناسبة، فلا تخلو: أما أن كانت لها رتبة الاستقلال [ووقع في رتبة الاستدلال] المرسل الملائم الذي يستغني عن شهادة أصل معين؛ كما ذكرنا أمثلته في الركن الأول، وأما أن افتقر إلى شهادة الأصل المعين.
فإن وقع في رتبة الاستدلال المرسل: فليستدل به على الفرع. ولا حاجة به إلى الأصل؛ فوجوده وعدمه بمنزلة واحدة.
следующие страницы →