← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يريد: من الآن. وله أحكام كثيرة. أوهـ: قوله تعالى:﴾ إن إبراهيم لأواه حليم ﴿[التوبة: ١١٤]. الأواه: الذي يكثر قوله: آه آه. والتأوه: كل كلام يظهر منه تحزن وقوله:﴾ أواه ﴿[هود: ٧٥] قيل: هو المؤمن الداعي. وقيل: من يخشى الله حق خشيته. وقال أبو عبيدة: المتأوه شفقًا، المتضرع نفسًا ولزومًا للطاعة، وأنشدني شيخي للمثقب العبدي يصف ناقته: [من الوافر] ١٢٠ - إذا قمت أرحلها بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين والأواه: الكثير التأوه خوفًا من الله تعالى. أوي: قال تعالى:﴾ آوي إليه أخاه ﴿[يوسف: ٦٩] أي ضمه إليه في مأواه. يقال: أوى يأوي أويا، ومأوى اسم لمكان. وآواه غيره يؤويه إيواًء. فمن الأول قوله تعالى:﴾ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴿[الكهف: ١٠]. ومن الثاني:﴾ وفصيلته التي تؤويه ﴿[المعارج: ١٣]،﴾ آوى إليه أخاه ﴿. [يوسف: ٦٩]. وقوله:﴾ جنة المأوى ﴿[النجم: ١٥]. فالمأوى: مصدر أضيف إليه، كإضافة الدار للخلد في قوله:﴾ دار الخلد ﴿[فصلت: ٢٨] فالمأوى اسم للمكان الذي يؤوى إليه. وقال الشاعر: [من الوافر] ١٢١ - أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى ماءٍ ويرويني النقيع

стр. 107

وأويت إليه: رحمته ورققت له أويًا وأيًة ومأويًة ومأواًة. وقوله ﵊ للأنصار:! كأبايعكم على أن تأووني وتنصروني". قال الأزهري: أوى وآوى بمعنى واحد، وأوى لهزم ومتعد. وفي الحديث: "لا يأوي الضالة إلا ضال". قال الأزهري: ألا أين آوي هذه الموقسة، ولم يقل: أووي، الموقسة: الإبل التي بدا بها الجرب، وهو الوقس. وفي حديث وهب أن الله تعالى قال: "أويت على نفسي أن أذكر من ذكرني"، قال القتيبي: هذا غلط إلا أن يكون من المقلوب، الصحيح: وأيت من الوأي وهو الوعد. يقول: جعلت على نفسي وعدًا. وماوية: اسم امرأةٍ. قال امرؤ القيس: [من السريع] ١٢٢ - يا دار ماوية فقيل: هي من المأوي لأنها مأوى الصدور. وقيل: من الماء، فأبدلت واوًا. وذلك كتسميتهم ماء السماء لصفائه وارتفاعه. فصل الألف والياء أي د: الأيد: القوة. قال تعالى:﴾ والسماء بنيناها بأييد ﴿[الذاريات: ٤٧] أي

стр. 108

بقوةٍ وإحكامٍ. وقوله:﴾ داود ذا الأيد ﴿[ص: ١٧] أي ذا القوة في الأقوال والأفعال. وفي معناه﴾ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ﴿[ص: ٢٠]. والأيد والأيد: ذو القوة الشديدة: وقوله:﴾ أيدتك بروح القدس ﴿[المائدة: ١١٠] و﴾ ويؤيد بنصره من يشاء ﴿[آل عمران: ١٦]، فغلب عليه التكثير. ويقال: آده يئيده أيدًا وآدًا، مثل: باعه يبيعه بيعًا، وإدته أئيده مثل: بعته أبيعه. وقرئ:﴾ آيدتك ﴿برفع. قال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلت مثل عايدت. وقال غيره: هو أفعلت. أي ك: الأيك: جمع أيكة، وهو الشجر الملتف. وقوله:﴾ كذب أصحاب الأيكة ﴿[الشعراء: ١٧٦] هم أصحاب غيضة كانوا فيها، فأرسل إليهم شعيب ﵇ فكذبوه فهلكوا. وقد قرئ﴾ ليكة ﴿فقيل: هي بمعناها، وقيل: الأيكة ... . وليلة المصون والعقد النضيد أي ل: قوله تعالى:﴾ وجبريل وميكال ﴿[البقرة: ٩٨] ونحوه. قيل: إن (إيل) اسم الله

стр. 109

تعالى، فمعنى جبريل عبد الله. قال الراغب. وهذا لا يصح بحسب كلام العرب، لأنه كان يقضي أن يضاف إليه فيجر إيل فيقال: جبرايلٍ، انتهى. ويمكن أن يقال إنه لما كان بلغتهم كان أعجميًا، وإذا كان كذلك ففيه سببان: العلمية والعجمة الشخصية، إلا أن هذا لا يتم إلا إذا قلنا: إن نحو نوحٍ ولوطٍ فيه الصرف وعدمه. فإن قيل: فكان ينبغي أن يقال بالوجهين، فيقال: التزم فيه أحد الجائزين. والإيالة: السياسة، يقال: ألنا وإيل علينا أي سسنا وساسونا. وهو حسن الإيالة أي السياسة. وفي حديث الأحنف: "بلونا فلانًا فلم نجد عنده إيالًة للملك" أي سياسة. أي م: قوله تعالى:﴾ وأنكحوا الأيامي منكم ﴿[النور: ٣٢]. الأيامي: جمع أيم، والأيم: المرأة التي لا بعل لها، ثيبًا كانت أو بكرًا. فمن الأول ما في الحديث: "تأيمت حفصة" .. وقوله: "والأيم أحق بنفسها". ومن الثاني: "تطول أيمة إحداكن"، ويقال للرجل الأعزب أيضًا، وذلك على الاستعارة. يقال ذلك لمن لا غناء عنده تشبيهًا بالنساء، يقال: آمت المراة أيمة فهي أيم بغير ياءٍ، وآمٍ الرجل كذلك. وإنما لم يفرقوا بالتاء لأن هذه صفة غالبة في المؤنث، فأشبهت حائضًا وطامثًا لأن الأصل عدم إطلاقه في الرجال كما تقدم. ولم يحك الراغب غير أيمةٍ بالتاء، وإمت آيم، وأنشد: [من الطويل] ١٢٣ - لقد إمت حتى لامني كل صاحبٍ ... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت

стр. 110

والمصدر الأيمة. وفي الحديث: "أنه كان يتعوذ من الأيمة والعيمة والغيمة" فالأيمة: طول العزبة، والعيمة بالمهملة: شدة شهوة اللبن، وبالمعجمة. شدة العطش ومن كلامهم: ماله آم وعام؟ أي: فارق امرأته وذهب لبنه. ويقال: تأيم، وتأيمت بمعنى أقامت على الأيوم، وأنشد: [من الطويل] ١٢٤ - وقولا لها: يا حبذا أنت لو بدا ... لها أو أرادت بعدنا أن تأيما أراد: أن تتأيم فحذف إحدى التاءين. ويقال: الحرب مأيمة أي أنها يقتل فيها الرجال، وتشبيهًا بتأيم النساء. والأيم: بالفتح والسكون الحية. وقد تشدد الياء، ومنه الحديث: "مر بأرض جرزٍ مثل الأيم" فهذا بالفتح والسكون. قال أبو كبيرٍ الهذلي: [من الكامل] ١٢٥ - إلا عواسر كالمراط معيدة ... بالليل، مورد أيمٍ متغضف العواسر: ذئاب تعسر بأذنابها أي ترفعها إذا عدت. والمراط: سهام قد انمرط ريشها. المتغضف: المتلوي. والأيامي: وزنها في الأصل فعائل أيائم لأنها نظير صيقلٍ وصياقل، قلبت بأن قدمت الميم وأخرت الياء التي انقلبت إلى الهمزة. ثم فتحت الميم تخفيفًا فقلبت ألفًا فصارت أيامي، ووزنها بعد فعالي. وقد حققتها بأكثر من هذا.

стр. 111

أي ن أين: ظرف مكان يكون شرطًا تارًة وإستفهامًا أخرى كقوله تعالى:﴾ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴿[النساء: ٧٨]، وكقوله:﴾ فأين تذهبون ﴿[التكوير: ٢]. والأين: الإعياء، يقال: آن يئين أينًا، وكذلك أنى يأني أنيًا إذا حان. قال الراغب: وأما بلغ أناه فقيل: هو مقلوب من أنى. قال أبو العباس: قال قوم: آن يئين أينًا. والهمظة فيه، مقلوبة عن الحاء، والأصل حان يحين حينًا. وأصل الكلمة من الحين. أي: أي: حرف جوابٍ يتعقبه القسم وهو بمعنى نعم. قال تعالى:﴾ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي ﴿[يونس: ٥٣]. ومثله قولهم: إي والله. ولو قيل لك: أقام زيد؟ قلت: إي وسكت أو: إي قام زيد لم يجز لعدم وجود القسم. وبعضهم يعبر عنها بأنها كلمة موضوعة لتحقيق كلام متقدم نحو: "إي وربي". وقد كثر ورود هذه الكلمة حتى حذفوا جملتي القسم وجوابه، وأبقوا حرفًا موصولاً بإي، فيقولون: أي، ويريدون: إي والله. وأي بالفتح والتخفيف: حرف تفسيرٍ نحو: مررت بالأسد، أي الغضنفر، وزعم بعضهم أنها هنا أي لنداء التقريب، وآي بالمد للبعيد، كأيا وهيا وقيل: الهمزة للتقريب، وآي وأيا وهيا للبعيد، وأي للمتوسط. أي ي: أي: اسم استفهامٍ أو شرطٍ أو منادى مبني على الضم، وصلة لنداء ذي أل. قال تعالى:﴾ فأي الفريقين أحق بالأمن ﴿[الأنعام: ٨١]. وقال تعالى:﴾ أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴿[الإسراء: ١١٠]. وقد تخفف الاستفهامية بحذف ثالثها كقوله: [من الطويل] ١٢٦ - تنظرت نسرًا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره

стр. 112

وتقع نكرًة موصوفًة نحو: مررت بأس معجبٍ لك، وصفًة لنكرةٍ نحو: مررت برجلٍ أي رجلٍ، وحالاً لمعرفةٍ نحو: جاء زيد أي رجلٍ، أي عظيمًا. ويستفهم بها عن الجنس أو النوع. وأيان: ظرف زمانٍ، وتكون شرطًا تارًة واستفهامًا أخرى. قال تعالى:﴾ وما يشعرون أيان يبعثون ﴿[النحل: ٢١]،﴾ أيان مرساها ﴿[الأعراف: ١٨٧]. وتقول: أيان تخرج أخرج، ووقوعهما قليل، ولذلك لم ترد في القرآن إلا استفهامًا وهي مبنية على الفتح لتضمن معنى الحرف كسائر أدوات الشرط والاستفهام. وقال بعضهم: أيان عبارة عن وقت الشيء ويقارب معنى متى. قيل: هي مأخوذة من أي، وقيل: أصلها أي أوانٍ، أي: أي وقتٍ، ثم حذفت الألف وجعلت الواو ياء وأدغمت فصار "أيان"، وفي هذا بعد كثير والآية: العلامة، يقول: ائتني بآية كذا، أي بعلامةٍ. ومنه:﴾ قال رب اجعل لي آية قال آيتك ﴿[آل عمران: ٤]، وفسرها الراغب بالظهور فقال: وآية هي العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيءٍ ظاهرٍ هو ملازم لشيءٍ لا يظهر ظهوره. فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته، إذا كان حكمهما سواًء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق المنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئًا مصنوعًا علم أنه لابد له من صانعٍ. انتهى. قوله تعالى:﴾ إن آية ملكه ﴿[البقرة: ٢٤٨] أي علامته الظاهرة لكم. وقوله﴾ أتبنون بكل ريعٍ آية ﴿[الشعراء: ١٢٨]، فالآية هنا البناء المرتفع لأنه أظهر العلامات الحسية. وقوله:﴾ ويريكم آياته ﴿[البقرة: ٧٣]﴾ ومن آياته ﴿[الروم: ٢٠] أي عجائب مصنوعاته. فهي أدل على وحدانيته. وقوله:﴾ يجادلون في آيات الله ﴿[غافر: ٣٥] أي في دلالات أنبيائه وكتبه الواضحات. والآية من القرآن اختلفت عبارات الناس فيها، فقال الهروي: سميت الآية من القرآن

стр. 113

آية لأنها علامة يقطع بها كلام من كلام. وقيل: لأنها جماعة من حروف القرآن، يقال: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم. وقال الراغب: ولكل جملةٍ من القرآن دالة على حكم آيةٍ سورًة كانت أو فصلاً أو فصولاً من سورةٍ، وقد يقال لكل كلامٍ منه تام منفصلٍ بفصلٍ لفظيٍ آية. وعلى هذا اعتبار آي السور التي تعد بها السورة. قلت: وكان الآية في الأصل عنده ما دلت على حكمٍ، وإطلاقها على الآية الإصطلاحية التي بها السورة خلاف الأصل، وفيه نظر، إذ عبارة الناس تشعر بالعكس. ثم إنه جعل الآية شاملًة للسورة. قوله:﴾ بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ﴿[العنكبوت: ٤٩] وفي قوله:﴾ إن في ذلك لآيًة للمؤمنين ﴿[الحجر: ٧٧] إشارة إلى الآيات المعقولة التي تتفاوت بها المعرفة بحسب تفاوت الناس في العلم. وقال تعالى:﴾ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴿[الإسراء: ١٢] تنبيه على أن كل واحدٍ منهما آية لما فيه من الدلالة الباهرة والبراهين الظاهرة، وفي مجموعهما آيات كثيرة. وهذا بخلاف قوله:﴾ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴿[المؤمنون: ٥٠] حيث لم يثنهما، قالوا: لأن كل واحدٍ منهما آية للأخرى. وقيل: لأن قصتهما واحدة، قاله ابن عرفة وقال الأزهري: إن الآية فيهما معًا آية واحدة، وهي الولادة دون الفحل. قلت: وهذا هو شرح القول الأول. قوله:﴾ وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا ﴿[الإسراء: ٥٩] إشارة إلى ما عذيت به الأمم السالفة من الجراد والقمل ونحوهما، وأنه إنما يرسلها تخويفًا للمكلفين قبل أن يحل بهم ما هو أفظع منها، وهذه أخس المنازل للمأمورين. قال الراغب: "وذلك أن الإنسان يتحرى فعل الخير لأحد ثلاثة أمورٍ، إما رغبةٍ، أو رهبٍة وهو أدنى منزلةٍ، أو لطلب محمدةٍ أو فضيلةٍ. وهو أن يكون الشيء في نفسه فاضلاً، وذلك أشرف المنازل.

стр. 114

ولما كانت هذه الأمة خير أمةٍ كما قال رفعهم عن هذه المنزلة ونبه أنه لا يعمهم بالعذاب، وإن كانت الجهلة منهم يقولون:﴾ فأمطر علينا حجارًة من السماء أو إئتنا بعذابٍ أليمٍ ﴿[الأنفال: ٣٢]. وقيل: الآيات إشارة إلى الأدلة. ونبه بذلك على أنه يقتصر معهم على الأدلة ويصانون من العذاب الذي يستعجلونه في قوله:﴾ ويستعجلونك بالعذاب ﴿[الحج: ٤٧] ". وفي بعض المواضع آية بالإفراد وآيات بالجمع، وذلك بحسب المقامات. وفي اشتقاق الآية قولان: أحدهما أنها من أي المستفهم، فإنها يتبين بها أي من أيٍ والثاني أنها من قولهم: أوى إليه، نقلهما الراغب: قلت: لأن أوي فيه معنى الانضمام. وفي الآية ضم ما. واختلف في وزنها، فقيل: وزنها فعلة وأصلها أية فتحركت الياء الأولى، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، وهذا إعلال شاذ لأنه متى اجتمع حرفان مستحقان للإعلال أعل ثانيهما، لأن الأطراف محل التغيير نحو حياةٍ ونواةٍ وهوى وعوى ودوى. وشذ عن ذلك التلفظ وهي آية وراية وطاية وغاية. وقيل: وزنها فعلة بسكون العين، فالياء قلبت ألفًا، وهو إعلال شاذٌ لأن حرف العلة ساكن، ولكن خشية كراهتهم التضعيف، ومثل قولهم طائي في طيءٍ اكتفوا بأحد أجزاء العلة. وقيل: وزنها فاعلة، والأصل آيية فخفف بحذف العين. وزنها بعد الحذف قالة، وهو ضعيف كقولهم في تصغيرها أيية. ولو كانت فاعلة لقالوا أوية. وفي هذا الحرف كلام أكثر من هذا أثبته في غير هذا الموضوع. وإياك وإياه وإياي وفروعها اختلف فيها؛ فقال الزجاج: إيا: اسم ظاهر ليس من الضمائر، والجمهور على أنه ضمير، ثم اختلفوا فقيل: هو بجملته ضمير، وما بعده من

стр. 115

الكاف والهاء حروف تبين أحواله. وقيل: بل هي في محل خفضٍ بدليل ظهور الخفض في ظاهرٍ قد وقع موقعها في قولهم: "فإياه وإيا الشواب". وقال الراغب: إيا لفظ موضوع ليتوصل به إلى ضميرٍ منصوب إذا انقطع عمًا يتصل به، وذلك يستعمل إذا تقدم الضمير نحو﴾ إياك نعبد ﴿[الفاتحة: ٤] أو فصل بينهما بمعطوف عليه أو بإلا نحو:﴾ نرزقهم وإياكم ﴿[الإسراء: ٧١]﴾ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴿[الإسراء: ٢٣]. وفي الكلمة كلام طويل حررته في غير هذا الكتاب.

стр. 116

باب الباء الباء: الباء حرف جر، وله معانٍ كثيرة، منها: الإلصاق حقيقًة نحو:﴾ وامسحوا برؤوسكم ﴿[المائدة: ٦]، أو مجازًا نحو: مررت بزيدٍ، وتعدي الفعل نحو: خرجت بزيدٍ. وهل ترادف الهمزة أو تلزم مصاحبة الفاعل خلاف، الصحيح أنها لا تلزم كالهمزة لقوله:﴾ ذهب الله بنورهم ﴿[البقرة: ١٧]. وتكون للمصاحبة نحو: خرج بثيابه. وللتقليل نحو:﴾ فبظلمٍ من الذين هادوا حرمنا ﴿[النساء: ١٦٠]. وللمقابلة نحو:﴾ لا يشترون بآيات الله ﴿[آل عمران: ١٩٩]، وبمعنى عن مطلقًا نحو:﴾ ويوم تشقق السماء بالغمام ﴿[الفرقان: ٢٥]. أو مع السؤال خاصًة نحو:﴾ فاسأل به خبيرًا ﴿[الفرقان: ٥٩]. وبمعنى من، نحو: [من الطويل] ١٢٧ - شربن بماء البحر ثم ترفعت وبمعنى في، نحو: زيد مكة، أي فيهما. وبمعنى على، نحو:﴾ من إن تأمنه بدينارٍ ﴿[آل عمران: ٧٥] أي عليه. وتزاد مطردًة كهي في فاعل كفى ومفعوله نحو:﴾ وكفى بالله شهيدًا ﴿[النساء: ٧٩]. [من الكامل]: ١٢٨ - فكفى بنا فضلاً على من غيرنا وفي خبر ليس وما غير موجٍبٍ، وفي غير ذلك بقلةٍ. وتكون للقسم وهي أم الباب، ولذلك يجر بها كل مقسمٍ به ظاهرًا أو مضمرًا، ويظهر معها العامل ويضمر.

стр. 117

وقد يدخل معها معنى السؤال كقوله: [من الكامل] ١٢٩ - بالله ربك إن دخلت فقل له: ... هذا ابن هرمة واقفًا بالباب ويبدل منها الواو مع الظاهر خاصٍة. ولا يظهر معه العامل، وتبدل من الواو والتاء، فتختص بالجلالة نحو: وتالله. وفيها معنى التعجب، كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى. فصل الباء والألف ب أر: البئر: معروف، وهي ما حفر وطوي أي ثني. والثمد ما لم يطو. يقال: بأرت آبارًا وبئرًا وبؤرًة أي حفيرًة. ومنه اشتق البئر وهي في الأصل حفيرة يستر رأسها ليقع فيها من مر عليها، يقال لها: المغواة وعبر بها عن النميمة الموقعة في البلية. والجمع: مآبر وبئار. وأصل المادة من التخبئة. وفي الحديث: "أن رجلاً آتاه الله مالاً فلم يبتئر فيه خيرًا" أي لم يقدم فيه خيرًا أحياه لنفسه وادخره. بأرت المال وابتأرته: خبأته وادخرته. وكذلك بأرت البئر والبئرة، وابتأرتها. قال تعالى:﴾ وبئرٍ معطلةٍ ﴿[الحج: ٤٥]، وقيل: ليس المراد بئرًا بعينها ولا قصرًا بعينه، وإنما ذلك على إرادة الجنس. وقيل: بل هي بئر وقصر معينان، ضرب الله بهما المثل، وذكر بهما الناس ليحذروا عقابه. فقال جماعة من أهل التفسير: إنها بئر بحضر موت، وإن صالحًا ﷺ لما نزل بهذه البقعة وحفرها مات فسميت بحضرموت، فأقام قومه بعده يستقون من هذه البئر. ب أس: البأس والبؤس والبأساء كلها الشدة والمكروه، وقد فرق بعضهم بين هذه بفروقٍ،

стр. 118

فالبؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، كقوله:﴾ والله أشد بأسًا ﴿[النساء: ٨٤]. وقال الأزهري في قوله:﴾ مستهم البأساء والضراء ﴿[البقرة: ٢١٤] البأساء في الأموال وهو الفقر، والضراء في الأنفس. وقوله:﴾ أن يكف بأس الذين كفروا ﴿[النساء: ٨٤] أي شدتهم في الحرب، وقوله:﴾ بأسهم بينهم شديد ﴿[الحشر: ١٤] من ذلك. وقوله:﴾ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ﴿[الحديد: ٢٥] أي امتناع وقوة. وقوله:﴾ تقيكم بأسكم ﴿[النحل: ٨١] أي دروعًا تقيكم الشدة والضر الواقع بينكم. وقوله:﴾ فلا تبتئس ﴿[هود: ٣٦] أي: لا يشتدن أمرهم، فلا تذل ولا تضعف. وقيل: أي لا تلتزم البؤس ولا تحزن. يقال: بؤس يبؤس بأسًا فهو بئس، إذا اشتد، وبئس يبأس بأسًا وبأسة، فهو بائس إذا افتقر. قال تعالى:﴾ وأطعموا البائس الفقير ﴿[الحج: ٢٨]،﴾ بعذابٍ بئيسٍ ﴿[الأعراف: ١٦٥] أي شديدٍ. وقد قرئ "بيئسٍ" بزنة فيعلٍ، و"بيسٍ" بزنة جيرٍ. وفي الحديث أنه ﵊ "كان يكره البؤس والتباؤس" أي الضراعة للفقر. والتكلف لذلك جميعًا. وبئس نقيض نعم، فبئس جميع المذام، كما أن نعم تقتضي جميع المحامد، ويرفعان ما فيه أل أو ما هو مضاف لذي أل، كقوله:﴾ نعم العبد ﴿[ص: ٣٠]﴾ وبئس المهاد ﴿[آل عمران: ١٢]،﴾ فلبئس مثوى المتكبرين ﴿[النحل: ٢٩]. أو لمضمرٍ مفسرٍ

стр. 119

بنكرةٍ نحو: بئس رجل زيدً، أي بئس هو. وفي ما المتصلة نحو:﴾ بئسما اشتروا ﴿[البقرة: ٩٠] خلاف كثير ليس هذا موضع تحقيقه. والبابوس: الرضيع. وفي حديث جريجٍ العابد لما اتهمته الفاجرة بالولد "مسح على رأسه وقال: يا بابوس من أبوك؟ " وأنشد الهروي لابن أحمر: [من البسيط] ١٣٠ - حنت قلوصي إلى بابوسها جزعًا ... وما حنينك إلا أنت والذكر؟ فصل الباء والتاء ب ت ت: قال الراغب: وأما البت فيقال في قطع الحبل. وطلقت المرأة بتًة بتلًة. وروي: "لا صيام لمن لم يبت الصوم من الليل". قلت: يقال: بت ويبت بالضم والكسر، أي يقطعه من الوقت الذي لا صيام فيه. قال: والبشك مثله، ويستعمل في قطع الثوب، وفي الناقة السريعة تشبيهًا ليديها في السرعة بيد الناسجة نحو قول الشاعر: [من الكامل] ١٣١ - فعل السريعة بادرت حدادها ... قبل المساء تهم بالإسراع وفي كلامهم: صدقة بتة بتلة أي منقطعة عن جميع الإملاك. والبتات: المياع. وفي الحديث: "ولا يؤخذ منكم عشر البتات" أي زكاة المتاع. والبتت: الكساء. قال: [من الرجز]

стр. 120

١٣٢ - من كان ذا بتٍ فهذا بتي ... مقيظ مصيف مشتي وقيل لصاحب الأكسية: بتات كلبابٍ، وفي الحديث: "إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" أي الذي جهد نفسه ودابته في السفر، ما يقطع به لم يقطع أرضه التي سافرةها ولم يبق دابته. وهذه المادة لم ترد في القرآن، ووجه ذكرها أن ما بعدها مبني عليها، نحو مادة بتر، وتبك، وبتل. ب ت ر: قوله تعالى:﴾ إن شانئك هو الأبتر ﴿[الكوثر: ٣]. والأبتر: الذي لا عقب له ولا نسل، وأصله من البتر، وهو القطع. ومنه "نهى عن المبتورة في الضحايا" هي التي انقطع ذنبها. وفي الحديث: "كل أمرٍ ذي بالٍ لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر" أي أقطع. وروي أجذم، وذلك أن العاص بن وائلٍ كان يقول: إنما محمد أبتر، فإذا مات انقطع ذكره، أي ليس له ولد يذكر به إذا رئي، فأكذبه الله تعالى ورفع ذكره وجعله هو الأبتر، إذا ذكر لا يذكر إلا بشرٍ. وفي حديث علي، وقد سئل عن صلاة الضحى، فقال: "حين تبهر البتيراء الأرض" أي تنبسط الشمس. فالبتيراء: اسم للشمسٍ، سميت بذلك لأنها تكل الأبصار أي تتعبها إذا حدقت نحوها. فجعل ذلك قطعًا مجازًا. وقال الراغب كلامًا حسنًا. نبه الله تعالى أن الذي ينقطع ذكره هو الذي يشنؤه، فأما هو فكما وصفه الله تعالى بقوله:﴾ ورفعنا لك ذكرك ﴿[الشرح: ٤] لكونه جعل أبًا للمؤمنين. وفي

стр. 121

الحديث معنى رفعنا لك ذكرك "لا أذكر إلا إذا ذكرت معي" وإلى هذا أشار أمير المؤمنين علي ﵁ بقوله: "العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة" هذا في أتباع الأنبياء، فكيف بهم صلوات الله وسلامه عليهم، فكيف بنبينا محمدٍ ﷺ ، حيث رفع ذكره وجعله خاتم رسله؟. وقال الراغب: البتر يقارب ما تقدم - يعني البت - لكن استعمل في قطع الذنب، ثم أجري قطع العقب مجراه. ورجل أبتر وأباتر: لم يكن له عقب. ويقال لمن قطع رحمه: أبتر وأباتر. وكذا من انقطع عن كل خيرٍ. ب ت ك: البتك: قطع خاص، ولذلك قال الراغب: البتك يقارب البت، لكن البتك يستعمل في قطع الأعضاء والشعر، يقال: بتك شعره وأذنه. والباتك: السيف القاطع. والبتكة: القطعة، قال زهير: [من البسيط] ١٣٣ - حتى إذا قبضت كف الوليد لها ... طارت وفي يده من ريشها بتك والبتكة والبتيكة أيضًا: القطع مرًة واحدة. وقوله تعالى:﴾ فليبتكن آذان الأنعام ﴿[النساء: ١١٩] عبارة عن شق آذان النحائر التي سيأتي إن شاء الله تفسيرها. ب ت ل: قال الله تعالى:﴾ وتبتل إليه تبتيلاً ﴿[المزمل: ٨]. التبتل: الانقطاع والانفراد، أي انقطع لعبادته، وانفرد بها عن الناس، وأخلص نيتك انقطاعًا تختص به، وإليه الإشارة بقوله:﴾ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴿[الأنعام: ٩١]. ابن عرفة: انقطع له في

стр. 122

طاعته، وأفردها له. الأزهري: انقطع إليه. والبتل: القطع. وصدقة بتة وبتلة أي منقطعًة من المال إلى سبيل الله. وفي الحديث: "لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام". وفي الحديث أيضًا: "التبتل على عثمان بن مظعونٍ" أي الانقطاع عن النساء، فلا منافاة بين الآية الكريمة وهذا الحديث. إذ المراد بالتبتل في الآية الانقطاع للعبادة، وفي الحديث الانقطاع عن النكاح. وقد وردت ترغيبات في النكاح: "تناكحوا تناسلوا" "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني". وسميت الزهراء البتول لانقطاعها عن نساء زمانها دينًا وحسبًا وفضلاً". والبتول في الأصل: انقطاع المرأة عن الرجال الذين لم تشتههم. ومنه قيل لمريم ﵍: البتول. والتبتيل: ليس مصدر التبتل إنما هو مصدر بتل. ومصدر بتل التبتل. يقال: تصرف تصرفًا، وصرفته تصريفًا. ولكن المصادر ينوب بعضها عن بعضٍ، وأنشدوا: [من الرجز] ١٣٤ - وقد تطويت انطواء الحضب الانطواء وقاع موقع "تطويًا". وقد اتفق اشتراك هذه المواد الأربع المتوالية في معنى واحدٍ كما ترى. فصل الباء والثاء ب ث ث: البث: إثارة الشيء وتفريطه، كبث الريح التراب. وقوله:﴾ إنما أشكو بثي ﴿[يوسف: ٨٦]، فالبث نشر الغم الذي انطوت عليه النفس، ومعناه: غمي الذي أبثه عن

стр. 123

كتماني، فهو مصدر واقع موقع مفعولٍ. ويجوز أن يكون معناه: غمي الذي بث فكري، فيكون واقعًا موقع الفاعل. وقيل: البث أشد الحزن، يبثه الناس. وقوله:﴾ وبث فيها من كل دابةٍ ﴿[البقرة: ١٦٤] أي نشر فيها وفرق أنواع الدواب. وفيه إشارة إلى إيجاد ما لم يكن موجودًا. وقوله:﴾ كالفراشٍ المبثوث ﴿[القارعة: ٤] أي المتفرق المتهيج بعد سكونه وخفقانه. وفيه أبلغ تشبيهٍ، فإنه لا يرى أخف ولا أطيش من الفراش. ولم يكتف بتشبيههم به حتى وصفهم بالمبثوث. وبث وأبث بمعنى واحدٍ، يتعديان لاثنين، فيقال: بثتك سري، وأبثثتك إياه. ويتعدى لواحدٍ فقط، ومنه﴾ كالفراش المبثوث ﴿. وقولهك﴾ وزرابي مبثوثة ﴿[الغاشية: ١٦] أي متفرقة منتشرة في مراقدهم. وفي حديث أم زرعٍ. "زوجي لا أبث خبره" أي لا أفشيه ولا أنشره. وفيه: "ولا يولج الكف ليعلم البث" اختلفوا في تأويلها، فقيل: هو مدح فيه تصفه: لأنه لعلمه بأن داًء في جسدي لا يدخل كفه إلى فيحصل لي حزن، وهو قول أبي عبيدٍ. ورد عليه القتيبي ذلك بأنها قد ذمته أولاً. ورد ابن الأنباري على القتيبي بأنهن تعاقدن على ألا يكتمن من أخبار الأزواج شيئًا. فمنهن من ذكرت محاسن فقط، ومنهن من ذكرت مساوئ فقط، ومنهن من ذكرت النوعين. وقال ابن الأعرابي: هو ذم لأنها وصفته بأنه يبث ويه تريد قربه، فلا بث هناك إلا محبتها لقربه، فجعلت ذلك بثًا لأنه من جهة أحمد بن أبي عبيدٍ لم ينفذ أموري، من قولهم: لم يدخل يده في الأمر أي لم ينفذه. وفي حديث اليهودي الذي حضره الموت: "بثبثوه" أي اكشفوه، من ذلك فأبدلوا من الثاء الوسطى باءً نحو: حثحث والأصل حثث بثلاثة أمثالٍ. ومثله في الاستثقال والأبدال بطيء في بطي: [من الرجز] - تقضي البازي إذا البازي كسر

стр. 124

فصل الباء والجيم ب ج س: الانبجاس: قريب من الانفجار. قال تعالى:﴾ فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا ﴿[الأعراف: ١٦٠] والحرث والانبجاس والانفجار والانفتاق والتفتق والانشقاق والتشقق متقاربات، إلا أن الانبجاس أكثر ما يقال في الخارج من ضيقٍ، والانفجار أعم. ولذلك جاء اللفظان في الآيتين لأن المكان ضيق. وفي القصة أنه موضع ... ويخرج منه اثنتا عشرة عينًا يشرب منها الماء، لا يحصيهم إلا خالقهم. ويقال: بجس الماء فانبجس. وفي حديث حذيفة: "ما منا رجل إلا به آمة يبجسها الظفر غير الرجلين". الآمة: الشجة بلغت أم الدماغ. ومعنى هذا أنها نغلة فيها صديد كثير بحيث لو فجرها إنسان بفظره لقدر من غير احتياجٍ إلى حديدةٍ. كنى بذلك عن أن كل أحدٍ لابد له من شيء إلا أبا بكرٍ وعمر وعليًا رضي الله تعالى عنهم وعن كل الصحابة أجمعين. فصل الباء والحاء ب ح ث: البحث: التنقيب على الشيء والاجتهاد فيمعرفة باطنه وخفيه. ومنه بحث المسألة وأصله من بحث الأرض لمعرفة ما داخلها وإثارة ما كان كامنا فيها. قال الله تعالى:﴾ فبعت الله غرابًا يبحث في الأرض ﴿[المائدة: ٣١]، أي يثيرها ويوقع الحفر بمنقاره، وذلك ليعلم قابيل كيف يدفن أخاه. وقيل: "البحث: الكشف والطلب. وبحثت الناقة الأرض برجلها في السفر كناية

стр. 125

عن شدة وطئها الأرض". والبحاثة: التراب الذي يبحث عما يطلب [فيه]. والبحثة بفتح الباء وكسرها لعبة، وفي الحديث: "أن غلامين كانا يلعبان البحثة". ومن ذلك سموا "براءة" سورة البحوث لبحثها عن أحوال المنافقين. ب ح ر: والبحر: أصله المكان المتسع ذو الماء الملح. وأما العذب فهل يقال فيه بحر؟ فمن أثبته استشهد بقوله:﴾ وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغٌ شرابه وهذا ملح أجاج ﴿[فاطر: ١٢]. ومن منع جعله من باب التغليب، كقولهم: العمران والقمران، في أبي بكرٍ وعمر، والشمس والقمر. ثم اعتبرت منه السعة في الأجرام والمعاني، فقالوا: بحرت البعير، أي شققت أذنه شقًا متسعًا. ومنه البحيرة قال الله تعالى:﴾ ما جعل الله من بحيرةٍ ﴿[المائدة: ١٠٣]، ناقة تنتج عشرة أبطنٍ، فتشق أذنها وتهمل فلا تركب ولا يحمل عليها. وقيل: هي الخامسة وذلك أنهم كانوا إذا أنتجت الناقة خمسة أبطنٍ فإن كان الخامس ذكرًا نحروه، وأكله الرجال والنساء. وإن كان أنثى بحروا أذنها وشقوها، وحرموا على النساء لحمها وركوبها ولبنها، فإذا ماتت حلت لهن. وأما في المعاني فقالوا: تبحر في العلم أي توسع فيه وتوغل. وكان يقال لابن عباسٍ الحبر البحر، لاتساع علمه. واستعير في عدو الفرس السريع. قال ﵊ في فرس أبي طلحة، وقد ركبه معروريًا: "إن وجدناه لبحرًا" واسع الجري. واعتبر من البحر ملوحته فقالوا: أبحر الماء أي ملح. وقال نصيب: [من الطويل] ١٣٥ - وقد عاد بحر الماء عذبًا فزادني ... إلى مرضى أن أبحر المشرب العذب

стр. 126

وقوله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ [الروم: ٤١] قيل: الفساد في البر قتل قابيل هابيل، وفي البحر أخذ الجلندى السفينة غصبًا. وقيل: قحوط المطر. وقيل: البر: الحضر، والبحر: البدو. والعرب تسمي القرى والأرياف بحرًا، قال أبو دؤاد: [من الخفيف] ١٣٦ - بعد ما كان سرب قومي حينًا ... ولنا البدو كله والبحار ولما شكا رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي قال: يا رسول الله أعف عنه؛ فقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يعصبوه. والبحراني: الدم الشديد الحمرة، منسوب إلى قعر الرحم، قال العجاج: ١٣٧ - ورد من الجوف وبحراني يصف طعنًة بأنها ذات لونين: ورد وهو القليل الحمرة، وبحراني، يقال: دم باحري وبحراني وقولهم: لقيته صحرة بحرة من ذلك، أي ظاهرًا مكشوفًا لا بناء يستره. يبنون هاتين كخمسة عشر، فإذا ضموا إليهما غيره أعربوا، فقالوا: صحرة بحرًة. وهي حالية في الحالين. فصل الباء والخاء ب خ س: البخس: النقص. قال تعالى:﴾ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴿[الأعراف: ٨٥]، فيتعدى لاثنين. والبخس والباخس: الشيء الناقص. وقيل: البخس النقص على سبيل الظلم. قوله:﴾ وشروه بثمنٍ بخسٍ ﴿[يوسف: ٢٠]، قال الهروي: أي بثمنٍ ظلمٍ لأنه حر بيع ظلمًا. وقال الراغب: باخس أي ناقص، وقيل: مبخوس أي منقوص، وتباخسوا أي

стр. 127

تغابنوا الظلم بعضهم بعضًا. والبخس أي المكس أيضًا. وهو أن يمكس أحد المتبايعين الآخر أي يناقصه في ما يشتريه أو يبيعه. ب خ ع: البخع: قتل النفس، كما قال تعالى:﴾ فلعلك باخع نفسك ﴿[الكهف: ٦] بحثه على ترك الحزن عليهم والتلهف. وفي معناه:﴾ فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ ﴿[فاطر: ٨]. ويقال: بخع فلان بالطاعة أي أقر بها. وبخع بما عليه من الدين أي أقر به إقرار شدةٍ وكراهةٍ، فجعل كالباخع نفسه. وقيل: لعلك مهلك نفسك، مبالغًا في ذلك حرصًا على إسلامهم، من بخع الشاة إذا بالغ في ذبحها. وقيل: بخعها بمعنى قطع بخاعها. قلت: وهو عرق في حلقومها. قال الزمخشري: هو أن يبلغ بالذبح البخاع وهو عرق. وقولهم: بخع الأرض بالزراعة معناه نهكها وبالغ في حرثها ولم يتركها سنًة لتقوى. وعن عائشة في حق عمر ﵄: "بخع الأرض فقاءت أكلها" يعني استخرج منها الكنوز وأموال الملوك. وفي حديث عقبة: "أهل اليمن أبخع طاعة". قال الأصمعي: أنصح، وقيل: أبلغ. وقيل: أنصع وهما متقاربان. ب خ ل: البخل والبخل: إمساك المال عن مستحقه. ويقابله الجود والسماحة. يقال: بخل يبخل بخلاً وبخلاً فهو باخل. والبخيل: مبالغة فيه كرحيم وراحم. والبخل تارًة يكون بما يملكه الإنسان وهو مذموم، وبما يملكه غيره وهو أشد ذمًا. وأشد منهما ذمًا من يبخل بماله وبمال غيره. وعليه قوله:﴾ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴿[النساء: ٣٧]. والبخل والبخل:

стр. 128

لغتان قرئ بهما في السبع كالعدم والعدم، والعرب والعرب، والحزن والحزن، والضر والضرر. فصل الباء والدال ب د أ: البدء والابتداء: تقديم الشيء على غيره نوعًا من التقديم. قال تعالى:﴾ وبدأ خلق الإنسان من طينٍ ﴿[السجدة: ٤]. يقال: بدأت بكذا وأبدأت به وابتدأت به أي قدمته. ومبدأ الشيء ما يترتب منه أو يكون منه. الحرف مبدأ الكلام، والخشب مبدأ الباب، والنواة مبدأ النخلة. ومنه قيل للسيد: بدء، لأنه يقدم على غيره. قال: [من الوافر] ١٣٨ - فحيت قبرهم بدءًا ولما ... تنادبت القبور فلم تجبه والله تعالى يقول: هو المبدئ المعيد، أي الخالق الباعث. وتحقيقه أنه ابتدع الخلائق، ثم يفنيها، ثم يعيدها. وقال الراغب: أي هو السبب في المبدأ والنهاية. وقوله:﴾ وما يبدئ الباطل وما يعيد ﴿[سبأ: ٤٩]، قالوا: الباطل هنا إبليس أي لا يخلق ولا يبعث. ومنه قوله:﴾ فانظروا كيف بدأ الخلق. ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴿[العنكبوت: ٢٠]. يقال: بدأ الله الخلق وأبدأهم، وعليه﴾ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ﴿[العنكبوت: ١٩]، فهذا من "أبدأ" الرباعي. وأبدأت من أرض كذا أي ابتدأت بالخروج منها. وقوله: ﴿بادئ الرأي﴾

стр. 129

[هود: ٢٧] وقرئ بغير همزةٍ بمعنى: ما يظهر من الرأي ولم يترو فيه، ويهمز بمعنى أول الرأي وابتدائه. وفيه رأي فطير أي لم يخمر، وذلك على جهة الاستعارة من اختمار العجين وعدمه. والبديء كالبديع في كونه لم يعهد. والبدأة: النصيب المبتدأ به في القسمة، ومنه قيل لقطعة لحمٍ عظيمةٍ: بدء. والبدأة أيضًا: ابتداء السفر. وفي الحديث "أنه نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث" أي في سفر الغزو. يقال: أكر للبدأة بكذا وفي الرجعة بكذا. وفي الحديث: "منعت العراق درهما وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها، وعدتم من حيث بدأتم"، إنما سقت هذا الحديث لأن فيه معجزًة له ﵊، وذلك أن معناه انه ﷺ أخبر أن أهل هذه البلاد سيوضع عنهم هذه الأشياء ثم يمتنعون من أدائها، إما بإسلامهم فتسقط عنهم الجزية، وإما بعصيانهم، وفي ذلك إنباء بالمغيبات، فإنه أخبر بذلك قبل وقوعه، وفي الرضا بما وصفه عمر قبل وجوده. وقوله: عدتم من حيث بدأتم، في علم الله وفيما وضى أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا. [الابتداء: هو أول جزأ في المصراع الثاني. وهو عند النحويين تعرية الاسم عن العوامل اللفظية للإسناد نحو زيد منطلق، وهذا المعنى عامل فيهما. ويسمي الأول مبتدًأ ومسندًا إليه ومحدًا عنه، والثاني خبرًا وحديثًا ومسندًا. والابتداء العرفي يطلق على الشيء الذي يقع قبل المقصود فيتناول الحمد له بعد البسملة]. ب د ر: المبادرة: المسارعة إلى الشيء، قال تعالى:﴾ ولا تأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ﴿[النساء: ٦]. أي مسارعة يعني أنهم كانوا يسرعون في أكل أموال اليتامى

стр. 130

ويبادرون، ولذلك كرههم لئلا ينزعوها منهم. وبدرت وبادرت إليه بمعنى. وقيل: بدر عليه في ذلك. يقال: بادرته فبدرني نحو: سابقته فسبقني. فالمعنى: لا يبادروا بلوغهم بإنفاق أموالهم. ومنه قيل للقمر بدر لأنه يبدر مغيب الشمس بالطلوع، أي يسبقها. وقيل: لامتلائه تشبيهًا بالبدرة. قال الراغب: فعلى ما قيل يكون مصدرًا بمعنى الفاعل، والأقرب عندي أن يجعل البدر أصلاً في الباب، ثم تعتبر معانيه التي تظهر منه، ثم يقال تارًة: بدر كذا أي طلع طلوع البدر. ويعتبر ابمتلاؤه تارًة فتشبه البدرة به. والبيدر: المكان المرشح لجمع الغلة فيه. وبدر: علم لرجلٍ بعينه ولمكانٍ بعينه، قيل: هو بدر بن قريش بن مخلد بن النضير حفر في هذا المكان بئرًا فسمي به. وفي الحديث: "فأتي ببدرٍ فيه بقل" أي طبق، سمي به تشبيهًا بالبدر في استدارته. والبوادر جمع بادرةٍ، وهي ما يقع من الخطأ في حدةٍ. يقال: أتى من فلان بادرة، وأتى ببادرةٍ، والبادرة أيضًا: لحمة ما بين المنكب والعنق. يقال: رجعت بوادرة. وفي الحديث: "فرجع بها ترجف بوادره" ومثله: ارتعدت فرائضه. والفريضة هي هذه البادرة بعينها. ب د ع: الإبداع: الاختراع والإنشاء من غير مثالٍ يجري عليه. ومنه:﴾ بديع السماوات والأرض ﴿[البقرة: ١١٧] أي أنه أنشأهما من غير تقدم مثالٍ. ومنه البدعة وهي: إحداث قولٍ أو فعلٍ لم يسبق محدثه بفعل متقدمٍ.

стр. 131

وبديع: يقال بمعنى فاعلٍ، كقوله:﴾ بديع السماوات والأرض ﴿أو بمعنىٍ مفعول ومنه ركي بديع أي مبدع. والبدع يستعمل كذلك. وقوله:﴾ ما كنت بدعًا من الرسل ﴿[الأحقاف: ٩] أي مبدعًا لم يتقدمني رسول، أو مبدعًا قلت قولاً لم يسبقني إليه أحد غيري من الرسل. وقد أبدع به أي انقطع في سفره لما أصاب راحلته. وفي حديث أبي: "قد أبدع بي فاحملني" وفي الحديث: "أن تهامة كبديع العسل حلو أوله حلو آخره" البديع: الزك الجديد، شبهها به لطيب هوائها لا يتغير. ب د ل: البدل والإبدال والتبديل والاستبدال: جعل شيءٍ مكان آخر، وهو أعم من العوض، فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول. والتبديل: تغيير الشيء وإن كان بغير عوضٍ. وفرق ابن عرفة بين التبديل والإبدال فقال: التبديل: تغيير حال الشيء، والإبدال: جعل الشيء مكان غيره. وأنشد لأبي النجم: [من الرجز] ١٣٩ - نحا السدس فانتحي للمعدل عزل الأمير بالأمير المبدل قال تعالى:﴾ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴿[إبراهيم: ٤٨]. قال الأزهري: فتبديلها تسيير جبالها، وتفجير بحارها، وجعلها مستوية﴾ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا ﴿[طه: ١٠٧]، وتغيير السماوات بانتشار كوكبها وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها، وهذا من تغيير الحال. وقيل: إن التبديل يقع فيهما بالذات، بدليل﴾ فإذا هم بالساهرة ﴿[النازعات: ١٤]. وقيل: هي أرض بيضاء لم يعص الله عليها. وأنشد ابن عباسٍ: [من الطويل]

стр. 132

١٤٠ - فما الناس بالناس الذين عرفتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف قوله:﴾ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴿[الفرقان: ٧٠] قيل: هو أن يعفو عن سيئاتهم ويثيب بحسناتهم. وقيل: هو أن يعملوا عملاً صالحًا يبطل ما قدموه من السيئات. قوله:﴾ ما يبدل القول لدي ﴿[ق: ٢٩] قيل: ما سبق في اللوح المحفوظ فلا يتغير. وفيه تنبيه أن علمه أن يكون ما سيكون على ما قد علمه من غير تغييرٍ. وقيل: معناه: لا يقع في قولي خلف، وعلى المعنيين قوله:﴾ لا تبديل لكلمات الله ﴿[يونس: ٦٤]. وقوله:﴾ لا تبديل لخلق الله ﴿[الروم: ٣٠] أي ما قدره في الأزل لم يتغير. وقيل: هو في ... ، وفي حديث علي: "الأبدال بالشام". وقال ابن شميلٍ: هم خيار بدل من خيار. وقال غيره: هم العباد، جمع بدلٍ وبدلٍ. وقال الراغب: هم قوم صالحون يجعلهم الله مكان آخرين مثلهم ماضين، وحقيقته هم الذين بدلوا أحوالهم الذميمة بأحوالٍ حميدةٍ، وهم المشار إليهم بقوله:﴾ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسناتٍ ﴿. والبآدل: ما بين العنق إلى الترقوة، جمع بادلةٍ. وأنثد: [من الطويل] ١٤١ - ولا رهل لباته وبآدله وقوله:﴾ فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ﴿[البقرة: ٥٩] لو أخذ على ظاهره لكان معناه أنهم بدلوا قولاً لم يقل لهم، وليس في ذلك ذم. إنما الذم أن يبدلوا قولاً قيل لهم بغيره. وتأويله: فبدل الذين ظلموا بقولهم حطة قولاً غير الذي قيل لهم: فإن الباء

стр. 133

تدخل على المتروك. وقد حققنا هذا في "الدر النضيد". ب د ن: البدن: جثة الإنسان. وقيل: هو الجسد. إلا أن البدن يقال باعتبار كبر الجثة، والجسد باعتبار اللون. وامرأة بادن وبدين من ذلك، أي عظيمة الجسد، والبدنة من ذلك لسمنها. وبدن وبدن: سمن. وقيل: بدن: أسن. وفي الحديث: "لا تبادروني بالركوع فقد بدنت" أي كبرت سني. يقال: بدن الرجل تبدينًا: أسن. قال الهروي: رواه بعضهم: "بدنت" وليس له معنى لأنه خلاف صفته، يعني أنه ﵊ لم يكن سمينًا. وبدن إنما يقال للسمن وكثرة اللحم. يقال: بدن يبدن بدنةً فهو بدين. قوله:﴾ فاليوم ننجيك ببدنك ﴿[يونس: ٩٢] أي بجسدك، وقيل: بدرعك. سمي الدرع بدنًا لكونه على البدن كما يسمى موضع اليد من القميص يدًا، وموضع الظهر منه ظهرًا، ومعنى﴾ ننجيك ببدنك ﴿نلقيك بشخصك وبدنك على نجوةٍ من الأرض أي ربوةٍ، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا بغرقه. وكذلك كل ظالمٍ لا تكاد الأنفس تصدق بزواله وإن شاهدته. فأراهم الله إياه ميتًا لم يتغير منه شيء حتى ملبوسه ليعرفه كل واحدٍ. والبدنة: واحد البدن وهي الإبل السمان التي تهدي البيت. قال تعالى:﴾ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ﴿[الحج: ٣٦]. ب د و: البدو خلاف الحضر لأنها تبدو كل ما يعرفها أي تكشف وتظهر لخلوها من ساترٍ.

стр. 134

يقال: بدا يبدو بدوًا وبداًء أي ظهر ظهورًا بيئًا كقوله:﴾ وبدا لهم سيئات ما عملوا ﴿[الجاثية: ٣٣]،﴾ وإن تبدوا ما في أنفسكم ﴿[البقرة: ٢٨٤]، ولذلك قابله بالإخفاء، في قوله:﴾ أو تخفوه ﴿، وقال:﴾ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حينٍ ﴿[يوسف: ٣٥]. وقال الشاعر: [من الطويل] ١٤٢ - بدا لك في تلك القلوص بداء أي ظهر. وقوله:﴾ وجاء بكم من البدو ﴿[يوسف: ١٠٠]، يريد غير الحضر، وهي البادية، كأنهم جعلوها فاعلًة مجازًا أي ظاهرًة، وإنما تظهر فيها الأشياء، أو يكون على النسب كـ﴾ راضية ﴿[الحاقة: ٢١] أي ذات بدوٍ، والأصل: بادوة، فقلبت الواو ياء، ومثله﴾ بادي الرأي ﴿[هود: ٢٧]، بغير همزٍ لأنه من: بدا يبدو. وقد تقدم شرحه في "بدا" عند ذكر هذه القراءة. وقيل لساكن البدو: بادٍ كغادٍ من غدا. والنسبة إلى البادية بدوي وهو شاذ، وقياسه بادي أو بادوي كقاضي وقاضوي. وقوله:﴾ سواء العاكف فيه والباد ﴿[الحج: ٢٥] أي القادم والمقيم، والبدوي والحضري، والقاطن والوارد. ويقولون: فلان ذو بدواتٍ، أي ذو رأي، جمع بداةٍ قناة مثل قطاة ونواة فجمعت على بدواتٍ كقنواتٍ. قيل: وهذا يحتمل المدح والذم. فالمدح بمعنى أنه إذا نزل به أمر مشكل فيبدو له رأي بعد رأي إلى أن يظهر له رأي الصواب فيعزم، أنشد الأزهري للراعي: [من البسيط] ١٤٢ - من أمر ذي بدواتٍ لا يزال لها ... بزلاء يعيا بها الجثامة اللبد

стр. 135

والذم أنه كلما عن له رأي عرض له آخر، فلا يزال يوثق منه بشيءٍ. ويقال: أعلمني بداءات عوارضك، جمع بدأةٍ، أي ما يبدو من حاجتك فيثنيك؛ فعلة، والثانية فعالة، فجمعا بالألف والتاء. وفي الحديث: "أنه أراد البداوة" أي الخروج إلى البادية. يروى البداوة بكسر الباء وفتحها. وفيه: "من بدا جفا" أي من نزل البادية حصل فيه جفاء الأعراب. فصل الباء والذال ب ذ ر: التبذير: التفريق. ومنه بذرت الحب في الأرض أي فرقته فيها. وأصله من إلقاء البذر في الأرض وطرحه فيها. فاستعير لكل مضيعٍ ماله، لأن التبذير في الأرض بالنسبة إلى ظاهر الصورة تضييع للبذر لولا ما ترجاه الباذر. والتبذير في العرف: السفه، قال تعالى:﴾ ولا تبذر تبذيرًا ﴿[الإسراء: ٢٦]﴾ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴿[الإسراء: ٢٧]. النهي في الحقيقة لأمته، وإنما خاطبه لأنه هو سيد خلقه. وبذرت الكلام من الناس أي نقلت ما سمعته من بعضهم إلى بعضٍ. وعن علي: "ليسوا بالمذاييع ولا البذر" هما بمعنى واحدٍ، وهم الذين يفشون السر. والبذر جمع بذورٍ، نحو صبرٍ وصبور. فصل الباء والراء ب ر أ: البرء والتبري: الانفصال من الشيء المكروه مجاورته، والتغضي منه. يقال: برأت من المرض وبرئت منه وأبرأت منك وتبرأت وأبرأته وبرأته. ورجل بريء ورجال براء على فعالٍ وفعيلٍ كظرافٍ وظريفٍ.

стр. 136

وقوله: ﴿إنني براء﴾ [الزخرف: ٢٦] أي بريء. ويستوي فيه الواحد والجمع، فيقال: قوم برء وبراء مثلنا. وقوله:﴾ الخالق البارئ المصور ﴿[الحشر: ٢٤]. فالخالق هو القادر الموجد من العدم، والبارئ خص بوصف الله تعالى، فإنه أخص من الخالق، لأنه خلق بترتيب مسو، ثم التصوير بعد ذلك. فلذلك جاءت عدة الصفات متتاليًة على أبدع سباق. وقوله:﴾ فتوبوا إلى بارئكم ﴿[البقرة: ٥٤] تنبه على أخص الصفتين، فلذلك قال: بارئكم دون خالقكم، لأنه أبعث لهم على التوبة. و﴾ براءة من الله ورسوله ﴿[التوبة: ١] مصدره براءة منه، والمعنى نبذ العهد إلى المشركين والانفصال. والبرية: الخلق، قرئت مهموزًة ومخففًة، فقيل: المخففة أصلها الهمز. ونص الهروي أن العرب يقولون: الهمز في خمسة أحرفٍ: البرية من برأ الله الخلق، والخابية من خبأت الشيء، والذرية من ذرأ الله الخلق، والنبوة من الإنباء، والروية من روأت. وقيل: من بزيت العود. وقيل: من البري وهو التراب ويرشحه:﴾ خلقكم من ترابٍ ﴿[الروم: ٢٠]. ب ر ج: قال تعالى:﴾ ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ﴿[الأحزاب: ٣٣]. التبرج: التفعل من البرج وهو الظهور. ومنه بروج السماء وبروج الحصن لظهورها. نهين أن يتظاهرن كتظاهر نساء الجاهلية بل أمرن بالتحفظ. والبروج أيضًا: القصور، وبه شبهت بروج السماء لمنازل الكواكب. وقوله تعالى:﴾ ولو كنتم في بروجٍ مشيدةٍ ﴿[النساء: ٧٨]. والمشيدة: المثبتة بالشد. وقيل: المرتفعة. ويكون هذا في معنى قول الشاعر: [من الطويل]

стр. 137

١٤٤ - ولو كنت في غمدان يحرس بابه ... أراجيل أحبوشٍ وأسود آلف إذًا لأتتني حيث كنت منيتي ... يحث بها هادٍ لإثري قائف وقيل: يجوز أن يردا: ولو كنتم في بروج السماء، وهو أبلغ، والمشيدة حينئذٍ: المرتفعة ليس إلاً، والمثبتة بالشد استعارًة، ويكون في معنى قول زهيرٍ: [من الطويل] ١٤٥ - ومن خاف أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلم وقال ابن عرفة: البرج: البناء العالي. وأنشد للأخطل: [من البسيط] ١٤٦ - كأنها برج رومي يشيده ... لز بجص وآجر وأحجارٍ وقيل: بروج السماء: كواكبها العظام. وثوب مبرج: عليه صورة البروج، كثوبٍ مرجلٍ فيه صورة الرجال. ومنه اعتبر معنى التحسين، فقيل: تبرجت المرأة أي تحسنت. وقيل: ظهرت من برجها، ويرشحه:﴾ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن ﴿[الأحزاب: ٣٣]. البرج: سعة العين. قاله الراغب، وقال الهروي: تباعد ما بين الحاجبين وظهوره. قلت: ما ذكراه يحتمل: فإن كلاً منهما يمدح به، ألا ترى أن العين توصف بالنجلاء وهي المتسعة، ويوصف المرأة بالبلج وهو تباعد ما بين حاجبيها؟ وقول ذي الرمة: [من البسيط]

стр. 138

١٤٧ - بيضاء في برجٍ صفراء في غنجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب يحتمل ما قالاه. ب ر ح: البراح: المكان المتسع الظاهر الذي لا بناء به ولا شجر، ومنه براح الدار، واعتبر فيه الظهور فقيل: فعل ذلك براحًا أي ظاهرًا غير خفي. وبرح الخفاء: يظهر كأنه صار في مكانٍ براحٍ يراه الناس. وبرح: ذهب في البراح، ومنه البارح للريح الشديدة. والبارح من الظباء والطير أيضًا، ولكن البارح يتشاءم به لأنه ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكن فيها الرمي، ويجمع على بوارح. والسائح: يتيمن به لأنه يقبل من جهةٍ يمكن الرامي فيها الرمي. وبرح: يثبت فيه البراح أيضًا، ومنه:﴾ لا أبرح ﴿[الكهف: ٦٠] قال الراغب: وخص بالإثبات كقولهم: لا أزال، لأن برح وزال اقتضيا معنى النفي، ولا للنفي، والنفيان يحصل من مجموعهما إثبات، وعلى ذلك قوله تعالى:﴾ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴿[الكهف: ٦٠]. قلت: برح وأخواتها وهي: زال، وفتئ، وانفك لازمها النفي وشبهه، وقد تحذف كقوله:﴾ تفتأ تذكر يوسف ﴿[يوسف: ٨٥]، وهو منفي في اللفظ مثبت في المعنى، لأن معناه أداوم على كذا. ولذلك لم يدخل الإيجاب بإلا في خبرها. وما ورد غيره مؤول كقوله. ولكن ما ذكره من حصول الإثبات بالطريق المذكور ينتقض بفتئ وانفك. فالطريق فيه ما قدمته من المعنى. ولما تصور من البارح التشاؤم اشتقوا منه التبريح وهو الشدة،

стр. 139

وجمعه التباريح. وبرح به، وضرب مبرح، وجاء بالبرح. وقيل: برحى للرامي المخطئ دعاء عليه، ومرحى دعاء له. ولقيت منه البرحاء والبحرين أي الشدائد. وبرحاء الحمى: شدتها. [من المتقارب] ١٤٨ - وأبرحت ربًا وأبرحت جارًا والبارحة: الليلة الماضية كذا أطلقه الراغب، والصواب أنه لا يقال لليلة الماضية: بارحة، إلا بعد الزوال، وإلا فهي الليلة. ومنه قوله ﵊: "من رأى منكم الليلة رؤيا" وذلك بعد مضي الليلة. قال: [من السريع] ما أشبه الليلة بالبارحة وفي الحديث: "نهي عن التوليه والتبريح قتلة السوء"، يقال إنه جاء في إلقاء السمك حيًا في النار، أي شق عليه. وقوله تعالى:﴾ فلن أبرح الأرض ﴿[يوسف: ٨٠] أي: لا أفارقها. وقوله:﴾ لن نبرح عليه عاكفين ﴿[طه: ٩١]، أي لا نزال، وقوله:﴾ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴿أي لا أزال سائرًا، قال الأزهري: هو مثل قوله:﴾ لن نبرح عليه عاكفين ﴿، هو بمعنى لا نزال، ولا يجوز أن يكونا بمعنى لا أزال. ولم يرد بقوله:﴾ لا أبرح ﴿لا أفارق مكاني، وإنما هذا بمعنى قوله:﴾ فلن أبرح الأرض ﴿. هذا إقامة وذاك ذهاب. وقال غيره: لا أبرح: لا أفارق سيري. ليس قوله:﴾ لا أبرح حتى أبلغ ﴿مثل قوله:﴾ فلن أبرح الأرض ﴿لأن الثاني يدل على إقامته بالأرض. والأول يدل على الانتقال، لأنها إن كانت تامًة فمعناها: لا أفارق البراح، وإن كانت ناقصة فالجزء مقدر أي لا أبرح سائرًا. ثم إنه ينافيه قوله: هذا إقامة وذاك ذهاب.

стр. 140

ب ر د: البرد: ضد الحر، والبرودة: ضد الحرارة. فتارًة يعتبر ذاته فيقال: برد كذا: اكتسب بردًا. وبرد الماء كذا: أكسبه بردًا. وبرد كذا: ثبت. واختصاص الثبوت بالبرد كاختصاص الحركة بالحر. برد كذا: أي ثبت، لم يبرد بيدي شيء أي لم يثبت. وبرد فلان: مات، وبرده: قتله، وذلك إما لأنه تذهب حرارته أو لأنه تذهب حركته، ومنه قيل للسيوف: البوارد. ومن ذلك سمي النوم بردًا اعتبارًا ببرد جلده الظاهر، وإما بذهاب حركته، فإن النوم موت. قال: [من الطويل] ١٤٩ - فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا النقاخ: الماء، والبرد: النوم. وعليه حمل قوله:﴾ لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا ﴿[النبأ: ٢٤]. وقيل: البرد: الراحة نظرًا إلى ما يجده الإنسان من لذاذة البرد في الحر. وعيش بارد أي طيب من ذلك. والأبردان: الغداة والعشي لكونهما أبرد أوقات النهار. والبرد: ما يتصلب من ماء المطر لما يصيبه من البرد، يقال: سحاب أبرد وبرد: ذو بردٍ. وقوله تعالى:﴾ وينزل من السماء من جبالٍ فيها من بردٍ ﴿[النور: ٤٣]. قال ثعلب: فيه قولان أحدهما وينزل من السماء أمثال الجبال من البرد. وقيل: سمي بردًا لأنه يبرد وجه الأرض أي يفسدها. وأبردت السحابة: جاءت ببردٍ. وفي الحديث: "أصل كل داءٍ البردة"، قال الهروي: يعني الطعام والتخمة والثقل على المعدة، سميت بردًة لأنها تبرد

стр. 141

المعدة فلا تستمرئ الطعام. وقال الراغب: إن التخمة سميت بذلك لأنها عارضة من البرودة الطبيعية التي تعجز عن الهضم. والبرود يقال للشيء الذي يبرد به، فيكون بمعنى فاعلٍ، ومنه: ماء برود، وللشيء الذي يبرد فيكون بمعنى مفعولٍ، ومنه: ثغر برود، وكحل برود. وبردت الحديد: سحلته تشبيهًا بـ"بردته" أي قتلته. والبرادة: ما يسقط. والمبرد: الآلة التي يبرد بها. والبرد في الطريق: هم الذين يلزم كل واحد منهم موضعًا منه معلومًا. ثم قيل لكل سريعٍ: بريد، ومنه بريدا الطائر لجناحية تشبيهًا بذلك. وقوله:﴾ كوني بردًا وسلامًا ﴿[الأنبياء: ٦٩] أي ذات بردٍ ضد حرارتها، وذات سلامةٍ لأنه ربما يتأذى بالبرد. وفي التفسير: لو لم يقل:﴾ وسلامًا ﴿لهلك ببردها. وفي الحديث: "إذا أبردتم إلى بريدًا" أي أرسلتم إلي رسولاً. ويقال: الحمى بريد الموت. وقال الشاعر: [من الرجز] ١٥٠ - رأيت للموت بريدًا مبردا وفيه: "لا أحبس البرد" و"لما لقيه بريدة ﷺ قال له: من أنت؟ قال: بريدة. قال: برد أمرنا" أي سهل، وقيل: ثبت. ب ر ر: البر: خلاف البحر، ولتصور التوسع فيه أطلق على التوسع في الجنة فقيل: البر

стр. 142

وهو ضد الجور. قال تعالى:﴾ إنه هو البر الرحيم ﴿[الطور: ٢٨]. ومنه بر الوالدين وهو الإتساع في إكرامهما وطاعتهما. وقوله تعالى:﴾ ولكن البر من اتقى ﴿[البقرة: ١٨٩] في الآية تنبيه على أن هذه هي أفعال البر قولاً وعملاً واعتقادًا. وقولهم: بر في يمينه، أي صدقها في ما يحلف بها عليه. وقولهم في إجابة المؤذن عند التئويب: "صدقت وبررت" أي فعلت البر. يقال: بررت بالكسر يبر بالفتح. وقوله:﴾ وبرًا بوالديه ﴿[مريم: ١٤]﴾ وبرًا بوالدتي ﴿[مريم: ٣٢] مما تقدم. وحج مبرور أي مقبول كأنك بررته أي أطعته. فمن ثم قيل: ويقال: رجل بار وبر، فقيل بوصفه على حدة، وقيل: مقصور من بارٌ، والجمع أبرار. قال تعالى:﴾ إن الأبرار ﴿[الإنسان: ٥]﴾ إن كتاب الأبرار ﴿[المطففين: ١٨]. فالأبرار يجوز أن يكون جمعًا لبار نحو: صاحب وأصحاب، أو لبر نحو رب وأرباب. قال الراغب: وجمع البار أبرار وبررة. وقال تعالى في وصف الملائكة:﴾ كرامٍ بررةٍ ﴿[عبس: ١٦]. فـ"بررة" خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من "أبرار" فإنه جمع بر، وهو أبلغ من "بارٍ"، كما أن عدلاً أبلغ من عادلٍ. قلت: هذا بناء منه على أن "برًا" مصدر في الأصل وهو مسموع بل وصف بزنة فعلٍ كصعبٍ وضخمٍ وثم. والبر: الحنطة لكونه أوسع الأطعمة. والبرير: ثم الأراك تشبيهًا بالبر في الأكل. والبربرة: حكاية لصوت كثرة الكلام. وقولهم: "لا يعرف الهر من البر" من ذلك. وفي الحديث: "لهم تغذ مر وبربرة"، التغذمر: التكلم بكلامٍ فيه كثرة، والبربرة: حكاية الصوت. وقيل: هو البر المعروف. وأبر

стр. 143

على صاحبه: زاد عليه في ذلك. وأبررت: صرت ذا برٍ في يميني. وقوله:﴾ لن تنالوا البر ﴿[آل عمران: ٩٢] قال الهروي: هو الجنة. قلت: هذا مما فسر فيه الشيء بغايته أو بما تسبب عنه، فإن الجنة غاية البر ومتسببة عنه، كما قررت عليه أول هذا الموضوع. وقوله:﴾ أتأمرون الناس بالبر ﴿[البقرة: ٤٤] يريد بسعة الإحسان وكثرة العبادة. ومنه: البرية، عند قومٍ لاتساعها. ب ر ز: البروز: الكشف والظهور، ومنه البراز: الأرض المكشوفة الفضاء. وبرز: حصل في البراز: والمبارزة في الحرب أن يبرز للغريم لأنه يظهر نفسه ويبرز بها من الصف. وقد يكون البروز بالذات نحو:﴾ وترى الأرض بارزًة ﴿[الكهف: ٤٧]، ومنه:﴾ وبرزوا لله الواحد القهار ﴿[إبراهيم: ٤٨]. وفيه تنبيه أنهم لم يخف منهم عليه شيء، وإن الأرض ليس عليها بناء ولا جبل ولا ساتر، بل هي فضاء مكشوفة. وبرز فلان: كناية عن التغوط. وعدل مبرز العدالة أي مظهرها لما يتعاطاها من صفاتها الظاهرة. وامرأة برزة: إذا كانت تبرز، ويقال: هي العفيفة لأن العفة رفعتها، لا أن اللفظة اقتضت ذلك، قاله الراغب. وفي حديث أم معبدٍ: "كانت امرأًة برزًة تحتبي بفناء القبة". قال الهرومي: البرزة الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة. ورجل برز إذا كان منكشف الحال. قال العجاج: [من الرجز] ١٥١ - برز وذو العفافة البزي وذهب إبريز: خالص ظاهر الجودة. وفي الحديث: "ومنه ما يخرج كالذهب

стр. 144

الإبريز" يقال: إبريز وإبريزي ب ر ز خ: والبرزخ: هو الحاجز بين الشيئين. قال تعالى:﴾ بينهما برزخ ﴿[الرحمن: ٢٠] أي بينهما فاصل وحاجز، فلا يبغي هذا على كل حاجز بين شيئين فهو مومق وبرزخ، فهما في رأي العين مختلطان، وفي قدرته منفصلان. فهذا معنى قوله:﴾ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ ﴿[الرحمن: ١٩ - ٢٠] وقوله:﴾ ومن ورائهم برزخ ﴿[المؤمنون: ١٠٠] أي حاجز بين الدنيا والأخرى، وهو مدة لبثهم في القبور. فقيل: هو البرزخ إلى يوم القيامة، "وهو الحائل بين الناس وبين [بلوغ] المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى قوله:﴾ فلا اقتحم العقبة ﴿وبتلك العقبة موانع لا يصل إليها إلا الصالحون". وقد فسرها تعالى بقوله:﴾ فك رقبةٍ ﴿فسمى هذه الأشياء عقبًة لمشقتها على الأنفس. وأصل برزخ: برزه فعربته العرب، نص عليه الراغب. وفي حديث علي أنه "صلى بقومٍ فأسوى برزخًا"، قال أبو عبيدٍ: أسوى: أسقط، والمراد بالبرزخ: الذي أسقطه من ذلك الموضع إلى الموضع الذي انتهى إليه من القرآن. ب ر ص: البرص؛ داء معروف عسر الزوال أو ممتنعه، ولذلك جعل زواله معجزًة لعيسى ﵇ في قوله تعالى:﴾ وأبرئ الأكمه والأبرص ﴿[آل عمران: ٤٩]. وقيل للقمر أبرص لتلك النكتة المشار إليها في قوله: [من الطويل]

стр. 145

١٥٢ - وذي شامةٍ سوداء في آخر الوجه ... مجللةٍ لا تنقضي لزمان والبريض: اللمعان، وبه شبه البرص. وسام أبرص: دويبة معروفة، وقد سميت بذلك لبريص لونها. ومقلوبه: البصرة، وهي الحجارة التي فيها بصيص. والبرص: أبغض شيءٍ، ولذلك سموا جذيمة الأبرش، وإنما هو الأبرص، إلا أن العرب هابته وكرهوا التلفظ به فغيرته. ب ر ق: البرق: لمعان يشبه النار. واختلف فيه، فقيل: هو لمعان السحاب، وقيل: شرر يخرج من اصطكاك الأجرام. وقيل: هو سوطٌ يزجر به الملك السحاب، كما يزجر الإبل سائقها وقد استوفينا فيه القول في التفسير. ويقال: برق الشيء وأبرق أي لمع، ومنه البوارق: السيوف. وفي حديثٍ: "الجنة تحت البارقة" أي السيف يعني الجهاد. وأبرق بسيفه أي ألمع به. وقوله:﴾ فإذا برق البصر ﴿[القيامة: ٧] تقرأ بفتح الراء وكسرها أي حار من الفزع والدهش. ومنه ما كتب به عمرو إلى عمر: "إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عودٍ بين غرقٍ وبرقٍ" البرق: الدهش والفزع، ومنه حديث ابن
следующие страницы →