← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المعدة فلا تستمرئ الطعام. وقال الراغب: إن التخمة سميت بذلك لأنها عارضة من البرودة الطبيعية التي تعجز عن الهضم. والبرود يقال للشيء الذي يبرد به، فيكون بمعنى فاعلٍ، ومنه: ماء برود، وللشيء الذي يبرد فيكون بمعنى مفعولٍ، ومنه: ثغر برود، وكحل برود. وبردت الحديد: سحلته تشبيهًا بـ"بردته" أي قتلته. والبرادة: ما يسقط. والمبرد: الآلة التي يبرد بها. والبرد في الطريق: هم الذين يلزم كل واحد منهم موضعًا منه معلومًا. ثم قيل لكل سريعٍ: بريد، ومنه بريدا الطائر لجناحية تشبيهًا بذلك. وقوله:﴾ كوني بردًا وسلامًا ﴿[الأنبياء: ٦٩] أي ذات بردٍ ضد حرارتها، وذات سلامةٍ لأنه ربما يتأذى بالبرد. وفي التفسير: لو لم يقل:﴾ وسلامًا ﴿لهلك ببردها. وفي الحديث: "إذا أبردتم إلى بريدًا" أي أرسلتم إلي رسولاً. ويقال: الحمى بريد الموت. وقال الشاعر: [من الرجز] ١٥٠ - رأيت للموت بريدًا مبردا وفيه: "لا أحبس البرد" و"لما لقيه بريدة ﷺ قال له: من أنت؟ قال: بريدة. قال: برد أمرنا" أي سهل، وقيل: ثبت. ب ر ر: البر: خلاف البحر، ولتصور التوسع فيه أطلق على التوسع في الجنة فقيل: البر

стр. 142

وهو ضد الجور. قال تعالى:﴾ إنه هو البر الرحيم ﴿[الطور: ٢٨]. ومنه بر الوالدين وهو الإتساع في إكرامهما وطاعتهما. وقوله تعالى:﴾ ولكن البر من اتقى ﴿[البقرة: ١٨٩] في الآية تنبيه على أن هذه هي أفعال البر قولاً وعملاً واعتقادًا. وقولهم: بر في يمينه، أي صدقها في ما يحلف بها عليه. وقولهم في إجابة المؤذن عند التئويب: "صدقت وبررت" أي فعلت البر. يقال: بررت بالكسر يبر بالفتح. وقوله:﴾ وبرًا بوالديه ﴿[مريم: ١٤]﴾ وبرًا بوالدتي ﴿[مريم: ٣٢] مما تقدم. وحج مبرور أي مقبول كأنك بررته أي أطعته. فمن ثم قيل: ويقال: رجل بار وبر، فقيل بوصفه على حدة، وقيل: مقصور من بارٌ، والجمع أبرار. قال تعالى:﴾ إن الأبرار ﴿[الإنسان: ٥]﴾ إن كتاب الأبرار ﴿[المطففين: ١٨]. فالأبرار يجوز أن يكون جمعًا لبار نحو: صاحب وأصحاب، أو لبر نحو رب وأرباب. قال الراغب: وجمع البار أبرار وبررة. وقال تعالى في وصف الملائكة:﴾ كرامٍ بررةٍ ﴿[عبس: ١٦]. فـ"بررة" خص بها الملائكة في القرآن من حيث إنه أبلغ من "أبرار" فإنه جمع بر، وهو أبلغ من "بارٍ"، كما أن عدلاً أبلغ من عادلٍ. قلت: هذا بناء منه على أن "برًا" مصدر في الأصل وهو مسموع بل وصف بزنة فعلٍ كصعبٍ وضخمٍ وثم. والبر: الحنطة لكونه أوسع الأطعمة. والبرير: ثم الأراك تشبيهًا بالبر في الأكل. والبربرة: حكاية لصوت كثرة الكلام. وقولهم: "لا يعرف الهر من البر" من ذلك. وفي الحديث: "لهم تغذ مر وبربرة"، التغذمر: التكلم بكلامٍ فيه كثرة، والبربرة: حكاية الصوت. وقيل: هو البر المعروف. وأبر

стр. 143

على صاحبه: زاد عليه في ذلك. وأبررت: صرت ذا برٍ في يميني. وقوله:﴾ لن تنالوا البر ﴿[آل عمران: ٩٢] قال الهروي: هو الجنة. قلت: هذا مما فسر فيه الشيء بغايته أو بما تسبب عنه، فإن الجنة غاية البر ومتسببة عنه، كما قررت عليه أول هذا الموضوع. وقوله:﴾ أتأمرون الناس بالبر ﴿[البقرة: ٤٤] يريد بسعة الإحسان وكثرة العبادة. ومنه: البرية، عند قومٍ لاتساعها. ب ر ز: البروز: الكشف والظهور، ومنه البراز: الأرض المكشوفة الفضاء. وبرز: حصل في البراز: والمبارزة في الحرب أن يبرز للغريم لأنه يظهر نفسه ويبرز بها من الصف. وقد يكون البروز بالذات نحو:﴾ وترى الأرض بارزًة ﴿[الكهف: ٤٧]، ومنه:﴾ وبرزوا لله الواحد القهار ﴿[إبراهيم: ٤٨]. وفيه تنبيه أنهم لم يخف منهم عليه شيء، وإن الأرض ليس عليها بناء ولا جبل ولا ساتر، بل هي فضاء مكشوفة. وبرز فلان: كناية عن التغوط. وعدل مبرز العدالة أي مظهرها لما يتعاطاها من صفاتها الظاهرة. وامرأة برزة: إذا كانت تبرز، ويقال: هي العفيفة لأن العفة رفعتها، لا أن اللفظة اقتضت ذلك، قاله الراغب. وفي حديث أم معبدٍ: "كانت امرأًة برزًة تحتبي بفناء القبة". قال الهرومي: البرزة الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة. ورجل برز إذا كان منكشف الحال. قال العجاج: [من الرجز] ١٥١ - برز وذو العفافة البزي وذهب إبريز: خالص ظاهر الجودة. وفي الحديث: "ومنه ما يخرج كالذهب

стр. 144

الإبريز" يقال: إبريز وإبريزي ب ر ز خ: والبرزخ: هو الحاجز بين الشيئين. قال تعالى:﴾ بينهما برزخ ﴿[الرحمن: ٢٠] أي بينهما فاصل وحاجز، فلا يبغي هذا على كل حاجز بين شيئين فهو مومق وبرزخ، فهما في رأي العين مختلطان، وفي قدرته منفصلان. فهذا معنى قوله:﴾ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ ﴿[الرحمن: ١٩ - ٢٠] وقوله:﴾ ومن ورائهم برزخ ﴿[المؤمنون: ١٠٠] أي حاجز بين الدنيا والأخرى، وهو مدة لبثهم في القبور. فقيل: هو البرزخ إلى يوم القيامة، "وهو الحائل بين الناس وبين [بلوغ] المنازل الرفيعة في الآخرة، وذلك إشارة إلى قوله:﴾ فلا اقتحم العقبة ﴿وبتلك العقبة موانع لا يصل إليها إلا الصالحون". وقد فسرها تعالى بقوله:﴾ فك رقبةٍ ﴿فسمى هذه الأشياء عقبًة لمشقتها على الأنفس. وأصل برزخ: برزه فعربته العرب، نص عليه الراغب. وفي حديث علي أنه "صلى بقومٍ فأسوى برزخًا"، قال أبو عبيدٍ: أسوى: أسقط، والمراد بالبرزخ: الذي أسقطه من ذلك الموضع إلى الموضع الذي انتهى إليه من القرآن. ب ر ص: البرص؛ داء معروف عسر الزوال أو ممتنعه، ولذلك جعل زواله معجزًة لعيسى ﵇ في قوله تعالى:﴾ وأبرئ الأكمه والأبرص ﴿[آل عمران: ٤٩]. وقيل للقمر أبرص لتلك النكتة المشار إليها في قوله: [من الطويل]

стр. 145

١٥٢ - وذي شامةٍ سوداء في آخر الوجه ... مجللةٍ لا تنقضي لزمان والبريض: اللمعان، وبه شبه البرص. وسام أبرص: دويبة معروفة، وقد سميت بذلك لبريص لونها. ومقلوبه: البصرة، وهي الحجارة التي فيها بصيص. والبرص: أبغض شيءٍ، ولذلك سموا جذيمة الأبرش، وإنما هو الأبرص، إلا أن العرب هابته وكرهوا التلفظ به فغيرته. ب ر ق: البرق: لمعان يشبه النار. واختلف فيه، فقيل: هو لمعان السحاب، وقيل: شرر يخرج من اصطكاك الأجرام. وقيل: هو سوطٌ يزجر به الملك السحاب، كما يزجر الإبل سائقها وقد استوفينا فيه القول في التفسير. ويقال: برق الشيء وأبرق أي لمع، ومنه البوارق: السيوف. وفي حديثٍ: "الجنة تحت البارقة" أي السيف يعني الجهاد. وأبرق بسيفه أي ألمع به. وقوله:﴾ فإذا برق البصر ﴿[القيامة: ٧] تقرأ بفتح الراء وكسرها أي حار من الفزع والدهش. ومنه ما كتب به عمرو إلى عمر: "إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف، دود على عودٍ بين غرقٍ وبرقٍ" البرق: الدهش والفزع، ومنه حديث ابن

стр. 146

عباسٍ: "لكل داخلٍ برقة" أي دهشة. وقوله:﴾ يريكم البرق خوفًا وطمعًا ﴿[الرعد: ١٢] أي خوفًا للمسافر وطمعًا للمقيم. وتصور من البرق تارًة اختلاف اللون، فقيل: البرقة: الأرض مختلفة ألوان الحجارة، ومنه قول طرفة: [من الطويل] ١٥٣ - لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... ظللت بها أبكي وأبكي إلى الغد والأبرق: المكان ذو البرقة. وقال الهروي: يقال للمكان الذي خلط ترابه حصى: أبرق وبرقة. قلت: ولذلك قيل للشاة التي في خلال لونها الأبيض طاقات سود برقاء، وفي الحديث: "أبرقوا فإن دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين" أي ضحوا بالبرقاء. والأبرق أيضًا: جبل فيه سواد وبياض. وسميت العين برقاء لذلك، وناقة بروق منه لأنها تلمع بذنبها. ومن ذلك: برق طعامه أي جعل فيه شيء من زيتٍ أو سمنٍ يلمع به. وقيل ذلك في قوله ﵊: "أبرقوا" أي اطلبوا الدسم والسمن الذي يبرق به الطعام، وتصور به من البرق ما يظهر من تخويفه، فقيل: أبرق فلان وأرعد إذا تهدد، قال الشاعر .. والبروق: شجر يخضر لمجرد رؤية السحاب، وفي المثل: "أشكر من بروقةٍ". والبراق: دابة يركبها الأنبياء ﵈ وقد ركبها النبي ﷺ ، كأنه سمي بذلك لسرعته كسرعة البرق. وفي الحديث: "يضع حافره حيث ينتهي بصره".

стр. 147

والإبريق: معروف وهو ما له عروة بخلاف الكوب فإنه لا عروة له، وسمي بذلك لبريقه. وفي حديث صفية: "كأن عنقه إبريق فضةٍ" وجمعه أباريق، قال تعالى:﴾ وأباريق وكأسٍ ﴿[الواقعة: ١٨]. وقال الشاعر: [من البسيط] ١٥٤ - أفنى تلادي وما جمعت من نسبٍ ... قرع القواقيز أفواه الأباريق والإبريق: إفعيل، والأباريق: أفاعيل: وبرق نجدةٍ: علم لشخصٍ بعينه، وأصله جملة فعلية .. وشاب قرناها وتأبط شرًا. ب ر ك: البركة: كثرة الخير وتزايده. وقيل: إقامة الخير، من برك البعير إذا برك في مكانه وثبت في مبركه. ومنه: بركة الماء لثبوت الماء فيها، وخصت البركة بثبوت الخير الإلهي والفيض الرباني. وأصل ذلك كله من برك البعير وهو صدره وتصور منه اللزوم فقيل: ابتركوا في الحرب، وبراكاء الحرب وبراكاؤها لموضعها الذي يلزمه الأبطال. وابتركت الدابة: وقفت لتبرك، وقوله تعالى:﴾ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ﴿[الأعراف: ٩٦] فبركات السماء: مطرها، وبركات الأرض: نباتها. والمبارك: اسم مفعولٍ من ذلك وهو ما فيه البركة. قال تعالى:﴾ وهذا ذكر مبارك أنزلناه ﴿[الأنبياء: ٥٠]﴾ في ليلة مباركةٍ ﴿[الدخان: ٣] ذلك لما فيه من أصول الخيرات الثابتة الدنيوية والدينية، وكل ما لا يتحقق فيه زيادة فيحصل في متعلقاته إذا فسرناها بالزيادة. فقولنا ﵎ أي تزايد خيره على خلقه، و﴾ في ليلةٍ مباركةٍ ﴿أي كثر خيرها لأنها مد في زمانها. قال الأزهري: تبارك أي تعالى وتعاظم. ابن عرفة: هو تفاعل من البركة وهو الكثرة والاتساع. قلت: يريد ما ذكرته، ولا يقال ذلك إلا لله تعالى، فلا يقال: تبارك

стр. 148

فلان، نص عليه أهل العلم. قال الراغب: وكل موضعٍ ذكر فيه لفظة "تبارك" فهو تنبيه على اختصاصه بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك وقوله:﴾ وهذا ذكر مبارك ﴿تنبيه على ما يقتضيه من الخيرات الإلهيه. وقوله:﴾ ونزلنا من السماء ماء مباركًا ﴿[ق: ٩] إشارة إلى قوله:﴾ فسلكه ينابيع في الأرض ﴿[الزمر: ٢١] وقوله:﴾ أنزلني منزلاً مباركًا ﴿[المؤمنون: ٢٩]. أي مكانًا يوجد فيه "الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس وعلى وجهٍ لا يحصى ولا يحصر. قيل: كل ما شاهد منه زيادة غير محسوسةٍ، قيل لتلك الزيادة بركة ولما هي فيه مبارك. وإلى هذا أشار ﵊: "ما ينقص مال من صدقةٍ" لا إلى النقصان المحسوس كما أشار إليه بعض الزنادقة، وقد قيل له ذلك فقال: بيني وبينك الميزان". وقوله تعالى:﴾ تبارك الذي جعل في السماء بروجًا ﴿[الفرقان: ٦١] إشارة إلى ما يفيضه علينا من نعمه المتكاثرة قال الراغب: بواسطة هذه النجوم والنيرات. وقوله تعالى:﴾ بورك من في النار بمن حولها ﴿[النمل: ٨]، يقال: بورك الشيء وبورك فيه. ب ر م: قوله تعالى:﴾ أم أبرموا أمرًا ﴿[الزخرف: ٧٩]. إبرام الأمر: إحكامه، وأصله من أبرمت الحبل أي فتلته فتلاً محكمًا فهو مبروم وبريم، أبرمته فبرم. قال زهير: [من الطويل] ١٥٥ - لعمري لنعم السيدان وجدتما ... على كل حالٍ من سحيلٍ ومبرم ومنه قيل لمن لا يدخل معهم في الميسر: برم. كما سموا البخيل مغلول اليد.

стр. 149

ورجلٍ مبرم أي ملح شديد تشبيهًا لمن برم الحبل. وكل ذي لونين من سوادٍ وبياضٍ: بريم تشبيهًا بالحبل ذي الطاقين، بيضٍ وسودٍ. وغنم بريم لذلك. والبرمة: القدر من ذلك لإحكامها. برمة وبرام. نحو: حفرةٍ وحفارٍ وجعل على بناء المفعول نحو ضحكةٍ وهزأةٍ أي يضحك منه. كذلك القدر مبرمة أي محكمة. وفي حديث خزيمة: "أينعت العنمة وسقطت البرمة". قال الهروي: البرمة ثمر الطلح، والجمع برم. ومنه "ملأ الله سمعه من البرم". قال الأزهري: البرم الكحل المذاب والآنك. ومنه البيرم. والبيرم في غير هذا: عتلة النجار. والبيرم: الرطيل، حجارة عريضة. ب ر هـ ن: البرهان: هو الدليل القاطع، فهو أخص من الدليل الواضح. قال الراغب:! والبرهان أوكد الأدلة، وهو ما يقتضي الصدق أبدًا لا محالة، ودلالة تقتضي الكذب أبدًا، ودلالة إلى الكذب أقرب، ودلالة لهما على السواء، واختلفوا في نونه هل هي أصلية أم زائدة؟ قال الهروي: هو رباعي، ولذا ترسم مادته بباءٍ وراءٍ وهاءٍ ونونٍ. ويؤيده قولهم: برهن يبرهن برهنًة، فتثبت النون في تصاريفه. إلا أن الظاهر زيادتها اشتقاقًا من البره، وهو بياض. يقال: بره يبره: إذا ابيض. ورجل أبره، وامرأة برهاء، وقوم بره أي بيض، وامرأة برهرهة أي شابة بيضاء. فسمي الدليل الواضح بذلك لظهوره وسطوعه بجلاء بياضه وإضاءته، ولذلك وصفوه بالساطع والنير في قولهم: برهان ساطع نير فهو مصدر لبره ويبره

стр. 150

كالرجحان والنقصان. فيكون وزنه على الأول فعلالاً وعلى الثاني فعلانًا. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٥٦ - برهرهة بيضاء غير مفاضةٍ ... تراثبها مصقولة كالسجنجل قيل: جمع بين اللفظين لما اختلفا. ب ر ي: البرية هي الخلق، مشتقة من البري أي بفيه التراب، كقولهم: رغم أنفه. والبرى أيضًا الورى عند من لم يهمز. والبرى أيضًا التراب. ومنه قولهم: بفي فلانٍ البرى، من ذلك الحديث: "اللهم صل على محمدٍ عدد البرى" يجوز أن يراد به التراب، أو الورى جميعهم. وقد تقدم أنه يجوز أن يكون البرية أصلها الهمز. فصل الباء والزاي ب ز غ: البزوغ: الطلوع مفاجأًة، من ذلك﴾ فلما رأى القمر بازغًا ﴿[الأنعام: ٧٧] أي طالعًا منتشر الضوء، وبزغ ناب الصبي: تشبيهًا به. وأصله من بزغ البيطار الدابة أي أسال دمها فبزغت هي. فبزغ يكون قاصرًا ومتعديًا. يقال: بزغت الشمس تبزغ بزوغًا، وبزقت تبزق بمعناه. وفي حديث خيبرٍ "أتيناها حين بزقت الشمس وبزغت".

стр. 151

فصل الباء والسين ب س ر: البسر: تقطيب الوجه وعبوسته من الكراهة. ومنه قوله تعالى:﴾ باسرة ﴿[القيامة: ٢٤] ولذلك قابلها بقوله:﴾ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ﴿[عبس: ٣٨ - ٣٩] وقوله:﴾ ثم عبس وبسر ﴿[المدثر: ٢٢]. كرر ذلك، لأن البسر أخص لدلالته على شدة الكراهة. وأصل ذلك كله أن البسر استعجال الشيء قبل حينه. يقال: بسر الرجل حاجته أي طلبها قبل أوانها، فمعنى عبس وبسر: أظهر العبوس قبل وقته. وقيل لما لم يدرك من البلح: بسر، لذلك. "فإن قيل: قوله:﴾ وجوه يومئذٍ باسرة ﴿[القيامة: ٢٤] ليس يفعلون ذلك قبل الوقت. وقد قلت: إن ذلك يكون قبل وقته. قيل: إشارة إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار. فخص لفظ البسر تنبيهًا أن ذلك مع ما ينالهم من بعد يجري مجرى التكلف، ومجرى ما يفعل قبل وقته" ويؤيد هذا قوله تعالى:﴾ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴿[القيامة: ٢٥]. وفي الحديث: "كانت تلقاني مرًة بالبشر ومرًة بالبسر"، البسر كما تقدم: القطوب. وفيه: "كان إذا نهض في سفرته قال: اللهم بك ابتسرت، وإليك توجهت" ابتسرت: بدأت سفري، وكل ما أخذته غضًا فقد بسرته. والبسر أيضًا: انتباذ التمر مع البسر، فيلقى على التمر. والبسر: تقاضي الدين قبل أجله. وعصر الدمل قبل تقيحه، وهو من الاستعجال كما تقدم. والبسر أيضًا: ضرب الفحل للناقة على غير ضبعةٍ. ومنه قول الحسن للوليد: "لا تبسر" أي لا تحمل على الشاة وليس بصارفةٍ، ولا على الناقة وليس بضبعةٍ المشتهية للنزوان.

стр. 152

ب س س: البس: الفت. قال تعالى:﴾ وبست الجبال بسًا ﴿[الواقعة: ٥] أي فتت وتحطمت ومنه: بسست الحنطة والخبز، ومنه سميت مكة الباسة، لأنها تحطم الملحدين فيها. وقيل: بسست الإبل وأبسستها أي سقتها، وأصلها أن يقال لها: بس بس تزجر بذلك لتسرع. ومنه: انبست الحية: انسابت انسيابًا سريعًا. وبسست الناقة أيضًا قلت لها ذلك عند الحلب لتدر. ومنه ناقة بسوس أي لا تدر إلا على بساسٍ. فيكون قوله:﴾ بست الجبال ﴿موافقًا لقوله:﴾ وسيرت الجبال ﴿[النبأ: ٢٠] وفي الحديث: "يخرج قوم من المدينة إلى الشام والعراق يبسون والمدينة خير لهم" أي يسرعون. وقيل: بست: نسفت، لقوله:﴾ فقل ينسفها ربي نسفًا ﴿[طه: ١٠٥]. ب س ط: البسط: الاتساع في الشيء. ومنه بسط الرزق، والبساط: المفترش من ذلك لاتساعه، فعال بمعنى مفعول. قال تعالى:﴾ جعل لكم الأرض بساطًا ﴿[نوح: ١٩]. والبسط: النشر يقابل القبض. وبسيط الأرض: مبسوطها. وقوله:﴾ ولو بسط الله الرزق لعباده ﴿[الشورى: ٢٧] أي وسعه عليهم ونشره فيهم. وقوله:﴾ وزاده بسطًة في العلم والجسم ﴿[البقرة: ٢٤٧] أي انبساطًا وتوسعًا في العلم، وطولاً وتمامًا في الجسم. وقيل: بسطة في العلم إن انتفع بالعلم ونفع به غيره. ولا شك في زيادة ذلك. وبسط اليد وقبضها كناية عن الجود والبخل. ومنه: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾

стр. 153

[المائدة: ٦٤] وقوله: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] تعبير عن التبذير والإسراف المنهي عنهما. وقوله:﴾ كباسطٍ كفيه إلى الماء ﴿[الرعد: ١٤] مثل في الدعاء غير المتقبل، وفي المثل: "كالقابض على الماء". وقد يراد ببسط اليد الصولة والضرب والأذى، ومنه:﴾ والملائكة باسطو أيديهم ﴿[الأنعام: ٩٣]﴾ ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿[الممتحنة: ٢]. والبسط: الناقة التي تترك مع ولدها كأنها مبسوطة عليه، كالنقض والنكث بمعنى المنقوض والمنكوث، وقد أبسط ناقته. وفي حديث وفد كلب "أنه كتب لهم كتابًا فيه: عليهم في الهمولة الراعية البساط الظؤار". يروى البساط بكسر الباء وضمها، فبالكسر جمع بسط للناقة المذكوة نحو قدح وقداح. وبالضم جمعها أيضًا نحو ظئرٍ وظؤارٍ. ويقال: ناقة بسوط. ب س ق: البسوق: الطول. وقوله تعالى:﴾ والنخل باسقات ﴿[ق: ١٠] أي طوالٍ. وبسق فلان الناس أي طالهم وزاد عليهم في الفضل وحسن الذكر. وفي حديث محمد بن الحنفية: "قلت لأبي: كيف بسق أبو بكرٍ أصحاب محمدٍ ﷺ ؟ " أي كيف فاقهم؟. وأما بسق وبصق أي ألقى ريقه فأصله بزق. ومنه بسقت الناقة أي وقع في ضرعها لبن قليل كالبساق وليس من الأصل. ب س ل: البسل: منع الشيء وانضمامه. ولدلالته على المنع قيل للمحرم والمرتهن:

стр. 154

المبسل. ومنه قوله تعالى: ﴿أن تبسل نفس بما كسبت﴾ [الأنعام: ٧٠] أي تمنع الثواب أو هي مرتهنة بكسبها. ومنه قوله تعالى:﴾ كل نفسٍ بما كسبت رهينة ﴿[المدثر: ٣٨] وقيل: تبسل نفس أي تسلم للهلكة. والمستبسل: الذي يقع في مركروهٍ ولا مخلص له منه. وأبسل فلان بجريرته أي أسلم للتهلكة. وقوله:﴾ أبسلوا بما كسبوا ﴿[الأنعام: ٧٠] يحتمل كل ذلك، ولتضمنه معنى الانضمام استعير لتقطب الوجه، فقيل: شجاع باسل أي كريه الوجه مقطبه. وأسد باسل من ذلك. والبسل وإن كان بمعنى الحرام إلا أنه أخص من الحرام، لأن الحرام يقال في الممنوع بقهر وبغيره، والبسل لا يقال إلا في الممنوع بقهر، وقيل للشجاعة البسالة إما لأن الشجاع يوصف وجهه بالعبوس، وإما لكونه محرمًا على أقرانه لشجاعته، وإما لأنه منع ما تحت يده من أعدائه. وأبسلت المكان: جعلته بسلاً أي محرمًا على غيري. والبسلة: أجرة الراقي، لأنهم اشتقوا ذلك من لفظه حيث يقول: أبسلت فلانًا أي جعلته بسلاً أي محرمًا على الشيطان، أو جعلته بسلاً أي شجاعًا على مقاومة الشيطان ومدافعته ومدافعة الهوام والحيات. وقال الشاعر: [من الطويل] ١٥٧ - أجارتكم بسل علينا محرم ... وجارتنا حل لكم وحليلها؟ فالبسل هنا: ممنوع. وقال آخر: [من الكامل] ١٥٨ - بسل عليك ملامتي وعتابي أو في الدعاء، عن عمر أنه كان يقول: "آمين وبسلاً يا رب" أي إيجابًا يا رب، قال بعضهم: البسل يكون بمعنى التوكيد، وبمعنى الحرام، وبمعنى الحلال، فالحرام

стр. 155

قد تقدم، والتوكيد كما في قول عمر، والحلال كقوله: [من الطويل] ١٥٩ - دمي، إن أحلت هذه، لكم بسل وقيل: بسلاً بمعنى آمين، قاله ابن الأنباري وأنشد: [من الرجز] ١٦٠ - لا خاب من نفعك من رجاكا ... بسلاً، وعادى الله من عاداكا ب س م: البسم: ابتداء الضحك والأخذ فيه. وقيل: هو الضحك من غير قهقهةٍ وفي الحديث: "كان ضحكه تبسمًا" قوله تعالى:﴾ فتبسم ضاحكًا من قولها ﴿[النمل: ١٩] أي أسرع في الضحك وشرع فيه. قال في الكشاف: أي جاوز حد التبسم إلى الضحك. قلت: وحينئذ تقول النحاة في تبسم زيد ضاحكًا: إن ضاحكًا حال مؤكدٌة، وليس بواضحٍ لأن فيها معنى زائدًا على عاملها. وكان ضحك سليمان ﵇ فرحًا بفضل الله، لما ترتب على ذلك من منافع الدنيا والآخرة، لأنها معجزة يؤمن بها كل من عرفها، ولم يكن أشرًا وبطرًا وسفها كضحك بعض اللاهين. فصل الباء والشين ب ش ر: قوله تعالى:﴾ لواحة للبشر ﴿[المدثر: ٢٩]. البشر: الخلق، سموا بشرًا اعتبارًا

стр. 156

بظهور جلدهم من الشعر والصوف والوبر بخلاف الحيوانات فإنها مستترة بما ذكر. وذلك أن البشرة ظاهر الجلد، والأدمة: باطنه، نقله الراغب عن عامة الأدباء. وجمعها بشر وأبشار. والبشر: مجتمع فيه الواحد والجمع كقوله:﴾ قل إنما أنا بشر ﴿[الكهف: ١١٠]﴾ ما أنتم إلا بشر ﴿[يس: ١٥]، لكنه يثنى كقوله:﴾ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴿[المؤمنون: ٤٧]، وينبغي أن يكون هذا مثل ذلك في دلاص وهجان، أعني أنه جمع تكسيرٍ. والتعبير فيه تقديري لوجود التثنية، كما قال سيبويه في هذه الأحرف. قوله تعالى:﴾ وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا ﴿[الفرقان: ٥٤] إنما قال:﴾ بشرًا ﴿لأنه خص في القرآن كل موضعٍ اعتبر في الإنسان حسيه وظاهره بلفظ البشر. ولما أراد الكفار الغض من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اعتبروا ذلك﴾ فقالوا أبشرًا منًا واحدًا تتبعه ﴿[القمر: ٢٤]﴾ أنؤمن لبشرين ﴿[المؤمنون: ٤٧]﴾ ما أنتم إلا بشر ﴿. وقوله تعالى:﴾ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴿تنبيه أن الناس يتساوون في البشرية ولكن يتفاضلون في المعارف الجليلة. ولقد أعقبه بقوله:﴾ يوحي إلي ﴿[سبأ: ٥٠] يعني أنا وإن شاركتكم في البشرية إلا أن الله تعالى خصني من بينكم بهذا الإيحاء. تنبيهًا بما ميز به عليهم. وقوله:﴾ ما هذا إلا بشر ﴿[المؤمنون: ٢٣] تنبيه أنه لحسنه الفائق يمتنع أن يكون بشرًا بل ملك، لأن البشر يقدم لهم مثل هذا. وفي الأذهان إنه لا أحسن وأضوأ من الملك، كما أنه لا أقبح من الشيطان. وإنه لم ير لا هذا ولا ذاك. وتعلق بها من يفضل الملك على البشر، ولا دليل له فيه لما ذكرنا، ولو سلم فالزيادة في الحسن لا تقتضي التفضيل.

стр. 157

وقوله: ﴿فتمثل لها بشرًا سويًا﴾ [مريم: ١٧] إشارة إلى الملك تشبه لها في صورة بشرٍ. وبشرت الأديم: أخذت بشرته. والبشارة: أول خبرٍ سارٍ، ولذلك لو قال لعبيده: من بشرني بولادة ذكرٍ فهو حر، فبشروه جميعًا دفعًة واحدًة عتقوا جميعًا. وإن بشروه على التعاقب عتق أولهم فقط بخلاف قوله: من أخبرني، فإن من أخبره أولاً كان أو آخرًا عتق. وهل يختص بالسار؟ المشهور نعم، ولا يقع في شر إلا على سبيل التهكم كقوله تعالى:﴾ فبشرهم بعذابٍ أليمٍ ﴿[آل عمران: ٢١] يعني أن أسر ما يسمعون من الخبر بما ينالهم من العذاب، ونحوه: [من الوافر] ١٦١ - تحية بينهم ضرب وجيع وقيل: يستعمل في الخير والشر، لأن البشارة عبارة عن خبرٍ يتغير له البشر، وذلك يكون في الشر كما يكون في الخير، وقد أتقنت الكلام في ذلك في غير هذا الموضوع. ويقال: بشرت وبشرت، خفيفًا ومثقلاً، وأبشرت كأكرمت. قال: [من الطويل] ١٦٢ - بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة ... عليك من الحجاج يتلى كتابها وقرئ يبشر ويبشر، ولم يرد في القرآن الماضي إلا مثقلاً. قال الراغب: بين هذه الألفاظ فروق، فبشرته عام، وأبشرته نحو أحمدته، وبشرته على التكثير. ومن ورود أبشر في القرآن قوله:﴾ وأبشروا ﴿[فصلت: ٣٠] فقد جاءت ثلاث لغاتٍ في القرآن، إلا أنه لم يرد من ماضيها إلا التكثير كما تقدم. وتباشير الصبح: أوله. وتباشير الوجه: ما يبدو من سروره. وتباشير النخل: ما يبدو من رطبه.

стр. 158

وقوله تعالى: ﴿يرسل الرياح مبشراتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي تبشر بأحدوثة بشرى بين يدي رحمته. وقوله ﵇: "انقطع الوحي ولم يبق إل المبشرات"، الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له". وفي الحديث: "من أحب القرآن فليبشر" أي فليسر. قال الفراء: إذا ثقل فمن البشرى، وإذا خفف فمن السرور. يقال: بشرته فبشر كجبرته فجبر. وقال ابن قتيبة. هو من بشرت الأديم، إذا رققت وجهه. قال: ومعناه فليضمر نفسه، كما روي "إن وراءنا عقبًة لا يقطعها إلا الضمر من الرجال". فعلى ما رواه ابن قتيبة بفتح الشين، وعلى ما رواه هو بضمها. وعلى الأول قول الشاعر: [من الكامل] ١٦٣ - فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنكٍ فانزل وسمي ما يعطاه المبش ربشرى وبشارة. واستبشر: حد ما يبشره من الفرح. ومنه﴾ يستبشرون بنعمةٍ ﴿[آل عمران: ١٧١]. والبشارة بالكسر: مصدر بشرته، وبالفتح اسم للتحسين. ومنه قولهم: وجه حسن بين البشارة. والبشارة بالضم: ما يخرج من بشر الأديم، وهي لغة في البشارة بالكسر أيضًا. والمباشرة: الإفضاء بالبشرتين، وكني به عن الجماع كقوله تعالى:﴾ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴿[البقرة: ١٨٧]. وقوله:﴾ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿[يونس: ٦٤] قيل: هي في الدنيا الرؤيا الصالحة، وفي الآخرة الجنة.

стр. 159

ويؤيده الحديث المتقدم: "ولم يبق إلا المبشرات" الحديث. فصل الباء والصاد ب ص ر: البصر: يطلق على الجارحة تارًة وعلى القوة التي فيها أخرى. والبصيرة: للإدراك الذي في القلب، ويقال لها بصر أيضًا. فالبصر يطلق بإزاء هذه المعاني الثلاثة، ولا يكاد يقال في الجارحة بصيرة، ومن الجارحة أبصرت ومن البصيرة بصرته وبصرت به. قال تعالى:﴾ فبصرت به عن جنبٍ ﴿[القصص: ١١] أي تفطنت له. وقلما يقال من البصر: بصرت. وقوله:﴾ ادعو إلى الله على بصيرة ﴿[يوسف: ١٠٨] أي على معرفةٍ وتحققٍ. وقوله:﴾ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴿[القيامة: ١٤] أي عليه من جوارحه بصيرةٌ تبصره وتشهد عليه يوم القيامة، كقوله:﴾ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ﴿[النور: ٢٤]: وقال ابن عرفة: أي عليها شاهد لعملها. وقال الأزهري: بصيرة: عالمة بما جنى عليها. وقوله:﴾ فبصرك اليوم حديد ﴿[ق: ٢٢] أي علمك نافذ، وليس من بصير العين. ومنه:﴾ بصرت بما لم يبصروا به ﴿[طه: ٩٦] أي علمت بما لم يعلموا به، بصر بصرًا أي علم علمًا. وقوله:﴾ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴿[الأنعام: ١٠٣] حمله أكثر المتكلمين على الجارحة، والأولى أن يجعل من رؤية القلب. ويدل عليه ما قال أمير المؤمنين: "التوحيد أن لا تتوهمه، فكل ما أدركته فهو غيره". وجمع البصر أبصار، والبصيرة بصائر، وقوله:﴾ وعلى أبصارهم غشاوة ﴿[البقرة: ٧]، قال ابن عرفة: أي أبصار قلوبهم. وقوله:﴾ قد جاءكم بصائر ﴿[الأنعام: ١٠٤] أي ما تبصرون وتعتبرون. وقوله:﴾ هذا بصائر من ربكم ﴿[الأعراف: ١٠٣] أي هذا القرآن حجج واضحة وبراهين بينة، وأصلها من الظهور. ومنه

стр. 160

البصائر لقطع الدم وطرائقه. والبصائر أيضًا واحدتها بصيرة. قال الشاعر: [من الكامل] ١٦٤ - راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأي أي الباصرة: الجارحة الناظرة. ورأيته لمحًا باصرًا أي نظرًا بتحديقٍ. وقوله:﴾ وجعلنا آية النهار مبصرًة ﴿[الإسراء: ١٢] أي مبصرًا أهلها، أو يبصر أهلها فيها، كقوله: ليله نائم ونهاره صائم، قصدًا للمبالغة. ومثله:﴾ وآتينا ثمود الناقة مبصرًة ﴿[الإسراء: ٥٩] أي آية واضحًة. وقيل: صار أهلها بصراء نحو أخبث وأضعف فهو مخبث ومضعف أي صار أهله خبثاء وضعفاء. وقوله:﴾ وكانوا مستبصرين ﴿[العنكبوت: ٣٨] أي طالبين للبصرية، أو بمعنى مبصرين استعارة للاستفعال موضع الإفعال، نحو استجاب بمعنى أجاب، كقوله: [من الطويل] ١٦٥ - فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقوله:﴾ تبصرًة وذكرى ﴿[ق: ٨] أي تبصيرًا وتبيننًا. يقال: بصرته تبصيرًا وتبصرًة كذكرته تذكيرًا وتذكرًة. وقوله:﴾ وأبصر فسوف يبصرون ﴿[الصافات: ١٧٩] أي انتظر فسوف ينتظرون، والمعنى انتظر حتى ترى ويرون. وقوله:﴾ ما زاغ البصر وما طغى ﴿[النجم: ١٧] قيل:

стр. 161

أراد البصيرة القلبية. ويقال للضرير بصير، قيل: على العكس، والأولى أنه قيل فيه ذلك من البصيرة. ولذلك لا يقال له: مبصر ولا باصر. وقوله:﴾ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس ﴿[القصص: ٤٣] أي عبرًة لهم. والبصرة: حجارة رخوة لماعة، سميت بذلك توهمًا أنها تبصر غيرها، أو لإضاءتها. فهي مبصرة من بعدٍ. ومنه البصيرة لقطعة الدم، وللترس للمعان الحاصل بهما. والبصيرة أيضًا: ما بين شقي الثوب، والمراد لما يبصر منه. ثم يقال: بصرت الثوب أي خطت ذلك الموضع منه. والبصر: الناحية. وفي الحديث: "فأمر به فبصر رأسه" أي قطع. وأنشد: [من الطويل] ١٦٦ - فلما التقينا بصر السيف رأسه ... فأصبح منبوذًا على ظهر صفصف وفي حديث أم معبدٍ: "فأرسلت إليه بشاةٍ فرأى فيها بصرًة من لبنٍ" أي أثرًا من لبنٍ يبصره الناظر. وفي حديثٍ: "بصر جلد الكافر أربعون ذراعًا". وفي حديث عبد الله "بصر كل سماءٍ خمس مئة عامٍ" أي غلظها. وفيه: يقال لصلاة المغرب صلاة البصر لأنها تؤدي قبل مجيء الظلمة الحائلة لهذه، وهذه للمعنى الذي ذكرته.

стр. 162

ب ص ل: البصل معروف، وهو اسم جنسٍ واحده بصلة كنبقٍ ونبقةٍ. ويقال لبيضة الحديد بصلة تشبيهًا بالبصلة في الصورة. قال. فصل الباء والضاد ب ض ع: قوله تعالى:﴾ ببضاعةٍ ﴿[يوسف: ٨٨]. البضاعة: ما اقتطع من المال للتجارة. والبضع: القطع ومنه: بضعه وبضعه فابتضع وتبضع، نحو قطعته وقطعته فانقطع. والبضعة بالفتح: بعض الشيء. ومنه: "إنما فاطمة بضعة مني" والمبضع: ما يبضع به كالمنجل. وسمي الفرج بضعًا لأنه قطعة من المرأة، واشتق منه فقيل: باضعها أي باشرها. والبضعة أيضًا عبارة عن الشيء. والبضيع: الجزيرة في البحر المنقطعة عن البر. والبضع: ما اقتطع من العشرة، فقيل: هو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: ما بين الخمسة إلى العشرة. وقال الهروي: ما بين الثلاثة إلى التسعة، قال: والبضع والبضعة بمعنًى، قال تعالى:﴾ فلبث في السجن بضع سنين ﴿[يوسف: ٤٢] وقال﴾ سيغلبون في بضع سنين ﴿[الروم: ٣ - ٤]. والبضع مثلث، فالبضع بالفتح: المققع مصدر، وبالكسر: العدد المبهم، وبالضم: الفرج، وقال الأزهري: البضع: الجماع وفي حديث عائشة: "وله حصنني ربي من كالبضعٍ" أي من كل نكاحٍ. أي تزوجني بكرًا.

стр. 163

والاستبضاع: نوع من نكاح أهل الجاهلية. وفي الحديث: "أن عبد الله أبا النبي ﷺ مر بامرأةٍ فدعته أن يستبضع بها". ولما تزوج رسول الله ﷺ خديجة ﵂ دخل عليها عمرو وقال: "هذا البضع لا يقرع أنفه"، قال الهروي: يريد هذا الكفء، وذلك أن الفحل الهجين إذا أراد أن يضرب كرام الإبل قرعوه على أنفه بعصًا أو نحوها ليرتد عن الإبل فلا يقربها. الباضعة من الشجة ما يبضع اللحم أي يشقه. فصل الباء والطاء ب ط أ: البطء: التأخر في السير. يقال: بطؤ وأبطأ وتباطأ واستبطأ وبطأ وبينهما فروق؛ فبطؤ أي تخصص بذلك. وبطأ أي حمل غيره على البطء، أو بالغ في بطئه هو، وعليهما حمل قوله:﴾ وإن منكم لمن ليبطئن ﴿[النساء: ٧٢]. وأبطأ: صار ذا بطءٍ، أو حمل غيره على البطء. فالهمزة الأولى للصيرورة كأنقل، وفي الثانية للتعدية كأخرج. واستبطأ: طلب البطء، وتباطأ: تكلف ذلك، نحو تجاهل وتغافل. وفي الحديث: "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه". ب ط ر: قال تعالى:﴾ بطرت معيشتها ﴿[القصص: ٥٨]. أصل البطر: سوء احتمال الغنى. وقال الكسائي: أصله من قولهم: ذهب دمه بطرًا، وبطرًا أي باطلاً. وقال الأصمعي: البطر: الحيرة، ومعناه أن يتحير عند الحق فلا يراه حقًا.

стр. 164

الزجَّاج: البطر أن يطغى، أي يتكبر عند الحق فلا يقبله. وقال الهروي: البطر: الطغيان عند النعمة. وفي الحديث: "لا ينظر الله يوم القيامة لمن جر إزاره بطرًا". ومنه: "الكبر بطر الحق وغمص الناس". معنى بطر الحق أن يجعل ما جعله الله حقًا من توحيده وعبادته باطلاً. وقال الراغب: "البطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة وعدم القيام بحقها وصرفها عن وجهها. قال: ويقارب البطر الطرب، وهو خفة أكثر ما يعتري الإنسان من الفرح، وقد يقال ذلك في الترح". والبيطرة: فعل البيطار، وهو فيعال من ذلك. والبيطرة: معالجة الدواب بما يشفيها من الداء. وقوله تعالى:﴾ بطرت معيشتها ﴿فيها أقوال للنحاة أحسنها أن نصبه على التنبيه بالظرف أي في معيشتها. وقيل: هو تمييز، والأصل بطر معاشها على المجاز، ثم حول ونقل، وهو قول كوفي، وتحقيقه في غير هذا الكتاب. ب ط ش: البطش: تناول الشيء بصولةٍ وقهرٍ. ويقال: هو سرعة الانتقام وعدم التؤدة في العفو. وقوله:﴾ إن بطش ربك لشديد ﴿[البروج: ١٢] تنبيه على أنه سريع العقاب، كما صرح به في غير موضعٍ، ولم يكف أن ذكره بلفظ البطش حتى وصفه بالشدة. وقوله:﴾ ولقد أنذرهم بطشتنا ﴿[القمر: ٣٦] أي عقوبتنا السريعة. وقوله:﴾ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴿[الشعراء: ١٣٠] أي تسرعون في جميع أفعالكم إسراع الجبابرة. وفي الحديث: "فإذا أنا بموسى باطش بجانب العرش" معناه متعلق بقوةٍ.

стр. 165

ب ط ل: الباطل: الشيء الزائل، وهو ما لا ثبات له عند التنقير عنه، لأنه نقيض الحق، والحق هو الثابت. ويقال ذلك بالاعتبار إلى المقال والفعال. يقال: بطل يبطل بطولاً وبطلانًا، وأبطلته إبطالاً، وبطلته تبطيلاً. والإبطال يقال تارة لمن يبطل شيئًا أي يفسده ويزيله، حقًا كان ذلك الشيء أو باطلاً. قال تعالى:﴾ ويبطل الباطل ﴿[الأنفال: ٨٠] وتارًة لمن أتى بالباطل. يقول: أبطل زيد أي جاء بالباطل. قال تعالى:﴾ وخسر هنالك المبطلون ﴿[غافر: ٧٨]، فهذا يجوز أن يراد بهم من جاؤوا بالباطل، وأن يراد بهم من أبطلوا الحق، ويقال فيمن يقول شيئًا لا حقيقة له. ومنه قوله تعالى:﴾ ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون ﴿[الروم: ٥٨] كانوا في زعمهم كذلك. ويقال فيمن يشتغل عمًا ينفعه من أمر الدنيا والدين. بطل يبطل بطالًة بكسر الباء فهو بطال، وقياسه باطل. والبطل: الرجل الشجاع المعرض نفسه للموت. فقيل: سمي بذلك لأنه مبطل لدمه، فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى مقبوض. وقيل: لأنه مبطل دمه قربًة، فهو فعل بمعنى فاعل. ويقال منه: بطل يبطل بطولًة، فهو بطل. وبطل نسب إلى البطالة. وذهب دمه بطلاً أي هدرًا لم يؤخذ له بثأرٍ ولا ديةٍ. وهو القرع أيضًا. وقوله:﴾ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿[فصلت: ٤٢] إشارة إلى انتفاء الباطل عنه من هاتين الجهتين الشاملتين لجميع جهاته. وقيل: الباطل هنا إبليس، وذلك أنه أصل كل باطلٍ. والمعنى لا يزيد فيه ولا ينقص منه. قال تعالى:﴾ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴿[الحجر: ٩]. وقوله:﴾ ويمح الله الباطل ﴿[الشورى: ٢٤] فسر بالشرك لأنه أعظم باطلٍ. وقوله في الحديث: "ولن تستطيعه البطلة" يعني بهم السحرة، وذلك لأنهم لا أبطل منهم لتخيلهم الأباطيل.

стр. 166

ب ط ن: البطن: يقابل الظهر، ويعبر به عن داخل الشيء كما يعبر بالظاهر عن خارجه، ويعبر به عن الجهة السفلى، كما يعبر به عن العليا. واستعير في الأمور المعنوية نحو: هذا بطن الأمر، وبطن الوادي أيضًا، تشبيهًا ببطن الإنسان. ومنه:﴾ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴿[الأنعام: ١٢٠] فظاهره ما يطلع عليه الخلق، وباطنه ما يختص بعلمه تعالى. وقيل للعرب: بطن وفخذ اعتبارًا بأنهم كجسدٍ ينفصل فصولاً. وعليه قول الشاعر: [من السريع] ١٦٧ - الناس جسم، وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس فظهرانها لما يظهر منها ولما يخفي، ويجمع على بطنانٍ وأبطنٍ وبطون. والبطين والمبطان: العظيم البطن، الكثير الأكل. والبطنة: كثرة الأكل، ومنه: "البطنة تذهب الفطنة". وبطن أي أشر من كثرة الأكل. وبطن عظيم: بطنه. ومبطن: خميص البطن. ومنه: "فإذا رجل مبطن" يعني ضامر البطن. وبطن: أعيل بطنه فهو مبطون. والبطانة: خلاف الظهارة في الملبوسات، واستعير ذلك فيمن يراسلك ويختص بسريرتك، ولذلك: لابست فلانًا ولبسته. ومنه:﴾ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴿[البقرة: ١٨٧] وعلى ذلك قوله تعالى:﴾ لا تتخذوا بطانًة من دونكم ﴿[آل عمران: ١١٨] أي لا تخالطوا غيركم من المشركين مخالطًة يطلع بها على أحوالكم الباطنة. وفي الحديث: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه". وقوله تعالى:

стр. 167

﴿والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣] قيل: يعلم بواطن الأمور كما يعلم ظواهرها، يعلم من السر ما يعلم من العلانية. ومنه:﴾ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴿[الرعد: ١٠]. يقال: فلان يبطن أمر فلان إذا علم سريرته، كما قال تعالى:﴾ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴿[الزخرف: ٨٤] والحكماء: "مثل طالب معرفته مثل من طرق الآفاق في طلب ما هو معه". والباطن: إشارة إلى معرفته الحقيقية، وهي التي أشار إليها الصديق بقوله: "يا من غاية معرفته القصور عن معرفته". وقيل: ظاهر بآياته باطن بذاته. وقيل: ظاهر بأنه محيط بالأشياء مدرك لها، باطن في أن يحاط به، كما قال تعالى:﴾ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴿[الأنعام: ١٠٣]. وقد روي عن أمير المؤمنين علي ﵁ ما يدل على تفسير اللفظتين حيث قال: "تجلى لعباده من غير أن يروه، وأراهم نفسه من غير أن يتجلى لهم"، وهذا كلام عظيم القدر لا يصدر إلا عن مثل أبي بكرٍ وعلي ﵄. ولذلك قال بعض العلماء حين حكي عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: وهذا كلام يحتاج إلى فهمٍ ثاقبٍ وعقلٍ وافرٍ ولعمري لقد صدق. وقيل: الظاهر بالأدلة والباطن الذي لا يدرك بالحواس. وقوله:﴾ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ﴿[لقمان: ٢٠] أراد بالظاهرة النبوة والباطنة العقل، وقيل: أراد بالظاهرة النصرة على الأعداء بالبأس من سلاحٍ ورجالٍ، والباطنة النصرة بالملائكة. وقيل: أراد بالظاهرة المحسوسات وبالباطنة المعقولات، والآية شاملة لذلك ولغيره، كما قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]،

стр. 168

وقرئ هنا: نعمة ونعم جمعًا وإفرادًا، وظاهرة وباطنة يصلحان لوصفهما لما قررناه في غير هذا. والبطان: حزام يشد على البطن، يجمع على: بطنٍ وأبطنةٍ. والأبطنان: عرقان يمدان على البطن. وتبطن الأمر: عرفه باطنًا. ومات فلان ببطنته: لم يتغضغض منها بشيءٍ، يضرب ذلك مثلاً لمن مات بخيلاً وماله وافر قد حرم نفسه منه. "ومات عريض البطان" منه. وفي الحديث عن عبد الله بن عمر أنه قال لعبد الرحمن: "مات ببطنته لم يتغضغض منها بشيءٍ". وفي الحديث أن إبراهيم ﵇: "كان يبطن لحيته" أي يأخذ من باطن شعرها. وقال شمر: أي يأخذ من تحت الذقن الشعر. فصل الباء والظاء ب ظ ر: قال الراغب: في بعض القراءات﴾ والله أخرجكم من بظور أمهاتكم ﴿[النحل: ٧٨] جمع البظارة وهي اللحمة المتدلية من ضرع الشاة، والهنة النائتة من الشفة العليا، فعبر بها عن الهن كما عبر عنه بالبضع. قلت: وأي معنى لهذه القراءة؟ فإن البظارة لا يخرد منها الولد لا حقيقًة ولا مجازًا، وأظن قارئها صحفها. وعن علي ﵁ أنه قال للقاضي شريحٍ في مسألةٍ سأله إياها: "ما تقول فيها أيها العبد الأبظر؟ " الذي في شفته العليا طول مع نتوء. وهذا من أمير المؤمنين مفاكهة لشريحٍ. وكفى به فضلاً أن سأله مثل أمير

стр. 169

المؤمنين، وإن قال له ما قال. فصل الباء والعين ب ع ث: البعث: أصله الإثارة والتوجيه، ومنه بعثت البعير. ويختلف باختلاف متعلقاته. فبعثت البعير: أثرته ووجهته للسير فانبعث. وبعثت رسولي أي أرسلته. ومنه:﴾ لبعثنا في كل قريةٍ نذيرًا ﴿[الفرقان: ٥١]﴾ فبعث الله غرابًا ﴿[المائدة: ٣١] أي قيضه ويسره. وبعث الله الموتى أي أقامهم للحشر. ومنه:﴾ والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ﴿[الأنعام: ٣٦]. وقوله:﴾ ثم بعثناهم ﴿[الكهف: ١٢] أي أيقظناهم؛ سمى إيقاظهم بعثًا تشبيهًا للنوم بالموت وهو الموتة الصغرى. ومنه:﴾ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴿[الأنعام: ٦٠] ثم قال:﴾ ثم يبعثكم فيه ﴿[الأنعام: ٦٠]﴾ فابعثوا حكمًا من أهله ﴿[النساء: ٣٥] أي أرسلوا. وقوله:﴾ ولكن كره الله انبعاثهم ﴿[التوبة: ٤٦] أي ذهابهم ومضيهم. وقوله:﴾ من بعثنا من مرقدنا ﴿[يس: ٥٢] إشارة إلى فرط جهلهم حيث سموا ما كانوا فيه مرقدًا وما كانوا عليه رقادًا، وقد كانوا في آلم الأشياء وأشغلها عن الرقاد، أو قالوه لأنه مهيأ للرقاد. واعلم أن البعث نوعان: بشري كبعثت بعيري ورسولي. وإلهي، وهو أيضًا نوعان: نوع اختص به ولم يقدر عليه أحدًا، وهو إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع عن لبسٍ. ونوع أقدر عليه بعض خلقه المصطفين عنده كإحياء الموتى وإيجاد الخفاش من مادة الطين على يد عيسى ﵇، وكإحياء بعض الحيوان وهو أبلغ من إحياء

стр. 170

الموتى، وذلك كما أظهره الله تعالى على يد سيدنا محمد ﷺ من إحياء ذراع الشاة، فإنه كلمه وأخبره بأنه مسموم. ب ع ث ر: البعثرة: قلب الشيء وإثارته بجعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. قال تعالى:﴾ وإذا القبور بعثرت ﴿[الانفطار: ٤]. ويقال: بحثرت. قال الراغب: ومن رأى تركيب الرباعي والخماسي من ثلاثيين نحو: هلل وبسمل إذا قال: لا إله إلا الله، وبسم الله الرحمن الرحيم. قال: إن بعثر من بعث وأثير، وهذا لا يبعد في هذا الحرف، فإن البعثرة تتضمن معنى بعث وأثير. انتهى. قلت: ما ذكروه من نحو هلل وبسمل ليس من اللغة. وإنما وجد مثله في النسب نحو: عبشمي وعبقسي في النسبة إلى عبد شمسٍ وعبد القيس، ويلقب بباب النحت. وقد أتقنت هذه المسألة بدلائلها في الكتب المذكورة قبل ذلك. ب ع د: بعد: ظرف زمانٍ يقتضي التأخر نقيض قبل. وحكمها النصب على الظرفية، ولا ينصرفان وقد يجران بمن نحو:﴾ من قبلكم ﴿[البقرة: ٢١]، و﴾ من قبل ومن بعد ﴿[الروم: ٤]، ومتى أضيفا لفظا أعربا، وإن قطعا عن الإضافة ولم ينو ما أضيفا إليه أعربا أيضا كقوله: [من الطويل] ١٦٨ - فما شربوا بعد على لذةٍ خمرا وقوله: [من الوافر]

стр. 171

١٦٩ - فساغ لي الشراب وكنت قبلاً وقيل: هما في الأصل صفتان لمقدرٍ. فمعنى قولك: جئت من قبل زيدٍ أي من زمنٍ قبل زمن مجيء زيدٍ. وقد حررت هذا في غير هذا. والبعد ضد القرب. يقال: بعد يبعد بعدًا، ضد قرب يقرب قربًا، وليس لهما حد محدود. لكن ذلك بحسب ذلك، ويكون ذلك في المحسوس وهو الأكثر. والمعقول نحو:﴾ والضلال البعيد ﴿[سبأ: ٨]. وبعد بالكسر يبعد بالفتح: هلك: بعد قال تعالى:﴾ كما بعدت ثمود ﴿[هود: ٩٥] وقال الشاعر: [من الطويل]. ١٧٠ - يقولون: لا تبعد وهم يدفنونه ... ولا بعد إلا ما يواري الصفايح وقالت الخرنق: [من الكامل] ١٧١ - لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر وقد يقال: البعد في الهلاك، والبعد في ضد القرب. قال تعالى:﴾ ألا بعدًا لمدين ﴿[هود: ٩٥] وقال النابغة: [من البسيط] ١٧٢ - فتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد وقوله:﴾ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ﴿[سبأ: ٨] أي بعدًا لا يرجى الرجوع منه إلى الهدى، كمن ضل عن محجة الطريق وتوغل في ذلك حتى لا يرجى عوده إليها

стр. 172

وقوله: ﴿وما قوم لوطٍ منكم ببعيد﴾ [هود: ٨٩] أي ما أنتم تقاربونهم فيه من الضلال فلا يبعد أن يأتيكم من العذاب مثل ما أتاهم. وقوله:﴾ ذلك رجع بعيد ﴿[ق: ٣] أي بعثنا ورجوعنا بعيد لا يكاد يصح. وقوله:﴾ أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ ﴿[فصلت: ٤٤] كناية عن أنهم لا يسمعون الحق، نزلوا بمنزلة من ينادي من بعدٍ فإنه في مظنة عدم السماع، وقيل: هو كناية عن عدم الفهم ويقال في ضده: هو ناظر الأشياء عن قربه. وقوله:﴾ لفي شقاق بعيدٍ ﴿[البقرة: ١٧٦] أي بتباعد بعضهم في مشاقة بعضٍ وفي الحديث: "كان يبعد في الخلاء" أي يمعن في الذهاب إلى الخلاء لمعنى فيه. ب ع ر: البعير: واحد الإبل. وقد يقع للذكر والأنثى، مثل الإنسان يقع للرجل والمرأة. هذا هو المشهور، وخصه بعضهم بالجمل. قال تعالى:﴾ ولمن جاء به حمل بعيرٍ ﴿[يوسف: ٧٢] ويجمع على أبعرةٍ وبعرانٍ كأرغفةٍ ورغفانٍ، وأباعر وأبعرة مثل واحدة البعر. وهو ما يخرج منه. والمبعر: موضع البعر. والمبعار: الكثير البعر. ب ع ض: البعض مقلوب البضع، فإنهما مصدران بمعنى القطع، والبعض المقابل للكل هو قطعة من الكل. ومنه البعوض تصور منها أنها قطعة من غيرها، ويجمع على أبعاض. وبعضت الشيء جعلته أبعاضًا كجزأته أجزاًء. وزعم أبو عبيدة أنه يكون بمعنى كل، من قوله تعالى:﴾ ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ﴿[الزخرف: ٦٣] واستشهد بقوله: [من الكامل] ١٧٣ - أو يرتبط بعض النفوس حمامها

стр. 173

وقد رد عليه الناس هذه المقالة. قال الراغب: وفي قوله هذا قصور نظرٍ منه، وعلى أن الأشياء أربعة أضربٍ: ضربٍ في بيانه مفسدة، فلا يجوز لصاحب الشرع أن ينبه عليه كوقت القيامة ووقت الموت. قلت في قوله: فلا يجوز لصاحب الشرع، عبارة غير سديدةٍ. ولو قال: فلا يجوز بيانه لمصلحةٍ علمها الشارع لكان أحسن. قال: وضربٍ معقولٍ ويمكن للناس إدراكه من غير نبي كمعرفة الله تعالى وتفكره في خلق السماوات والأرض، فلا يلزم صاحب الشرع أن يبينه، ألا ترى كيف أحال معرفته على العقول في قوله تعالى:﴾ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴿[يونس: ١٠١] وقوله:﴾ أولم يتفكروا ﴿[الأعراف: ١٨٤]. وضرب يجب عليه بيانه كأصول الشرعيات المختصة بشرعه. وضربٍ يمكن الوقوف عليه مما بينه صاحب الشرع كفروع الأحكام. فإذا اختلف الناس في أمرٍ غير الذي يختص بالنبي بيانه فهو مخير بين أن يبين وبين أن لا يبين، حسبما يقتضيه اجتهاده وحكمته. فإذا لم يرد في الآية كل ذلك فهو ظاهر لمن ألقى العصبية عن نفسه. وأما الشاعر فإنه يعني نفسه. والمعنى إلا أن يتداركني الموت، لكن عرض ولم يصرح حسبما بنيت عليه جبلة الإنسان في البعاد عند ذكر موته. قلت: ما ذكره من الإنكار على أبي عبيدة صحيح. والبيت الذي أنشد للبيدٍ أوله: [من الكامل] ١٧٤ - تراك أمكنةٍ إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها وأبو عبيدة هذا وإن كان إمامًا إلا أنه يضعف عن علم الإعراب وفي بعض فهمه. ولما حكى الزمخشري عنه هذه المسألة قال: إن صحت هذه الرواية عنه فقد حق فيه قول

стр. 174

المارقين في مسألة "كان أحق أن تفقه ما أقول". قلت: هذه مسألة جرت بينه وبين ابن عثمان، ذكرتها مستوفاًة في "الدر المصون" وقال ثعلب: كان وعدهم عذابين؛ أحدهما في الدنيا، والآخر في الآخرة. فلذلك قال:﴾ بعض الذي يعدكم ﴿[غافر: ٢٨] وهو الذي في الدنيا. وقال الليث: بعض صلة أي زائدة، والمعنى يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهذان القولان أعني الأول والآخر ضعيفان. أما الأول فلما تقدم، وأما هذا فلأن الأسماء لا تزاد. وقال الخليل: رأيت غربانًا تبتعض، أي يتناول بعضها بعضًا. ب ع ل: البعل: الزوج. وزوجة: بعلة. واشتق من لفظه مصدر، وبعل يبعل، باعل يباعل مباعلًة، كنوا بذلك عن الجماع. وفي الحديث، في أيام التشريق: "إنها أيام أكلٍ وشرب وبعالٍ" ويقال: بعل يبعل ويبعل بعلاً وبعولًة إذا صار بعلاً. واستبعل فهو مستبعل كذلك. والبعل أيضًا: مالك الشيء وسيده، وذلك أنهم تصوروا من بعل المرأة لما كان مستوليًا عليها ومستعليًا أنه مالكها. سموا رب الشيء بعله، يقال: هذا بعل هذه الدار. قوله:﴾ أتدعون بعلاً ﴿[الصافات: ١٢٥] يعني إلهًا سوى الله، وذلك لما تقدم من تصورهم استعظام البعل بالنسبة إلى المرأة. فسموا معبودهم المتقرب به إلى الله، كما زعموه بعلاً، أو سموه بما كانوا يقولون إنه سيدهم وعظيمهم. قيل: كان صنمًا من ذهبٍ وفضةٍ مذكورةٌ في التفسير. وقيل: البعل من تجب طاعته، وقيل: من معنى الزوج أيضًا. والبعل: الكل على أهله، وذلك لأن العالي على غيره يستبعل عليه أمره ونهيه فسمي بعلاً لذلك. وفي

стр. 175

الحديث: "أن رجلاً قال للنبي ﷺ : أبايعك على الجهاد. فقال: هل لك من بعلٍ؟ " قال الهروي: البعل: الكل. يقال: صار بعلاً على أهله أي كلاً وعيالاً. وقيل: هل بقي عليك من تجب طاعته علكي كالوالدين والأهل والولد؟ قلت: هذا الثاني ظاهر، وأما الأول فلا معنى له في الحديث إلا أن يكون: هل لك من تجب عليك نفقته؟ بسبب كونه كلاً وعيالاً على غيره؟ ولتصور الاستعلاء سموا الأرض العالية على غيرها بعلاً والنخل الذي يشرب بعروقه بعلاً. وفي الحديث "فيما سقي بعلاً العشر". وتصور الذي في النخل قيامه وثبوته في مكانه. فقيل: بعل فلان بأمره: إذا أدهش وثبت في مكانه ثبوت النخل في مقره. فصل الباء والغين ب غ ت: البغت: مجيء الشيء على غفلةٍ من حيث لا يحتسب. والبغتة كذلك، قال تعالى:﴾ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتًة ﴿[الأنعام: ٣١] أي فاجأتهم من غير علمٍ لهم بمجيئها. ويقال: بغته الشيء بغتًا وبغتًة يبغت فهو باغت. قال الشاعر: [من الطويل] ١٧٥ - إذا بغتت أشياء قد كان قبلها ... قديمًا فلا تعتدها بغتات وبغت: يكون قاصرًا كما تقدم ومتعديًا. يقال: بغته الأمر يبغته بغتًا، وباغته ساعًة مباغتًة. كما يقال: فجأه الأمر يفجؤه فجًا، وفاجأه يفاجئه مفاجأة. وقال يزيد بن ضبة الثقفي: [من الطويل] ١٧٦ - ولكنهم ماتوا ولم أدر بغتًة ... وأفظع شيءٍ حين يفجؤك البغت وقوله:﴾ أخذناهم بغتًة ﴿[الأنعام: ٤٤] يجوز نصبها من أوجهٍ: أحدها أنها حال

стр. 176

من الفاعل أي باغتين، أو من المفعول أي مبغوتين، وإما على المصدر من معنى عامله كأنه أخذ بغتًة. ب غ ض: البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه. وهو ضد الحب، فإن الحب استئناس النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه. وقوله:﴾ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴿[آل عمران: ١١٨] إشارة إلى ما يظهر من أثرها على ألسنتهم حيث يتكلمون بما يدل عليها، وإلا فالبغضاء أمر معنوي محلها القلب. وقوله:﴾ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴿[المائدة: ٩١] إشارة إلى ما يحدث عند شرب الخمر من الأفعال والأقوال المؤدية إلى الإحن والشحناء وهي البغضاء. وفي الحديث: "ولا تباغضوا" يقال: أبغضته أبغضه إبغاضًا، فأنا مبغضه. وعلى هذا فالبغض اسم المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء. ونقل الراغب أنه يقال: بغض الشيء بغضًا، وبغضته بغضاء، فاقتضى ذلك أن يقال: بغضت زيدًا، ثلاثيًا متعديًا. فالبغض مصدر بنفسه. وفي الحديث: "أن الله يبغض الفاحش المتفحش" وتأويله البعد من فيضه وتوفيق إحسانه منه. ب غ ل: قال تعالى:﴾ والخيل والبغال والحمير ﴿[النحل: ٨]. والبغال: جمع بغلٍ، وهو المتولد من بين الحمار والفرس. فتارًة يكون أبوه حمارًا وأمه فرسًا، وتارًة بالعكس. وهو أقوى الحيوانين، وخص بعدم التناسل، ولقوته

стр. 177

وخبئه قيل في وصف النذل من الناس: هو بغل. ولقوته شبه به البعير في سرعة سيره، فقيل: قد تبغل البعير يتبغل تبغلاً فهو متبغل. وما أغرب ما اتفق أن وقع هذا الجنس بين الجنسين المتولد هو منهما في اللفظ. فقال:﴾ والخيل والبغال والحمير ﴿، وقدم أشرف طرفيه وهو الخيل. ب غ ي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه. وقوله تعالى:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام دينًا ﴿[آل عمران: ٨٥] هو افتعال من البغي بمعنى الطلب. وأكثر استعمال البغي في الأشياء المذمومة، لاسيما إذا أطلق نحو: زيد بغى. وقد بغى زيد على عمروٍ. وقال الراغب بعد ما ذكر أن البغي طلب تجاوزٍ في الاقتصاد: فتارًة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارًة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية. فيقال: بغيت وابتغيت أي طلبت أكثر مما يجب. وكل موضعٍ ذكر فيه البغى فلابد من معنى المجاوزة فيه، كقولهم: بغت المرأة أي تجاوزت في الفجور الحد. فقال تعالى:﴾ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿[النور: ٣٣] أي على الفجور لأنهن جاوزن ما ليس لهن. وبغى الجرح: إذا تجاوز حد الفساد: وبغت السماء: تجاوزت الحد في المطر. وبغى زيد أي أفسد، إذا تجاوز ما ليس له تجاوزه، ومنه قول ذلك:﴾ ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ﴿[الحج: ٦٠]. وأنشد المأمون حين بغى عليه أخوه الأمين: [من البسيط] ١٧٧ - يا طالب البغي إن البغي مصرعه ... فارتع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يومًا على جبلٍ ... لا ندك منه أعاليه وأسفله وقال آخر: [من الكامل] ١٨٠ - ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم

стр. 178

وقال الراغب: "والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو يتجاوز الحق إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشبه، كما قال: "الحق بين والباطل بين وبين ذلك أمور مشتبهات" "ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه" ولأن البغي قد يكون محمودًا ومذمومًا قال تعالى:﴾ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴿[الشورى: ٤٢]، فخص العقوبة بمن بغيه بغير الحق". قال الحباني: أصل البغي الحسد، وسمي الظلم بغيًا لأن الحاسد ظالم. قلت: هو داخل في قولنا مجاوزة الحد، لأن الحاسد تجاوز ما ليس ليه. واستدل على أن البغي الحسد بقوله:﴾ إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ﴿[الشورى: ١٤]. وقيل: البغي: الاستطالة على الناس والكبر. ومنه قوله تعالى:﴾ إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ﴿[الأعراف: ٣٣]. وقوله:﴾ يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴿[يونس: ٢٣] أي وبال بغيكم راجع عليكم. وقوله:﴾ إذا هم يبغون ﴿[يونس: ٢٣] أي يفسدون. وقوله:﴾ غير باغٍ ولا عادٍ ﴿[البقرة: ١٧٣] أي غير متعد ما حد له. وقال ابن عرفة:﴾ غير باغٍ ﴿غير طالبها وهو عند غيرها.﴾ ولا عادٍ ﴿أي غير متعدٍ ما حد له. الأزهري:﴾ غير باغٍ ﴿أي غير ظالمٍ بتحليل ما حرم الله تعالى،﴾ ولا عادٍ ﴿أي غير متجاوز للقصد. مؤرج السدوسي: أي لا يبتغي فيأكله غير مضطر إليه ولا عادٍ أي لا يعدو شبعه. وقيل: غير باغٍ أي غير خارجٍ على الإمام، ولا عادٍ أي بقطع طريقٍ ونحوه، أي فهذا لا يرخص له في ذلك.

стр. 179

وقال الحسن: "غير متناولٍ للذةٍ، ولا متجاوزٍ سد الجوعة". وقال مجاهد: "غير باغٍ على إمامٍ ولا عادٍ في المعصية طريق الحق". وقيل:﴾ غير باغٍ ﴿أي غير طالبٍ ما ليس له طلبه، ولا متجاوزٍ لما رسم له. وقولهم: بغى بمعنى تكبر، راجع إلى ما قدمته، فإنه تجاوز منزلته إلى ما ليس له تجاوزه. وقد فرقوا بين بغيتك وأبغيتك، فقالوا: بغيتك أي بغيته لك، ومنه قوله تعالى:﴾ يبغونكم الفتنة ﴿[التوبة: ٤٧]. وأبغيتك: أعنتك على البغاء، أي على طلبه. "وابتغى: مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون هكذا فهو باعتبارين، أحدهما ما يكون مسخرًا للفعل نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب. والثاني بمعنى الاستئهال نحو: فلان ينبغي أن يعطي لكرمه، وعلى المعنيين جاء قوله تعالى:﴾ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴿[يس: ٦٩] أي لا يتسخر ولا يتسهل له". قال الراغب: ألا ترى أن لسانه لم يكن يجري به؟. قلت: ولذلك كان إذا تمثل بشيءٍ من الشعر أتى به على غير نظمه. كما يحكي أنه تمثل بقول طرفة فقال: [من الطويل] ١٧٩ - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار فلقنه أبو بكرٍ: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فلم يقله. وقد نقل أنه تكلم بشيءٍ على سبيل الاتفاق، وقد أتقنا هذه المسألة - وخلاف الناس في أنه هل كان مصروفًا عن ذلك بطبعه، أو كان في قدرته ولكن لم يقله - في كتابنا "التفسير الكبير". وابتغى: افتعلٍ من البغي. وقد غلب اختصاصها للاجتهاد في الطلب؛ فإن كان ذلك المطلوب محمودًا فابتغاؤه كذلك وكذا عكسه. فقوله:﴾ ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها ﴿[الإسراء: ٢٨] محمود. وقوله:﴾ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴿[التوبة: ٤٨] مذموم. وقولهم: ما أنبغي لك، وما أبتغي لك كذا، أي ما يصلح ولا يتسهل.

стр. 180

وقوله ﵇: "لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله". قال الكسائي: هو من البغي. فقلت: ومعناه هيجان الدم. ويجمع باغٍ على بغاةٍ وهو قياسه، كعارٍ وعراةٍ، ورامٍ ورماةٍ، وعلى بغيان. وفي الحديث: "فانطلقوا بغيانًا"، وذلك نحو راعٍ ورعيان، والأول هو القياس: قال: [من الوافر] ١٨٠ - وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق فصل الباء والقاف ب ق ر: ﴾ البقر ﴿[البقرة: ٧٠]: اسم جنس واحده بقرة، فيطلق على الذكر زالأنثى، فيقال: بقرة ذكر وبقرة أنثى، لكن استغني عن ذلك بقولهم: ثور. وجمعه باقر كحاملٍ في حملٍ. وقرئ:﴾ إن الباقر ﴿كحاملٍ وبقيرًا كحليمٍ. وقيل: بيقور، اشتق من لفظه فعل لما يحدثه هو، فقيل: بقر الأرض أي شقها بحرثه إياها يبقرها بقرًا. ثم قيل ذلك في كل شق متسعٍ فقيل: بقرت بطن فلانٍ أي شققته شقًا متسعًا. وبقر فلان في الأرض: إذا اتسع في سفره، فقطع أرضًا بعد أرضٍ. وسمي محمد بن علي ﵄ بالباقر لاتساعه في دقائق العلم وشقًه بواطنها فضلاً عن ظواهرها. وبيقر الرجل في المال وفي سيره: اتسع فيهما. والبيقران: نبت يسرع شقه الأرض بعروقه وبخروجه منها. وفي حديث عثمان "إنها باقرة كداء البطن" أراد أنها مفسدة للدين، مفرقة للناس. وشبهها بداء البطن لأنها لا تدري ما هاجها، ولا كيف يتأتى لها. وفي حديث ابن عباسٍ في شأن الهدهد: "فبقر الأرض" أي فشقها ببصره حتى رأى الماء. وهذا معنى
следующие страницы →