Полный текст (1 752 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولذلك قال تعالى:﴾ هل تعلم له سميًا ﴿[مريم: ٦٥]. وهذا بخلاف بقية أسمائه؛ فإنه قد تجاسر عليه الكذاب، فتسمى، عليه اللعنة، الرحمن الرحيم. وكذا الإله قبل النقل والتفخيم يختص به تعالى. وأما إله فقد يقع على المعبود بالباطل، قال تعالى:﴾ ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به ﴿[المؤمنون: ١١٧].
٦ - وقيل: هو مشتق من وله أي دهش، ومن إخوانه دله وعله، أي أن كل مخلوق قد وله نحوه وفزع إليه، وذلك إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة معًا كبعض الناس. ومن ثم قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها، وعليه﴾ وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴿[الإسراء: ٤٤].
فأصله ولاه بمعنى مألوهٍ أي مفزوع إليه، فأبدلت الواو المكسورة همزًة كهي في وشاحٍ ووعاءٍ حيث قالوا فيهما إشاح وإعاء، ثم أدخلوا عليه الألف، وفعل به ما تقدم، وعليه قول الخليل، وعليه اعتراضات أجبت عنها.
٧ - وقيل: هو من لاه يلوه، أو من لاه يليه إذا احتجب. قيل: وهو إشارة إلى قوله:﴾ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴿[الأنعام: ١٠٣]، وإلى الباطن في قوله:﴾ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿[الحديد: ٣]. وفي حديث وهيبٍ: "إذا وقع العبد في الألهانية لم يجد أحدًا يأخذ بقلبه". قال القتيبي: هي فعلانية من الإله، فقال: إله بين الإلهية والألهانية.
وقولهم: اللهم، أصله عند البصريين يا ألله حذفت ياؤها وعوض عنها في آخره الميم المشددة، وليس ذلك في غيره. وقال الكوفيون: ليست عوضًا من (يا) بل بعض فعلٍ أصله: يا ألله أمنا، ثم حذف بعض الفعل لكثرة الدور مستدلين بأنه قد جمع
стр. 72
بينهما في قوله: [من الرجز]
٧٦ - وما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت: يا للهما
أردد علينا شيخنًا مسلمًا
ولا دليل فيه لأنه ضرورة.
وقوله تعالى:﴾ وهو الذي في السماء إله * وفي الأرض إله ﴿[الزخرف: ٨٤] أي معبود فيهما. ولذلك تعلق به الجار. ولهذا الاسم الشريف أحكام كثيرة يختص بها دون غيره من الأعلام؛ ذكرتها في كتابي المشار إليه.
أل و:
الألو: التقصير. قال تعالى:﴾ لا يألونكم خبالاً ﴿[آل عمران: ١١٨ [أي لا يقصرون في إفساد أموركم ولا يبقون غايًة في اتباعهم في الفساد. يقال: أصابه داء الفساد ولا آلوه نصحًا أي لا أقصر في نصحه. وقال الأزهري: ألألو يكون جهدًا ويكون تقصيرًا ويكون استطاعًة. يقال: ما آلوه أي ما أستطيعه.
والألوة والألوة، بفتح الهمزة وضمها، الذي يتبخر به. قال الأصمعي: هي فارسية عربت. ويقال: لوة ولية. وتجمع الألوة على ألاويةٍ، قال الأصمعي وأنشد: [من الطويل]
٧٧ - بساقين ساقي ذي قضينٍ تحشها ... بأعواد رندٍ أو الأويًة شقرا
وألوت فلانًا: أوليته تقصيرًا نحو كسبته كسبًا. وما ألوته جهدًا أي ما أوليته تقصيرًا بحسب الجهد. فجهدًا تمييز؛ قاله الراغب، وجعل هذه المادة ومعناها فقال: إلى حرف جر تحد به النهاية.
стр. 73
وألوت في الأمر: قصرت فيه، هو منه كأنه رأى فيه الانتهاء. وقوله:﴾ للذين يؤلون من نسائهم ﴿[البقرة: ٢٢٦] أي يحلفون. والألية: اليمين، وضمن معنى هذا الامتناع فتعدى بمن. يقال: آلى من أمر الله يولي إيلاء فهو مولٍ. قال الراغب: والألية: الحلف المقتضي لتقصيرٍ في الأمر الذي حلف عليه. والإيلاء في الشرع: الحلف المانع من جماع المرأة: قلت: ولابد من قيدٍ آخر، وهو مدة أربعة أشهرٍ فأكثر للنص.
قوله:﴾ ولا يأتل أولو الفضل منكم ﴿[النور: ٢٢] قيل: هو افتعل من ألوت، وقيل: من آليت: حلفت. وهذا قد نزل في شأن أبي بكرٍ، رضي الله تعالى عنه، حين حلف ليقطعن نفقته عن مسطحٍ. وقد غلط ابن عرفة أبا عبيدٍ في قوله:﴾ ولا يأتل ﴿: لا يقصر، قال: لأن الآية نزلت في حلف أبي بكرٍ، فالمعنى: لا تحلفوا، من الألية: قلت: وقد يترجح ما قاله أبو عبيدٍ من حيث الصناعة، وذلك بأن يأتل: يفتعل، وافتعل قليل من أفعل، وإنما يكثر من فعل، نحو: كسب واكتسب، وصنع واصطنع، واحده من ألوت موافقٌ للقياس، وإنزالها في حلف أبي بكر لا ينافيه، لأن المراد النهي عن التقصير. وفي الحديث: "لا دريت ولا ائتليت"، هو افتعلت من قولك: لا ألوته شيئًا، كأنه قيل: ولا أستطيعه. وحقيقته الإيلاء. ويروى: ولا تليت. قال الهروي: هو غلط، وصوابه: "لا دريت ولا ائتليت"، يدعو عليها بالائتلاء أي لا يكون لها أولاد تتلوها.
وفي الحديث: "لا صام ولا ألى" هو فعل من ألوت أي ولا استطاع أن يصوم.
وقيل: إخبار أي لم يصمم ولم يقصر. وفي الحديث: "من يتأل على الله يكذبه" أي
стр. 74
من حلف أن الله يدخل فلانًا الجنة أو النار وشبه ذلك يكذبه.
وأولاء: اسم إشارةٍ للمذكر والمؤنث، ويمد وهو الأكثر ويقصر. وتتصل به هاء التنبيه من أوله وكاف الخطاب من آخره. ويقال: أولئك، وفيه لغات ذكرتها في "إيضاح السبيل إلى شرح التسهيل"، وذكرت هناك رتبة نسبة القرب والبعد والتوسط.
والآلاء: النعم، واحدها إلى كمعى، وألى كرحي، وألي كهجرٍ، وإلي كفلسٍ. قال تعالى:﴾ فاذكروا آلاء الله ﴿[الأعراف: ٧٤] أي نعمه الظاهرة والباطنة، وإليه الإشارة بقوله:﴾ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرًة وباطنًة ﴿[لقمان: ٢٠] قرئ بالإفراد والجمع. وقوله:﴾ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴿[الرحمن: ١٣] معناه أن كل نعمةٍ من نعمه وإن قلت بالنسبة إلى فضله العميم، فلا ينبغي أن تكفر بل تشكر. وقوله:﴾ وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ربها ناظرة ﴿[القيامة: ٢٢ - ٢٣] قيل: (إلى) هنا هي النعمة، وناظرة بمعنى منتظرةٍ، وهذا تأوله المعتزلة على ذلك لينفوا ما ثبت قطعًا من الرؤية. قال الراغب بعد أن ذكره: وهو تعسف من حيث البلاغة.
وألا: بالتخفيف، يكون حرف استفتاحٍ وتنبيهٍ ينبه به المخاطب، ويكون للعرض والتمني. وتكون (لا) النافية دخلت عليها همزة الاستفهام من غير تغييرٍ لها في العمل. وتكون للتخضيض، فتختص بالفعل كالا بالتشديد، ولولا، ولوما، وهلا. ولها أحكام أخر.
стр. 75
أل ي:
حرف جر معناه انتهاء الغاية. وهل يدخل ما بعدها في ما قبلها؟ خلاف مشهور حققته في غير هذا الكتاب.
١ - وتكون بمعنى (مع) نحو:﴾ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴿[النساء: ٢].
٢ - وبمعنى (في) كقوله: [من الطويل]
٧٨ - فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
أي: في الناس.
٣ - وبمعنى من، كقوله: [من الطويل]
٧٩ - أيسقى فلا يروى إلي ابن أحمرا؟
أي فلا يروي مني.
٤ - وزائدة كقراءة﴾ تهوى إليهم ﴿[إبراهيم: ٣٧] بفتح الواو.
والألية: الثانية عن الظهر، وشذ تثنيتها أليان بحذف الياء. والألية أيضًا أصل الإبهام، كما الضرة أصل الخنصر. وفي الحديث: "أنه ﵊ تفل في عين علي فمسح ألية إبهامه".
وإليك: قد تقع موقع تنح. وفي الحديث: "ولا إليك إليك".
فصل الألف والميم
أم ا:
أما بالتشديد: حرف يفصل ما أجمله المتكلم وادعاه المخاطب. ومعناها معنى اسم شرطٍ وفعله، فسرها سيبويه بـ: مهما يكن من شيءٍ. ولذلك تلزم الفاء في
стр. 76
جوابها. قال تعالى:﴾ فأما اليتيم فلا تقهر ﴿[الضحى: ٩]. وقد تحذف بكثرةٍ مع قولٍ مضمرٍ، كقوله تعالى:﴾ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ﴿[آل عمران: ١٠٦] فيقال لهم: أكفرتم؟ ودونه قليلاً كقوله: [من الطويل]
٨٠ - فأما القتال لا قتال لديكم ... ولكن سيرًا في عراض المواكب
أي فلا قتال.
ويجاء مع الشرط الصحيح فيحذف جوابه لدلالة جوابها عليه كقوله تعالى:﴾ وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلام ﴿[الواقعة: ٩٠]. ولا يليها إلا الأسماء، وبذلك أجمعوا، إلا من شذ على رفع ثمود من قوله:﴾ وأما ثمود فهديناهم ﴿[فصلت: ١٧]. ولم ينصب على الاشتغال.
وأما بالتخفيف: حرف كألا، وتكون بمعنى حقًا، ولكونها بهذين المعنيين جاز في (أن) الواقعة بعدها الكسر والفتح، على أنها استفتاح كلامٍ فوقعت أن في ابتداء الكلام، فمن ثم كسرت، والفتح على أنها بمعنى حقًا. وحقًا مشبهة بالظرف؛ فتكون خيرًا مقدمًا. وأن وما بعدها في محل المبتدأ تقديره: أنك ذاهب أي ذهابك.
وإما، بالكسر والتشديد: حرف معناه الشك أو الإبهام أو التخيير أو الإباحة أو التقسيم كأو. وادعى بعضهم أنها عاطفة إجماعًا، وبعضهم أثبت فيها خلافًا، قال تعالى:﴾ إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا ﴿[الإنسان: ٣] ظاهر فيه التخيير، ويجوز الإباحة. وقوله:﴾ حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة ﴿[مريم: ٧٥] ظاهر فيه التنويع، وقد تحذف الثانية ويغني عنها (أو)، نحو: قام إما زيدًا أو عمرًا. وقد يغني عنها إلا، كقوله: [من الوافر]
٨١ - فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي من سميني
стр. 77
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوًا أتقيك وتتقيني
وقد تبدل ميمها الأولى ياء مع فتح همزتها، وأنشد: [من البسيط]
٨٢ - يا ليتما أمنا شالت نعامتها ... أيما إلى جنةٍ أيما إلى نار
وهذه الأحرف الثلاثة قد ذكرتها مبسوطًة في غير هذا. وفي هذا كفاية لما نحن بصدده.
أم ت:
قال تعالى:﴾ لا ترى عوجًا ولا أمتًا ﴿[طه: ١٠٧] أي لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، أي لا حدب فيها ولا نبك. والنبك: التلال الصغار.
والأمت في الأصل: المكان المرتفع. ويقال: ملأ مزادته فلا أمت فيها، أي لا غرض فيها ولا تثني. وأمت الشيء أي قدرته فهو مأموت. وأنشد: [من الرجز]
٨٣ - هيهات فيها ماؤها المأموت
وفي الحديث: "إن الله حرام الخمر فلا أمت فيها". قال شمر: أي لا عيب فيها. قال الأزهري: بل معناه: لا شك فيها، ولا ارتياب أنه لتنزيل من رب العالمين، لأن الأمت في صيغة اللغة: الحزر والتقدير ويدخلهما الظن. يقال: بيننا وبين الماء ثلاثة أميالٍ على الأمت، أي الظن. وكم تأمت هذا الأمر؟ أي تقدره؟ قال الهروي: قلت: معناه حرمها تحريمًا لا هوادة فيه، أي لا لين فيه. يقال: سار سيرًا لا أمت فيه، أي لا لين فيه ولا فتور.
أم د:
قال الله تعالى:﴾ فطال عليهم الأمد. ﴿[الحديد: ١٦] والأمد والأبد أخوان
стр. 78
إلا أن بينهما فرقًا وهو أن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود، ولا يتقيد فلا يقال: أبد كذا. والأمد: مدة لها حد مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا. والفرق بينه وبين الزمن أن الأمد يقال باعتبار الغاية. والزمان عام في المبدأ والغاية. ولذلك قال بعضهم: الأمد والمدى يتقاربان. وقد تجيء لمجرد الغاية كقوله تعالى:﴾ تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا ﴿[آل عمران: ٣٠] أي غايًة. وقد تجيء لنهاية بلوغها كقوله:﴾ فطال عليهم الأمد ﴿. وقيل من قولهم: طال الأمد على لبدٍ، أي الزمان, ولبد: اسم نسر لقمان بن عمادٍ. وكقوله:﴾ أحصى لما لبثوا أمدًا ﴿[الكهف: ١٢] أي غاية إقامة.
وقولهم: استولى على الأمد أي غلب سابقًا. وللإنسان أمدان؛ مولده وموته. وعن الحجاج أنه قال للحسن: ما أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر رضي الله تعالى عنه أي ولدت لسنتين بقيتا من خلافته.
وجمع الأمد: آماد.
أم ر:
الأمر يقال باعتبار طلب الفعل، وله صيغ أصلها افعل وما في معناها. وهل يشترط فيه الاستعلاء والعلو؟ خلاف بين الأصوليين. ولذلك اختلفوا في مدلوله هل هو وجوب أو ندب، أو مشترك بينهما. ويرد لمعانٍ أخر حررتها في موضعٍ آخر. ويطلق باعتبار الحال والبيان، فيشمل ذلك الأقوال والأفعال، كقوله تعالى:﴾ وما أمر فرعون برسيدٍ ﴿[هود: ٩٧] ومثله في العموم:﴾ وإليه يرجع الأمر كله ﴿[هود: ١٢٣]. وزاد بالإبداع وعليه:﴾ ألا له الخلق والأمر ﴿[الأعراف: ٥٤]. ومن ثم حمل الحكماء قوله:﴾ قل الروح من أمر ربي ﴿[الإسراء: ٨٥] على ذلك، أي هو من إبداعه، ويختص به دون خلقه. وقوله:﴾ افعل ما تؤمر ﴿[الصافات: ١٠٢] تنبيه أن رؤيا الأنبياء صلوات الله
стр. 79
وسلامه عليهم بمنزلة اليقظة لا فرق بينهما. وقوله:﴾ وما أمرنا إلا واحدة كلمحٍ بالبصر [[القمر: ٥٠] عبر به عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه فهمنا، وتسعه عقولنا. وعليه قوله:﴾ إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون ﴿[يس: ٨٢]. وقوله:﴾ بل سولت لكم أنفسكم أمرًا ﴿[يوسف: ١٨] عبر به عما تأمر به النفس الأمارة المشار إليها بقوله:﴾ إن النفس لأمارة بالسوء ﴿[يوسف: ٥٣]. وقوله:﴾ أتى أمر الله ﴿[النحل: ١] يعني القيامة. فعبر عنها بأعم أحوالها من أقوالٍ وأفعالٍ. وقوله:﴾ أمرنا مترفيها ﴿[الإسراء: ١٦] أي أمرناهم بالطاعة فعصوا. وقيل: معناه كثرناهم فبسبب ذلك عصوا وفسقوا، وتنصره قراءة "أمرنا" بالتشديد و"آمرنا" بالمد. وقد منع أبو عمروٍ "أمرنا" بمعنى التكثير، مخففًا غير ممدودٍ، وأثبته أبو عبيدة مستدلاً بقوله ﵊: "خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة". المأمورة: الكثيرة النتاج، وهي من أمر الثلاثي. والمأبورة: التي لقحت. والسكة: حديقة النخل. وقد حكي: أمرت المهرة بالتخفيف والقصر؛ فهي مأمورة. وآمرتها بالمد فهي مؤمرة.
وأمر القوم: كثروا، لأنهم لما كثروا صاروا ذوي أمرٍ من حيث إنه لابد لهم من سائسٍ. وقيل في قراءة: أمرنا بالتشديد جعلناهم أمراء، وسلطانهم آمر عليهم يأمر صار أميرًا. وفي الحديث: "آمري جبريل"، أي وليي وصاحب أمري. وقيل: إن كثرة الأمراء سبب في إفساد ...
وقوله:﴾ لقد جئت شيئًا إمرًا ﴿[الكهف: ٧١] أي شيئًا منكرًا، وهو من أمر الأمر، أي كبر وكثر، نحو: استفحل الأمر.
والائتمار: التشاور. وأصله أن الائتمار قبول الأمر، وذلك أن المتشاورين يقبلون أمر بعضٍ بعضًا، ومنه:﴾ إن الملأ يأتمرون بك ﴿[القصص: ٢٠]. قال الأزهري: الباء
стр. 80
بمعنى في.﴾ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ﴿. [البينة: ٥] مثل: ائرمروا. وقوله:﴾ وائتمروا بينكن بمعروف ﴿[الطهلق: ٦] أي ليكن المعروف من أمركم، ومما ينبغي ... به بل يشاور بعضكم بعضًا في دفعه يفعه. وقال عمر ﵁: "الرجال ثلاثة: رجل إذا نزل به أمر ائتمر رأيه" واختلف فيه، فقال شمر: شاور رأيه، وارتأى قبل مواقعة الأمر.
وقيل: هو الذي بهم بالأمر يفعله. وكل من عمل برأيه فلابد له من مواقعة الخطأ وأنشدوا للنمر بن تولبٍ: [من المديد]
٨٤ - علقت لوًا تكررها ... إن لوا ذاك أعيانا
إعلمي أن كل مؤتمر ... مخطئ في الرأي أحيانا
وفي حديثٍ آخر: "لا يأتمر رشدًا" أي لا يأتي برشدٍ من ذات نفسه. وقال القتيبي: أحسبه من المر، كأن نفسه أمرته فائتمر. وقال أبو عبيدٍ في قول امرئ القيس: [من المتقارب]
٨٥ - ويعدو على المرء ما يأتمر
فعل الشيء من غير رويةٍ ولا تثبت فيندم.
والأمارة بفتح الهمزة بمعنى العلامة، وفي الحديث: "هل لك من أمارة؟ " والأمار جمعها، نحو مرة ومر. والإمارة بالكسر مصدر كالولاية مع أنه سمع الفتح والكسر في المصدر. وقد قرئ:﴾ الولاية لله ﴿[الكهف: ٤٤] و﴾ من ولايتهم ﴿[الأنفال: ٧٢] بالوجهين. وقوله:﴾ وأولي الأمر ﴿[النساء: ٥٩]. قيل: هم الأمراء في زمنه ﵊، وقيل: هم الأنبياء ﵈. وقيل: العلماء. وقيل: الآمرون
стр. 81
بالمعروف. وقيل: أهل الدين المطيعون لله من الفقهاء قاله ابن عباسٍ. وهذا كله محتمل، قال الراغب: وجه ذلك أن أولي الأمر الذين يرتدع بهم الناس هم أربعة: الأنبياء وحكمهم على ظاهر العامة والخاصة وعلى باطنهم. والولاة وحكمهم على ظاهر الكافة دون باطنهم. والحكماء وحكمهم على بواطن العامة دون ظاهرهم. والوعاظ وحكمهم على بواطن العامة دون ظواهرهم. قال تعالى:﴾ وأوحي في كل سماءٍ أمرها ﴿[فصلت: ١٢].
أم س:
أمسٍ: ظرف زمان ماضٍ يبنى لتضمنه معنى الحرف وهو الألف واللام بدليل وصفه المعرف في قوله: [من مجزوء الكامل]
٨٦ - ذهبوا كأمس الدابر
قيل: وقد يعرب غير منصرف كقوله: [من الرجز]
٨٧ - لقد رأيت عجبًا مذ أمسا
عجائزًا مثل السعالي خمسا
يأكلن ما بينهن همسا
لا ترك الله لهن ضرسا
وحقيقته: اليوم الذي قبل يومك، ويليه يومك. وقد يعبر به عن مطلق الزمان الماضي كقوله:﴾ فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس ﴿[يونس: ٢٤]. وكما لم يرد باليوم اليوم الذي أنت فيه، ولا بالغد اليوم الذي بعد يومك، بل يراد بها الماضي
стр. 82
والحاضر والمستقبل، وعلى ذلك حمل قول زهيرٍ: [من الطويل]
٨٨ - وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غدٍ عم
قالوا: أراد باليوم الزمن الحاضر، وبالأمس الماضي، وبالغد المستقبل، وإلا لم يكن لكلامه فائدة؛ إذ من المعلوم أن ما قبل يومه وبعده كذلك، فتخصيصه لهما بالذكر عي. ومتى أضيف أو عرف بأل أعرب، قال تعالى:﴾ كأن لم تغن بالأمس ﴿. وتقول: أمسك خير من يومك.
أم ل:
الأمل: ظن البقاء، والطمع في زيادته، قال تعالى:﴾ ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل ﴿[الحجر: ٣]. وقد تجيء لمجرد الطمع، قال كعب بن زهيرٍ: [من البسيط]
٨٩ - أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل
وأملت معروفك أؤمله تاميلاً. وفي الحديث: "يشيب المرء وتشيب فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل" أي الطمع في البقاء.
والتأمل: التدبر، وهو النظر في عواقب الشيء والتفكر فيها. ومنه تأمل المسألة.
أم:
على ضربين: متصلةٍ ومنقطعةٍ فالمتصلة هي العاطفة. وشرطها أن تتقدمها همزة استفهام لفظًا نحو: أقام زيد أم عمرو؟ أو تقديرًا نحو قوله: [من الطويل]
٩٠ - لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ... شعيث بن سهمٍ أم شعيث بن منقر؟
أو همزة تسويةٍ نحو:﴾ أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴿[البقرة: ٦]، وأن يعطف بها
стр. 83
مفردًا وما في قوته، وأن يصلح موضعها (أي) ويجاب بإحدى: الشيئين أو الأشياء.
والمنقطعة بخلافها، وتقدر بـ (بل) والهمزة نحو: إنها لإبل أم شاء وقد تقدر بـ (بل) وحدها، كقوله: [من الطويل]
٩١ - فليت سليمي في الممات ضجيعتي ... هنالك، أم في جنةٍ أم جهنم
وتجاب على بـ (لا) أو بـ (نعم). ولها أحكام كثيرة مذكورة في الكتب المشار إليها.
أم م:
الأم: القصد. يقال: أممت زيدًا قصدته؛ قال تعالى:﴾ ولا آمين * البيت الحرام ﴿[المائدة: ٢] أي قاصديه، أي لا تتعرضوا لهم. وقيده بعضهم فقال: هو القصد المستقيم نحو المقصود، فهو أخص منه. يقال: أم ويؤم، وتيمم بمعنى واحدٍ. وفي حديثٍ: "كانوا يتأممون شرار ثمارهم للصدقة".
والأمة: الجماعة من الناس يجمعهم أمر ما؛ دين أو زمان أو مكان واحد، سواء كان ذلك الجامع اختياريًا أم قهريًا والجمع أمم، قوله تعالى:﴾ إلا أمم أمثالكم ﴿[الأنعام: ٣٨] أي كل نوعٍ منها على طريقةٍ قد سخرها عليه بالطبع فهي ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرفة، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام إلى غير ذلك من الطبائع التي يختص بها نوع دون نوعٍ. وقيل: أمثالكم في الشقاوة والسعادة. وقيل: في أن لهم آجالاً مقدرًة كما أنتم. وقيل: أمثالكم في الخلق والموت والبعث.
стр. 84
وعن ابن عباسٍ: الأمة أتباع الأنبياء ومنه أمة محمدٍ ﷺ . وقوله:﴾ إن هذه أمتكم أمًة واحدًة ﴿[الأنبياء: ٩٢] أي دينكم. والأمة أيضًا الطريقة المستقيمة. قال الذبياني: [من الطويل].
٩٢ - حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمةٍ وهو طائع؟
وعليه قوله:﴾ من أهل الكتاب أمة قائمة ﴿[آل عمران: ١١٣]، قيل: ذو أمةٍ أي ذو طريقةٍ قويمةٍ.
والأمة: كل جيلٍ في زمنٍ وإن لم يكونوا ناسًا؛ وفي الحديث: "لولا أن الكلاب أمة تسبح لأمرت بقتلها". وفي الحديث: "إن يهود بني عوفٍ أمة من المؤمنين" تأويله أنهم بالصلح الذي حصل بينهم وبين المؤمنين كأمةٍ من المؤمنين، كلمتهم وأيديهم واحدة.
ويطلق على من تفرد بدينٍ: أمًة، ومنه: "قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل يبعث أمًة وحده"، قال تعالى:﴾ إن إبراهيم كان أمًة ﴿[النحل: ١٢٠].
والأمة: المدة من الزمان﴾ وادكر بعد أمةٍ ﴿[يوسف: ٤٥] أي بعد حينٍ. وقوله:﴾ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمةٍ معدودةٍ ﴿[هود: ٨] من ذلك. وقوله:﴾ ولو شاء الله لجعلكم أمًة واحدًة ﴿[المائدة: ٤٨] أي دينًا واحدًا. ومثله:﴾ كان الناس أمًة واحدًة ﴿[البقرة: ٢١٣] أي دينًا واحدًا، فقيل: كفر وقيل: إسلام.
والأمة: الصنف، قال تعالى:﴾ تلك أمة قد خلت ﴿[البقرة: ١٣٤] أي صنف قد طوي زمنه؛ فما بالكم تفتخرون بهم؟ وكانوا يقولون: نحن أبناء الأنبياء، ويترجون أن يكونوا أمثالهم.
стр. 85
والأم: أحد الأبوين، وتجمع في العقلاء على أمهات، وفي غيرهم على أماتٍ، وقد ينعكس قليلاً، قال الشاعر، فجمع بين اللغتين: [من المتقارب]
٩٣ - إذ الأمهات قبحن الوجوه ... فرجت الظلام بأماتكا
ويقال: أمهة. قال: [من الرجز]
٩٤ - أمهتي خندف وإلياس أبي
فقيل: هذا أصلها، ولذلك يصغرونها، فيقال: أميمة. وقيل: هي مزيدة. وقيل: بل هي مزيدة كهي في هو كوله وهلع. وقال آخر: [من الطويل]
٩٥ - وأمات أطلاءٍ صغارٍ كأنها
فهذا جاء على الكثير.
قال الخليل: كل شيءٍ ضم إليه سائر ما يليه يسمي أمًا. وقال غيره: كل ما كان أصلاً لوجود الشيء أو إصلاحه أو تربيته أو مبدئه أم. قال تعالى:﴾ وعنده أم الكتاب ﴿[الرعد: ٣٩]، أي اللوح المحفوظ، لأن العلم كله منسوب إليه.
وأم القرى: مكة، لأن الأرض دحيت من تحتها. وقوله:﴾ ولتنذر أم القرى ﴿[الأنعام: ٩٢] على حذف مضافٍ، أي أهل أم القرى، نحو:﴾ واسأل القرية ﴿[يوسف: ٨٢]. وقوله:﴾ أم الكتاب ﴿[الزخرف: ٤] لأنها مبدؤه وأصله، ولاشتمالها على الأنواع الواردة في جميع القرآن حسبما بينته في غير هذا الموضع، وإن كان بعضهم
стр. 86
كره تسميتها بأم الكتاب. وقوله:﴾ هن أم الكتاب ﴿[آل عمران: ٧] أي معظمه. وأم الطريق: معظمه، وأم الرمح: لواؤه. قال: [من الرمل]
٩٦ - وسلبنا الرمح فيه أمه ... من يد العاصي وما طال الطيل
والأمي: من لا يكتب ولا يقرأ من كتابٍ؛ قال تعالى:﴾ النبي الأمي ﴿[الأعراف: ١٥٧] يقال: رجل أمي: منسوب إلى أمةٍ أميةٍ، وفي الحديث: "بعثت إلى أمةٍ أميةٍ" وهو الباقي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة. والأمي: منسوب إلى أمه التي ولدته.
والإمام: المتبع في أقواله وأفعاله وأحواله. ومنه قوله:﴾ إني جاعلك للناس إمامًا ﴿[البقرة: ١٢٤] ولذلك ادعاه كل أحدٍ. ولم يصدق في ذلك إلا المسلمون، ومن فعل فعلهم. قوله:﴾ وكل شيءٍ أحصيناه في إمامٍ مبينٍ ﴿[يس: ١٢]، هو اللوح المحفوظ. وقيل: كتب أعمالهم.
وقوله:﴾ لبإمامٍ مبينٍ ﴿[الحجر: ٧٩]، أي أن القريتين المهلكتين؛ قريتي قوم لوطٍ وأصحاب الأيكة بطريقٍ واضحٍ تمر عليه قريش في سفرها.
والإمام: الطريق، لأن سالكه يتبعه. وقوله:﴾ واجعلنا للمتقين إمامًا ﴿[الفرقان: ٧٤] أي يقتدي بنا من بعدنا، وقوله:﴾ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ﴿[الإسراء: ٧١] قيل: نبيهم. وقيل: كتابهم. وقيل: عالمهم الذي اقتدوا به.
стр. 87
أم ن:
الأمن: الطمأنينة عند الخوف. قال تعالى:﴾ أولئك لهم الأمن ﴿[الأنعام: ٨٢]. والأمن والأمان والأمانة في الأصل مصادر. وتجعل الأمانة اسم الحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن تارًة، ولما يؤتمن عليه الإنسان أخرى، نحو:﴾ وتخونوا أماناتكم ﴿[الأنفال: ٢٧] أي ما ائتمنتم عليه. قال تعالى:﴾ إنا عرضنا الأمانة ﴿[الأحزاب: ٧٢]. قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل العدالة، وقيل: العقل، وقيل: [وهو صحيح، فإن العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم] حروف التهجي؛ بل بحصوله يعلم كل ما في طوق البشر، وبه فضل على كثيرٍ ممن خلقه تفضيلاً. وقال الحسن: هي الطاعة، وقيل: العبادة.
وفي الحديث: "الأمانة غنى" أي سبب الغنى، لأنه متى عرف بالأمانة كثر معاملوه. وقوله:﴾ ومن دخله كان آمنًا ﴿[آل عمران: ٩٧]. قيل: آمنًا من النار. وقيل: لفظه خبر، ومعناه الأمر. وقيل: من بلايا الدنيا. وقيل: الاصطلام. وقيل: آمن في حكم الله تعالى، كقولك: هذا حلال وهذا حرام في حكم الله. والمعنى: لا يجب أن يقتص منه ولا يقتل فيه إلا أن يخرج منه. ومثل ذلك:﴾ جعلنا حرمًا آمنًا ﴿[العنكبوت: ٦٧].
وقوله:﴾ أمنًة نعاسًا ﴿[آل عمران: ١٥٤] هي بمعنى الأمن، وذلك أن النوم منتفٍ عن الخائف. والآمن هو الذي يتطرق إليه النوم. وقيل: هي جمع آمنٍ نحو كتبةٍ وكاتبٍ. وفي حديث نزول المسيح: "وتقع الأمنة في الأرض.
стр. 88
وقوله: ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦] أي منزله الذي يأمن فيه. وقوله:﴾ في مقامٍ أمينٍ ﴿[الدخان: ٥١] لأن أهله أمنوا فيه من العذاب والفقر. وقوله:﴾ وهذا البلد الأمين ﴿[التين: ٣] يعني به مكة، لأن غيرها من البلاد كان أهلها يغير بعضهم على بعضٍ. ومكة آمنة من ذلك.
قوله:﴾ وما أنت بمؤمنٍ لنا ﴿[يوسف: ١٧] أي بمصدق؛ لأن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن. قوله:﴾ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴿[النساء: ٥١] فهذا ذم لهم وتهكم بهم، وأنهم قد حصل لهم الأمن من وجهٍ لا يصح معه أمن، لأن طبيعة القلب السليم ألا يطمئن إلى الباطل، وعليه قول الشاعر: [من الوافر]
٩٧ - تحية بينهم ضرب وجيع
كما يقال: وإيمانه الكفر. أي جعلت التحية ضربًا والإيمان كفرًا.
والإيمان لغًة: التصديق، وعند كثيرٍ من أهل العلم اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. ولم يشترط الأشاعرة عمل الأركان.
وأمن يقال باعتبارين أحدهما أمن غيره أي حصل له الأمن، ومنه وصفه تعالى بالمؤمن. والثاني أنه صار ذا أمنٍ، فيكون قاصرًا نحو: أمن زيدٌ كأبقل المكان وأعشف. ولكونه مضمنًا للتصديق عدي بالباء في﴾ يؤمنون بالغيب ﴿[البقرة: ٣] أي يصدقون بجميع ما أخبر به النبي ﷺ من أمور الآخرة الغائبة عنهم. ومنه قوله ﵊: "ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب". وقد جعل النبي ﷺ الحياء وإماطة الأذى من الإيمان لأنهما ينشأان عنه، وجعل الإيمان في خبر جبريل المشهور من ستة أشياء.
والإيمان تارًة يجعل اسمًا للشريعة التي جاء بها محمد ﷺ ، ومنه:﴾ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ﴿[المائدة: ٦٩]. ويدخل فيه كل من
стр. 89
دخل في دينٍ مقر بالله ورسوله. قيل: وعليه قوله تعالى:﴾ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ﴿[يوسف: ١٠٦] فقوله:﴾ إن الذين آمنوا ﴿أي بألسنتهم. ثم قوله ثانيًا:﴾ من آمن ﴿[البقرة: ٦٢] يعني من واطأ قلبه لسانه. وقيل: معناه أنهم مقرون بأن الله خالقهم، ومع ذلك يشركون به عبادة الأصنام.
وجعل الصلاة إيمانًا في قوله:﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿[البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم نحو بيت المقدس. والمعنى تصديقكم بأمر القبلة، وذلك أن المنافقين وغيرهم لما حولت القبلة قالوا: فكيف بمن مات قبل ذلك؟ قاله المنافقون استهزاء والمؤمنون تحزنًا على الموتى واستفسارًا عن حالهم. وفي حديث عقبة: "أسلم الناس وآمن عمرو" يعني أن غيره آمن بلسانه نفاقًا خوفًا من السيف، وهو آمن مخلصًا.
ورجل أمنة وأمنة أي يثق بكل أحدٍ. وأمين وأمان أي يؤمن به. والأمنون: الناقة التي يؤمن عثارها وفتورها. قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٩٨ - فعزيت نفسي حين بانوا بجسرةٍ ... أمونٍ كبنيان اليهودي خيفق
والجسرة: القوية. والخيفق: الطويل.
آمين: اسم فعلٍ معناه استجب أو ليكن كذلك. وتشديد ميمه خطأ عند الحذاق. وقيل: آمين وأمين بالمد والقصر. وأنشدوا في مده: [من البسيط]
٩٩ - يا رب لا تسلبني حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدًا قال: آمينا
وفي قصره: [من الطويل]
стр. 90
١٠٠ - تباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين، فزاد الله ما بيننا بعدا
آمين: اسم من أسماء الله تعالى، قاله الفارسي وردوا عليه. وقد أجيب عنه في غير هذا الكتاب. وأما حكمه بالنسبة إلى الجهر والإسرار وحكم الإمام والمأموم فقد بسطت القول في ذلك في "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز" والحمد لله.
وفي الحديث" "آمين خاتم رب العالمين"، قال أبو بكرٍ: معناه أنه طابع الله على عباده تدفع به الآفات فكان كخاتم الكتاب الذي يصونه ويمنع من فساده وإظهار ما فيه. وفي حديثٍ آخر: "آمين درجة في الجنة". قال أبو بكرٍ: معناه أنه حرف يكتسب به قائلة درجًة في الجنة. وكان الحسن إذا سئل عن تفسيره قال: معناه: اللهم استجب. قلت: وهذا معنى قول من قال: إنه اسم من أسماء الله تعالى لأن فيه ضمير الباري مستترًا، تقديره: استجب أنت.
أم هـ:
قرأ بعضهم:﴾ وادكر بعد أمهٍ ﴿[يوسف: ٤٥].
والأمه: النسيان، يقال: أمهت آمه أمهًا فأنا أمهٌ. وهذه القراءة مناسبة للمعنى وموافقة للرسم. وقد نقل الهروي عن الأزهري عن المنذري، عن ابن الهيثم: أمهٍ بجزم الميم، وأمه خطأ.
والأمه أيضًا: الإقرار. وفي حديث: "من امتحن في حد فأمه ثم تبرأ فليس عليه عقوبة" قال أبو عبيد: هو الإقرار، ومعناه أن يعاقب ليقر فإقراره باطل. قال: ولم أسمع
стр. 91
الأمه بمعنى الإقرار. إلا في هذا الحرف. والأمه في غير هذا النسيان.
فصل الألف والنون
أن ت:
أنت: ضمير المخاطب المذكر، وهل كله ضمير؟ وأن والتاء حرف خطابٍ، أو التاء وأن زائدة؟ عماد خلافٍ لا طائل تحته. ويتصل بهذه التاء علامة تثنية ميم وألف. ويشترك فيه حينئذٍ خطاب الذكرين والأنثيين أو الذكر والأنثى نحو: أنتما يا زيدان أو يا هندان، أو يا زيد وهند. وعلامة جمع الذكور العقلاء ميم مضمومة بعدها واو نحو: أنتمو. وجمع الإناث نون مشددة مفتوحة نحو أنتن، والتاء مضمومة قبل ذلك كله، كالتاء إذا كانت ضميرًا نحو ضربتما، ضربتموه، ضربتن. وهذه التاء تفتح للمخاطب وتكسر للمخاطبة نحو:﴾ أأنت قلت للناس ﴿[المائدة: ١١٦] الخطاب لعيسي ﵇، والتوبيخ لمن عبده وأمه من دون الله.
أن ث:
الأنثى تقابل الذكر من جميع الحيوانات، فالمرأة أنثى، والناقة والنعجة والأتان كذلك، وذلك باعتبار الفرجين، ولذلك يقول النحاة: مؤنث حقيقي ويعنون ما له فرج، وغير الحقيقي ما ليس له فرج. وإنما عاملته العرب معاملة المؤنث كالشمس والبدر. ولما كان الذكر أقوى من الأنثى جعلوا الأضعف في بعض الأشياء أنثى، والأقوى ذكرًا. فقال: سيف ذكر، أي قاطع، وسيف أنيث في عكسه. قال: [من الوافر]
١٠١ - فيعلمه بأن العقل عندي ... جراز لا أفل ولا أنيث
أي: [لا أعطيه إلا السيف القاطع، ولا أعطيه الدية]
وقوله تعالى:﴾ إن يدعون من دونه إلا إناثًا ﴿[النساء: ١١٧] قال الفراء: كانوا
стр. 92
يسمون اللات والعزى ومنات، وهذه إناث. وقال الحسن: كانوا يقولون في الأصنام: هذه أنثى بني فلانٍ. قال الراغب: من المفسرين من اعتبر حكم اللفظ فقال: لما كانت أسماء معبوداتهم مؤنثًة نحو اللات والعزى ومناة قال ذلك. ومنهم من اعتبر حكم المعنى وهو أصح. ويقول: المنفعل يقال له: أنيث. ولما كانت الموجودات بإضافة بعضها إلى بعضٍ ثلاثة أضرب: فاعل غير منفعلٍ وذلك هو الباري تعالى. ومنفعل غير فاعلٍ وذلك هو الجمادات. وفاعل من وجهٍ ومنفعل من وجهٍ كالملائكة والإنس والجن. فبالإضافة إلى الله منفعلة، وبالإضافة إلى مصنوعاتهم فاعلة. ولما كانت معبوداتهم من جملة الجمادات التي هي منفعلة غير فاعلة سماها الله تعالى أنثى وبكتهم بها ونبههم على جهلهم في اعتقادهم فيها الألوهية، مع كونها غير ضارة ولا نافعةٍ، فإنها لا تفعل شيئًا البتة، بخلاف عبدتها فإنهم أكمل منها من أن لهم فعلاً في الجملة. ولما كان بعض الأشياء يشبه بالذكر في حكم اللفظ ذكر حكمه، وبعضها بالمؤنث في حكم اللفظ أنث أحكامها نحو اليد والأذن، والخصية لتأنيث لفظ الأنثيين قال الشاعر: [من الطويل]
١٠٢ ضربناه تحت الأنثيين على الكرد
قال: [من الوافر] وما ذكر وإن يسمن كأنثى
يعني القراد فجعله أنثى باعتبار لفظه. وقيل:﴾ إلا إناثًا ﴿[النساء: ١١٧] أي مواتًا كالأحجار والخشب والمدر. وهذا تفسير للواقع لأن أصنامهم كانت متخذًة من ذلك كله وليس من تفسير اللفظ كما نبهت عليه أول الكتاب.
وأرض أنيث أي سهلة حسنة النبت، تشبيهًا بالأنثى لسهولتها وما يخرج منها. وفي
стр. 93
حديث إبراهيم: "كانوا يكرهون المؤنث من الطيب، ولا يرون بذكورته" قال شمر: يريدون بالمؤنث طيب النساء كالخلوق والزعفران [وما يلون الثياب]، وبذكورته ما لم يلونها كالمسك والغالية والكافور. وذكارة الطيب: كذلك.
أن س:
الإنس: الجيل المقابل للجن. قال تعالى:﴾ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴿[هود: ١١٩] وقال:﴾ يا معشر الجن والإنس ﴿[الأنعام: ١٣٠] سموا بذلك لأنهم كانوا يؤنسون أي يبصرون بخلاف الجن؛ فإنهم كانوا يخفون أي يستترون فلا يبصرون. ومنه قوله تعالى:﴾ إني آنست نارًا ﴿[طه: ١٠] أي أبصرتها: وقيل: آنست: أحسست ووجدت وهو بمعنى الأول لأن البصر أحد الحواس.
يكوله تعالى:﴾ فإن آنستم منهم رشدًا ﴿[النساء: ٦] أي علمتم. وأصله أبصرتم، لأنه طريك العلم. وإنسان العين ما يبصر فيه الإنسان شخصه لرقته وصفائه.
وقوله:﴾ حتى تستأنسوا ﴿[النور: ٢٧] أي تستأذنوا، ومعناه تستعلموا؛ هل يؤذن لكم؟ وما يحكي عن ابن عباسٍ أن الأصل "تستأذنوا" فعلها الكاتب فشيء لا يصح عنه﴾ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴿[الحجر: ٩]، ولذلك قال ابن عرفة: حتى تنظروا أيؤذن لكم؟ أم لا؟ وفي الحديث: "السلام عليكم أأدخل؟ ثلاثًا، فإن أذن له وإلا رجع" قال الأزهري: من يقول من العرب: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدًا؟ معناه
стр. 94
تبصر. قال الذبياني: [من البسيط]
١٠٣ - كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنسٍ وحد
أي: على ثورٍ متبصرٍ، هل يرى صائدًا فيحذره؟
والإنس خلاف النفور. والإنسي منسوب إلى الإنس، ويقال لكل ما يؤنس به، ولمن كثر أنسه. ومنه قيل لما يلي الراكب من جانبي الدابة، وما يقابل الرامي من جانبي القوس: إنسي، وللجانب الآخر وحشي. فالإنسي من كل شيءٍ: ما يلي الإنسان، والوحشي: الجانب الآخر.
والإنسان مشتق من الأنس، وزنه فعلان لأنه لا قوام له إلا بأنسٍ آخر من جنسه. ولذلك قيل: الإنسان مدني، وجمعه أناسي وأصله أناسين، فأبدلت النون ياًء وأدغمت كطراين في طرايين جمع طريان. وجعل الراغب الأناسي جمعًا لإنسي وليس بصوابٍ لما ذكرته في موضعه، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
وقيل: إنسان أصله إنسيان فحذفت ولذلك صغروه على أنيسيانٍ. قالوا: مشتق من النسيان، وأنشدوا: [من الكامل
١٠٤ - سميت إنسانًا لأنك ناس
والناس عندهم من ذلك، وأصله نسي ثم قلبت الكلمة. وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك في باب النون.
أن ف:
الأنف معروف، ولعزة مكانه سموا به كل عزيز. قالوا: أنف الجمل لأعلاه، ورغم أنفه أي لصق بالرغام وهو التراب، وترب أنفه. ويقولون في المتكبر: شمخ بأنفه. ونسبوا
стр. 95
الحمية والعزة له، قال الشاعر: [من الطويل]
١٠٥ - إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها ... ولم أطلب العتبى ولكن أزيدها
وأنف فلان من كذا: استنكف. والأنفة: الحمية. واستأنفت الشيء: ابتدأته، وحقيقته؛ أخذت بأنفه مبتدئًا به، ومنه:﴾ ماذا قال آنفًا ﴿[محمد: ١٦] أي مبتدئًا. قال الشاعر في بني أنف الناقة: [من البسيط]
١٠٦ - قوم الأنف، والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟
قيل: كانوا يكرهون النسبة إليه حتى قيل هذا الشعر، فصار أحب إليهم من كل شيءٍ.
قوله تعالى:﴾ ماذا قال آنفًا ﴿أي الساعة. وحقيقته ما قدمته أنه من استأنفت الشيء أي ابتدأته. والمعنى: ماذا قال في أول وقتٍ يقرب من وقتنا؟ وروض أنف: لم ترع قبل ذلك، ومنه حديث أبي مسلمٍ الخولاني: "ووضعها في أنفٍ من الكلأ" يقول: يتتبع بها المواضع التي لم ترع قبل الوقت الذي دخلت فيه. وكأس أنف: لم يشرب فيه قبل ذلك.
قال بعض القدرية: "وإن الأمر أنف" أي مستأنف من غير سابق قضاءٍ ولا قدرٍ. وأنف كل شيءٍ: أوله، قال امرؤ القيس: [من الرمل]
стр. 96
١٠٧ - قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الصقلين محبوك ممر
وفي الحديث: "لكل شيءٍ أنفة وأنفة الصلاة التكبيرة" أي أولها. المحفوظ ضم الهمزة، قال الهروي: والصحيح أنفة يعني بالفتح.
قوله تعالى:﴾ والأنف بالأنف ﴿[المائدة: ٤٥] يقرأ بالنصب والرفع على معنى: والأنف كائن ومأخوذ بالأنف، وفيه غير ذلك. ويجمع على آنفٍ في القلة وأنوفٍ في الكثرة. وفي الحديث: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف"، وهو الذي عقر الخشاش أنفه، فهو ينقاد لكل من يقوده. وأصله مأنوف مثل مضروبٍ.
وذكر الراغب في هذا الباب الأنملة وأنا أذكرها في باب النون لأن همزتها مزيدة.
أن ي:
أني: ظرف زمانٍ لا ينصرف، وهو لا يخرج عن الشرط أو الاستفهام،، فمن مجيئه شرطًا جازمًا فعين قوله: [من الطويل]
١٠٨ - فأصبحت أني تأتها تبتئس بها
وترد في الاستفهام بمعنى كيف، كقوله تعالى:﴾ فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴿[البقرة: ٢٢٣]، وبمعنى أين كقوله تعالى:﴾ أنى لك هذا ﴿[آل عمران: ٣٧] أي من أين؟
قال الراغب: أنى للبحث عن الحال والمكان، ولذلك قيل: هو بمعنى أين
стр. 97
مقام الكلمتين، وهو ممتنع عند أهل البيان.
وأني: تأتي بمعنى قرب، قال تعالى:﴾ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴿[الحديد: ١٦] وقوله:﴾ غير ناظرين إناه ﴿[الأحزاب: ٥٣] أي نضجه واستواءه، إذا كسرت قصرت، ومنه الآية الكريمة، وإذا فتحت مدت، ومنه قول الحطيئة: [من الوافر]
١٠٩ - وآنيت العشاء إلى سهيلٍ ... أو الشعري، فطال بنا الأناء
يقال: أنيت وأنيت مخففًا ومثقلاً بمعنى تأخرت، وآنيت بمعنى أخرت. وفي الحديث: "آذيت وآنيت" أي أخرت المجيء: وفلان متأنٍ من ذلك. والأناة: التؤدة.
وقوله:﴾ حميمٍ آنٍ ﴿[الرحمن: ٤٤] أي بلغ أناه في شدة الحر. واستأنيت فلانًا: انتظرته واستبطاته. وآناء الليل: ساعاعته. قال تعالى:﴾ ومن آناء الليل فسبح ﴿[طه: ١٣٠] واحده إنًا مثل معًا وأمعاء، وإني مثل نحيٍ وأنحاء، وأني مثل قفًا واقفاء، قاله الهروي وذكر أني وأنياء كدلوٍ وأدلاء.
وقوله:﴾ من عينٍ آنيةٍ ﴿[الغاشية: ٥] أي حارةٍ بلغت أناها، وهي نظير﴾ حميمٍ آنٍ ﴿كلاهما اسم فعلٍ من أني يأني فهو آنٍ. وهي آنية كغازٍ وغازيةٍ.
والإناء: الوعاء الذي يوضع فيه ما آن وقته، ثم عبر به عن كل وعاءٍ. ويجمع على آنيةٍ. فشبه بآنيةٍ اسم فاعلٍ من أنى كما تقدم. فتلك مفردة وزنها فاعلة، وهذه جمع أفعلة نحو غطاءٍ وأغطيةٍ. وأما الأواني فجمع آنيةٍ.
وأنا: ضمير متكلم وحده، واختلف النحويون في ألفه فقيل: مزيدة لبيان الحركة ولذلك تحذف وصلاً وتثبت وقفًا. ويقال هنا: أوان بتقديم ألف (وأن) كلفظ الناصبة. والمشهور ما قدمته من ثبوت ألفه وقفًا وحذفها وصلاً، وقد تثبت وصلاً. وقرئ﴾ لكنا هو الله ربي ﴿[الكهف: ٣٨]، والأصل: لكن أنا وأدغم. وكذلك:﴾ وأنا أول المسلمين ﴿[الأنعام: ١٦٣]. وأما في الشعر فكثير نحو قوله: [من الوافر]
стр. 98
١١٠ - أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدًا قد تذريت السناما
ويقال: أنه، بهاء السكت. ومنه قول حاتمٍ:
١١١ - هكذا فزدي أنه
وتتصل به تاء الخطاب، وتلحقها علامة التثنية، والجمع، فيقال: أنت وأنت وأنتما وأنتم وأنتن. هذا عند من يقول ذلك.
ويقال: أنية الشيء، كما يقال: ذاته. قال الراغب: وهي لفظة محدثة لبست من كلام العرب. قلت: صدق، وإنما هذا في عبارة المتكلمين يقولون: في أنية الإنسان، أي حقيقته.
قولك: أن خلاف إن بالكسر والتشديد: حرف تأكيدٍ ينصب الاسم ويرفع الخبر، وله أحكام في بابه، ومن حيث اللفظ يكون مشتركًا في الصورة بين معاني التوكيد كما تقدم وبمعنى نعم عند بعضهم، وفعل أمرٍ من الاثنين نحو: يا زيد إن وماضيًا مسندًا لضمير الإناث من إن نحو: يا نسوة إن، أي إقربن.
إلى معانٍ أخرى ليس هذا موضعها لضيق الزمان بتصريفها لاسيما مع عسره.
وتتصل ما الزائدة بها فيبطل فعلها على المشهور، وتفيد الحصر عند الجمهور نحو:﴾ إنما الله إله واحد ﴿[النساء: ١٧١]. وحصر كل شيء بحسب ذلك المعنى
стр. 99
المسبوق إليه نحو: ﴿إنما أنت نذير﴾ [هود: ١٢] وقوله:﴾ أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ﴿[الحديد: ٢٠].
وبالفتح والتشديد هي أختها، معناهما وعملهما واحد إلا أن الفرق بينهما يقع بأشياء مذكورة في النحو بينتها في مواضعها، والمكسورة جملة مستقلة، والمفتوحة مع ما بعدها مؤولة بمفردٍ نحو:﴾ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ﴿[الجن: ١].
وأن بالفتح والتخفيف تكون مخففة من الثقيلة، فلم يختلف معناها ولا عملها إلا أنه اشترط فيها شروط لم تشترط في المثقلة، كقوله:﴾ علم أن سيكون ﴿[المزمل: ٢٠]،﴾ أفلا يرون ألا يرجع ﴿[طه: ٣٩].
وتكون ناصبًة للمضارع فينسبك منها ومما بعدها مصدر كقوله:﴾ وأن تعفوا ﴿[البقرة: ٢٣٧] عفوكم. وتعمل مضمرةً ومظهرة ولها أحكام وهي أم الباب، وتكون مفسرة إذا صلح موضعها أي نحو: أشرت إليه أن قم. ومزيدةً نحو:﴾ فلما أن جاء البشير ﴿[يوسف: ٩٦]. وإن بالكسر والتخفيف تكون مخففةً من الثقيلة، والأكثر حينئذٍ إهمالها. وتلزمها لام فارقة إن لم تعمل، ولم تكن ثم فرقيةً. وتكون شرطيًة فتجزم فعلين، وهي أم الباب، ولها أخوات وأحكام، وتكون نافيًة نحو:﴾ إن أنتم إلا مفترون ﴿[هود: ٥٠]، ومزيدًة نحو: [من الوافر]
١١٢ - فما إن طبنا جبن ولكن
فصل الألف والهاء
أهـ ل:
أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب، أو دين، أو ما يجري، مجراهما، من
стр. 100
صناعةٍ وبيتٍ وبلدٍ. وقال الراغب: فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل: لمن يجمعه وإياهم نسب واحد. وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقًا، فعبر بأهل الرجل عن امرأته. وقوله تعالى:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿[هود: ٤٦] أي ليس من أهل دينك، بدليل قوله:﴾ إن ابني من أهلي ﴿[هود: ٤٥] فلم تنفعه بنوة النسب، وذلك أن الشريعة رفعت حكم النسب في كثيرٍ من الأحكام بين المسلم والكافر. قال تعالى:﴾ إنه ليس من أهلك ﴿.
وقوله تعالى:﴾ هو أهل التقوى وأهل المغفرة ﴿[المدثر: ٥٦] قال الأزهري: أي يؤنس باتقائه المؤدي إلى الجنة، ويؤنس بمغفرته لأنه غفور. قال: يقال: أهلت به آهل أي أنست به آنس، وهم أهلي أي الذين آنس بهم.
وقوله:﴾ وكان يأمر أهله بالصلاة ﴿[مريم: ٥٥] أي جميع أمته. وأمة كل نبي أهله، ومنهم: آل محمدٍ كل تقي. وأهل الرجل يأهل أهولاً. ومكان آهل ومأهول. وتأهل: تزوج. وأهله الله في الجنة: زوجه. وهو أهل لكذا أي خليق به، ويستأهل منه.
وأهلاً وسهلاً معناه: أتيت أهلاً في الشفقة لا أجانب، ووطئت سهلاً من الأرض لا حزونًا. والأهل: يرفع بالواو، وينصب ويجر بالياء. وقال تعالى:﴾ شغلتنا أموالنا وأهلونا ﴿[الفتح: ١١] وقال:﴾ قوا أنفسكم وأهليكم نارًا ﴿[التحريم: ٦] ولم يستكمل شروط الجمع، والذي سوغ به جمعه تصحيحًا كونه في معنى مستحقٍ. وقد يجمع بالألف والتاء، فيقال: أهلات، ويجمع على أهالٍ.
والإهالة: الدهن. وفي الحديث: "كان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة، فيجيب". وفي الأمثال: "استأهلي إهالتي وأحسني إيالتي" أي خذي صفو مالي وأحسني القيام علي.
стр. 101
فصل الألف والواو
أوب:
الأوب: ضرب من الرجوع لأن الأوب لا يقال إلا في الحيوان ذي الإرادة بخلاف الرجوع، فإنه يقال فيه وفي غيره. يقال: آب يؤوب أوبًا وأوبًة. وقوله:﴾ إن إلينا إيابهم ﴿[الغاشية: ٢٥] أي رجوغهم فهو كقوله:﴾ ثم إليه يرجعون ﴿[الأنعام: ٣٦] وقوله:﴾ مآبًا ﴿[النبأ: ٢٢] أي مرجعًا، ويجوز أن يكون اسم مكانٍ.
وقوله تعالى:﴾ وحسن مآبٍ ﴿[الرعد: ٢٩] أي رجوعٍ. الأوبة كالتوبة. والأواب: الكثير الرجوع لربه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ومنه:﴾ نعم العبد إنه أواب ﴿[ص: ٤٤] وقوله:﴾ أوبي معه ﴿[سبأ: ١٠]. التأويب: سير النهار، ومعناه هنا: رجعي بالتسبيح كله. ويقال: بيني وبينك ثلاث مآوب أو رجاعاتٍ بالنهار. ويدل عليه قراءة﴾ أوبى ﴿بالتخفيف.
وقوله:﴾ فإنه كان للأوابين غفورًا ﴿[الإسراء: ٢٥] من ذلك. وقيل: الأواب: الراحم. وقيل: المسبح. وهذه متقاربة المعاني.
وقوله: [من الوافر]
١١٣ - رضيت من الغنيمة بالإياب
أي: بدل الغنيمة. كقوله:﴾ منكم ملائكًة ﴿[الزخرف: ٦٠]. ويجوز أن يكون من على بابها أي يكفيني الإياب من جملة الغنيمة، فجعله بعضًا.
стр. 102
أود:
الأود: الثقل. قال تعالى:﴾ ولا يؤوده حفظهما ﴿[البقرة: ٢٥٥] أي لا يثقله ولا يشق عليه ذلك، وهو معنى قول مجاهدٍ، يقال: آدني كذا يؤودني أودًا يئيد، ثقل.
والأود أيضًا: الاعوجاج لأنه مما يثقل، وفي الحديث: "أقام الأود وشفى العمد" أي أقام العوج، والعمد: ورم في الظهر. قال الراغب: "قوله:﴾ ولا يؤوده ﴿أي لا يثقله، وأصله من الأود" بتخفيف آده.
أول:
الأول: نقيض الآخر، وهو أفعل التفضيل، ويكون بمعنى أسبق. والأول هو الذي يترتب عليه غيره. ويترتب على أوجهٍ أحدها أن يكون تقدمه بالزمان نحو: أبو بكرٍ أول ثم عمر. أو بالرياسة واقتداء غيره به، نحو: الملك أول ثم الوزير. أو بالوضع كقولك: دمشق أول ثم بغداد، أو بنظام الصناعة نحو: الأساس أول ثم البناء. وقوله تعالى:﴾ هو الأول ﴿[الحديد: ٣] معناه الذي لم يسبقه في الوجود شيء. وقيل: هو الذي لا يحتاج إلى غيره. وقيل: المستغني بنفسه. وهذان يرجعان إلى قولنا: لم يسبقه شيء.
وقوله:﴾ وأنا أول المؤمنين ﴿[الأعراف: ١٤٣]،﴾ أول المسلمين ﴿[الأنعام: ١٦٣] أي المقتدى به في الإسلام والإيمان.﴾ ولا تكونوا أول كافرٍ به ﴿[البقرة: ٤١] أي ممن يقتدي به في الكفر. ويكون أول ظرفًا، فإن نويت إضافته بني على الضم، يقال: جئتك أول أي أول الأوقات. والإعراب: جئتك أولاً وآخرًا أي قديمًا وحديثًا.
وقوله:﴾ أولى لك فأولى ﴿[القيامة: ٣٤] كلمة تهديدٍ ودعاءٍ عليه، معناه:
стр. 103
وليك شر بعد شرٍ. وقد يخاطب بذلك من أشرف على الهلاك فيحث به على التحرز منه. وقيل: يخاطب به من نجا من الشر ذليلاً فينهى أن يقع في ذلك الأمر ثانيًا. وأكثر ما يجيء مكررًا كقولها: [من المتقارب]
١١٤ - فأولى منفسي أولى لها
وكأنه حث على ما يؤول إليه ليتنبه على التحرز منه. وفي الكلمة أعاريب ذكرتها في غير هذا. وكذلك ذكرت اختلاف الناس في أصل "أول" وتصريفه واشتقاقه. وتأنيثه "أولى". ويجمع على أول ويجمع هو على أوائل وأولين. والأول: الرجوع إلى الأصل. والتأويل تفعيل منه، وذلك رد الشيء إلى الغاية المرادة فيه، ويكون ذلك في العلم كقوله تعالى:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله ﴿[آل عمران: ٧]، وفي الفعل كقول الشاعر: [من البسيط].
١١٥ - وللنوى قبل يوم البين تأويل
وقوله:﴾ يوم يأتي تأويله ﴿[الأعراف: ٥٣] أي بيانه إلى الغاية المرادة منه. وقال الزجاج في قوله:﴾ هل ينظرون إلا تأويله ﴿[الأعراف: ٥٣] أي ما يؤول إليه أمرهم من البعث. قال: وهذا التأويل هو قوله تعالى:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله ﴿، أي لا يعلم متى يكون أمر البعث وما يؤول إليه الأمر عند قيام الساعة إلا الله. والراسخون في العلم يقولون: آمنا بالبعث.
وقوله:﴾ وأحسن تأويلاً ﴿[النساء: ٥٩] أي أحسن عاقبًة. وقيل: أي أحسن معنًى ورحمًة. وقيل: أحسن ثوابًا في الآخرة.
والموئل: المرجع، وهو موضع الرجوع. والأول: السياسة التي تراعى مآلها الناس.
"وإيل علينا" والمآل: مفعل منه كالمقام. وفي الحديث: "من صام الدهر فلا صام
стр. 104
[ولا آل] " ولا آل: معناه لا رجع بخيرٍ.
ومن المادة: آل الرجل، وهم من يؤولون إليه، أو يؤول هو إليهم، أي يرجع. وأصله أول. فقلب الواو ألفًا كهي في مالٍ. وقيل: هو بمعنى أهلٍ وليس كذلك لأن آل لا يضاف إلى مضمر إلا في قليل نحو قوله: [من الطويل]
١١٦ - فما يحمي حقيقة آلكا
ولا يضاف إلا الذي خطرٍ، فلا يقال: آل الحجام، ولا يقطع عن الإضافة إلا نذورًا كقوله: [من الرمل]
١١٧ - لم نزل آلاً على عهد إرم
رجل ولا آل بغداد ولا آل زمانٍ ولا آل مكان كذا، بخلاف أهلٍ في ذلك كله. وقوله:﴾ أدخلوا آل فرعون ﴿[غافر: ٤٦] يعني بهم كل من آل إليه في دينٍ أو مذهبٍ أو نسبٍ. وقوله: "فقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود" أي داود نفسه وآل مقحمة. كما يقال: مثلك لا يفعل كذا. ويريدون: أنت لا تفعل.
وقال الراغب: الآل هو مقلوب عن الأهل، إلا أنه خصص به. فذكر بعض ما قدمته ثم قال: وقيل: هو في الأصل اسم الشخص، ويصغر أويلاً. ويستعمل في من يختص بالإنسان اختصاص ذاته، إما بقرينة قربٍ أو موالاةٍ.
وآل النبي ﷺ : أقاربه. وقيل: هم المختصون به من حيث العلم، وذلك أن من اختص بتعلم علمه فهو من آله وأمته، ومن لم يختص بذلك بل عمل تقليدًا فهو من أمته. وكل آل النبي أمته، وليس كل أمته آله. وفي الحديث: "آل النبي كل
стр. 105
تقي". "وقيل لجعفر الصادق إنهم يقولون إن المسلمين كلهم آل النبي ﷺ ، فقال: صدقوا وكذبوا. فقيل له، فقال: كذبوا في قولهم إنهم كافتهم آله، وصدقوا لأنهم إذا قاموا بشرائط شريعته كانوا آله." وآل المرء شخصه المتردد. قال: [من الطويل]
١١٨ - ولم يبق إلا آل خيمٍ منضد
والآل: الحالة يؤول إليها. والآل: ما يبدأ من السراب كشخصٍ يظهر للناظر، وإن كان كاذبًا، أو من برد هواءٍ أو تموجٍ، فيكون من آل يؤول.
أون:
﴾ الآن ﴿[يوسف: ٥١] هو الوقت الحاضر الفاصل بين الزمانين، وقيل: هو كل زمنٍ مقدرٍ بين ماضٍ ومستقبلٍ. ويقال: أفعل كذا آونةً، أي وقتًا بعد وقتٍ. وهو من قولهم: الآن. وهذا أوان ذلك أي زمنه المختص به وبفعله. قال سيبويه: هذا الآن، وهذا آنك، أي وقتك، وآن يؤون. قال أبو العباس: ليس الأول وهو فعل على حدته. وقال الفراء: أصله أوان وهو اسم لحد الزمان الذي أنت فيه، وهذا ضعيف للحذف من غير دليلٍ. وعنه أيضًا أنه فعل ماضٍ نقل إليه الاسمية، وهو اسم مبني على الفتح، وقالوا: لتضمنه الحرف وهو أداة التعريف. وهذه الأداة الموجودة زائدة لازمة، وقد تعرب. قال: [من الطويل]
١١٩ - كأنهما ملآن لم يتغيرا
стр. 106
يريد: من الآن. وله أحكام كثيرة.
أوهـ:
قوله تعالى:﴾ إن إبراهيم لأواه حليم ﴿[التوبة: ١١٤].
الأواه: الذي يكثر قوله: آه آه. والتأوه: كل كلام يظهر منه تحزن وقوله:﴾ أواه ﴿[هود: ٧٥] قيل: هو المؤمن الداعي. وقيل: من يخشى الله حق خشيته. وقال أبو عبيدة: المتأوه شفقًا، المتضرع نفسًا ولزومًا للطاعة، وأنشدني شيخي للمثقب العبدي يصف ناقته: [من الوافر]
١٢٠ - إذا قمت أرحلها بليلٍ ... تأوه آهة الرجل الحزين
والأواه: الكثير التأوه خوفًا من الله تعالى.
أوي:
قال تعالى:﴾ آوي إليه أخاه ﴿[يوسف: ٦٩] أي ضمه إليه في مأواه. يقال: أوى يأوي أويا، ومأوى اسم لمكان. وآواه غيره يؤويه إيواًء. فمن الأول قوله تعالى:﴾ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴿[الكهف: ١٠]. ومن الثاني:﴾ وفصيلته التي تؤويه ﴿[المعارج: ١٣]،﴾ آوى إليه أخاه ﴿. [يوسف: ٦٩].
وقوله:﴾ جنة المأوى ﴿[النجم: ١٥]. فالمأوى: مصدر أضيف إليه، كإضافة الدار للخلد في قوله:﴾ دار الخلد ﴿[فصلت: ٢٨] فالمأوى اسم للمكان الذي يؤوى إليه. وقال الشاعر: [من الوافر]
١٢١ - أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى ماءٍ ويرويني النقيع
стр. 107
وأويت إليه: رحمته ورققت له أويًا وأيًة ومأويًة ومأواًة. وقوله ﵊ للأنصار:! كأبايعكم على أن تأووني وتنصروني". قال الأزهري: أوى وآوى بمعنى واحد، وأوى لهزم ومتعد. وفي الحديث: "لا يأوي الضالة إلا ضال".
قال الأزهري: ألا أين آوي هذه الموقسة، ولم يقل: أووي، الموقسة: الإبل التي بدا بها الجرب، وهو الوقس.
وفي حديث وهب أن الله تعالى قال: "أويت على نفسي أن أذكر من ذكرني"، قال القتيبي: هذا غلط إلا أن يكون من المقلوب، الصحيح: وأيت من الوأي وهو الوعد.
يقول: جعلت على نفسي وعدًا.
وماوية: اسم امرأةٍ. قال امرؤ القيس: [من السريع]
١٢٢ - يا دار ماوية
فقيل: هي من المأوي لأنها مأوى الصدور. وقيل: من الماء، فأبدلت واوًا. وذلك كتسميتهم ماء السماء لصفائه وارتفاعه.
فصل الألف والياء
أي د:
الأيد: القوة. قال تعالى:﴾ والسماء بنيناها بأييد ﴿[الذاريات: ٤٧] أي
стр. 108
بقوةٍ وإحكامٍ. وقوله:﴾ داود ذا الأيد ﴿[ص: ١٧] أي ذا القوة في الأقوال والأفعال. وفي معناه﴾ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ﴿[ص: ٢٠].
والأيد والأيد: ذو القوة الشديدة: وقوله:﴾ أيدتك بروح القدس ﴿[المائدة: ١١٠] و﴾ ويؤيد بنصره من يشاء ﴿[آل عمران: ١٦]، فغلب عليه التكثير. ويقال: آده يئيده أيدًا وآدًا، مثل: باعه يبيعه بيعًا، وإدته أئيده مثل: بعته أبيعه. وقرئ:﴾ آيدتك ﴿برفع. قال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلت مثل عايدت. وقال غيره: هو أفعلت.
أي ك:
الأيك: جمع أيكة، وهو الشجر الملتف. وقوله:﴾ كذب أصحاب الأيكة ﴿[الشعراء: ١٧٦] هم أصحاب غيضة كانوا فيها، فأرسل إليهم شعيب ﵇ فكذبوه فهلكوا. وقد قرئ﴾ ليكة ﴿فقيل: هي بمعناها، وقيل: الأيكة ... . وليلة المصون والعقد النضيد
أي ل:
قوله تعالى:﴾ وجبريل وميكال ﴿[البقرة: ٩٨] ونحوه. قيل: إن (إيل) اسم الله
стр. 109
تعالى، فمعنى جبريل عبد الله. قال الراغب. وهذا لا يصح بحسب كلام العرب، لأنه كان يقضي أن يضاف إليه فيجر إيل فيقال: جبرايلٍ، انتهى. ويمكن أن يقال إنه لما كان بلغتهم كان أعجميًا، وإذا كان كذلك ففيه سببان: العلمية والعجمة الشخصية، إلا أن هذا لا يتم إلا إذا قلنا: إن نحو نوحٍ ولوطٍ فيه الصرف وعدمه. فإن قيل: فكان ينبغي أن يقال بالوجهين، فيقال: التزم فيه أحد الجائزين.
والإيالة: السياسة، يقال: ألنا وإيل علينا أي سسنا وساسونا. وهو حسن الإيالة أي السياسة. وفي حديث الأحنف: "بلونا فلانًا فلم نجد عنده إيالًة للملك" أي سياسة.
أي م:
قوله تعالى:﴾ وأنكحوا الأيامي منكم ﴿[النور: ٣٢].
الأيامي: جمع أيم، والأيم: المرأة التي لا بعل لها، ثيبًا كانت أو بكرًا. فمن الأول ما في الحديث: "تأيمت حفصة" .. وقوله: "والأيم أحق بنفسها". ومن الثاني: "تطول أيمة إحداكن"، ويقال للرجل الأعزب أيضًا، وذلك على الاستعارة. يقال ذلك لمن لا غناء عنده تشبيهًا بالنساء، يقال: آمت المراة أيمة فهي أيم بغير ياءٍ، وآمٍ الرجل كذلك. وإنما لم يفرقوا بالتاء لأن هذه صفة غالبة في المؤنث، فأشبهت حائضًا وطامثًا لأن الأصل عدم إطلاقه في الرجال كما تقدم. ولم يحك الراغب غير أيمةٍ بالتاء، وإمت آيم، وأنشد: [من الطويل]
١٢٣ - لقد إمت حتى لامني كل صاحبٍ ... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت
стр. 110
والمصدر الأيمة. وفي الحديث: "أنه كان يتعوذ من الأيمة والعيمة والغيمة" فالأيمة: طول العزبة، والعيمة بالمهملة: شدة شهوة اللبن، وبالمعجمة. شدة العطش ومن كلامهم: ماله آم وعام؟ أي: فارق امرأته وذهب لبنه.
ويقال: تأيم، وتأيمت بمعنى أقامت على الأيوم، وأنشد: [من الطويل]
١٢٤ - وقولا لها: يا حبذا أنت لو بدا ... لها أو أرادت بعدنا أن تأيما
أراد: أن تتأيم فحذف إحدى التاءين.
ويقال: الحرب مأيمة أي أنها يقتل فيها الرجال، وتشبيهًا بتأيم النساء.
والأيم: بالفتح والسكون الحية. وقد تشدد الياء، ومنه الحديث: "مر بأرض جرزٍ مثل الأيم" فهذا بالفتح والسكون. قال أبو كبيرٍ الهذلي: [من الكامل]
١٢٥ - إلا عواسر كالمراط معيدة ... بالليل، مورد أيمٍ متغضف
العواسر: ذئاب تعسر بأذنابها أي ترفعها إذا عدت. والمراط: سهام قد انمرط ريشها. المتغضف: المتلوي.
والأيامي: وزنها في الأصل فعائل أيائم لأنها نظير صيقلٍ وصياقل، قلبت بأن قدمت الميم وأخرت الياء التي انقلبت إلى الهمزة. ثم فتحت الميم تخفيفًا فقلبت ألفًا فصارت أيامي، ووزنها بعد فعالي. وقد حققتها بأكثر من هذا.
следующие страницы →