← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فصل الغين والنون غ ن م: قوله تعالى: ﴿وأهُش بها على غنمي﴾ [طه: ١٨]. الغنم: جنس معروف وحيوان مألوف، واحده غنمه، وقد يُثني كقوله ﵇: "مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين". والغنم أصله من الغُنم لأنه هو الظفر به وإصابته، ثم جعل اسمًا لكل ما ظُفر به غنمُا كان أو غيره: ومنه الغنيمة وهو ما أُخذ من العدو قهرًا. وأما في الشرع فهو ما أُخذ من الكفار بإيجاف خيلٍ أو ركابٍ. وفي الحديث: له غُنمه وعليه غُرمه" أي فائدته ما يحصل منه. والنفل ما يحصل من غير إيجافٍ خيلٍ ولا ركابٍ. قوله: ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة﴾ [الفتح: ٢٠] جمع مغنم، وهو اسم مصدرٍ كالمقتل. يُقال: غنم غنيمة. وفلان يغتنم الأمر الفلاني، أي يحرص عليه حرص المقاتل على الغنيمة. وفي حديث عمر ﵁: "أعطوا من الصدقة من أبقت له غنمًا ولا تُعطوها من أبقت له غنمين" أي من أبقى له الغلاء قطعة واحدة لا تحتاج أن تجعل قطعتين لكثرتها، بل لقلتها تكون قطعة واحدة فأعطوة من الصدقة فإنه مستحق، ولا تُعطوها من كثر فيه حتى صار لا يسعه مراح واحد فجعل قطعتين على مكانين، فمن ثم حسنت تثنيه اسم الجنس، وقد تقدم مثله في قوله ﵇ "بين الغنمين". والذي يُسهل تثنيته اسم الجنس اختلاف أنواعه نحو: عندي قمحان: جيد ورديء. غ ن ي: قوله تعال: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤] أي كأن لم تكن ولم تقم. يُقال: غنى بالمكان يغنى به، أي أقام. ومنه قوله تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ [الأعراف: ٩٢] أي كأن لم يقيموا. وأصله من غني المكان: إذا أقام به إقامة مستعن به رض بمحله فيه. وقال بعضهم: يقال: غني في مكان كذا: إذا طال مقامه مستغنيًا به عن غيره، يغنى. والمغنى: المكان المقام به، ويكون مصدرًا وزمانًا أيضًا. والجمع المغاني.

стр. 1122

وفي حديث علي ﵁: "رجل سماه الناس عالمًا ولم يغن في العلم يومًا سالمًا" يريد ﵁ أن من الناس من يُتقد كونه عالمًا ولم يلبث في العلم يومًا تامًا، ولله دره ما أفصحه! قوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] هو جمع غني. والغني: من حصل له الغنى ضد الفقر. وهو مقصور، وقد مدة بعضهم ضرورة في قوله: [من الوافر] ١١٤٧ - سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء والبصريون لا يجيزون نحوه. وأما الغناء، وهو الصوت بالنغم المعروف، فممدود. وأما الغناء بالفتح والمد فمعناه الكفاية. ثم الغني يكون على أضربٍ: أحدها ارتفاع الحاجات وامتناعها على ذلك المُستغني، وليس ذلك إلا لله تعالى دون خلقه. والثاني قلة الحاجات، وهذا موجود في الخلق. ومن الأول قوله تعالى: ﴿إن الله هو الغني الحميد﴾ [لقمان: ٢٦] أي لا يستحق الغنى المطلق إلا من له الحمد. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿ووجدك عائلًا فأغنى﴾ [الضحى: ٨] وإليه أشار بقوله ﵇: "إنما الغنى غنى النفس" لأنه قد قال قبله: "ليس الغنى بكثرة العرض". والثالث كثرة القنيات وزيادة الأعراض الدنيوية، وهذا هو الذي يقع فيه كثير من الناس في ضروب من الفتن. وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى﴾ [العلق:٦ - ٧] قوله: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف﴾ [النساء: ٦] أي ومن كان عنده مال يكتفي به عن أكل مال اليتيم فليطلب العفة والقنع من نفسه عن مال اليتيم. قوله: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ أي من رآهم من الجهلة بأحوالهم يحسبه أغنياء بكثرة القنيات لما يظهرون من التعفف عما في أيدي الناس والزهد فيه فيظنون أغنياء. وهذا هو غنى النفس الذي أشار إليه سيدنا رسول الله ﷺ : قوله تعالى: لقد كفر ﴿الذين قالوا إن

стр. 1123

الله فقير ونحن أغنياء﴾ [آل عمران: ١٨١] يُروى أنه ملما سمعوا قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يُقرض الله قرضًا حسنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالوا ذلك جهلًا بقول الباري تعالى وإبراز طلبه الصدقة في صورة القرض لنكتة جهلوا معناها، وهو أن المقترض يرد ما أخذ فلا يأخذ شيئًا لاسيما إذا كان أكرم الأكرمين. يقال: غني يغني وتغني وتغانى. قوله: ﴿ما أغنى عني ماليه﴾ [الحاقة: ٢٨] أي ما كفاه مؤونة ما يحذره. غني بكذا بمعنى ابتلي به. قال الشاعر: [من الطويل] ١١٤٨ - غنينا زمانًا بالتصعلك والغنى ... وكلًا سقاناه بكأسيهما الدهر والغانية: المرأة، وأصله من استغنت بزوجها. وقيل: إنما قيل لها غنية لاستغنائها بحسنها. قال الشاعر: [من الطويل] ١١٤٩ - فلا تحسبن هندًا لها العذر وحدها ... سجيةً نفسٍ كل غانيةٍ هند وقيل: سُميت بذلك لاستغنائها بجمالها عن التزين حيث تتزين النساء. وقيل لأنها تُقيم بالبيت، ولذلك قيل للنساء ربات الخدور لملازمتهن إياه. وفي الحديث: "خير الصدقة ما أبقت غنى" قال القُتيبي: فيه قولان أحدهما: خير ما تصدقت به الفضل من قوت عيالك وكفايتهم، فإذا خرجت منك إلى من أعطيته خرجت على استغناءٍ منك، ومنهم عنها. ومثله الحديث الآخر: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى". والثاني معناه أن خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة. وفي الحديث: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن"، فيه تأويلات أحدهما من لم يُحسن صوته به، أي يقرؤه بحقوقه من تقويم لفظه، وإكمال مخارج حروفه، وعدم تمطيطها كما تفعله الجهلة من عوام الناس. ويحملون نفس الحديث على ما يصنعوه من القرآن بالألحان وصناعات الأنغام، ويزعمون أن هذا هو التغني المراد بالحديث، حاشا رسول الله ﷺ من الأمر

стр. 1124

بذلك. وقيل: معنى"من لم يتغن" من لم يستغن كقوله: "من لم يغنه القرآن لا أغناه الله" وقد جعل يفعل بمعنى استفعل نحو تعجب واستعجب وتعظم واستعظم. وهذا تأويل سفيان، وقد ورده بعضهم بأن تمام الحديث يقتضي تحسين الصوت، فلا ملائمة بينه وبين الاستغناء. وقيل: معناه تحسين الصوت وتزيينه. وفي لحديث: "لحبرته لك تحبيرًا" أي حسنته وزينته. ولاشك أن تحسين الصوت مطلوب ما لم يخرج عن حد الشرع. وقيل معناه جهر الصوت به. وكل من جهر صوته ووالى به فصوته عند العرب غناء. قال أبو عبيدٍ الهروي. وقال الشافعي ﵁: معناه تحزين القراءة وترقيقها. قلت: ويشهد له الحديث الآخر: "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فتحازنوا". وفي حديث آخر: "زينوا القرآن بأصواتكم". ومثل الحديث الأول في هذا التأويل قوله ﵇ أيضًا: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغني بالقرآن" وقيل: معناه التطريب الذي لا يُخرج القرآن عن نظمه ولا وضعه، وقليل من يتقن ذلك. وفي حديث الجمعة: "من استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه"، أي تركه وطرده ورمى به عن عينه، لأنه المستغني عن الشيء تارك له. فهو من باب المقابلة كقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوب: ٦٧]. فصل الغين والواو غ ور: قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا﴾ [الملك: ٣٠] أي ذاهبًا غائضًا. والغور في الأصل مصدر، والتقدير: ذا غورٍ أيضًا: المنهبط من الأرض ضد

стр. 1125

النجد، وهو ما ارتفع منها. ولكون الغور في الأصل مصدرًا وُصف به الواحد والجمع في قولهم: ماء غور ومياه غور. قوله تعالى: ﴿لو يجدون ملجأً أو مغارات﴾ [التوبة: ٥٧] جمع مغارة وهي الكهف في الجبل وما يغر فيه من الأرض أي يُدخل ويُستتر به. وكل ما دخلته ليقيك فهو غار ومغار. والمعنى: لو تجدون جُبًا أو تغورون فيه وتستترون به. وغرات عينه غؤورًا: نزلت في الرأس. وغار الرجل وأغار على القوم: إذا فاجأهم بالقتال، والكثير أغار؛ قال الشاعر: [من الرجز] ١١٥٠ - نحن اللذون صبحوا الصباحا ... يوم اليسار غارة ملحاحا قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صبحًا﴾ [العاديات: ٣] جمع مغيرة وهي الخيل التي يُغير عليه الغزاة المسلمين وقت الصبح، أقسم به تعظيمًا لشأن الجهاد. وغارت الشمس غيارًا: غابت؛ قال الشاعر: [من الطويل] ١١٥١ - هل الدهر غلا ليلة ونهارًا ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها؟ وفي الحديث: "مابت لا تغويرًا". يُقال: غور القوم تغويرًا: قالوا. وروي "تغريرًا" من الغرار وهو القلة. وغور الرجل: نزل غورًا. وفي الحديث: "أنه سمع ناسًا يذكرون القدر فقال: إنكم أخذتم في شعبين بعيدي الغور" قال الحربي: غور كل شيء بُعده. يقول لن تدركوا حقيقتها كالماء الغائر الذي لا يُقدر عليه. وقد حصلت فروق في المصادر مع اتحاد الفعل، فيقال: غرت عينه غؤورًا، وغرات الشمس غيارًا،

стр. 1126

وغار الماء غورًا. غ وط: قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [النساء: ٤٣] أي من قضاء الحاجة. وأصل الغائط: المكان المطمئن من الأرض الذي يُواري من يدخل فيه. وكل ما واراك فهو غائط. فكني به عنه البراز لما كان الناس ينتابونه لقضاء الحاجة لأنه يواريهم ويغيبهم. وبه سُمي غوطة دمشق لاطمئنانها. وفي الحديث: "أن رجلًا جاءه فقال: يا رسول الله قل لأهل الغائط يحسنوا مخالطتي". أراد بالغائط هنا حقيقته، وهو الوادي المنخفض. وفي قصة نوحٍ ﵇: "وانسدت ينابيع الغوط الأكبر" [الغوط:] عمق الأرض الأبعد، يقال غاط يغوط، أي دخل في شيءٍ واراه. غ وص: قوله تعالى: ﴿كل بناءٍ وغواصٍ﴾ [ص:٣٧] الغوص: الدخول تحت الماء وإخراج شيء منه. فيقال لكم من يهجم على شيء غامضٍ فيخرجه: غائص، عينًا كان ذلك المخرج أو معنى، إلا أن حقيقته إخراج العين من الماء. وقوله تعالى: ﴿ومن الشياطين من يغوصون له﴾ [الأنبياء: ٨٢] قيل: يستخرجون اللؤلؤ من البحر، وهو أول من استخرجه. وقيل: معناه يستنبطون له الأعمال العجيبة والأفعال البديعة. وفي زمنه ظهرت الصنائع وتوارثها الناس إلى اليوم. ويُقال: فلان يغوص على المشكلات، أي يستخرجها ويوضحها. غ ول: قوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ [الصافات: ٤٧] الغول هنا: غيبة العقل. وأصله إهلاك الشيء من حيث لا يُحس به. ومنه: اغتاله، وقتله غيلة: إذا قتله من حيث لا يشعر به. قال السدي: أي [لا] تغتال عقولهم، أي لا تذهب بها عكس ما عليه جمهور العلماء من كونها تذهب بالعقل. وقيل: الغول: الصداع والتدويم في الرأس، ولذلك وصف علقمة بن عبدة الخمر بذلك فقال: [من البسيط]

стр. 1127

١١٥٢ - تشفي الصداع ولا يؤذيك صالبها ... ولا يخالطها في الرأس تدويم وقال أبو الهيثم: يقال: غالت الخمر فلانًا: إذا شربها فذهبت بعقله أو بصحة بدنة. قال: والغول: الخيانة، وكذا الغائلة. وقال ابن عرفة: يُقال: غاله واغتاله، أي ذهب به. وفي عهدة المماليك: "لا داء ولا غائلة" قال ابن شميلٍ: الغائلة: أن يكون مسروقًا، فإذا استحق غال مال مشتريه، أي أنقذه في ثمنه. وإنما نفى الله تعالى عنها الغول لما نبه عليه من وصف خمر الدنيا في قوله: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ [البقرة:٢١٩] وبقوله: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿رجس من معل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠] فبين انتفاء ذلك عن خمر الآخرة المذكورة في قولة تعالى: ﴿وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾ [محمد: ١٥] وأما خمور الدنيا فليست بلذيذة الطعم، وإنما يتلذذون بها لما تنفي من الهم ولما تغيب من العقول المقتضية للنظر في العواقب. وكلما قل العقل قل الهم. ومنه قول بعض الدعار: [من الرجز] ١١٥٣ - لو لم يكن في شربها فرح ... إلا الخلاص من دوام الهموم وقال في معنى أن كلما قل العقل قل الهم: [من الكامل] ١١٥٤ - ذو العق يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم والغول: شيء يزعم العرب أنه لا يُهلك الإنسان في البرية، وأنه يتراءى له ويتلون حتى يتبعه فيهلكه، وذكروا ذلك في أشعارهم وأكثروا منه؛ قال كعب رضي الله عنهك [من البسط] ١١٥٥ - فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول وقد بالغ بعض الشعراء فقال في نفيها. [من البسط] ١١٥٦ - الجود والغول العنقا ثلاثتهما ... أسماء أشياء لم تُخلق ولم تكن

стр. 1128

وقد كذب في نفي الوجود فإنه خُلق وكان، ولكثرة ما ذكرت العرب الغول نفاها الحديث النبوي في قوله ﵊: "لا غُول" كقوله: "لا همامة ولا عدوى ولا صفر". وتغولت على البلاد، أي تلونت واختلفت. وقال بعضهم: الغول هي السعلاة، والجمع سعالى. ويقولون: إن السعلاة ساحرة الجن. فإن صح ذلك فتكون الغول موجودة لأن مذهب أهل الحق أن الجن موجودون. وفي الحديث: "بأرض غائلة النطاء" أي تغول ببعدها سالكيها، أي تهلكهم. ومنه المثل: "الغضب غول الحلم" أي يُهلك الحليم. والغول يداني البعد، والعبد يداني الإهلاك. فالغول والغول يقعان على معنيين متقاربين؛ أحدهما البعد والآخر الإهلاك، وتحقيقه أن الغول مصدر والغول اسم كالغسل والغسل. وفي حديث عمار: "أنه أوجز الصلاة فقال: كنت أغاول حاجة لي" قال أبو عبيدٍ: المغاولة: المبادرة في السير: وأصله في الغول، وهو البعد. ومنه قولهم في الدعاء: "هون الله عليك غول هذا الطريق" أي بعده. والبعد عندهم يُعبر عن الهلاك؛ قال الشاعر: [من الطويل] ١١٥٧ - يقولون: لا تبعد وهم يدفنونه ... فلا بُعد إلا ما تواري الصفائح وقد تقد ذلك في مكانه والله أعلم. غ وي: قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤] هو جمع غاوٍ، وهو الضال المنهك في ضلاله لا يرده شيء. يُقال غوى يغوي غيًا والأصل غويًا فأدغم، كطيًا مصدر طوى. وقد يُعبر بغوي عن جهل لأنه سببه، وعليه قوله تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم:٢]. وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: ﴿وعصى آدم

стр. 1129

ربه فغوى﴾ [طه: ١٢١] إذ معناه جهل، وقيل: خاب، وقيل: فسد عيشه. وقال آخرون: بشم، من قولهم: عصى الفصيل: إذا بشم. وقد قيل: إنه يُقال: غوى الفصيل وغوي، بالفتح والكسر. وقد قرئ "غوى" بالكسر نحو هوَى وهوِي. قوله: ﴿فأغويناكم﴾ [الصافات: ٣٢] أي حملناكم على الغي ﴿إنا كنا﴾ في أنفسنا ﴿غاوين﴾. قوله: ﴿قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا﴾ [القصص: ٦٣] إعلام منهم بأنا قد فعلنا بهم غاية ما كان في وسع الإنسان أن يفعل بصديقه ما يريد لنفسه، فقالوا: أفدناهم ما كان لنا وجعلناهم أُسوة أنفسنا حتى لا يبقى لأحدنا غير غي صاحبه، ولذلك ترى الأصدقاء لا يُحبون أن يتخالفوا قولًا ولا فعلًا هدى كان أو ضلالًا، غيًا أو رشدًا. قوله حكاية عن إبليس: ﴿ولأغوينهم﴾ [الحجر: ٣٩] أي لأحملنهم عليه ولأجعلنهم غاوين عليه ظنًا من بذلك لما رأى وعرف من طباع الآدميين الانقياد إليه، وعليه قوله تعالى: ﴿ولقد صدق عليه إبليس ظنه﴾ [سبأ: ٢٠] الآية. قوله: ﴿فسوف يلقون غيا﴾ [مريم: ٥٩] أي هلاكًا. وقيل: عذابًا. والمعنى سبب ذلك لأن الغي جهلٍ من اعتقاد فاسدٍ، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا لا صالحًا ولا فاسدًا. وقد يكون من اعتقاد شيءٍ فاسدٍ. فقوله: ﴿فسوف يلقون غيا﴾ أي أثر غي ومسببه. وقال طرفة ابن العبد: [من الرمل] ١١٥٨ - سادرًا أحسب غيي رشدًا وفي مقتل عثمان: "فتغاووا عليه حتى قتلوه"، أي تعاونوا وغالوا، وأصله تجاهلوا وتعاونوا بغيهم، والغواية: شدة الجهل. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١١٥٩ - وما إن أرى عنك الغواية تنجلي وفي حديث عمر ﵁: "إن قريشًا تريد أن تكون مغويات لمال الله"

стр. 1130

أي مهلكات. قال أبو العبيد: كذا رُوي، والذي تكلمت به العرب مغويات، والمغويات بفتح الواو وتشديدها، واحدتها مغواة: وهو حفرة كالزبية؛ تُحفر ويُجعل فيها جدي ونحوه، فيراه الذئب فيسقط ليأكله. ومنه قيل لكل مهلكة مُغواة. قال: أراد أن تكون مهلكة كإهلاك تلك المغواة للذئب. ومثل للعرب: "من حفر مغواة أوشك أن يقع فيها". فصل الغين والياء غ ي ب: قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣] الغيب: مصدر غاب يغيب ضد حضر يحضر. والمراد يؤمنون بأخبار الغيب، كأخبار البعث والنشور والصراط والميزان والحوض، والجنة والنار وعذاب القبر وفتنة منكر ونكير ونحو ذلك، مما ورد عنه الكتاب العزيز والسنة الصحيحة. وقيل: الغيب: مصدر واقع موقع اسم الفاعل، أي يؤمنون بالغائب مما أخبروا له من نحو ما تقدم ذكره. وقيل: أصله غيب بالتشديد فخفف كميت في ميت. ولنا في كلام مشبع في غير هذا الموضوع. وكل ما استرعى العين فهو غائب وغيب وغيب وغاب. وقيل: معناه: يؤمنون بما لا يدخل تحت الحواس ولا تقتضيه بداية العقول، وإنما يعلم بأخبار الصادقين كالأنبياء والرسل والملائكة. وقيل: الغيب القرآن وقيل: القدر، وهو تخصيص إشارة من قائله إلى بعض ما يقتضيه لفظ الغيب. وقيل: معنى"يؤمنون بالغيب" متلبسين بالغيب، فتتعلق الباء بغير الإيمان أي يؤمنون وهم غائبون عنكم وليسوا كالمنافقين الذين يؤمنون بحضرتكم تقيةً وإحرازًا لغنائمكم، ويكفرون في غيبتكم، يشهد له: ﴿وإا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا﴾ [البقرة: ١٤]. قوله: ﴿حافظات الغيب﴾ [النساء: ٣٤] أي لا يفعلن في غيبة بُعولتهن ما يكرهونه في حضورهم. قوله: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ [الحجرات: ١٢] هو أن تذكر أخاك بما يكرهه من عيبٍ من غير حاجة شرعيةٍ، فإن كان حاجة فلا بأس، بل ربما

стр. 1131

يجب كمشاورة الإنسان في خطبة ومعاملة ذلك. والغيبة والغيابة: منهبط من الأرض، ومنه الغابة للأجمة. وفي المثل: "وهم يشهدون أحيانًا ويتغايبون أحيانًا". قوله: ﴿ويقذفون بالغيب من مكان بعيد﴾ [سبأ: ٥٣] أي من حيث لا يدركونهم ببصرهم وبصيرتهم. قال ابن العرابي: الغيب: ما غاب عن العيون وإن كان محصلًا في القلوب. وأنشد: [في البسيط] ١١٦٠ - وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر وقال الهروي: أراد وراء الجدار. وفي عهدة الرقيق: "ولا داء ولا خبثة ولا تغييب" قال ابن شميل: التغييب ألا يبعه ضالة ولا لُقطة ولا مرعوعًا، أي معيبًا. وفي الحديث أيضًا: "حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة" أي التي غاب عنها زوجها. وفي حديث أب يبكر الصديق ﵁: "أن حسانًا لما هجا قريشًا قالت: "لشتم ما غاب عنه ابن أبي قحافة" يعنون أن أبا بكر كان عالمًا بالأنساب والأخبار، وهو الذي علمه، وكان أبو بكر عالمًا بالأنساب يدل لما روي عنه ﵇ في قوله لحسبان: "سله عن معايب القوم". غ ي ث: قوله تعالى: ﴿كمثل غيث﴾ [الحديد: ٢٠] أي مطرٍ. وقيل تقديره مثل نبات ينبت من غيث ولا حاجة إليه لقواه: ﴿نباته﴾. والغيث يُقال في المطر، والغوث في الصرة. قال ذو الرمة: [من الوافر] ١١٦١ - سمعت الناس ينتجعون غيثًا ... فقلت لصيدح: انتجعي بلالًا

стр. 1132

واستغثته: طلبت الغيث منه أو الغوث، فغاثني من الغيث، وأغاثني من الغوث. قوله تعالى: ﴿فيه يُغاث الناس﴾ [يوسف: ٤٩] من الغيث ليس إلا. قوله: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته﴾ [القصص: ١٥] هو من الغوث ليس إلا. غ ي ر: قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] غير تكون صفة بمعنى مُغاير، ولذلك لا تتعر فبالإضافة. وقال بعضهم: إلا إذا حضرت المغايرة بين ضدين ونحوهما، نحو الآية الكريمة، والوصفية أصلها. وقد تكون بمعنى لا النافية، ومن ثم عطف عليها. قوله: ﴿ولا الضالين﴾، فأعيدت لا لما كانت بمعناها. ولذلك يقدم معمول ما بعدها عليها كقول الشاعر: [من البسيط] ١١٦٢ - إن امرأ خصني يومًا مودته ... على التنائي لعندي غير مكفور ولهذا يقول النحوي: يجوز أنا زيدًا غير ضاربٍ، ويمتنع أنا زيدًا مثل ضارب لما بيناه في غير هذا الموضوع وأومأنا إليه هنا. وتكون غير بمعنى إلا فيستثنى بها وتُعطى حكم ما بعد إلا في النصب وغيره كما هو مبين في علم العربية، وكما حملت غير على إلا في الاستثناء حملت إلا عليها في الوصفية بشروطٍ معينة عند النحاة كقوله تعالى: ﴿لم كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. وقد قسم بعضهم غير تقسيمًا آخر فقال: غير تقال على أوجهٍ: الأول أن تكون للنفي المجرد من غير إثبات معنى [به]، نحو: مررت برجلٍ غير قائمٍ، قال تعالى: ﴿وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]. الثاني بمعنى إلا فيستثنى بها وتوصف بها النكرة قال تعالى: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]. الثالث لنفي صورةٍ من غير مادتها

стр. 1133

نحو: الماء حاراً غيره إذا كان باردًا؛ قال تعالى: ﴿بدلناهم جلودًا غيرها ﴿[النساء: ٥٦]. الرابع أن يكون ذلك متناولًا لذات، نحو: ﴿تقولون على الله غير الحق﴾ [الأنعام: ٩٣] أي الباطل. ﴿أغير الله أبغي ربًا﴾ [الأنعام: ١٦٤] قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١] التغيير: التحول من صفة إلى صفة، ومن حال إلى حالٍ. ويكون على وجهين أحدهما تغيير صورة الشيء دون ذاته نحو غيرت داري، أي بنيتها بناءً غير الذي كان. والثاني بتبديله بغيره نحو: غيرت غلامي ودابتي، أي أبدلتهما بغيرهما. وقوله: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ [إبراهيم: ٨] محتمل للأمرين، وقد قيل: بكل منهما. وفي الحديث: "ومن يكفر الله يلق الغير" أي تغيير الحال من صلاح إلى فساد. والغير أيضًا الدية، وجمعها أغيار. وسميت الدية غيرًا لأنها غيرت القود إلى غيره. وقد فرق بعضهم بين الغيرين والمختلفين بأن الغيرين أعم، فإنهما قد يكونا مختلفين وقد يكونان متفقين. فالجوهران المتحيزان هما غيران وليسا مختلفين. قال: وكل خلافين غيران وليس كل غيرين خلافين. غ ي ض: قوله تعالى: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ [الرعد: ٨] الغيض: النقص، ولذلك قوبل بقوله: ﴿وما تزداد﴾ [الرعد: ٨] والمعنى: وما تفسده الأرحام فتجعله كالماء الذي تبتلعه الأرض. والغيضة: الضوء. وقيل معنى: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ وما تنقص عن التسعة أشهر التي وقعت الوضع وما تزداد على التسعة المذكورة. وقيل: معناها ما الولد عن تمامه. ويقال لذلك السقط الغيض. قوله: ﴿وغيض الماء﴾ [هود: ٤٤] أي نقص. يُقال: غاض الماء يغيض غيضًا، وغاضه الله يغيضه غيضًا، أي نقصه فيكون لازمًا ومتعديًا نحو نقص وزاد فإنهما يكونان لازمين ومتعديين. وفي الحديث: "وغاضت بحيرة ساوة" أي نضب ماؤها. وفي المثل: "أعطى غيضًا من فيضٍ" أي قليلًا من

стр. 1134

كثير. وفي الحديث: "إذا كان الشتاء قيظًا وغاضت الكرام غيظًا" أي فوا وبادوا من أجل القيظ. وقولهم: "غاضت الدرة" أي نقص اللبن. غ ي ظ: قوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. الغيظ: أشد الغضب؛ وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه، فهو أخص من الغضب؛ فكل غيظ غضب وليس كل غضب غيظًا: ﴿سمعوا لها تغيظًا ونفيرا﴾ [الفرقان: ١٢] أي سمعوا لجهنم غليانًا وأزيزًا كما يُسمع ذلك من غليان القدر. والمعنى سمعوا غليان تغيظ. وقوله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ [الملك: ٨] قال ابن عرفه: أي من شدة الحر والمعنى: تكاد ينفصل بعضها من بعضٍ من شدة حرها غيظًا على الكافرين. يقال: تغيظت الهاجرة: إذا اشتد حرها. وأنشد للأخطل: [من الطويل] ١١٦٣ - لدن غدوة حتى إذا ما تغيظت ... هواجر من سفيان حام أصيلها وقيل: التغيظ: إظهار الغيظ، ثم إنه قد يكون مع ذلك صوت كقوله تعالى: ﴿سمعوا لها تغيظًا﴾ وقد لا يكون ذلك. قوله ﴿إنهم لنا لغائظون﴾ [الشعراء: ٥٥] أي حاملون لنا على الغيظ. وقيل: معناه أنهم داعون بفعلهم إلى أن ينتقم منه انتقام المغيظ. وإذا وصف به الباري تعالى فالمراد به الانتقام على حد وصفه بالغضب كما قدمته. وقد غظته فهو مغيظ. قالت قتيلة بنت الحارث: [من الطويل] ١١٦٤ - ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق في قصيدة تخاطب بها رسول الله ﷺ .

стр. 1135

باب الفاء ف: الفاء حرف عطف يقتضي الترتيب والمهل عكس الواو وثم؛ فإن الواو لا تقتصي ترتيبًا، و"ثم" تقتضي التراخي. فأما قوله: ﴿أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣] فقيل: تعقيب كل شيء بجنسه، وقيل: لأن أرض المخاطبين بهذه الصفة. وتفيد السببية، ولذلك جاز أن يُعطف بها ما ليس صلة على ما هو صلة نحو قوله: الذي يطير فيغضب زيد الذباب. وتعطف ما هو خبر على ما ليس بخبرٍ كقول الشاعر: [من الطويل] ١١٦٥ - وإنسان عيني يحسر الماء تارة ... فيبدو وتارات يُحم فيغرق وتحذف بعدها "رب" كقول امرئ القيس": [من الطويل] ١١٦٦ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل وتقع جواب للشرط فتضمر بعدها "رب" أيضًا كقول الشاعر: [من الوافر] ١١٦٧ - فإما تعرضن أُميم عني ... وينزغك الوشاة أول النباط فحور قد لهوت بهن عينٍ ... نواعم في المروط وفي الرباط تقديره: فرب حورٍ، فأضمرت بعدها مع كونها جوابًا، وهي وما بعدها في محل جزم؛ بدليل عطف المجزوم عليها وعلى ما بعدها، ولذلك قرئ: ﴿من يُضلل الله فلا هادي له ويذرهم﴾ [الأعراف: ١٨٦] برفع يذر وجزمه، ولها أحكام.

стр. 1136

فصل الفاء والألف ف أد: قوله تعالى: ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ [النحل: ٧٨] هي جمع فؤاد، قيل: هو القلب الذي يراد به العقل لا العضو المعروف، وقال بعضهم الفؤاد كالقلب، لكن يُقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفاؤد أي التوقد، يُقال: فأدت اللحم: إذا شويته، ولحم فئيد بمعنى مفؤود. وقوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ [النجم: ١١] أي واطأ قلبه بصره، والمعنى: الذي رآه حق اليقين لا تخيل. يُقال: كذبني قلبي وظني وصدقني. قوله: ﴿التي تطلع على الأفئدة﴾ [الهمزة: ٧] إنما خصها لأنها أرق شيء في البدن وأخفاه. فإذا وصل إليها الشيء فقد تناهى إفراطه وتأثيره، أعاذنا الله بكرمه من لفحاتها بمحمدٍ وآله. قوله تعالى: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ [آل عمران: ١٣] أي طائفتين وجماعتين. والفئة: الجماعة من الناس، وقيدها بعضهم بالمتظاهرة، وبعضهم بالمتعاضدة وهما متقاربتان، وجعلها بعضهم من فاء يفيء أي رجع، قال الراغب: والفئة الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضها إلى بعض في التعاضد. وهذا لا يصح أنه "فئة" عينها همزة ولامها ياء حذفت، فهي كمئة، والأصل: فئية بدليل قولهم: أمأت الدراهم: أي صيرتها مئة، فإن ادعوا فيها قلبًا أو حذف عينٍ فلا يُسمع لمخالفته الأصول. ونقل الهروي وغيره في لامها وجهين: أحدهما أنها ياء، والثاني أنها واو، وقال: هو من قولهم: فأيت رأسه وفأوته: إذا شققته فانفأى. قلت: وبهذا الاشتقاق يُعلم فساد قول من جعلها من فاء يفيء

стр. 1137

إذا رجع كما قدمت. ويُجمع جمعي التصحيح فيقال: فآتٍ، وهو القياس، وفئون. ولا نبالي بتاء التأنيث لأنها عوض من لامٍ كما يُقال مئون ومئين. قال الشاعر: [من الطويل] ١١٦٨ - ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨] أي فرقتين. فانتصابها على الحال، وذلك أن المسلمين افترقوا في شأنهم فرقتين: فرقة تكفرهم وأخرى لم تكفرهم. وقوله تعالى: ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ [الأنفال: ١٦] أي إلى فرقة وطائفة، وفي الحديث يُمهد عذر أصحابة: "أنا فئتكم" يُشير إلى الآية. فصل الفاء والتاء ف ت أ: قوله تعالى: ﴿قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥] أي لا تزال ولا تبرح، وهو مضارع فتئ الملازمة للنفي العاملة على كان، وهي ستة أفعال: مافتئ، وما زال، وما انفك، وما برح، وهذه الأربعة مشهورة، وونى بمعنى فتر، ورام بمعنى طلب، ولا تعمل إلا منفية لفظًا كقوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ [هود: ١١٨] أو تقديرًا كقوله: ﴿تفتأ تذكر يوسف﴾ أي لا تفتأ. وهذا الإضمار لابد منه لما تقرر من أن لا يطرد حذفها من المضارع الواقع جواب قسمٍ. وزعم بعضهم أنها تعمل عمل نفي لفظًا و"لا" تقديرًا، مُستدلًا بقول الشاعر: [من الوافر] ١١٦٩ - وأبرح ما دام الله قومي ... بحمد الله منتطقًا مجيدًا وليس كما زُعم لصحة تقدير ألا أبرح. والبارحة: الليلة الماضية، لا يُقال لها ذلك إلا بعد الزوال، وإلا فهي ليلة؛ قال طرفة

стр. 1138

ابن العبد: [من الرجز] ١١٧٠ - ما أشبه الليلة بالبارحة وبرح الخفاء: أي ظهر. ف ت ح: قوله تعالى: ﴿ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم﴾ [سبأ: ٢٦] أي يحكم ويقضي، وعن ابن عباس: "ما كنت أدري ما معنى الفتاح حتى اختصم إليَّ أعرابيان فقال أحدهما: افتح بيننا" وهي الفتاحة: أي الحكومة؛ وعليه قول الشاعر: [من الوافر] ١١٧١ - وإني عن فُتاحتكم غني الفتاحة بالضم. قوله: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف: ٨٩] أي، أحكم، وإنما قيل للقاضي: فتاح لأنه ينصر المظلوم. والفتح: النصر، كقوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال: ١٩] وقوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ [البقرة: ٨٩]. وقيل لأنه يفتح ما أُغلق على غيره من الأحكام. قال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح: ١] أي قضينا قضاءً محكمًا. وعنى به صلح الحديبية. وقيل: فتح مكة، والمعنى: فتحًا ظاهرًا بركته، فإنه من حينئذٍ كثر الإسلام واتسع نطاقه. والفتح في الأصل إزالة الإغلاق والإشكال، وهو نوعان: أحدهما مدرك بالبصر نحو: فتحك الباب والقفل والمتاع، كقوله تعالى: ﴿فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]

стр. 1139

﴿ولما فتحوا متاعهم﴾] يوسف:٦٥ [. والثاني مدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغم، وذلك ضربان: أحدهما الأمور في الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال بمنح المال. والثاني فتح ما استغلق من العلم نحو: الشافعي فتح باباً مغلقاً] من العلم [، وهذا مقول في قوله تعالى:﴾ إنا فتحنا لك فتحا مبينًا ﴿] الفتح:١ [عنى تعالى ما فتحه ﵊ من العلوم الإلهية والهدايات الدينية التي هي ذرائع إلى نيل أعلى المقامات المحمودة وإصابة الثواب الجزيل وسبب في غفران الذنوب. ولذلك عقبه بقوله تعالى:﴾ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴿. ويعبر بالفتح عن توسعه الرزق كقوله تعالى:﴾ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴿] الأنعام:٤ [وقوله تعالى:﴾ لفتحنا عليهم بركات ﴿] الأعراف:٩٦ [المعنى: لوسعنا عليهم الرزق ولأقبلنا عليهم بالخيرات من كل وجه. قوله تعالى:﴾ ويقولون متى هذا الفتح ﴿] السجدة:٢٨ [قيل: معناه إزالة الشبهة والشك الذين كانوا فيه من قيام القيامة ومشاهدة الساعة وأهوالها، وقيل: ما كانوا يستفتحون من العذاب ويطلبونه، لأن الاستفتاح طلب الفتح. ويعبر بالفتح عن الابتداء بالشيء؛ يقال افتتحت كذا بكذا، ومنه سميت فاتحة الكتاب للابتداء بها فيه. وفاتحة كل شيء مبدؤه الذي يفتح به ما بعده. وقوله:﴾ إذا جاء نصر الله والفتح ﴿] النصر:١ [يحتمل الظفر مع النصر والحكم، وما يفتح الله به من المعارف، ومثله قوله:﴾ نصر من الله وفتح قريب ﴿] الصف:١٣ [. وقوله:﴾ وعنده مفاتح الغيب ﴿] الأنعام:٥٩ [قيل: هو جمع مفتح بفتح الميم والمراد بها الخزائن نفسها، والمراد أن أحدًا لا يتوصل إلى علم غيبه كقوله:﴾ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول ﴿] الجن:٢٦ - ٢٧ [الآية. وقيل: هو جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به، ومثله المفتاح وجمعه مفاتيح. والمراد أن الأشياء المتوصل بها إلى علم غيبه أستار، خاطبهم بما يعرفون. فإن تعذر عليه فتح

стр. 1140

باب عجز عن معرفة ما في داخله، والمعنيان متلازمان. وقوله تعالى:﴾ ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ﴿] القصص:٧٦ [أراد الآلة التي يفتح بها، وقيل: الخزائن أنفسها، والأول أبلغ لأنه إذا كثرت المفاتيح. فتكثير المفتوح أبلغ. يقال: إنها كانت من جلود، طول كل واحد إصبع حمل ثمانين بغلًا، فهذه المفاتيح، فناهيك بالأموال. وقولهم: باب فتح وغلق أي مفتوح لكل أحد ومغلق عن كل أحد. وروى أبو هريرة عنه ﷺ : "من وجد باباً غلقًا وجد إلى جانبه بابًا فتحًا" قال الهروي: قال الأصمعي: لم يذهب به إلى المفتوح ولكن السعة. قال أبو عبيد: يعني بالباب الفتح الطلب إلى الله والمسألة. وكم فتح: أي واسع. قوله:﴾ ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ﴿] القمر:١١ [عبارة عن إرسال المطر الخارج عن المعتاد، وقيل: عبر بذلك عن إجابة دعائه الكلي. والفتح: ماء النهر الجاري، وفي الحديث: "ما سقي بالفتح ففيه العشر". ف ت ر: قوله تعالى:﴾ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴿] الأنبياء:٢٠ [أي لا يسكتون ولا يقطعون عبادتهم ولا ينفك نشاطهم عن ذلك. وأصل الفتر والفتور: السكون بعد الشدة، وفي الحديث: "لك عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن فتر إلى سنتي فقد نجا وإلا فقد هلك:؛ قوله ﵊ "لكل شرة فترة" إشارة إلى ما قيل: للباطل جولة ثم يضمحل وللحق دولة لا تذل ولا تقل. وقوله:﴾ من فتر إلى سنتي ﴿أي سكن إليها. والطرف الفاتر: الساكن ضعفًا، وهو مستحسن. وقوله تعالى:﴾ على فترة من الرسل ﴿] المائدة:١٩ [أي سكون خال من مجيء الرسول. والمعنى: قد أتى للرسل مدة قبله. وفي الحديث: "نهى عن كل مسكر

стр. 1141

ومفتر"، فالمسكر: ما زال به العقل، والمفتر: ما يفتر الجسد بشربه؛ يقال: أفتر الرجل إذا ضعف جفونه وانكسرت. والفتر: ما بين طرف الإبهام والسبابة. يقال: فترته بفتري وشبريه بشبري. ف ت ق: قوله تعالى:﴾ أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما ﴿] الأنبياء:٣٠ [الفتق: الفصل بين متصلين، ضد الرتق. والمعنى: كانا متلاصقين ففتقهما الله بالهواء. وقيل: فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، وقد كانتا خلاف ذلك. والفتق والفتيق للصبح تصورًا منه أن الظلام قد أنفتق عنه. وأفتق القمر: إذا صادف فتقًا يطلع منه، ونصل فتيق الشفرتين: إذا كان له شعبتان كأن إحداهما فتقف من الأخرى. ويقال: جمل فتيق: تفتق سمنًا، كأنهم تصوروا منه تفتق جلده لامتلائه بالشحم. وتفتقت البهائم: أي انتفخت خواصرها من كثرة الرعي، وفي الحديث: "كان في خاصرتيه انفتاق" أي انتفاخ، وفي الحديث: "في الفتق الدية" قال الهروي: أقرأنيه الأزهري بفتح التاء، قال: وهو قطع الشحم المشتمل على الأنثيين، وقال الحربي: هو أنفتاق المثانة. وقال غيرهما: انفتاق الصفاق إلى داخل يصيب الإنسان في مراق بطنه. وفي الحديث: "حتى أفتق بين الصدمتين" أي خرج من مضيق الوادي إلى متسعه، ومنه: أفتق السحاب: إذا انفرج. ف ت ل: قوله تعالى:﴾ ولا تظلمون فتيلاً ﴿] النساء:٧٧ [. قيل: هو ما في شق النواة مما يشبه الخط الرقيق. وقيل: ما يخرج من الوسخ عند فتلك أصابعك، والمعنى: قدر فتيل، وهو فعيل بمعنى مفعول يضرب به المثل في القلة والنزارة.

стр. 1142

وفتلت الحبل: أحكمته، وفتلت الأمر: استعارة من ذلك. والفتيل: التي توفد في السراج، قال الأعشى:] من البسيط [ ١١٧٢ - هل تنتهون ولا ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وناقة فتلاء الذراعين أي قويتهما محكمتهما، من فتلت الحبل: إذا قويته بفتل طاقاته وقواه بعضها إلى بعض. قال كعب بن زهير:] من البسيط [ ١١٧٣ - عيرانة قذفت بالنحض عن عرض ... مرفقها عن بنات الزور مفتول ويقال إنه اجتمع في النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة والحقارة، وقد ذكرت منها ثلاثة في القرآن العزيز: الفتيل، والنقير وهو النقرة في ظهرها، والقطمير وهو اللفافة التي على ظهرها، والتفروق وهو العرق الذي بين القمع والنواة. وفي حديث النجاشي: "ولو سألوني تفروقًا ما أعطيتهم". ف ت ن: قوله تعالى:﴾ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴿] البروج:١٠ [. قيل: معناه حرقوهم بالنار، وذلك أنهم لما خدوا أخاديد في الأرض ملؤوها ناراً، وكانت على أفواه السكك فمن أبى دينهم ألقوه في تلك الحفرة. وأصله من فتنت الفضة: إذا أدخلتها النار ليتميز جيدها من رديئها، ثم أطلق ذلك على الابتلاء والامتحان. وقوله:﴾ وفتناك فتوناً ﴿] طه:٤٠ [أي ابتليناك بضروب من الاختبارات. وسأل ابن جبير ابن عباس ﵃ عن ذلك فقال: ابتلى الأبناء بالذبح فنجا، فهذه فتنة يا ابن جبير وقتل القبطي ونجا، فهذه فتنة يا ابن جبير والفتون على هذا جمع، وقيل: بل

стр. 1143

هو مصدر ومثله المفتون في أحد القولين من ذلك. قوله تعالى:﴾ بأيكم المفتون ﴿] القلم:٦ [أي الفتون، كالمعقول والمجلود والميسور في قولهم: "ليس لهم معقول ولا مجلود" أي لا عقل ولا جلد. "وانظر إلى ميسوره" أي إلى يسره، وقيل: التاء مزيدة. والمفتون اسم مفعول على بابه، أي أيكم الشخص المفتون؟ قوله:﴾ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴿] الأنعام:٢٣ [أي لم يظهروا الاختبار منهم إلا هذا القول. قوله:﴾ والفتنة أكبر من القتل ﴿] البقرة:٢١٧ [أي الشرك والحمل عليه، وذلك أنهم كانوا يتعذبون ضعفة المسلمين ليرجعوا إلى الكفر كفعل بني جمع ببلال وغيره حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه. وفتنة عن كذا: صرفه عنه، ومنه قوله تعالى:﴾ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ﴿] الإسراء:٧٣ [يقال: فتنت الرجل عن رأيه: صرفته عما كان يريده. وقيل: معناه ليوقعونك في البلايا والشدائد بصرفهم إياك عن إتباع القرآن، وحاشاه من ذلك ﷺ . قوله تعالى:﴾ ذوقوا فتنتكم ﴿] الذاريات:١٤ [أي أثرها وما تسبب عنها. فأطلق السبب وأراد مسببه. قوله تعالى:﴾ ألا في الفتنة سقطوا ﴿] التوبة:٤٩ [يعني في النار التي هي مسببة عن الفتنة، وذلك حيث طلبوا الخلاص من الفتنة بقولهم:﴾ أئذن لي ولا تفتني ﴿] التوبة:٤٩ [، في قصة قالوها له ﵊ بعبارة فظيعة. وأكثر استعمال

стр. 1144

الفتنة في الشدة كالابتلاء. قال الراغب: وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما أظهر معنى وأكثر استعمالًا، وقد قال تعالى:﴾ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴿] الأنبياء:٣٥ [، وقوله:﴾ على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ﴿] يونس:٨٣ [أي يبتليهم ويعذبهم. قوله تعالى:﴾ ولكنكم فتنتم أنفسكم ﴿] الحديد:١٤ [أي أوقعتموها في الفتنة والعذاب. قوله﴾ أنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴿] الأنفال:٢٨ [سماهم فتنة اعتباراً بما ينال الإنسان من الاختبار بهم، وذلك لأنهم يحملونه على الاكتساب من كل وجه والاقتحام في كل هلكه، كما سماهم عدوًا في قوله:﴾ إن من أزواجكم وأولادكم عدًوا لكم ﴿] التغابن:١٤ [باعتبار ما يتولد منهم، وقد سماهم زينة في مواضع اعتباراً بعادة الناس في تكاثرهم بالأولاد. قوله:﴾ أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ﴿] العنكبوت:٢ [أي يختبرون، فيتميز خبيثهم من طيبهم وطائعهم من عاصيهم. وفي وزنه: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ﴿] البقرة:٢١٣ [. وقوله تعالى:﴾ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ﴿] التوبة:١٢٦ [أي يبتلون ويختبرون فينظر من يثبت على دينه في الصحة والمرض والسراء والضراء، ولا يكونوا كما قال فيهم:﴾ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير أطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴿] الحج:١١ [وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى:﴾ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ﴿] البقرة:١٥٥ [، ولذلك عقبه بقوله:﴾ وبشر الصابرين ﴿أي الحابسين أنفسهم على دينهم مع ما يصيبهم من هذه البلايا. ولم يقتصر على وصفهم بالصبر حتى حكي عن قولهم ما حكي في هذا المقام المدحض الذي تذهب فيه العقول وتطيش الحلوم، لاسيما عند من فسر الثمرات بثمرات الفؤاد وهي الأولاد كما أوضحنا في غير هذا الكتاب.

стр. 1145

وقوله تعالى: ﴿إن هي إلا فتنتك﴾] الأعراف:١٥٥ [أي ابتلاؤك واختبارك عبادك، لأن لك التصرف المطلق والتسلط التام والقهر الغالب فلا اعتراض. وما أضل المعتزلة حيث نكثوا عما فهم موسى! والفتنة تكون من الله تعالى بمعنى أنه يبتلي عباده ليشكروا أو يكفروا. ومن العباد أيضًا يمتحنون بها أحوال بعضهم بعضًا. قوله:﴾ وأحذرهم أن يفتنوك ﴿] المائدة:٤٩ [قيل: معناه يصرفوك كما تقدم في نظيره، وقيل: ضمن معنى يخدعوك. وقوله تعالى:﴾ ما أنتم عليه بفاتنين ﴿] الصافات:١٦٢ [أي بمضلين. يقال: فتنه أي أضله، ومنه الحديث: "المسلم أخو المسلم يتعاونان على الفتنا" يروى بضم الفاء على أنه جمع فاتن أي يتعاونان على قتل المضلين، وبفتحها على أنه مثال مبالغة كضراب، والمراد به الشيطان. ف ت ي: قوله:﴾ ودخل معه السجن فتيان ﴿] يوسف:٣٦ [. الفتى: الطري من الشبان، والأنثى فتاة. يقال: هي بين الفتاء، وأنشد لابن ضبع الفزاري:] من الوافر [ ١٠٧٤ - إذا جاء الشتاء فأفنوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء إذا عاش الفتى مئتين عاماً ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء وجمع الفتى فيتة وفتيان، وعليهما قرئ:﴾ وقال لفتيته ﴿] يوسف:٦٢ [ولفتيانه والرسم يحتملهما. وجمع الفتاة فتيات كقوله تعالى:﴾ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿] النور:٣٣ [. ويعبر بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وقال لفتيانه﴾. قيل:

стр. 1146

مماليكه وخدمه، وقيل: فتياتكم أي إمامكم. وفي الحديث: "ولا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي ولكن فتاي وفتاتي". قوله تعالى:﴾ تراود فتاها عن نفسه ﴿] يوسف:٣٠ [. سموه بذلك لزعمهم أنها مالكته، ويحتمل أن يكون الأمر كذلك بتمليك زوجها إياه لها. قوله تعالى:﴾ أفتنا في سبع بقرات سمان ﴿] يوسف:٤٦ [الإفتاء: جواب السائل عما يشكل عليه، ومنه المفتي لأنه يزيل إشكال المسائل ويوضح الأحكام. وقوله تعالى:﴾ فاستفتهم ﴿] الصافات:١١ [أي اسألهم سؤال مستفت، يريد بذلك الزيادة في توبيخهم. والفتيا والفتوى بمعنى الإفتاء. وجمع الفتيا فتى بزنة فعى على وزن جمع عليا ودنيا. وجمع الفتوى الفتاوى بفتح الواو، والواو عن ياء؛ لأن لام فعلى الاسم إذا كانت صفة ياء قلبت واوًا، ولام فعلى الصفة تسلم نحو: صديا وحريا وطغيا. وفعلى بالضم الصفة مما لا واو تقلب ياء، يقال: دنيا وعليا، والأصل: دنوا وعلوا من الدنو والعلو. ولتحقيق هذا مقام آخر. والمفتي: مكيال بعينه؛ يقال: إنه مكيال هشام بن هبيرة العمري. وفي الحديث أن امرأة سألت أم سلمة أن تريها الإناء الذي كان يتوضأ منه ﵊ فأخرجته، قالت: فقلت: هذا مكوك المفتي. روى شمر عن أبي حاتم، عن الأصمعي قال: المفتي: مكيال هشام ابن هبيرة العمري مكيال اللبن. وقال ابن الأعرابي: المفتي: قدح الشطار. وقد أفتى الرجل: إذا شرب به فهو مفت. وتفاتوا: تخاصموا، ومنه الحديث: "أن قومًا تفاتوا إليه". وقال الطرماح: [من الوافر].

стр. 1147

١١٧٥ - أنخ بفناء أشدق من عدي ... من جرم وهم أهل التفاتي التفاتي: مصدر تفاني يتفاتى، نحو: توانى يتوانى توانيًا. والأصل تفاتيًا بضم التاء، وإنما كسرت لتصبح اللام، يدل على ذلك أنه مصدر تفاعل على تفاعل نحو: تقاتل تقاتلًا. فصل الفاء والجيم ف ج ج: قوله تعالى:﴾ لتسلكوا منها سبلًا فجاجًا ﴿] نوح:٢٠ [. الفجاج: جمع فج وهو الطريق الواسع. وقيل: الفج كل شقة يكتنفها جبلان. وقوله تعالى:﴾ يأتين من كل فج عميق ﴿] الحج:٢٧ [أي من كل طريق ومن كل واد غامض، وهو أبلغ أي لم تخف دعوتك على أحد من أهل السهل والجبل، والمادة دالة على السعة، ومنه الحديث: "فتفاجت عليه يعني الناقة فرجت رجليها للحالب. وفي حديث آخر يصف جملاً: "أزهر متفاج" يريد: يفتح ما بين رجليه ليبول، وكنى بذلك عن كونه في رعي وشرب، وذلك أنه إذا كان يرعى ويشرب كثر منه البول، وفي حديث آخر: "فركبت الفحل فتفاج". وفي حديث آخر: "كان إذا بال تفاج" أي بالغ في تباعد ما بين رجليه تحرزًا من البول واستبراء منه. وقد أفج بين رجليه أي باعد بينهما وجعل بينهما فجاجًا على الاستعارة. قيل: والفجج: تباعد الركبتين، وهو أفج من الفجج بالحاء المهملة فبل الجيم وجرح فج: لم ينضج بعد، وفي الحديث: "إن هذا الفجاج لا يدري ما الله" قيل: هو المهذار، وروي البجباج بالموحدة، وهو بمعنى الأول.

стр. 1148

ف ج ر: قوله تعالى:﴾ بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ﴿] القيامة:٥ [أي أنه يسوف بالتوبة، والمعنى يريد الحياة ليتعاطى الفجور فيها. وقيل: معناه يذنب ويقول: غدًا أتوب، ثم لا يفعل؛ لبذله عهدًا لا يفي به، ومنه سمي الكاذب فاجرًا لأنه بعض الفجور. وأصل الفجور شق ستر الديانة والحياء، وذلك أن المادة تدل على شق الشيء وتوسعته، ومنه الفجر لأنه يشق الليل شقًا واسعًا. والفجر فجران: كاذب وصادق؛ فالأول كذنب السرحان يظهر ثم يخبو. والثاني هو الذي يعترض في الأفق ثم يمضي متزايدًا ضوؤه، وهو الذي تناط به أحكام الصوم والصلاة وغير ذلك. قوله تعالى:﴾ وفجرنا الأرض عيوناً ﴿] القمر:١٢ [أي شققناها شقوقًا واسعة تنبع منها المياه، ومنه قوله تعالى:﴾ فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا﴾] الإسراء:٩١ [. ويقال: فجرت الشيء مخففًا ومثقلًا، وبهما قرئ قوله تعالى:﴾ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا ﴿] الإسراء:٩٠ [. وفجر الرجل يفجر فجورًا فهو فاجر، والجمع فجار وفجرة. وقال تعالى: في موضع:﴾ كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ﴿] المطففين:٧ [وفي آخر:﴾ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴿] عبس:٤٢ [وذلك لما فيه من شق ستر الديانة كما قدمت تحقيقه. وقيل: أصل الفجور الميل عن القصد. وقال بعضهم في قوله تعالى:﴾ بل يريد الإنسان ليفجر أمامه ﴿أي يكذب بيوم القيامة الذي سيأتي، فهو أمامه، والكاذب فاجر فالمعنى يكذب بما أمامه من الحساب وغير ذلك، وأنشد بعضهم قول بعض الأعراب:] من الوافر [ ١١٧٦ - أقسم بالله أبو حفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر اللهم إن كان فجر

стр. 1149

أي مال عن الحق. وسمي تفجر الأنهار بذلك لأن فيه ميلًا عن أحد الجانبين إلى الآخر. قوله تعالى:﴾ وإذا البحار فجرت ﴿] الانفطار:٣ [قرئ مخففًا ومثقلًا. وقيل: فجر بعضها إلى بعض حتى تذهب مياهها، وقيل: تفجر العذب في الملح فتخلطان، وذلك هو خراب الدنيا وهلاك ما عليها من حيوان ونبات وشجر لعدم قوامهم لقوله تعالى:﴾ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴿] الأنبياء:٣٠ [وفي دعاء القنوت: "ونخلع ونترك من يفجرك" أي من يعصيك ويكذب بوعدك ووعيدك، وقيل؛ من يتباعد عنك. وقيل؛ من يخالفك. وهي معان متقاربة. وأيام الفجار: وقائع اشتدت بين العرب، وفي الحديث: "كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي" أي أناولهم النبل، وهي ثلاثة أفجرة كانت بين قريش وقيس، وسمي ذلك فجارًا لأنهم تحاربوا في الأشهر الحرم، فهذا من أشد الفجور. قوله تعالى:﴾ فقلنا ضرب بعصاك الحجر فانفجرت ﴿] البقرة:٦٠ [أي تنبعت وتشققت مجاريها، وهذه معجزة في انفجار هذه الأعين من حجر يحمل في مخلاة على عاتق صاحبه كقدر رأس الإنسان، يشرب منه اثنا عشر سبطًا لا يعلم عددهم إلا خالقهم أو من قدره على ذلك. وكان ذلك بحسب إرادتهم. قال بعضهم: هذا بره بمن عصاه فكيف بمن أطاعه؟ ف ج و: قوله تعالى:﴾ وهم في فجوة منه ﴿] الكهف:١٧ [أي ناحية متسعة من الكهف. والفجوة: المتسع من الأرض بين جبلين أو تلين أو نحوهما، ومنه: قوس فجاء وفجواء: بان وترها عن كبدها. ورجل أفجى: بين الفجاء، أي متباعد ما بين العرقوبين لأن بينهما

стр. 1150

فجوة - كما تقدم في الفجج - وجمعها فجوات. قال الراغب: والفجاء، وهذا غير مقيس. وفي الحديث: "فإذا رأي فجوة نص- أي سعة من الأرض- أسرع في سيره بعد العنق" وهما ضربان من السير. وفي حديث عبد الله: "لا يصلين أحدكم وبينه وبين القبلة فجوة" يريد ليصل ملتصقًا بما أمامه، ومنه الحديث: "إذا صلى أحدكم إلى شيء فليرهقه" أي ليغشه، كل ذلك حذراً من المرور بين يديه. فصل الفاء والحاء ف ح ش: قوله تعالى:﴾ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴿] الأعراف:٢٨ [الفحشاء: ما تزايد فحشه واشتد نكره، والفاحشة كذلك، قال ابن عرفة في قوله:﴾ إنما حرم ربي الفواحش ﴿] الأعراف:٣٣ [هي كل ما نهى الله عنه. والفواحش عند العرب كل ما قبح، ومنه مكان فاحش، وقد تفحش وتفاحش، ومنه قول الأنصاري للأحوص:] من الكامل [ ١١٧٧ - هل عيشنا بك في زمانك راجع ... فلقد تفحش بعدك المتعلل قوله:﴾ إلا أن يأتين بفاحشة ﴿] النساء:١٩ [قيل: الزنا، وقيل: اللواطة والبذاءة على الزوج أو على أحمائها. والفاحش: البخيل، والفاحشة: البخل، وأنشد لطرفة:] من الطويل [ ١١٧٨ - أرى الموت يعتام الكرام ويططفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد وذلك أن البخل من أفحش الفحش كقوله ﵊: "وأي داء أدوى من البخل". والفحش والتفحش من ذلك.

стр. 1151

والمتفحش: الآتي بالفحشاء. وسمع النبي صلى الله علي وسلم عائشة تقول لليهود: "وعليكم السام واللعنة والإفن والذام. فقال لها: لا تقولي ذلك، فإن الله لا يحب الفحش والمتفاحش". قال الهروي. أراد بالفحش عدوان الجواب لا الفحش الذي هو من قذع الكلام لأنه لم يكن منها إليهم فحش، وقال غيره: إنه نهاها عن رد الجواب وإن كان مثلما قالوا تكرما. فأما إذا قالته فلا يرد عليه. والفحش - أيضًا - الزيادة على ما يتعارفه الناس حتى يخرج إلى حد الإنكار كطول القامة وكبر الوجه المفرطين، ومنه قول امرئ القيس:] من الطويل [ ١١٧٩ - وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نضته ولا بمعطل أي ليس بطويل طولًا زائدًا عن عادة الاستحسان في نظائره، والحاصل أن كل ما تزايد قبحه فهو فاحش وإن خصه العرف بأخص من ذلك. فصل الفاء والخاء ف خ ر: قوله تعالى:﴾ وتفاخر بينكم ﴿] الحديد:٢٠ [التفاخر: المباهاة في الأشياء الخارجة عن الإنسان كالمال والجاه، ولذلك قال تعالى:﴾ أعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ﴿. قوله:﴾ والله لا يحب كل مختال فخور ﴿] لقمان:١٨ [أي كثير الخيلاء والفخر، ففخور مثال مبالغة كفخير. وفخرت فلانًا على فلان أفخره فخرًا، أي حكمت عليه بفضل. والفاخر: الشيء النفيس الذي يضن به، يقال: ثوب فاخر، وناقة فخور: إذا عظم ضرعها وكثر ردها. ونخلة فاخرة: طيبة البسر والتمر. قوله:﴾ خلق الإنسان من صلصال كالفخار ﴿] الرحمن:١٤ [. الفخار ما شوي

стр. 1152

من الطين بالنار. وقيل: كل مصوت من ذلك كأنه صور بصورة من يكثر التفاخر. فصل الفاء والدال ف د ي: قوله تعالى:﴾ وإن يأتوكم أساري تفادوهم ﴿] البقرة:٨٥ [. الفداء والفدى- بالمد والقصر- بذل شيء في مقابلة نفس الإنسان من مال أو أسير آخر، وقرئ: "تفدوهم" و"تفادوهم" في المتواتر فقيل: هما بمعنى؛ يقال: فداه وفاداه. وقيل: فداه إذا بذل في مقابلته مالًا، وفاداه: إذا بذل في مقابلته أسيرًا آخر كأنهم راعوا المفاعلة؛ فمن المد قول حسان ﵁:] من الوافر [ ١١٨٠ - أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخير كما الفداء ومن القول قول الآخر:] من الوافر [ ١١٨١ - فدى لك من أخي ثقة إزاري والحق أن فدى- بالقصر- مصدر فدى الثلاثي، وبالمد مصدر فادى، نحو قاتل قتالًا. قوله:﴾ لا فتدوا به ﴿] الرعد:١٨ [أي افتعلوا الفداء عن أنفسهم. وتفادى فلان من فلان: إذا تحامى منه بشيء يبذله. وفديته بنفسي: أي جعلتها دونه، قال الشاعر:] من الوافر [ ١١٨٢ - محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا

стр. 1153

قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام﴾] البقرة:١٩٦ [. الفدية ما يفدي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة يقصر فيها، وهي الكفارة بعينها. فصل الفاء والراء ف ر ت: قوله تعالى:﴾ وأسقيناكم ماء فراتًا ﴿] المرسلات:٢٧ [أي حلوًا بليغًا في العذوبة، من فرت الشيء أي شقة، فكأنه فرت العطش، والتاء فيه أصلية يوقف عليها تاء، وفيه لغية أنها يوقف عليها بالهاء، وهو شاذ. والفرات يقع على الواحد والجمع، يقال: ماء فرات، ومياه فرات. وقالوا: كل ماء عذب فهو فرات، وكل ماء ملح فهو بحر، وأنشدني بعضهم وقد رثي بعض الفضلاء من قصيدة لغيره:] من الوافر [ ١١٨٣ - فلا والله ما أنفك أبكي ... إلى أن نلتقي شعثا عراتا أألحى أن نزحت أجاج عيني ... على جدث حوى الماء الفراتا؟ وهو حسن بديع، وفي البيت الأول شذوذ غريب وهو إبدال تاء التأنيث ألفًا، والمشهور قلبها هاء بذهاب التنوين، وهذا لغة لبعضهم سمع منهم: أكلت تمرتًا، يريد تمرة. ف ر ث: قوله تعالى:﴾ من بين فرث ودم ﴿] النحل:٦٦ [. الفرث: السرجين وهو ما في الكرش، وأصله من فرثت كبده أي فتتها. وقالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين ﵂، لأهل الكوفة: "أتدرون أي كبد فرثتم لرسول الله ﷺ " والفرث - أيضًا- فت الصبر (وهي القدر من) التمر. والفراثة: ما أخرج من الكرش أيضًا، والمفارث: مواضع يسلخ فيها الغنم. ف ر ج: قوله تعالى:﴾ وإذا السماء فرجت ﴿] المرسلات:٩ [كقوله تعالى:﴾ إذا

стр. 1154

السماء انشقت﴾ [الانشقاق:١]. والفرج: الشق، ومنه فرج الحيوان. والفرج: الخروج من الضيق والشدة. قوله تعالى:﴾ ما لها من فروج ﴿] ق:٦ [أي شقوق، بل هي ملتئمة الأجزاء ليس فيها صدوع كقوله تعالى:﴾ هل ترى من فطور ﴿] الملك:٣ [. وسمي الخروج من الضيق فرجًا لانفتاح الضيق وانشقاقه. ويطلق على الدبر فرج، وأنشد لامرئ القيس يصف جملًا:] من الطويل [ ١١٨٤ - وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأريض ليس بأعزل يعني سد بذنبه ما بين وركيه؛ يصفه بكثرة شعر ذنبه، وهو محمود في الإبل وغيرها. والفرجة: الشق بين شيئين بفتح الفاء وضمها وحكي أن الحجاج طالب أبا عمرو وغيره بشاهد على جوار فرجه بفتح الفاء فخرج ينتقل في أحياء العرب يبتغي سماع ذلك، فبينا هو سائر إذا لقيه راكب ينشد:] من الخفيف [ ١١٨٥ - ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال قال: فسألته، فقال: مات الحجاج، قال: فلم أدر بأيهما أفرج؟ واستعير الفرج للثغر، وكل موضع مخافة. وقيل: الفرجان في الإسلام: الترك والسودان. وفي كلام الحجاج قبحه الله تعالى: "استعملتك على الفرجين والمصرين"؛ فالفرجان: خراسان وسجستان، والمصيران: البصرة والكوفة. وفي الحديث: "صلى وعليه فروج من حرير"؛ قال أبو عبيد: هو القباء الذي فيه شق من خلفه.

стр. 1155

وفي الحديث: "لا يترك في الإسلام مفرج" يروى بالجيم والحاء المهملة؛ فمن رواه بالجيم فاختلف فيه؛ فقيل: هو القتيل يوجد في أرض فلاه ليس بقرب قرية فيودي من بيت المال. وقيل: هو من لا جرة له ولا أهل، فإذا قتل بين قوم وجهل] قاتله [وداه أولئك القوم. ومن رواه بالحاء فقال: هو الذي أثقله الدين، وقد أفرحه يفرحه: إذا أثقله وكأن الهمزة عندي للسلب لأنه بذلك يسلب فرحه ويزول. وهذا كان خطر لي، ثم رأيت الراغب قاله ولكن بزيادة فقال: وكأن الإفراح يستعمل في جلب الأفراح وهو إزالة الفرح، كما أن الإشكاء يستعمل في جلب الشكوى وفي إزالتها. وحقيقة المفرج: هو الذي ينفرج عنه القوم ولا يدرى قاتله. ورجل فرج: لا ينكتم سره. وفرج لا يزال ينكشف فرجه، وقوس فرج: انفرج سيتاها. وفراريج الدجان من ذلك لانفراج البيض عنها. ودجاجة مفرج: ذات فراريج، قال الشاعر:] من البسيط [ ١١٨٦ - كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج والفرج: انفراج الغم وانكشافه؛ قال الشاعر:] من الوافر [ ١١٨٧ - عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان ... ويأتي أهله الرجل الغريب ف ر ح: الفرح: انشراح الصدر، وأكثر ما يكون بلذة دنيوية عاجلة، ومن ثم نهي عنه في قوله:﴾ ولا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ﴿] القصص:٧٦ [. وقال تعالى:﴾ لكي لا

стр. 1156

تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴿] الحديد:٢٣ [. والمفراح: الكثير الفرح لأنه مثال مبالغة، وأنشد:] من الطويل [ ١١٨٨ - ولست بمفراح إذا الخير مسني ... ولا جازع من صرفه المتقلب وقد أذن فيه تعالى بقوله:﴾ فبذلك فليفرحوا ﴿] يوسف:٥٨ [لأنه أمر أخروي، ومثله:﴾ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴿] الروم:٤ - ٥ [لأنه نصرة لدين الله، وذلك أن الروم غلبت الفرس، والروم أهل كتاب في الجملة، والفرس عبدة نار لا كتاب لهم؛ فهم أبعد من المؤمنين. ويقال: رجل فارح: إذا حدث فرحة، وفرح: إذا كانت ذلك دائمًا أو غالبًا، وفي الحديث: "لا يترك في الإسلام مفرح" وقد تقدم تحقيقه. ف ر د: قوله تعالى:﴾ وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾] مريم:٩٥ [أي مفردًا من أهله وخلانه وماله، وقد كان يتعزز بذلك كله. ومثله قوله تعالى:﴾ ولقد جئتمونا فرادى ﴿] الأنعام:٩٤ [الآية. وقيل: الفرد الذي لا يخلط به غيره، فهو أعم من الوتر، ويقال له تعالى: فرد بمعنى أنه تعالى يخالف الأشياء كلها في الازدواج المنبه عليه بقوله تعالى:﴾ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴿] الذاريات:٤٩ [وقيل: الفرد هو المستغني عن كل شيء، وقد نبه عليه بقوله تعالى:﴾ فإن الله غني عن العالمين ﴿] آل عمران:٩٧ [. وإذا قيل: هو منفرد بوحدانيته فمعناه أنه مستغن عن كله تركيب وازدواج، تنبيها أنه بخلاف كل موجود.

стр. 1157

قوله: ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾ [الأنعام:٩٤]. وقد فسر انفرادهم بقوله:﴾ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى شفعاءكم الذين زعمتم ﴿] الأنعام:٩٤ [. وذلك أن الرجل في دنياه إنما يتعزز بماله ورجاله، وهؤلاء قد أتوا منكشفين من جميع ذلك، واعترض بين المفسر والمفسر بالتشبيه في قوله:﴾ كما خلقناكم ﴿أي عزلًا، فليتهم كما كانوا، كذا جاء في الحديث. وفرادى جمع فريد؛ نحو أساري وأسير. وقال الفراء: قوم فرادى وفراد. لا يجرونها أي يصرفونها، قال: تشبيهًا بثلاث ورباع، قال: وواحدها فرد وفرد وفردان. قال: ولا يجوز فرد في هذا المعنى. قوله تعالى:﴾ رب لا تذرني فردًا ﴿] الأنبياء:٨٩ [أي وحيدًا من ولد يرثني. وفي الحديث: "طوبي للمفردين" قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: فرد الرجل: إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراقبة أوامر الله ونواهيه. القتيبي: هم الذين هلك لذاتهم من الناس ومضى القرن الذي كانوا فيه، فهم يذكرون الله تعالى: وقال الأزهري: المتخلون عن الناس بذكر الله تعالى. وقال بعض الأعراب لسيدنا رسول الله ﷺ :] من الرجز [ ١١٨٩ - يا خير من يمشي بنعل فرد يريد بنعل لم تخصف طراقًا، أي طريقة فوق أخرى، وهم يمدحون بمثل ذلك؛ يقولون: رقيق النعل، وفرد النعل: أي لم تطارق طبقة فوق أخرى، وعلى ذلك قال النابغة:] من الطويل [ ١١٩٠ - رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب قال الهروي: أراد بآخر العرب لأن لبس النعال لهم دون العجم. "لا تعد

стр. 1158

فاردتكم، أي الزائدة على الفريضة. في ر د وس: قوله تعالى:﴾ كانت لهم جنات الفردوس نزلا ﴿] الكهف:١٠٧ [﴾ الذي يرثون الفردوس هم فيها خالدون ﴿] المؤمنون:١١ [. قيل: هو كل بستان، وقيل: إذا كان فيه نخل وكرم وماء جار وإلا فهو بستان، وهل هو عربي أم فارسي معرب فيه قولان. وقيل: هو مكان مخصوص في الجنة، يقال: أنه أعلاها، ووزنه فعلل نحو: قرطعب. والتحقيق أن لا وزن له لعجمته. وقال الفراء: الفردوس هو البستان الذي فيه الكرم بلغة العرب، فظاهر هذا أنه عربي الأصل لا معرب. ف ر ر: قوله تعالى:﴾ يقول الإنسان يومئذ أين المفر ﴿] القيامة:١٠ [أي المهرب، من: فر الرجل يفر، وهو في الآية الكريمة يحتمل أن يراد به مكان الفرار وزمانه ونفس القرار، نحو المقتل والمضرب. والأصل: مفرر، وإنما أدغم. وأصل الفر الكشف؛ يقال: فررت عن الدابة فرارًا: إذا كشفت عن سنها لتعرف كم عمرها. والافترار: ظهور السن من الضحك. وفر عن الحرب فرارًا، وبه سمي الشاعر المشهور فقيل له الفرار. وقال امرؤ القيس يصف جوادًا: [من الطويل]

стр. 1159

١١٩١ مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل وأفررته: جعلته فارًا. ورجل فار وفر. وقوله:﴾ ففرت منكم ﴿] الشعراء:٢١ [تنبيه منه ﷺ على فرط تعديهم، وأنه بالغ في الهرب منهم فالفرار أخص من الهرب. وكذا قوله.﴾ ففروا إلى الله ﴿] الذاريات:٥٠ [أي امتثال أوامره واجتناب نواهيه. وقد يستوي فيه الواحد المذكر والمثنى وضداهما على قاعدة الوصف بالمصدر، يقال: هذا فر، وهذان فر، وهؤلاء فر. وفي حديث سراقة: "هذان فر قريش" يعني النبي ﷺ وأبا بكر. وفي حديث عون: "ما رأيت أحدًا يفرفر الدنيا فرفرة هذا الأعرج" يعني أبا حازم، أي: يمزقها ويشنعها بالذم لها كما يفرفر الذئب الشاة. وقال ابن عمر لابن عباس ﵃: "كان يبلغني عنك أشياء كرهت أن أفرك عليها" أي أظاهرك وأكشفها لك، من فررت الدابة. وفي الحديث: "كان يفتر عن مثل حب الغمام" يريد تبدو أسنانه من غير قهقهة. وحب الغمام هو البرد. في ر ش: قوله تعالى:﴾ ومن الأنعام حمولة وفرشا ﴿] الأنعام:١٤٢ [الفرش: البقر والغنم. قال الأزهري: ومما يدل على هذا التسير قوله تعالى إثره:﴾ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ﴿] الأنعام:١٤٣ [الآية. قال: ونصب ثمانية لأنه بدل من قوله:﴾ حمولة وفرشًا. ﴿فقوله﴾ ثمانية أزواج ﴿هي الحمولة والفرش، قال: وإلى هذا أذهب. قلت: ويجوز نصبه بإضمار فعل، وقال الراغب: والفرش: ما يفرش من الأنعام أي يركب، يعني كني بالافتراش عن الركوب، يعني أن منها ما يحمل عليه ومنها ما يركب، يعني أنه جامع بين هذين الأمرين. قوله:﴾ وفرش مرفوعة ﴿] الواقعة:٣٤ [قيل: كني بذلك عن النساء في الجنة،

стр. 1160

والعرب تفعل ذلك. يقولون: هو كريم المفارش والفرش، ومعنى مرفوعة أي عالمية في جنسها رفيع محلها، وقيل مصونة غير مبتذلة. وقيل: الفرش ما يفترش من متاع البيت، وهو أظهر. وقيل: معنى رفعها مراد بها النساء أنها فاقت نساء أهل الدنيا. والفراش: ما يجلس عليه، ومنه قوله تعالى:﴾ جعل لكم الأرض فراشًا ﴿] البقرة:٢٢ [أي مفرشه مستقرًا عليها، ولم يجعلها ناتئة غير ممكن الاستقرار عليها. وافترش الرجل صاحبه: اغتابه وأساء قوله فيه. وأفرش عنه: أقلع. قوله تعالى:﴾ كالفراش المبثوث ﴿] القارعة:٤ [. الفراش: صغار البق ونحوه، وهو ما يتهافت وقوعًا في النار؛ سمي بذلك تصورًا منه أنه يفرش الجو. وبه يضرب المثل في الطيش وخفة الحلم. وأنشد:] من الرمل [ ١١٩٢ - وفراش الحلم فرعون العذاب وإن شبه الناس يوم القيامة من فزعهم وظهور جزعهم وذهاب عقولهم بفراش انتشر وتفرق، ولا يرى أبلغ من هذا التشبيه وما فيه من التنبيه على هول ذلك اليوم، ومثله:﴾ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴿] الحج:٢ [. رزقنا الله بمنه في ذلك اليوم أمنه بمن أنزل عليه أشرف كتبه. والفراشة: الماء القليل في الإناء. وهي- أيضًا- فراشة القفل على التشبيه في الهيئة، وفي الحديث: "نهى عن افتراش السبع في الصلاة" وهو أن يبسط ذراعيه على الأرض ولا يرفعهما في سجوده. وأنشد لعمرو بن معدي كرب:] من الوافر [ ١١٩٣ - ترى السرحان مفترشًا يديه ... كأن بياض لبته الصديع وفي آخر: "إلا أن يكون] مالًا [مفترشا" أي لا مغضوبًا قد انبسطت فيه الأيدي بغير حق. قوله ﵇: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش وهو الزوج أو
следующие страницы →