← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴿] الحديد:٢٣ [. والمفراح: الكثير الفرح لأنه مثال مبالغة، وأنشد:] من الطويل [ ١١٨٨ - ولست بمفراح إذا الخير مسني ... ولا جازع من صرفه المتقلب وقد أذن فيه تعالى بقوله:﴾ فبذلك فليفرحوا ﴿] يوسف:٥٨ [لأنه أمر أخروي، ومثله:﴾ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴿] الروم:٤ - ٥ [لأنه نصرة لدين الله، وذلك أن الروم غلبت الفرس، والروم أهل كتاب في الجملة، والفرس عبدة نار لا كتاب لهم؛ فهم أبعد من المؤمنين. ويقال: رجل فارح: إذا حدث فرحة، وفرح: إذا كانت ذلك دائمًا أو غالبًا، وفي الحديث: "لا يترك في الإسلام مفرح" وقد تقدم تحقيقه. ف ر د: قوله تعالى:﴾ وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾] مريم:٩٥ [أي مفردًا من أهله وخلانه وماله، وقد كان يتعزز بذلك كله. ومثله قوله تعالى:﴾ ولقد جئتمونا فرادى ﴿] الأنعام:٩٤ [الآية. وقيل: الفرد الذي لا يخلط به غيره، فهو أعم من الوتر، ويقال له تعالى: فرد بمعنى أنه تعالى يخالف الأشياء كلها في الازدواج المنبه عليه بقوله تعالى:﴾ ومن كل شيء خلقنا زوجين ﴿] الذاريات:٤٩ [وقيل: الفرد هو المستغني عن كل شيء، وقد نبه عليه بقوله تعالى:﴾ فإن الله غني عن العالمين ﴿] آل عمران:٩٧ [. وإذا قيل: هو منفرد بوحدانيته فمعناه أنه مستغن عن كله تركيب وازدواج، تنبيها أنه بخلاف كل موجود.

стр. 1157

قوله: ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾ [الأنعام:٩٤]. وقد فسر انفرادهم بقوله:﴾ وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى شفعاءكم الذين زعمتم ﴿] الأنعام:٩٤ [. وذلك أن الرجل في دنياه إنما يتعزز بماله ورجاله، وهؤلاء قد أتوا منكشفين من جميع ذلك، واعترض بين المفسر والمفسر بالتشبيه في قوله:﴾ كما خلقناكم ﴿أي عزلًا، فليتهم كما كانوا، كذا جاء في الحديث. وفرادى جمع فريد؛ نحو أساري وأسير. وقال الفراء: قوم فرادى وفراد. لا يجرونها أي يصرفونها، قال: تشبيهًا بثلاث ورباع، قال: وواحدها فرد وفرد وفردان. قال: ولا يجوز فرد في هذا المعنى. قوله تعالى:﴾ رب لا تذرني فردًا ﴿] الأنبياء:٨٩ [أي وحيدًا من ولد يرثني. وفي الحديث: "طوبي للمفردين" قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: فرد الرجل: إذا تفقه واعتزل الناس وخلا بمراقبة أوامر الله ونواهيه. القتيبي: هم الذين هلك لذاتهم من الناس ومضى القرن الذي كانوا فيه، فهم يذكرون الله تعالى: وقال الأزهري: المتخلون عن الناس بذكر الله تعالى. وقال بعض الأعراب لسيدنا رسول الله ﷺ :] من الرجز [ ١١٨٩ - يا خير من يمشي بنعل فرد يريد بنعل لم تخصف طراقًا، أي طريقة فوق أخرى، وهم يمدحون بمثل ذلك؛ يقولون: رقيق النعل، وفرد النعل: أي لم تطارق طبقة فوق أخرى، وعلى ذلك قال النابغة:] من الطويل [ ١١٩٠ - رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب قال الهروي: أراد بآخر العرب لأن لبس النعال لهم دون العجم. "لا تعد

стр. 1158

فاردتكم، أي الزائدة على الفريضة. في ر د وس: قوله تعالى:﴾ كانت لهم جنات الفردوس نزلا ﴿] الكهف:١٠٧ [﴾ الذي يرثون الفردوس هم فيها خالدون ﴿] المؤمنون:١١ [. قيل: هو كل بستان، وقيل: إذا كان فيه نخل وكرم وماء جار وإلا فهو بستان، وهل هو عربي أم فارسي معرب فيه قولان. وقيل: هو مكان مخصوص في الجنة، يقال: أنه أعلاها، ووزنه فعلل نحو: قرطعب. والتحقيق أن لا وزن له لعجمته. وقال الفراء: الفردوس هو البستان الذي فيه الكرم بلغة العرب، فظاهر هذا أنه عربي الأصل لا معرب. ف ر ر: قوله تعالى:﴾ يقول الإنسان يومئذ أين المفر ﴿] القيامة:١٠ [أي المهرب، من: فر الرجل يفر، وهو في الآية الكريمة يحتمل أن يراد به مكان الفرار وزمانه ونفس القرار، نحو المقتل والمضرب. والأصل: مفرر، وإنما أدغم. وأصل الفر الكشف؛ يقال: فررت عن الدابة فرارًا: إذا كشفت عن سنها لتعرف كم عمرها. والافترار: ظهور السن من الضحك. وفر عن الحرب فرارًا، وبه سمي الشاعر المشهور فقيل له الفرار. وقال امرؤ القيس يصف جوادًا: [من الطويل]

стр. 1159

١١٩١ مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل وأفررته: جعلته فارًا. ورجل فار وفر. وقوله:﴾ ففرت منكم ﴿] الشعراء:٢١ [تنبيه منه ﷺ على فرط تعديهم، وأنه بالغ في الهرب منهم فالفرار أخص من الهرب. وكذا قوله.﴾ ففروا إلى الله ﴿] الذاريات:٥٠ [أي امتثال أوامره واجتناب نواهيه. وقد يستوي فيه الواحد المذكر والمثنى وضداهما على قاعدة الوصف بالمصدر، يقال: هذا فر، وهذان فر، وهؤلاء فر. وفي حديث سراقة: "هذان فر قريش" يعني النبي ﷺ وأبا بكر. وفي حديث عون: "ما رأيت أحدًا يفرفر الدنيا فرفرة هذا الأعرج" يعني أبا حازم، أي: يمزقها ويشنعها بالذم لها كما يفرفر الذئب الشاة. وقال ابن عمر لابن عباس ﵃: "كان يبلغني عنك أشياء كرهت أن أفرك عليها" أي أظاهرك وأكشفها لك، من فررت الدابة. وفي الحديث: "كان يفتر عن مثل حب الغمام" يريد تبدو أسنانه من غير قهقهة. وحب الغمام هو البرد. في ر ش: قوله تعالى:﴾ ومن الأنعام حمولة وفرشا ﴿] الأنعام:١٤٢ [الفرش: البقر والغنم. قال الأزهري: ومما يدل على هذا التسير قوله تعالى إثره:﴾ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ﴿] الأنعام:١٤٣ [الآية. قال: ونصب ثمانية لأنه بدل من قوله:﴾ حمولة وفرشًا. ﴿فقوله﴾ ثمانية أزواج ﴿هي الحمولة والفرش، قال: وإلى هذا أذهب. قلت: ويجوز نصبه بإضمار فعل، وقال الراغب: والفرش: ما يفرش من الأنعام أي يركب، يعني كني بالافتراش عن الركوب، يعني أن منها ما يحمل عليه ومنها ما يركب، يعني أنه جامع بين هذين الأمرين. قوله:﴾ وفرش مرفوعة ﴿] الواقعة:٣٤ [قيل: كني بذلك عن النساء في الجنة،

стр. 1160

والعرب تفعل ذلك. يقولون: هو كريم المفارش والفرش، ومعنى مرفوعة أي عالمية في جنسها رفيع محلها، وقيل مصونة غير مبتذلة. وقيل: الفرش ما يفترش من متاع البيت، وهو أظهر. وقيل: معنى رفعها مراد بها النساء أنها فاقت نساء أهل الدنيا. والفراش: ما يجلس عليه، ومنه قوله تعالى:﴾ جعل لكم الأرض فراشًا ﴿] البقرة:٢٢ [أي مفرشه مستقرًا عليها، ولم يجعلها ناتئة غير ممكن الاستقرار عليها. وافترش الرجل صاحبه: اغتابه وأساء قوله فيه. وأفرش عنه: أقلع. قوله تعالى:﴾ كالفراش المبثوث ﴿] القارعة:٤ [. الفراش: صغار البق ونحوه، وهو ما يتهافت وقوعًا في النار؛ سمي بذلك تصورًا منه أنه يفرش الجو. وبه يضرب المثل في الطيش وخفة الحلم. وأنشد:] من الرمل [ ١١٩٢ - وفراش الحلم فرعون العذاب وإن شبه الناس يوم القيامة من فزعهم وظهور جزعهم وذهاب عقولهم بفراش انتشر وتفرق، ولا يرى أبلغ من هذا التشبيه وما فيه من التنبيه على هول ذلك اليوم، ومثله:﴾ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ﴿] الحج:٢ [. رزقنا الله بمنه في ذلك اليوم أمنه بمن أنزل عليه أشرف كتبه. والفراشة: الماء القليل في الإناء. وهي- أيضًا- فراشة القفل على التشبيه في الهيئة، وفي الحديث: "نهى عن افتراش السبع في الصلاة" وهو أن يبسط ذراعيه على الأرض ولا يرفعهما في سجوده. وأنشد لعمرو بن معدي كرب:] من الوافر [ ١١٩٣ - ترى السرحان مفترشًا يديه ... كأن بياض لبته الصديع وفي آخر: "إلا أن يكون] مالًا [مفترشا" أي لا مغضوبًا قد انبسطت فيه الأيدي بغير حق. قوله ﵇: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش وهو الزوج أو

стр. 1161

المالك، وهذا معدود من مختصر الكلام. وفي الحديث: "لكم العارض والفريش" قيل: الفريش هي التي قرب وضعها أو وضعت قريبًا كالنفساء. وقيل: هو كل نبات لا ساق له كأنه فرش على الأرض؛ فعيل بمعنى مفعول، وقيل: هو الموضع الذي يكثر به النبات. ف ر ض: قوله تعالى:﴾ لا فارض ولا بكر ﴿] البقرة:٦٨ [. الفارض من البقر التي طعنت في السن كأنها فرضت سنها أي قطعته. وقيل: سمي فارضًا لأنه فارض الأرض أي قاطع لها أو قاطع لما يحمل من الأعمال الشاقة. وقيل: بل لأن فريضة البقر اثنان: تبيع ومسنة؛ فالتبيع يجوز في حال دون حال، والمسنة يجوز بذلها في كل حال، فسميت المسنة فارضًا لذلك. قال الراغب: فعلى هذا يكون الفارض اسمًا إسلاميًا، وإنما سمي الفارض فارضًا لقدمه، وكل قديم يقال له فارض. وأنشد يقول:] من الرجز [ ١١٩٤ - يا رب ذي ضغن على فارض ... له قروء كقروء الحائض وأصل الفرض: قطع الشيء الصلب والتأثير فيه كمقطع الحديد، وفرض الزند والقوس. والمفوض والمفراض: ما يقطع به الحديد. فرضة الماء: مقسمة. والفروض والواجب عند بعضهم مترادفان، وعند آخرين متغايران، فالفرض ما ثبت بدليل قطعي، كفرض الظهر وغيره من الخمس. والواجب ما ثبت بدليل كالوتر. قال الراغب: والفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارًا بوقوعه وثبوته، والفرض بقطع الحكم فيه. قال تعالى:﴾ سورة أنزلناها وفرضناها ﴿] النور:١ [أي أوجبنا العمل بها، وقال تعالى:﴾ وإن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ﴿] القصص:٨٥ [أي أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرض. وقرئ "وفرضناها مخففًا ومشددًا؛ فالمخفف بمعنى: جعلنا فيها فرائض الأحكام، والتشديد: جعلنا فيها

стр. 1162

فريضة بعد فريضة. وقال الأزهري: في التخفيف: ألزمناكم العمل بها، وبالتشديد فضلناها وبينا ما فيها. والفرض على التمر لأنه يقطع للأكل، وأنشد الهروي عن الأزهري:] من الرجز [ ١١٩٥ - إذا أكلت سمكًا وفرضا ... ذهبت طولًا وذهبت عرضا قوله تعالى:﴾ نصيبًا مفروضًا ﴿] النساء:٧ [أي مقطوعًا، وقيل موفيًا، وقيل معلومًا. قوله:﴾ وقد فرضتم لهن فريضة ﴿] البقرة:٢٣٧ [أي سميتهم لهن مهرًا وأوجبتم على أنفسكم ذلك وقطعتموه لهن. وقيل: للذين فرائض لأنها أمور مقطوع بها، وفرائض الميراث لأنها قطعت وفصلت. قوله تعالى:﴾ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ﴿] الأحزاب:٣٨ [أي ما حدده وبينه وفصله. يقال لما أخذ في الصدقة فريضة، ومنه كتاب أبي بكر لبعض عماله: "هذا كتاب فيه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين". قوله تعالى:﴾ فمن فرض فيهن الحج ﴿] البقرة:١٩٧ [أي أوجب على نفسه. قال ابن عرفة: الفرض: التوقيت، وكل فرض مؤقت فهو فروض. والفرض: العلامة - أيضًا - وقيل: معناه من عين على نفسه إقامة الحج، فإضافة فرض الحج على الإنسان دلالة على أنه هو معين الوقت، كذا قال الراغب. يعني أنه في هذه الأشهر مخير فأي وقت عينه فيها جاز. وخطب ابن الزبير خطبة قال فيها: "واجعلوا السيوف للمنايا فرضًا" يريد: اجعلوا السيوف طرقًا للموت، يريد: تعرضوا للشهادة بأن تقاتلوا. والفرض: جمع فرضة وهي مشارع الماء، وهذه استعارة بليغة.

стр. 1163

ف ر ط: قوله: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [الأنعام:٣٨] أي ما تركنا وقصرنا ولم نعجز عن إيداع جميع الأشياء فيه. والمعنى: ما ضيعنا شيئًا من ذلك: فرط يفرط: إذا تقدم، وفرط يفرط: إذا ضيع وعجز، وأفرط يفرط الماء، نجاوز الحد واشتط. وقيل: فرط يفرط: إذا تقدم تقدمًا بالقصد، ومنه الفارط إلى الماء: المتقدم لإصلاح الدلو. قوله تعالى:﴾ وهم لا يفرطون ﴿] الأنعام:٦١ [أي لا يقصرون ولا يغفلون. قوله تعالى:﴾ ومن قبل ما فرطتم في يوسف ﴿] يوسف:٨٠ [أي من قبل تفريطكم أي تقديمكم الذئب. وقال ابن عرفة: معنى التفريط أن تترك الشيء حتى يمضي وقت إمكانه، ثم يخرج إلى وقت يمتنع فيه، ومنه التفريط في الصلاة وهو تركها حتى يتقدم وقتها. قوله تعالى:﴾ وأنهم مفرطون ﴿] النحل:٦٢ [. قال مجاهد: منسيون، وقيل: متروكون في النار. وقال الأزهري: الأصل فيه أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها. يقال: أفرطته أي أقدمته، وقرئ بكسر الراء وهي شاذة. قوله تعالى:﴾ وكان أمره فرطًا ﴿] الكهف:٢٨ [أي مضيعًا متهاونًا به. قال أبو عبيدة: أي ندمًا. وقيل: سرفًا، وكأنه المتجاوز فيه. قوله تعالى:﴾ إننا نخاف أن يفرط علينا ﴿] طه:٤٥ [أي يتجاوز، وقيل: يعاجلنا ويقدم لنا العقوبة. يقال: فرط من فلان أمر: أي بدر، وقال ابن عرفة: معناه يعجل فيقدم لنا منه مكروه، وهو قريب مما تقدم. وفي الدعاء للطفل الميت: "واجعله فرطا" أي أجراً متقدماً. وفي الحديث: "أنا فرطكم على الحوض" أي أتقدمكم، يقال:

стр. 1164

فرطت القوم أي تقدمتهم، لترد لهم الماء وتهيئ الدلاء والرشاء. وأفرط فلان ابنًا له: أي تقدم له ابن. وفي الحديث: "أنا والنبيون فراط القاصفين" أي متقدمون في الشفاعة. وفي الحديث: "نهاك عن الفرطة في البلاد" أي التقدم والسبق. وفرس فرط: أي سابق غيره من الخيل. ف ر ع: قوله تعالى:﴾ وقال رجل مؤمن من آل فرعون ﴿] غافر:٢٨ [. فرعون اسم أعجمي، يقال: كل من ملك مصر فهو فرعون، وقيل: كل من ملك العمالقة فهو فرعون، كما أن كل من ملك الروم فهو قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، وكل من ملك اليونان فهو بطليموس، وكل من ملك الحبش فهو نجاشي، وكل من ملك حمير فهو تبع. واختلف في اسمه الأصلي؛ فقيل: مصعب، وقيل غير ذلك، وقد تصرفت فيه العرب واشتقوا منه فعلًا فقالوا: تفرعن فلان: إذا فعل فرعون، وقالوا: هم الفراعنة للعتاة، وأنشد بعضهم:] من البسيط [ ١١٩٦ - قد جاء موسي كليم الله فزاد في ... أقصى تفرعنه وفرط غرامه وهذا كما قالوا: أبلس فلان: أي فعل فعل إبليس. وقالوا: أبالسة. وظاهر تصرفه فيما ذكرته يدل على أصالة نونه لثبوتها في تصاريفه. وقد يقال: إنه لما كان أعجميًا لم يعتبر ذلك. وفروع الشجرة: أغصانها، ويقال ذلك باعتبارين: إما باعتبار الطول والامتداد يقال: فرع فلان كذا: إذا أطاله، ومنه قيل للشعر. وامرأة فرعاء: طويلة الشعر، ورجل أفرع، قال امرؤ القيس:] من الطويل [ ١١٩٧ - وفرع يغشي المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل وقال الأعشى: [من البسيط]

стр. 1165

١١٩٨ - غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهويني كما يمشي الوجي الوحل وفرعت الجبل: أي توقلته. وفرعت رأسه بالسيف. وافترعت المرأة وتفرعت في بني فلان: تزوجت في أشرافهم. وإما باعتبار الأخذ من الشيء أو ما قاربه، ومنه قليل للولد: فرع والده، وفرع المسألة: ما نشأ منها ولذلك قوبل بالأصل. وفرع الشجرة يقال بالاعتبارين: الطول وكونه من أصل نشأ عنه، وفي الحديث: "لا فرع ولا فرعة في الإسلام". قال أبو عبيد: الفرع والفرعة بفتح الراء: أول ما تلد الناقة، وكانوا يذبحونها لآلهتهم في الجاهلية فنهي المسلمون عن ذلك. وقال أبو مالك: كان الرجل إذا بلعت إبله مئة قدم بكراً فنحره فذلك الفرع. ف ر غ: قوله تعالى:﴾ وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا ﴿] القصص:١٠ [أي خالبًا من الصبر لشدة تهالكها عليه. وقيل: خالبًا من كل شيء إلا من ذكر موسى، وقيل: فارغًا من الاهتمام بموسى لأن الله تعالى وعدها أن يرده إليها. وقيل: أنسيناها ذكره حتى احتملت أن تلقي فلذة كبدها في البحر، وهذا لا يقدر عليه بشر إلا بأن يقدره الله عليه، ويؤيد الآخر قوله تعالى:﴾ لولا أن ربطنا على قلبها ﴿] القصص:١٠ [بعد قوله:﴾ إن كادت لتبدي به ﴿. قوله تعالى:﴾ سنفرع لكم ﴿] الرحمن:٣١ [أي سنعمل، وهو مما يتعارفه

стр. 1166

الناس في محاوراتهم: ١١٩٩ - ولما اتقى القين العراقي باسته ... فرغت إلى العبد المقيد في الحجل والفراغ في اللغتين على وجهين: الأول الفراغ من شغل، وهذا غير جائز على الله تعالى أنه لا يشغله شأن عن شأن، والثاني: القصد للشيء. والإفراغ: الصب، ومنه:﴾ أتوني أفرغ عليه قطرًا ﴿] الكهف: ٩٦ [واستعير ذلك في المعاني؛ فقيل: أفرغ الله علينا الصبر؛ قال تعالى:﴾ ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾] البقرة:٢٥٠ [وأفرغت الإناء: صببت ما فيه، ومنه استعير: ذهب دمه فرغًا، أي مصبوبًا باطلًا غير مأخوذ بثأره. قال الشاعر:] من البسيط [ ١٢٠٠ - أهان دمك فرغًا بعد عزته ... يا عمرو بغيك إصرارًا على الحسد وقال أخر:] من الطويل [ ١٢٠١ - فإن تلك أذواد أصبن ونسوة ... فلن تذهبوا فرغًا بقتل حبال فرغًا: حال من بقتل قدم عليه. وحمار فراغ، ودابة فراغ، أي سريعة السير، ومنه حديث الأنصاري: "حملنا رسول الله ﷺ على حمار لنا قطوف فنزل عنه فإذا هو فراغ لا يساير" أي لا يمكن مسايرته لسرعته وذلك ببركته ﷺ . ف ر ق: قوله تعالى:﴾ وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ﴿] الأنفال:٤١ [قيل: هو يوم

стр. 1167

بدر، وذلك أنه فرق فيه بين الحق والباطل، وتبين أن دين الله هو الغالب. فالفرقان مصدر فرق يفرق، وأصله في الأعيان نحو: فرقت بين الإناءين. وسمي يوم بدر بيوم الفرقان لأنه أول يوم حصل فيه الفرق بين الحق والباطل. وتقديره تقدير رجل قنعان أي يقنع به في الحكم. والفرق يستعمل في ذلك وفي غيره. وقيل: الفرقان: اسم لا مصدر قاله الراغب، والفرق] والقلق متقاربان. وقال الراغب: لكن الفلق يقال اعتبارًا بالانشقاق. والفرق اعتبارًا بالانفصال [والفرق: الطائفة من الناس المنفصلة عن غيرها، قال تعالى:﴾ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴿] التوبة:١٢٢ [. قوله تعالى:﴾ فكان كل فرق كالطود العظيم ﴿] الشعراء:٦٣ [. فالفرق قطعة من الماء منفصلة، والفريق: الجماعة المنفردة أيضًا، كقوله تعالى:﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴿] الشورى:٧ [. وفرقت بين الشيئين: فصلت بينهما، وهذا الفصل قد يكون مدركًا بالبصر كما في الأشخاص، وقد يكون مدركًا بالمعاني، ومنه الفرق بين المسألتين، وهذا إبداء معنى لم يوجد في الطرف الآخر مع تخيل التساوي. قوله تعالى:﴾ فالفارقات فرقًا ﴿] المرسلات:٤ [قيل: عنى الملائكة، فإنه يفرقون بين الحق والباطل حسبما أمرهم الله تعالى به. وقيل: بفصل الأشياء حسبما أمروا به من زيادة رزق هذا وعمره، ونقص آخر منهما، حسبما ورد بذلك ظاهر أحاديث مشهورة. وقوله تعالى:﴾ وقرآنا فرقاه ﴿] الإسراء:١٠٦ [أي فصلناه وبينا فيه الأحكام، وقرئ﴾ فرقناه ﴿مشددًا أي نجمناه في التنزيل، ولذلك قال:﴾ ونزلناه تنزيلًا ﴿. قوله تعالى:﴾ لا نفرق بين أحد من رسله ﴿] البقرة:٢٨٥ [إنما دخلت بين على أحد وإن كان بلفظ الإفراد. وبين لا تدخل إلا على متعدد لأنه يفيد الجمع في سياق

стр. 1168

النفي، والمعنى أن الإيمان بكل الرسل واجب، وكذلك بجميع الكتب السماوية وبجميع الملائكة، فلو آمن واحد ببعض أولئك فإيمانه كلا إيمان، وحينئذ يكون المؤمن بالبعض قد فرق بين رسول ورسول وكتاب وكتاب، مع أن كلًا منهم يدلي بما يدلي الآخر. فما معنى التفرقة بينهم في ذلك؟ قوله تعالى:﴾ إن الذين فرقوا دينهم ﴿] الأنعام:١٥٩ [أي جعلوا دينهم مختلفًا، فخلطوا حقه بباطله، بأن آمنوا ببعض الرسل وبعض الكتب، وكفروا ببعض، فهو في معنى الآية قبلها. وقرئ﴾ فارقوا ﴿أي تركوا. ويطابق الأولى قوله بعده﴾ وكانوا شيعًا ﴿أي فرقًا مختلفة. قوله تعالى:﴾ إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ﴿] الأنفال:٢٩ [أي نورًا وتوفيقًا في قلوبكم يفرق بين الحق والباطل، فكأن الفرقان ههنا كالسكينة والروح في غيره. وقال الفراء: أي فتحًا ونصرًا ونجاة. يقال للصبح فرقان لفرقة بين النور والظلمة، ولأنه يفرق به بين الأشياء، ومنه قولهم: قد طلع الفرقان. والفرقان: كلام الله تعالى في سائر كتبه المنزلة لأنه يفرق بين الحق والباطل في الاعتقاد، والكذب والصدق في المقال، والصالح والطالح في الأعمال. وهذا المعنى موجود في القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، ويدل على ذلك قوله تعالى:﴾ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ﴿] الأنبيا:٤٨ [. قوله تعالى:﴾ وظن أنه الفراق ﴿] القيامة:٢٨ [أي تيقن أو ترجح عنده أنه زمن مفارقته الدنيا، وأنه ميت لا محالة، يعني بذلك المحتضر بدليل تقدم قوله تعالى:﴾ كلا إذا بلغت التراقي ﴿. وتأخر قوله:﴾ والتفت الساق بالساق ﴿الآية. والفراق والمفارقة يكونان بالأبدان وبغيرها ولكن بالأبدان أكثر؛ فيقال: فارقت روحه جسده. والفرق: شدة الفزع لأنه يفرق القلب ويشعبه لما يحصل فيه من الخوف،

стр. 1169

واستعمال الفرق فيه كاستعمال الصدع والشق فيه. ويقال: رجل فروق وفروقة أي كثير الفرق، وفروقة أبلغ كعلامة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث؛ فيقال: امرأة فروق وفروقة. ومنه قيل للناقة النادة في الأرض من وجع المخاض: فارق وفارقة، وبه شبهت السحابة المنفردة فقيل لها فارق. والأفرق من الديكة: ما عرفه مفروق، ومن الخيل ما إحدى وركيه أرفع من الأخرى. والفروقة:- أيضًا - شحم الكليتين. والفريقة: تمر يطبخ بحلبة. قوله تعالى:﴾ ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ﴿] النساء:١٥٠ [أي يظهرون الإيمان بالله ويكفرون بالرسول، وهذا خلاف ما أمرهم الله به، فإنه قرن الإيمان به بالإيمان بالله، فمن كفر برسوله لم يؤمن بالله. فنسأل الله تعالى بمن جعل له هذه الرتبة أن يمن علينا برؤياه في الجنة آمين. والفرق - أيضًا - إناء أو مكيال يسع اثني عشرًا مدًا، وفي الحديث: "كان يغتسل مع عائشة ﵄ من إناء يقال له الفرق". قال أبو الهيثم: هو إناء يأخذ ستة عشر رطلًا وذلك ثلاثة أصوع. والفريقة - أيضًا - طائفة تشذ وتنفرد عن الغنم، ومنه الحديث: "ما ذئبان عاديان أصابا فريقة غنم" والفرق - أيضًا -: القطيع من الغنم، وفي حديث عثمان أنه سأل فقال: "كيف تركت أفاريق العرب" الأفاريق جمع أفراق، والأفراق جمع فرق وفرقة وفريق بمعنى واحد. قوله تعالى:﴾ وتنحنون من الجبال بيوتًا فارهين ﴿] الشعراء:١٤٩ [أي أشرين بطرين، والجمع فره. وقرئ فارهين وفرهين فقيل بمعنى، نحو [بار وبر]. وقيل:

стр. 1170

فارهين: حاذقين، وفرهين: أشرين مرحين. وناقة مفره ومفرهة: تنتج الفره. والفراهة تكون في الإنسان وفي غيره من الحيوان، يقال رجل فاره ودابة فاره. وقولهم: هو أفره عبد وأفره عبدًا؛ فهو على الأول عبد وعلى الثاني مالك عبد، وهذا يعرف من صناعة النحو لا من هنا. ف ر ي: قوله تعالى:﴾ لقد جئت شيئًا فريا ﴿] مريم:٢٧ [أي عظيمًا، وقيل: عجيبًا، وقيل: مصنوعًا مختلفًا، ومعناها متقارب. وفي الحديث لما وصف عمر فقال: "لم أر عبقريًا يفري فريه. وأصل الفري قطع الجلد للخرز، قال زهير بن أبي سلمى:] من الكامل [ ١١٠٢ - ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... ـ القوم يخلق، شهم لا يفري والفري: الإصلاح، والإفراء: الإفساد، كأن الهمزة فيه للسلب، وإذا أزيل الإصلاح صار فسادًا. والافتراء: افتعال من الفري أو الإفراء، وهو أقبح الكذب، أو الكذب مع التعمد عند من يرى أن الكذب مخالفة في الواقع مطلقًا. ولذلك موضع حققناه فيه ولله الحمد، وقد ذكرنا منه طرفًا في هذا الكتاب عند كلامنا على الصدق والكذب. ووقع الافتراء والمراد به الكذب والشرك والظلم، كل ذلك بحسب المقامات الواردة في الكتاب. وافترى الرجل: لبس الفراء. والفراء: جمع فروة، وهذا يستعمل في التورية فيقال: افترى زيد: أي لبس الفروة. وقوله ﵇ في حق سفيان بن حرب: "أنت كما قيل: كل الصيد في جوف الفرا" فالفراء مقصور مهموز ليس من هذه المادة وإن كان بعضهم

стр. 1171

يرويه "الفراء" بحرف المد وليس بصواب، كذا قيل، وفيه نظر من حيث إنه إذا وقف على مثل هذه الهمزة جاز قبلها ألفًا، فالمنطق بذلك ليس خطأ إنما الخطأ اعتقاد كونثه غير مهموز، والله أعلم. فصل الفاء والزاي ف ز ز: قوله تعالى:﴾ واستفزز من استطعت منهم ﴿] الإسراء:٦٤ [أي أزعجهم وقلقهم. يقال: استفزه يستفزه أي: استخفه مزعجًا له، ومنه قوله تعالى:﴾ وأن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ﴿] الإسراء:٧٦ [، ومثله:﴾ فأراد أن يستفزهم من الأرض ﴿] الإسراء:١٠٣ [أي يزعجهم ويحركهم تحريكًا عنيفًا. ويقال: فلان أزعجني واستفزني: استدعاني استدعاء يستخفني به، وأنشد لأبي ذؤيب:] من الكامل [ ١٢٠٣ - والدهر لا يبقى على حدثانه ... شبب أفزته الكلاب مروع أي استخفته وأزعجته، فالمعنى: استدعهم استدعاء تستخفهم به إلى إجابتك بصوتك أي بدعائك. وسمي ولد البقرة فزًا لما تصور فيه من الخفة، كما سمي عجلًا لما تصور فيه من العجلة. ف ز ع: قوله تعالى:﴾ وهم من فزع يومئذ آمنون ﴿] النمل:٨٩ [. الفزع: قيل الخوف وليس بظاهر، بل الفزع أخص منه. وهو كما فسره بعض الحذاق: انقباض يعتري الإنسان ونفار من كل شيء مخيف، وهو من جنس الجزع. قال: ويقال: خفت من الله ولا يقال: فزعت منه.

стр. 1172

وقوله تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء:١٠٣]. قيل: الفزع: دخول النار والخلود فيها. وقيل: هو أن يؤتى بالموت على هيئة كبس أملح فيوقف بين الجنة والنار، وأهلهما ينظرون إليه فيذبح ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فلذلك هو الفزع الأكبر. اللهم أمنا كما أمنت أولئك من هذا الفزع الأكبر بحرمة من أنزلت عليه كتابك الكريم. قوله تعالى:﴾ حتى إذا فزع عن قلوبهم ﴿] سبأ:٢٣ [أي كشف عن قلوبهم الفزع، قال الفراء: المفرع يكون شجاعًا ويكون جبانًا؛ من جعله شجاعًا مفعولًا به قال:] من الكامل [ ١٢٠٤ - وبمثله تتنزل الأفزاع قال الهروي: ومنه قول عمرو بن معدي كرب وقد قال له بعضهم: "لاضرطنك": "إنها لعزوم مفزعة" أي صحيحة بها تنزل الأفزاع فتجليها، ومن جعله جبانًا أراد: يفزع من كل شيء. قال الفراء: هذا مثل قولهم: رجل مغلب أي غالب، ومغلب أي مغلوب. وفزع يفزع فزعاً: إذا حل به الفزع. وفزع - أيضًا - استغاث. ونزع: أغاث. وفي الحديث: "فزع أهل المدينة ليلاً فركب رسول الله ﷺ فرسًا معروريًا لأبي طلحة" أي استغاثوا. ومن مجيء فزع بمعنى أغاث قوله طلحة اليربوعي] من الطويل [ ١٢٠٥ - فقلت لكأس ألجميها فإنما ... حللت الكثيب من زرود لأفزعا

стр. 1173

أي لاغيث، ومن مجيء فزع بمعنى أغاث - أيضًا - قول سلامة:] من البسيط [ ١٢٠٦ - كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب كذا قال الهروي، إلا أن الغالب لم يرتض بذلك فقال: وقول الشاعر: ١٢٠٧ - كنا إذا ما أتانا صارخ فزع أي صارخ أصابه فزع. ومن فسره بأن معناه المستغيث كان ذلك تفسيرًا للمقصود من الكلام لا للفظ الفزع. وقال الهروي بعد إنشاد البيت: تقول: إذا ما أتانا مستغيث كانت إعانته منا الجد في نصرته. يقال: قرع لذلك الأمر ظنبوبه: إذا وجد فيه، قال: فالفزع يكون بمعنيين؛ أحدهما الرعب، والثاني النصرة. والفزع - أيضًا-: الهبوب من النوم، وفي الحديث "أنه ﵊ فزع من نومه وهو يضحك" أي هب. وقال ﵊ للأنصار: "إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع" يريد ﵊: تكثرون عند النصرة والإغاثة والإنجاد. وأفزع يقال بمعنيين أحدهما: أزال فزعي ونصرتي، والثاني: حصل لي فزعًا؛ فالهمزة تكون للسلب وللصيرورة، وكذلك التضعيف، يقال: فزعني، أي أزال فزعني أو حصله لي. فصل الفاء والسين ف س ح: ﴾ إذا قيا لكم تفسحوا في المجالس﴾ [المجادلة:١١] أي توسعوا في

стр. 1174

مجالسكم بأن تتأخروا ولا تضيقوا، وذلك بعض أكابر الصحابة أتى مجلس النبي ﷺ فلم يجد مكانًا، وأبي القوم أن يفسحوا له فنزلت، ولذلك قال:﴾ وإذا قيل انشزوا فانشزوا ﴿أي ارتفعوا عن أمكنتكم لتوسعوا لغيركم. ومكان فسح وفسيح وفساح أي: متسع، وفي حديث أم زرع: "وبيتها فساح". ويروى فياح، وهما بمعنى. ومنه استعير: فسحت له في هذا الأمر، أي أذنت له فيه، ولم أمنعه من فعله فأضيق عليه. ف س د: قوله تعالى:﴾ ألا إنهم هم المفسدون ﴿] البقرة:١٢ [الفساد لغة: خروج الشيء عن الاعتدال والاستقامة، قل ذلك الخروج أو كثر، ويكون في الأعيان والمعاني. ومنه فساد العقائد أعاذنا الله منه. ويستعمل في النفس والبدن. وفي الحديث: "إذا فسد القلب فسد سائر البدن" يقال: فسد يفسد فسادًا فهو فاسد. وأفسد يفسد فهو مفسد إفسادًا. قوله تعالى:﴾ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ﴿] البقرة:٢٠٥ [من باب عطف الخاص على العام تنبيها على زيادته في جنسه، فإن الإفساد يعم إهلاك الحرث والنسل وغيره قوله تعالى بعد ذلك:﴾ والله لا يحب الفساد ﴿] البقرة:٢٠٥ [. نفى محبته للفساد من الأصل وإن كان لولا ذلك المعنى المقصود الإفساد هو المطابق لقوله أولًا ليفسد فيها لأنه من أفسد. ف س ر: قوله تعالى:﴾ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا ﴿] الفرقان:٣٣ [أي كشفًا وبيانًا. والتفسرة لغة: الكشف لما ينظر فيه الطبيب فينكشف له ذلك الداء. وقال الراغب:

стр. 1175

الفسر؛ إظهار المعنى المعقول، ومنه قبل لما ينبئ عنه القول: تفسيرة، وسمي بها قارورة الماء. وتفسير القرآن: بيان ألفاظه وبيان معانيه وأحكامه، وتأويله: حمله على المعاني اللائقة، ما ظاهره قد يفهمه من لم تثبت قدمه في العلم المتغاير، وهل التفسير والتأويل الواردان في القرآن مترادفان أو متغايران؟ فقيل: التفسير: معرفة مدلولات الألفاظ وأسباب النزول والوقائع. وأما التأويل فهو رد اللفظ إلى ما يليق به من المعنى، ولذلك يجوز لمن تثبت قدمه في العلم أن يتكلم فيه باجتهاده، ونظره هذا أحسن ما قيل في الفرق بينهما. وقال الهروي: قال أبو العباس: التأويل التفسير والمعنى واحد. وقال غيره: التفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. وقال الراغب. والتفسير قد يقال فيما يختص بمفردات الألفاظ وغريبها وفيما يختص بالتأويل، ولذلك قيل: نفسير الرؤيا وتأويلها. قلت: التأويل تفعيل من آل يؤول، أي رجع. فمعنى التأويل: الرجوع باللفظ عن ظاهره إلى معنى يستقيم به ذلك اللفظ، ولذلك يقابل العلماء بينه وبين الظاهر فيقال: الظاهر والمؤول كتأويلنا قوله تعالى:﴾ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴿] المائدة:٦٤ [على أن المراد النعمة والقدرة، وكجمعنا بين قوله تعالى:﴾ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴿] الحجر:٩٢ [وبين قوله تعالى:﴾ فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴿] الرحمن:٣٩ [بأن يوم القيامة ذو مواطن وأزمنة مختلفة فيسألون في وقت، ولا يسألون سؤال تكرمه بل سؤال تقريع وتوبيخ. ولذلك قال تعالى:﴾ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ﴿] آل عمران:٧ [عند من وقف عند "الراسخون في العلم" وهو الظاهر. كان ابن عباس، وحق له أن يقول لقوله ﵊ في حقه: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" يقول: أنا منهم. وقد ذكرنا طرفًا من القول في مادة "أول" في صدر هذا الموضوع. ف س ق: قوله تعالى:﴾ ففسق عن أمر ربه ﴿] الكهف:٥٠ [أي خرج. والفسق: الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها. والفسق الشرعي: عبارة عن الخروج عن

стр. 1176

والطاعة وهي امتثال الأوامر واجتناب النواهي. قال الراغب: الفسق أعم من الكفر ويقع بالقليل من الذنوب والكثير، لكن تعورف فيما كان كبيرة، قال: وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو بعضها. وقيل للكافر الأصلي فاسق لأنه أخل بما التزمه العقل واقتضته الفطرة، وقوبل بالمؤمن في قوله تعالى:﴾ أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا ﴿] السجدة:١٨ [وقوله:﴾ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴿] الحجرات:١١ [. فالفاسق أعم من الكافر، والظالم أعم من الفاسق. قوله:﴾ وإنه لفسق ﴿] الأنعام:١٢١ [أي لخروج عن الحق. وقد غلط ابن الأعرابي فقال: لم يسمع الفاسق في وصف الإنسان في كلام العرب، وإنما قالوا: فسقت الرطبة عن قشرها. وقد أثبت بعض المعتزلة قسمًا ثالثًا زيادة على الكافر والمؤمن فقال: الناس مؤمن وكافر وفاسق. وسميت الفأرة فويسقة لما فيها من الخبث والفسق. وفي الحديث: "اقتلوا الفويسقة فإنها تضرم على الناس بيوتها". وفيه أيضًا: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والحية والكلب العقور". فصل الفاء والشين ف ش ل: قوله تعالى:﴾ لفشلتم ﴿] الأنفال:٤٣ [أي لجبنتم. يقال: فشل من الأمر يفشل فشلًا: إذا جبن؛ فالفشل: ضعف القلب وخور الجنان، ومنه قوله تعالى: ﴿إذ همت

стр. 1177

طائفتان منكم أن تفشلا ﴿] آل عمران:١٢٢ [. وقيل: الفشل ضعف مع جبن. وتفشل الماء: إذا سال، وتفاشل مثله. فصل الفاء والصاد ف ص ح: قوله تعالى:﴾ هو أفصح مني لسانًا ﴿] القصص:٣٤ [. الفصاحة: خلوص الكلام وبيانه بحيث لا يلتبس على سامعه. وفصح الرجل: جادت لغته، وأفصح: تكلم بالعربية، وقيل بالعكس، قال الراغب: والأول اصح. والفصيح: من ينطق والأعجم من لا ينطق، ومنه استعير فصح الصبح: بدا ضوؤه. وأصل الفصاحة من فصح اللبن يفصح فهو فصيح، وأفصح يفصح فهو مفصح إذا خلص من الرغوة وتعري عنها. فالفصح: خلوص الشيء مما يشوبه، وفي المثل: ١٢٠٨ - "تحت الرغوة اللبن الفصيح" فأتبعته ذلك للفصاحة في الكلام. والفصاحة في اصطلاح أهل البيان تتعلق بالكلمة والكلام والمتكلم، والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط. وقد حققنا ذلك في غير هذا الموضوع. فأما قولهم. كلمة بليغة، فلأن الكلمة في هذا المقام بمعنى الكلام. ف ص ل: قوله تعالى:﴾ فلما فصل طالوت بالجنود ﴿] البقرة:٢٤٩ [أي فارق مكانه

стр. 1178

ومركزه الذي كان فيه، وكذا قوله تعالى: ﴿ولما فصلت العير﴾ [يوسف:٩٤]. وأصل الفصل: إبانة الشيء من الشيء وقطعه حتى يكون بينهما فرجة. ومنه مفاصل الإنسان، الواحد مفصل. وفصلت الشاة: قطعت مفاصلها. قوله تعالى: ﴿هذا يوم الفصل﴾ [الصافات:٢١] أي يوم يفصل فيه بين الحق والباطل، والظالم والمظلوم؛ بأن يحكم الله بين عباده، فيفصل بينهم بعلمه فيهم. قوله تعالى: ﴿إنه لقول فصل﴾ [الطارق:١٣] أي بين ظاهر، يفصل به بين الأشياء لا التباس ولا لبس فيه ﴿قرآنًا عربيًا ذي عوج﴾ [الزمر:٢٨]. قوله تعالى: ﴿وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص:٢٠] أي قطع الحكم وبيانه، والفصل بين الخصوم. وقيل: هي كلمة أما بعد. وقيل: هو قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه. وقيل: الفصل بين الحق والباطل. قوله: ﴿آيات مفصلات﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي مبينات. وقيل: تفصيلها: فصلها وتمييزها بعضها من بعضٍ، أي بين كل آيتين فصل؛ تمضي هذه وتأتي هذه. وقيل: من تفصيل القلائد بالشذر لأن آيات القرآن مفصلة بالأحكام كما تفصل القلائد بالشذر والخرز، وهذا القول مقول في قوله تعالى: ﴿ثم فصلت من لدن حكيمٍ خبيرٍ﴾ [هود:١]. وقيل: بين فيها الحلال والحرام. وقيل: جاءت شيئٍا بعد شيءٍ. قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة الفصل﴾ [الشورى:٢١] أي ما سبق من أن الله تعالى يؤخر الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أي لولا ما تقدم من وعد الله أنه يفصل بينهم يوم القيامة لفصل الآن. وقيل: قوله تعالى: ﴿ثم فصلت﴾ إشارة إلى قوله: ﴿تبيانً لكل شيء﴾ [النحل:٨٩]. قوله: ﴿وفصيلته التي تؤويه﴾ [المعارج:١٣]. فصيلة الرجل: عشيرته المنفصل هو عنها. وقيل: الفصيلة أقرب القبيلة. وأصل الفصيلة: القطعة من لحم الفخذ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على القبيلة وما بعدها من المعمرة والفخذ والبطن ونحوها.

стр. 1179

وكان يقال: العباس ﵁ فضيلة رسول الله ﷺ . قوله: ﴿وحمله وفصاله﴾ [الأحقاف:١٥] أي فطامه، وذلك لانفصال الولد عن أمه التي ترضعه. وكذا قوله: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ [البقرة:٢٣٣] أي فطم وادهما. وفي وصف كلامه ﵊: "فصل لا نزر ولا هذر" فالفصل للفاصل بين الحق والباطل والقاطع بين الخصوم. والنزر: القليل، والهذر: الكثير. والمفصل من القرآن: السبع الأخير، وذلك للفصل بين القصص بالسور القصار. وقيل: سمي مفصلًا لقصر أعداد سوره من الآي. واختلف الناس في المفصل؛ فقيل: السبع الأخير كما تقدم نقله عن الراغب، وقيل: من الحجرات، وقيل: من سورة ق إلى آخر القرآن. والفواصل: أواخر الآي. وفواصل القلادة: شذر يفصل به بينها. وفي الحديث: "من أتفق فاصلة من الأجر كذا" أي يفصل بين الإيمان والكفر. والفيصل: الكثير الفصل. وفي الحديث: "لو علم بها لكانت الفيصل بيني وبينه" أي القطيعة. والفيصل أيضًا: الحوار لانفصاله عن أمه، وهو مختص به خصصه الاستعمال العرفي. والفصيل أيضًا، حائط دون سور المدينة. ف ص م: قوله تعالى: ﴿لا انفصام لها﴾ [البقرة:٢٥٦] أي لا انقطاع. يقال: فصمت الشيء: إذا كسرته أو قطعته من غير بينونة فيه بعضه من بعضٍ. فإذا فصلته منه قيل له قصم- بالقاف- ولذلك كان نفي الانفصام في الآية أبلغ من نفي الانفصام، لأنه إذا انتقى القصم مع قلته فلنتف القصم بطريق الأولى وهذا كما قالوا في الخصم والقصم والقبض والقنص والوكز واللكز. وفي حديث عائشة ﵂: "فيقصم عنه الوحي وإن

стр. 1180

جبينه ليتفصد عرقًا" أي يقلع عنه. وفي الحديث: "درة بيضاء ليس فيها قصم". فصل الفاء والضاد ف ض ح: قوله تعالى: ﴿قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون﴾ [الحجر: ٦٨ - ٦٩] أي تظهروا لي الفضيحة. وأصل الفضح بيان الشيء وكشفه. والفضيحة ما يستحي من إظهاره. ومنه: فضح الصبح أي ظهر ضوؤه. وفي الحديث: "حتى فضحه الصبح" قال الهروي: معناه حتى دهمته فضحه الصبح وهي بياضه. ولأفضح: الأبيض الذي لم ينصع بياضه. ف ض ض: قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي لتفرقوا. وكذا ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها﴾ [الجمعة:١١] أي ذهبوا ومضوا وتفرقوا عنك. وأصل الانفضاض الانكسار؛ يقال: فضفضت الخاتم: كسرته وفرقت أجزاؤه، وعنه استعير: انقض القوم. وكل شيء كسرته فقد فضضته، وبها فض من الناس: أي نفر متفرقون، وقالت عائشة لمروان: "وأنت فضض" أي قطعة. وفضض الماء: نشره، وهو ما ينتشر منه عند التطهر به، وفي حديث عمر: "حتى انقطعنا من فضض الحصى" أي ما تفرق منه. والفضيض والفضض: أول ما يطلع من الطلع، والفضاض: الدرع الواسع، وفي حديث سطيح وشعره: [من الرجز] ١٢٠٩ - أبيض فضفاض الرداء والبدن

стр. 1181

وهذا كناية عن سعة صدره وعظم بدنه. وقال العباس ﵁ لرسول الله ﷺ : "إني امتدحتك. فقال: إذا لا يفضض الله فاك" أي يفرق أسنانك. وفضفضت ختم الكتاب: إذا كسرته. وانقضت أوصاله: تفرقت، وأنشد لذي الرمة: [من البسيط] ١٢١٠ - تعتادني زفرات حين أذكرها ... تكاد تنقض منهن الحيازيم واقتض الماء: صبه. والفضيض: هو الماء السائل، وفي الحديث: " كانت المرأة إذا توفي عنا زوجها دخلت حفشًا، ثم لبست شر ثيابها، حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة، شاة أو طائرٍ فتفتض بها، فقلما تقتض بشيء إلا مات". قال القتيبي: سألت الحجازيين عن الأفتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا حتى تخرج بعد الحول بأقبح منظرٍ، ثم تفتض، أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائرٍ تمسح به قبلها وننبذه فلا يكاد يعيش. وقد رواه الشافعي فتقضي، بالقاف والضاد والياء آخر الحروف، كذا قال الأزهري. قلت: ومعنى الحرف: السقوط، وفيض السن: سقوطها من أصلها، وأنشد لأبي ذؤيب: [من الطويل] ١٢١١ - فراق كفيض السن فالصبر إنه ... لكل أناس عثرة وجبور وقال الهروي: انفاضت البئر، انهارت. ويحتمل أن يروي بالصاد من: فيص البيضة وهو ما انفلق عنها من قشرها، ومعناهما بعيد من الحديث. ف ض ل: قوله تعالى: ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ [هود:٣] قال ابن عرفة: إن كل من قدم خيرًا يلتمس به فضل الله بنيةٍ أو لسان أو جارحة أعطاه الله فضل ذلك العمل. وقال الأزهري: أي من كان ذا فضلٍ في دينه فضله الله في الآخرة.

стр. 1182

وأصل الفضل الزيادة على الاقتصاد، وذلك ضربان: محمود كفضل العلم والحلم، ومذموم كفضل الغضب على ما يجب أن يكون. والفضل في المحمود أكثر استعمالًا، والفضول في المذموم. والفضل إذا استعمل لزيادة حسنة أحد الشيئين على الآخر على ثلاثة أضرب: فضلٍ من حيث الجنس كفضل جنس الحيوان على جنس النبات، وفضل من حيث النوع كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وفضلٍ من حيث الذات كفضل رجلٍ على آخر؛ فالأولان جوهريان لا سبيل للناقص فيهما أن يزيل نقصه وأن يستفيد الفضل، كالفرس والحمار لا يمكنهما أن يكتسبا الفضيلة التي خص بها الإنسان. والفضل الثالث قد يكون عرضيًا فيوجد السبيل إلى اكتسابه. ومن هذا النحو التفضيل المذكور في قوله تعالى: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق﴾ [النحل:٧١]. قوله تعالى: ﴿لتبتغوا فضلًا من ربكم﴾ [الإسراء:١٢] أي ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم، كل ذلك يريد به المال وما يكتسب. وقال أبو منصور: المعنى في قوله: ﴿والله فضل بعضكم على بعضٍ في الرزق﴾ أن الله فضل الملاك على مماليكهم فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مالكه. واعلم أن المالك لا يرد عن مملوكه من فضل ما في يده شيئًا حتى لا يستوي حالهما في الملك، فأنتم لا تسوون بينكم وبين مماليككم وكلكم بشر، فكيف تجعلون بعض الذي رزقكم الله لله وبعضه لأصنامكم، فتشركون بين الله وبين الأصنام، وأنتم لا ترضون لأنفسكم فمن هو مثلكم بالشركة؟. وقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعضٍ﴾ [النساء:٣٤] يعني ما خص به الرجل من الفضيلة الذاتية والفضل الذي أعطاه من الممكنة والمال والجاه والقوة. وكل عطية لا تلزم من تعطي له يقال لها فضل نحو قوله تعالى: ﴿وأن الفضل بيد الله﴾ [الحديد:٢٩] يصلح أن يتناول أنواع الفضل الثلاثة التي قدمنا ذكرها .. ومن فسرها بالإسلام فقصر اللفظ على بعض محامله،

стр. 1183

وكذا قوله: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس:٥٨] وقوله: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ [البقرة:٦٤] في الدنيا والآخرة. قوله: ﴿يريد أن يتفضل عليكم﴾ [المؤمنون:٢٤] أي يكون ذا فضلٍ وعلو في المنزلة، وفي الحديث: "فضل الإزار في النار" قال المبرد: إنما أراد معنى الخيلاء، واستدل بقوله في حديثٍ أخر أنه قال: "إياك والمخيلة! قال: وما المخيلة؟ قال: سبل الإزار" وأنشد لزهير: [من الوافر] ١٢١٢ - يجرون البرود وقد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء وأنشد لابن أحمر: [من الوافر] ١٢١٣ - ولا ينسيني الحدثان عرضي ... ولا أرخي من المرح الإزار وحلف الفضول كان في دار عبد الله بن جدعان، [وهو الذي قال فيه ﵇: "رأيت في دار عبد الله بن جدعان] حلفًا لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت". وسمي حلف الفضول لأنه قام به رجال يقال لكل منهم فضل وهم: فضل بن وداعة، وفضل بن الحارث، وفضل بن فضالة. والفضول جمع فضلٍ نحو السعود جمع سعد. ف ض ي: قوله تعالى: ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ﴾ [النساء:٢١] أي خلا وجامع، وهذا من أحسن الكنايات. قال بعضهم: الإفضاء إذا كان معها في لحافٍ جامع أو لم يجامع. وفي الحديث: "من أفضى بيده إلى ذكره فليتوضأ" أي مس فرجه، قيل: ولا يقال ذلك لغة إلا إذا كان بباطن الكف. والفضاء: هو الواسع من الأرض، فقولك: أفضى فلان أصله صار إلى الفضاء، ثم

стр. 1184

عبر به عن الميل والجماع، قال الراغب: أفضى بيده إلى امرأته في باب الكناية أبلغ وأقرب إلى التصريح من قولهم: خلا بها. وقول الشاعر: [من الطويل] ١٢١٤ - طعامهم فوضى فضًا في رحالهم أي مباح غير ممنوعٍ كأنه موضوع في فضاءٍ يتصرف به من يريد. فصل الفاء والطاء ف ط ر: قوله تعالى: ﴿فاطر السماوات﴾ [الأنعام:١٤] أي مبتدعها ومنشئها من غير مثال احتذاه. وفطرت البئر: ابتدعتها وحفرتها. وفطر ناب البعير: أي طلع. وأصل الفطر الشق طولًا. وفطر يكون قاصرًا ومصدره الفطور، ومتعديًا ومصدره الفطر. وقد فطرته فانفطر انفطارًا؛ قال تعالى: ﴿السماء منفطر به﴾ [الزمل: ٧٣] ﴿إذا السماء انفطرت﴾ [الانفطار:١] وفطرت الشاة: حلبتها بإصبعين. وفطرت العجين: خبزته من فوره. وعن ابن عباس: "وما كنت أدري ما فاطر السماوات حتى احتكم إلى أعرابيان في بئرٍ فقال أحدهما: أنا فطرتها" أي ابتدأتها. وقوله تعالى: ﴿تكاد السماوات يتفطرن منه﴾ [مريم:٩٠] أي يتشققن. وقوله: ﴿إلا الذي فطرني﴾ [الزخرف:٢٧] أي خلقني. قوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم:٣٠] أي اتبع فطرة الله، وهو كقوله: ﴿فأقم وجهك للدين﴾ أي اتبع الدين القيم الدين القيم الذي فطر عليه. وقيل: الفطرة: الخلقة التي يخلق المولود

стр. 1185

عليها في رحم أمه، وفي الحديث: "كل مولودٍ يولد على الفطرة" قال ابن المبارك: أي على ابتداء الخلقة في علم الله مؤمنًا كان أو كافرًا. قال أبو الهيثم: يعني على الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة وشقاوة "فأبواه يهودانه أو ينصرانه" في حكم الدنيا. وقال الراغب: وفطر الله الخلق: وهو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئةٍ مترشحةٍ لفعلٍ من الأفعال. وقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى. ففطرة الله تعالى هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان، وهو المشار إليه بقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [الزخرف:٨٧] قوله: ﴿والذي فطرنا﴾ [طه:٧٢] أي أبدعنا وأوجدنا. ويصح أن يكون الانفطار في قوله: ﴿السماء منفطر به﴾ إشارة إلى قبول ما أبدعه وأفاضه علينا منه. والفطر: ترك الصوم؛ يقال: فطرته، وأفطر هو. وقيل للكمأة فطر لأنه يفطر الأرض أي يخرج منها. وقيل: فطر الصائم وإفطاره: شقه صومه بالفطور. ويقال: أفطر الصائم إذا تعاطي ما يفطره. وأفطر: دخل في وقت الإفطار، نحو: أصبح، ومنه الحديث: "إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم" أي جاز له أن يفطر وحل له بعد أن كان محظورًا عليه. والفطر: المذي أيضًا. وفي الحديث أنه سئل عن المذي فقال: "ذاك الفطر" قال أبو عبيد: سمي فطرًا لأنه شبه بالفطر في الحلب. يقال: فطرت الناقة أفطرها. ورواه غير أبي عبيدٍ كالنضر بن شميل الفطر، بالضم. وقوله: ﴿فطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام:٧٩] أي فتقهما من بعد أن كانتا ملتصقتين، إشارة إلى قوله: ﴿كانتا رتقًا فقتقناهما﴾ [الأنبياء:٣٠] وقوله: ﴿هل ترى من فطور﴾ [الملك:٣٠] أي من خللٍ بحصول شقوقٍ فيها وارتفاعٍ وانخفاضٍ، فليس بين

стр. 1186

قوله تعالى: ﴿فطر السماوات﴾ وبين قوله: ﴿هل ترى من فطور﴾ تنافٍ، والله أعلم. فصل الفاء والظاء ف ظ ظ: قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩] الفظ: القاسي القلب الغليظ الجانب السيئ الخلق. قال الأزهري: أصل الفظ ماء الكرش يعتصر فيشرب عند إعواز الماء وشدة الضرورة، وسمي فظًا لغلظ شربه. فصل الفاء والعين ف ع ل: قوله تعالى: ﴿إنا كنا فاعلين﴾ [الأنبياء:١٠٤] أي قادرين. فالفعل يعبر به عن القدرة على الشيء. قوله: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [المؤمنون:٤] أي غير مضيعين لها موفون بها. "والفعل: تأثير من جهة مؤثرٍ، وهو عام لما كان بإجادة وغير إجادةٍ، ولما كان بعلمٍ أو بغير علمٍ، ولما كان بقصدٍ وبغير قصدٍ، ولما كان من الإنسان والحيوانات والجمادات. والعمل أعم والصنع أخص منه، كما تقدم." "والذي من جهة الفاعل يقال له مفعول ومنفعل، وقد فصل بعضهم بين المفعول والمنفعل فقال: المفعول يقال إذا اعتبر لفعل الفاعل، والمنفعل يقال إذا اعتبر قبول الفعل في نفسه. فالمفعول أعم من المنفعل لأن المنفعل يقال لما لا ب=يقصد الفاعل إيجاده وإن تولد منه، كحمرة اللون من خجلٍ تعتري من رؤية إنسان، والطرب الحاصل من الغناء، وتحرك العاشق لرؤية معشوقة. وقيل لكل فعلٍ انفعال إلا الإبداع من الله تعالى فذلك إيجاده من عدمٍ لا في مادةٍ وجوهرٍ بل هو إيجاد الجوهر".

стр. 1187

فصل الفاء والقاف ف ق د: قوله تعالى: ﴿نفقد صواع الملك﴾ [يوسف:٧٢] أي نعدمه. والفقد: عدم الشئ بعد وجوده، فهو أخص من العدم، كان المعدوم يقال فيه وفيما لم يوجد بعد. قوله تعالى: ﴿وتفقد الطير﴾ [النمل:٢٠] أي تفقد حالها، وحقيقته طلب المفقود. وقيل: التفقد: التعهد لكن حقيقة التفقد تعرف فقدان الشئ والتعهد تعرف العهد المتقدم. والفاقد: المرأة تفقد ولدها أو زوجها. وفي حديث أبي الدرداء: "من يتفقد يفقد" أي من طلب الخير في الناس يفقده. وفقد وعدم خرجا عن الأفعال، فإن تعديا رافعين الضمير المتصل إلى ضميره المتصل، نحو قولك: فقدتني وعدمتني. ولو قلت: ضربتني لم يجز، وأنشد: [من الطويل] ١٢١٥ - لقد كان لي عن ضرتين عدمتني ... وعما ألاقي منهما متزحزح ومثل فقد وعدم في ذلك ظن وبابها، وقد حققنا هذا في غير هذا الموضع. ف ق ر: قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة:٦٠] والفقر: الخلة والحاجة الضرورية، ويقال: أشد الحاجة، وهو مأخوذ من فقار الظهر كأنه لاحتياجه انكسر فقارة فهو لا ينهض. كما قيل: إن المسكين من السكون، لاحتياجه سكن وانقطع عن الحركة، وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، فالفقير هو المكسور الفقار على التشبيه، ومنه: فقرته الفارقة، أي الداهية التي تكسر فقار ظهره. وقولهم: أفقرك الصيد فارمه، أي مكنك من فقاره، ويقال: فقره: أي أصاب فقار ظهره، نحو كبده ورأسه. والفقر: خرزات الظهر، الواحدة فقرة، كسدرة وسدر.

стр. 1188

وقوله تعالى: ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [القيامة:٢٥] أي داهية عظيمة تكسر منها الفقار. وفي حديث عثمان ﵁: استحلوا منه الفقر الثلاث" أي الأمور العظام: حرمة الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الخلافة. وقالت عائشة ﵂ في حقه: "المركوب فيه الأربع"، ضربت ذلك مثلًا لما ارتكب منه، لأن الظهر محل الركوب والفقر فيه، وأرادت أنه ارتكب منه أربع حرمٍ فانتهكها وهي: حرمة صحبته وصهره، وحرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وقال الأزهري: هي الفقر/ بضم الفاء. وقيل: اشتقاق الفقير من قولهم: فقرت البعير، وذلك أن يجز أنف البعير إلى أن يصل الحز إلى العظم ثم يلوي عليه جرير، أي حبل ونحوه ليذل بعد صعوبته، فكذلك الفقير يحصل له من الغل ما يجعله بمنزله البعير المذلل المقيد. وقيل: اشتقاقه من الفقرة أي الحفرة، ومنه قيل لكل حقيرة يجتمع فيها الماء: فقير. وفقرت للغسيل: حفرت له حفرة غرسته فيه، قال الشاعر: [من الرجز] ١٢١٦ - ما ليلة الفقير إلا شيطان وقيل: هو اسم بئر. وفقرت الخرز: ثقبته، وأفقرت البعير: ثقبت حطمه، فكأن الفقير لقلة موجودة قد دفن في فقير. وأختلف الناس في الفقير والمسكين؛ فذهب الشافعي وجماعة أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين؛ وهو من لا يقع ماله ولا كسبه اللائق به غير المانع له من النفقة موقعً من كفايته، والمسكين عنده من يقع ماله أو كسبه موقعًا من كفايته ولا يكفيه. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾.

стр. 1189

[الكهف:٧٩]. فأثبت لهم ملكًا، وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أن المسكين أسوأ حالًا، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾ [البلد:١٦] أي لصق جلده بالتراب لعدم موجودة، وبقول الشاعر: [من البسيط] ١٢١٧ - أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد ورد أصحابنا هذا بأنه قال"كانت" أي ثم عدمت. وقال ابن عرفة: أخبرني أحمد ابن يحيي عن محمد بن سلام قال: قلت ليونس: أفرق لي بين الفقير والمسكين. فقال: الفقير الذي لا يجد القوت، والمسكين الذي لا شيء له. وقال ابن عرفة: الفقير عند العرب: المحتاج؛ قال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ [فاطر: ١٥] أي المحتاجون إليه. قلت: هذا بالنسبة إلى الفقير لغة، أما الفقير شرعًا فكما قدمنا ذكره. ونقل عن الشافعي أنه قال: الفقراء الزمني الذين لا حرقة لهم، وأهل الحرف الذين لا تقع حرفتهم من حاجتهم موقعًا، والمساكين: السؤال ممن له حرفة تقع موقعًا ولا تغنيه وعياله. وقد قسم بعضهم الفقر إلى أربعة أقسام فأجاد فيها فقال: الفقر يستعمل على أربعة أوجهٍ، الأول عدم وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للإنسان ما دام في دار الدنيا بل هو عام للموجودات كلها، وإلى هذا الفقر أشار بقوله في وصف الإنسان: ﴿وما جعلناها جسدًا لا يأكلون الطعام﴾ [الأنبياء:٨] والثاني: عدم المقتنيات وهو المذكور في قوله: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة:٢٧٣] والثالث: فقر النفس، وهو الشره المشار إليه بقوله ﷺ : "كاد الفقراء أن يكون كفرًا" وهو المقابل بقوله: "إنما الغنى غنى النفس" وهو المعنى بقولهم: "من عدم القناعة لم يفده المال غنى". والرابع: الفقر إلى الله تعالى،

стр. 1190

وهو المشار إليه بقوله: " اللهم أغنتي بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك" وإياه عني بقوله ﷺ : ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقير﴾ [القصص:٢٤]. وقد ألم الشاعر بهذا المعنى فأجاد بقوله: [من الطويل] ١٢١٨ - ويعجبني فقري إليك ولم يكن ... ليعجبني، لولا محبتك، الفقر ف ق ع: قوله تعالى: ﴿إنها بقرة صفراء فاقع لونها﴾ [البقرة:٦٩] أي خالص، يقال: أصفر فاقع أي صادق الصفرة، وأسود حالك وحانك من قولهم: أسود من حلك الغراب ومن حنك الغراب- باللام والنون- وأبيض يفق وأخضر ناصع وأحمر قاني. والفقع: ضرب من الكمأة، وبه شبه الذليل، فيقال: أذل من فقعٍ. وقال كعب ابن زهير قال الخليل بن أحمد: وسمي الفقاع فقاعًا لما يرتفع من زبده. وفقاقيع الماء: نقاطاته- على التشبيه- وفي حديث ابن عباس: "نهى عن التفقيع في الصلاة" هي الفرقعة وغمز الأصابع حتى يسمع نقيضها، ومنه تفقيع الورد. ويقال للزبد الذي يطفو على وجه الماء فقاقيع. وفي الحديث: "إذا تفاقعت عيناك" أي رمصتا، وفي الحديث: "عليهم خفاف لها فقع" أي خراطيم. يقال: خف مفقع أي مخرطم. ف ق هـ: قوله تعالى: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة:١٢٢]. أي يطلبون أن يفقهوا دين الله. وأصل الفقه الفهم. وقيل: فقه الأشياء الخفية، فهو أخص من مطلق الفهم، وقيل:

стр. 1191

هو التوصل إلى علمٍ غائيٍ بعلمٍ شاهدٍ، فهو أخص- أيضًا- من مطلق الفهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء:٤٤] أي ليس في وسعهم أن يعرفوا حقيقة ذلك. ويقال: فقه بالضم أي صار الفقه سجية له وطبعًا. وفقه: أي حصل له فهم. وفقه- بالفتح أي غلب غيره في الفقه، نحو شعره أي غلبة في الشعر، ومصدر الأول فقاهة، والثاني فقهًا. قوله تعالى: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الأنفال:٦٥] أي لا يعلمون العلم الشرعي. وقيل: لما لم ينتفعوا بمفهومهم جعلوا كأنهم مكونو ذلك كقوله تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾ [البقرة:١٨]. وقد كانوا ذوي أسماعٍ, السنة وأبصارٍ لكن لم ينتفعوا بها، كأنهم فقدوها. وفي دعائه ﵇ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين" أي فهمه علم تفسير كتابك، وفي الحديث: "لعن الله النائحة والمتفقهة" يعني التي تفقه قولها وتتلقفه لتجيبه عن ذلك. فصل الفاء والكاف ف ك ر: قوله تعالى: ﴿أو لم يتفكروا ما يصاحبهم من جنة﴾ [الأعراف:١٨٤]. الفكر: قوة نظرية للعلم إلى المعلوم. والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك يختص من الحيوان بالإنسان، ولا يمكن أن يقال إلا لما يحصل له صورة في القلب إذ كان منها عن اتصاف بالصورة. وقال تعالى: ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم﴾ [الروم:٨] وذلك ممكن لا محالة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات:٢١]. وقال بعض أهل الأدب: الفكر مقلوب من الفرك، لكن يستعمل في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها.

стр. 1192

ف ك ك: قوله تعالى: ﴿فك رقبةٍ﴾ [البلد:١٣] أي خلاص. والفك: الخلاص والتخليص: ومنه فك الرهن وهو تخليصه من تعلق حق المرتهن، ولذلك يقال: علق الرهن ضد انفك. وفي معنى الآية قولان: أحدهما- وهو المشهور- أنه عتق الرقاب من المماليك. والثاني أن المعنى ينقذ نفسه من الهلكة بالكلم الطيب والعمل الصالح. ولذلك ورد: مشترٍ نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها. وقيل: هي إعانة المكاتب. ويؤيد ذلك أنه قد ورد في الحديث: "أعتق النسمة وفك الرقبة" أي يعين في عتقها. قيل: أو ليسا واحدًا. قال لا، عتق النسمة أن ينفرد بعتقها، وفك الرقبة أن يعني في عتقها. قوله تعالى: ﴿والمشركين منفكين﴾ [البينة:١] قال مجاهد: منفكين: منتهين، وقال غيره: زائلين من الدنيا، يقول: ولم يتفانوا ﴿حتى تأتيهم البينة﴾. وقال ابن عرفة: لم يكونوا مفارقين الدنيا حتى تأتيهم البينة التي أثبتت لهم في التوراة من صفة محمدٍ ﷺ . قال الهروي: لفظه لفظ المضارع ومعناه الماضي. وهذا غير جائز البتة لأن حتى حرف غايةٍ، والغاية في المستقبل، وأيضًا فهو منصوب بأن، وأن مخلصة للاستقبال. وقال الأزهري: ليس هو من باب ما انفك وما زال، وإنما هو انفكاك الشيء إذا انفصل عنه، وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين بل كانوا كلهم على الضلال كقوله: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ [البقرة:٢١٣]. والفك: انفراج المنكب عن مفصله. والفكان: ملتقي الشدقين. ف ك هـ: قوله تعالى: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾ [المطففين:٣١] أي فرحين مسرورين فأبدلهم الله بذلك حزنًا كثيرًا. وقوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم

стр. 1193

في شغلٍ فاكهون﴾ [يس:٥٥] أي مسرورون بما نعمهم الله تعالى في الآخرة؛ بما تحملوا م مشاق الصبر على عمل الطاعات واجتناب المعاصي. وهو مأخوذ من لفظ الفاكهة لأن بها يحصل التلذذ. والفكاهة: المزح؛ قال أبو عبيدٍ: الفاكه المازح، والاسم: الفكاهة والفكاه. وقوله: ﴿ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان:٢٧] أي ناعمين أشرين بطرين. والفكه: ذو الفكاهة أو الفكاهة، والفكه: من يتفكه، وقد قرئ "فاكهين" و "فكهين" فقيل هما بمعنى. وقيل: الفاكه: ذو الفكاهة، نحو: لابن وتامر. والفكه: من بالغ في ذلك. وفي الحديث: "أربعة ليس غيبتهن بغيبةٍ .. كذا وكذا .. والمتفكهون بالأمهات" أي معناه الذين يشتموهن متفكهين به. وقوله: ﴿فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة:٦٥] قيل: معناه تندمون. وفكه وفكن: تندم. والتفكه والتفكن: التندم، وقيل: معناه تتعجبون. وكذا قوله: ﴿انقلبوا فكهين﴾ [المطففين:٣١] أي معجبين. والفاكهة: ما يتفكه به من الثمار، ويغلب في الرطب منها، وقال الراغب: وقيل هي الثمار ما عدا العنب والرمان. وقائل هذا كأنه نظر إلى اختصاصهما بالذكر وعطفهما على الفاكهة- انتهى- قلت: كأنه سبق لسانه أو قلمه من الرطب إلى العنب لأنه يريد أنهما عطفًا على الفاكهة وليس ذلك إلا في قوله فيهما: ﴿فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن:٦٨] فالمراد بالنخل ثمره وهو الرطب. فصل الفاء واللام ف ل ت: قرأ ابن عباسٍ: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء:٢٢٧]

стр. 1194

بالفاء والتاء، والانفلات: التخلص من وثاقٍ. يقال: أفلتت الدابة تفلت فهي مفلتة إذا ندت وهربت وأفلتها غيره، قال الشاعر: [من الطويل] ١٢١٩ - وأفلتني منها حماري وجبتي ... جزي الله خيرًا جبتي وحماريا وفي الحديث: "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" أي لم يخلصه منه أحد، وفيه: "إن أمي أفتلت نفسها" أي ماتت فجأة. وكل أمرٍ عوجل به من غير رؤية فهو فلته؛ يقال: كان هذا فلتة من فلانٍ: أي من غير قصدٍ. ف ل ح: قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة:٥] الفلاح: الفوز والظفر بالبغية، وأصله من فاحت الحديد، أي شققته. قال الشاعر: [من الرجز] ١٢٢٠ - إن الحديد بالحديد يفلح ومنه الفلاح لأنه يشق الأرض. ورجل أفلح: أي مشقوق الشفة. وفي الحديث: "لولا شيء يسوء رسول الله ﷺ لضربت فلحتك" أي موضع الفلح. وقيل: الفلاح: البقاء، ومثله الفلح، وأنشد لأبي الدحداح: [من الرجز] ١٢٢١ - بشرك الله بخيرٍ وفلح وقال الأعشى: [من الرمل]

стр. 1195

١٢٢٢ - أو لئن كنا كقومٍ هلكوا ... ما لحي، يا لقومي من فلح وقيل: هو الغني والعز، وإياه قصد الشاعر بقوله [من الرجز] ١٢٢٣ - أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف، ... وقد يخدع الأريب وقوله: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون:١] أي صاروا إلى البقاء، وقيل: أصابوا نعيمًا يخلدون فيه. وقول المؤذن: "حي على الفلاح" أي هلموا إلى سبب البقاء، ثم الفلاح بمعنى إدراك البغية على ضربين: دنيوي وأخروي؛ فالدنيوي: الظفر السعادات التي بها تطيب حياة الدنيا، ومنه قول الشاعر: ١٢٢٤ - أفلح بما شئت ... البيت والأخروي أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل، وكذلك قال الصادق الصدوق ﷺ : "لا عيش إلا عيش الآخرة". وقوله: ﴿قد أفلح اليوم من استعلى﴾ [طه:٦٤] هو الفلاح الدنيوي. وسمي السحور الفلاح إما لأن به بقاء البدن والحفظ من الضعف، وإما لأنه يقال عنده "حي على الفلاح". وسمي وقت الصبح فلاحًا لذلك، ومنه:"خفنا أن يدركنا الفلاح". وعدي: حتى يدركنا هذا القول لأنه إنما يقال عادة عند الصبح فيكون هذا من الكنايات. وقيل المعنى أن يدركنا السحور. والمعنى وقته ومعناه ما قدمته. وفي حديثٍ أخر: "حتى خفنا أن يفوتنا الفلاح" قال الراغب: أي الظفر الذي جعل لنا بصلاة العتمة.
следующие страницы →