Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
هو التوصل إلى علمٍ غائيٍ بعلمٍ شاهدٍ، فهو أخص- أيضًا- من مطلق الفهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء:٤٤] أي ليس في وسعهم أن يعرفوا حقيقة ذلك.
ويقال: فقه بالضم أي صار الفقه سجية له وطبعًا. وفقه: أي حصل له فهم. وفقه- بالفتح أي غلب غيره في الفقه، نحو شعره أي غلبة في الشعر، ومصدر الأول فقاهة، والثاني فقهًا.
قوله تعالى: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [الأنفال:٦٥] أي لا يعلمون العلم الشرعي. وقيل: لما لم ينتفعوا بمفهومهم جعلوا كأنهم مكونو ذلك كقوله تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾ [البقرة:١٨]. وقد كانوا ذوي أسماعٍ, السنة وأبصارٍ لكن لم ينتفعوا بها، كأنهم فقدوها. وفي دعائه ﵇ لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين" أي فهمه علم تفسير كتابك، وفي الحديث: "لعن الله النائحة والمتفقهة" يعني التي تفقه قولها وتتلقفه لتجيبه عن ذلك.
فصل الفاء والكاف
ف ك ر:
قوله تعالى: ﴿أو لم يتفكروا ما يصاحبهم من جنة﴾ [الأعراف:١٨٤]. الفكر: قوة نظرية للعلم إلى المعلوم. والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك يختص من الحيوان بالإنسان، ولا يمكن أن يقال إلا لما يحصل له صورة في القلب إذ كان منها عن اتصاف بالصورة. وقال تعالى: ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم﴾ [الروم:٨] وذلك ممكن لا محالة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات:٢١]. وقال بعض أهل الأدب: الفكر مقلوب من الفرك، لكن يستعمل في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها.
стр. 1192
ف ك ك:
قوله تعالى: ﴿فك رقبةٍ﴾ [البلد:١٣] أي خلاص. والفك: الخلاص والتخليص: ومنه فك الرهن وهو تخليصه من تعلق حق المرتهن، ولذلك يقال: علق الرهن ضد انفك. وفي معنى الآية قولان: أحدهما- وهو المشهور- أنه عتق الرقاب من المماليك. والثاني أن المعنى ينقذ نفسه من الهلكة بالكلم الطيب والعمل الصالح. ولذلك ورد: مشترٍ نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها. وقيل: هي إعانة المكاتب. ويؤيد ذلك أنه قد ورد في الحديث: "أعتق النسمة وفك الرقبة" أي يعين في عتقها. قيل: أو ليسا واحدًا. قال لا، عتق النسمة أن ينفرد بعتقها، وفك الرقبة أن يعني في عتقها.
قوله تعالى: ﴿والمشركين منفكين﴾ [البينة:١] قال مجاهد: منفكين: منتهين، وقال غيره: زائلين من الدنيا، يقول: ولم يتفانوا ﴿حتى تأتيهم البينة﴾. وقال ابن عرفة: لم يكونوا مفارقين الدنيا حتى تأتيهم البينة التي أثبتت لهم في التوراة من صفة محمدٍ ﷺ . قال الهروي: لفظه لفظ المضارع ومعناه الماضي. وهذا غير جائز البتة لأن حتى حرف غايةٍ، والغاية في المستقبل، وأيضًا فهو منصوب بأن، وأن مخلصة للاستقبال. وقال الأزهري: ليس هو من باب ما انفك وما زال، وإنما هو انفكاك الشيء إذا انفصل عنه، وقيل: معناه: لم يكونوا متفرقين بل كانوا كلهم على الضلال كقوله: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين﴾ [البقرة:٢١٣].
والفك: انفراج المنكب عن مفصله. والفكان: ملتقي الشدقين.
ف ك هـ:
قوله تعالى: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾ [المطففين:٣١] أي فرحين مسرورين فأبدلهم الله بذلك حزنًا كثيرًا. وقوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم
стр. 1193
في شغلٍ فاكهون﴾ [يس:٥٥] أي مسرورون بما نعمهم الله تعالى في الآخرة؛ بما تحملوا م مشاق الصبر على عمل الطاعات واجتناب المعاصي. وهو مأخوذ من لفظ الفاكهة لأن بها يحصل التلذذ.
والفكاهة: المزح؛ قال أبو عبيدٍ: الفاكه المازح، والاسم: الفكاهة والفكاه. وقوله: ﴿ونعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان:٢٧] أي ناعمين أشرين بطرين.
والفكه: ذو الفكاهة أو الفكاهة، والفكه: من يتفكه، وقد قرئ "فاكهين" و "فكهين" فقيل هما بمعنى. وقيل: الفاكه: ذو الفكاهة، نحو: لابن وتامر. والفكه: من بالغ في ذلك. وفي الحديث: "أربعة ليس غيبتهن بغيبةٍ .. كذا وكذا .. والمتفكهون بالأمهات" أي معناه الذين يشتموهن متفكهين به.
وقوله: ﴿فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة:٦٥] قيل: معناه تندمون. وفكه وفكن: تندم. والتفكه والتفكن: التندم، وقيل: معناه تتعجبون. وكذا قوله: ﴿انقلبوا فكهين﴾ [المطففين:٣١] أي معجبين.
والفاكهة: ما يتفكه به من الثمار، ويغلب في الرطب منها، وقال الراغب: وقيل هي الثمار ما عدا العنب والرمان. وقائل هذا كأنه نظر إلى اختصاصهما بالذكر وعطفهما على الفاكهة- انتهى- قلت: كأنه سبق لسانه أو قلمه من الرطب إلى العنب لأنه يريد أنهما عطفًا على الفاكهة وليس ذلك إلا في قوله فيهما: ﴿فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن:٦٨] فالمراد بالنخل ثمره وهو الرطب.
فصل الفاء واللام
ف ل ت:
قرأ ابن عباسٍ: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء:٢٢٧]
стр. 1194
بالفاء والتاء، والانفلات: التخلص من وثاقٍ. يقال: أفلتت الدابة تفلت فهي مفلتة إذا ندت وهربت وأفلتها غيره، قال الشاعر: [من الطويل]
١٢١٩ - وأفلتني منها حماري وجبتي ... جزي الله خيرًا جبتي وحماريا
وفي الحديث: "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" أي لم يخلصه منه أحد، وفيه: "إن أمي أفتلت نفسها" أي ماتت فجأة. وكل أمرٍ عوجل به من غير رؤية فهو فلته؛ يقال: كان هذا فلتة من فلانٍ: أي من غير قصدٍ.
ف ل ح:
قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة:٥] الفلاح: الفوز والظفر بالبغية، وأصله من فاحت الحديد، أي شققته. قال الشاعر: [من الرجز]
١٢٢٠ - إن الحديد بالحديد يفلح
ومنه الفلاح لأنه يشق الأرض.
ورجل أفلح: أي مشقوق الشفة. وفي الحديث: "لولا شيء يسوء رسول الله ﷺ لضربت فلحتك" أي موضع الفلح. وقيل: الفلاح: البقاء، ومثله الفلح، وأنشد لأبي الدحداح: [من الرجز]
١٢٢١ - بشرك الله بخيرٍ وفلح
وقال الأعشى: [من الرمل]
стр. 1195
١٢٢٢ - أو لئن كنا كقومٍ هلكوا ... ما لحي، يا لقومي من فلح
وقيل: هو الغني والعز، وإياه قصد الشاعر بقوله [من الرجز]
١٢٢٣ - أفلح بما شئت فقد يدرك بالضعف، ... وقد يخدع الأريب
وقوله: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون:١] أي صاروا إلى البقاء، وقيل: أصابوا نعيمًا يخلدون فيه. وقول المؤذن: "حي على الفلاح" أي هلموا إلى سبب البقاء، ثم الفلاح بمعنى إدراك البغية على ضربين: دنيوي وأخروي؛ فالدنيوي: الظفر السعادات التي بها تطيب حياة الدنيا، ومنه قول الشاعر:
١٢٢٤ - أفلح بما شئت ... البيت
والأخروي أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل، وكذلك قال الصادق الصدوق ﷺ : "لا عيش إلا عيش الآخرة". وقوله: ﴿قد أفلح اليوم من استعلى﴾ [طه:٦٤] هو الفلاح الدنيوي.
وسمي السحور الفلاح إما لأن به بقاء البدن والحفظ من الضعف، وإما لأنه يقال عنده "حي على الفلاح". وسمي وقت الصبح فلاحًا لذلك، ومنه:"خفنا أن يدركنا الفلاح". وعدي: حتى يدركنا هذا القول لأنه إنما يقال عادة عند الصبح فيكون هذا من الكنايات. وقيل المعنى أن يدركنا السحور. والمعنى وقته ومعناه ما قدمته. وفي حديثٍ أخر: "حتى خفنا أن يفوتنا الفلاح" قال الراغب: أي الظفر الذي جعل لنا بصلاة العتمة.
стр. 1196
ف ل ق:
قوله تعالى: ﴿أن أضرب بعصاك البحر فأنفلق﴾ [الشعراء:٦٣] أي أنشق. والفلق: انشقاق الشيء وبينونة بعضه من بعضٍ. وقوله: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق:١] الفلق: الصبح، والمعنى برب الصبح، وذلك لانفلاق الظلام عنه. وقيل: الفلق: الأنهار لأنها مفلوقة في الأرض. وقد أشار إليها بقوله تعالى: ﴿وجعل خلالها أنهارًا﴾ [النمل:٦١]. وقيل: هي الكلمة التي علم الله موسى ﵇ فدعا بها فانفلق البحر.
وقوله: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام:٩٦] أي شاق الظلمة عن النور، وهو راجع إلى معنى خالقٍ، وقيل: القلق: الخلق كله.
قوله: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام:٩٥] أي يشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورقًا أخضر. وفي رؤيا ﵊: "فتأتي مثل فلق الصبح" يعني في وضوحها مثل إنارته وإضاءته. وفي حديث الدجال: "رجل فليق" وهو العظيم؛ يقال: رجل فليق وفيلم. وتفليق الغلام ونفيلم. وسئل الشعبي عن مسألة فقال: "ما يقول فيها هؤلاء المغاليق؟ " يعني الذين لا علم لهم. وأصله أن المفاليق جمع مفلاق، والمفلاق من لا مال له، فشبه من لا علم له عنده بهم، وهو تشبيه حسن.
والفلق: المفلوق، كالنكث والنقض. وقيل: هو العجب أيضًا. والفليق والفالق: ما بين الجبلين وما بين السنامين.
ف ل ك:
قوله تعالى: ﴿كل في فلكٍ يسبحون﴾ [الأنبياء:٣٣] الفلك: مجرى الكواكب،
стр. 1197
وقيل: الأفلاك: هيئة مستديرة كالتي للساقية، وبعضها يدخل في بعضٍ، أعلاها الفلك الأطلس وهو الفلك الأثير. ويقال له الفلك المحيط، ولأهل الهيئة فيها كلام ليس هذا موضع بيانه.
قوله تعالى: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ [يس:٤١]. الفلك: السفينة، ويكون جميعًا، ويكون واحدًا؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبةٍ﴾ [يونس:٢٢] فأعاد ضمير الجمع على لفظٍ. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿في الفلك المشحون﴾ فوصفه بالمفرد، وهذا مما خرج عن القاعدة، فكان لفظ مفرده كلفظ جمعه، وهو جمع تكسيرٍ، وعند الأخفش مما أشترك فيه لفظ الواحد والجمع كجنب وشلل. ورد سيبويه هذا بقولهم: فلكان في التثنية. وتحقيقه في غير هذا الموضع. ومثله ناقة هجان ونوق هجان ودرع دلاص ودروع دلاص، فضمةً فلك جمعًا كضمة بدن وحمر، وضمته مفردًا كضمة قفل، وكسرة هجان جمعًا ككسرة رجال، وكسرته مفردًا ككسرة كتاب.
وقيل: فلك جمع فلك، نحو أسد وأسد، والفلك كل ما استدار ومنه فلكه المغزل. وفلكت الجدي: جعلت في لسانه مثل فلكه المغزل لتمنعه من الرضاع. وفي حديث ابن مسعود: "تركت فرسي كأنه يدور في فلك". قال بعض الأعراب: الفلك: الموج إذا هاج واضطرب، وذلك أنه أصابته عين.
ف ل ن:
قوله تعالى: ﴿ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا﴾ [الفرقان:٢٨] في هذا تنبيه أن كل إنسان يتندم عن من خاله وصاحبه في تحري باطلٍ، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿الأحلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف:٦٧]
وفلان وفلانة: كناية عن أعلام العقلاء، والفلان والفلانة: كناية عن أعلام غير
стр. 1198
العقلاء. وفل الملازم للنداء أصله فلان، وشذ قوله: [من الرجز]
١٢٢٥ - في لجةٍ أمسك فلانًا عن فل
فصل الفاء والنون
ف ن د:
قوله تعالى: ﴿لولا أن تفندون﴾ [يوسف: ٩٤] التفنيد: نسبة الإنسان إلى الفند. والفند: الفساد والخبل وضعف الرأي. وقيل: معناه: تلوموني، وهو راجع لما ذكرت. وقيل معناه: تخرفون أي تقولون: قد خرفت. وفي الحديث: "ما ينتظر أحدكم إلا هرمًا مفندًا" يقال: أفند الرجل: كثر كلامه، وأفنده الكبر؛ يستعمل قاصرًا ومتعديًا. وفي حديث أم معبدٍ: "لا عابس ولا مفند" أي لا ساقط الكلام لخرفه. وفي حديث آخر: "يعيش الناس بعدي أفنادًأ" الأفناد: جمع فند، والفند: الجماعة على حدة، والفند -أيضًا- شمراخ الجبل، وبه سمي الرجل. وفي الحديث: "إني أريد أن أفند فرسًا" أي أقتني. وقال الأزهري: أي ارتبط فرسًا. وحقيقته: أتخذ حصنًا ألتجئ إليه كما يلجأ إلى فند الجبل.
ف ن ن:
قوله تعالى: ﴿ذواتا أفنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]. قيل: هو جمع فنن، والفنن: الغصن الغض الورق، كذا قيده الراغب: ولم يقيده غيره، قال الهروي: وشجرة فنواء أي ذات أغصان، ولا يقال فناء.
стр. 1199
قلت: القياس فناء وإنما ترك لشهرة استعمال غيره. وقيل: هو جمع فن، والمعنى: ذوات ألوانٍ من الثمار، وفي الحديث: "أهل الجنة جرد مكحلون أولو أفانين" جمع أفنان، وأفنان جمع فنن وهو الخصلة من الشعر تشبيهًا بالغصن.
فصل الفاء والهاء
ف هـ م:
قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ [الأنبياء: ٧٩] أي عرفناه حقيقة الحكم. والفهم: هيئة للنفس بها تتحقق معاني ما يحسن. وقوله: ﴿ففهمناها سليمان﴾ يحتمل أن يريد: جعلنا له من فضل قوة الفهم ما أدرك به ذلك، أو ألقينا ذلك في روعه، أو أوحينا إليه وخصصناه به. كذا قاله الراغب وعندي أن هذا كله بمعنى واحد.
وأفهمته: أي قلت له قولاً تصور به ذلك. والاستفهام: طلب الفهم عما جهله.
فصل الفاء والواو
ف وت:
﴿ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت﴾ [سبأ: ٥١] أي لا يفوتون ما فزعوا منه. وأصل الفوت: البعد عن الشيء بحيث يتعذر إدراكه، وهو من فوت الريح أي بحيث لا تدركه الريح. وجعل الله فوت فمه: أي بحيث يراه ولا يصل إلى فمه. والافتيات: افتعال منه، وهو أن يفعل الإنسان الشيء من دون أمر من حقه أن يؤتمر.
قوله: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك: ٣] التفاوت: الاختلاف والتباين في الأوصاف كأنه يفوت وصف أحدهما الآخر أو وصف كل واحدٍ منهما الآخر. وقرئ "تفوتٍ" بمعنى الأول. ويقال: تفاوت تفاوتًا، وتفوت تفوتًا: إذا اختلف. وفي
стр. 1200
الحديث: "إني أكره موت الفوات" أي موت الفجأة. وفيه: "أن رجلاً تفوت على أبيه في ماله" ومعناه أنه فات أباه على مال نفسه فبدره ورهنه دون إذنه.
ف وج:
قوله تعالى: ﴿هذا فوج مقتحم﴾ [ص: ٥٩] الفوج: الجماعة من الناس وغيرهم؛ فهو اسم جمع كقومٍ ورهطٍ يجمع على أفواجٍ، قال تعالى: ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا﴾ [النصر: ٢] وقال الراغب: الفوج: الجماعة المارة المسرعة.
ف ور:
قوله تعالى: ﴿ويأتوكم من فورهم هذا﴾ [آل عمران: ١٢٥] أي من وقتهم وساعتهم، وحقيقته أن الفور مصدر فار يفور فورًا: اشتد غليانه، ويطلق على النار نفسها، وفارت القدر وفار الغضب على التشبيه. وفلان يفور من الحمى، فإذا قيل: فعله من فوره فالمعنى في حال غليان الدم واشتداده. وقيل: من فورهم أي من ابتداء أمرهم، وحقيقته ما ذكرته، ومنه قول المتكلمين والفقهاء: الأمر يقتضي الفور والخيار في العيب والشفعة على الفور، كل ذلك يريدون به عدم التأخير.
وقوله: ﴿وهي تفور﴾ [الملك: ٧] أي تغلي. والفوارة ماترمي به القدر عند فورانها، وفوارة الماء على التشبيه بذلك.
ف وز:
قوله تعالى: ﴿ذلك هو الفوز المبين﴾ [الجاثية: ٣٠]؛ النجاة والتقصي من الشيء. وقيل: الظفر بالخير مع حصول السلامة. والمفازة: الفلاة المهلكة. وإنما سميت بذلك على سبيل التفاؤل. وقيل: سميت بذلك لأن سالكها إذا قطعها وصل إلى الفوز وهو النجاة؛ فإن القفر كما يكون للهلاك فقد يكون سببًا للفوز.
стр. 1201
وقوله: ﴿فلا تحسبنهم بمفازةٍ من العذاب﴾ [آل عمران: ١٨٨] أي بمنجاةٍ. وقيل: ببعدٍ وهذا من طريق اللازم لأنهم إذا نجوا منه بعدوا عنه.
وفاز يفوز، وفوز يفوز: إذا مات. قال بعضهم: سميت مفازةً لأنها مهلكة من قولهم: فوز الرجل: إذا مات؛ قال الراغب: فإن يكن فوز بمعنى هلك صحيحًا فذلك راجع إلى الفوز، وتصور أن من مات فقد فاز ونجا من حبالة الدنيا؛ فالموت وإن كان من وجه هلكًا فمن وجه فوز، ولذلك قيل: ما من أحدٍ إلا والموت خير له، هذا إذا اعتبر بحال الدنيا. فأما إذا اعتبر بحال الآخرة فما يصل إليه من النعيم فهو الفوز الكبير. وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقوله: ﴿إن للمتقين مفازًا﴾ [النبأ: ٣١] يجوز أن يكون مصدرًا وأن يكون مكانًا أي موضع فوزٍ. وقوله: ﴿حدائق وأعنابا﴾ [النبأ: ٣٢] تفسير لذلك الفوز أو مكان الفوز على المبالغة والمجاز. وقوله: ﴿ولئن أصابكم فضل من الله﴾ [النساء: ٧٣] إلى قوله: ﴿فاز فوزًا عظيمًا﴾ أي يحرصون على أعراض الدنيا ويعدون ما ينالونه من الغنيمة فوزًا وليس كما زعموا، وفي شعر صاحب سطيح: [من الرجز]
١٢٢٦ - أم فاز فازلم به شأو العنن
وقيل: فاز بمعنى مات، وقد تقدم وجه مجازه. ويروى "فاد" وهو بمعنى مات أيضًا؛ يقال: فاد يفود أي مات، وفاد يفيد أي تبختر.
ف وض:
قوله تعالى: ﴿وأفوض أمري إلى الله﴾ [غافر: ٤٤] أي أرده إليه، يقال: فوض فلان أمره إلى فلانٍ، وأصله من قولهم: مالهم فوضى بينهم أي غير متعينٍ لواحدٍ بعينه، ومنه شركة المفاوضة، وهي أن يتفقا على أن يكون كسبهما بينهما، وما يعرض من غرامةٍ تكون عليهما.
стр. 1202
ف وق:
قوله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علمٍ عليم﴾ [يوسف: ٧٦] أي ليس من عالمٍ إلا وفوقه من هو أعلم منه، وهذه الصفة ليست لأحدٍ إلا للباري تعالى، وأما البشر فيتفاوتون فلا تجد أحدًا يتقن شيئًا إلا وفوقه في ذلك العلم من يفوقه فيه إلى أن ينتهي ذلك العلم إلى واحدٍ مخصوصٍ، ففوق ذلك الواحد الباري تعالى.
وقوله: ﴿وهو القاهرة فوق عباده﴾ [الأنعام: ١٨] فالفوقية هنا ليست حقيقتها مرادة -تعالى الله عن الجهة- وإنما المراد أن قهره وسلطنه وقدرته استعلت على عباده؛ فهم تحت قهره وسلطنه لا يخرجون عن إرادته ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا خيرًا ولا شرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
واعلم أن فوق من ظروف الأمكنة المقابل لتحت وتصرفه قليل جدًا، ويضاف فيعرف، ويقطع فيبنى كقبل، ويكون ظرفًا حقيقةً ومجازًا نحو: ثوبك فوقك، ونعمته فوقك، ولما ذكرته من المجاز قال بعضهم: فوق تستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلة، وذلك أضرب.
الأول: باعتبار العلو، ويقابله تحت نحو قوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم﴾ [الأنعام: ٦٥] ولذلك قابله بقوله: ﴿أو من تحت أرجلكم﴾.
والثاني: باعتبار الصعود والحدور كقوله تعالى: ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾ [الأحاب: ١٠]. قلت: ولذلك قوبل هنا بأسفل دون تحت.
الثالث: أن يقال في العدد، أي باعتبار الزيادة، كقوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ [النساء: ١١] أي ائدة على اثنتين. ولما رأى بعضهم أن حكم الثنتين حكم ما فوقهما في ذلك زعم أن فوق زائدة، وجعل مثله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢]. وقال: تقديره فاضربوا الأعناق، وهذا وهم، وتحقيقه في غير هذا.
стр. 1203
الرابع: يقال في الكبير والصغير كقوله تعالى: ﴿بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة: ٢٦] قيل: معناه هو الظاهر فما فوقها في الكبر، وذلك كضربه تعالى الأمثال بالعنكبوت والذباب وغيرها مما هو أكبر جرمًا من البعوضة وبما هو دونها، وأصغر جرمًا منها فما فوقها في الصغر بهذا الاعتبار. وهذا المعنى هو الذي قصده بعضهم بتفسيره فوق بمعنى دون فقال: أراد فما دونها لكنه لم يلخص عبارته ولم يخلصها. قال بعض أهل اللغة: تصور بعض أهل اللغة أنه يعني أن فوق تستعمل بمعنى دون فأخرج ذلك من جملة ما صنفه من الأضداد، وهذا توهم منه.
الخامس: يقال باعتبار زيادة الفضيلة، ثم هذه الفضيلة تكون دنيوية كقوله تعالى: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] وأخروية كقوله: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾ [البقرة: ٢١٢].
السادس: باعتبار القهر والغلبة كقوله تعالى: ﴿وهو القاهرة فوق عباده﴾. ومن فوق، المراد الزيادة في الفضل، اشتقوا قولهم: فاق فلان فلانًا: إذا زاد عليه فيما يشاركه فيه وعلاه من لفظ فوق اشتق فوق السهم. وسهم أفوق: انكسر فوقه.
قوله تعالى: ﴿ما لها من فواقٍ﴾ [ص: ١٥] قرئ بفتح الفاء وضمها؛ فقيل: لغتان، ومعناه: ما لها من رجوعٍ. إلى راحة. وقال أبو
стр. 1204
عبيدة: من قرأ بالضم فهو من فواق الناقة. وقال غيره: هما واحد نحو: جمامٍ وجمامٍ. وقيل: الإفاقة هي الرجوع، فقولك: أفاق المريض والمجنون والسكران أي ثاب إليهم عقلهم وقوتهم بعد المرض والسكر والجنون.
والإفاقة -في الحلب: رجوع الدر، وكل درةٍ رجعت بعد الحلب تسمى الفيقة، ومنه حديث أم زرعٍ: "وترويه الفيقة" وقد اشتقوا من ذلك: تفوقت الشيء أي شربته. وفي حديث أبي موسى، وقد ذكر القرآن العزيز: "وأما أنا فأتفوقه اللقوح". يقول: أتدبره وأفهمه شيئًا فشيئًا ولا أهده هدًا من غير تفهم لمعناه، وهذا شأن العلماء. ولذلك ذم الله اليهود حيث قال تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة: ٧٨]. وقد ذكرنا في مقدمة التفسير الكبير من ذلك جملة صالحة.
وقالوا: استفق ناقتك: أي اتركها ساعة بعد الحلب، والمعنى حتى يفوق لبنها. وفوق فصيلك: أي اسقه ساعةً بعد أخرى. وظل فلان يتفوق المحض: أي يشرب اللبن الخالص، يقال ذلك لمن يتخير الأشياء ويصطفيها. وفي الحديث: "قسم غنائم بدرٍ عن فواقٍ" قيل: بقدر ما بين الحلبتين. وقيل: أراد التفضيل كأنه جعل بعضهم أفوق من بعضٍ. وقال ابن مسعودٍ ﵁: "فأمرنا عثمان ولم نأل عن خيرنا ذا فوقٍ" ولم يقل خيرنا سهمًا لأنه قد يقال له سهم. وإن لم يصلح فوقه فهو سهم، فإن لم يكن تامًا فكأنه قال: خيرنا سهمًا تامًا في الإسلام والسابقة والفضل.
ف وم:
قوله تعالى: ﴿وفومها﴾ [البقرة: ٦١] اختلف الناس في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقيل: هو الثوم المعهود بدلالة ذكره مع ما يناسبه من العدس والبصل. والفاء والثاء يتعاقبان في كثيرٍ نحو: جدث وجدف. وقيل: هو الحنطة ومنه: فوموا لنا، أي اختبزوا لنا الحنطة.
стр. 1205
ف وهـ:
قوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم﴾ [آل عمران: ١٦٧] الأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل الأفواه والفويه، وإنما حذفت لامه وأبدلت واوه ميمًا حال قطعه عن الإضافة، ولا تثبت ميمه إضافةً إلا ضرورةً عند بعضهم كقوله: [من الرجز]
١٢٢٧ - يصبح ظمآن وفي البحر فمه
والاختيار جوازه لما ثبت في الصحيح كـ "لخلوف فم الصائم" ولذا لا يجوز عدم البدل ميمًا حال قطعه عن الإضافة إلا ضرورةً كقوله: [من الرجز]
١٢٢٨ - خالط من سلمى خياشيم وفا
يريد: وفاها. والذي حسن ذلك كون الإضافة في قوة المنطوق بها. وقوله تعالى: ﴿يقولون بأفواههم﴾ [آل عمران: ١٦٧] كقوله: ﴿ذلكم قولكم بأفواهكم﴾ [الأحزاب: ٤]. والقول لا يكون إلا بالضم تنبيهًا على أنه قول صادر عن غير عقدٍ ولا ربطٍ بينه، وإنما هو شيء يمر باللسان من غير عقدٍ بالجنان، وهذا أحسن من قول من قال: إنه تأكيد لقوله تعالى: ﴿ولا طائرٍ يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨].
والفم إذا أضيف إلى غير ياء المتكلم كان من الأسماء المعروفة عند النحاة، وفيه لغات كثيرة إذا كانت معه الميم، وقد حققنا هذا في موضعٍ أليق به من هذا.
وفوهة البئر والزقاق بضم الفاء وتشديد الواو ومفتوحة الهاء، والعامة تقول: فوهة بفتح الفاء وسكون الواو وهو لحن، وأما الفوهة بالضم والسكون فهي الكلمة. ومنه قولهم: إن رد الفوهة لشديد.
فصل الفاء والياء
ف ي أ:
قوله تعالى: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩] أي ترجع؛ يقال: فاء
стр. 1206
يفيء فيئًا وفيوءًا وفيئة أي رجع، ومنه الفيء وهو الظل بعد الزوال خاصةً، والناس يطلقونه على مطلق الظل، وخطأهم يعقوب ذاهبًأ إلى أنه من الرجوع ولا رجوع إلا بعد زوال الشمس من جانب المشرق إلى جانب المغرب.
وقوله تعالى في المولين: ﴿فإن فاؤوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي رجعوا إلى ما امتنعوا منه من الوطء. والفيء من الكفار ما أخذ منهم من غير إيجاف خيلٍ ولا ركابٍ. والغنيمة عكسه.
قوله: ﴿ما أفاء الله﴾ [الحشر: ٧] أي ما رد الله. ونقل الراغب عن بعضهم: وإنما سمي الفيء فيئًا تشبيهًا بالفيء الذي هو الظل تنبيهًا أن أشرف أعراض الدنيا يجري مجرى ظل زائلٍ. وقد قيد بعضهم الفيء بالرجوع إلى حالةٍ محمودةٍ؛ فكل فيءٍ رجوع، وليس كل رجوعٍ فيئًا. ويقال: يا زيد فئ، نحو بع، ويا هند فيئي، نحو بيعي، قال الشاعر: [من الطويل]
١٢٢٩ - فقلت لها: فيئي لما يستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب
وقد تقدم أن بعضهم جعل الفئة بمعنى الجماعة من هذه المادة، وذكرنا ذلك عند مادة ف أي فالتفت إليه.
وقوله: ﴿يتفيأ ظلاله﴾ [النحل: ٤٨] أي تنتقل وترجع، وذلك أن الظل يرجع على كل شيءٍ من جوانبه.
ف ي ض:
قوله تعالى: ﴿بما تفيضون فيه﴾ [الأحقاف: ٨] أي تتحدثون وتجولون، وهو استعارة بديعة وذلك أنه مأخوذ من فاض الماء: إذا سال، وأفضته أنا: أسلته فيضًا. وأفاضوا في الحديث: أي خاضوا فيه ودخلوه دخولهم في الماء، فهو كاستعارة الخوض سواء.
وحديث مستفاض على المجاز. وأفاض القداح أي أجالها. وقوله تعالى: ﴿فإذا
стр. 1207
أفضتم من عرفاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقوله: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ أي جئتم منها تشبيهًا لها بالفائص من مقره.
والفيض: الماء الكثير، وفي المثل: أعطاه غيضًا من فيضٍ، أي قليلاً من كثير. وقولهم: رجل فياض أي سخي. والفيض: العطاء. ودرع مفاضة، أي أفيضت على لابسها كقولهم: درع مسنونة أي سنت عليه، كقوله تعالى: ﴿من حمأ مسنونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أي مصبوبٍ. في أحد تأويلاته، وقد تقدم ذلك.
ف ي ل:
قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١] هو هذا الحيوان المعروف، وجمعه فيلة وفيول، وله فهم عجيب يقرب من فهم الآدمي، وقصته مشهورة، وقد ولد ﷺ على رأس أربعين من قصة الفيل؛ قيل: اسمه محمود وصاحبه أبرهة الأشرم. قالت عائشة ﵂: "رأيت سائس الفيل وقائده أعميين يشحذان بمكة" وقد ذكرنا قصةً بطولها في التفسير.
ويقال: رجل فيل الرأي: أي ضعيفه. والمفايلة: لعبة للعرب يخبئون الشيء في التراب ثم يجعلونه غرمًا؛ فمن ظفر به فهو له.
стр. 1208
باب القاف
فصل القاف والباء
ق ب ح:
قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ [القصص: ٤٢] قيل: المبعدين. يقال: قبحه الله أي أبعده. والقبح: الإبعاد، قاله الهروي. وقبح الله وجه فلانٍ: أي أبعده من الخير. وفي الحديث: "لا تقبحوا الوجه" أي لا تنسبوه إلى القبح لأن الله صوره وقد أحسن كل شيءٍ خلقه، والظاهر أنه بمعنى لا تعيبوه. وفي حديث أم زرع: "وعنده أقول فلا أقبح" أي لا يعاب قولي ولا يرد لمعزتي عنده. وقيل: لا يقال لي: قبحك الله.
يقال: قبحت فلانًا بالتشديد أي قلت له: قبحك الله. قال الهروي: تقول: جزيته الجزاء أي قلت له: جزاك الله خيرًا. وقيل: القبح: التنحية والإزالة؛ يقال: قبحه الله عن الخير: أي نحاه وأزاله، وهذا عندي يرجع إلى معنى الإبعاد.
وقيل: القبيح: ما ينبو عنه البصر من الأعيان، والنفس من الأعمال والأحوال. وقد قبح قباحة فهو قبيح. فقوله: ﴿هم من المقبوحين﴾ أي الموسومين بحالٍ منكرةٍ، وذلك إشارة إلى ما وصف الله تعالى به الكفار من الرجاسة والنجاسة إلى غير ذلك من الصفات الذميمة، وما وصفهم به من اسوداد الوجوه وزرقة العيون وسحبهم بالأغلال والسلاسل.
والقبيح أيضًا: اسم للعظم الذي هو في الساعد مما يلي النصف منه إلى المرفق، يقال: قبح يقبح قبحًا فهو قبيح. قال الشاعر: [من الرجز]
١٢٣٠ - قبحت من سالفةٍ ومن صدغ
стр. 1209
ق ب ر:
قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١ ي أي جعل له مكانًا يقبر فيه، نحو أسقيته: أي جعلت له ما يسقى منه. وقيل: معناه ألهمه كيف يدفن، وذلك نحو بعثه الغراب باحثًا ودافنًا لآخر مثله ليعلم بني آدم ذلك، وسائر الحيوان غير الآدمي يلقى على وجه الأرض.
يقال: قبرته أي دفنته في اللحد، وأقبرته: أي جعلت له قبرًا. والقبر: مستقر الميت ومصدر قبرته أيضًا. والمقبرة والمقبرة والمقبرة، مثلثة العين: موضع القبور وجمعها مقابر، كقوله تعالى: ﴿حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ٢] ومعناه حتى أدرككم الموت وأنتم على حالة الغفلة. وقيل: تفاخروا حتى ذكروا أسلافهم وصنائعهم وما كانوا عليه من فعل الميسر وإطعام المحتاج وفك العناة وغير ذلك.
وقوله: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور﴾ [العاديات: ٩] إشارة إلى البعث والنشور، وذلك بأن يقوم الناس من قبورهم فتبعثر قبورهم التي كانوا فيها، كل منهم ينفض التراب عن رأسه. وقيل: ذلك كناية عن كشفه السرائر، وذلك أن أحوال الناس ما داموا في الدنيا مستورة عليهم كأنها مقبورة، فإذا بعثوا ظهرت المخبآت وبانت الفضائح. نسأل الله الباعث الوارث أن يستر علينا في الآخرة ما ستر في الدنيا. وقيل: ذلك كناية عن إزالة الجهالة بالموت، وكأن الكافر والجاهل ما داما في الدنيا مقبورين فإذا ماتا تيقنا الحق وظهر لهما ما كان مستورًا عنهما. فجعل القبور كنايةً عن ذلك، وذلك بحسب ما روي: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". وإلى هذا المعنى أشار تعالى بقوله: ﴿وما أنت بمسمعٍ من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢ ي أي الذين هم في حكم الأموات. وفي حديث ابن عباس "أن الدجال ولد مقبورً" قال ثعلب: المعنى أنها وضعته وعليه جلدة مصمتة ليس فيها نقب. فقالت قابلته: هذه سلعة وليست ولدًا. فقالت أمه: بل فيها ولد، فشقوها، فاستهل صارخًا.
стр. 1210
ق ب س:
قوله تعالى: ﴿بشهابٍ قبسٍ﴾ [النمل: ٧] القبس: ما اقتبس من النار، وهو أن يأخذ نارًا في طرف عودٍ أو خشبةٍ أو نحوهما. يقال: اقتبس نارًا يقتبسها اقتباسًا. وتلك النار هي القبس وهي الجذوة أيضًا. ويقال: قبسته نارًا وأقبسته علمًا؛ ففرقوا بفعل وأفعل بين هذين المفعولين؛ هذا نقل الهروي. ونقل الراغب أنه يقال أقبسته نارًا وعلمًا أي أعطيته، فسوى بينهما.
والاقتباس: طلب ذلك، وقد يستعار لطلب العلم والهداية، قال تعالى: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣]. والقبيس: فحل سريع الإلقاح، تشبيهًا بالنار لسرعته. وقرئ قوله تعالى: ﴿بشهابٍ قبسٍ﴾ بالتنوين والإضافة؛ فعلى الأولى يكون القبس بدلاً، وعلى الثانية يكون إضافة بيانٍ، أو الشهاب قبسٍ، وغيره.
ق ب ض:
قوله تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته﴾ [الزمر: ٦٧]. هذا عبارة عن كونه تعالى مالك الملك في وقت ليس لأحدٍ فيه ملك، وأن الأرض في حوزته وتحت قهره وسلطانه. كما يقال: قبضت الدار وأرض البلد الفلانية، يعني أنني حزتها وملكتها وهي تحت سلطتي ولا قبض حقيقيًا، ثم من كونه متناولاً بجميع اليد، وذلك أن أصل القبص التناول بجميع الكف، وبالصاد المهملة: بأطراف الأصابع، وقد قرئ ﴿قبضةً﴾ [طه: ٩٦] بالمعجمة والمهملة؛ فالقبض والقبض هنا حقيقة لأنه تناول الجزء من الأرض إما بكفه جميعه وإما ببعضه.
واستعير القبض لمنع المال والعطاء كقوله تعالى: ﴿ويقبضون أيديهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي يمنعون من الإنفاق. وقد يستعار القبض لتحصيل الشيء وإن لم يكن
стр. 1211
تناول، نحو: ﴿ثم قبضناه إلينا قبضًا يسيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦] أي نسخنا الشمس بالظل وجعلناه مكانها.
ويستعار أيضًا للعدو تشبيهًا للعادي بالمتناول شيئًا من الأرض.
قوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾ [البقرة: ٢٤٥] أي يعطي هذا ويمنع هذا، ويعطي تارةً ويسلب أخرى، أو يجمع مرةً ويفرق أخرى. ويكنى بالموت عن القبض، نحو: قبضه الله. ومن هذا النحو قوله ﵊: "ما من آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن" أي الله قادر على التصرف في أشرف جزءٍ منه، فكيف بباقي بدنه؟.
والانقباض ضد الانبساط، ويعبر به عن حصول غم يقبض على قلب الإنسان استعارةً ومجازًا. ويعبر بالقبص المهملة عن القلة. والقبيض هو الشيء المقبوض. والقبوص: الفرس الذي لا يمس في عدوه الأرض إلا بأطراف سنابكه تشبيهًا للمتناول للشيء بأطراف أصابعه كاستعارة القبض له في العدو.
ق ب ل:
قوله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤] قبل: ظرف زمانٍ يقتضي التقدم، ويقابل بعد. وقد تقدم حكمهما في مادة (ب ع د) بالنسبة إلى الإعراب والبناء. وقيل: قبل يستعمل في التقدم المنفصل، ويضاده بعد. وقبل وقبل ويضادهما دبر ودُبُر، هذا في الأصل، وإن كان قد يتجوز في كل واحدٍ منهما. قال بعضهم: قبل تستعمل على أوجه: أحدها في المكان بحسب الإضافة فيقول الخارج من أصبهان إلى مكة: بغداد قبل الكوفة، والخارج من مكة إليها: الكوفة قبل بغداد. الثاني في الزمان نحو: عبد الملك قبل المنصور. الثالث في المنزلة نحو: عبد الملك قبل الحجاج. الرابع في الترتيب الصناعي نحو: تعلم الهجاء قبل تعلم الخط.
والقبل والدبر يستعملان كنايةً عن السوءتين باعتبار استقبال الوجه واستدباره. القفا والإقبال: التوجه. نحو القبل كالاستقبال. والقابل: الذي يستقبل الدلو من اليد. والقابلة:
стр. 1212
التي تستقبل الولد عند خروجه من بطن أمه.
وقبل الله توبة عبده وعذره وتقبله بمعنى أنه اعتدله بما أتى به وبما اعتذر به. والتقبل: قبول الشيء على وجهٍ يقتضي ثوابًا كالهدية.
وقوله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: ٢٧] تنبيه على أنه ليس كل عبادةٍ متقبلة، بل إنما تتقبل إذا كانت على وجهٍ مخصوص. وقيل للكفالة قبالة فإن الكفالة هي أوكد تقبلٍ، وباعتبار معنى الكفالة سمي العهد المكتوب قبالة.
قوله تعالى: ﴿فتقبلها ربها بقبولٍ حسنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] أي قبلها. وقيل: معناه تكفل بها، وقيل: معناه رضيها؛ تقول: قبلت الشيء أي رضيته. وإنما قال: "تقبلها" بلفظ الماضي دون المضارع، قال الراغب: للجمع بين الأمرين.
التقبل: هو الترقي في القبول، والقبول الذي يقتضي الرضا والإثابة. وقيل: هو من قولهم: فلان عليه قبول: إذا أحبه من رآه.
قوله: ﴿وحشرنا عليهم كل شيءٍ قبلاً﴾ [الأنعام: ١١١] قرئ بضمتين، وهو جمع قبيلٍ، ولذلك قال مجاهد: معناه جماعةً جماعةً. وقال غيره: المعنى المقابلة، أي لو حشرنا عليهم كل شيء فقابلهم مقابلةً، وقيل: هو جمع قبيل أيضًا لكن بمعنى الكفيل، والمعنى مقابل لحواسهم. وقيل: قبلاً بكسرة وفتحة، ومعناه عيانًا جهارًا.
قوله تعالى: ﴿أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] قال ابن عرفة: أي جميعًا. وأنشد للسموءل، وقيل لعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: [من الطويل]
١٢٣١ - معودة ألا تسل نصالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل
وقال آخرون: معناه كفيلاً، أي يأتي بهم كفيلاً بما يقول ويدعي. وفعيل يستوي فيه الواحد والجمع حسبما قررناه في غير هذا الموضع.
стр. 1213
قوله: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل﴾ [الحجرات: ١٣]. الشعوب في العجم كالقبائل في العرب وكالأسباط في نبي إسرائيل، وهو جمع قبيل، والقبيلة: الجماعة المجتمعة التي يقبل بعضها على بعضٍ، وفي المثل: "فلان لا يعرف القبيل من الدبير" أي ما أقبلت به المرأة من غزلها وما أدبرت به. والمقابلة والتقابل أن يقبل بعضهم على بعض إما بالذات وإما بالعناية والتوفر، ومنه قوله تعالى في وصف أهل الجنة: ﴿متكئين عليها متقابلين﴾ [الواقعة: ١٦]، في الحديث: "لا يرى أحد ظهر آخر".
قوله تعالى: ﴿فمال الذين كفروا قبلك مهطعين﴾ [المعارج: ٣٦]. قبل الرجل: مكانه وجهته حقيقةً أو مجازًا نحو عند؛ فإن العندية تكون حقيقيةً ومجازيةً. ويقال: لي في قبل فلانٍ حق، أي عنده، ويستعار بذلك للقوة والقدرة والطاقة على المقابلة أي المجازاة كقوله تعالى: ﴿فلنأتينهم بجنودٍ لا قبل لهم بها﴾ [النمل: ٣٧] أي لا طاقة لهم على استقبالها ودفاعها. وقوله تعالى: ﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾ [الحاقة: ٩] أي ومن في جهته، ولذلك قال المفسرون وأتباعه.
قوله: ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ [الأعراف: ٢٧] أي جماعته وجنده، وقال الأزهري: القبيل: الجماعة ليسوا من أبٍ واحدٍ، وجمعه قبل، فإذا كانوا من أبٍ واحدٍ فهم قبيلة. وقد سوى ابن عرفة بينهما فقال: يقال: قبيلة وقبيل.
قوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلةً ترضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] يريد الكعبة. وأصل القبلة الجهة؛ سميت بذلك لأنها تقابل المصلى ويقابلها، ومنه: أين قبلتك؟ أي جهتك. وقيل: القبلة في الأصل: اسم للحالة التي عليها المقابل نحو الجلسة والقعدة، وفي التعارف صار اسمًا للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة.
والقبول: ريح الصبا، وإنما سميت بذلك لاستقبالها القبلة. وشاة مقابلة: قطع من قبل أذنها؛ وفي الحديث: "نهى أن يضحى بشرقاء أو خرقاء أو مقابلة". قال
стр. 1214
الأصمعي: هي أن يقطع طرف أذنها ويترك معلقًا من غير بينونةٍ كأنه زنمة. وقبال النعل: زمامها. وقد قابلتها: جعلت لها قبالاً، والقبال أيضًا الناصية، وفي حديث الدجال: "أنه رأى دابةً يواريها شعرها فقال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة أهدب القبال" تريد كثرة الشعر في ناصيتها. وقبال كل شيءٍ وقبله: ما يستقبلك منه، وفي الحديث: "من أشراط الساعة أن يرى الهلال قبلاً" أي معاينةً. والقبل أيضًا: الفحج. والقبلة: خرزة يزعم الساحر أنها تقبل بالإنسان على وجه الآخر. ومنه القبلة، وجمعها قبل وفي الحديث: "من قبلة الرجل امرأته الوضوء" أي من تقبيله إياها. وتكلم فلان قبلاً، أي لم يستعد له لأنه ... وارتجله. وفي الحديث: "رأيت عقيلاً يقبل غرب زمزم" أي يستقبلها.
فصل القاف والتاء
ق ت ر:
قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان: ٦٧] أي لم يضيقوا. والقتر: التضييق؛ يقال: قترت الشيء وأقترته وقترته أي ضيقت الإنفاق فيه. ورجل قتور ومقتر. وقتور صيغة مبالغة؛ قال تعالى: ﴿وكان الإنسان قتورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] وفيه تنبيه على ما جبل عليه الإنسان من البخل، وعليه قوله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨].
قوله تعالى: ﴿وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي وعلى الفقير الذي ضيق عليه رزقه كقوله: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] قيل: وأصل ذلك من القتار، وهو الدخان من الشواء والعود، فكأن المقتر والمقتر هو المتناول من الشيء قتاره.
стр. 1215
قوله تعالى: ﴿ترهقها قترة﴾ [عبس: ٤١] أي دخان يغشى وجوههم، وذلك إشارة إلى ما يرسله الله تعالى عليهم من اسوداد الوجوه وزرقة العيون، كقوله: ﴿فأما الذين اسودت وجوههم﴾ [آل عمران: ١٠٦] ليعرفوا من الموفق، نسأل الله العظيم مالك أمر ذلك اليوم أن يبيض وجوهنا وصحائفنا.
والقترة: ناموس الصائد الحافظ لقتار الإنسان أي الريح، لأن الصائد يجتهد في إخفاء ريحه عن الصيد لئلا ينفر ويند. ورجل قاتر: ضعيف، كأنه لخفته من ضعفه صار بمنزلة القتار كقولك هو هباء.
وابن قترة: نوع من الحيات، سمي بذلك لخفته وسرعة وثوبة. والقتير: رؤوس مسامير الدرع. ويقال: قتر يقتر ويقتر بالكسر والضم وقرئ بهما. وكان بنو عبد الملك يحسدون عمر بن عبد العزيز على كلامه، فجاء يومًا وبنو عبد الملك عنده فسأله عن حاله، فقال كالحسنة بين السيئتين، يشير إلى قوله: ﴿لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾. وفي الحديث: "أن أبا طلحة كان يرمي والنبي ﷺ يقتر بين يديه النصال" أي يسويها.
والإقتار: سهام صغار، والقتر: نصال الأهداف. وقيل: يجمع له الحصى والتراب يجعله قترًا. وفي الحديث: "تعوذوا بالله من قترة وما ولد" يعني من إبليس، وقترة لقب له كأنه لقب باسم الحية الخبيثة.
والقتير: الشيب، وفي الحديث: "قال: قد رأت القتير. قال: دعها" قال الشاعر: [من الكامل]
١٢٣٢ - شاب المفارق واكتسين قتيرًا
وذلك على التشبيه بالاشتعال من الدخان ونحوه، وقد ذكر ذلك في لسانهم.
стр. 1216
ق ت ل:
قوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] أصل القتل إزالة الروح كالموت. قال الراغب: لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال له قتل. وإذا اعتبر بفوات الحياة يقال له موت. ومعنى قوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أي ليقتل بعضكم بعضًا؛ ولذلك روي في القصة أنه أمر من لم يعص أن يقتل من عصى فبقي القاتل يرى أباه وأخاه فلا يقدم عليه. فأرسل الله عليهم ضبابًا منعهم من رؤية بعضهم بعضًا حتى كادوا يفنون. وقيل: بل كل واحدٍ أمر بقتل نفسه بيده، والظاهر الأول كقوله: ﴿فسلموا على أنفسكم﴾ [النور: ٦١]. والثاني أبلغ في المعنى. وقيل: المعنى فاقتلوها بإماطة الشهوات، وهذا يشبه تفسير بعض أهل التصوف وليس بظاهرٍ، إذ ترده القصص والآثار.
قوله تعالى: ﴿وما قتلوه يقينًا﴾ [النساء: ١٥٧]. قيل: معناه ما علموا صلبه علمًا يقينًا على الاستعارة من قولهم: قتلته علمًا وخبرةً. وقتلت فلانًا، وقتلته أي ذللته أي صيرته بمنزلة القتيل. وقيل: المعنى وما قتلوا عيسى قتل يقينٍ، بل هو ظن وشبهة لقوله: ﴿ولكن شبه لهم﴾. وقوله: ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠]، ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس: ١٧ ي لفظه خبر ومعناه الدعاء، ومعناه إيجاد ذلك من الله بهم. وقيل: هذا يستعمل في تعظيم الشيء نحو: قاتله الله! وقتله الله ما أشجعه! ومنه: "ويلمه! مسعر حرب".
وقوله: ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة: ٣٠] قيل معناه لعنهم، وقيل: قتلهم، نحو: عاقبت اللص. والأظهر أن المفاعلة فيه منبهة على أن الفعل بولغ فيه بحيث إنه صدر من اثنين. وقد حققنا عند قوله: ﴿يخادعون الله﴾.
стр. 1217
وقتلت الخمر بالماء: أي مزجتها لكسر سورتها، تشبيهًا بقتل الحي، وكذلك قال بعضهم، والصحيح أن ذلك هو المفاعلة، والمعنى صار بحيث يتصدى لمحاربة الله تعالى؛ فإن من قاتل الله تعالى فمقتول، ومن غالبه فمغلوب. وذلك أن المفاعلة المحاربة وتحري القتل، ولذلك قال تعالى: ﴿قاتلوا الذين يلونكم﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١] قرئ: "ولا تقتلوهم ... فغن قتلوكم" بالفعل والمفاعلة، ومعناهما واضح، إلا أن معنى قوله: ﴿فإن قتلوكم ... فاقتلوهم﴾، أي فإن قتلوا بعضكم، أو فإن عزموا وشارفوا قتلكم وتحققتم منهم ذلك أو غلب على ظنكم، وإلا فبعد أن تقتلوا كلهم حقيقةً يستحيل أن تقتلوا بعد ذلك غيرهم، وقال ابن عرفة: وهذا من فصيح الكلام؛ يقال: قتلنا بنو فلانٍ: أي قتلوا منا، وأنشد الأخطل: [من الوافر]
١٢٣٣ - لقد بلغوا الشفاء فخيرونا ... بقتلى من يقتلنا رياح
قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] قيل: عنى أنه وأد البنات، وكانت محاويجهم تفعله. وقيل: عنى بذلك العزل في الوطء، ولذلك سماه النبي ﷺ : "الوأد الخفي". ولذلك اختلف في جوازه في الحرة إلا بإذنها. وقيل: معناه النهي عن منع تعليم الأولاد العلم، واشتغالهم بالحرف الملهية عن العلم خشية الفقر؛ فإن الجاهل ميت وإن كان حيًا، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآية، وإليه نظر من قال: [من البسيط]
١٢٣٤ - وعاش قوم وهم في الناس أموات
وقد وصفهم بذلك حيث قال تعالى: ﴿أموات غير أحياءٍ وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١].
стр. 1218
قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥] ذكر القتل دون الذبح والزكاة وغيرهما، وهو أعمها، وفيه تنبيه على أن تفويت روحه على جميع الوجوه محظور.
وأقتلته: عرضته للقتل، نحو أبعثته. واقتتله العشق والجن، ولا يقال في غيرهما.
والاقتتال كالمقاتلة، كقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩].
قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ [البقرة: ٢١٧] أي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وإنما أبرزه في هذا التركيب لما يروع السامع من فظاعة الكلام، ورونق هذا الأسلوب فأتى بالظرف مسئولا عنه وأبد منه حدثه الواقع فيه، وفيه مما ذكرت ذلك ما لم يكن في غيره، فجل من أنزله على أفصح أسلوب وأبلغ نظم.
ويعبر بالقتال عن المدافعة، ومنه حديث المار بين يدي المصلي ((فليقاتله)) أي فليدافعه؛ قال الهروي: ليس كل قتال بمعنى القتل، وربما يكون لعبًا، وربما يكون دفعًا: وإذا دفعت سورة الشراب بالماء قلت: قتلت الشراب اقتله، بمعنى أن ذلك مستعار للمدافعة كاستعارته لكسر حدة الخمر، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
١٢٣٥ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وأطيب بها مقتولة حين تقتل
فصل القاف والثاء
ق ث أ:
قوله تعالى: ﴿من بقلها وقثائها﴾ [البقرة: ٦١] القثاء: الخيار، وفي عرف بعضهم
стр. 1219
يختص بشيء غير الخيار لكنه من نوعه، وفيه لغتان: ضم القاف وكسرها، وهو أفصح الواحد قثاءة، نحو قمح وقمحة، وهو اسم جنس، ويجمع على قثائي نحو علياء وعلائي، وهمزته أصلية خلافًا لمن وهم فجعلها بدلا من واو، ويدل على ما قلته قولهم: أقثأت الأرضض: كثر قثاؤها، واقثأت القوم: أطعمتهم القثاء.
وأقثأت القدر: سلبت غليانها بصب ماء فيها، وأنشد [من الطويل]
١٢٣٦ - تفور علينا قدرهم فديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها على
فصل القاف والحاء
ق ح م:
قوله تعالى: ﴿هذا فوج مقتحم﴾ [ص: ٥٩] أي داخل. يقال: اقتحمت الشيء: دخلت فيه، وأصله توسط شدة مخيفة.
وقحم الفرس إليه: أي دخل به وتوغل ما يخاف عليه منه. وقحم فلان بنفسه في كذا: دخل من غير رؤبة. والمقاحيم: الذين يقتحمون في الأمر المهيب.
قوله: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ [البلد: ١١] أي لم يتجاوزها ولم يقطعها، وهو استعارة عن تحمل المشقة، ولذلك قال ابن عرفة: ولم يتحل الأمر العظيم في طاعة الله.
ثم فسر تلك العقبة أنها ﴿فك رقبة أو إطعام﴾ [البلد: ١٣ - ١٤]. وفي الحديث: ((من لقى الله لا يشرك به شيئًا غفر له المقحمات)) أي العظائم التي تدخله النار.
والتقحم: التقدم والوقوع في أهوبة. والقحم: الأمور الشاقة. وفي صفته ﵇: ((لم تقتحمه عين من قصر)) أي لم تزدره. وكل شيء ازديته فقد تقحمته؛ وذلك أن العين تتجاوز الشيء الحقير ولا تنظر إليه. فالمعنى لا تتجاوزه العين احتقارًا له
стр. 1220
صلى الله عليه وسلم، بل تديم النظر إليه إعجابًا به وتعظيمًا له ﷺ . وهذا شأن الإنسان إذا رأى ما لا يعجبه أعرض عنه.
فصل القاف والدال
ق د د:
﴿وإن كان قميصه قد من دبر﴾ [يوسف: ٢٧] القد: قطع الشيء طولا. والقد: المقدود: ومنه قد الإنسان لقامته. والقدة: القطعة من اللحم. وقددت اللحم: فعلت به ذلك، فهو قديد، وغلب فب اليابس منه. واقتد الأمر دبره: كقوله فضله، وصرمه.
و ((قد)) تصحب الأفعال وتقرب الماضي من الحال، وتكون ((قد)) حرف توقع وتقليل وذلك بحسب القرائن، وإذا دخل على المضارع أفاد التقليل غالبا إلا في أفعال الباري تعالى فتكون للتحقيق: نحو: ﴿قد يعلم الله﴾ [الأحزاب: ١٨] قال الراغب: وقد: حرف يختص بالفعل، والنحويون يقولون: هو للتوقع، وحقيقته أنه إذا دخل على فعل ماض فإنما يدخل على كل فعل كتحدد نحو قوله تعالى: ﴿قد سمع الله﴾ [آل عمران: ١٨١]. ولما قلت لا يصح أن يستعمل في أوصاف الله تعالى الذاتية فيقال: قد كان الله عليما حكيما. وإذا دخل ((قد)) على الفعل المستقبل فذلك لفعل يكون في حالة دون حالة نحو: ﴿قد يعلم الله الذين يتسللون﴾ [النور: ٦٣] فيها علم الله، انتهى.
و ((قد)) يكون اسما بمعنى)) حسب)) نحو: قدك درهم، وقطك درهم، أي حسبك وكافيك درهم؛ فالكاف في محل جر بالإضافة. وتدخل عليها النون للوقاية جوازًا، ومنه قول الشاعر: [من الرجز]
١٢٣٧ - قدني من نصر الخبيين قدي
стр. 1221
فأثبتها في الأول وحذفها في الثاني، إلا أن الأكثر إثباتها. وزعم بعضهم أنهما اسما فعل ينتصب ما بعدهما وأن الكاف وما معها في محل نصب. وأجاز الفراء: قد زيدا بنصب زيد. قال الراغب: وجعل ذلك مقيسًا على ما سمع من قولهم: قدني وقدك، قال: والصحيح أن ذلك لا يستعمل مع الظاهر وإنما جاء عنهم في المضمر.
قوله تعالى: ﴿كنا طرائق قددا﴾ [الجن: ١١] أي فرقًا متفرقين مختلفي الأهواء، وهو جمع قدة نحو: قطعة وقطع.
والقد: السوط. وفي الحديث: ((موضع قدة في الجنة خير من الدنيا وما فيها)). أي موضع قدر السوط.
والقد بالفتح جلد السخلة، وهو أيضًا سقاء صغير يتخذ من جلدها. والقد أيضًا المقدود. وقال طرقة بن العبد: [من الطويل]
١٢٣٨ - وخد كقرطاس الشامي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يجرد
يروي بكسر القافمع الجيم؛ فالقد: النعل، ومعناه أنه مجرور من شعره فهو ألين له، وبفتحها مع الحاء، والمعنى: مثاله لم يعوج. فالتحريد: الاعوجاج، وهو قطع بعضه دقيقًا وبعضه عريضًا.
ق د ر:
قوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الزمر: ٦٧] أي ما عظموه حق تعظيمه ولا عرفوه حق معرفته. قال الراغب: تنبيهًا أنه كيف يمكنهم أن يدركوا كنهه وهذا وصفه. وهو قوله: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ [الزمر: ٦٧]؟
قوله تعالى: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي أن لن نضيق،
стр. 1222
والتقدير: التضييق، ومنه قوله تعالى: ﴿وقدر في السرد﴾ [سبأ: ١١]. وعن ابن عباس أن معاوية أرسل خلفي فقال: ضربتني أمواج القرآن قال فيماذا؟ قال: في قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾، أيظن عبد من عبيد الله أن الله لا يقدر عليه، فضلًا عن نبي من الأنبياء؟ فقال له: ليس ذلك من القدرة، إنما هو من التقدير بمعنى التضييق، وتلا قوله تعالى: ﴿فقدر عليه رزقه﴾ [الفجر: ١٦] قال الهروي: يعني قدرنا عليه من كونه في بطن الحوت.
يقال: قدر وقدر بمعنى واحد، وليس من القدرة في شيء. وقال أبو الهيثم: فظن أن لن نقدر عليه العقوبة. قال: ويحتمل أن يكون تفسيره أن لن نضيق عليه.
قوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ٢٨٤] وهذا عام خصصه العقل كما حققناه في غير هذا الموضع. ثم القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ما. وأا إذا وصف بها الباري تعالى فنفي العجز عنه. ومحال أن يوصف غير الله تعالى بالقدرة المطلقة معنى، وإن أطلق عليه لفظًا، بل حقه أن يقال: هو قادر على كذا. ومتى قيل: هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد، ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه، إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه آخر، والباري تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه، جل وعز.
والقادر يوصف به الإنسان حسبما تقدم، والقدير لا يوصف به إلا الله تعالى، وذلك لما فيه من المبالغة؛ قال الراغب: والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به غير الله تعالى. والمقتدر يقاربه لكن قد يوصف به البشر، وإذا استعمل في الله فمعناه معنى القدير، وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف المكتسب للقدرة. يقال: قدرت على كذا أقدره قدرًا وقدرة ومقدرة وقدرانًا. يقال: اقدر بذرعك، أي أقدر على الأمور
стр. 1223
بمقدار ما عندك من الاستقلال، وأنشد لزهير: [من البسيط]
١٢٣٩ - تعلمن، هالعمر الله ذا قسمًا ... فاقدر بذرعك وانظر: أين تنسلك؟
ويروي: ((فاقصد لذرعك)) وهو في المعنى الأول.
وأقدرني الله وقدرني على كذا، أي قواني وجعل لي قدرة. وتقدير الله الأشياء على وجهين: أحدهما بإعطاء القدرة، والثاني بأن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت الحكمة. قال الراغب: وذلك أن فعله تعالى ضربان؛ ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أن أبدعه كاملًا دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء أن يبدله ويفنيه، كالسموات وما فيها. وضرب جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة، وقدره على وجه لا يتأتى غير ما قدر فيه، كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح والزيتون، وتقدير مني الآدمي أن يكون منه الإنسان دون سائر الحيوان.
فتقدير الله على وجهين أحدهما بالحكم منه أن يكون كذا أو لا يكون كذا، إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الإمكان. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرًا﴾ [الطلاق: ٣] والثاني بإعطاء القدرة عليه.
قوله: ﴿نحن قدرنا بينكم الموت﴾ [الواقعة: ٦٠] أي حكمنا به وصرفناه بينكم فلا يختص به أحد من المخلوقين بعضهم دون البعض. وفيه منبهة على أن فيه حكمة وهو أن الله تعالى هو المقدر له وليس كما زعم المجوس من قولهم: إن الله يخلق وإن إبليس يقتل. فانظر إلى هذا الكتاب العزيز كيف تعرض لكل مذهب والرد عليه قديمًا وحديثًا؟
قوله: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ [المرسلات: ٢٣] تنبية أن ما حكم به فهو
стр. 1224
محمود في حكمه، ويجوز أن يكون في معنى ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرًا﴾.
قوله تعالى: ﴿والله يقدر الليل والنهار﴾ [المزمل: ٢٠] لإشارة إلى قوله: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ [الزمر: ٥] ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١] وأنه ليس أحد يمكنه معرفة ذلك على حقيقته، وأنه جعل ذلك علامة على توقيت العبادة وغيرها. قوله: ﴿من نطفة خلقه فقدره﴾ [عبس: ١٩] إشارة إلى ما أوجد فيه بالقوة فيظهر حالًا فحالًا إلى الوجود بالصورة.
قوله: ﴿وكان أمر الله قدرًا مقدروًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] فقد إشارة إلى ما سبق به القضاء والكتابة في اللوح المحفوظ، وإشارة إلى قوله ﵊ ((فرغ ربك من أربع: الخلق والأجل والرزق)). والمقدور إشارة إلى ما يحدث حالًا فحالًا، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]، وعليه قوله: ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ [الحجر: ٢١]. قال أبو الحسن: يقال: خذ بقدر كذا أو بقدر كذا.
قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ [البقرة: ٢٣٦] قرئ بالفتح والإسكان، والمعنى: ما يليق بحاله مقدرًا عليه، والمعنى أنه أعطى كل شيء ما فيه مصلحته وهداه لما فيه خلاص له إما بالتسخير وإما بالتعليم كقوله [أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠]
والتقدير من الإنسان على وجهين؛ أحدهما التفكر في الأمر بحسب نظر العقل وبناء الأمر عليه. والثاني أن يكون بحسب التمني والشهوة وذلك مذموم، كقوله: ﴿إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر﴾ [المدثر: ١٨ - ١٩].
وتستعار القدرة والمقدور للجاه والسعة والمال.
стр. 1225
والقدر: وقت الشيء المقدر له والمكان المقدر له. قوله: ﴿فسألت أودية بقدرها﴾ [الرعد: ١٧] أي بقدر المكان لأن يسعها. وقريء ((بقدرها)) أي تقديرها.
قوله: ﴿وغدوا على حرد قادرين﴾ [القلم: ٢٥] أي معينين لوقت قدروه، ومثله: ﴿فالتقى الماء على قدر قد قدر﴾ [القمر: ١٢].
وليلة القدر لأن الأمور يقدر فيها وتقضى، فيسعد فلان ويشقى فلان ويحرم فلان.
اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، نسألك بجاه كلامك ونبيك أن تعطينا أمانك وتمنعنا نقمتك.
قول: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧] أي ضيق عليه، ومنه اشتق الأقدر أي القصير العنق.
وفرس أقدر: يضع حافر رجله موضع حافر يده.
قوله: ﴿وقدر في السرد﴾ أي أحكمه، وهو أن يجعل المسامير طبق الحلق، فإنه لو عملها غليظة لانفصمت الحلق، ولو عملها دقيقة لقلعت.
ومقدار الشيء: المقدر له وبه، وقتًا كان أو مكانًا أو غيرهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ [الرعد: ٨].
قوله: ﴿وقدور راسيات﴾ [سبأ: ١٣] هي التي يطبخ فيها؛ سميت بذلك لأنها مقدرة على هيئة لها، وما يطبخ فيها يقال له القدير اشتقاقًا منه، كقول امرئ القيس: [من الطويل]
١٢٤٠ - فظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
وفي البيت مسألة نحوية. يقال: قدرت اللحم، أي طبخته في القدر، والقدار، أي ينحر ويقدر، أي يطبخ. وفي الحديث: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) أي قدروا له عدد
стр. 1226
الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومًا، ويدل له حديث آخر ((كملوا العدة))، وقيل: قدروا له منازل القمر فإن ذلكم يدل على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون. وبهذا يستدل من رأي وجوب الصوم بقول أهل التقويم العالمين بسير القمر. ولقد أحسن أبو العباس بن سريج حيث قال: هذا خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم فهو له. وقوله: ﴿فأكملوا العدة﴾ خطاب للعامة التي لم تعن به.
يقال: قدرت الأمر كذا: أقدره وأقدره: إذا دبرته ونظرت فيه. وكان ابن سريج يقول: إن ذلك يختص بمن يعلم الحساب في خاصة نفسه ولا يلزم غيره أن يصوم بقوله.
ق د س:
قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ [البقرة: ٨٧] هو جبريل. والقدس: الطهارة ويضم داله ويسكن وذلك لأنه خلق من طهارة محضة ملك نوراني. وقيل: سمي بذلك من حيث أنه ينزل من الله تعالى بالقدس أي بما يطهر به نفوس عباده من القرآن والحكمة والفيض الإلهي.
قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٣٠] أي نصفك بالقدس وهو التطهير والتنزيه مما لا يليق بجلاله وصفاته، عكس ما فعله جهله بني آدم حسبما وصفوه به من اتخاذ الولد والزوجة والحلول والاتحاد والجسم والتحيز تعالى الله عما يقزل الظالمون علوًا كبيرًا. وقيل: المعنى نصفك بالقدس حيث يقولون: ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح)). وقسل نظهر لك الأشياء ارتسامًا لك. والتقديس: التطهير الإلهي المذكور في قوله: ﴿ويطهركم تطهيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] دون التطهير الذي هو إزالة النجاسة. وقيل معناه: نطهر أنفسنا لك مما يخالفك.
قوله: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة﴾ [المائدة: ٢١] المطهرة. ومنه: بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. ومنه قيل للسطل قدس لأنه يتطهر منه ويتوضأ.
قوله: ﴿الملك القدوس﴾ [الحشر: ٢٣] أي البليغ في الطهارة والتطهير. وجاء
стр. 1227
في التفسير: القدوس: المبارك، ويقال بفتح القاف. وفي الحديث: ((لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها)) أي لا طهرت. وقال الشاعر [من البسيط]
١٢٤١ - إن السفاهة في خلائقكم ... لا قدس الله أرواح الملاعين
وحظيرة القدس: الجنة، وقيل: الشريعة، وكلاهما صحيح؛ فإن الشريعة حظيرة منها يستفاد القدس، وقال ﷺ : ((إن روح القدس نفث في روعي)) قيل: هو جبريل، وقيل هو الله تعالى، يعني هو معك بقوته وبقدرته كقوله تعالى: ﴿وإني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦] ﴿إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٥٨] أي بعلمه.
ق د م:
قوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] معناه لا تتقدموا. وتحقيقه لا تسبقوه بالقول والفعل، بل افعلوا ما يرسمه لكم وقفوا عند حده كما تفعله الملائكة الذين وصفهم ربهم بكونهم عبادًا مكرمين، حيث أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿لا يسبقونه بالقول وهو بأمره يعملون﴾ [الأنبياء: ٢٧] وفي التفسير أنهم ذبحوا قبل ذبحه فنهوا عن ذلك. وقال ابن عرفة: أي لا تعجلوا بأمر قبل أن يأمر الله فيه أو ينهي عنه على لسان رسوله ﷺ . وقيل: معناه: لا تتقدموا، وهذا في معنى ما قدمته.
زقزله تعالى: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ [هود: ٩٨] أي يتقدمهم؛ يقال: قدمته أتقدمه قدمًا. وقدم يقدم أيضًا: إذا تقدم عليه قوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل﴾ [الفرقان: ٢٣] أي قصدنا وعمدنا. وأقدم يقدم مثله، وأنشد لعنترة: [من الكامل]
стр. 1228
١٢٤٢ - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
مثله: قدم بالتشديد يقدم: إذا تقدم وأنشد لبيد: [من الرمل]
١٢٤٣ - قدموا إذ قال: قيس قدموا ... واحفظوا المجد بأطراف الأسل
وبمعناه أيضًا استقدم يستقدم، وعليه قوله تعالى: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ [الحجر: ٢٤] وأصل ذلك كله من القدم، وهو قدم الرجل وجمعه أقدام. وبه اعتبر التقدم والتأخر. والتقدم على أربعة أضرب حسبما بيناه فيما قبل. ويستعار القدم للسابقة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ [يونس: ٢]. ويقال: قديم وحديث وذلك إما باعتبار الزمانين، وإما بالشرف، وإما لما لا يصح وجود غيره إلا بوجوده، نحو: الواحد متقدم على العدد بمعنى أنه لو تصور ارتفاعه لارتفع الأعداد. والقدم وجود فيما مضى، والبقاء وجود فيما يستقبل، كذا قاله بعضهم. وينبغي أن يزيد فيما يستقبل وفي الحال. والمتكلمون يصفون الباري تعالى بالقديم، وقد اشتهر ذلك في عباراتهم، ولم يرد في شيء من القرآن والآثار الصحيحة وصفه تعالى بالقديم، ولكنه قد ورد في بعض الأدعية، وأحسبها مأثورة: ((يا قديم الإحسان)). وأكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان كقوله: ﴿كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩].
قوله: ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ [ق: ٢٨] أي قد نبهتكم على ما بين أيديكم قبل أن يفاجئكم. يقال: قدمت لإلى فلان بكذا: أعلمته قبل الحاجة إلى فعله وقبل أن يدهمه الأمر.
قوله: ﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٧] أي لا يريدون تقدمًا ولا تأخرًا. قوله: ﴿ونكتب ما قدموا﴾ [يس: ١٢] أي ما فعلوه قبل. قوله: ﴿ربنا من قدم لنا هذا﴾ [ص: ٦١] أي من سنه وشرعه. قوله: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ [يونس: ٢] قد تقدم أنها السابقة، وقال الأزهري هي المنزلة الرفيعة. وقيل: معناه لهم سابقة في
стр. 1229
الخير، أي سبق لهم السعادة في الذكر الأول. ويقال: تفسير القدم في العربية الشيء تقدمه قدامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه. وقال القتيبي: عملًا صالحًا فيما قدموه. وفي التفسير أنه شفاعة سيدنا رسول الله ﷺ . وفي الحديث: ((حتى يضع الرحمن فيها قدمه)) يعني في النار. واضطراب الناس في تفسيره، وأحسن ما قيل فيه ما قاله الحسن البصري: حتى يجعل الله فيها الذين قدمهم من شرار خلقه فهم قدم الله للنار كما أن المسلمين قدمًا للجنة. وقال ثعلب: كل ما قدمت من خير فهو قدم، وتقدمت لفلان فيها قدم: أي تقدم في الخير، ورجل قدم: إذا كان شجاعًا، ومنه حديث علي ﵁: ((غير نكل في قدم ولا واهنًا في عزم)). وفي حديث ابن عباس ﵄ ((أن ابن الزبير مشى القهقرى وأن ابن أبي العاص مشى القدمية))، وروي ((اليقدمية)) يعني في الشف والفضل. وذلك عنى الشاعر بقوله: [من الطويل]
١٢٤٤ - مشى ابن الزبير القهقرى وتقدمت ... أمية حتى أحرزوا القصبات
أي قصبات السبق. وفي الحديث ((إن إبراهيم على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام اختتن بالقدوم)) يقال: هو مقيل له، ويقال: قرية بالشام. واستبعد رواية القدوم بمعنى الآلة المعروفة لعسر ذلك عرفًا وعدم إمكانه عادة.
وقوله ﵊: ((أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي)) أي على أثري. وركب فلان مقاديمه: إذا ركب على وجهه. وقادمة الرحل، وقادمة الجناح، وقادمة الأطباء. ومقدمة الجيش بفتح الدال وكسرها والقدوم: كل ذلك معتبر فيه معنى التقدم. وقدام بمعنى أمام عكس خلف وتصغيرها قديدمة، ودخول الهاء فيها شاذ ولذلك يصغرون وراء وريئة، حسبما بينا ذلك في كتب النحو.
стр. 1230
ق د و:
قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام:٩٠] الاقتداء: الاتباع، ومنه الاقتداء بإمام الصلاة، وذلك أن يتبع أفعاله فلا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يزيد عليه ولا ينقص عنه.
والقدوة والقدوة اسم للاقتداء، كالأسوة والإسوة. وفي الحديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) أي أنهم على الحق. وقال طرفة بن العبد: [من الطويل]
١٢٤٥ - عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
والهاء في ((اقتده)) قيل: هاء السكت ولذلك حذفها بعض القراء وصلًا وهو القياس، وقيل: هي ضمير المصدر، ولنا في هذا الحرف كلام متسع أتقناه في ((الدر)) و ((العقد)) فعليك بهما.
فصل القاف والذال
ق ذ ف:
قوله تعالى: ﴿فاقذفيه في اليم﴾ [طه:٣٩] أي ألقيه واطرحيه. والقذف: الرمي قوله تعالى: ﴿قل إن ربي يقذف بالحق﴾ [سبأ:٤٨] قال ابن عرفة: أي يلقي بالحق في قلب من يشاء. وقوله: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل﴾ [الأنبياء:١٨] أي نأتي به عليه فنغلبه به.
قوله: ﴿ويقذفون بالغيب من مكان بعيد﴾ [سبأ:٥٣] استعارة لرجمهم بالظنون الكاذبة والأوهام الفاسدة. وأشار بذلك إلى ما كانوا يقولون في حقه عليه الصلاة
следующие страницы →