← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومًا، ويدل له حديث آخر ((كملوا العدة))، وقيل: قدروا له منازل القمر فإن ذلكم يدل على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون. وبهذا يستدل من رأي وجوب الصوم بقول أهل التقويم العالمين بسير القمر. ولقد أحسن أبو العباس بن سريج حيث قال: هذا خطاب لمن خصه الله تعالى بهذا العلم فهو له. وقوله: ﴿فأكملوا العدة﴾ خطاب للعامة التي لم تعن به. يقال: قدرت الأمر كذا: أقدره وأقدره: إذا دبرته ونظرت فيه. وكان ابن سريج يقول: إن ذلك يختص بمن يعلم الحساب في خاصة نفسه ولا يلزم غيره أن يصوم بقوله. ق د س: قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ [البقرة: ٨٧] هو جبريل. والقدس: الطهارة ويضم داله ويسكن وذلك لأنه خلق من طهارة محضة ملك نوراني. وقيل: سمي بذلك من حيث أنه ينزل من الله تعالى بالقدس أي بما يطهر به نفوس عباده من القرآن والحكمة والفيض الإلهي. قوله: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٣٠] أي نصفك بالقدس وهو التطهير والتنزيه مما لا يليق بجلاله وصفاته، عكس ما فعله جهله بني آدم حسبما وصفوه به من اتخاذ الولد والزوجة والحلول والاتحاد والجسم والتحيز تعالى الله عما يقزل الظالمون علوًا كبيرًا. وقيل: المعنى نصفك بالقدس حيث يقولون: ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح)). وقسل نظهر لك الأشياء ارتسامًا لك. والتقديس: التطهير الإلهي المذكور في قوله: ﴿ويطهركم تطهيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] دون التطهير الذي هو إزالة النجاسة. وقيل معناه: نطهر أنفسنا لك مما يخالفك. قوله: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة﴾ [المائدة: ٢١] المطهرة. ومنه: بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. ومنه قيل للسطل قدس لأنه يتطهر منه ويتوضأ. قوله: ﴿الملك القدوس﴾ [الحشر: ٢٣] أي البليغ في الطهارة والتطهير. وجاء

стр. 1227

في التفسير: القدوس: المبارك، ويقال بفتح القاف. وفي الحديث: ((لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها)) أي لا طهرت. وقال الشاعر [من البسيط] ١٢٤١ - إن السفاهة في خلائقكم ... لا قدس الله أرواح الملاعين وحظيرة القدس: الجنة، وقيل: الشريعة، وكلاهما صحيح؛ فإن الشريعة حظيرة منها يستفاد القدس، وقال ﷺ : ((إن روح القدس نفث في روعي)) قيل: هو جبريل، وقيل هو الله تعالى، يعني هو معك بقوته وبقدرته كقوله تعالى: ﴿وإني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦] ﴿إلا هو معهم أينما كانوا﴾ [المجادلة: ٥٨] أي بعلمه. ق د م: قوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] معناه لا تتقدموا. وتحقيقه لا تسبقوه بالقول والفعل، بل افعلوا ما يرسمه لكم وقفوا عند حده كما تفعله الملائكة الذين وصفهم ربهم بكونهم عبادًا مكرمين، حيث أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿لا يسبقونه بالقول وهو بأمره يعملون﴾ [الأنبياء: ٢٧] وفي التفسير أنهم ذبحوا قبل ذبحه فنهوا عن ذلك. وقال ابن عرفة: أي لا تعجلوا بأمر قبل أن يأمر الله فيه أو ينهي عنه على لسان رسوله ﷺ . وقيل: معناه: لا تتقدموا، وهذا في معنى ما قدمته. زقزله تعالى: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ [هود: ٩٨] أي يتقدمهم؛ يقال: قدمته أتقدمه قدمًا. وقدم يقدم أيضًا: إذا تقدم عليه قوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل﴾ [الفرقان: ٢٣] أي قصدنا وعمدنا. وأقدم يقدم مثله، وأنشد لعنترة: [من الكامل]

стр. 1228

١٢٤٢ - ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم مثله: قدم بالتشديد يقدم: إذا تقدم وأنشد لبيد: [من الرمل] ١٢٤٣ - قدموا إذ قال: قيس قدموا ... واحفظوا المجد بأطراف الأسل وبمعناه أيضًا استقدم يستقدم، وعليه قوله تعالى: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ [الحجر: ٢٤] وأصل ذلك كله من القدم، وهو قدم الرجل وجمعه أقدام. وبه اعتبر التقدم والتأخر. والتقدم على أربعة أضرب حسبما بيناه فيما قبل. ويستعار القدم للسابقة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ [يونس: ٢]. ويقال: قديم وحديث وذلك إما باعتبار الزمانين، وإما بالشرف، وإما لما لا يصح وجود غيره إلا بوجوده، نحو: الواحد متقدم على العدد بمعنى أنه لو تصور ارتفاعه لارتفع الأعداد. والقدم وجود فيما مضى، والبقاء وجود فيما يستقبل، كذا قاله بعضهم. وينبغي أن يزيد فيما يستقبل وفي الحال. والمتكلمون يصفون الباري تعالى بالقديم، وقد اشتهر ذلك في عباراتهم، ولم يرد في شيء من القرآن والآثار الصحيحة وصفه تعالى بالقديم، ولكنه قد ورد في بعض الأدعية، وأحسبها مأثورة: ((يا قديم الإحسان)). وأكثر ما يستعمل القديم باعتبار الزمان كقوله: ﴿كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩]. قوله: ﴿وقد قدمت إليكم بالوعيد﴾ [ق: ٢٨] أي قد نبهتكم على ما بين أيديكم قبل أن يفاجئكم. يقال: قدمت لإلى فلان بكذا: أعلمته قبل الحاجة إلى فعله وقبل أن يدهمه الأمر. قوله: ﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٧] أي لا يريدون تقدمًا ولا تأخرًا. قوله: ﴿ونكتب ما قدموا﴾ [يس: ١٢] أي ما فعلوه قبل. قوله: ﴿ربنا من قدم لنا هذا﴾ [ص: ٦١] أي من سنه وشرعه. قوله: ﴿أن لهم قدم صدق﴾ [يونس: ٢] قد تقدم أنها السابقة، وقال الأزهري هي المنزلة الرفيعة. وقيل: معناه لهم سابقة في

стр. 1229

الخير، أي سبق لهم السعادة في الذكر الأول. ويقال: تفسير القدم في العربية الشيء تقدمه قدامك ليكون عدة لك حتى تقدم عليه. وقال القتيبي: عملًا صالحًا فيما قدموه. وفي التفسير أنه شفاعة سيدنا رسول الله ﷺ . وفي الحديث: ((حتى يضع الرحمن فيها قدمه)) يعني في النار. واضطراب الناس في تفسيره، وأحسن ما قيل فيه ما قاله الحسن البصري: حتى يجعل الله فيها الذين قدمهم من شرار خلقه فهم قدم الله للنار كما أن المسلمين قدمًا للجنة. وقال ثعلب: كل ما قدمت من خير فهو قدم، وتقدمت لفلان فيها قدم: أي تقدم في الخير، ورجل قدم: إذا كان شجاعًا، ومنه حديث علي ﵁: ((غير نكل في قدم ولا واهنًا في عزم)). وفي حديث ابن عباس ﵄ ((أن ابن الزبير مشى القهقرى وأن ابن أبي العاص مشى القدمية))، وروي ((اليقدمية)) يعني في الشف والفضل. وذلك عنى الشاعر بقوله: [من الطويل] ١٢٤٤ - مشى ابن الزبير القهقرى وتقدمت ... أمية حتى أحرزوا القصبات أي قصبات السبق. وفي الحديث ((إن إبراهيم على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام اختتن بالقدوم)) يقال: هو مقيل له، ويقال: قرية بالشام. واستبعد رواية القدوم بمعنى الآلة المعروفة لعسر ذلك عرفًا وعدم إمكانه عادة. وقوله ﵊: ((أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي)) أي على أثري. وركب فلان مقاديمه: إذا ركب على وجهه. وقادمة الرحل، وقادمة الجناح، وقادمة الأطباء. ومقدمة الجيش بفتح الدال وكسرها والقدوم: كل ذلك معتبر فيه معنى التقدم. وقدام بمعنى أمام عكس خلف وتصغيرها قديدمة، ودخول الهاء فيها شاذ ولذلك يصغرون وراء وريئة، حسبما بينا ذلك في كتب النحو.

стр. 1230

ق د و: قوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام:٩٠] الاقتداء: الاتباع، ومنه الاقتداء بإمام الصلاة، وذلك أن يتبع أفعاله فلا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يزيد عليه ولا ينقص عنه. والقدوة والقدوة اسم للاقتداء، كالأسوة والإسوة. وفي الحديث: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) أي أنهم على الحق. وقال طرفة بن العبد: [من الطويل] ١٢٤٥ - عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي والهاء في ((اقتده)) قيل: هاء السكت ولذلك حذفها بعض القراء وصلًا وهو القياس، وقيل: هي ضمير المصدر، ولنا في هذا الحرف كلام متسع أتقناه في ((الدر)) و ((العقد)) فعليك بهما. فصل القاف والذال ق ذ ف: قوله تعالى: ﴿فاقذفيه في اليم﴾ [طه:٣٩] أي ألقيه واطرحيه. والقذف: الرمي قوله تعالى: ﴿قل إن ربي يقذف بالحق﴾ [سبأ:٤٨] قال ابن عرفة: أي يلقي بالحق في قلب من يشاء. وقوله: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل﴾ [الأنبياء:١٨] أي نأتي به عليه فنغلبه به. قوله: ﴿ويقذفون بالغيب من مكان بعيد﴾ [سبأ:٥٣] استعارة لرجمهم بالظنون الكاذبة والأوهام الفاسدة. وأشار بذلك إلى ما كانوا يقولون في حقه عليه الصلاة

стр. 1231

والسلام: هو ساحر وشاعر ومجنون وغير ذلك من أكاذيبهم. والقذف في عرض الناس من ذلك لأنه رمي بالبهتان. وأصل القذف الرمي من بعد، وباعتبار البعد قيل: مكان قذف وقذوف وقذيف كله بمعنى البعيد. واستعير للشتم والسب كما استعير لهما الرمي والرجم في قولهم: رماه بكذا ورجمه به. ومنه ﴿لأرجمنك﴾ [مريم:٤٦] وقد تقدم. وفي الحديث: ((أن ابن عمر كان لا يصلي في مسجد فيه قذاف)) كذا روي وغلطه الأصمعي وقال: بل هو القذف جمع قذفة وهي الشرفات، وكل ما أشرف من رؤوس الجبال فهو القذفات. فصل القاف والراء ق ر أ: قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة:١٨٥] القرآن الكريم هو المنزل من اللوح المحفوظ مع جبريل ﵇ على قلب سيدنا رسول الله ﷺ متلوًا وهو كلام الله كلام نفساني قائم بذاته المقدسة، محفوظ في الصدور، متلو بالألسنة مكتوب في المصاحف، و ((أل)) فيه للعهد. ومنه قيل: هو علم بالغلبة، واشتقاقه من قرأ، أي جمع لأنه مجموع من سور، والسور من آيات، والآيات من كلمات، والكلمات من حروف. وقيل: لأنه جمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والتنبيه وغير ذلك من أنواع الخطاب. وفيه لغتان: الهمز وعدمه، والعامة على الهمز، وقرأه ابن كثير غير مهموز، فقيل: أصله الهمز فخفف بالنقل. وقيل: بل هو من قرن لأنه قد اقترنت فيه الكلمات والسور والآيات، أو الوعد والوعيد والأمر والنهي حسبما تقدم. والقرآن مصدر أيضًا، ومنه ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة:١٧] ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ أي قراءاته وقال الفقهاء: لو حلف لا يقرأ القرآن لا يحنث إلا بقراءة الجميع. وقال الفقهاء: لو قال قرآنًا حنث بما يسمى قرآنًا كأنهم جعلوا ((أل)) للاستغراق. وقال الراغب: القرآن في الأصل نحو كفران ورجحان، وقد خص بالكتاب المنزل على

стр. 1232

محمد ﷺ وصار له كالعلم، كما أن التوراة لما أنزل على موسى، والإنجيل لما أزل على عيسى. وقال بعض العلماء: ليست تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين سائر كتب الله المنزلة لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم كما أشار بقوله: ﴿وتفصيل كل شيء﴾ [يوسف:١١١] ﴿تبيانًا لكل شيء﴾ [النحل:٨٩] قوله: ﴿وقرآن الفجر﴾ [الإسراء:٧٨] قيل: أراد صلاة الصبح وعبر عنها به لاشتمالها عليه، كما سميت تسبيحًا وركوعًا وسجودًا لاشتمالها عليها. قوله: ﴿ثلاثة قروء﴾ [البقرة:٢٢٨] القروء جمع قرء بضم القاف وفتحها. وقيل: القروء جمع للمفتوح والأقراء جمع للمضموم، وهل هما بمعنى واحد؟ والمضموم نفس الدم أو الطهر والمفتوح نفس المصدر؟ وهل إطلاقه على الطهر والحيض بطريق الحقيقة فيكون مشتركًا؟ أو بطريق الحقيقة والمجاز؟ أقوال كثيرة منتشرة ذكرناها وذكرنا دلائلها والاعتراضات عليها والأجوبة عنها في كتابنا المسمى بـ ((القول الوجيز في أحكام الكتاب الغزيز)) ولله الحمد. ولنذكر هنا نبذة من ذلك؛ فقال أهل المدينة: هي الأطهار، وبه قال الشافعي: واستدلوا على ذلك بقول الشاعر، وهو الأعشى: [من الطويل] ١٢٤٦ - مورثة عزًا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقال الكوفيون، وهو قول أبي حنيفة: إنها الحيض، واستدلوا على ذلك بقوله ﵊: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) أي حيضك، ويحكى أن الشافعي تناظر هو أبو عبيدة في ذلك، وكان الشافعي يرى أنها الحيض وأبو عبيدة يعكسه، فانفصلا وكل منهما مدع عكس ما كان عليه لكثرة ما أورد صاحبه عليه من الأدلة. وزاد أصحابنا الشافعية على ذلك فقالوا: لابد أن يكون القرء طهرًا محبوسًا دمين؛ فالمبتدئة لا قرء لها إلا بعد أن ترى الدم. وقيل: الأصل في القرء الوقت فقيل في الحيض قرء وفي الطهر قرء لأنهما يرجعان لوقت معلوم. ويقال: هبت الرياح لقرئها: أي لوقتها. قال مالك بن الحويرث الهذلي: [من الوافر]

стр. 1233

١٢٤٧ - كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقاريها الرياح وقال أنيس أخو أبي ذر الشاعر: ((لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد)) أي على طرقه وأنواعه، للواحد قرء. ويقال: قرأت المرأة: رأت الدم، وأقرأت: صارت ذات قرء، وأقرأت الجارية: استبرأتها بقرء. قال الراغب: القرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر. ولما كان اسمًا جامعًا للأمرين: الحيض والطهر المتعقب له أطلق على كل منهما، لأن كل اسم موضوع لمعنيين معًا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد كالمائدة للخوان وللطعام. ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به. وليس القرء اسمًا للطهر مجردًا ولا للحيض مجردًا بدلالة أن الطاهر التي لم تر الدم لا يقال لها: ذات قرء. وكذا الحائض التي استمر بها الدم والنفساء لا يقال لها ذلك. قال: وقوله: ﴿يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ أي ثلاثة دخول من الطهر في الحيض. وقوله ﵊: ((اقعدي عن الصلاة أيام أقرائك)) أي أيام حيضك، فإنما هو كقول القائل: افعل ذلك أيام ورود فلان، ووروده إنما يكون في ساعة وإن كان ينسب إلى الأيام. وقول أهل اللغة: إن القرء من قرأ أي جمع قارئ إنهم اعتبروا الجمع بين زمن الطهر والحيض بحسب ما ذكرت لاجتماع الدم في الرحم. ويقال: تقرأت كذا أي تفهمت. وقارأت فلانًا: أي دارسته. ق ر ب: قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق:١٦] هذا من باب التمثيل لاقتداره وقهره، وأن العبد في قبضته وسلطانه بحال من ملك حبل وريده أي عرق حلقومه ولا قرب حسيًا، تعالى الله عن الجهة، فقرب الله تعالى من عبده هو الإفضال عليه والفيض. ولهذا روي أن موسى ﵁ قال: إلهي! أقريب فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فأوحى الله تعالى إليه: لو قدرت لك البعد لما انتهيت إليه، ولو قدرت لك القرب لما

стр. 1234

اقتدرت عليه. وقرب العبد من الله تعالى عبارة عن امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومنه الحديث الذي يروى فيه عن ربه : ((ولن يتقرب إلي عبد بمثل أداء ما افترضت، وإنه ليتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه)) الحديث. وقال بعضهم: قرب العبد من الله في تاحقيقة التخصص بكثير من الصفات التي يصح أن يوصف الله بها وإن لم يكن من وصف الإنسان بها على الحد الذي يوصف به تعالى، نحو الحكمة والعلم والرحمة، وذلك يكون بإزالة الأوساخ من الجهل والطيش والحمية والغضب والحاجات البدنية بقدر طاقة البشر، وهذا قرب روحاني لا بدني، وعليه نبه الله تعالى بقوله فيما حكى عنه أمين وحيه ﷺ : ((من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا)) إلى آخره، وقوله ((ما تقرب إلى عبد)) الحديث. والقرب والبعد يتقابلان؛ يقال: قربت منه أقترب قربًا، وقربته أقربه قربانًا وقربًا. ويستعمل ذلك في الزمان نحو قوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر:١]، وفي المكان نحو قوله: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة:٣٥]، والنسبة نحو قوله: ﴿ولو كان ذا قربى﴾ [فاطر:١٨]، والحظوة والمنزلة نحو قوله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها المقربون﴾ [المطففين:٢٨] ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ [الواقعة:٨٨] ﴿أولئك المقربون﴾ [الواقعة:١١]، والرعاية كقوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع﴾ [البقرة:١٨٦]، والقدرة نحو قوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق:١٦] وكذا قوله: ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ [الواقعة:٨٥]. ولذلك قال بعده: ﴿ولكن لا يبصرون﴾ لأنه عنى تعالى بقربه قرب حفظته وملائكته التي وكلهم بتوفي أرواح بني أدم. قوله تعالى: ﴿إذ قربا قربانًا﴾ [المائدة:٢٧]. القربان في الأصل ما يتقرب به إالى

стр. 1235

الباري تعالى، ثم غلب في العرف على النسيكة التي هي الذبيحة، وجمعها قرلبين، ومنه قوله تعالى: ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانًا آلهةً﴾ [الأحقاف:٢٨]. ولنا في الآية كلام حسن أتقناه في ((الدر المصون)). قوله: ﴿ألا إنها قربة لهم﴾ [التوبة:٩٩]. القربة هنا الحظوة عند الله والمنزلة الرفيعة. قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الأنعام:١٥٢] هذا أبلغ من النهي عن أكله وتناوله، لأنه إذا نهى أن يقرب منه، فالنهي عن تناوله من باب أولى وأحرى، وهو في المعنى كقوله: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ [النور:٤٠] إلا أن هذا في حيز نفي المقاربة. قول: ﴿يتيمًا ذا مقربة﴾ [البلد:١٥] أي قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي وقلما يقال: فلان قرابتي. قوله: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق:١٩] الخطاب في الفعلين ظاهرة للرسول ﷺ ، وقيل: الخطاب في ((اسجد)) له ﵊ وفي ((اقترب)) لأبي جهل لعنه الله، وذلك أن أبا جهل لعن بوعده ﵊ بأنه إذا سجد وطئ عنقه الكريم، فأمر بذلك أمر تهديد، وذلك أنه لما هم بذلك رأى فحلًا عظيمًا، والمعنى: إن اقتربت هلكت وأخذت، واستأنسواله بقوله تعالى: ﴿أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى﴾ [العلق:٩ - ١٠]. قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة:٢٢٢] كناية عن الغشيان والوطء، وهو في المبالغة كقوله: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الأنعام:١٥٢]. والقراب بالضم المقاربة، وأنشد: [من الطويل] ١٢٤٨ - فإن قراب البطن يكفيك ملؤه

стр. 1236

والقراب بالكسر قراب السيف، وقيل: هو الغمد نفسه، وقيل: بل جلد فوق الغمد، وقيل: هو جراب أو يشبه الجراب يطرح الراكب ((إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة)) أي ما يقارب ملأها بكسر القاف وإلا شبه الضم على ما مر. وقراب السيف يجمع على قرب نحو حمار وحمر. والأقراب: الخواصر، ومنه فرس لاحق الأقراب، وأنشد لرؤبة: [من الرجز] ١٢٤٩ - لواحق الأقراب فيها كالمقق والتقريب: ضرب من السير سمي بذلك لقربه من العدو. وأقربت السيف وقربته: جعلته في قراب. وأقربوا إبلهم: أدنوها من الماء. والمقرب: الحامل دنت ولادتها. وفلان قارب: قرب من الماء. وفي حديث المولد: ((فخرج عبد الله متقربًا متخصرًا)) أي واضعًا يده على قربه أي خاصرته، قال أبو سعيد: يقول الرجل لصاحبه إذا استحثه: تقرب، وأنشد لمرة بن همام: [من الكامل] ١٢٥٠ - يا صاحبي ترحلا وتقربا ... فلقد أنى لمسافر أن يطربا وفي الحديث: ((ثلاث لعينات: رجل عور طريق المقربة)) قال أبو عمرو: المقربة: المنزل، وأصله من القرب، وهو سير الإبل، وأنشد للراعي. [من الكامل] ١٢٥١ - يحدون حدبًا مائلًا إشرافها ... في كل مقربة يدعن رعيلا ق ر ح: قوله تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ [آل عمران:١٤٠]

стр. 1237

قرئ بفتح القاف وضمها، فقيل: المفتوح مصدر والمضموم ألم الجراحات. وقال آخرون: المفتوح الأثر من الجراحة من شيءٍ يصيبه من خارجٍ، والمضموم أثرها من داخلٍ كالبثرة. قرحته مثل جرحته وزنًا ومعنيً. وقرح: خرج به قرحٌ. وقرح قلبه وأقرحه الله. والقرحان: الرجل الذي لم يصيبه الجدري، وفي الحديث: ((إن من معك من أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم قرحان)) من الأضداد. يقال: رجلٌ قرحانٌ للذي لم يمسه القرح ولا الجدري ولا الحصبة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد وغيره، يقال: امرأةٌ قرحانٌ، ورجلان قرحانٌ، ومنهم من يقول: قرحانان وقرحانون ليطابق. ق ر د: قوله تعالي: ﴿كونوا قردةً﴾ [البقرة: ٦٥] القردة جمع قردٍ، وهو هذا الحيوان المعروف، قيل: جعلوا مثل صور القردة حقيقةً، وقيل: بل في أخلاقها وفسادها، وذلك أن القرد أخبث حيوانٍ وأفسده. قوله: ﴿وجعل منهم القردة والخنازير﴾ [المائدة: ٦٠] أي في صورها، قيل مسخ الشبان قردةً والشيوخ خنازير. والخنزير أقذر شيءٍ في الحيوان وأخبثها منظرًا، ويجمع علي قرودٍ وهو القياس، نحو حملٍ وحمولٍ، وعلي قردة وليس بقياسٍ بل سمع ذلك فيه وفي حسل وحسلةٍ. والمادة تدل علي اللزوم واللصوق. ومنه اشتق القراد، يقال إنه يلزم الأرض عشرين سنةً، وهو جمع قردانٍ، كذا قال الراغب، والظاهر العكس، أعني أن تكون قردانٌ جمع قرادٍ، نحو غلمانٍ جمع غلامٍ، وغربانٍ جمع غراب. والصوف القرد: المتداخل بعضه في بعضٍ، ومنه سحابٌ قردٌ: أي متبلدٌ متكاثفٌ. وأقرد بمكان كذا: أي لصق بالأرض لصوق القراد. وقرد: سكن سكونه، وفي المثل: ((أسمع من قرادٍ))، يقال: إنه يسمع مواسم الإبل من مسيرة أيامٍ. وقردت البعير: أزلت

стр. 1238

قراده، نحو قذيته ومرضته. ويستعار ذلك للمداراة المتواصل بها إلي خديعةٍ، فيقال: فلانٌ يقرد فلانًا. وتسمي حلمة الثدي قرادًا كما تسمي حلمةً علي التشبيه بالهيئة. وفي حديث عائشة ﵂ قالت: ((كان لنا وحشٌ فإذا خرج صلي الله عليه وسلم أسعرنا قفزًا أي وثبًا فإذا حضر مجيئه أقرد))، أي ذل وسكن. أسعرنا: آذانا. وقال صلي الله عليه وسلم: ((إياكم والإقراد، قالوا: يا رسول الله وما الإقراد؟ قال: الرجل يكون منكم أميرًا، فيأتيه المسكين والأرملة فيقول لهم: مكانكم حتى أنظر في حوائجكم، ويأتيه الغني فيقول: عجلوا قضاء حاجته)). وعن ثعلب: أجرد سكت حياءً، وأقرد: سكت ذلًا، قيل: وأصله من قردت البعير لأنه إذا فعل به ذلك ذل وسكن. والقرداء: رداء الصوف. والقردد: الرابية من الأرض. وقردودة الظهر: ما ارتفع منه. والقردة: قطعة من نسل وبر البعير، وفي الحديث: ((تناول قردةً من وبر البعير)). ق ر ر: قوله تعالي: ﴿ولكم في الأرض مستقرٌ﴾ [البقرة: ٣٦] أي قرارٌ وثبوتٌ. قوله تعالي: ﴿جعل لكم الأرض قرارًا﴾ [غافر: ٦٤] أي ذات قرارٍ، وقيل: معناه مستقرًا، وقال في الجنة والنار لفظ ﴿القرار﴾، وقال: ﴿ربوةٍ ذات قرارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] و ﴿فبئس القرار﴾ [ص: ٦٠] وقوله: ﴿ما لها من قرار﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي ثباتٍ. قوله: ﴿فمستقرٌ ومستودعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] قرئ بفتح القاف علي أنه اسم مكانٍ أو مصدرٌ، وبكسرها علي تقدير فمنكم مستقر في الأصلاب. ولم يقرأ إلا بفتح الدال لفساد الكسر فيه. والقرار مصدرٌ لقر يقر في مكان كذا قرارًا أي ثبت ثبوتًا جامدًا، وأصله من القر وهو

стр. 1239

البرد من حيث إن البرد يقتضي السكون كما أن الحر يقتضي الحركة. وقرت عينه تقر أي بردت، يكني بذلك عن السرور، وفي ضده: سخنت وذلك أن دمعة الفرح قارة، ودمعة الترح جارة، فالماضي مكسور العين والمضارع مفتوحها. وقررت بمكان كذا، عكسه. وقرئ قوله تعالي: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٣] بفتح القاف وكسرها، فالكسر واضحٌ وأصله ((اقررن)) كاضربن فالتقي التضعيف والكسر فحذف أحد المثلين المتحرك تخفيفًا، ومثله ((ظلت)) أصله ((ظللت)) إلا أنه يجوز هنا فتح الفاء وكسرها بعد الحذف نحو: ظلت وظلت إلا أنه لم يقرأ قوله: ﴿فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة: ٦٥] إلا بالفتح لأنه الأصل. وقيل: من وقر يقر نحو وعد يعد. وأما الفتح فقيل: هو من قر بالمكان يقربه بالفتح في المضارع. وفيه نظرٌ لأنه لا مسوغ للحذف لخفة الفتح، والأولي أن يجعل من قار يقار أي اجتمع، فيكون مثل خفي من الخوف، وقد أتقنا هذا في غير هذا، وقال النابغة الذبياني: [من البسيط]. ١٢٥٢ - أنبئت أن أبا قابوس أو عدني ... ولا قرار علي زارٍ من الأسد. أي ولا أمن ولا ثبات ولا استقرار. ويوم القر: يومٌ من أيام النحر، لاستقرار الناس فيه بمني. كذا قال الراغب. وقال غيره: هو غد يوم النحر وهو الظاهر، نص عليه الهروي. واستقر فلانٌ: تحري القرار. وقد يستعمل في مكان قر كاستجاب وأجاب، وقال تعالي في الجنة: ﴿خيرٌ مستقرًا﴾ [الفرقان: ٢٤] وفي النار ﴿ساءت مستقرًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. وقال ابن عباسٍ في قوله تعالي: ﴿فمستقرٌ ومستودعٌ﴾ مستقرٌ في الأرض ومستودعٌ في الأصلاب. وقال ابن مسعودٍ: مستقرٌ في الأرض ومستودعٌ في القبور. الحسن: مستقرٌ في الآخرة ومستودعٌ في الدنيا. قال بعضهم: جملة الأمر أن كل حالةٍ ينقل عنها الإنسان فليس بالمستقر التام.

стр. 1240

قوله: ﴿ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ [هود: ٦] أي مأواها علي ظهر الأرض ومستودعها في الأرحام. قوله: ﴿وآوايناهما إلي ربوةٍ ذات قرارٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] القرار: المكان المطمئن الذي يستقر فيه الماء، ومنه قيل للروضة المنخفضة قرارٌ، وأنشد لعنترة: [من الكامل]. ١٢٥٣ - جادت عليها كل عينٍ ثرةٍ ... فتركن كل قرارةٍ كالدرهم. وقال ابن عباس ﵄، وذكر فضل علم شيخه أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ ﵁: ((علمي إلي علمه كالقرارة في المثعنجر)) يريد كالغدير في البحر. قوله: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعينٍ﴾ [الفرقان: ٧٤] أي ما تقر به عيوننا وهو أن يعملوا بعملنا الصالح فيكونوا معنا. وأقر الله عينه: أنامها من ذلك، لأن الفرح ينام والمحزون يسهر. وفي حديث أم زرعٍ: ((لا حر ولا قر)) هذا مبالغةٌ، أو علي حذف مضافٍ، أي هو لا ذو حر ولا ذو قر. والقر بالفتح ترديد الكلام في أذن الأبكم ليفهمه. ومنه حديث عائشة ﵂ عن النبي صلي الله عليه وسلم: ((تنزل الملائكة في العبادة أي السحاب فيتحدثون بما علموا به مما لم ينزل من الأمر، فيأتي الشيطان فيتسمع فيسمع الكلمة، فيأتي بها إلي الكاهن، فيقرها في أذنه كما تقر القارورة إذا أفرغ فيها، فيزيد فيها مئة كذبةٍ))، وروي أيضًا ((كقر الدجاجة)) أي صوتها إذا قطعته، يقال: قرت الدجاجة تقر قرًا وقريرًا، فإن رددته قلت: قرقرت قرقرة وقريرًا. وفي المثل: ((حرةٌ تحت قرةٍ)) يضرب لمن يظهر أمرًا ويخفي غيره. وقال عمر لأبي مسعود البدري ﵄ ((إنك تفتي، ول حارها من تولي قارها))، قال

стр. 1241

شمرٌ: معناه يتولي شديدها من يتولي هينها. قال ابن الأعرابي: يقال: حر يومنا فهو حار، وقر يومنا فهو قر، ولا أقول قارٌ، وفي المثل: ((وقعت بقرك)) وأصله أنهم يقولون لمن أدرك ثأره أي أصاب قلبك مطلوبه فقر، إما بمعني ثبت واستكن من قلقه، وإما من القر والبرودة. وفي شعر الشماخ: [من البسيط]. ١٢٥٤ - كأنها وابن أيامٍ تؤبنه ... من قرة العين مجتابًا ديابود. أي من طيب مرتعهما ورضاهما. وفي الحديث أنه قال لأنجشة وهو يحدو بالنساء: ((رفقًا بالقوارير)) شبه النساء بالقوارير من الزجاج لضعف عزائمهن، والقوارير أقرب شيء إلي الكسر فخاف ﵊ من حصول الفتنة لهن، لأنه روي أن أنجشة كان يشبب في حداثته. قال الهروي: والظاهر أنه أراد بالقوارير نفس الإبل شبهت بذلك لضعفها، وأن الحداء إذا سمعته جهدت أنفسها في السير فتهلك. والقرقرة: الضحك العالي، وهي أيضًا فروة الوجه، وفي الحديث: ((إذا قرب منه المهل سقطت قرقرة وجهه)). وفي الحديث: ((ركبوا القراقير)) وهي جمع قرقورٍ، وهو السفينة الصغيرة، وفي الحديث: ((بطح لها يوم القيامة بقاعٍ قرقرٍ)) أي مستوٍ، وفي روايةٍ: ((بقاعٍ قرقٍ)) وهو بمعناه. وأنشد قول الشاعر: [من الرجز]. ١٢٥٥ - كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوارٍ يتعاطين الورق. وفي حديث البرق: ((أنه استصعب ثم ارفض وأقر)) أي ذل وانقاد.

стр. 1242

ق ر ش: قوله تعالي: ﴿لإيلاف قريشٍ﴾ [قريش: ١] قريشٌ قبيلةٌ هي أشرف القبائل، وقريشٌ بنو النضير بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. فكل من كان من ولد النضر فهو قريشي دون ولد كنانة ومن فوقه. واشتقاقه قيل من التقرش وهو التجمع، يقال: تقرشوا أي تجمعوا. التقريش مثل التحريش عن أبي عبيدة. وقيل: من الكسب، يقال: تقرش أي تكسب، وكانت قريشٌ قومًا تجارًا مكتسبين. والتقارش: التداخل أيضًا، ومنه تقارشت الرماح في الحرب أي تداخلت. والإقراش: السعي بالإنسان والوقوع فيه، ومنه: أقرش بفلانٍ، وقيل: هو دابةٌ في البحر، وعن ابن عباسٍ وقد سأله معاوية أو عمر ﵃ عن ذلك فقال: هي دابة عظيمةٌ في البحر تعلوا ولا تعلي وتأكل ولا تؤكل. وقياس النسب إليه قريشي بالتكميل، ولكن المشهور في الاستعمال قريشي بالحذف، ويجوز صرفه باعتبار الحي كقوله: [من البسيط]. ١٢٥٦ - حاشا قريشًا فإن الله فضلهم ... علي البرية بالإسلام والدين. ومنعه باعتبار القبيلة كقوله: ١٢٥٧ - ((قريش المعضلات ....)) في أحد وجهيه من التخريج والوجه الآخر أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين كقراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] وقوله: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. ق ر ط س: قوله تعالي: ﴿ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] القرطاس ما

стр. 1243

يكتب فيه كالرق والكاغد ونحوها، لا كالخشبة والحجر وإن كان يكتب فيه، ولذلك قال ابن عرفة: العرب تسمي الصحيفة قرطاسًا من أي شيءٍ كانت، فأجد في مسماه الصحيفة وهي مختصةٌ بما يطوي وينشر. والقرطاس أيضًا ما يصيبه السهم، والجمع قراطيس، ويغلب في قافه لغةٌ شاذةٌ بالضم. ق ر ض: قوله تعالي: ﴿وأقرضوا الله قرضًا حسنًا﴾ [الحديد: ١٨] القرض في الأصل القطع، ومنه: قرض الفأر الثوب، وقرضت الخشبة. والقرض: الدين المعروف وهو إعطاء الشيء ورد بدله صورةٍ كما في الحديث: ((اقترض بازلًا ورد باكرًا)). وأقرضه: أعطاه قرضًا. واستقرضه: سأله القرض. واقترض: فعل ذلك، والمشهور فتح قافه ويجوز كسرها وهو مصدرٌ. قوله تعالي: ﴿وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ [الكهف: ١٧] أي تقطعهم وتجاوز مكانهم إلي أحد الجانبين فسمي قطع المكان وتجاوزه قرضًا مجازًا واتساعًا. قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] مرادًا به الصدقة واجبها ومندوبها. وسماه قرضًا تكرمًا منه وتطيبًا للمتصدقين، وأن ما يعطونه من الصدقة عل الوجه المطلوب وهو المراد بقوله ((حسنًا)) لابد أن يرجع إليهم بدله وأنه لا يضيع علي ما يتعارفونه فيما بينهم، وقيل: لأنه أفضل من الصدقة فعبر به دونها. و ((قرضًا)) في الآية مصدرٌ علي حذف الزوائد كقوله: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ [نوح: ١٧]. والمقارضة والمفاوضة في الشعر. والقريض: الشعر، فعيل بمعني مفعول لأنه يقطع من الكلام فيجعل نوعًا برأسه. ومنه: ((جال الجريض دون القريض)) أي حال الموت

стр. 1244

وغصصه، وقيل: استعير القرض للشعر استعارة الحوك والنسج له. والمقرض والمقراض: آلة القرض كالمفتح والمفتاح. ق ر ع: قوله تعالي: ﴿القارعة ما القارعة﴾ [١ - ٢] هي القيامة لأنها تقرع الخلائق: أي تصيبهم بشدائدها. وأصل القرع ضرب شيءٍ علي شيءٍ. والمقرعة: آلة القرع. قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ [الرعد: ٣١] أي داهيةٌ تفجؤهم وقيل: سرية من سرايا الرسول صلي الله عليه وسلم. وفي الحديث: ((لما أتي عل محسرٍ قرع راحلته)) أي ضربها بسوطه. وقوارع القرآن: آياته التي يزجر بها من قرأها. وقيل: هي التي من قرأها أمن من الشيطان، كأنها تقرع الشيطان. والأقرع: الذي لا شعر له، والأفرع عكسه. وفي حديث منع الصدقة: ((يجئ كنز أحدهم شجاعًا أقرع)) أي حيةً قد تمعط شعر رأسها لكثرة سمها. والقرعة: التساهم لأن القارع يصيب نصيبه أو يصيبه نصيبه. والاقتراع: افتعالٌ من ذلك. وتصور من قرع الرأس قرع الدار أي خلوها. وتقول العرب: نعوذ بالله من قرع الفناء وصفر الإناء: أي خلو الدار من قطانها. وفي الحديث: ((لا تحدثوا في القرع فإنه مصلي الخافين)). قال ابن قتيبة: هو أن يخلو موضعٌ من الكلأ ليس فيه نبتٌ. والخافون: الجن، نهاهم عن ذلك لئلا يتأذي إخوانهم الجن المصلون. ق ر ف: قوله تعالي: ﴿ومن يقترف حسنة﴾ [الشورى: ٢٣] أي يكتسب. والاقتراف:

стр. 1245

الاكتساب. وأصل القرف والاقتراف قشر اللحاء عن الشجرة والجلدة عن الجرح، وذلك الشيء المأخوذ قرفٌ ثم استعير الاقتراف للاكتساب حسنًا كان أو سيئًا إلا أنه في السوء أغلب ولذلك قيل: الاعتراف يزيل الاقتراف. وقرفت فلانًا بكذا: اتهمته به أو عبته به قوله: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٣] أي ليكسبوا، وقيل: المعني ليعملوا ما هم عاملون من الذنوب. يقال: قرف الذنب واقترفه أي عمله. وهي لام الأمر وهو تهكم بهم، وقيل: لام كي. وقارفت الأمر: أي تعاطيت ما أعاب به. وقارفت الأمر: قاربته ولاصقته. والإقراف في الخيل: ملاصقة العيوب إليها. وقيل: قارفت الأمر: أي تعاطيت به ما أعاب به. والمقرف: الهجين من الخيل. وقيل: المقرف: ما كان من قبل الآباء، والهجين: ما كان من قبل الأمهات، ومنه قوله: [من الرمل]. ١٢٥٨ - كم بجودٍ مقرفٍ نال العلي ... وكريمٍ بخله قد وضعه. وفلانٌ قرفني: أي أتهمه. وفي الحديث أنه سئل عن أرضٍ وبيئةٍ فقال: ((دعها فإن من القرف التلف)). القرف: مداناة المرض، وفي آخر: أراك أحمر قرفًا ((أي شديد الحمرة. كأنه قشر: وضع ثوبه بقرف السدر أي بقشره. ق ر ن: قوله تعالي: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ﴾ [مريم: ٩٨] القرن: الجماعة المقترنون في وقتٍ واحدٍ. وقيل: كل طبقةٍ في وقتٍ اقترنت في زمانٍ. وقيل: كل طبقةٍ بعث فيها نبي، وقيل: القرن: المدة، واختلف في قدرها، فقيل: ثمانون سنةً، وقيل: أربعون، وقيل مئةٌ، واستدل للأربعين بقول النابغة الجعدي: [من المتقارب].

стр. 1246

١٢٥٩ - ثالثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو القرن واستدل للآخر بما ثبت في الصحيح ((أنه مسح برأس غلام وقال: عش قرنا. فعاش مئة))، وقال الأعرابي: القرن: الوقت. وقال غيره: يقال له قرن لأنه يقرن أمة بأمة وعالما بعالم. وهو في الأصل مصدر قرنت أقرن. ثم جعل اسما للوقت أو لأهله، قال الشاعر: [من البسيط] ١٢٦٠ - تلك القرون ورثنا الأرض بعدهم ... فما يحس عليها منهم أرم قوله تعالى: ﴿أو جاء معه الملائكة مقرنينَ﴾ [الزخرف:٥٣] أي مزدوجين ومجتمعين من: قرنت البعير بالبعير في قرن. والقرن: الحبل. وأنشد: [من البسيط] ١٢٦١ - وابن اللبون إذا ما لذ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس قوله: ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ [ص:٣٨] من ذلك: أي مجتمعين في قرن مقيدين، فالتشديد فيه للتكثير. وفلان قرن فلان إما في الولادة وإما في القوة والجلادة وفي غيرها من الأحوال، وهو قرينه أيضا. قوله تعالى: ﴿وقال قرينه﴾ [ق:٢٣] قيل: هو المقيض له من الشياطين لقوله تعالى: ﴿نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ [الزخرف:٣٦]. والقرون: النفس لكونها مقترنة بالجسم. والقرون-أيضا- الناقة التي يدنو أحد خلفيها من الآخر. وقرن الشاه والبقرة معروف. وشاة قرناء: عظيمة القرن، وكبش أقرن: مثله. والقرن في المرأة: منع وطئها لعظم في فرجها يمنع من ذلك، ومنه امرأة قرناء. قال

стр. 1247

بعضهم: ((سمي عقل المرأة قرنا تشبيها بالقرن في الهيئة. وتأذى عضو الرجل بمباضعتها كالتأذي بالقرن)) قلت: العفل والعفلة: شيء يخرج من فرج المرأة وحياء الناقة شبه الأدرة التي في الرجل. وقرن الجبل: ما نتأ منه. وقرن -بالتحريك- قبيلة مشهورة، وإليها نسب أويس القرني الذي وصى به النبي ﷺ . وأما قرن -بالتسكين- فموضع يحرم منه الحاج يقال له قرن المنازل. وغلط بعضهم ففتح راءه وجعل أويسا منسوبا إليه. وسميت ذؤابة المرأة قرنا تشبيها بذلك. وقرن الشمس: حاجبها، وقرن الشيطان على التشبيه. وفي الحديث: ((الشمس تطلع بين قرني الشيطان)) قيل: ناحيتا رأسه، وقيل: معناه تطلع حين قوة الشيطان. والقرن: القوة، قال إبراهيم الحربي: هذا مثل يقوله حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها، ولذلك قوله: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)) وليس معناه أنه يدخل في جوفه. ((والنهى عن القران في التمر)) الجمع بين تمرتين في الأكل. والقران في الحج:

стр. 1248

الجمع بين النسكين بشروط مذكورة في كتب الفقه. وقرن الهامة: حافتها. وقرن الفلاة: حرفها. قوله: ﴿وما كنا له مقرنين﴾ [الزخرف:١٣] أي مطيقين مقتدرين، من أقرن له الأمر: إذا قوى عليه، من قوله فلان قرن فلان أي له من القوة مثل ما لصاحبه. قوله: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف:٨٣] هو الأسكندر بن داري، وهي تسميته بذلك خلاف؛ فقيل: لأنه كان له ضفيرتان من الشعر. وقيل: لأنه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات ثم أحياه الله تعالى. وحكى علي- رضى الله عنه- قصته كذا ثم قال: ((وفيكم مثله)) قالوا: فنرى أن يكون عني نفسه لأنه ضرب ضربتين: ضربة يوم الخندق، وضربه ثانيا ابن ملجم لعنه الله، وقال له النبي ﷺ : ((إن لك بيتا في الجنة وإنك ذو قرنيها)) أي طرفي الجنة، وقال أبو عبيد: أحسب أنه أراد [ذو قرني الأمة، فأضمر. وقيل: أراد] الحسن والحسين. والقرن: البدعة، وفي حديث خباب: ((هذا قرن قد طلع)) يعني بدعة لم تكن على عهده ﷺ ، وقيل أراد قوما أحداثا نبغوا بعد أن لم يكونوا. وقرنا البئر: عمودان عن يمينها ويسارها يسقى عليهما. والقرن في الحاجبين: التقاؤهما ضد البلج. وفي صفته ﵊: ((سوابغ في غير قرن)) وهذا

стр. 1249

خلاف ما روت أم معبد ﵂. ق ر ي: قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف:٨٢] قيل هي اسم للمكان الذي يجتمع فيه الناس، وللناس جميعا، ثم يستعمل في كل واحد منهما، قاله الراغب. قلت: وعلى هذا فكون القرية اسما للمكان وحده أو الناس وحدهم مجازا واشتقاقها من القري وهو الجمع. أي يقال: قريت الماء في الحوض، أي جمعته. ومنه: المقري والمقراة، وهي مجتمع الماء وفي الحديث: ((أتى إلى مقري بستان فتوضأ)). قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ قيل: هو على حذف مضاف أي أهلها، وقيل: بل القرية نفسها مسؤولة. وساغ ذلك لأن السائل يجوز أن تجيبه الأحجار وما معها، فيكون حقيقة. وقيل: نسب السؤال للقرية والمراد أهلها، والعلاقة المجاورة؛ فالأول مجاز الحذف، والثالني من مجاز العلاقة. والأصوليون يقولون: إذا تعارض المجاز والإضمار فالمجاز أولى. وقيل: مستويان، وهو تسامح منهم لأن الإضمار مجاز. قوله: ﴿واسألهم عن القرية﴾ [الأعراف:١٦٣] هي أيلة قوله: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف:٣١] هما مكة والطائف. وقوله: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة﴾ [النحل:١١٢] يجوز أن يكون عبر بالقرية عن القوم، وأن يكون أراد الحذف. قوله: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ [هود:١١٧]

стр. 1250

فالقُرى هنا اسم للمدن فقط. ودخل بعض القضاة على علي بن الحسن ﵄ فقال: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة﴾ [سبأ:١٨] ما يقول فيه علماؤكم؟ فقال: يقولون مكة. فقال: وهل رأيت؟ فقال: ما هي؟ فقل: إنما عني الرجال. قال: فقلت: فأين ذلك في كتاب الله تعالى؟ فقال: أولم تسمع قوله تعالى: ﴿وكأي من قرية عتت عن أمر ربها﴾ [الطلاق:٨]. وقريت الماء جمعته قربا. وقريت الضيف قرى. وقريان الماء: مجتمعه. والاستقراء: التتبع والاستقصاء، وفي الحديث: ((فخرج يستقرى الرفاق)). وفي الحديث: ((أمرت بقرية تأكل القرى)) يعني: أمرت بالهجرة إلى المدينة، ومعنى أكلها القرى ما يفتح الله على أيديهم من الغنائم، وهو من أحسن المجاز. فصل القاف والسين ق س س: قوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ [المائدة:٨٢] القسيس: العالم المتعبد من رؤوس النصارى، وقيل: بل هو رئيس النصارى، ومثله القس. وجمع القس قسوس، والقسيس قسيسون وقساوسة وقسوس، وهما على غير قياس. والقس في اللغة تتبع الخبر، وقيل: تتبع الشيء وطلبه باليل، وبين العبارتين عموم وخصوص من وجه؛ يقال: تقسست أصواتهم باليل أي تتبعتها. والقسقاس والقسقس: الدليل باليل. والقسقاسة: التحريك، وفي الحديث: أن فلانة خطبها أبو جهم ومعاوية، فقال لها ﷺ : ((وأما أبو جهم فأخاف عليك قسقاسته)) أي تحريكه إياها عند الضرب. وقسقس الرجل في مشيته: أي أسرع. وما زال يقسقس ليلته، أي إذا أسرع.

стр. 1251

وأنشد: [من الرجز] ١٢٦٢ - كأنها وقد براها الإخماس ... وأدلج الليل وهاد قسقاس قيل: وكان القياس قسقسته دون ألف، وإنما زيدت كيلا تتوالى الحركات، وفسر أبو زيد القسقاسة بالعصا، وهو الظاهر المراد في الحديث. وقيل: عنى ﵇ بذلك كثرة أسفاره. وروى على ﵁ وعن النبي ﵊ ((أنه نهى عن لبس القسي)) قيل: من ثياب مصر فيها حرير نسبة إلى القس وهو موضع. وقال شمر: قال بعضهم: أصله القزي فأبدلت الزاي سينا. ق س ور: قوله تعالى: ﴿فؤت من قسورة﴾. القسورة: الأسد ووزنة فعولة، اشتقاقا من القسر وهو القهر. وقيل: القسورة: الصيادون؛ شبههم بحمر وحشية، وهي أنفر الصيد. ثم لم يكتف بذلك حتى وصفها بالفرار، ثم لم يكتف بذلك حتى بين سبب الفرار من أشد الحيوان بأسا وهو الأسد. ويقال: قسرته واقتسرته، أي غلبته وقهرته. ق س ط: قوله تعالى: ﴿قائما بالقسط﴾ [آل عمران:١٨]. القسط: العدل: وقيل: النصيب بالعدل كالنصف والنصفة. والقسط -بالفتح- هو أن يأخذ قسط غيره، وهذا جور. والإقساط: أن يعطي قسط غيره، وذلك إنصاف؛ قال الراغب: ولذلك يقال: قسط الرجل: إذا جار. وأقسط: إذال عدل. قال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن:١٥]، وقال: ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:٩].

стр. 1252

ويحكى أن الحجاج الخبيث قال لسعيد بن جبير في حكاية طويلة: ما تقول في؟ فقال: أقول إنك قاسط عادل. فأعجب الحاضرين، فقال الحجاج: ما أبلدكم! جعلني كافرًا جائرًا، وتلا قوله: ﴿وأما القاسطون فكان لجهنم حطبًا﴾ ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام:١]. قوله: ﴿ونضع الموازين القسط﴾ [الأنبياء:٤٧] أي ذوات القسط، أو جعلها نفس القسط مبالغة. و ﴿القسطاس﴾ [الإسراء:٣٥] قيل: هو القسط فزيد فيه وجعل اسمًا للمزادة لأن به يحصل العدل. وفي قاف القسطاس لغتان: ضمها وكسرها، وقرئ بهما في السبع. وقيل: هو رومي فعرب. والقسط- أيضًا- الإناء الذي يتوضأ منه، قيل: هو نصف طاع، وفي الحديث، ((إن النساء من أسفه السفهاء إلا صاحبة القسط والسراج)) قيل: أراد إلا التي بأن تقدم له وضوءه وتقوم على رأسه بالسراج تضيء عليه به. ق س م: قوله تعالى: ﴿وأن تستقيموا بالأزلام﴾ [المائدة:٣] أي وحرم عليكم استقسامكم بالقداح، وقد مر تفسيرها. والمعنى طلب معرفة ما قسم للإنسان من خير أو شر، نفع أو ضر، حياة أو موت، ظفر أو خذلان، كما كانت الجاهلية وأكثر الجهلة يفعلونه. وقال أبو سعيد الضرير: يقال تركت فلانًا يستقسم أي يفكر، ويروي بين أمرين. قوله تعالى: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾ [الحجر:٩]. قال ابن عرفة: هم الذين تقاسموا وتحالفوا على كيد الرسول ﷺ . وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى. قيل: واستعمال القسم بمعنى الحلف أصله من القسامة، وهي أيمان تقسم على أولياء المقتول، ثم صار اسمًا لكل حلف. قوله: ﴿فالمقسمات أمرًا﴾ [الذاريات:٤] يعني الملائكة لأنها تقسم أي تفرق أمور العالم من الأرزاق والآجال والسعادة والشقاء. قوله: ﴿وقاسمهما﴾ [الأعراف:٢١] أي حلف لهما. فالمفاعلة بمعنى الفعل. وقيل: حلف لهما أنه لهما من

стр. 1253

الناصحين وحلفا له أنهما لمن القابلين أمره ونصحه. وفلان قسيم الوجه أي صبيحه، والقسامة: الحسن، وأصله من القسم كأنما أوتي كل موضع نصيبه من الحسن فلم يتفاوت. وقيل: لأنه يقسم بحسنه الطرف فلا يثبت في موضع. قال الشاعر: [من الطويل] ١٢٦٣ - ويومًا توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطوا إلى وراق السلم قلت: كان من حقه على المعنى الثاني أن تكسر سينه لأنه فاعل لذلك. والبيت يروى ((ظبية)) بالحركات الثلاث، وكل منها ضرورة بينتها في غير هذا الموضع. وتقسم قلبه، أي تفرق من الهم وتوزع خاطره. والقسم بالفتح مصدر قسمت الشيْ، وبالكسر اسم لذلك المقسوم. وفي حديث أمير المؤمنين علي ﵁: ((أنا قسيم النار)) قال القتيبي: يعني أن الناس فريقان؛ فريق معي؛ فهم في الجنة، وفريق علي؛ فهم على ضلال كالخوارج. فقسيم في معنى مقاسم كالجليس والشريب بمعنى مجالس ومشارب، وأنشد: [من الطويل] ١٢٦٤ - عليه شريب وادع لين العصا ... يساجلها حماته وتساجله والقسامة- بالضم- الصدقة، ومنه الحديث: ((مثل الذي يأكل القسامة)) وفي آخر ((إياكم)). ويقال لحر الوجه قسمة. وأنشد: [من الطويل] ١٢٦٥ - كأن دنانيرًا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء

стр. 1254

ق س و: قوله تعالى: ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ [المائدة:١٣]. القسوة: غلظ القلب وصلابته وخلوه من الرحمة، وضده اللين. يقال: قسا قلبه يقسو. وقسا الحديد: صلب وقال الراغب: القسوة غلظ القلب وأصله من حجر قاس. والمقاساة: معالجة ذلك. وقرئ ﴿قلوبهم قاسية﴾ اسم فاعل من قسا يقسو، وقرئ ((قسية)) من قولهم درهم قسي، وهو ما فيه غش؛ فإن الخالص من الفضة والذهب لين، والمغشوش منها صلب يتعب عند عمله. وعن ابن مسعود: ((كانت زيوفًا وقسيانًا)) قال أبو عبيد: واحد القسيان. درهم قسي مخفف السين مشدد الياء مثل شقي. قال الهروي: كأنه إعراب قاس، ومنه الحديث الآخر: ((ما يسرني دين الذي يأتي العراف بدرهم قسي)) انتهى. يعني أنه معرب من مادة ((ق س)) وفيه نظر. وعن الشعبي أنه قال لفلان: ((يأتينا بهذه الأحاديث قسية وتأخذها منا طازجة)) أي رديئة وتأخذها منا خالصة، وهو إعراب تاره. فصل القاف والشين ق ش ع: قوله تعالى: ﴿مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم﴾ [الزمر:٢٣] الاقشعرار أن يلحق الجسم قشعريرة، وهي الرعدة النافضة للجسم من تذكر شيء مهيب أو هجومه. ويكون ذلك في الفرح والترح، ووزن اقشعر افعلل. والمصدر الاقشعرار، والاسم القشعريرة فهو مقشعر ومقشعر منه.

стр. 1255

فصل القاف والصاد ق ص د: قوله تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد﴾ [فاطر:٣٢]. المقتصد: المستوي الحال بين الحالين، ولذلك قال تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾؛ فالمقتصد بين الظالم والسابق. وأصل القصد استقامة الطريق، وقصدت قصده: نحوت نحوه، زمنه الاقتصاد وهو على نوعين: الأول محمود مطلقًا وذلك فيما له طرفان: إفراط وتفريط، كالجود فإنه بين الإسراف والتقتير، وكالشجاعة فإنها بين الجبن والتهور وإلى هذا النحو من الاقتصاد أشار بقوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان:٦٧]. والثاني يكنى عما يتردد بين المحمود والمذموم، وهو فيما يقع بين محمود ومذموم كالواقع بين الجور والعدل، والبعيد والقريب، وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾. قوله: ﴿لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا﴾ [التوبة:٤٢] أي متوسطًا بين القرب والبعد، فهو غير متناهي الطرفين طولًا وقصرًا. وهذا مراد من فسره بقوله سفرًا قريبًا، والتحقيق ما قدمته، وقيل: معناه غير شاق. قوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [النحل:٩] أي تبين الطريق الواضح المستقيم بالدلائل والبراهين. وفي الحديث في صفته ﵊: ((كان أبيض مقصدًا)) أي ليس بجسيم ولا قصير. وقال شمر: هو القصد من الرجال نحو الربعة. وقولهم: أقصد السهم أي أصاب، وقتل مكانه كأنه وجد قصده، على المجاز. وأنشد: [من الكامل] ١٢٦٦ - فأصاب قلبك غير أن لم تقصد وانقصد الرمح: انكسر، وتقصد: تكسر. وقصد الرماح: قطعها، وفي الحديث: ((كانت المداعسة بالرماح حتى تقصدت)) أي تكسرت وصارت قصدًا. وناقة قصيد:

стр. 1256

مكتنزة اللحم. والقصيد من الشعر: ما تم سبعة أبيات. ق ص ر: قوله تعالى: ﴿لا يقصرون﴾ [الأعراف:٢٠٢] أي لا يكفون. يقال: قصر وأقصر: إذا كف، قاله الهروي، وقال الراغب: قصر في كذا: توانى، وقصر عنه لم ينله، وأقصر عنه: إذا كف مع القدرة عليه. قوله تعالى: ﴿حور مقصورات﴾ [الرحمن:٧٢] قيل: معناه مجعولات في القصور؛ يقال: قصرته: إذا جعلته في القصر، وقيل: معناه محبوسات. وأصل القصر: الحبس فهو في الأصل مصدر سمي به المكان المقصور فيه. ويبعد الأول قوله ﴿في الخيام﴾ [الرحمن:٧٢] إلا أن يؤول بأن القصور في داخل الخيام. والقصر ضد الطول فهما متقابلان، قال كعب بن زهير ﵁: [من البسيط] ١٢٦٧ - هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكى قصر منها ولا طول وقصرت كذا: جعلته قصيرًا. والتقصير: اسم للتضييع. وقصرت كذا: ضممت بعضه إلى بعض. قيل ومنه القصر والجمع قصور. قوله: ﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ [المرسلات:٣٢] قيل: هو القصر المعهود شبهها بالقصر المبني تهويلًا. وإذا كانت الشررة التي تتعارف في الدنيا بهذا القدر فكيف بنارها؟ أعاذنا الله منها بمحمد وآله. وقيل: القصر اسم جنس لقصرة، كقمح وقمحة. والقصرة: أصل الشجر مثل جمرة وجمر كذا نقل الراغب. والمعروف أن ذلك قصر- بفتح الصاد- جمع قصرة. ثم اختلف في تفسيرها فقيل: هي أعناق الإبل وقيل: أصول الشجر. وقيل: كأعناق البخت. ويؤيده الحديث: ((من كان له بالمدينة أصل فليتمسك

стр. 1257

به ومن لم يكن فليجعل له بها أصلًا ولو قصرة)) الرواية بفتح العين. وقرأ ابن عباس ((كالقصر)) بالفتح، وفسر بجميع ما تقدم. وقصرت الصلاة: جعلتها قصيرة بترك بعض أركانها ترخيصًا. وقصرت اللقحة على فرسي: قصرت درها عليه. وقصر السهم عن الهدف: أي لم يبلغه. قوله: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ [الرحمن:٥٦] معناه أنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم رضى بأزواجهن. وقيل: معناه لا يمددن أعينهن إلى ما لا يجوز. وهذا المعنى مقول في حقه ﴿حور مقصورات﴾ [الرحمن:٧٢] أي مخدرات. والقصارة: ما بقي في السنبل بعد دوسه والشاميون يعدونه القصري. والقصري بزنة فعلي. والاقتصار على الشيء: الاكتفاء به وكأنه قنع بالقصير منه أي القليل. وأقصرت الشاة: أسنت من قصر أطراف أسنانها. وأقصرت المرأة: ولدت أولادًا قصارًا. والتقصار: قلادة قصيرة. والقوصرة: الوعاء المعروف يجعل فيه التمر ونحوه؛ جعله الراغب من هذه المادة، والظاهر أنه معرب لا عربي. ق ص ص: قوله تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [يوسف:٣] أي نبين لك أحسن البيان، من قولهم: قص فلان الخبر أي أتى بقصته من قصها، وأصله من قص الأثر أي تتبعه حتى عرف صاحبه أين سلك. والقصص: الأثر نفسه؛ قال تعالى: ﴿فارتدا على آثارهما قصصًا﴾ [الكهف:٦٤] ومنه القصيص: وهو ما يبقى من الكلأ بعد تتبعه بالرعي والجز. والقصص: الأخبار المتتبعة، ثم جعل الاستقصاء عبارة عن تتبع كل شيء. والقصاص المشروع لأنه يتبع الدم بالقود. وأقص فلان فلانًا، واقتص منه، وضربه

стр. 1258

فأقصه أي أدناه من الموت. والقص: الجص، ومنه الحديث: "نهى رسول الله ﷺ عن تقصيص القبور". قال أبو عبيدة: وذلك أن الجص يقال له القصة. والجصاص والقصاص واحد، قال ابن الأعرابي: فإذا خلطه بالنورة أو الرماد فهو الجيار. قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ [القصص: ١١] أي تتبعي أثره. ويجوز بالسين قسست قسًا. وقوله: ﴿فارتدا على آثارهما قصصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصان الأثر. وفي الحديث: "ورأيته مقصصًا" قال ابن قتيبة: المقصص: الذي له جمة، وكل خصلةٍ من الشعر قصة. قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص﴾ [البقرة: ١٧٨] أي القود لأنه يتبع الدم، وقيل: لأنه مأخوذ من القطع، ومنه قصصت أظفاري، فالمقتص يجرحه مثل جرحه أو يقتله مثل قتله به. وفي حديث عائشة: "لا تغتسلن من المحيض حتى ترين القصة البيضاء" قيل: معناه أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها نقيةً كالقصة من غير أن يخالطها صفرة ولا ترية؛ الترية: الخفي اليسير، وهي أقل من الصفرة، وقيل: القصة كالخيط الأبيض تخرج بعد انقطاع الدم. ق ص ف: قوله تعالى: ﴿قاصفًا من الريح﴾ [الإسراء: ٦٩] هو الذي إذا مر على شيءٍ قصفه وكسره من بناءٍ وشجرٍ وغير ذلك. ورعد قاصف: في صوته تكسر. وسمي صوت المعازف قصفًا لذلك، ثم تجوز به عن كل لهوٍ؛ فقيل: فلان يقصف قصفًا. وروي عن ابن عمر: "الرياح ثمانٍ: أربع عذاب وأربع رحمة؛ فأما الرحمة فالناشرات والذاريات والمرسلات والمبشرات. وأما العذاب فالعاصف والقاصف وهما في البحر والصرصر

стр. 1259

والعقيم وهما في البر". وفي الحديث: "أنا والنبيون فراط القاصفين" قال ابن الأنباري: معناه متقدمون في الشفاعة لقومٍ كثيرين متدافعين مزدحمين. وقيل: هم الذين يزدحمون حتى يقصف بعضهم بعضًا، بدارًا إليها. ق ص م: قوله تعالى: ﴿وكم قصمنا من قريةٍ كانت ظالمةً﴾ [الأنبياء: ١١] القصم: الحطم والهشم، ويعبر به عن الهلاك. والقصم كسر وبينونة، والفصم من غير بينونةٍ كما تقدم في باب الفاء. وعبر عن الهلاك بقاصمة الظهر. ورجل قصيم أي يكسر من قاومه، وفلان أقصم البنية أي يكسرها، وفي الحديث: "فما ترتفع في السماء من قصمة إلا ويفتح الله بابًا من النار" يعني الشمس. والقصمة: مرقاة الدرجة، سميت قصمةً لأنها كسرة. ق ص و: قوله تعالى: ﴿فانتبذت به مكانًا قصيًا﴾ [مريم: ٢٢] أي بعيدًا، وأصله قصيو فأدغم. والأقصى: الأبعد، ومنه قوله تعالى: ﴿إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١] وهو بيت المقدس عبر عنه بذلك اعتبارًا بمكان المخاطبين به من النبي ﷺ وأصحابه. يقال: قصوت عنه، وأقصيت: أبعدت. والناحية القصوى تأنيث الأقصى. وقصوت البعير: قطعت أذنه. وناقة قصواء من ذلك. قيل: ولا يقال: بعير أقصى. والقصية من الإبل: البعيدة من الاستعمال، وكان من حقها قصيًا بقلب واو يائها كأخواتها من الدنيا والعليا، وقد أتقنا هذا في غير هذا الموضع. فصل القاف والضاد ق ض ب: قوله تعالى: ﴿حبًا وعنبًا وقضبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨] القضب: الرطبة التي ترعى، والمقاضب: الأراضي التي تنبتها، سميت بذلك لأنها تقضب أي تقطع، وقيل: القضب:

стр. 1260

كل نبتٍ اقتضب أي قطع فأكل رطبًا، ومنه أخذ الحديث المقتضب أي الذي يتكلم له من غير رويةٍ ولا تدبر لعواقبه. ومنه قيل للناقة المركوبة من غير رياضةٍ قضيب لأنها اقتضبت من بين الإبل من غير أن تهذب. وسيف قاضب وقضب: أي قاطع. وفي الحديث: "إذا رأى في ثوبٍ -وروي: إذا رئي -التصليب في شيءٍ قضبه" أي قطع موضع التصليب منه. والقضيب نحو القضب لكن القضيب يستعمل في فروع الشجر، والقضب يستعمل في البقل. والقضب: قطع القضيب، فقضيب هنا بمعنى مفعولٍ، وفي سيفٍ قضيبٍ بمعنى فعل. ق ض ض: قوله تعالى: ﴿يريد أن ينقض﴾ [الكهف: ٧٧] أي ينهدم. يقال: انقض الجدار ينقض انقضاضًا، وهو مطاوع قضضت. وقرئ ينقاض أي ينقطع من أصله. ويقال: انقاضت البئر: انهارت. وقولهم: جاؤوا قضهم بقضيضهم أي مجتمعين. وأصله من اجتماع الحصى الصغار فإنها تسمى القض والقضيض. ومنه قولهم: أقض مضجعه: أي صار فيه القض وهو الحصى الصغار، ثم عبر عن القلق. ومنه قول أبي ذويبٍ الهذلي يرثي بنيه، وكانوا خمسةً: [من الكامل] ١٢٦٨ - أم ما لجسمك لا يلائم مضجعًا ... إلا أقض عليك ذاك المضجع

стр. 1261

ولما هدم ابن الزبير الكعبة أخذ رجل العتلة فعتل ناحية من الربض فأقضه أي جعله بمنزلة القض لتكسره إياها. وقضقض: تكرير قض؛ يقال: قضقض الأسد فريسته إذا هشمها وكسرها بليغًا ومنه أسد قضقاض. وفي حديث مانع الزكاة: "يمثل له كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع فيلقمه يده فيقضضها" أي يكسرها. وفي آخر: "بعدما ضربت رأسه بالسيف فتقضقضوا" أي تفرقوا. ق ض ي: قوله تعالى: ﴿وقضى ربك﴾ [الإسراء: ٢٣] أي حكم وبت. قال ابن عرفة: القضاء إحكام الشيء والفراغ منه، وبه سمي القاضي. والقضاء من الله حكم على عباده يطيعونه به ويعصونه به، ومن ذلك: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي حكم بذلك تعبدًا، قال: فلو كان القضاء إمضاءً وإرادةً لما عبد أحد غيره، كما أنه قضاء الموت فليس أحد ينجو منه لأنه قضاء إمضاء وإرادة. وقال آخرون: القضاء فصل الأمر قولاً كان أو فعلاً، وكل منهما نوعان: إلهي وبشري؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي أمر. قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ [الإسراء: ٤] أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم. قوله: ﴿فقضاهن سبع سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] إشارة إلى إيجاده الإبداعي

стр. 1262

والفراغ منه. قوله: ﴿إلى أجل مسمى لقضي بينهم﴾ [الشورى: ١٤] أي فصل. ومن القول البشري قوله: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ [البقرة: ٢١١] قوله: ﴿ثم اقضوا إلي﴾ [يونس: ٧١] أي افزعوا إلى أمر ربكم وأفضوا ما في أنفسكم. ويعبر عن الموت بالقضاء؛ قال الله تعالى: ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣] لأنه فصل أمره المختص به من دنياه، وقيل: قضى نذره لأنه كان نذر وألزم نفسه أنه إذا لقي عدوًا لا ينكل عنه أو يموت دونه. وقيل: لأن الموت كالمنذور عليه فوفى به. قوله: ﴿لقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليمتنا فنستريح. ولذلك قال في موضعٍ آخر ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقوله: ﴿فقضى عليه﴾ [القصص: ١٥] أي أماته، وهو معنى قول المفسرين؛ وقال الأزهري: قضى في اللغة على وجوهٍ مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه منها. قوله تعالى: ﴿ثم قضى أجلاً﴾ [الأنعام: ٢] معناه ختم أجلاً وأتمه. ومنها الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] معناه أمر ربك، لأنه أمر قاطع حتم. ومنها الإعلام وهو قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ [الإسراء: ٤] أي أعلمناهم إعلامًا قاطعًا. ومثله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر﴾ [الحجر: ٦٦] ومنها القضاء الفصل في الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم﴾ [الشورى: ٢١] أي لفصل الحكم بينهم. وقضى دينه: أي قطع الغريمة عليه بالأداء. ومنها إحكام العمل يقال: قضيت هذه الدار أي أحكمت عملها، ومنه قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أي خلقهن وصنعهن صنعًا محكمًا. ومنها قطع الشيء بإحكامٍ، وأنشد لأبي ذؤيبٍ الهذلي: [من الكامل]

стр. 1263

١٢٦٩ - وعليهما مسرودتان قضاهما ... دواد أو صنع السوابغ تبع ومنها البيان، ومنه قوله تعالى: ﴿من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤] أي يبين لك بيانه فتفرغ منه. قوله: ﴿يا ليتها كانت القاضية﴾ [الحاقة: ٢٧] كناية عن الموت، والمعنى أنها حالة يتمنى فيها الموت. وعن بعض الحكماء: ما أصعب من الموت؟ فقال: حالة يتمنى فيها الموت. والاقتضاء: المطالبة بقضاء الدين، ومنه قولهم: هذا يقتضي كذا، أي يطلب وجهه الذي يستحق أن يكون عليه. قوله: ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ [يونس: ١١] وقرئ "قضى" مبنيًا للفاعل. و"أجلهم" نصبًا. والمعنى لفرغ من أجلهم ومدتهم المضروبة لحياتهم. قال بعضهم: القضاء من الله أخص من القدر، لأنه الفصل بين التقدير. والقدر هو التقدير. والقضاء هو التفصيل والقطع. وذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعدل للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل. ولهذا قال أبو عبيدة لعمر ﵁ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: "أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله" تنبيهًا أن القدر لما لم يكن قضاءً فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له، قاله الراغب قال: ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيًا﴾ [مريم: ٢١]. قوله: ﴿وقضي الأمر﴾ [هود: ٤٤] أي فصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه. وكل أمرٍ مقطوعٍ به من قولك: هو كذا أو ليس بكذا، يقال له قضية صادقة وقضية

стр. 1264

كاذبة، وإياها عنى من قال: التجربة خطر والقضاء عسر، أي الحكم بالشيء أنه كذا أو ليس بكذا أمر صعب، ومنه قوله ﵊ في حق علي ﵁: "أقضاكم علي". قوله: ﴿فاقض ما أنت قاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أي امض ما أنت ممضٍ من أمر الدنيا. قوله: ﴿وقضي الأمر﴾ أمضى هلاك قوم نوحٍ ﵇ والملائكة. "وقضي الأمر" أي فرغ لهم مما كانوا يوعدون. فصل القاف والطاء ق ط ر: قوله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها﴾ [الأحزاب: ١٤] الأقطار جمع قطر وهو الناحية والجانب، ومنه قطرته أي ألقيته على قطره فجعل كنايةٍ عن القتل والصرع، وأنشد: [من السريع] ١٢٧٠ - قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا وتقطر: وقع على قطره، ومنه قطر المطر وهو سقوطه، ومنه تقاطر القوم أي صاروا أرسالاً كقطر المطر، ومنه قطار الإبل لتتابعها. وتقول العرب: تقطر الجلب معناه أن الزاد إذا نفد احتاجوا فقطروا إبلهم يجلبونها للبيع وللحاجة. ويقال: ما أبالي على أي قطريه وقع، أي على أي شقيه الأيمن أو الأيسر. قوله: ﴿آتوني أفرغ عليه قطرًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي نحاسًا مذابًا يقطر كالمطر، ومثله: ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ [سبأ: ٥]. قوله: ﴿سرابيلهم من قطرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] هو ما تطلى به الإبل من الجرب، ويسمى الهناء سمي بذلك لأنه يتقاطر. وقرئ "من قطر آن" أي من نحاسٍ مذابٍ قد أنى حره وتناهى.

стр. 1265

قوله: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ [آل عمران: ١٤] القناطير جمع قطنارٍ، وهو مقدار معروف، قيل: هو أربعون أوقية، وقال الحسن: هو ألف دينارٍ ومئتا دينار، وقيل: ملء مسك ثورٍ ذهبًا، إلى أقوالٍ مختلفة. وقيل: لا حد له. وقال الأصفهاني: القناطير جمع القنطرة، وهو من المال ما فيه مقدار عبور الحياة تشبيهًا بالقنطرة، وذلك غير محدود القدر في نفسه، وإنما هو بحسب الإفاضة كالغنى فرب من يستغني بقليلٍ وآخر لا يستغني بكثيرٍ، وهذا الذي قاله من كون القناطير جمع قنطرةٍ غير صحيحٍ إذ كان ينبغي إن تكون قناطير من غير ياءٍ فأما الياء في القناطير فبدل الألف التي في المفرد، ولا يجوز أن تكون إشباعًا، فإنه ضرورة كقوله: [من البسيط] ١٢٧١ - تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ نفي الدراهيم تنقاد الصياريف يريد الدراهم والصيارف فأشبع. قوله: ﴿المقنطرة﴾ أي المجموعة قنطارًا قنطارًا، كقولهم: دراهم مدرهمة، ودنانير مدنرة، يقصدون بذلك المبالغة والكثرة. ومن رباعيه قطرب، وهو دويبة لا تستريح نهارها بل تدأب سعيًا وبه سمي الإمام المشهور محمد بن المستنير لدأبه في طلب العلم، ويا لها منقبةً وتلقيبًا!.
следующие страницы →