← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ولما هدم ابن الزبير الكعبة أخذ رجل العتلة فعتل ناحية من الربض فأقضه أي جعله بمنزلة القض لتكسره إياها. وقضقض: تكرير قض؛ يقال: قضقض الأسد فريسته إذا هشمها وكسرها بليغًا ومنه أسد قضقاض. وفي حديث مانع الزكاة: "يمثل له كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع فيلقمه يده فيقضضها" أي يكسرها. وفي آخر: "بعدما ضربت رأسه بالسيف فتقضقضوا" أي تفرقوا. ق ض ي: قوله تعالى: ﴿وقضى ربك﴾ [الإسراء: ٢٣] أي حكم وبت. قال ابن عرفة: القضاء إحكام الشيء والفراغ منه، وبه سمي القاضي. والقضاء من الله حكم على عباده يطيعونه به ويعصونه به، ومن ذلك: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي حكم بذلك تعبدًا، قال: فلو كان القضاء إمضاءً وإرادةً لما عبد أحد غيره، كما أنه قضاء الموت فليس أحد ينجو منه لأنه قضاء إمضاء وإرادة. وقال آخرون: القضاء فصل الأمر قولاً كان أو فعلاً، وكل منهما نوعان: إلهي وبشري؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ أي أمر. قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ [الإسراء: ٤] أي أعلمناهم وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا فهذا قضاء بالإعلام والفصل في الحكم. قوله: ﴿فقضاهن سبع سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] إشارة إلى إيجاده الإبداعي

стр. 1262

والفراغ منه. قوله: ﴿إلى أجل مسمى لقضي بينهم﴾ [الشورى: ١٤] أي فصل. ومن القول البشري قوله: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ [البقرة: ٢١١] قوله: ﴿ثم اقضوا إلي﴾ [يونس: ٧١] أي افزعوا إلى أمر ربكم وأفضوا ما في أنفسكم. ويعبر عن الموت بالقضاء؛ قال الله تعالى: ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣] لأنه فصل أمره المختص به من دنياه، وقيل: قضى نذره لأنه كان نذر وألزم نفسه أنه إذا لقي عدوًا لا ينكل عنه أو يموت دونه. وقيل: لأن الموت كالمنذور عليه فوفى به. قوله: ﴿لقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليمتنا فنستريح. ولذلك قال في موضعٍ آخر ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وقوله: ﴿فقضى عليه﴾ [القصص: ١٥] أي أماته، وهو معنى قول المفسرين؛ وقال الأزهري: قضى في اللغة على وجوهٍ مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه منها. قوله تعالى: ﴿ثم قضى أجلاً﴾ [الأنعام: ٢] معناه ختم أجلاً وأتمه. ومنها الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] معناه أمر ربك، لأنه أمر قاطع حتم. ومنها الإعلام وهو قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ [الإسراء: ٤] أي أعلمناهم إعلامًا قاطعًا. ومثله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر﴾ [الحجر: ٦٦] ومنها القضاء الفصل في الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم﴾ [الشورى: ٢١] أي لفصل الحكم بينهم. وقضى دينه: أي قطع الغريمة عليه بالأداء. ومنها إحكام العمل يقال: قضيت هذه الدار أي أحكمت عملها، ومنه قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أي خلقهن وصنعهن صنعًا محكمًا. ومنها قطع الشيء بإحكامٍ، وأنشد لأبي ذؤيبٍ الهذلي: [من الكامل]

стр. 1263

١٢٦٩ - وعليهما مسرودتان قضاهما ... دواد أو صنع السوابغ تبع ومنها البيان، ومنه قوله تعالى: ﴿من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤] أي يبين لك بيانه فتفرغ منه. قوله: ﴿يا ليتها كانت القاضية﴾ [الحاقة: ٢٧] كناية عن الموت، والمعنى أنها حالة يتمنى فيها الموت. وعن بعض الحكماء: ما أصعب من الموت؟ فقال: حالة يتمنى فيها الموت. والاقتضاء: المطالبة بقضاء الدين، ومنه قولهم: هذا يقتضي كذا، أي يطلب وجهه الذي يستحق أن يكون عليه. قوله: ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ [يونس: ١١] وقرئ "قضى" مبنيًا للفاعل. و"أجلهم" نصبًا. والمعنى لفرغ من أجلهم ومدتهم المضروبة لحياتهم. قال بعضهم: القضاء من الله أخص من القدر، لأنه الفصل بين التقدير. والقدر هو التقدير. والقضاء هو التفصيل والقطع. وذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المعدل للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل. ولهذا قال أبو عبيدة لعمر ﵁ لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: "أتفر من القضاء؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله" تنبيهًا أن القدر لما لم يكن قضاءً فمرجو أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له، قاله الراغب قال: ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وكان أمرًا مقضيًا﴾ [مريم: ٢١]. قوله: ﴿وقضي الأمر﴾ [هود: ٤٤] أي فصل تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه. وكل أمرٍ مقطوعٍ به من قولك: هو كذا أو ليس بكذا، يقال له قضية صادقة وقضية

стр. 1264

كاذبة، وإياها عنى من قال: التجربة خطر والقضاء عسر، أي الحكم بالشيء أنه كذا أو ليس بكذا أمر صعب، ومنه قوله ﵊ في حق علي ﵁: "أقضاكم علي". قوله: ﴿فاقض ما أنت قاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أي امض ما أنت ممضٍ من أمر الدنيا. قوله: ﴿وقضي الأمر﴾ أمضى هلاك قوم نوحٍ ﵇ والملائكة. "وقضي الأمر" أي فرغ لهم مما كانوا يوعدون. فصل القاف والطاء ق ط ر: قوله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها﴾ [الأحزاب: ١٤] الأقطار جمع قطر وهو الناحية والجانب، ومنه قطرته أي ألقيته على قطره فجعل كنايةٍ عن القتل والصرع، وأنشد: [من السريع] ١٢٧٠ - قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا وتقطر: وقع على قطره، ومنه قطر المطر وهو سقوطه، ومنه تقاطر القوم أي صاروا أرسالاً كقطر المطر، ومنه قطار الإبل لتتابعها. وتقول العرب: تقطر الجلب معناه أن الزاد إذا نفد احتاجوا فقطروا إبلهم يجلبونها للبيع وللحاجة. ويقال: ما أبالي على أي قطريه وقع، أي على أي شقيه الأيمن أو الأيسر. قوله: ﴿آتوني أفرغ عليه قطرًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي نحاسًا مذابًا يقطر كالمطر، ومثله: ﴿وأسلنا له عين القطر﴾ [سبأ: ٥]. قوله: ﴿سرابيلهم من قطرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] هو ما تطلى به الإبل من الجرب، ويسمى الهناء سمي بذلك لأنه يتقاطر. وقرئ "من قطر آن" أي من نحاسٍ مذابٍ قد أنى حره وتناهى.

стр. 1265

قوله: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ [آل عمران: ١٤] القناطير جمع قطنارٍ، وهو مقدار معروف، قيل: هو أربعون أوقية، وقال الحسن: هو ألف دينارٍ ومئتا دينار، وقيل: ملء مسك ثورٍ ذهبًا، إلى أقوالٍ مختلفة. وقيل: لا حد له. وقال الأصفهاني: القناطير جمع القنطرة، وهو من المال ما فيه مقدار عبور الحياة تشبيهًا بالقنطرة، وذلك غير محدود القدر في نفسه، وإنما هو بحسب الإفاضة كالغنى فرب من يستغني بقليلٍ وآخر لا يستغني بكثيرٍ، وهذا الذي قاله من كون القناطير جمع قنطرةٍ غير صحيحٍ إذ كان ينبغي إن تكون قناطير من غير ياءٍ فأما الياء في القناطير فبدل الألف التي في المفرد، ولا يجوز أن تكون إشباعًا، فإنه ضرورة كقوله: [من البسيط] ١٢٧١ - تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ نفي الدراهيم تنقاد الصياريف يريد الدراهم والصيارف فأشبع. قوله: ﴿المقنطرة﴾ أي المجموعة قنطارًا قنطارًا، كقولهم: دراهم مدرهمة، ودنانير مدنرة، يقصدون بذلك المبالغة والكثرة. ومن رباعيه قطرب، وهو دويبة لا تستريح نهارها بل تدأب سعيًا وبه سمي الإمام المشهور محمد بن المستنير لدأبه في طلب العلم، ويا لها منقبةً وتلقيبًا!.

стр. 1266

ق ط ط: قوله تعالى: ﴿ربنا عجل لنا قطنا﴾ [ص: ١٦] أي حظنا ونصيبنا المقطوع لنا ذلك أن القط القطع، ومنه قط القلم كأنه قطعة من الرزق. و"قط" ظرف زمانٍ ماضٍ لا يستعمل إلا منفيًا لأنه قطعة من الزمان، وله أحكام وفيه لغات؛ فتح القاف، وضمها، مع تشديد الطاء، وهو نقيض عوض، فإنه ظرف زمانٍ مستقبل. فالقط فعل بمعنى مفعولٍ، كالذبحٍ والرعي، وقيل: القط هو الكتاب والصحيفة، وهو اسم المكتوب، كما يسمى الكلام كتابًا وإن لم يكن مكتوبًا، وقال أبو عبيدة: القط: الحساب، وفي حديث زيدٍ وابن عمر: "كانا لا يريان ببيع القطوط بأسًا إذا خرجت مكتوبة" قال الأزهري: القطوط هنا: الجوائز والأرزاق؛ سميت قطوطًا لأنها كانت تخرج مكتوبةً في رقاعٍ وصكاكٍ مقطوعة. و"قط" بمعنى حسب، وينون فيقال: قط قطٍ، ومنه الحديث: "في جهنم حتى تقول قط قط" ويروى قط قط ويروى قطي قطي، وقطني قطني بنون الوقاية وعدمها، وأنشد: [من الرجز] ١٢٧٢ - امتلأ الحوض وقال: قطني ... مهلاً رويدًا قد ملأت بطني وذلك لأن حسبًا بمعنى الكفاية ففيها قطع غن الغير. وأصل القط للمقطوع عرضًا كما أن القد للمقطوع طولاً، وقد تقدم. ومنه حديث علي ﵁: "كان إذا علا قد وإذا توسط قط" تقول: إذا علا قرنه بالسيف قده بنصفين طولاً كما يقد السير فإذا أصاب وسطه قطعه عرضًا وأبانه. وقط السعر: غلا لأنه قطع الأشياء لغلاء سعرها. وقيل: عنى بقوله "قطنا" أي نصيبنا من العذاب. يشير لقولهم: ﴿فأمطر علينا حجارةً﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقيل: نصيبنا مما ذكرت في الجنة، قالوا ذلك

стр. 1267

استهزاءً منهم وتهكمًا. ق ط ع: قوله تعالى: ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣] أي صاروا أحزابًا وفرقًا مختلفةً في المذاهب والأديان. وقيل: على غير دينٍ ولا مذهبٍ بل هم فرق مختلفة وأحزاب متشتتة. والقطع: قطع الشيء أي فصله، ثم هو ضربان؛ ضرب مدرك بالبصر كما في الأجسام كقوله: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨] وآخر مدرك بالبصيرة نحو قوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]. قوله تعالى: ﴿وتقطعون السبيل﴾ [العنكبوت: ٢٩] من ذلك، ثم قطع الطريق يقال باعتبارين: أحدهما قطعها بالسير نحو قطعه مسافة كذا. والثاني باعتبار الغصب من المارة والسالكين في الطريق، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا﴾ [المائدة: ٣٣]. قيل: وإنما سمي ذلك قطعًا للطريق لتأديته إلى انقطاع الناس عن الطريق فجعل قطعًا للطريق. قوله: ﴿ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: ١٥] قيل: هذا مثل لمن لم يرض برزقه، فحاله كحال من علق حبلاً في سقف بيته ثم اختنق هل يفيده ذلك في ذهاب غيظه؟ فكذلك من تقتر عليه رزقه. ومن القطع المجازي قوله تعالى: ﴿ما كنت قاطعةً أمرًا﴾ [النمل: ٣٢] عبرت بذلك عن مضيها فيما تريد. ويعبر بالقطع عن الإهلاك كقوله تعالى: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا﴾ [آل عمران: ١٢٧] أي ليهلك جماعةً منهم. وقطع الدابر كناية عن إفناء نوع الإنسان وغيره، كقوله تعالى: ﴿فقطع دابر الذين ظلموا﴾ [الأنعام: ٤٥].

стр. 1268

قوله: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ [التوبة: ١١٠] أي إلا أن يموتوا. فعبر بذلك لأن تقطع القلب لا تبقى معه حياة، وبين سبب الموت الذي إذا سمعه الإنسان اقشعر جلده، فهذا فائدة الكناية، وإنما استثنى الموت من شكهم لأنهم إذا ماتوا انفنوا، قاله الهروي، وهو تفسير معنى، وقيل: المراد: إلا أن توبة تنقطع بها قلوبهم ندمًا على تفريطهم. قوله: ﴿بقطعٍ من الليل﴾ [هود: ٨١] أي قطعةٍ منه، وأنشد: [من الخفيف] ١٢٧٣ - من قطع ليلٍ بهيم وقرئ: "كأنما أغشيت وجوههم قطعًا﴾ [يونس: ٢٧] بسكون الطاء على ما تقدم، وبفتحها على أنه جمع قطعة. قوله: ﴿وفاكهةٍ كثيرة لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣] أي هي خلاف فاكهة الدنيا؛ فإنها تنقطع في بعض الأحيان، وتمنع إلا بالأثمان، وفي عبارة بعض الصلحاء: غير مقطوعةٍ في الأزمان ولا ممنوعةٍ بالأثمان. وكان إذا رأى الفاكهة قال: "بيننا وبينك الجنة". وهذا وأمثاله من حسن اليقين وتيقن لقاء الله . قوله تعالى: ﴿قطعت لهم ثياب من نار﴾ [الحج: ١٩] أي جعلت على مقاديرهم فيلبسونها لتشتملهم، وما أحسن ما جاء لفظ التقطع هنا، حتى لو أتيت بكل لفظٍ مرادفٍ له أو غير مرادفٍ نحو فصلت وقدرت وسويت لم تجد له حلاوةً، فسبحان من تكلم به وأعجز الخلق عن معارضته، وهذا شأن ألفاظ القرآن كلها.

стр. 1269

والقطيع من الغنم: جماعتها لأنه قطع من جملتها، وجمعه قطعان نحو رغيفٍ ورغفانٍ، فهو كغيره من أسماء الجماعة المشتقة من معنى القطع كالصرمة والفرقة. والقطيع -أيضًا- السوط. وأصاب بئرهم قطع أي انقطع ماؤها. ومقاطع الأودية مآخيرها. ويعبر بالقطع عن القصر، ومنه الحديث: "وعليه مقطعات له" قال أبو عبيدٍ: هي الثياب القصار، وقال شمر: هي كل ثوبٍ يقطع من قميصٍ وغيره، ومن الثياب ما لا يقطع كالأزر والأردية، ولا تفرد المقطعات، فلا يقال للجبة القصيرة ولا للثوب القصير مقطعة ولا مقطع. وأقطع الأمير الجند كذا، أي جعلها لهم يختصون بها. وقطع بعضها من بعضٍ، وفي الحديث: "فأقطعه الملح"، وفي حديثٍ آخر: "لما قدم المدينة أقطع الناس الدور". ومن كلام عمر ﵁ "ليس فيكم من تقطع عليه الأعناق مثل أبي بكرٍ هذا" مثل يقال للفرس الجواد إذا تقطعت عليه أعناق الخيل فلم تلحقه، وأنشد للجعدي: [من المتقارب] ١٢٧٤ - يقطعهن بتقريبه ... ويأوي إلى خضرٍ ملهبٍ ق ط ف: قوله تعالى: ﴿قطوفها دانية﴾ [الحاقة: ٢٣] القطوف جمع قطف نحو حمل وحمول. والقطف هو العنقود، وقيل: هو اسم لكل ثمرةٍ قطفت؛ فهو فعل بمعنى مفعول نحو الذبح، والمعنى أن ثمارها لا تبتعد عن متناولها بل يروى أنه إذا خطر للرجل أن يأكل من ثمرة كذا دنا له قطفها بين يديه. وفضل الله أوسع من ذلك. وقطفت الثمر أقطفه قطفًا، وقطفت الدابة تقطف قطفًا فهي قطوف: إذا كانت

стр. 1270

بطيئةً، قال الشاعر: [من الطويل] ١٢٧٥ - ولا عيب فيها غير أن سريعها ... قطوف وألا شيء منهن أكسل وذلك على سبيل الاستعارة تشبيهًأ بقاطف شيءٍ كما يوصف بالقبض والفيض. وأقطف الكرم: دنا قطافه. والقطافة: ما تساقط وذلك نحو النفاثة والنخالة. وفي الحديث: "جاعل فرسٍ لأبي طلحة يقطف" قيل: معناه يقارب الخطو في سرعةٍ ودابة قطوف: بينة القطاف. ق ط م ر: قوله تعالى: ﴿ما يملكون من قطميرٍ﴾ [فاطر: ١٣] قيل: هو لفافة النواة؛ يضرب بها مثلاً في القلة، وفي النواة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة قد ذكرتها في قوله تعالى: ﴿ولا تظلمون فتيلاً﴾ [النساء: ٧٧]. وقيل: القطمير الأثر في ظهر النواة، والأول أشهر. ق ط ن: قوله تعالى: ﴿وأنبتنا عليه شجرةً من يقطينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦] قيل: هو كل شجرٍ لا ينبت على ساقٍ بل ينبسط وينفرش على وجه الأرض كالقثاء والقرع والحنظل، ووزنه تفعيل من قطن بالمكان إذا لازمه، ومنه قواطن مكة، وأنشد: [من الرجز] ١٢٧٦ - قواطنًا مكة من ورق الحمي يريد: من قذف الحمام فحذف بعض الأحرف. ومنه قيل للجبوب التي تدخر كالعدس والحمص قطاني واحدها قطنية. وقطن يقطن قطونًا. وقال سلمان ﵁: "كنت قطن النار". ويروى بكسر العين بمعنى صار بها، بفتحها على أنه جمع قاطن، نحو: حاسٍ وحرس، وخادمٍ

стр. 1271

وخدم. والقطن معروف من ذلك. "ولما حملت به أمه ﷺ قالت: ما وجدته في قطنٍ ولا ثنة". القطن: أسفل الظهر والثنة أسفل البطن. وفي الصحاح: القطن ما بين الوركين، وليس مرادًا في الحديث: فصل القاف والعين ق ع د: قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء﴾ [النور: ٦٠] جمع قاعدٍ بلا هاءٍ، وهي من قعدت عن الزوج أو المحيض، وإذا قعدت من قيامٍ فقاعدة بالهاء. ويعبر بالقعود عن التكاسل، ومنه قوله تعالى: ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾ [التوبة: ٤٦]. قوله: ﴿تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١] أي مواطن وأماكن جمع مقعدٍ وهو اسم مكان القعود. والقعود يكون مصدرًأ نحو: قعدت قعودًا، وجمعًا، ومنه: ﴿قيامًا وقعودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]. كما أن قيامًا يكون مصدرًا وجمعًا. والقواعد: أساس البناء، الواحدة قاعدة. قال الله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من من القواعد﴾ [النحل: ٢٦]. قوله: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق: ١٧] هو بمعنى فاعلٍ نحو شريبٍ وجليسٍ وخليطٍ بمعنى مجالس ومشارب ومخالط. والمراد ملك عن يمينه يكتب له وآخر عن شماله يكتب عليه. وقعيد للواحد وغيره، فلذلك وحده. وقولهم: قعدك الله، وقعيدك الله في القسم، معناه: أسألك بالله الذي يلزمك حفظك. قال: [من الطويل] ١٢٧٧ - قعيد كما الله الذي أنتما له وهما في الأصل مصدران مضافان للفاعل، وقد حققنا الكلام عليهما في غير هذا.

стр. 1272

والقعدة: مرة من القعود، وبالكسر الهيئة، منه قوله تعالى: ﴿وقعدوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] أي تثبطوا وتكاسلوا، ولذلك قال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥]. ويعبر عن الترصد للشيء بالقعود كقوله تعالى: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف: ١٦]. وفي الحديث: "نهى أن يقعد على القبر" أراد التخلي والحدث. وقيل: أراد به الإحداد وملازمة القبر، وقيل: أراد تهويل الأمر لأن الجلوس على القبر يدل على تهاون بالميت وبالموت، ويؤيده أنه رأى رجلاً متكئًا، على قبرٍ فقال: "لا تؤذوا صاحب القبر". والمقعد: رجل كان يعمل بالسهام ويريشها، قال عاصم بن ثابتٍ الأنصاري: [من الرجز] ١٢٧٨ - أبو سليمان وريش المقعد ... وضالة مثل الجحيم الموقد كان يقول: أنا أبو سليمان ومعي سهام المقعد. والضالة: شجرة السدر يعمل بها السهام؛ يطلقونها ويريدون السهام. وشبهها بالجحيم لحدتها ونفوذها. والمقعد -أيضًا- من أثقلته ديون فأعقدته وعجز عن النهوض لزمانة ونحوها. ومنه قيل: للضفدع: مقعد، والجمع مقعدات. وثدي مقعد، أي ناتئ تصورًا بصورة القاعد. والمقعد: المتقاعد المتباطئ عن المكارم. ويقال: اقعد، لمن كان كذلك، قال الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر: [من البسيط] ١٢٧٩ - دع المكارم لا تقصد لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي قوله تعالى: ﴿في مقعد صدقٍ﴾ [القمر: ٥٥] نبه بذلك على الراحة والدعة

стр. 1273

فذكر مكان القعود دون سائر الأفعال. ق ع ر: قوله تعالى: ﴿كأنهم أعجاز نخلٍ منقعرٍ﴾ [القمر: ٢٠] أي مجتث، يعني قلع من قعره أو ذهب في قعر الأرض. وقعر الشيء: نهاية أسفله، فمعنى "منقعر" ذاهبٍ في قعر الأرض. وفي الحديث: "أن رجلا تقعر من ماله" أي انقلع من أصله؛ أراد تعالى أن هؤلاء قد اجتثوا كما يجتث النخل الذاهب في قعر الأرض فلم يبق لهم رؤوس ولا أثر. وقصعة قعيرة: لها قعر. وتقعر فلان في كلامه: إذا أخرجه من قعر حلقه، كقولهم: تشدق، وهو منهي عنه. فصل القاف والفاء ق ف ل: قوله تعالى: ﴿أم على قلوبٍ أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] هو جمع قفلٍ وهو ما يجعل مانعًا من فتح الباب. ثم عبر به عن كل مانعٍ للإنسان عن تعاطي بعض الأفعال، فيقال: فلان مقفل عن كذا، ومنه قيل للبخيل: هو مقفل اليدين، كما يقال: هو مغلولهما. واستعار لمنع وصول الحق إلى قلوب الكفرة المخبر عنها بالختم في قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] لفظ الأقفال كما استعار لها الختم والطبع. ومن قال: تحقيقه الختم والطبع قال: تحقيقه أقفال خلقها الله تعالى. على أن المراد بالقلوب ليست المضغ اللحمية، إنما المراد العقول، فيبعد جعل هذه الأشياء حقيقةً وقد حققنا هذا في غير هذا. والقفول: الرجوع من السفر، والقافلة من ذلك، ولذلك غلط يعقوب الناس في تسميتهم الركب قافلة مطلقًا، بل لا يقال إلا للركب الراجع من السفر وفاءً بالاشتقاق. والقفيل: اليابس من الشيء إما لكون بعضه راجعًا إلى بعضٍ في اليبوسة، وإما لكونه كالمقفل لصلابته، يقال: قفل النبات، وقفل الفجل، وذلك إذا شتد هياجه فيبس وهزل.

стр. 1274

ق ف و: قوله تعالى: ﴿وقفينا على آثارهم﴾ [المائدة: ٤٦] أي أتبعناهم، وأصله من القفا لأن المتبع للشخص غالبًا يصير خلفه وتابعًا لقفاه، يقال: قفوته واقتفيته، وقفيته أقفره: إذا تتبعته وتبعت أثره. فقفيته مقلوب من قفوته، وبه سميت القافة للتبعها الآثار والأشباه. وعلوم العرب ثلاثة: القيافة والعيافة والسيافة؛ فالقيافة: إلحاق الولد بأبيه لشبهٍ يظهر لهم. والعيافة: نوع من الكهانة والتنجيم. والسيافة: شم التراب، وذلك أن الرجل إذا تاه في بريةٍ شم ترابها فعرف أين هو من الأرض. وقافية كل شيءٍ وقفاه: آخره، ومنه القافية الشعرية، واختلفوا، وهو مبين في غير هذا. وتطلق القافية على البيت بل على القصيدة كلها، ومنه قول الخنساء: [من المتقارب] ١٢٨٠ - وقافيةٍ مثل حد السنا ... ن تبقى ويذهب من قالها وفي الحديث: "يعقد الشيطان على قافية أحدكم ثلاث عقدٍ" القافية بمعنى القفا. ومن أسمائه ﵊: المقفي؛ قيل: هو بمعنى العاقب؛ وهو بمعنى الآخر. والاقتفاء: اتباع الأقفاء، كما أن الارتداف اتباع الردف، ويكنى بذلك عن الاعتبار وتتبع المعايب. قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]. قيل: لا تتبع ما ليس لك به علم فتقول فيه بغير علمٍ. وقيل: معناه: لا تحكم بالقيافة والظن. والقيافة: الطعام الذي يتفقد به من يعنى به فيتبع.

стр. 1275

فصل القاف واللام ق ل ب: قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق: ٣٧] أي عقل وفهم. وقلب كل شيءٍ خالصه، وأصل القلب من التقلب، وعليه قوله: [من الطويل] ١٢٨١ - وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب وقلب الشيءٍ: تصريفه وصرفه عن وجهٍ، كقلب الثوب وقلب الإنسان. قيل: سمي به لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ [الأحزاب: ١٠]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿لذكرى لمن كان له قلب﴾ أي عقل وفهم، ومن الثالث قوله تعالى: ﴿ولتطئمن قلوبكم﴾ [آل عمران: ١٢٦] أي تثبت به شجاعتكم، وعلى عكسه: ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾ [الأحزاب: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦] قيل: اراد الروح، وهو الظاهر، وقيل: العقل. قال الراغب: ولا يصح عليه، ثم قال: ومجازه مجاز قوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ [الحج: ٢٣] والأنهار لا تجري وإنما يجري الماء الذي فيها. وتقليب الشيء: تغييره من حالٍ إلى حال. وتقليب الأمور: تدبرها والنظر في عواقبها، ومنه قوله تعالى: ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ [التوبة: ٤٨] أي دبروها وبيتوها حتى جاء نصر الله فلم يضرك ذلك. وتقليب الله القلوب عبارة عن صرفها من رأي إلى آخر، وكذا تقليبه تعالى البصائر، وإليه أشار بقوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾

стр. 1276

أي نحيرهم وندعهم في عمى، عقوبة لهم. لا يسأل عما يفعل؛ ولكن نسأله الهداية للدين القويم. قوله: ﴿فأصبح يقلب كفيه﴾ [الكهف: ٤٢] عبارة عن الندم والتحسر على ما فات؛ حيث لا ينفع ذلك. وقد كثر هذا الاستعمال فقالوا: فلان يقلب يديه ويخط في الأرض ويعض بنانه، وذلك ذكر لصورة حال النادم، وهذا أبلغ من قولهم: فأصبح نادمًا، وإليه نحا الشاعر حيث قال: [من الوافر] ١٢٨٢ - كمبغونٍ يعض على يديه ... تبين غبنه عند البياع والتقلب: التصرف في البيع والشراء وإصلاح حال الإنسان، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يغرنك تقلب الذي كفروا في البلاد﴾ [آل عمران: ١٩٦]. وقال تعالى: ﴿أو يأخذهم في تقلبهم﴾ [النحل: ٤٦] أي في حالة هم أبعد شيءٍ من ظنهم الهلكة بل أقوياء أصحاء يتبايعون ويتشارون فيأخذهم بغتة. فنسأل الله اليقظة لما بين أيدينا. والقلب: الكثير التقلب، كالحول لكثير التحول. والقلاب: داء يصيب القلب. وما به قلبة: أي علة يقلب لأجلها. والقليب: البئر التي لم تطو. والقلب: المقلوب من الأسورة. قوله: ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ [التوبة: ٤٨] أي نصبوا لك الغوائل. قوله: ﴿يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ [النور: ٣٧] أي ترجف وتخفق بحيث تكاد تطلع إلى الظاهر، ونحوه: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾. قوله: ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ [الكهف: ١٨] قيل: إنهم لكثرة تقلبهم يظنهم الرائي غير نيامٍ، ويؤيده: ﴿وتحسبهم أيقاظًا وهم رقود﴾ [الكهف: ١٨] وما أحسن التصريح بقوله: ﴿وهم رقود﴾ بعد الحسبان!. قوله تعالى: ﴿والله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ [محمد: ١٩] أي منصرفكم

стр. 1277

ومقامكم في الأولى والعقبى. وفي الحديث: "أتاكم أهل اليمين اليمن هم أرق قلوبًا وألين أفئدةً" قيل: هما سيان، وكررهما لاختلاف لفظهما كقوله: ١٢٨٣ - وألفى قولها كذبًا ومينا ١٢٨٤ - وهند أتى من دونها الناي والبعد ﴿صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]. وقيل: بل القلب أخص من الفؤاد. وفي صفته ﵊: "كان قرشيًا قلبًا" قيل: بمعنى فطنٍ فهيمٍ، وقيل: بمعنى خالصٍ. وقلب كل شيءٍ خياره وخالصه، وهو الظاهر لاقترانه بـ "قرشيًا" أي خالص النسب في هذه القبيلة التي هي أشرف العرب. ولما احتضر معاوية قلب على فراشه فقال: "لتقلبون قلبًا حولاً" قد تقدم تفسيره. وقال عمر ﵁: "اقلب قلاب"، هذا مثل يقال لمن يتكلم بسقطةٍ فيتداركها بنقلها عن جهتها وصرفها إلى غير معناها. وفي حديث موسى وشعيبٍ ﵉: "لك من غنمي ما جاءت به قالب لون". تفسيره في الحديث: أنها جاءت على غير لون أمهاتها. ق ل د: قوله: ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾ [المائدة: ٢] ما تقلد به الهدي فيعرف من غيره فلا يتعرض له بسوءٍ، وأصله أن الحرمي كان إذا ساقه قلد ركابه بلحاء شجرٍ من شجر الحرم فيأمن بذلك. فعبر بالقلائد والمراد المقلد بها، كذا قيل: وأحسن منه أنه إذا نهى عن القلائد أن يتعرض لها، فالنهي عن مقلدها بطريق الأولى والأحرى. ونحوه: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ [النور: ٣١]. لأنهن إذا نهين على إظهار نفس الزينة فنهيهن عن إظهار مواقعها كاليد والرجل والصدر أولى وأحرى.

стр. 1278

وأصل القلد الفتل؛ قلدت الحبل فهو قليد ومقلود إن فتلته. والقلادة ما فتلت من خيوط وفضةٍ ونحوهما فتجعل في العنق، ثم شبه بها كل ما يتطوق به كل ما يحيط بشيءٍ. ومنه: قلدته العمل، وقلدته السيف، تارةً يقال بمعنى وشحته إياه، أي جعلته له بمنزلة القلادة والوشاح، وتارةً بمعنى ضربت به عنقه. وقلدته هجاءً: ألزمته إياه. قوله: ﴿له مقاليد السماوات﴾ [الزمر: ٦] قيل: معناه خزائنها، وقيل: مفاتيحها، والمعنى أن له التصرف فيها، وأنه قادر عليها حافظ لها بمنزلة من بيده مفاتيح الخزائن. قالوا: الواحد قليد، وكان قياسه أقاليد فالأولى أن يراد تفسير المعنى، والواحد الحقيقي مقليد أو مقلاد، فإن لم يسمع فهو مقدر كما قيل في أحاديث وأقاطيع وليال كما بينا في غير هذا وحررنا الخلاف فيه. وفي الحديث: "قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار" في تأويله وجهان: أحدهما لا تقلدوها أوتار القسي فتختنق. وقيل: المراد بالأوتار الذحول والإحن التي كانوا يتعارفونها أي لا تقاتلوا عليها لذلك، وهذا هو المنصوص. والقلد: هو يوم نوبة الشرب وما بين القلدين ظمء، ومنه قول ابن عمرو لقيمه: "إذا أقمت قلدك فاسق الأقرب فالأقرب" ومنه قول عمر: "فقلدتنا السماء" أي مطرتنا لوقتٍ، مأخوذ من قلد الحمى وهو يوم ورودها، ومنه: هم يتقالدون بئرهم أي يتناوبونها. ق ل ع: قوله تعالى: ﴿ويا سماء أقلعي﴾ [هود: ٤٤] أي أمسكي ماءك، من قولهم: أقلعت عنه الحمى إذا زالت. والإقلاع: الإزالة. وأقلع عن الذنب إذا تاب منه. والقلع: الرجل الذي لا يثبت على السرج كأنه يقلع ويطرح، وفي حديث جريرٍ أنه قال لرسول الله ﷺ : "إني رجل قلع فادع لي" ورواه بعضهم بفتح الفاء وكسر العين. والقلع أيضًا شراع السفينة، ومنه قول مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿وله الجوار

стр. 1279

المنشآت في البحر﴾ [الرحمن: ٢٤] قال: ما رفع قلعه. وفي صفته ﵊: "إذا مشى تقلع". وفي حديث ابن أبي هالة: "إذا زال زال تقلعًا" أي رفع رجليه بقوةٍ ثابتًا، لا كمن يتبختر اختيالاً. وروي هذا قلعًا بفتح الفاء والعين، ويفتح الفاء وكسر العين كذا بخط الأزهري، قال: وهذا كما جاء في آخر "كأنما ينحط من صببٍ". وفي الحديث: "لا يدخل الجنة قلاع ولا ديبوب"؛ القلاع: الساعي إلى السلطان بالناس والنباش والشرطي والقواد، وذلك لأنه يقلع الأشياء من مقارها أي يزيلها. والقلعة من الجبل قتبة، وبه سميت الحصون قلعًا. وقال الخبيث الحجاج لأنس ﵁: "لأقلعنك قلع الصمغة" أي لأستأصلنك. والصمغ إذا قلع لم يبق له عين ولا أثر. وفي المثل: "تركتهم على مثل مقلع الصمغمة" إذا لم يبق لهم شيء إلا ذهب. ق ل ل: قوله تعالى: ﴿حتى إذا أقلت سحابًا ثقالاً﴾ [الأعراف: ٥٧] أي حملت. يقال: أقل الرجل الشيء يقله إقلالاً: إذا حمله، ومنه القلة لأن الرجل يقلها بيديه أي يحملها، والمعنى أن الرياح رفعت السحاب بتسخير الله تعالى. وفي الحديث: "كقلال هجر" القلال جمع قلة وهي جرة تعمل بهذا المكان، وهو قريب من المدينة. قوله: ﴿إن هؤلاء لشرذمة قليلون﴾ [الشعراء: ٥٤] قال الأزهري: هذا كما يقال: هؤلاء واحدون وهم حي واحد، قال: ومعنى واحدين واحد، وأنشد للكميت: [من الوافر]

стр. 1280

١٢٨٥ - فرد قواصي الأحياء منهم ... فقد أضحوا بحي واحدينا قلت: كأنه يعتذر عن جمع قليلٍ لأنه يكتفي به عن الجمع. والتحقيق في جوابه أنه لما أراد اختلاف أنواعه ساغ جمعه. والقلة تقابل الكثرة ويستعملان في الأعداد، كما أن الصغر والعظم للآخر، ومن القلة والصغر للآخر. قوله: ﴿قم الليل غلا قليلاً﴾ [المزمل: ٢] أي وقتًا قليلاً. قوله: ﴿ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلاً﴾ [الأحزاب: ٢٠] وقوله: ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلاً﴾ [المائدة: ١٣] أي وقتًا قليلاً منهم والقلة يكنى بها تارةً عن الذلة اعتبارًا بقول الأعشى: [من السريع] ١٢٨٦ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر قال الراغب: وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦] وتارةً يكنى بها عن العزة ومنه قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] وذلك أن ما يقل يعز وجوده. قوله: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] قليلاً يجوز أن يكون نعت مصدر محذوفٍ أي إلا علمًا قليلاً، وأن يكون استثناءً من مرفوع "أوتيتم" أي إلا قليلاً منكم. قوله: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً﴾ [المائدة: ٤٤] يعني بالقليل هنا العرض الدنيوي، وجعله قليلاً بالنسبة لما أعده الله تعالى للمؤمنين في الآخرة. وعليه قوله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾ [النساءك ٧٧]. والقليل يرد بمعنى النفي، ولذلك صح الاستثناء المفرغ بعده في قولهم: قلما يفعل ذلك إلا زيد، وقلما يفعل ذلك إلا قائمًا أو قاعدًا، وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿قليلاً ما تؤمنون﴾ [الحاقة: ٤١]. وقيل: القلة هنا هي المشار إليها بقوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم

стр. 1281

بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦]. وأقللت كذا: وجدته قليلاً أو خفيفًا، إما في الحكم كقولهم: أقللت ما أعطيتني. وإما بالإضافة إلى قوته، كقوله تعالى: ﴿حتى إذا أقلت سحابًا ثقالاً﴾ [الأعراف: ٥٧] أي احتملته فوجدته قليلاً باعتبار قوتها. واستقللته: رأيته قليلاً نحو استخففته. وقلة الجبل: سقفه اعتبارًا بقلته إلى ما عداه من أجزائه. وأما تقلقل الشيء: إذا اضطرب، وتقلقل المسمار فمشتق من القلقلة، وهي حكاية صوت الحركة. ق ل م: قوله تعالى: ﴿الذي علم بالقلم﴾ [العلق: ٤] قيل: أشار به إلى ما أنعم على الإنسان من نعمة الكتابة، وذلك لما احتوت عليه من الفوائد الغزيرة التي لا تدخل تحت الوصف من كونها تجعل الغابر من سنين مؤلفةٍ كالشاهد والبعيد المسافة كالشرق والغرب كالمتجاور على اختلاف أوضاع الأمم لها واصطلاحاتها. وقيل: أشار إلى علم القدرة. وفي الحديث: "أنه كان يأخذ الوحي عن جبريل وجبريل عن ميكائيل وميكائيل عن إسرافيل وإسرافيل عن اللوح واللوح عن القلم". وهذا إن ثبت فالمراد به سر إلهي. والقلم: ما يكتب به، وسمي بذلك لأنه قلم أي قص وقطع؛ فعل بمعنى مفعولٍ كالنقص بمعنى منقوص. وأصل القلم القص من الشيء الصلب كقلم الأظفار. قوله: ﴿إذ يلقون أقلامهم﴾ [آل عمران: ٤٤] قيل: هي أقلام الكتابة كانوا يكتبون بها التوراة فاقترعوا بها. وقيل: هي قداح كانوا ستهمون بها. وسمي القدح قلمًا لأنه يبرى كما يبرى القلم ويقطع كما يقطع، وذلك أنهم لما اختلفوا في كفالة مريم قال بعضهم: ألقوا أقلامنا في هذا النهر فمن رسب قلمه فهو أحق بها ومن طفا قلمه فليس له حق. فرسب قلم زكريا ﵇، وذلك لأنه أمر خارق للعادة. ومن طبع القلم أن يطفو.

стр. 1282

والقلام: شجر معروف لأنه يقلم، وأنشد: [من الكامل] ١٢٨٧ - متجاوزًا قلامها والأقاليم: جمع إقليم وهو مجمع بلدانٍ شتى، سميت بذلك لأن الأقاليم سبعة والدنيا على ما قسمها أهل الدنيا سبعة. ق ل ي: قوله تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣] أي ما أبغضك. والقلى: شدة البغضة، يقال: قلاه يقليه، وقليه يقلاه، والأولى هي المشهورة، وأنشدوا [من الطويل] ١٢٨٨ - وتقلينني لكن إياك لا أقلي وفيها لغة ثالثة: قلاه يقلوه. قال الراغب: فمن جعله من الواو فهو من القلو أي الرمي من قولهم: قلت الناقة براكبها قلوًا. وقلت بالقلة وكأن المقلو هو الذي يقذفه القلب من بغضه فلا يقبله، ومن جعله من الياء فهو من قليت البسر والسويق على المقلاة. ويقال: قلاه يقليه قلى، وربما فتح ومد فقيل: قلاء. قوله تعالى: ﴿قال إني لعملكم من القالين﴾ [الشعراء: ١٦٨] أي الكارهين الشديدي البغض. ومن كلام أبي الدرداء: "وجدت الناس أخبر تقله" أي إذا جزتهم قليتهم لما تطلع عند التجربة منهم خبث سرائرهم وهذا في زمن أبي الدرداء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا على إضمار القول، أي وجدتهم مقولاً فيهم، كذا كقوله: [من الرجز] ١٢٨٩ - بئس مقام الشيخ أمرس أمرس ... إما عل قعوٍ وإما اقعنسس

стр. 1283

أي مقولاً فيه: أمرس أمرس، وقيل: هو معناه الخبر كقوله تعالى: ﴿فليمدد له الرحمن مدًا﴾ [مريم: ٧٥]. وفي حديث ابن عمر: "كان لا يرى إلا مقلوليًا" فسره بعض أهل الحديث بأنه كأنه على مقلى؛ قال الهروي: وليس بشيءٍ، ونقل عن أبي عبيدٍ أنه المتجافي المستوفز، قلت: ومن ذلك قول الشاعر: [من الرجز] ١٢٩٠ - لما رأتني خلقًا مقلوليا فصل القاف والميم ق م ح: قوله تعالى: ﴿فهم مقمحون﴾ [يس: ٨] أي رافعو رؤوسهم، وذلك لأن الغل غليظ، وفيه العمود الذي يصير تحت الذقن فترتفع رؤوسهم لذلك. وهذا من أبلغ الكنايات نحو: طويل النجاد، وكثير الرماد. وأصل الإقماح رفع الرأس وغض البصر، ومنه: بعير قامح وغبل قماح. واقتحمتها: فعلت بها ذلك لأنها إذا وردت رفعت رؤوسها لشدة البرد. وقال الراغب: القمح رفع الرأس كيفما كان. وقيل: هو رفع الرأس لسف شيءٍ. واقتحمت البعير: شددت رأسه إلى خلفٍ. قال: وقوله: ﴿فهم مقمحون﴾ تشبيه بذلك، ومثل لهم قصد إلى وصفهم بالتأبي عن الحق وعن الإذعان لقبول الرشد والتأبي عن الإنفاق في سبيل الله. وقيل: إشارة إلى حالهم في القيامة ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: ٧١] وفي حديث أم زرعٍ: "وأشرب فأتقمح" أي أشرب فأروى فأرفع رأسي. وروي "فأتقنح" بالنون. قال أبو زيدٍ: هو أن يشرب فوق الري؛ يقال: فنحت من الشراب أقنح قنحًا: تكارهت على شربه بعد الري. والقمح: قال الخليل: القمح: البر إذا جرى في السنبل من لدن الإنضاج إلى زمن

стр. 1284

الاكتناز، والسويق المتخذ منه قميحة. ق م ر: قوله تعالى: ﴿كلا والقمر﴾ [المدثر: ٣٢] قيل: القمر يقال له ذلك بعد الثلاث وذلك لامتلائه وقيل: سمي بذلك لأنه يقمر ضوء الكواكب ويفوز به، والقمر أضوؤه. وتقمرت فلانًا: أتيته في القمراء. وقمرت القربة: فسدت بالقمراء. وحمار أقمر: على لون القمراء. وأتان قمراء. فهما كأحمر وحمراء. وفي حديث الدجال: "هجان أقمر" قال القتيبي: هو الأبيض الشديد البياض. قلت: وأصله ما ذكرته. وقمرت فلانًا كذا: خدعته عنه. ق م ص: قوله تعالى: ﴿إن كان قميصه﴾ [يوسف: ٢٦] القميص معروف، وجمعه قمص وقمصان وأقمصة. وتقمص: لبس القميص. وتقمص البعير يتقمص إذا نزا. والقماص: داء يأخذه فلا يستقر به موضعه، ومنه قول الشاعر: أفلا قماص بالعير؛ ويستعار للتحلي ببعض الصفات، ومنه حديث عثمان: "إن الله سيقمصك قميصًا وإنك تلاص على خلعه" ومعنى تلاص أي تراد عليه. والقميص أيضًا غلاف القلب، والبرذون أيضًا الكثير القماص. ق م ط: قوله تعالى: ﴿يومًا عبوسًا قمطريرًا﴾ [الإنسان: ١٠] قال ابن عرفة: منقبضًا لا شحة فيه ولا انبساطًا. اقمطر إذا تقبض. وقال الأزهري: القمطرير: المقبض ما بين العينين ومعناه: شديدًا غليظًا. والجمع قماطر. ق م ع: قوله تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديدٍ﴾ [الحج: ٢١] هو جمع مقمع، وهو ما

стр. 1285

يضرب به، ومن ذلك قمعته فانقمع نحو: كففته فانكف. والقمع والقمع: ما يصب به الشيء فيمنع من أن يسيل. وفي الحديث: "ويل لأقماع القول" قال الراغب: أي الذين يجعلون آذانهم كالأقماع فيتبعون أحاديث الناس. ورواية الهروي: "ويل لأقماع الآذان" قال: يعني الذي يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون بما فيه. وفي حديث عائشة ﵂: "فإذا رأين رسول الله ﷺ انقعمن" يعني جواري كن يلاعبنها. ومعنى انقمعن: تغيبن عنه توقيرًا له ﷺ . والقمع: الذباب الأزرق لكونه مقموعًا. وتقمع الحمار: إذا ذب القمعة عن نفسه. ق م ل: قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل﴾ [الأعراف: ١٣٣] قيل: هي صغار الذباب، وقيل: كبار القردان، وقيل: هي القمل المعروف، وقيل: دواب أصغر منه، ورجل قمل، أي فيه قمل، وامرأة قملة: صغيرة قبيحة كأنها قملة. فصل القاف والنون ق ن ت: قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. القنوت: قيل السكوت. وفي الحديث: "كان الرجل منا يكلم صاحبه في الصلاة حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فنهينا عن الكلام وأمرنا بالسكوت". وقيل: هو الطاعة، ومنه قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦] أي مطيعون. قال الهروي: معنى الطاعة أن كل من في السماوات والأرض مخلوقون كما أراد الله ؛ لا يقدر واحد على تغيير الصورة.

стр. 1286

وآثار الصنعة دالة على أن الطاعة هي طاعة الإرادة والمشيئة، وليست طاعة العبادة. قلت: مراده بذلك الجواب عن اعتراضٍ مقدر وهو أنا نجد كثيرًا من الخلق عاصين غير مطيعين. والخبر من الله صدق قطعًا، وقيل: القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع. قال الراغب: وبكل واحدٍ منهما فسر قوله تعالى: ﴿كل له قانتون﴾ قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون. ولم يعن به كل السكوت، وإنما عني به ما قال ﵇: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هو قرآن وتسبيح" وعلى هذا قيل: "أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت" أي الاشتغال بالعبادة ورفض كل ما سواه. قال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتًا﴾ [النحل: ١٢٠] قلت: ومنه القنوت المشروع في الصبح، والتراويح إنما هو الدعاء المعروف وما يقوم مقامه. قوله: ﴿يا مريم اقنتي لربك﴾ [آل عمران: ٤٣] أي أطيعيه أو اعبديه أو اخضعي له، وكلها معانٍ متقاربة، والمادة تدل على الإخبات والطاعة والاستكانة. قوله: ﴿ومن يقنت منكن﴾ [الأحزاب: ٣١] أي يطيع ويخضع. قوله: ﴿فالصالحات قانتات﴾ [النساء: ٣٤] أي قائمات بحقوق الأزاواج، قيل: مصليات. وفي الحديث: "كمثل الصائم القانت" أي المصلي. قوله: ﴿أمن هو قانت﴾ [الزمر: ٩] ولذلك قال: ﴿ساجدًا وقائمًا﴾. وقال ابن الأنباري: القنوت في اللغة ينقسم إلى أربعة أقسام: الصلاة, وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت. وفي الحديث: "أنه قنت شهرًا" أي يدعو على أحياءٍ من العرب. ق ن ط: قوله تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا﴾ [الشورى: ٢٨] أي

стр. 1287

يئسوا. والقنوط: اليأس من الخير؛ يقال: قنط بالفتح وقنط بالكسر ولم يقرأ إلا بالأول. وقرئ المضارع بالوجهين في المتواتر. ق ن ع: قوله تعالى: ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ [إبراهيم: ٤٣] أي رافعيها ينظرون من الذل. قال ابن عرفة: اقنع رأسه: غذ نصبه لا يلتفت يمينًا ولا شمالاً ولا جعل طرفه موازيًا لما بين يديه، وكذلك الإقناع في الصلاة. والقنع: الاجتزاء بالشيء اليسير، ومنه قوله تعالى: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] يقال: قنع بالكسر ينقع قنعًا وقناعةً: إذا رضي واجتزأ باليسير. وقنع بالفتح يقنع قنوعًا: إذا سأل، قال بعضهم: القانع هو السائل الذي لا يلح، ويرضى بما يأتيه عفوًا، وأنشد: [من الوافر] ١٢٩١ - لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع فصار قنع مشتركًا بين الرضا والاجتزاء وبين السؤال، ولكن وقع الفرق بينهما بالمصدر كما تقدم. قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناع وهو ما يغطى به الرأس، فقنع: لبس القناع ساترًا لفقره كقولهم: خفي: إذا لبس الخفاء. وقنع: إذا رفع قناعه كاشفًا رأسه بالسؤال، نحو: خفي إذا رفع الخفاء. ومن القناعة: رجل مقنع: يقنع به، قال الشاعر: [من الطويل] ١٢٩٢ - شهودي علي ليلى رجال مقانع وتقنع بالمغفر على التشبيه بقناع المرأة، وقنعت رأسه على التشبيه بذلك. وفي الحديث: تقنع يديك في الدعاء" أي ترفعهما، وفيه أيضًا: "كان إذا ركع لا يصوب

стр. 1288

رأسه ولا يقنعه" أي لا يرفعه حتى يكون أعلى من جسده. قوله: ﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾ القانع: الذي لا يسأل، والمعتر: الذي لا يعترض. يقال: قنع بالفتح يقنع قنوعًا: إذا سأل، وقنع بالكسر قناعةً: إذا لم يسأل وعف عما في أيدي الناس، وقد تقدم ذلك. وفي الحديث: "لا تجوز شهادة القانع لأهل البيت لأنه لهم كالتابع" القانع هنا كالسائل. وفي الحديث: "أنه اهتم للصلاة كيف يجمع لها الناس فذكر له القنع". قيل: هو الشبور. ورواه بعضهم عن أبي عمر الزاهد بالثاء المثلثة بدل النون وهو البرق. قال الهروي: عرضته على الأززهري فقال: هذا باطل. وفي الحديث: "أتيته بقناعٍ من رطبٍ" القناع والقنع والقنع: الطبق الذي يؤكل عليه، فقنع وقنع يجمعان على أقناعٍ نحو حمل وأحمال، وقفل وأقفال. قال الهروي: ويجوز جمع القنع على قناعٍ كعس وعساس. وجمع القناع أقناع. قلت: فيستوي في القناع لفظ الواحد والجمع إلا أن قوله: وجمع القناع أقناع لا يصح، إذ فعال لا يجمع على أفعال. ق ن و: قوله تعالى: ﴿قنوان دانية﴾ [الأنعام: ٩٩] القنوان جمع قنوٍ وهو العذق الذي فيه الشماريخ وتثنيته قنوان وجمعه قنوان، ففي الوقف يستوي لفظ تثنيته وجمعه، حالة رفع تثنيته. وفي الوصل يظهر الفرق بكسر نون التثنية وتنوين لام الكلمة وحلول الحركات عليها. ومثله في ذلك صنو وصنوان للجذوع التي أصلها واحد. والقناة تشبه القنو في كونهما غصنين. وأما القناة التي يرجي فيها الماء فقيل لها

стр. 1289

ذلك تشبيهًا بالقناة في الخط والامتداد. وقيل: أصله من قنيت الشيء إذا ادخرته. ق ن ي: قوله تعالى: ﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨] أي أعطى ما فيه القنية: أي المال المدخر. وقيل: أقنى: أرضى، وتحقيق ذلك أنه جعل له قنيةً من الرضا والطاعة، وذلك أعظم الغناءين. وقنيت كذا، واقتنيته بمعنى. قال الشاعر: [من الطويل] ١٢٩٣ - قنيت حيائي عفةً وتكرما والقنية والقنيان: المال الثابت الأصل. وقنيت الشيء أقناه: لزمته، لأن القناة مدخرة للماء. وقيل: بل من قولهم قاناه: أي خالطه، وأنشد امرؤ القيس: [من الطويل] ١٢٩٤ - كبكر مقاناة البياض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير المحلل وأما القنا فيقال منه: رجل أقنى، وامرأة قنواء الأنف. فصل القاف والهاء ق هـ ر: قوله تعالى: ﴿الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩]، القهر: الغلبة والتذليل معًا، ويستعمل كل منهما منفردًا. قوله: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ [الضحى: ٩] أي لا تذله وتكسر خاطره، وغلب ازدواج هاتين الصفتين وهما الوحدانية والقهر، وذلك لمعنى بديعٍ وهو أن الغلبة والإذلال من ملوك الدنيا، إنما يكون بأعوانهم وجندهم وعددهم وعُددهم. والله تعالى يقهر كل الخلق وهو واحد أحد فرد صمد مستغنٍ عن ظهيرٍ سبحانه. وهذا من الفتوحات الإلهية، فنشكر الله تعالى على ذلك. وفي الحديث: "فأقول: يا رب امتي. فيقال: إنهم كانوا يمشون بعدك القهقري". قال أبو عبيدٍ: هو

стр. 1290

الرجوع إلى الخلف، وذلك كناية عن مشيهم على غير طريقه الواضح ونهجه القويم. كما جاء في حديثٍ آخر: "فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقوال: سحقًا سحقًا". فصل القاف والواو ق وب: قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين﴾ [النجم: ٩] أي قدر قوسين. يقال: بيني وبينه قاب رمحٍ وقاد وقيد وقدى رمحٍ. والقوس: الرمح بلغة أزد شنوءة وسيأتي. وقال الراغب: القاب: ما بين المقبض والسية من القوس. قلت: السية موضع الوتر. وهذا أقل من الأول. وفي الحديث أن عمر نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال: "إنكم إن اعتمرتم في أشهر الحج رأيتموها مجزئةً عن حجكم فكانت قائبة قوب عامها" ضرب! عمر هذا مثلاً لخلاء مكة من المعتمرين سائر السنة. قال شمر: يقال: قيبت البيضة فهي مقوبة: إذا خرج فرخها. وقال الفراء: القابية: البيضة، والقوب: الفرخ. وتقوبت البيضة: تقلقت عن فرخها، ويقال: انقضى قوبي من قاويةٍ، يعني أن الفرخ إذا فارق بيضته لم يعد إليها. ق وت: قوله تعالى: ﴿وكان الله على كل شيءٍ مقيتًا﴾ [النساء: ٨٥] قيل: معناه مقتدرًا، وقيل: حافظًا، وقيل: شاهدًا؛ وحقيقته: قائمًا عليه يحفظه، وأنشد: [من الخفيف] ١٢٩٥ - ليت شعري وأشعرن إذا ما ... قربوها منشورةً ودعيت ألي الفضل أم علي، إذا حو ... سبت؟ إني على الحساب مقيت والقوت: ما يمسك به الرمق، والجمع أقوات لقوله تعالى: ﴿وقدر فيها أقواتها﴾

стр. 1291

[فصلت: ١٠] يعني أرزاقها المقدرة لخلقه لا يعدوا أحد رزقه. وقاته يقوته قوتًا: أطعمه القوت. وأقاته يقيته إقاتةً: جعل له ما يقيته، كما قيل في سقيته وأسقيته وقبرته وأقبرته. وفي الحديث: "إن أكبر الكبائر أن يضيع الرجل من يقوت"، ويروى "من يقيت" من قاته وأقاته. وقيل: فعل وأفعل فيه بمعنى كنظائره. وقيل: من قوله: "مقيتًا" أي مقتدرًا على أن يعطي كل واحدٍ قوته. ويقال: ما عنده قوت ليلةٍ وقيت ليلةٍ وقيتة ليلةٍ، نحو: الطعم والطعم والطعمة. وأنشد الشارع يصف نارًا: [من الطويل] ١٢٩٦ - فقلت له: ارفعها إليك فأحيها ... بروحك واقتته لها قيتةً قدرا ق وس: قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ [النجم: ٩] القوسان معروفان، وهما ما يرمى عنهما، قيل: أراد بهما القريبين وكأنهما أقصر شيءٍ من غيرهما، من قسي الناس. وقيل: هما الذراعان. والقوس: الذراع بلغة أزد شنوءة، قال مجاهد: قاب قوسين أي قدر ذراعين. وفي الحديث: "لقاب قوس أحدكم أو موضع قده من الجنة". وفي الحديث: "أطعمنا من بقية القوس الذي في نوطك" القوس هنا: البقية تبقى في أسفل الجلة، وتصور من القوس هيئتها فقيل للانحناء: تقوس، ومنه تقوس ظهر الشيخ وقوس، قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٢٩٧ - أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا وقوست الخط، والمقوس: مكان يجري منه القوس، وأصله الحبل الذي يمد على

стр. 1292

هيئة قوسٍ فترسل الخيل من خلقه. ويجمع القوس على قسي بضم القاف وكسرها وأصله قووس، نحو: فلس وفلوس فقلبت الكلمة بتقديم لامها وتأخير عينها فصيرها التصريف إلى ما ترى، ووزنه الآن فلوع، وقد حققنا هذا في غير هذا الموضع. ق وع: قوله تعالى: ﴿فيذرها قاعًا صفصفًا﴾ [طه: ١٠٦] القاع: المستوي من الأرض، قاله الراغب. وقال الفراء: القاع مستنقع الماء. وقال الهروي: هو المكان المستوي الواسع من وطاء الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه فيستوي ماؤه، وجمعه: قيعة وقيعان. يقال: قاع وقيعة، مثل جارٍ وجيرةٍ. وقال الراغب: والقيع والقاع: المستوي من الأرض، فلم يفرق بينهما. وفي الحديث أنه ﵊ قال لأصيل: "كيف تركت مكة؟ قال: تركتها قد ابيض قاعها"، أي غسله المطر فابيض. قوله تعالى: ﴿كسرابٍ بقيعةٍ﴾ [النور: ٣٩] أي مكانٍ مستوٍ، فهو أظهر للمعان السراب والإحاطة به بخلاف المحدودب من الأرض. والقاع من ذوات الواو، ولذلك قال الراغب: وتصغيره قويع، واستعير منه قاع الفحل الناقة: أي ضربها. لكن الهروي ذكره في مادة (ق ي ع)، والراغب أيضًا ذكره في مادة (ق ي ع) لكن نصل على تصغيره بالواو، فهو كبابٍ وبويبٍ، وإنما انقلبت الواو في قيعةٍ لانكسار ما قبلها وهي ساكنة نحو ديمةٍ وقيمةٍ من: دام يدوم، وقام يقوم. ق ول: قوله تعالى: ﴿قوله الحق وله الملك﴾ [الأنعام: ٧٣] لما كان القول يكون حقًا وغيره خصص بالإضافة، وهذا خلاف ما يقوله الكوفي من أنه أضاف الموصوف لصفته، وأصله القول الحق كقوله: ﴿وإنه لحق اليقين﴾ [الحاقة: ٥١] أي الحق اليقين. ولنا فيه كلام متقن في غير هذا.

стр. 1293

والقول والقال والقيل بمعنى واحدٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وقيله يا رب﴾ [الزخرف: ٨٨]. والقول يستعمل على أنحاء. أحدها: أن يقصد به حكاية الجمل المفيدة، وهذا غالب أحواله لقوله تعالى: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١] خلافًا لمن قال: الأصل استعماله في المفرد، وهذا لا تتغير الجمل بعده عما تستحقه من الإعراب، ويكون في محل نصب به، وتكسر بعده إن. والثاني: أن يقصد به الظن فيعمل عمله مطلقًا عند قومٍ وهم سليم كقوله: [من الرجز] ١٢٩٨ - قالت، وكنت رجلاً فطينًا ... هذا لعمر الله إسرائينا وغيرهم لا يعمله إلا بأربعة شروط: أن يكون مضارعًا بمخاطبٍ بعد استفهامٍ غير مفصولٍ إلا بالظرف أو عديله أو أحد معموليه، كقوله: [من الرجز] ١٢٩٩ - متى تقول القلص الرواسما ... يدنين أم قاسمٍ وقاسما؟ وقول الآخر: [من البسيط] ١٣٠٠ - أبعد بعدٍ تقول الدار جامعةً ... شملي بهم أم دوام البين محتوم؟ وقول الآخر: [من الوافر] ١٣٠١ - أجهالاً تقول بني لؤي ... لعمر أبيك أم متاجهلينا؟

стр. 1294

ويجوز في أن بعده الوجهان من الفتح والكسر، وكان ينبغي وجوب الفتح. وأنشدوا: [من الطويل] ١٣٠٢ - إذا قلت إني آيب أهل بلدةٍ بالوجهين. واختلف النحاة في القول المعمل على الظن هل يكون بمعناه أم في اللفظ فقط؟ فإن ورد ما ظاهره أن القول حكى به مفرد لا يؤدي مؤدي قولٍ قدر له خبر تتم به الجملة كقوله تعالى: ﴿قالوا معذرة﴾ [الأعراف: ١٦٤] رفعًا ونصبًا، وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٣٠٣ - إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامةٍ معتقةٍ مما تجيء به التجر فإن كان المفرد يؤدي مؤدى الجملة أو قصد به حكاية ذلك المفرد يعمل فيه القول عمله في المفعول به، كقولك: قلت: خطيئةً وقلت: زيرًا. أي قلت هذه اللفظة. ومنه: ﴿فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٠] على أحسن الوجوه كما بيناه في غير هذا. الثالث: أنه يستعمل في المتصور في النفس قبل الإبراز في اللفظ، ومنه: في نفس فلانٍ قول لم يبرزه، وعليه قوله تعالى: ﴿ويقولون في أنفسهم لولا يذبنا الله بما نقول﴾ [المجادلة: ٨]. الرابع: الاعتقاد، نقول بقول الشافعي. لخامس: الدلالة بما يفهم من حال الشيء، كقول الشاعر: [من الرجز]. ١٣٠٤ - امتلأ الحوض وقال قطني ... سلا رويدًا، قد ملأت بطني

стр. 1295

السادس: يقال للعناية الصادقة بالشيء نحو: هو يقول بكذا، أي يعني به. السابع: الإلهام كقوله تعالى: ﴿قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب﴾ [الكهف: ٨٦] قاله الراغب وفيه نظر لإمكان جريانه على حقيقته، لكنه قال في توجيه ذلك: فإن ذلك لم يكن بخطاب ورد عليه فيما روي وذكر، بل كان ذلك إلهامًا، فسماه قولاً. الثامن: كثيرًا ما يستعمله المنطقيون في معنى الحد، فيقولون: قول الجوهر كذا وقول العرض كذا أي حدهما. التاسع: يستعمل بمعنى القتل، قال ابن الأعرابي: يقال: قالوا يريد أي قبلوه، وأنشد الأزهري: [من الرجز] ١٣٠٥ - نحن ضربناه على نطابه ... قلنا به قلنا به قلنا به أي قتلناه. قوله: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١]. قيل: ذلك قول حقيقي خلق الله فيهما قوة النطق فنطقتا بذلك. وقيل: ذلك بالقول المجازي، وهو عبارة عن عدم التأبي عما يريده. قوله: ﴿يقولون بأفواههم﴾ [آل عمران: ١٦٧]. فائدة: قوله: ﴿بأفواههم﴾ وإن كان القول لا حقيقة له إلا بالفم، إن ذلك صادر عن غير اعتقادٍ، لأن القول قد يطابق اعتقاد قائله. وقيل: هو توكيد كقوله: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ [البقرة: ٧٩] ﴿ولا طائرٍ يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]. قوله: ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ [يس: ٧] أي علمه بهم وحكمه عليهم. قوله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق﴾ [مريم: ٣٤] أطلق على عيسى ﵇ قول الحق تنبيهًا أنه كلمة الله كما سماه في موضعٍ آخر ﴿كلمة﴾ [آل عمران: ٤٥].

стр. 1296

وعلى ما قال: يقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠]. وهذا على قراءة رفع "قول" وجعله بدلاً من عيسى أو عطف بيان أو خبرًأ ثانيًا لذلك. قوله: ﴿إنكم لفي قولٍ مختلفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أي في أمرٍ من العبث فسماه قولاً؛ فإن المقول فيه يسمى قولاً كما أن المذكور يسمى ذكرًا. قوله: ﴿لقول رسولٍ كريمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] فنسب القول إلى الرسول، والمراد به القرآن لأن القول الصادر إليك عن الرسول يبلغه إليك عن مرسلٍ له فيصح أن تنسبه تارةً إلى رسوله وأخرى إلى مرسله، قال الراغب: وعلى هذا فإن قيل: فهل يصح أن ينسب الشعر والخطبة إلى روايهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصح أن يقول: هو قول الراوي ولا يصح أن يقال هو شعره وخطبته، لأن الشعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصةٍ، وتلك الصورة ليس للرواي فيها شيء، والقول قول الراوي كما هو قول المروي عنه. قوله: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦] لم يرد به القول النطقي فقط بل ما معه اعتقاد وعمل. قوله: ﴿ولو تقول﴾: يريد بذلك الكذب والاختلاق: والمتقول الكذاب. وقولني فلان حتى قلت، أي: علمني حتى علمت. وفي الحديث: "نهى عن قيلٍ وقالٍ" يروى بفتح اللامين على أنهما فعلان ماضيان، وحكيا بالجر والتنوين على الإعراب على أنهما مصدران أو نقلا إلى الأسمية. ورجل تقوالة وقوال وقوالة: أي منطيق. والمقول: اللسان لأنه آلة القول. والقيل: الملك من ملوك حمير؛ سمي بذلك للاعتماد على قوله أو لأنه متقيل لأبيه، يقال: تقيل فلان أباه، فإن قيل: فكان ينبغي أن يقال فيه قول فالجواب أن أصله

стр. 1297

قيول فأدغم، كهيب وأصله هيوب، ولذلك جمعوه على أقوالٍ كقولهم أموات ثم خفف فصار قيلاً كما يقال ميت في ميت. ويجوز أن يجمع على أقيالٍ، قال الراغب: وإذا قيل أقيال فذلك نحو أعيادٍ. قلت: إنما قالوا: أعياد في جمع عيدٍ، وإن كان الأصل يقتضي أعوادًا لأنه قد يلبس بجمع عود الحطب، فكذلك هنا؛ فلو قيل: أقوال لألبس بجمع القول، ولكن العرب لم تلتفت إلى ذلك هنا. واقتال فلان: قال ما يجتر به إلى نفسه خيرًا أو شرًا. والقال والقالة: ما انتشر من القول. والقال يكون بمعنى القائل. يقال: انا قال كذا، أي قائله؛ قاله الخليل. ق وم: قوله تعالى: ﴿إلا ما دمت عليه قائمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أي ثابتًا على طلبه. والقيام: مصدر قام يقوم، وأصله قوام ولكنه أعل لإعلال فعله بخلاف لواذٍ مصدر لاوذ، لصحة فعله، وهذا متقن في غير هذا من كتبنا في التصريف، ثم القيام أنواع: قيام بالشخص إما بالتسخير كقوله: ﴿منها قائم وحصيد﴾ [هود: ١٠٠]، وإما باختيار كقوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا أو قائمًا﴾ [الزمر: ٩]. وقيام هو مراعاة الشيء والحفظ له كقوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤] ﴿أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣] أي مراعون لأحوالهن وحافظوهن. وقيام: هو عزم على الشيء، كقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] و ﴿يقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣] أي يداومون على فعلها ويحافظون عليها. وقيل: هو من قام سوق كذا أي نفق فيه المتاع. وأقمته: أي جعلته كذلك: وأنشد: [من المتقارب] ١٣٠٦ - أقامت غزالة سوق الضراب ... لأهل العراقين حولاً قميطا وقيل: معناه يؤدونها مقومة الأركان والسنن غير مخلين بشيءٍ منها، من: أقام الأمر إذا أتى به على أكلم هيئاته. قوله: ﴿أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥] أي جعله مما

стр. 1298

يمسسككم ويرد قواكم لأنه سبب رزقكم. والقيام والقوام: ما تقوم به بينة الإنسان، وما يقوم به الشيء كالسناد. والعماد اسم لما يسند به ويعمد به. والقوام بالفتح ما هو متوسط بين رتبتين، كقوله تعالى: ﴿وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. قوله: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾ [المائدة: ٩٧] بمعنى قوامًا لهم في أمور دنياهم ودينهم، فهي تقوم بأمورهم في معاشهم ومعادهم. وقال الأصم: قائمًا لا ينسخ. قرئ قيمًا بمعنى قائمًا، وقيل: هو جمع قيمة، قاله الراغب. وليس قول من قال: هو جمع قيمةٍ بشيءٍ. قلت: وهذا صحيح هنا لكنه قد قرئ في قوله: ﴿التي جعل اله لكم قيمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] وهذا صحيح في الأموال. قوله: ﴿دينًا قيمًا﴾ [النساء: ١٥] قيل: معناه ثابتًا لأمور معائشهم ومعادهم. وقرئ "قيمًا" وفيه وجان؛ أحدهما: أنه مقصور من قيامًا، والثاني: أنه وصف على فعل نحو: لحم زيم وقوم عدى ومكان سوى وماء روى. وأصل قيم قيوم كميتٍ. قوله: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥] قال ابن عرفة: فجعلها مصدرًا كالصغر والكبر، وأنشد لكعب بن زهير: [من الطويل] ١٣٠٧ - فهم ضربوكم حين جرتم عن الهدى بأسيافهم حتى استقمتم على القيم

стр. 1299

أي على الاستقامة. قوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ أي الأمة القيمة، أي القائمة بالقسط والعدل، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]. قوله: ﴿فيها كتب قيمة﴾ [البينة: ٣] إشارة إلى القرآن، وذلك لما فيه من قمرة كتب الله المنزلة، فإن القرآن مجمع معاني كتبه القديمة. وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي من كتب الأولين وغيرها. قوله: ﴿ولم يجعل له عوجًا قيمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] من صفة الكتاب، وقيل: عوجًا حال من الهاء في "له". ولنا فيه كلام أتقناه في غير هذا. قوله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [آل عمران: ٢] بناء مبالغةٍ وزنه فيعول، وأصله قيووم فقلبت الواو الأولى ياء لأجل الياء قبلها وأدغمت الياء الأولى فيها، ومعناه القائم الحافظ لكل شيءٍ والمعطى له ما به قوامه، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥١]. وقرئ القيام والقيوم، وذلك نحو ديون وديان، وقال أبو عبيدة: القيوم: القائم وهو الدائم الذي لا يزول، وقيل: هو القائم بأمور الخلق، يقال: فلان قائم بالأمر: أي حافظ له. وعندي أنه لا يجوز إطلاق هذه اللفظة على غير الباري تعالى لما فيها من المبالغة، ولما ذكروا ذلك في الرحمن ونحوه. ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ [البقرة: ٢٠] أي ثبتوا ووقفوا متحيرين. وليس المراد القيام من قعودٍ. قوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] اسم غلب على يومٍ يبعث الله عباده لحسابهم لأنه فيه يقومون لذلك، وذلك إشارة إلى قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦]. وقوله: ﴿ويوم تقوم الساعة يؤمئذ﴾ [الروم: ١٤] نسب

стр. 1300

القيام للزمان والمراد أهلها. والساعة أيضًا اسم ليوم القيامة؛ قال الراغب: القيامة أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعةً. قوله: ﴿واتخذا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] أي مكان قيامه؛ يريد به المكان الذي كان يقوم عليه حين بنى الكعبة الشريفة، من الله علينا برؤياها ثانيًا وأكثر من ذلك بحجة من شرع حجها. والمقام يكون اسم مكان القيام وزمانه ومصدره، وأصله مقوم، فأعل بالنقل والقلب. قوله تعالى: ﴿يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي﴾ [يونس: ٧١] يجوز أن يكون مصدرًا أي قيامي فيكم ودعوتي إلى الله، وأن يكون زمانًا أي زمن قيامي لأنه ﷺ يتعهد نصيحتهم ليلاً ونهارًا كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا﴾ [نوح: ٥] وذلك مما يضجر الأشقياء، فقال لهم ذلك، وأن يكون مكانًا لأنه كان يبرز نفسه الشريفة ويظهرها على مكانٍ لا يخفى. فصلى الله على سائر الأنبياء ما أقوى جأشهم وأرسخ قدمهم وأثبت صبرهم. قوله: ﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾ [النمل: ٣٩]. قال الأخفش: إن المقام المقعد، قال الراغب: فهذا إن أراد أن المقام والمقعد شيء واحد بالذات، فإنهما يختلفان بالنسبة إلى الفاعل كالحدور والصعود. وإن أراد أن معنى القيام معنى المقعد فذلك بعيد فإنه يسمى المكان الواحد مرة مقامًا إذا اعبتبر بقيامه، ومقعدًا إذا اعتبر بقعوده. وقيل: المقامة عبارة عن الجماعة الحاضرين عنده، وأنشد [من الطويل] ١٣٠٨ - وفيهم مقامات حسان وجوههم وهذا على سبيل المجاز أطلق للمحل على الحال، ومثله قول مهلهل: [من الكامل]
следующие страницы →