Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وعلى ما قال: يقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠]. وهذا على قراءة رفع "قول" وجعله بدلاً من عيسى أو عطف بيان أو خبرًأ ثانيًا لذلك. قوله: ﴿إنكم لفي قولٍ مختلفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أي في أمرٍ من العبث فسماه قولاً؛ فإن المقول فيه يسمى قولاً كما أن المذكور يسمى ذكرًا.
قوله: ﴿لقول رسولٍ كريمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] فنسب القول إلى الرسول، والمراد به القرآن لأن القول الصادر إليك عن الرسول يبلغه إليك عن مرسلٍ له فيصح أن تنسبه تارةً إلى رسوله وأخرى إلى مرسله، قال الراغب: وعلى هذا فإن قيل: فهل يصح أن ينسب الشعر والخطبة إلى روايهما كما تنسبهما إلى صانعهما؟ قيل: يصح أن يقول: هو قول الراوي ولا يصح أن يقال هو شعره وخطبته، لأن الشعر يقع على القول إذا كان على صورة مخصوصةٍ، وتلك الصورة ليس للرواي فيها شيء، والقول قول الراوي كما هو قول المروي عنه.
قوله: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦] لم يرد به القول النطقي فقط بل ما معه اعتقاد وعمل. قوله: ﴿ولو تقول﴾: يريد بذلك الكذب والاختلاق: والمتقول الكذاب. وقولني فلان حتى قلت، أي: علمني حتى علمت. وفي الحديث: "نهى عن قيلٍ وقالٍ" يروى بفتح اللامين على أنهما فعلان ماضيان، وحكيا بالجر والتنوين على الإعراب على أنهما مصدران أو نقلا إلى الأسمية.
ورجل تقوالة وقوال وقوالة: أي منطيق. والمقول: اللسان لأنه آلة القول.
والقيل: الملك من ملوك حمير؛ سمي بذلك للاعتماد على قوله أو لأنه متقيل لأبيه، يقال: تقيل فلان أباه، فإن قيل: فكان ينبغي أن يقال فيه قول فالجواب أن أصله
стр. 1297
قيول فأدغم، كهيب وأصله هيوب، ولذلك جمعوه على أقوالٍ كقولهم أموات ثم خفف فصار قيلاً كما يقال ميت في ميت. ويجوز أن يجمع على أقيالٍ، قال الراغب: وإذا قيل أقيال فذلك نحو أعيادٍ. قلت: إنما قالوا: أعياد في جمع عيدٍ، وإن كان الأصل يقتضي أعوادًا لأنه قد يلبس بجمع عود الحطب، فكذلك هنا؛ فلو قيل: أقوال لألبس بجمع القول، ولكن العرب لم تلتفت إلى ذلك هنا.
واقتال فلان: قال ما يجتر به إلى نفسه خيرًا أو شرًا. والقال والقالة: ما انتشر من القول. والقال يكون بمعنى القائل. يقال: انا قال كذا، أي قائله؛ قاله الخليل.
ق وم:
قوله تعالى: ﴿إلا ما دمت عليه قائمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أي ثابتًا على طلبه. والقيام: مصدر قام يقوم، وأصله قوام ولكنه أعل لإعلال فعله بخلاف لواذٍ مصدر لاوذ، لصحة فعله، وهذا متقن في غير هذا من كتبنا في التصريف، ثم القيام أنواع: قيام بالشخص إما بالتسخير كقوله: ﴿منها قائم وحصيد﴾ [هود: ١٠٠]، وإما باختيار كقوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا أو قائمًا﴾ [الزمر: ٩]. وقيام هو مراعاة الشيء والحفظ له كقوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤] ﴿أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣] أي مراعون لأحوالهن وحافظوهن.
وقيام: هو عزم على الشيء، كقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] و ﴿يقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣] أي يداومون على فعلها ويحافظون عليها. وقيل: هو من قام سوق كذا أي نفق فيه المتاع. وأقمته: أي جعلته كذلك: وأنشد: [من المتقارب]
١٣٠٦ - أقامت غزالة سوق الضراب ... لأهل العراقين حولاً قميطا
وقيل: معناه يؤدونها مقومة الأركان والسنن غير مخلين بشيءٍ منها، من: أقام الأمر إذا أتى به على أكلم هيئاته.
قوله: ﴿أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ [النساء: ٥] أي جعله مما
стр. 1298
يمسسككم ويرد قواكم لأنه سبب رزقكم.
والقيام والقوام: ما تقوم به بينة الإنسان، وما يقوم به الشيء كالسناد. والعماد اسم لما يسند به ويعمد به.
والقوام بالفتح ما هو متوسط بين رتبتين، كقوله تعالى: ﴿وكان بين ذلك قوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. قوله: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس﴾ [المائدة: ٩٧] بمعنى قوامًا لهم في أمور دنياهم ودينهم، فهي تقوم بأمورهم في معاشهم ومعادهم. وقال الأصم: قائمًا لا ينسخ. قرئ قيمًا بمعنى قائمًا، وقيل: هو جمع قيمة، قاله الراغب. وليس قول من قال: هو جمع قيمةٍ بشيءٍ. قلت: وهذا صحيح هنا لكنه قد قرئ في قوله: ﴿التي جعل اله لكم قيمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] وهذا صحيح في الأموال.
قوله: ﴿دينًا قيمًا﴾ [النساء: ١٥] قيل: معناه ثابتًا لأمور معائشهم ومعادهم. وقرئ "قيمًا" وفيه وجان؛ أحدهما: أنه مقصور من قيامًا، والثاني: أنه وصف على فعل نحو: لحم زيم وقوم عدى ومكان سوى وماء روى. وأصل قيم قيوم كميتٍ.
قوله: ﴿وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥] قال ابن عرفة: فجعلها مصدرًا كالصغر والكبر، وأنشد لكعب بن زهير: [من الطويل]
١٣٠٧ - فهم ضربوكم حين جرتم عن الهدى
بأسيافهم حتى استقمتم على القيم
стр. 1299
أي على الاستقامة.
قوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ أي الأمة القيمة، أي القائمة بالقسط والعدل، وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠].
قوله: ﴿فيها كتب قيمة﴾ [البينة: ٣] إشارة إلى القرآن، وذلك لما فيه من قمرة كتب الله المنزلة، فإن القرآن مجمع معاني كتبه القديمة. وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي من كتب الأولين وغيرها.
قوله: ﴿ولم يجعل له عوجًا قيمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] من صفة الكتاب، وقيل: عوجًا حال من الهاء في "له". ولنا فيه كلام أتقناه في غير هذا.
قوله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [آل عمران: ٢] بناء مبالغةٍ وزنه فيعول، وأصله قيووم فقلبت الواو الأولى ياء لأجل الياء قبلها وأدغمت الياء الأولى فيها، ومعناه القائم الحافظ لكل شيءٍ والمعطى له ما به قوامه، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥١]. وقرئ القيام والقيوم، وذلك نحو ديون وديان، وقال أبو عبيدة: القيوم: القائم وهو الدائم الذي لا يزول، وقيل: هو القائم بأمور الخلق، يقال: فلان قائم بالأمر: أي حافظ له. وعندي أنه لا يجوز إطلاق هذه اللفظة على غير الباري تعالى لما فيها من المبالغة، ولما ذكروا ذلك في الرحمن ونحوه.
﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ [البقرة: ٢٠] أي ثبتوا ووقفوا متحيرين. وليس المراد القيام من قعودٍ.
قوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١] اسم غلب على يومٍ يبعث الله عباده لحسابهم لأنه فيه يقومون لذلك، وذلك إشارة إلى قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين: ٦]. وقوله: ﴿ويوم تقوم الساعة يؤمئذ﴾ [الروم: ١٤] نسب
стр. 1300
القيام للزمان والمراد أهلها. والساعة أيضًا اسم ليوم القيامة؛ قال الراغب: القيامة أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة، أدخل فيها الهاء تنبيهًا على وقوعها دفعةً.
قوله: ﴿واتخذا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] أي مكان قيامه؛ يريد به المكان الذي كان يقوم عليه حين بنى الكعبة الشريفة، من الله علينا برؤياها ثانيًا وأكثر من ذلك بحجة من شرع حجها. والمقام يكون اسم مكان القيام وزمانه ومصدره، وأصله مقوم، فأعل بالنقل والقلب.
قوله تعالى: ﴿يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي﴾ [يونس: ٧١] يجوز أن يكون مصدرًا أي قيامي فيكم ودعوتي إلى الله، وأن يكون زمانًا أي زمن قيامي لأنه ﷺ يتعهد نصيحتهم ليلاً ونهارًا كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿رب إني دعوت قومي ليلاً ونهارًا﴾ [نوح: ٥] وذلك مما يضجر الأشقياء، فقال لهم ذلك، وأن يكون مكانًا لأنه كان يبرز نفسه الشريفة ويظهرها على مكانٍ لا يخفى. فصلى الله على سائر الأنبياء ما أقوى جأشهم وأرسخ قدمهم وأثبت صبرهم.
قوله: ﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾ [النمل: ٣٩]. قال الأخفش: إن المقام المقعد، قال الراغب: فهذا إن أراد أن المقام والمقعد شيء واحد بالذات، فإنهما يختلفان بالنسبة إلى الفاعل كالحدور والصعود. وإن أراد أن معنى القيام معنى المقعد فذلك بعيد فإنه يسمى المكان الواحد مرة مقامًا إذا اعبتبر بقيامه، ومقعدًا إذا اعتبر بقعوده.
وقيل: المقامة عبارة عن الجماعة الحاضرين عنده، وأنشد [من الطويل]
١٣٠٨ - وفيهم مقامات حسان وجوههم
وهذا على سبيل المجاز أطلق للمحل على الحال، ومثله قول مهلهل: [من الكامل]
стр. 1301
١٣٠٩ - نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس
وما أحسن قوله: ﴿فليدع ناديه، سندع الزبانية﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] فشتان ما بين النداءين والمناديين والمناديين.
قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠] أي لزموا الطريق المستقيم، وهو ما أمر الله به فامتثلواه وما نهى عنه فاجتنبوه، وهو أمر شاق، ولذلك يروى عن سيد الخلق أنه قال: "شيبتني هود وأخواتها" قيل: أشار بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢].
قوله: ﴿إهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] يعني طريق الحق والدين الحق، وذلك على سبيل الاستعارة؛ شبه طريق الحق بدينٍ مستقيمٍ إذ لا عوج فيه ولا احد يداب ولا حدوبة، كذا دين الإسلام سهل مستقيم. وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: ١٨٥] اووافق قوله ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحاء". ولا يرى أشق من سلوك الطرق المعوجة الجائزة عن القصد، وكذلك الدين غير الحق لا يرى أثقل منه ولا أشق على النفس من اعتقاده، وإنما يتحمله من يتحمله لشقاوته.
قوله: ﴿حتى تقيموا التوراة﴾ [المائدة: ٦٨] أي تحللوا ما حللت وتحرموا ما حرمت، فذلك تقويمها وإقامتها، فإن من ضيع حدودها فقد أضاعها ولم يقم منآدها، والمراد: توفوها حقها علمًا وعملاً. قال بعضهم: لم يأمر الله تعالى بالصلاة حيثما أمر ولا مدح بهما حيثما مدح إلا بلفظ الإقامة، تنبيهًا على أن المقصود بها توفية شروطها والإتيان بهيئاتها كاملةً مستكملة الفرائض والسنن لا الإتيان بهيئاتها. وكذلك سؤاله صلى الله عليه وسلم
стр. 1302
في قوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة﴾ [إبراهيم: ٤٠] أي وفقني لتوفية شرائطها وآدابها كاملة. وقيل: قد يعبر بالإقامة للصلاة عن الإقرار بوجودها كقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ إلى قوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ [التوبة: ٥] أي أقروا بوجوبها. وقد يعبر عن الإظهار لشعارها، ومنه قوله تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة﴾ [الحج: ٤١] لأن المراد الأئمة.
قوله: ﴿إنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] المقام بالضم من أقام، وهو يصلح للمصدر والزمان ولامكان المفعول به، والمراد به هنا مكان الإقامة بالفتح من قام وهو صالح لما تقدم غير المفعول به. وقد قرئ: ﴿لا مقام لكم﴾ [الأحزاب: ٦٣] بالوجهين، وكذا ﴿إن المتقين في مقامٍ أمينٍ﴾ [الدخان: ٥١].
قوله: ﴿الذي أحلنا دار المقامة﴾ [فاطر: ٣٥] هي بمعنى الإقامة كقوله: ﴿دار الخلد﴾ [فصلت: ٢٨] وقد يعبر بالإقامة عن الدوام والاستقرار كقوله تعالى: ﴿ولهم عذاب مقيم﴾ [المائدة: ٢٧] يعني دائم ولا ينقطع، وإليه أشار بقوله: ﴿إن المتقين في مقامٍ﴾ أي مكان تدوم فيه إقامتهم.
قوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويمٍ﴾ [التين: ٤] تقويم الشيء: تثقيفه، وأشار تعلى بذلك إلى ما عليه الإنسان دون سائر الحيوان من العقل والفهم وانتصاب القامة وتناول المأكولات والمشروبات بيديه واستيلائه على كل ما في هذا العالم والتصرف فيه.
وتقويم السلعة: جعل قيمتها معادلة لها.
والقوم سموا بذلك لقيامهم بمهمات الأمور، والأصل إطلاقهم على الرجال دون النساء. ولذلك أشار تعالى بقوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ وذكر سببه فقال: ﴿بما فضل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم﴾ [النساء: ٣٤] فإن الهم لمعصب برؤوس الرجال، ولذلك قابل بينهما زهير بن أبي سلمى: [من الوافر]
стр. 1303
١٣١٠ - وما أدري وسوف إخال أدري: ... أقوم آل حصنٍ أم نساء؟
وذلك قوله تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قومٍ﴾ [الحجرات: ١١] ثم قال: ﴿ولا نساء من نساءٍ﴾ إلا أنه أكثر ما ورد في القرآن، والمراد به الرجال والنساء جميعًا.
قوله: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة﴾ [آل عمران: ١١٣] أي متمسكة بدينها، وهم قوم آمنوا بموسى وعيسى ومحمد ﷺ ومنه حديث حكيم بن حزامٍ: "بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخر إلا قائمًا" أي متمسكًا بديني، قاله المبرد. وقال أبو عبيدٍ: معناه إلا ثابتًا على الإسلام، وقال ﵊: "ما أفلح قوم قيمتهم امرأة" أي سائسة أمرهم القائمة به. وفي حديث ابن عباس: "إذا استقمت بنقدٍ فبعت بنقدٍ فلا بأس به، وإذا استقمت فبعت بنسيئة فلا خير فيه" قال أبو عبيد: استقمت بمعنى قومت وهي لغة أهل مكة؛ يقولون: استقمت المتاع، أي قومته. قال: ومعنى الحديث أن يدفع الرجل الثوب فيقومه بثلاثين ثم يقول: بعه فإن زاد عليها فلك. فإن باعه بأكثر من الثلاثين فانتقد فهو جائز ويأخذ ما زاد وإن باعه بالنسيئة بأكثر مما يبيعه بالنقد فالبيع مردود غير جائز.
ق وو:
قوله تعالى: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ [هود: ٥٢] قيل: هي ولد الولد. ويروى أن رجلاً شكا إلى الحسن بن علي ﵄ -قلة الولد- فقال له: أكثر الاستغفار. ففعل فرزقهم. فقيل للحسن بن علي: من أين لك ذلك؟ فقال: من قوله تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم﴾ إلى قوله: ﴿ويزدكم قوةً إلى قوتكم﴾ وقيل: إن الله قد ضمن أن يعطي كل واحدٍ منهم من أنواع القوى قدر ما يستحقه.
والقوة تستعمل تارةً في معنى القدرة، نحو: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] وقيل: بعزيمة وجد. قوله: ﴿ذي قوةٍ عند ذي العرش﴾ [التكوير: ٢٠] قيل: يعني به جبريل، وهو الصحيح. وبلغ من قوته أن حمل سبع مدائن على ريشةٍ من ريشه ثم
стр. 1304
قلبها. وجعله قويًا عند ذي العرش تنبيهًا أنه إذا اعتبر بالملأ الأعلى فقوته إلى حد ما، ولذلك أفرد القوة ونكرها. وهذا بخلاف وصفه في موضعٍ آخر بقوله: ﴿علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٥] يقول: إن جبريل علم النبي ﷺ ما أوحي به إليه عن الله تعالى فناسب أن يصفه بشديد القوى فعرفه وجمعه تنبيهًا أنه إذا اعتبر بهذا العالم وبالذين يعلمهم ويفيدهم هو كثير القوى عظيم القدرة.
قوله: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قيل: هي المري، وقيل: إن ذلك مرفوع إلى رسول الله ﷺ وقيل: هو السلاح والعدة. ثم القوة تستعمل على أوجه، أحدها: بمعنى القدرة على الشيء والإطاقة له نحو: هو قوي على عمل كذا، ومنه: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوةٍ﴾، الثاني: للتهيؤ الموجودة في الشيء نحو قولنا: الإنسان كاتب بالقوة. وأن يقال: النوى بالقوة نخل أي أنه متهيئ لأن يجيء منه ذلك. وأكثر من يستعمل القوة بهذا المعنى الفلاسفة، ويقولون: ذلك على وجهين: أحدهما أن يقال لما كان موجودًا، فيقال: كاتب بالقوة أي معه المعرفة لكنه ليس ملتفتًا لها. والثاني: أن يقال: هو كاتب بالقوة وليس معه معرفة بذلك ولكنه قابل للتعلم في الجملة، إذ هو من جنسٍ يمكن تعلمه ذلك. ويقابلونها بالفعل فيقولون: هذا كاتب بالفعل أي متلبس بذلك.
قوله تعالى: ﴿تذكرة لكم ومتاعًا للمقوين﴾ [الواقعة: ٧٣] قيل: هم الذين فني زادهم. وحقيقتهم النازلون بالأرض القواء، وهي القفز من الأرض؛ يقال: أقوى الرجل: إذا صار في قواءٍ، كأترب: إذا صار في التراب. ويقال لها القيء أيضًا. وفي حديث عائشة ﵂: "وبي رخص لكم في صعيد الأقواء" الأقواء: جمع قواءٍ وهو القفر من الأرض، قاله الهروي وفيه نظر من حيث إن فعالاً لا يطرد جمعه على أفعال. وفي الحديث أيضًا؛ "صلى بأرضٍ قي" والأصل قوء فقلبت الواو الأولى ياء ثم قلبت الثانية كذلك لأنه صار من باب ميتٍ وسيدٍ. وقيل: إنما قيل: لهم مقوون لأن من نزل بالقفر حصل له فقر، وفي عبارة بعضهم وتصور من حال الحاصل في القفر الفقر، وهو تجانس بديع.
стр. 1305
واقتويته: أي استخدمته، وأنشد لعمرو بن كثلوم: [من الوافر]
١٣١١ - متى كنا لأمك مقتوينا؟
أي خدمًا. وفي حديث مسروقٍ: "أنه أوصى في جاريةٍ له أن قولوا لبني: لا تقتووها بينكم ولكن بيعوها ظاهرة" إنهم لا يستخدمونها فإنه قد تضيع مصلحتها بسبب الاشتراك، إذا يتكل كل واحدٍ منهم على الآخر. وقد فسروه بغير هذا؛ فقال النضر بن شميلٍ: يقال: بيني وبين فلانٍ ثوب فتقاويناه. أي أعطيته به ثمنًا أو أعطاني هو فأخذه أحدنا. وقد اقتويت منه الغلام الذي كان بيننا: إذا اشتريت منه حصته. قال أبو زيدٍ: إذا كان الغلام أو الجارية أو الدابة أو الدار بين رجلين فقد تقاوياها، وذلك إذا قوماها فقامت على ثمنٍ، فهما في التقاوي سواء. فإذا اشتراها أحدهما فهو المقتوي دون صاحبه. وقد أقواه البائع.
والتقاوي والإقواء والاقتواء يكون بين الشركاء، فأما في غير الشركاء فلا.
والإقواء في الشعر أن يكن أحد الرويين مجرورًا والآخر مرفوعًا. وقد ترجم الهروي ﴿المقوين﴾ [الواقعة: ٧٣] للمقوين في مادة (ق وي) وليس بصحيحٍ بل هو من مادة (ق وو)
فصل القاف والياء
ق ي ض:
قوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] أي ننح ليستولي عليه استيلاء القشرة على البيضة. والقيض -بالضاد- قشر البيض الأعلى، وبالظاء شدة الحر. وقيل: سيناله من حيث لا يحتسب.
يقال: هو قيض لهذا وقياض له: أي مساوٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾
стр. 1306
[فصلت: ٢٥]. وفي الحديث: "ما أكرم شاب شيخصأً لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند شيبته". والمقايضة في البيوع: المبادلة، مأخذ من التساوي؛ يقال: هما قيضان، أي مثلان متساويان في القيمة. وفي حديث يوم القيامة: "قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها" أي شقت، ومنه اشتق قيض البيضة. وانقاضت البيضة انقياضًا.
ق ي ل:
قوله تعالى: ﴿خير مستقرًا وأحسن مقيلاً﴾ [الفرقان: ٢٤] المقيل: الحلول وقت القيلولة، وهي شدة الحر: قبل الزوال بساعةٍ وبعده بأخرى. وقيل: هي النوم نصف النهار. فالمقيل يكون هنا مصدرًا ومكانًا وزمانًا، أي أحسن قيلولةً أو مكانها أو زمانها؛ يقال: قال يقيل قيلولة ومقيلاً. وقال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار عند العرب وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال الله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يؤمئذٍ خير مستقرًا وأحسن مقيلاً﴾. والجنة لا نوم فيها.
ويقال في البيع: قلته وأقلته قيلولةً وإقالةً، كأنهم جعلوا الراحة الحاصلة بذلك مثل الراحة الحاصةل وقت القائلة.
قوله تعالى: ﴿أو هم قائلون﴾ [الأعراف: ٤] أراد أنه يأخذهم في إحدى الغرتين؛ إما البيات بالليل وإما النوم نصف النهار، وهما وقت راحة الإنسان.
والقيلة: شرب نصف النهار، والصبوح: شرب الغداة، والغبوق: شرب العشي، والقمحة: شرب أول الليل، والجاشرية: شرب السحر. وقيل: القمحة: شرب العشي.
والقيلة -بالكسر- الأدرة؛ وفي حديث أهل البيت: "ولا حامل القيلة". قلت: كأنها مشتقة من القالة، وهي كثرة القول، فتكون من مادةٍ أخرى لا من هذه.
стр. 1307
باب الكاف
الكاف:
حرف معناه التشبيه، وقد ترد تعليلاً كقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة؛ ١٩٨]. وتكون اسمًا إذا جرت بإضافة حرفٍ أو أسند إليهما، كقول الشاعر: [من الرجز]
١٣١٢ - فصيروا مثل كعصفٍ مأكول
في أحد الوجهين. وقول الأعشى: [من البسيط]
١٣١٣ - هل تنتهون؟ ولن ينهى ذوي شططٍ ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
وزعم الأخفش أنها تكون اسمًا مطلقًا. ويتعين حرفيتها في قولك: جاء الذي كعمرو، ولما قررناه في غير هذا. وقد ترد زائدة، وجعلوا منه قوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] قيل: لئلا يلزم محذور، وهذا كله مقرر في موضعه.
فصل الكاف مع الهمزة
ك أس:
قوله تعالى: ﴿إن الأبرار يشربون من كأسٍ﴾ [الإنسان: ٥] الكأس: الإناء الذي فيه الخمر غالبًا. قيل: ولا يقال له كأس أغلا وفيه خمر وإلا فهو قدح، كالخوان مع المائدة في أخواتٍ لها قد ذكرتها. وقد يطلق على كل واحدٍ من الشراب أو الإناء بانفراده كأس؛ يقال: كأس خالٍ من الشراب، وشربت كأسًا، قال تعالى: ﴿ويسقون فيها كأسًا﴾ [الإنسان: ١٧] وقال تعالى: ﴿وكأسٍ من معينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] وإبدال همزتهما ألفًا مطرد نحو رأسٍ وهي مؤنثة وتجمع على أكؤسٍ وكؤوسٍ نحو أفلسٍ وفلوس.
стр. 1308
فصل الكاف والباء
ك ب ب:
قوله تعالى: ﴿أفمن يمشي مكبًا﴾ [الملك: ٢٢] الكب: إسقاط الشيء على وجهه، والإكباب: جعل وجهه مكبوبًا على العمل، وهذا عكس ما هو المعهود من أن الفعل المجرد يكون قاصرًا، فإذا دخلت الهمزة عدته لمفعولٍ نحو: خرج زيد وأخرجته، وهذا عكسه. فيقال: كببت زيدًا فأكب، ومثله: قشعت الريح السحاب فأقشعت، وتحقيقه أن الهمزة هنا للضرورة والمطاوعة.
والكبكبة: تكرير الكب، وهو تدهور الشيء في هوةٍ كقوله: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾ [الشعراء: ٩٤]. وقيل: المعنى جمعوا. وقيل: ألقي بعضهم على بعضٍ، وهي متقاربة.
والكبكبة: الجماعة -بضم الكاف الأول وفتحها- وفي الحديث: "كبكبةٍ من بني إسرائيل" أي جماعة. وفي حديث ابن زملٍ: "فأكبوا رواحلهم في الطريق" قال الهروي: كذا الرواية، والصواب كبوا، والمعنى: ألزموها الطريق. الرجل يكب على عملٍ يعمله: إذا لزمه، وأنشد قول عنترة: [من الكامل]
١٣١٤ - قدح المكب على الزناد الأجذم
والكواكب: جمع كوكبٍ. وهو كجوهرٍ في زيادة واوه، ولا قال له كوكب إلا عند ظهوره؛ فالكواكب: النجوم البادية، وأنشد للنابغة الذبياني: [من الطويل]
١٣١٥ - فإنك شمس والنجوم كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ووجه الرد أنه سماه كوكبًا عند عدم ظهوره، وكان مراد الراغب الحقيقة، وقول النابغة على المجاز.
стр. 1309
ويقال: هم كوكبة واحدة أي مجتمعون. وكوكب العسكر: ما يلمع فيه من الحديد على التشبيه، وفي المثل: "تفرقوا تحت كل كوكب" إذا تشتتوا.
ك ب ت:
قوله تعالى: ﴿كبتوا﴾ [المجادلة: ٥] أي غيظوا شدة الغيظ، وقيل: أذلوا وأخزوا. وقيل: الأصل فيه كبدوا؛ أي أصيب كبدهم بما لا يقدر عليه من الهموم والآلام فقلبت الدال تاء لقرب مخرجهما، كقولهم: سبت رأسه وسبدها أي حلقها. وقيل: هو الحزن. وقيل: أشد الحزن، وهو الصحيح. ويدل عليه أنه أخص من الحزن أنه ﷺ "رأى طلحة حزينًا مكبوتًا". وقيل: الكبت: الرد بعنفٍ.
قوله تعالى: ﴿أو يكبتهم﴾ [آل عمران: ١٢٧] قال أبو عبيدة: أو يهزمهم. وقيل: يحزنهم. والأصل فيه ما قدمته وما ذكره المفسرون أسباب لذلك.
ك ب د:
قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ﴾ [البلد: ٤] أي مشقةٍ شديدة. وأصل ذلك من قولهم: كبدته أكبده أي أصبت كبده، فأصابه الكبد والكباد أي وجع وصل إلى الكبد. ونبه تعالى بقوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبدٍ﴾، على أنه خلقه على حالةٍ لا ينفك من المشاق ما لم يقتحم العقبة ويستقر في دار القرار، كقوله تعالى: ﴿لتركبن طبقًا عن طبقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩].
وكبد السماء وكبد القوس: وسطهما تشبيهًا بكبد الإنسان لتوسطها البدن. وكبد كل شيء وسطه. وفي الحديث: "وتلقي الأرض أفلاذ كبدها" أي ما خفي من كنوزها. وقيل: ﴿في كبد﴾ أي خلق منتصبًا غير منحنٍ. وما أبعد هذا لفظًا ومعنى! وقال ابن عرفة: في كبدٍ أي في ضيقٍ كأنه يشير لمحله في الرحم، وأنشد للبيد: [من المنسرح]
стр. 1310
١٣١٦ - يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد
قال: والإنسان في بطن أمه في ضيقٍ ثم يكابد ما يكابده من أمر دنياه وآخرته ثم الموت إلى أن يستقر في جنةٍ أو نارٍ.
وفلان يكابد معيشته، أي يقاسي منها ضيقةً وشدةً، قال الشاعر:
وفي الحديث: كبدهم البرد. أي شق عليهم.
ك ب ر:
قوله تعالى: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم﴾ [الأنعام: ٣٥] أي صعب وشق. قوله: ﴿وإنها لكبيرة﴾ [البقرة: ٤٥] أي شاقة. ثم إن الكبر والصغر اسمان متضايفان باعتبار بعضها ببعضٍ، فرب شيءٍ يكون كبيرًا بالنسبة لما دونه، صغيرًا بالنسبة لما فرقه، ويستعملان في الكمية المتصلة كما في الأجسام نحو: الجمل أكبر من الفرس، كالقلة والكثرة في استعمالهما في الكمية المنفصلة كالأعداد. وقد يتعاقب الكبير والكثير على شيءٍ واحدٍ وذلك بنظرين مختلفين كما في قوله تعالى: ﴿إثم كبير﴾ [البقرة: ٢١٩] قرئ "كبير" و"كثير" بالياء الموحدة والثاء والمثلثة. وقد حررناه بأكثر من هذا في موضعٍ هو أليق به. والأصل استعماله في الأعيان ثم يستعار للمعاني كقوله تعالى: ﴿فيهما إثم كبير﴾ ﴿لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً﴾ [الكهف: ٤٩].
قوله تعالى: ﴿إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣] وصفه بالكبر تنبيهًا على أن العمرة حج أصغر، ولذلك قال ﵊: "العمرة هي الحج الأصغر"، ويستعمل ذلك اعتبارًا بتقدم الزمان. ومنه: فلان كبير أي مسن، قال الله تعالى: ﴿وقد بلغني الكبر﴾ [آل عمران: ٤٠]. قال الشاعر: [من المتقارب]
стр. 1311
١٣١٧ - أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي
وقد يقال باعتبار المنزلة والرفعة كقوله تعالى: ﴿قل أي شيءٍ أكبر شهادة﴾ [الأنعام: ١٩]. قوله تعالى: ﴿فجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم﴾ [الأنبياء: ٥٨] إنما أطلق عليه ذلك على زعمهم وتسميتهم أي باعتبار جثته فإنه كان أعظمهم جثةً. قوله تعالى: ﴿أكابر مجرميها﴾ [الأنعام: ١٢٣] أي رؤساءها، وذلك على سبيل الاستدراج كقوله: ﴿أمرنا مترفيها﴾ [الإسراءك ١٦] ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٢]. قوله تعالى حكايةً عن فرعون ﴿إنه لكبيركم﴾ [طه: ٧١] أي رئيسكم في هذه الصناعة. وفي المثل: "ورثه كابرًا عن كابرٍ" أي أبًا عظيم القدر عن أبٍ عظيمٍ مثله.
قوله تعالى: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾ [الشورى: ٣٧] وقرئ "كبير" فالكبيرة متعارفة في كل ذنبٍ لعظم عقوبته، واختلف الناس في حدها وعدها، ولهما موضع هو أليق بهما بيناهما فيه ولله الحمد.
قوله تعالى: ﴿كبرت كلمة﴾ [الكهف: ٥] أي عظم ذنبها وعقوبتها لأنها قول باطل في حق من لا يجوز عليه ذلك بوجهٍ. وليست كسائر الكذبات؛ فإن الكذب قد يقال فيمن يجوز عليه مثل ذلك الشيء المكذوب فيه كقولك: الأمير ظلمني، ولم يكن ظلم، فهذا كذب قبيح وإن كان ممكنًا جائزًا وقوع الظلم منه، والباري ﵎ لا يتصور في حقه ما افتروه.
قوله: ﴿كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٣] يعني أن مقته لكم على ذلك أشد من مقته لكم على غيره من الذنوب، ولذلك أخرجهما نصبًا على التمييز.
стр. 1312
قوله: ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ [النور: ١١] إشارةً إلى من تولى حديث الإفك، ونبه بذلك على أن كل من سن سنةً قبيحة يقتدي بها غيره فذنبه أعظم وعقوبته أشد. ولذلك قال ﷺ : "كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" وفي عكسه كذلك والكبر والتكبر والاستكبار تتقارب معنى، لكن الكبر الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره. وأعظم الكبر والتكبر: ما وقع في جانب أوامر الله ونواهيه، وذلك أن يتكبر على أداء طاعاته والانزجار عن معاصيه.
والاستكبار يقال باعتبارين: أحدهما تحري الإنسان وطلبه أن يكون كبيرًا وهذا إذا كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الزمان الذي يجب محمود غير مذمومٍ. والثاني أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له أو يرى نفسه أكبر من غيره بما أنعم الله عليه من مال أو جاهٍ. ولذلك قال تعالى: ﴿نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا﴾ [القصص: ٨٣]، فجعل إرادة ذلك علةً مستقلةً بدليل إعادة "لا" فيما عطف. وجميع ما ورد في القرآن العظيم من الاستكبار من هذا النوع كقوله تعالى: ﴿واستكبروا استكبارًا﴾ [نوح: ٧] أي واستكبر، ﴿فيقول الضعفاء للذين استكبروا﴾ [غافر: ٤٧] قابل المستكبرين بالضعفاء منبهةً على أن استكبارهم عليهم كان بما لهم من القوة في البدن والمال. وقوله: ﴿فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين﴾ [الأعراف: ١٣٣] فنبه بقوله: ﴿فاستكبروا﴾ على تكبرهم وإعجابهم بأنفسهم وبقوله: ﴿وكانوا قومًا مجرمين﴾ أن الحامل لهم على ذلك ما تقدم من جرمهم، وأن ذلك ليس شيئًا حادثًا منهم بل كان ديدنهم وهجيراهم. والتكبر -أيضًا- يقال على وجهين.
أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة كثيرة في الحقيقة وزائدةً على محاسن غيرها، وبهذا وصف الله تعالى نفسه فقال: ﴿العزيز الجبار المتكبر﴾ [الحشر: ٢٣] وما أبلغ
стр. 1313
تناسب هذه الصفات الثلاث: العزة والجبروت والتكبر!
والثاني: أن يوصف به من يشبع بما ليس له ويتكلف ذلك، وهذا في أوصاف الناس كقوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبارٍ﴾ [غافر: ٣٥] قرئ بإضافة القلب إليه. ويوصف القلب بالمتكبر، ولا يجوز أن يوصف بالثاني غير الباري تعالى: وجوز ذلك الراغب فقال: ومن وصف بالتكبر على الوجه الأول فمحمود. ثم قال: ويدل على أنه قد يصح أن يوصف الإنسان بذلك ولا يكون مذمومًا.
قوله: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦] فافهم أن التكبر فيها بحق سائغٍ، وفيه نظر لأنه من باب قوله: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به﴾ [المؤمنون: ١١٧] إذا لا مفهوم لهذه الصفة، أو يكون فائدة قوله: ﴿بغير الحق﴾ أنهم لو سئلوا عن تكبرهم لأجابوا بأنه بغير حق كما قيل ذلك في قوله: ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ [آل عمران: ١١٢].
والكبر: كبر السن، ومنه قوله ﷺ : "كبر الكبر" أي قدموا الكبير منكم. والكبرياء: الترفع عن الانقياد والطاعة. وذلك لا ينبغي أن يوصف بها غير الله تعالى، ولذلك قال: ﴿وله الكبرياء﴾ [الجاثية: ٣٧] أي له خاصةً لا لغيره. وإليه أشار رسول الله ﷺ فيما حكاه عن ربه: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في شيءٍ منهما قصمته".
والكبار: مخففًا أبلغ من الكبير. وأنشد: [من البسيط]
١٣١٨ - كحلفةٍ من أبي دثارٍ ... يسمعها لاهه الكبار
والكبار -مشددًا- أبلغ منه قال تعالى: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾ [نوح: ٢٢].
стр. 1314
وأكبرته: جعلته أو اعقتدته كبيرًا، كقوله تعالى: ﴿فلما رأينه أكبرنه﴾ [يوسف: ٣١]، كبرته مثله أيضًا. ومعنى كبرياء الله تعالى وصفنا له بالعظمة، وبقولنا: الله أكبر.
قوله: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من اخلق الناس﴾ [غافر: ٥٧] إشارة إلى ما خصمها تعالى من إبداعه عجائب صنعته ولطائف حكمته التي لا يعلمها إلا قليل ممن وصفهم بقوله تعالى: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩١]، وليس قصد ذلك كبر جثتهما فإن أكثر الخلق يعلمون ذلك.
قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] إشار إلى العذاب الواقع يوم القيامة، أعاذنا الله منه، وفيه تنبيه أن كل ما ينال الكافر من العذاب في الدنيا أو في البرزخ صغير في جنب ما يناله في الآخره.
قوله: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ [المدثر: ٣٥] أي إحدى العظائم، قيل: عنى بها النار.
قوله تعالى: ﴿قال كبيرهم﴾ [يوسف: ٨٠] عنى بذلك أكبرهم عقلاً لا سنًا، وفي الحديث: "أخذ عودًأ في منامه ليتخذ منه كبرًا" بزنة طللٍ. قال شمر: هو الطبل له وجه واحد. وقول المؤذن: "الله أكبر الله أكبر" ليس فيه تفضيل، إنما المراد به الله الكبير، كقول الأحوص: [من الكامل]
١٣١٩ - إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسمًا إليك مع الصدود لأميل
وقول الفرزدق: [من الكامل]
١٣٢٠ - إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
أي المائل، وعزيز مائل. والنحويون يقولون "من" محذوفة لأن أفعل خبر، والخبر يكثر فيه الحذف، والتقدير: أكبر من كل شيءٍ، ومثله قول الخنساء: [من الطويل]
стр. 1315
١٣٢١ - فما بلغت كف امرئٍ متناولٍ ... بها المجد إلا حيثمان نلت أطول
أي أطول منه. قال أبو بكرٍ: العوام يمضون الراء من "أكبر" يعني أن الصواب فتح الراء، ووجهه بأن الأذان كلماته مبنية على السكون لتقطيع كلماتها وترتيلها. فلما كانت الراء ساكنة نقل إليها حركة همزة الجلالة وهي فتحة ففتحت الراء، وقد اعترض عليه بأن همزة الجلالة همزة وصلٍ وهي ساقطة درجًا فكيف ننقل فتحها؟ وهو اعتراض ساقط لأنه قال: إن الكلمات على تقدير السكون والقطع من بعضها، فكأن الهمزة مبتدأ بها غير مندرجةٍ. ومثل ذلك قراءة ﴿ألم الله﴾ [آل عمران: ١ - ٢] ففتح الميم؛ قيل: الفتحة لإلتقاء الساكنين، وقيل: حركة نقلٍ، واعترض بما تقدم وأجيب بما ذكرته. وسمع من كلامهم: ثلاثة أربعة بفتح هاء ثالثة وصلاً، وقد قررنا ذلك في غير هذا.
وفي الحديث: "لا تكابروا الصلاة بمثلها في التسبيح بعد التسليم في مقامٍ واحدٍ" قيل: معناه لا تغالبوا الصلاة بأن تجعلوا تسبيحها أكبر منها بعد أن تسلموا منها، بل ينبغي أن تكون زائدة عليه.
فصل الكاف والتاء
ك ت ب:
قوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ - ٢] الكتاب -في الأصل- مصدر كتب أي جمع. قال تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ [النساء: ٢٤] أي: كتب ذلك عليكم كتابًا كقوله: ﴿صنع الله﴾ [النمل: ٨٨] ثم يطلق على المكتوب كقولهم: خلق الله، وضرب الأمير، وأنشد: [من الطويل]
١٣٢٢ - نشرت عيالي إذ رأيت صحيفة
إليك من الحجاج يبلى كتابها
стр. 1316
أي مكتوبها، والكتاب المذكور في الآية الكريمة هو القرآن العزيز، سمي بذلك لما جمع فيه من الأخبار والقصص والأحكام والمواعظ والأمثال والأوامر والنواهي والزواجر والإنذار والإعذار والتحذير والبشارة إلى غير ذلك.
وكل ما جمعته فقد كتبته، ومنه قيل لخرز القربة كتب جمع كتبةٍ وأنشد لذي الرمة: [من البسيط]
١٣٢٣ - مشلشل ضيعته بينها الكتب
ومنه: كتبية الجيش، لاجتماع الفرسان، وأنشد: [من الكامل]
١٣٢٤ - وكتبيةٍ آنستها بكتيبةٍ ... حتى إذا اجتمعت نقصت لها يدي
ومنه: كتبت البغلة والقلوص أي جمعت بين شفريها بحلقةٍ ونحوها، وأنشد [من البسيط]
١٣٢٥ - لا تأمنن فزاريًا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
وسميت الكتابة كتابة لضم الحروف فيها بعضها إلى بعضٍ، والأصل في الكتابة النظم بالخط، وفي المقال النظم باللفظ. ثم قد يستعمل كل منهما للآخر، قال الراغب: ولذلك سمي كلام الله -وإن لم يكتب- كتابًا لقوله: ﴿ألم ذلك الكتاب﴾. قلت: نصب كتابًا على أنه مفعول اسمي لا أنه خبر ليكن. ويعني بذلك أن القرآن كلام الله مسمى بالكتاب قبل أن يكتب بالخط. وأقرب من ذلك أن يقال: سمي كتابًا لما يؤول إليه من الكتابة في علم الله تعالى، ثم قد يعبر بالكتابة عن الإيجاب
стр. 1317
الإثبات والتقدير والفرض. قال بعضهم: وجه ذلك أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب؛ فالإرادة مبدأ الكتابة منتهى. ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى، كقوله: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] أي حكم وقضى بذلك وأثبته في اللوح المحفوظ.
قوله: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله﴾ [الأنفال: ٧٥] أي في حكمه.
قوله: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥] أي فرضنا وأوجبنا. قوله: ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء﴾ [الحشر: ٣] أي لولا أن أوجب عليهم الجلاء من ديارهم قوله: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢] إشارة إلى أنه بخلاف صفة من قال في حقهم: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ [الكهف: ٢٨] قيل: لأن معنى "أغفلنا" من قولهم: أغفلت الكتاب: إذا جعلته خاليًا من الكتابة والإعجام.
وقد يعبر بالكتابة عن القضاء الممضى وما يصير في حكمه، وعليه حمل قوله تعالى: ﴿وبلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ [الزخرف: ٨٠] قيل: ذلك مثل قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩] قوله: ﴿فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون﴾ [الأنبياء: ٩٤] أي مثبتون غير مضيعين لعمله، كقوله: ﴿أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقوله: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٣٠]. قوله: ﴿ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣] أي أثبتنا معهم وأدخلنا في زمرتهم، وكأنه إشارة إلى قوله في موضعٍ آخر: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ [النساء: ٦٩]. قوله: ﴿ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩] إشارة إلى ما أثبت فيه أعمال بني آدم. وهي صحيفة كل إنسان، وما كتب له من خيرٍ أو شر، جليلٍ أو حقيرٍ، وقيل: الإشارة إلى صغائر الذنوب وكبائرها.
стр. 1318
قوله: ﴿ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها﴾ [الحديد: ٢٢] هذا مرادٌ به اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿لولا كتابٌ من الله سبق﴾ [الأنفال: ٦٨] يعني ما قدره من الحكم، وذلك إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ [الأنعام: ٥٤].
قوله: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ [التوبة: ٥١] أي ما قضاه وقدره وأبرمه. وفي قوله لنا دون علينا معنىً لطيفٌ ذكره العلماء، وهو أن فيه تنبيهًا أن ما يصيبنا نعده نعمةً لنا ولا نعده نقمةً علينا.
قوله: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١] قيل: معناه وهبها لكم ثم حرمها عليكم بامتناعكم من قبولها ودخولها. وقال آخرون: كتبها لكم بشرط أن تدخلوها وأتى باللام دون «على» لما تقدم، يعني أن دخولهم إياها يعود عليهم بنفعٍ في الآجل والعاجل فيكون ذلك لهم لا عليهم، وذلك كقولك لمن يرى تأذيًا بشيءٍ لا يعرف نفع مآله: هذا لك لا عليك.
قوله: ﴿لقد لبثتم في كتاب الله﴾ [الروم: ٥٦] أي في حكمه وعلمه وإيجابه، وقيل: معناه أنزل الله في كتابه أنكم لابثون إلى يوم القيامة.
قوله: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله﴾ [التوبة: ٣٦] أي في حكمه وشرعه. قوله: ﴿ولا هدى ولا كتاب منيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠] أي ولا حجةٍ ظاهرةٍ، فإن الكتاب يعبر به عن الحجة الثابتة.
قوله: ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ [الطور: ٢١] إشارةٌ إلى العلم والتحقق والاعتقاد، وقال القتيبي: المعنى يحكمون؛ يقولون: نفعل بك كذا وكذا ونطردك ونقتلك، وتكون العاقبة لنا عليك. قلت: وقد عكس الله عليهم آمالهم كلها فطردوا وقتلوا. وكان له العاقبة عليهم، ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [القصص: ٨٣].
قوله: ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه إشارةٌ لطيفةٌ إلى تحري النكاح وذلك أن الله تعالى خلق للخلق النكاح ليتحروا بها طلب النسل، الذي يكون سببًا لبقاء نوع الإنسان إلى غاية قدرها ونهاية حصرها، فيجب للإنسان أن يتحرى بالنكاح ما جعل الله له على حسب مقتضى العقل والديانة. ومن تحرى النكاح حفظ النسل وحصن النفس على الوجه المشروع فقد ابتغى ما كتب الله له، وإلى هذا أشار من
стр. 1319
قال: أراد بما كتب الله لكم الولد.
وقد يعبر بالكتب عن الإيجاد، فيقابل بالمحو والإزالة، كقوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩] بعد قوله تعالى: ﴿لكل أجلٍ كتابٌ﴾، فنبه أن لكل وقت إيجادًا فهو يوجد ما تقضي الحكمة إيجاده ويزيل ما تقتضي الحكمة إزالته، وقد دل قوله تعالى: ﴿لكل أجل كتابٌ﴾ على نحوٍ ما دل عليه قوله تعالى: ﴿كل يومٍ هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩].
قوله: ﴿وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب﴾ [آل عمران: ٧٨] فالكتاب الأول: ما كتبوه بأيديهم المذكورة بقوله: ﴿فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ [البقرة: ٧٩]. والثاني: التوراة. والثالث: جنس كتب الله تعالى كلها أي ما هو من شيءٍ من كتب الله تعالى وكلامه.
قوله: ﴿فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾، فيه تنبيهٌ أنهم يختلقونه ويفتعلونه؛ فكما نسب الكتاب المختلق إلى أيديهم نسب الكلام المختلق إلى أفواههم فقال تعالى: ﴿ذلك قولهم بأفواههم﴾ [التوبة: ٣٠].
قوله: ﴿وإذا آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ [البقرة: ٥٣] يجوز أن يكون الكتاب والفرقان عبارة عن التوراة وسماها كتابًا باعتبار ما أثبت فيها من الأحكام، وفرقانًا باعتبار ما وقع فيها من الفرق بين الحق والباطل.
قوله: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] أشار بالكتاب إلى الحكم والقضاء المبرم، ولذلك وصفه بكونه مؤجلًا أي مذكورًا أجله ووقته.
قوله تعالى: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها﴾ [الفرقان: ٥] أي سأل كتابها. وكنوا بذلك عن الاختلاق؛ قال بعضهم: الاكتتاب متعارفٌ في الاختلاق، وقيل: اكتتبها: كتبها من ذاته لنفسه، وقيل: كتابتها له. ومنه حديث ابن عمر: «من اكتتب ضمنًا بعثه الله تعالى» قلت: الضمن.
стр. 1320
وحيثما ذكر الله أهل الكتاب فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل أو هما جميعًا. قوله: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب﴾ [يونس: ٣٧]. أراد بالكتاب كتب الله غير القرآن لأنه جعل القرآن مصدقًا له. قوله: ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا﴾ [الأنعام: ١١٤] قيل: أراد به القرآن، وقيل: أراد القرآن وغيره من الحجج والعقل والعلم.
قوله: ﴿وقال الذي عنده علمٌ من الكتاب﴾ [النمل: ٤٠] أراد به سليمان، وبالكتاب علمًا من العلوم التي آتاها الله تعالى سليمان في كتابه المخصوص به، وبه سخر له كل شيءٍ.
قوله: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ [آل عمران: ١١٩] قيل: أراد بالكتاب جمع جنس الكتب فوضع الواحد موضع الجمع كقولك: كثر الدرهم في أيدي الناس، ويؤيده قوله: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه﴾ [البقرة: ٢٨٥] قرئ: ﴿وكتبه﴾ و ﴿كتابه﴾. وقيل: وحد لأنه في الأصل مصدرٌ فتوحد، نحوٌ رجلٍ عدلٍ. وقيل: عنى بذلك كتابًا واحدًا ونبه أنهم ليسوا كمن قيل فيهم ﴿نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ [النساء: ١٥٠].
قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: ٣٣] كتابة العبد، يجوز أن تكون من الكتب بمعنى الإيجاب أو بمعنى النظم أي نظم الحروف، لأن العادة جاريةٌ بكتب ذلك في صك والإشهاد فيه حفظًا لحق العبد فإنها جائزةٌ من جهته لازمةٌ من جهة سيده.
قوله: ﴿سنكتب ما قالوا﴾ [آل عمران: ١٨١] أي سنحفظ قولهم، وقيل: سنكتبه في صحف الحفظة بأن تكتبه الحفظة، كقوله: ﴿كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١١ - ١٢] وهو المشار إليه بقوله: ﴿ونخرج له يوم القيامة كتابًا
стр. 1321
يلقاه منشورًا﴾ [الإسراء: ١٣] والله تعالى عالمٌ بالأشياء لا يحتاج إلى كتبٍ، وإنما أراد إقامة الحجة عليهم. وفي الحديث: «لأقضين بينكما بكتاب الله» أي بحكمه وقضائه.
ك ت م:
قوله تعالى: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾ [النساء: ٤٢] جاء في الحديث عن ابن عباسٍ ﵄: «إن المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنة إلا من لم يكن مشركًا، قالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] فتشهد عليهم جوارحهم فحينئذ يودون ألا يكتموا الله حديثًا». وعن الحسن: «الآخرة مواقف ففي بعضها يكتمون وفي بعضها لا يكتمون». وقال غيره: «لا يكتمون الله حديثًا» تنطق جوارحهم. قلت: هذان القولان كالجواب عن سؤالٍ مقدرٍ يذكره الناس، وهو أنه تعالى قال في موضعٍ آخر: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. ونظير ذلك قوله: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] مع قوله: ﴿فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جانٌ﴾ [الرحمن: ٣٩].
وحقيقة الكتم ستر الشيء وتغطيته، وغلب في الحديث؛ يقال: كتمته كتمانًا وكتمًا. وقال بعضهم: الكتم والختم أخوان، أي متقاربان أو بمعنىً واحد. وفي الحديث: «وكان يدهن بالمكتومة». في «المكتومة» تفسيران أحدهما: أنه دهنٌ من أدهان العرب يجعل فيها الزعفران. والثاني: أنها ما جعل فيها الكتم المعروف. وفي الحديث: «بالحناء والكتم». والكتم يقال له الوسمة، والوسمة بسكون السين وكسرها.
стр. 1322
فصل الكاف والثاء
ك ث ب:
قوله تعالى: ﴿وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا﴾ [المزمل: ١٤] ما اجتمع من الرمل، وجمعه كثبانٌ وكثبٌ وأكثبةٌ. وأصل المادة الدلالة على الجمع، ومنه: كثبة اللبن لما اجتمع منه، الجمع كثبٌ، نحو: غرفة وغرف.
والكثبة -أيضًا -قطعة التمر لاجتماعها. وكثب الشيء: جمعه، وأكثب الصيد: إذا أمكن من نفسه. وفي المثل: «أكثبك الصيد فارمه» أي أمكنك من نفسه وقرب منك. وحقيقته: جمع نفسه عليك. فالكتب -بالمثناة والمثلثة -متقاربان لفظًا ومعنىً كما تقدم بتقرير ذلك. وفي حديث يوم بدر: «إن أكثبكم القوم فانبلوهم» أي أن قاربوكم فارموهم. وفي آخر: «إذا كثبوكم فارموهم بالنبل». وفي حديث عائشة تصف أباها الصديق ﵄: «ظن رجالٌ أن قد أكثبت أطماعهم» أي قاربت. وكثبت الشيء أكثبه: جمعته. والكثيب -أيضًا -: القريب.
ك ث ر:
قوله تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١] التكاثر: المغالبة في الكثرة من الأشياء الدنيوية كما تتغالب الجاهلية بكثرة أموالها وأثاثها، وقراها الضيفان، وفكها العناة، وإطعامها في النوء المجاويع وغيره، على ما شهدت بذلك أشعارهم وخطبهم، والمعنى أنه شغلهم تكاثرهم بذلك حتى ماتوا فزاروا المقابر. وقيل: إنهم تفاخروا بآبائهم حتى يعز الأحياء فذكروا.
يقال: تكاثروا فكثرهم فلانٌ فهو كاثرٌ وغيرهم مكثور. والكاثر -أيضًا -: الكثير المال. وأنشد: [من السريع]
стр. 1323
١٣٢٦ - ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
وفي مقتل الحسين: «ما رأينا مكثورًا أجرًا مقدمًا منه». فأما المكثور عليه فهو الذي كثرت عليه الحقوق، والمكاثر: متعارفٌ في الكثير المال.
قوله: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١] قيل: هو نهرٌ عظيمٌ، وفي الحديث: «آنيته عدد نجوم السماء»، وقيل هو نهرٌ في الجنة يتفرع عنه سائر أنهارها، وقيل: الكوثر هو كل خيرٍ كثيرٍ؛ فالكوثر مبالغةٌ في الكثير زيدت الواو دلالةً على ذلك كزيادتها في الجوهر للدلالة على جهره في الرؤية.
والكوثر -أيضًا -: الرجل الكثير الخير. وتكوثر الشيء: كثر كثرةً متناهيةً، قال الشاعر: [من الطويل]
١٣٢٧ - وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا
وقيل: الكوثر هو القرآن والنبوة، وهذا هو القول بكونه الكثير، إذ لا خير أكثر من خير القرآن بل هو أصل كل خير.
والكثر -بالضم -يقابل القل، وفي حديث أبي بكر ﵁: «نسأل الله الكثر ونعوذ به من القل».
والكثر: الجمار، كذا يطلقونه، وقيده الراغب بالكثير، وفيه مناسبةٌ. ويروى في الحديث: «لا قطع في ثمر ولا كثر» بسكون الثاء وفتحها وهو المشهور، وفي حديث فيس بن عاصمٍ: «نعم المال أربعون والكثر ستون» وقد تقدم في باب القاف أن القلة
стр. 1324
والكثرة يستعملان في الكمية المنفصلة كالأعداد. وقوله تعالى: ﴿وفاكهةٍ كثيرةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] وصفها بذلك اعتبارًا بمطاعم الدنيا. وليس الكثرة إشارةٌ إلى العدد فقط بل إلى الفضل، ويقال: عددٌ كثيرٌ وكثارٌ فالكثار أبلغ من الكثير.
فصل الكاف والدال
ك د ب:
قرأ الحسن البصري، ويروى أيضًا عن عائشة ﵂: ﴿وجاؤوا على قميصه بدمٍ كدبٍ﴾ [يوسف: ١٨] بالدال المهملة. قيل: هو المتغير، وقيل: الناصع اللون.
ك د ح:
قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحًا﴾ [الانشقاق: ٦] أي ساع، والكدح: السعي الشديد، وأنشد: [من الطويل]
١٣٢٨ - وما الدهر إلا تارتان: فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
قال أبو بكرٍ في تفسير الآية: كدح إذا سعى وعمل وحرص وعني. وقال غيره: تعبٌ فكأنه سعيٌ خاصٌ.
والكدح: السعي في العمل دنيويًا كان أو أخرويًا. وقد يستعمل الكدح في غير هذا بمعنى الكدم بالأسنان. قال الخليل بن أحمد: الكدح دون الكدم. قلت: هذا يشبه باب القبض والقبص والقصم والفصم.
ك د ر:
قوله تعالى: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ [التكوير: ٢] أي انتثرت. وأصله من الكدر وهو ضد الصفاء، والمعنى: تغيرت بالتناثر، وذلك أنها إذا تناثرت تغير شكلها
стр. 1325
وهيئتها التي كانت بها زينةً.
يقال: عيشٌ أكدر. والكدرة في اللون خاصة، والكدورة في الماء وفي العيش. وانكدر القوم على كذا أي قصدوا متناثرين عليه. ويقال لكل ما انتثر ومر مرًا سريعًا: قد انكدر، وأنشد لذي الرمة: [من البسيط]
١٣٢٩ - فانصاع جانبه الوحشي وانكدرت ... يلحبن لا يأتلي المطلوب والطلب
ك د ي:
قوله تعالى: ﴿وأعطى قليلً وأكدى﴾ [النجم: ٣٤] أي قطع عطاءه. وأصله أن الحافر يحفر الأرض فيبلغ الكدية وهي الأرض الصلبة. وفي حديث الخندق: «فعرضت فيه كديةٌ لا يعمل فيها المعول» والجمع كدىً، نحو: دمية ودمىً؛ فشبه قاطع العطاء بقاطع الجفر حتى يبلغ الكدية. ولما ذكرت عائشة ﵂ أباها قالت: «سبق إذ ونيتم ونجح إذا أكديتم». ولما عزت فاطمة ﵂ بعض جيرانها قال: «لعلك بلغت معهن الكدرى» أراد المقابر لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبةٍ. قال الهروي: قلت للأزهري: رواه بعضهم «الكرى» بالراء فأنكره.
فصل الكاف والذال
ك ذ ب:
قوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١] أي لكاذبون في شهادتهم وقيل: كذبهم في اعتقادهم. وتقدم القول في الصاد أن الكذب غير الصدق.
قوله: ﴿ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠] قرئ بالتثقيل
стр. 1326
والتخفيف مع فتح الياء وسكون الكاف، وهما واضحان لأن المنافقين، لعنهم الله، قد فعلوا النوعين: كذبوا الرسول وكذبوا في قولهم: آمنا وليسوا بمؤمنين.
وقوله: ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ [الأنعام: ٣٣] قرئ -أيضًا -بالتثقيل والتخفيف؛ فمن قرأه مثقلًا فمعناه أنهم لا يقولون لك: كذبت؛ يقال: كذبته إذا قلت له كذبت. ومن قرأه مخففًا فمعناه أنهم لا يرون ما أتيت به كذبًا. والمعنى أنك صادقٌ عندهم، ولكنهم يجحدونه بألسنتهم.
وأكذبته -أيضًا -: إذا وجدته كاذبًا. وقيل: كذبته: نسبته إلى الكذب، نحو: فسقته: نسبته إلى الفسق، صادقًا كان أو كاذبًا. وقيل: معناه لا يجدونك كاذبًا ولا يستطيعون أن يبينوا كذبك لأنه أمرٌ محالٌ.
قوله: ﴿ليس لوقعتها كاذبةٌ﴾ [الواقعة: ٢] الكاذبة -قيل -هي مصدرٌ، كالعاقبة والعافية، أي ليس لوقوعها كذبٌ أي هي كائنةٌ لابد منها ولا التفاف إلى من كذب بها، وقيل: المعنى نفسٌ كاذبةٌ. وقيل: نسب الكذب إلى نفس الفعل كقولهم: فعلةٌ صادقةٌ وفعلةٌ كاذبةٌ.
قوله: ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ [يوسف: ١١٠] قرئ بالتثقيل والتخفيف أيضًا. والمعنى أنهم قد كذبوا من جهة قومهم وأن قومهم كذبوهم أي نسبوهم إلى التكذيب هذا في من ثقل، فأما قراءة التخيفف فاستشكلها جماعةٌ، وتكلم بعض الناس فيها بما لا يليق، والحق فيها أن معناها كذبوا من جهة قومهم. وغلب على ظنهم أن قومهم كذبوهم فيما وعدوا الرسل أنهم يؤمنون بهم. وعن عائشة ﵂: ﴿حتى إذا أستيأس الرسل﴾ [يوسف: ١١٠] ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنت الرسل أن من آمن منهم من قومهم قد كذبوهم ﴿جاءهم نصرنا﴾ عند ذلك. وروى ابن جريرٍ
стр. 1327
عن ابن عباس أن الضمير في «ظنوا» للكفرة وفي أنهم «كذبوا» للرسل؛ أي ظن قوم الرسل أن الرسل كذبوا فيما وعدوا به من نصرهم عليهم بإمهال الله تعالى إياهم، وقيل: الضمائر كلها للقوم، أي أن الرسل وعدتهم العذاب إن لم يؤمنوا. فلما طال الأمر عليهم بالإمهال لا بالإهمال ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدتهم به الرسل من العذاب، ولذلك كانوا يستعجلون به كما قال تعالى: ﴿فلا تستعجلون﴾ [الأنبياء: ٣٧] أي بالعذاب، وهذا شأن المتمردين المغترين بحلم الله عليهم. فنسأل الله تعالى ألا يجعلنا ممن يملى لهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون. وقد تكلمت في هذه الآية كلامًا مشبعًا في «الدر» و «العقد» و «التفسير الكبير» بما يليق بكل منها، وهذا القدر هنا كافٍ.
قوله: ﴿لا يسمعون فيها لغوًا ولا كذابًا﴾ [النبأ: ٣٥] قرئ بالتشديد بمعنى التكذيب، والمعنى: لا يكذبون فيكذب بعضهم بعضًا، ونفي التكذيب عن الجنة يقتضي نفي الكذب عنها، قال الراغب، وهو صحيحٌ في هذه المادة التي نحن فيها، وأما في غيرها فلو قيل: لاتكذيب في الدار، لا يلزم منه نفي الكذب من أصله. وقال الهروي في قوله: ﴿وكذبوا بآيتنا كذابًا﴾ [النبأ: ٢٨]، وقرئ مخففًا. قال: وفعالٌ في مصدر فعل أكثر من فعل يعني أن مصدر فعل مشددًا على فعالٍ مشددًا أكثر منه على فعالٍ مخففًا، وفيه نظرٌ من وجهين: أحدهما أنه لم يقرأ بذلك إلا في قوله «ولا كذابًا». والثاني: أن فعلًا مخففًا ليس مصدر الفعل المشدد.
قوله: ﴿بدمٍ كذبٍ﴾ [يوسف: ١٨] أي ذي كذب، أي مكذوب فيه، أو جعل نفس الدم كذبًا مبالغةً. نحو: رجلٌ عدلٌ وصومٌ، وتقدم أنه قرئ بالدال المهملة.
قوله: ﴿ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ﴾ [العلق: ١٦] أي كاذبٍ صاحبها خاطئٌ، فنسب
стр. 1328
الكذب إليها مبالغةً نحو: نهاره صائمٌ. وقيل: عبر بالبعض عن الكل وأتى بأشرف ما فيه وأعلى، فوصفه بأقبح الصفات وهو الكذب والخطأ، وفي الحديث عنه ﵊: «كذب عليك الحج» قال بعضهم: معناه وجب عليك فعليك به، قال: وحقيقته أنه في حكم الفائت لبطء وقته كقولك: قد فات الحج فبادر أي كاد يفوت. و «كذب عليك العسل» أي عليك العسل، فهو إغراءٌ، واختلف الناس فيما بعد عليك من هذا الكلام؛ فبعضهم يرويه بالرفع على أنه فاعل «كذب» ويقول: هو بمعنى وجب ونقل عن معناه الأصلي إلى هذا المعنى، ووجه النقل ما قدمته من البطء؛ قال الهروي: وفي حديث عمر «كذب عليكم الحج، كذب عليكم الجهاد» قال أبو عبيد؛ قال الأصمعي: معناه الإغراء، قال: وكان وجهه النصب ولكنه جاء شاذًا مرفوعًا ومثله حديثه الآخر: «شكا إليه رجلٌ النقرس فقال: كذب عليك الظهائر» أي عليك بالمشي فيها. ومنه الحديث في من احتجم يوم الخميس والأحد: «كذباك» أي عليك بهما. وفي حديث علي كرم الله وجهه: «كذبتك الحارفة» أي عليك بمثلها. وقال الفراء: معنى كذب عليك: وجب عليك، وهو الكذب في الأصل في معنى قوله: «كذب عليكم الحج» أن قيل: لا حج فهو كذبٌ، وقال أبو سعيد: معناه الحض؛ يقول: إن الحج ظن بكم حرصًا عليه ورغبةً فيه فكذب ظنه. قلت: ورواه الراغب بالنصب؛ لكنه في العسل فقال «وكذب عليك العسل» بالنصب أي عليك بالعسل، وذلك إغراءٌ، وقيل: العسل هنا العسلان؛ وهو ضربٌ من السير، ولم يذكر في لفظ الحج شيئًا من رفعٍ ولا نصبٍ. والظاهر أنه لا فرق بين لفظٍ ولفظٍ مع إيجاد المعنى، ويؤخذ من كلام الفراء أن «كذب» ردٌ لكلامٍ متكلمٍ مرادٍ كأن قائلًا قال: لا حج، فقيل في جوابه: كذب. ويكون
стр. 1329
عليكم الحج جملةً برأسها، إما اسمية من مبتدأ وخبر إذا رفعنا الحج ويفيد فائدة الإغراء، لأن معنى عليكم الحج، أي واجبٌ عليكم الحج، ومعنى الزموا الحج واحدٌ ولهذا خرج بعضهم قوله ﵊: «وإلا فعليه بالصوم» أن الباء مزيدةٌ في المبتدأ. وقد مر إغراء الغائب، والمعنى مع ذلك موجودٌ وهو وجوب الصوم عليه إن خاف العنت. ومن جعله إغراء فهم الإغراء من لفظ «الكذب». والظاهر أنه مفهومٌ من لفظ «عليك». وجيء بـ «كذب» لما ذكرته أولًا عن فهم كلام الفراء؛ فقد تلخص من كلامهم أنه ينطبق بما بعد «عليك» من هذا التركيب بالرفع والنصب؛ فالرفع على الفاعلية بـ «كذب» أو بالابتداء، و «عليك» خبره كما مر تفسيره. وإما النصب فعلى الإغراء، والعامل فيه «عليك»، و «كذب» ردٌ لكلام متقدمٍ، والله أعلم.
وكذب يتعدى لاثنين، لأحدهما بنفسه، وللثاني بحرف الجر، فيقال: كذبته الحديث وفي الحديث، نحو: صدقته الحديث وفي الحديث.
ويقال: رجلٌ كذابٌ وكذوبٌ وكذبذبٌ وكذيذبٌ وكيذبانٌ، كل ذلك للمبالغة في كذبه. ويقال: حمل فلانٌ على قرنه فكذب، كما يقال في ضده: صدق. ويقال: كذبته نفسه: إذا خاب ظنه، ومنه قول الشاعر: [من الوافر]
١٣٣٠ - وقد كذبتك نفسك فأكذبيها ... فإن جزعًا وإن إجمال صبر
وكذب لبن الناقة: إذا ظن أنه يدوم مدةً فلم يدم.
فصل الكاف والراء
ك ر ب:
قوله تعالى: ﴿فنجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ [الأنبياء: ٧٦] الكرب: الغم الشديد. والكربة: الغمة الشديدة. قيل: وأصل ذلك من كرب الأرض: أي حفرها وقلبها بالحفر، فكأن الغم يثير النفس إثارة ذلك. وقيل: أصله من قلب الأرض بالكراب، أي
стр. 1330
الآلة التي تحرث بها الأرض. وقيل: أصله من أكربت الدلو، أي شددته بالكرب، فكأن الكرب يضيق النفس ويوثقها وثاق الكرب للدلو، وأنشد: [من البسيط]
١٣٣١ - قومٌ إذا قعدوا عقدًا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
ويصح أن يكون من كربت الشمس: أي دنت للمغيب.
وكرب فعل مقاربة من أخوات عسى، يعمل عمل كان، وفي دخول أن في خبرها اختيارًا خلافٌ، وقد سمع بالوجهين، فمن ذلك قول الشاعر: [من الخفيف]
١٣٣٢ - كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة: هندٌ غضوب
ومن الإتيان بأن قول الآخر: [من الطويل]
١٣٣٣ - وقد كربت أعناقها أن تقطعا
ولها أحكامٌ ذكرتها في غير هذا، وفي الحديث: «استعف أو كرب» أي: قارب. وكل دانٍ فهو كاربٌ.
والكروبيون: طائفةٌ من الملائكة، قال أبو العالية: هم سادة الملائكة؛ سموا بذلك لقرب منزلتهم من الله. ومثله حديثٌ آخر: «أيفع أو كرب» أي قارب الإيفاع، وأنشد: [من الكامل]
١٣٣٤ - أبني أن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
стр. 1331
أي قرب من يوم أجله. وقال الليث: يقال لكل حيوان وثيق المفاصل: إنه لمكرب المفاصل ولمكرب الخلق. قلت: أصله من شددت الدلو بالكرب، كما تقدم. وفي الحديث: "ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة". قد تقدم أن الكربة شدة الغم، وهي الغمة الشديدة.
ك ر ر:
قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ وليس المراد بالتثنية هنا شفع الواحد إنما المعنى على كرات بدليل قوله: ﴿ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾، أي مزدجرا وهو قليل. ومعلوم أن ذلك لا يكون بين نظرتين فقط، وإنما المعنى كرة بعد كرة، فهذا مما لفظه تثنية ومعناه جمع، وله أخوات: لبيك وسعديك وهذاذيك ودواليك وحنانيك.
وأصل الكر العطف على الشيء والعود إليه بالذات أو بالفعل، ومنه كر في الحرب أي رجع إليها، قال: [من الوافر]:
١٣٣٥ - أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواكا
وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
١٣٣٦ - مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
قوله: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ أي الغلبة والظفر، وفي الحديث: "وتكركر حبات من شعير" أي تطحن؛ سميت كركرة لترديدها الرحى على الطحن، فمعنى العود موجود فيها، وأنشد لأبي دؤاد: [من المتقارب]
١٣٣٧ - إذا كركرته رياح الجنو ... ب ألقح منها عجافا حيالا
стр. 1332
وفي الحديث «أنه ﵊ وأبا بكرٍ وعمر تضيفوا أبا الهيثم بن التيهان، فقال لامرأته: ما عندك؟ فقالت: شعيرٌ، قال: فكركري» أي اطحني، والمصدر: الكركرة.
والكركرة -أيضًا -رحى زور البعير. والكركرة -أيضًا -الجماعة المجتمعة، وهي -أيضًا -تصريف الرياح السحاب، وذلك مكررٌ من كر، ومنه البيت المتقدم لأبي داؤد: إذا كركته الرياح.
والكركرة -أيضًا -صوتٌ يردده الإنسان في جوفه، وقال شمرٌ: الكركرة من الإدارة والترديد، وهو من كر.
والكر -بالفتح -: الحبل المفتول لأنه كرر مثله، وهو في الأصل مصدرٌ سمي به الحبل، وجمعه كرورٌ.
والكر مقدارٌ معلومٌ، وقال النضر: الكر بالبصرة ستة أوقارٍ، قال الأزهري: الكر: ستون قفيزًا. والقفيز ستة مكاكيك، والمكوك: صاعٌ ونصفٌ، وهو ثلاث كيلجات؛ فالكر على هذا الحساب اثنا عشر وسقًا، وكل وسيقٍ ستون صاعًا.
ك ر س:
قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الكرسي في العرف العام: اسمٌ لما يقعد عليه، واشتقاقه من الكرس وهو المتلبد، وقال الراغب: وهو في الأصل منسوبٌ إلى الكرس أي المتلبد. قلت: وفيه نظرٌ لأن النحويين نصوا على أن ياءه وياء يحيى ونحوهما ليسا للنسب. واستدلوا بأنهما جمعا على فعالي، وفعالي لا يكون جمعًا لما ياؤه للنسب، ولذلك خطؤوا من قال: إن أناسي من قوله تعالى: ﴿وأناسي كثيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩] جمع أنسيُ لأن ياءه تدل على النسب، بل هو جمعٌ لإنسان على ما قررته في غير هذا الموضع، فإن عنى أن ياءه في الأصل للنسب فيه أن معنى النسب مهجورٌ فيه، وهو الظاهر من عبارته، فصحيحٌ. والمادة تدل على الانضمام
стр. 1333
والاجتماع، ومنه الكراسة للمجتمع من الأوراق.
وكرست البناء فتكرس. وقيل الكرس: أصل الشيء، ومنه قول العرب: هو عظيم الكرس. وأنشد قول العجاج: [من الرجز]
١٣٣٨ - يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسا ... قال: نعم أعرفه، وأبلسا
والكروس: المتركب بعض أجزاء رأسه إلى بعض لكبره. وأما الكرسي في الآية الكريمة فعن ابن عباس ﵄ أنه هو علم الله، وقال غريه: كرسيه أصل ملكه. وقال آخرون: الكرسي الفلك المحيط بالأفلاك، قال ويشهد لذلك منه روي عنه ﵇: «ما السموات السبع في الكرسي إلى كحلقة ملقاة بأرضٍ فلاةٍ».
وفي الحديث: «ما أدري ما أصنع بهذه الكراييس» يعني الكنف، الواحد كرياس، وهو ما كان مشرفًا على سطحٍ بقناةٍ إلى الأرض، فإن كان أسفل فليس بكرياسٍ. قيل: وسمي بذلك لما يعلق به من الأقذار فيتكرس، ومنه: الكرس كرس الدمن ونحوها فهو فعيالٌ من ذلك.
ك ر م:
قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠]. عن ابن عباس: جعلناهم يأكلون بأيديهم ويتناولون غذائهم بها. وحكي أن أبا يوسف الحنفي ﵁ أكل مع الرشيد يومًا فأحضر ملاعق، فقال: يا أمير المؤمنين بلغنا أن جدك عبد الله قال في تفسيره: «جعلنا لهم أيديًا يأكلون بها». فترك الملاعق وأخذ بيده. وقيل: جعلناهم منتصبي القامة وغيرهم منحنيًا، وجعلنا لهم نطقًا وتمييزًا خلاف سائر الحيوانات.
стр. 1334
وأصل الكرم سماحة النفس ببذل المال. وقيل: حسن الخلق. ثم الكرم إذا وصف به الباري تعالى فهو اسمٌ لأحسانه وأنعامه المتظاهرة. وإذا وصف به البشر فهو اسمٌ للأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة الظاهرة؛ فلا يقال: كريمٌ إلا إذا اشتهر بذلك وظهر منه ظهور متعارف. قال بعض أهل العلم: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية تقال في المحاسن القليلة والكثيرة. والكرم لا يقال إلا في الكثيرة، كما فعل عثمان ﵁ في تجهيز جيش العسرة، وكمن يتحمل حمالة يحقن بها دم قومٍ.
قوله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] إنما كان كذلك لأن الكرم -كما تقدم -الأفعال الحميدة، وأكثرها ما قصد به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه ما قصد به وجه الباري تعالى، ولا يفعل ذلك إلا الأتقياء. فمن ثم كان أكرم الناس عند ربهم أتقاهم له، وكل شرفٍ في بابه يوصف بالكرم، وعليه قوله: ﴿إنه لقرآنٌ كريمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]. وقيل: معناه جم الفوائد وكل ذلك مراد. وقوله: ﴿كم أنبتنا فيها من كل زوجٍ كريمٍ﴾ [الشعراء: ٧] ﴿بل عبادٌ مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي جعلهم كرامًا.
قوله: ﴿كرامً كاتبين﴾ [الانفطار: ١١] وصفهم بذلك لشرفهم في أبناء جنسهم. ونخلةٌ كريمةٌ أي طيبة الحمل أو كثيرته، وشاةٌ غزيرة اللبن.
قوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] أي منزهين أنفسهم عن سماعه وعن قوله. وقيل: معرضين عنه قد أكرموا أنفسهم بعدم الدخول فيه، وقيل: غير مؤاخذين قائلين كقوله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
قوله: ﴿لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] كرمه أن خلص من متعبات الدنيا في تحصيله، ومن الشبه المقترنة بالمكاسب والأرزاق، ومن الأسقام العارضة من تناوله
стр. 1335
عند الإفراط فيه ومن الحرص عليه والشح به على مستحقيه. وقيل: أكرم عما في الدنيا من الانقطاع والتنغيص والفساد.
قوله: ﴿إني ألقي إلى كتابٌ كريمٌ﴾ [النمل: ٢٧]. قيل: مختومٌ، وكرم الكتاب ختمه، وقيل: كرمه كونه من عند كريمٍ. وقيل: لبداءته فيه بسم الله الرحمن الرحيم، وكأن قولها: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠] تفسيرٌ لكرمه أو جوابٌ لمن قال: وما وجه كرمه؟ أو تعليلٌ لقولها المشير للدعوى. والظاهر عندي أن قولها: ﴿إنه من سليمان﴾ إلى آخره تفسيرٌ لنفس «كتابٍ» لا لكرمه بدليل قولها: ﴿ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾ [النمل: ٣١] فهو أن لنا من كرمه بل من مقتضاه ومضمونه، ويؤيد ما قلته أن قوله: ﴿إنه من سليمان﴾ كان عنوانه، ومن ثم عنونت الكتب. وقوله: «وإنه بسم الله الرحمن الرحيم» إلى آخره مضمونه، كذا جاء في التفسير.
وكرام الخيل والطير: عتاقهما. والكريم -أيضًا - من كان أبواه شريفين، والمعرف بضده، وأنشد: [من الرمل]
١٣٣٩ - كم بجودٍ مقرفٍ نال العلى ... وكريم بخله قد وضعه
يعني أن الكرم قد يرفع الدنيء ويحط الشريف؛ فالكرم هنا ليس هو المتعارف بين الناس، وما أطبع ما جاء في قوله: «وكريم بخله» فإنه كالمتنافي في العرف العام.
وفي الحديث: «لا تسموا العنب كرمًا إنما الكرم الرجل المسلم» قال أبو بكر محمد بن القاسم في تفسير ذلك: إنما سمي الكرم كرمًا لأن الخمرة المتخذة من تحث على السخاء والكرم، فاشتقوا اسم الكرم من الكرم الذي يتولد منه. قلت: ومن ذلك قول حسان: [من الوافر]
١٣٤٠ - ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء
وقال آخر: [من مجزوء الكامل]
следующие страницы →