← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أي قرب من يوم أجله. وقال الليث: يقال لكل حيوان وثيق المفاصل: إنه لمكرب المفاصل ولمكرب الخلق. قلت: أصله من شددت الدلو بالكرب، كما تقدم. وفي الحديث: "ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة". قد تقدم أن الكربة شدة الغم، وهي الغمة الشديدة. ك ر ر: قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ وليس المراد بالتثنية هنا شفع الواحد إنما المعنى على كرات بدليل قوله: ﴿ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾، أي مزدجرا وهو قليل. ومعلوم أن ذلك لا يكون بين نظرتين فقط، وإنما المعنى كرة بعد كرة، فهذا مما لفظه تثنية ومعناه جمع، وله أخوات: لبيك وسعديك وهذاذيك ودواليك وحنانيك. وأصل الكر العطف على الشيء والعود إليه بالذات أو بالفعل، ومنه كر في الحرب أي رجع إليها، قال: [من الوافر]: ١٣٣٥ - أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواكا وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٣٣٦ - مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل قوله: ﴿ثم رددنا لكم الكرة عليهم﴾ أي الغلبة والظفر، وفي الحديث: "وتكركر حبات من شعير" أي تطحن؛ سميت كركرة لترديدها الرحى على الطحن، فمعنى العود موجود فيها، وأنشد لأبي دؤاد: [من المتقارب] ١٣٣٧ - إذا كركرته رياح الجنو ... ب ألقح منها عجافا حيالا

стр. 1332

وفي الحديث «أنه ﵊ وأبا بكرٍ وعمر تضيفوا أبا الهيثم بن التيهان، فقال لامرأته: ما عندك؟ فقالت: شعيرٌ، قال: فكركري» أي اطحني، والمصدر: الكركرة. والكركرة -أيضًا -رحى زور البعير. والكركرة -أيضًا -الجماعة المجتمعة، وهي -أيضًا -تصريف الرياح السحاب، وذلك مكررٌ من كر، ومنه البيت المتقدم لأبي داؤد: إذا كركته الرياح. والكركرة -أيضًا -صوتٌ يردده الإنسان في جوفه، وقال شمرٌ: الكركرة من الإدارة والترديد، وهو من كر. والكر -بالفتح -: الحبل المفتول لأنه كرر مثله، وهو في الأصل مصدرٌ سمي به الحبل، وجمعه كرورٌ. والكر مقدارٌ معلومٌ، وقال النضر: الكر بالبصرة ستة أوقارٍ، قال الأزهري: الكر: ستون قفيزًا. والقفيز ستة مكاكيك، والمكوك: صاعٌ ونصفٌ، وهو ثلاث كيلجات؛ فالكر على هذا الحساب اثنا عشر وسقًا، وكل وسيقٍ ستون صاعًا. ك ر س: قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الكرسي في العرف العام: اسمٌ لما يقعد عليه، واشتقاقه من الكرس وهو المتلبد، وقال الراغب: وهو في الأصل منسوبٌ إلى الكرس أي المتلبد. قلت: وفيه نظرٌ لأن النحويين نصوا على أن ياءه وياء يحيى ونحوهما ليسا للنسب. واستدلوا بأنهما جمعا على فعالي، وفعالي لا يكون جمعًا لما ياؤه للنسب، ولذلك خطؤوا من قال: إن أناسي من قوله تعالى: ﴿وأناسي كثيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩] جمع أنسيُ لأن ياءه تدل على النسب، بل هو جمعٌ لإنسان على ما قررته في غير هذا الموضع، فإن عنى أن ياءه في الأصل للنسب فيه أن معنى النسب مهجورٌ فيه، وهو الظاهر من عبارته، فصحيحٌ. والمادة تدل على الانضمام

стр. 1333

والاجتماع، ومنه الكراسة للمجتمع من الأوراق. وكرست البناء فتكرس. وقيل الكرس: أصل الشيء، ومنه قول العرب: هو عظيم الكرس. وأنشد قول العجاج: [من الرجز] ١٣٣٨ - يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسا ... قال: نعم أعرفه، وأبلسا والكروس: المتركب بعض أجزاء رأسه إلى بعض لكبره. وأما الكرسي في الآية الكريمة فعن ابن عباس ﵄ أنه هو علم الله، وقال غريه: كرسيه أصل ملكه. وقال آخرون: الكرسي الفلك المحيط بالأفلاك، قال ويشهد لذلك منه روي عنه ﵇: «ما السموات السبع في الكرسي إلى كحلقة ملقاة بأرضٍ فلاةٍ». وفي الحديث: «ما أدري ما أصنع بهذه الكراييس» يعني الكنف، الواحد كرياس، وهو ما كان مشرفًا على سطحٍ بقناةٍ إلى الأرض، فإن كان أسفل فليس بكرياسٍ. قيل: وسمي بذلك لما يعلق به من الأقذار فيتكرس، ومنه: الكرس كرس الدمن ونحوها فهو فعيالٌ من ذلك. ك ر م: قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء: ٧٠]. عن ابن عباس: جعلناهم يأكلون بأيديهم ويتناولون غذائهم بها. وحكي أن أبا يوسف الحنفي ﵁ أكل مع الرشيد يومًا فأحضر ملاعق، فقال: يا أمير المؤمنين بلغنا أن جدك عبد الله قال في تفسيره: «جعلنا لهم أيديًا يأكلون بها». فترك الملاعق وأخذ بيده. وقيل: جعلناهم منتصبي القامة وغيرهم منحنيًا، وجعلنا لهم نطقًا وتمييزًا خلاف سائر الحيوانات.

стр. 1334

وأصل الكرم سماحة النفس ببذل المال. وقيل: حسن الخلق. ثم الكرم إذا وصف به الباري تعالى فهو اسمٌ لأحسانه وأنعامه المتظاهرة. وإذا وصف به البشر فهو اسمٌ للأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة الظاهرة؛ فلا يقال: كريمٌ إلا إذا اشتهر بذلك وظهر منه ظهور متعارف. قال بعض أهل العلم: الكرم كالحرية، إلا أن الحرية تقال في المحاسن القليلة والكثيرة. والكرم لا يقال إلا في الكثيرة، كما فعل عثمان ﵁ في تجهيز جيش العسرة، وكمن يتحمل حمالة يحقن بها دم قومٍ. قوله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣] إنما كان كذلك لأن الكرم -كما تقدم -الأفعال الحميدة، وأكثرها ما قصد به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه ما قصد به وجه الباري تعالى، ولا يفعل ذلك إلا الأتقياء. فمن ثم كان أكرم الناس عند ربهم أتقاهم له، وكل شرفٍ في بابه يوصف بالكرم، وعليه قوله: ﴿إنه لقرآنٌ كريمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]. وقيل: معناه جم الفوائد وكل ذلك مراد. وقوله: ﴿كم أنبتنا فيها من كل زوجٍ كريمٍ﴾ [الشعراء: ٧] ﴿بل عبادٌ مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦] أي جعلهم كرامًا. قوله: ﴿كرامً كاتبين﴾ [الانفطار: ١١] وصفهم بذلك لشرفهم في أبناء جنسهم. ونخلةٌ كريمةٌ أي طيبة الحمل أو كثيرته، وشاةٌ غزيرة اللبن. قوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] أي منزهين أنفسهم عن سماعه وعن قوله. وقيل: معرضين عنه قد أكرموا أنفسهم بعدم الدخول فيه، وقيل: غير مؤاخذين قائلين كقوله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قوله: ﴿لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] كرمه أن خلص من متعبات الدنيا في تحصيله، ومن الشبه المقترنة بالمكاسب والأرزاق، ومن الأسقام العارضة من تناوله

стр. 1335

عند الإفراط فيه ومن الحرص عليه والشح به على مستحقيه. وقيل: أكرم عما في الدنيا من الانقطاع والتنغيص والفساد. قوله: ﴿إني ألقي إلى كتابٌ كريمٌ﴾ [النمل: ٢٧]. قيل: مختومٌ، وكرم الكتاب ختمه، وقيل: كرمه كونه من عند كريمٍ. وقيل: لبداءته فيه بسم الله الرحمن الرحيم، وكأن قولها: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠] تفسيرٌ لكرمه أو جوابٌ لمن قال: وما وجه كرمه؟ أو تعليلٌ لقولها المشير للدعوى. والظاهر عندي أن قولها: ﴿إنه من سليمان﴾ إلى آخره تفسيرٌ لنفس «كتابٍ» لا لكرمه بدليل قولها: ﴿ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾ [النمل: ٣١] فهو أن لنا من كرمه بل من مقتضاه ومضمونه، ويؤيد ما قلته أن قوله: ﴿إنه من سليمان﴾ كان عنوانه، ومن ثم عنونت الكتب. وقوله: «وإنه بسم الله الرحمن الرحيم» إلى آخره مضمونه، كذا جاء في التفسير. وكرام الخيل والطير: عتاقهما. والكريم -أيضًا - من كان أبواه شريفين، والمعرف بضده، وأنشد: [من الرمل] ١٣٣٩ - كم بجودٍ مقرفٍ نال العلى ... وكريم بخله قد وضعه يعني أن الكرم قد يرفع الدنيء ويحط الشريف؛ فالكرم هنا ليس هو المتعارف بين الناس، وما أطبع ما جاء في قوله: «وكريم بخله» فإنه كالمتنافي في العرف العام. وفي الحديث: «لا تسموا العنب كرمًا إنما الكرم الرجل المسلم» قال أبو بكر محمد بن القاسم في تفسير ذلك: إنما سمي الكرم كرمًا لأن الخمرة المتخذة من تحث على السخاء والكرم، فاشتقوا اسم الكرم من الكرم الذي يتولد منه. قلت: ومن ذلك قول حسان: [من الوافر] ١٣٤٠ - ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء وقال آخر: [من مجزوء الكامل]

стр. 1336

١٣٤١ - فإذا سكرت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير قال: فكره النبي ﷺ -أن تسمى الخمر باسمٍ مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن أولى بهذا الاسم الحسن؛ فأسقط الخمر عن هذه الرتبة تحقيرً لها وتأكيدًا لحرمته، يعني المؤمن. يقال: رجلٌ كرمٌ أي كريمٌ، وصفٌ بالمصدر، وقال الأزهري: سمي العنب كرمًا لكرمه، وفي المؤمن تكرمةٌ، وذلك أنه ذلل لقاطفه وليس عليه سلاءٌ فيعقر جانيه ويحمل منه الأصل ما تحمل النخلة. وكل شيءٍ كرمٌ فهو كريمٌ. وفي الحديث: «إذا أخذت من عبدي كريمتيه» وروي «كريمته» يعني عينيه وعينه، سميت لعزتها على صاحبها. وكل ما عز عندك فهو كريمٌ، ومنه «إنك أنت العزيز الكريم» [الدخان: ٤٩] قيل له ذلك في معرض التهكم أو على حكاية ما كان يقال له في الدنيا. قال شمرٌ: كل شيء مكرمٌ عندك فهو كريمك. وفي الحديث: «إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه» وروي «كريمة قوم» كأن التاء للمبالغة كرجلٍ فروقةٍ وروايةٍ. وفي الحديث: «خير الناس يومئذٍ مؤمنٌ بين كريمين» قال بعضهم: هما فرسان يغزو عليهما، وقال آخرون: بين أبوين مؤمنين، وقال آخرون: بين الحج والجهاد. ك ر هـ: قوله تعالى: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا﴾ [النساء: ١٩] قرئ في المتواتر بالفتح والضم؛ فقيل: هما بمعنى الضَّعف والضُّعف، وقيل: المفتوح ما ينال الإنسان من المشقة من خارجٍ مما يحمل عليه بإكراه. والكره ما ينال من ذاته وهو ما يعافه، وذلك

стр. 1337

على نوعين: أحدهما ما يعافه من حيث الطبع، والثاني ما يعافه من حيث الشرع والعقل. ولذلك يصح أن يقال: إني أكره الشيء وأريده منه حيث الشرع والعقل، أو أكرهه من حيث الشرع وأريده من حيث الطبع. وعلى الأول قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] أي من حيث الطبع، وقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم﴾. فنبه أنه يجب على الإنسان أن لا يكره شيئًا ولا يحبه حتى يعرف كنهه وما يؤول إليه، وهذا كالدواء؛ فإن النفوس تكرهه وفيه صلاحها، وعكسه الأغذية الغليظة الثقيلة؛ فإن النفوس تريدها وفيها فسادها وسقامها. فالطاعات كالأدوية والمعاصي كالأغذية المؤذية. قوله: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾ [النور: ٣٣] أي لا تكرهوهن على الزنا. وحقيقة الإكراه حمل الإنسان على ما يكرهه. وقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] قيل: ١ - منسوخٌ بآيات القتال، وكان في ابتداء الإسلام يعرض على الرجل الإسلام فإن أجاب وإلا خلي سبيله ولا يقاتل على ذلك. ٢ - وقيل: ليست منسوخةً والمراد أهل الكتاب فإنهم إذا أرادوا الجزية تركوا وأقروا من غير إكراه على الإسلام، بخلاف المحاربين منهم وغيرهم من المشركين. ٣ - وقيل: معناه لا حكم لمن أكره على دينٍ باطلٍ فاعترف به ودخل فيه، كما قال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]. ٤ - وقيل: لا اعتداد في الآخرة بما يفعله الإنسان في الدنيا من الطاعات كرهًا، فإن الله مطلعٌ على السرائر فلا يرضى إلا الإخلاص، ولهذا قال ﵊: «الأعمال بالنيات»، وقال ﵊: «أخلص يكفك القليل من العمل».

стр. 1338

٥ - وقال آخرون: معناه لا يحمل الإنسان على أمرٍ مكروه في الحقيقة مما يكلفهم الله بل يحملون على نعيم الأبد، ولهذا قال ﷺ : «عجب ربك من قومٍ يقادون إلى الجنة بالسلاسل». ٦ - وقيل: معناه أن «الدين» هنا جزاءٌ، وأن الله تعالى ليس بمكرهٍ على الجزاء بل يفعل ما يشاء بمن يشاء، فهذه ستة أقوالٍ. قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتً فكرهتموه﴾ [الحجرات: ١٢] فيه تنبيهٌ على أن لحم الأخ شيءٌ جبلت الأنفس على كراهته وإن تعاطته. والإكراه ضد الاختيار والطواعية. قوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئنٌ بالإيمان﴾ لم يكتف باشتراط الإكراه في ذلك حتى ضم إليه اتصافه بكون قلبه غير مشكك ولا متلجلجٍ في ذلك. قوله: ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] قيل: ١ - معناه أسلم من في السموات طوعًا ومن في الأرض كرهًا، أي الحجة القاطعة بصحة الإسلام ألجأتهم، وأكرهتهم على ذلك، كقوله: دليل هذه المسألة ألجأني إلى القول بها، تريد أنه ظاهرٌ بينٌ، وهذا ليس مذمومًا. ٢ - وقال آخرون: أسلم المؤمنون طوعًا والكافرون كرهًا. ومعناه أنهم لم يقدروا أن يمتنعوا عليه مما يريدهم به. ٣ - وأبين من هذا قول قتادة حيث قال: أسلم المؤمنون له طوعًا والكافرون كرهًا عند الموت، كأنه يريد قوله تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾ [غافر: ٨٤] الآية.

стр. 1339

٤ - وقال أبو العالية ومجاهدٌ: كل مقرٍّ بخلقه إياه وإن أشرك معه غيره كقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [الزخرف: ٨٧]. ٥ - وقيل: عني بالكره من قوتل وألجئ إلى أن يؤمن، وهذه الأقوال إنما تتمشى في حق من في الأرض دون من في السماء. ٦ - وقال ابن عباس: أسلموا بأحوالهم المنبئة عنهم وإن كفر بعضهم بمقالته وذلك هو الإسلام في الذر الأول حيث قال: ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وذلك هي دلائلهم التي فطروا عليها من العقل المقتضي لأن يسلموا. وإليه أشار بقوله: ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥]. ٧ - ونقل الراغب عن بضع الصوفية أن من أسلم طوعًا هو من طالع المثيب والمعاقب لا الثواب والعقاب. ومن أسلك كرهًا هو من طالع الثواب والعقاب فاسلم رغبةً ورهبةً، ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ [الرعد: ١٥]. قوله: ﴿لا يحل لكم إن ترثوا النساء كرهًا﴾، قيل: كان الرجل في الجاهلية إذا مات وترك امرأة وله ولدٌ ذكرٌ أمسكها بعقد أبيه الأول حتى تموت، فيرث منها ما ورثته من أبيه ويقول: أنا أحق بامرأته. وقيل: بل كان إذا تركها وله ورثةٌ فإن سبق واحدٌ منهم إليها وألقى عليها رداءه أو ثوبه فهو أحق بها أن ينكحها بمثل مهر مورثه، أو ينكحها غيره ويكون مهرها له. وهذه أحكامٌ جاهليةٌ طهر الله دينه منها بشرعه القويم على لسان نبيه الكريم. قوله: ﴿حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] يجوز أن يكون حالًا من أمه إما على المبالغة أو على حذف مضافٍ أي ذات كرهٍ، أو على أنه بمعنى

стр. 1340

مكرهةً، وأن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ أي حملًا مكرهًا. والمراد ما يحصل لها من الثقل وعدم النهوض حال حملها لاسيما إذا قاربت الوضع وجدت مشقةً لثقله، ولذلك قال تعالى: ﴿فلما أثقلت﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي صارت ذات ثقلٍ. ويقال: كرهت الشيء أكرهه كرهًا وكراهةً وكراهيةً. والكراهة -غالبًا -ما لا إثم فيه، وقد يراد بها الحرام. فص الكاف والسين ك س ب: قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] أتى باللام في جانب الكسب وبـ «على» في جانب الاكتساب لفائدةٍ جليلةٍ وهي التنبيه على مزيد كرمه وتطاول فضله، من حيث إنه تعالى يعيد للإنسان ما ينسب إلى كسبه، وإن لم يكن منه تعاطٍ لذلك ولا مباشرة، بل إذا كان سببًا في شيء عد ذلك كسبًا له، حتى الولد الصالح جعل من كسبه، فيثاب بأعمال ولده الصالحات، وأما ما يؤاخذ به وهو الذي عبر عنه بأنه عليه فلم يؤاخذ به إلا إذا كان له فيه عملٌ ومباشرةٌ وافتعالُ؛ ألا ترى أن الافتعال يؤذن بالاهتمام بالفعل، بخلاف مجرد الفعل، فاللام غالبًا لما يجب بخلاف على. وإنما استظهرت تعاليًا لقوله تعالى: ﴿وإن اسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]. وقيل: الكسب ما يتحراه من المكاسب الأخروية، والاكتساب ما يتحراه من المكاسب الدنيوية. وقيل: عنى بالكسب ما يفعله الإنسان من فعل خيرٍ، وجلب منفعةٍ إلى غيره، والاكتساب ما يحصله لنفسه من نفعٍ، فنبه على أن ما يفعله الإنسان لغيره من نفع ليوصله إليه فله الثواب، وأن ما يحصله لنفسه وإن كان متناولًا من حيث يجوز على الوجه، فقلما ينفك من أن يكون عليه، إشارةً إلى ما قيل: «من أراد الدنيا فليوطن نفسه على المصائب».

стр. 1341

والكسب -في الأصل -ما يتحراه الإنسان مما فيه جلب منفعٍ أو دفع ضر. وغلب استعماله في تحصيل الأموال وتوابعها. قال الراغب: وقد يستعمل الكسب فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعةً ثم استجلب به مضرةٌ. فالكسب فيما أخذه لنفسه ولغيره، ولهذا قد تعدى لمفعولين، نحو: كسبت زيدًا مالًا. والاكتساب لا يقال إلا فيما استفدته لنفسك، فكل اكتساب كسبٌ، وليس كل كسبٍ اكتسابًا، وذلك نحو: خبز واستخبز، وشوى واشتوى انتهى. ففرق بينهما من هذه الحيثية. وهي -في التحقيق -راجعةٌ إلى ما قدمته. ثم في نحو: خبز واستخبز نظرٌ، وكأنه سبق قلمٍ أو لسانٍ، وصوابه: واختبز، ويدل عليه قوله بعد ذلك: وشوى واشتوى، وذلك أن كلامه في الفرق بين فعل وافتعل، لا بينه وبين استفعل. وحكى ابن الأعرابي: أكسبت زيدًا مالًا، وأنشد: [من الطويل] ١٤٣٢ - فأوسعته مدحًا وأوسعني قرى ... وأكسبني مالًا وأكسبته حمدًا قوله: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ [المسد: ٢] يجوز أن تكون ما مصدرية فتتأول مع ما بعدها بمصدرٍ أي وكسبه. ثم هذا الكسب يجوز أن يكون باقيًا على مصدريته بطريق الأصالة، وأن يكون واقعًا موقع المفعول، وحينئذٍ فيجوز أن يراد به المال الذي كسبه. وقيل: يجوز أن يراد به الولد، والولد من كسبه. ويجوز أن تكون ما موصولةً بمعنى الذي، وحينئذ يراد به المال أي والذي كسبه. قيل: ويحوز أن يراد به الولد، وفيه ضعفٌ من حيث إن ما لغير العاقل عند الجمهور، وفي الحديث: «إن أطيب ما أكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه». قوله: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي كسبكم أو الذي كسبتموه، وفي الحديث: «أنه سئل: أي الكسب أفضل؟ فقال: عمل الرجل بيده»

стр. 1342

ومنه الحديث المتقدم أيضًا: «إن أطيب ما أكل المرء من كسبه» الحديث. وقد ورد في الكتاب العزيز استعمال الكسب في الصالح والسيئ وكذلك الاكتساب؛ فمن ورود الكسب في الصالح قوله تعالى: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] ومن وروده في السيئ: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ [البقرة: ٨١] ﴿كسبوا السيئات﴾ [يونس: ٢٧] ﴿أن تبسل نفسٌ بما كسبت﴾ [الأنعام: ٧٠] قوله: ﴿ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت﴾ [البقرة: ٢٨١] شاملٌ للأمرين جميعًا، ومن ورود الاكتساب في الصالح قوله: ﴿للرجال نصيبٌ مما اكتسبوا وللنساء نصيبٌ مما اكتسبن﴾ [النساء: ٣٢]. ومن وروده في غيره قوله تعالى: ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقد تقدم ما في ذلك. ك س ف: قوله تعالى: ﴿أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] الكسف جمع كسفة، وهي القطعة التي تسقطها علينا قطعًا. وأصله من قولهم: كسفت الثوب أكسفه كسفًا أي قطعته قطعًا، حكاه أبو زيدٍ. وكسفت عرقوب البعير، وإنما يقال كسحت لا غير. والكسفة: القطعة من السحاب والقطن ونحوهما من الأجسام المتخلخلة. وكسوف الشمس والقمر: استتارهما بعارضٍ في علم الله تعالى. ومنهم من خص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر. ثم استعير ذلك لتغير الوجه والحال، فقيل: كسف وجهه وحاله وماله، قال الشاعر: [من الخفيف] ١٣٤٣ - ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبًا ... كاسفًا باله قليل الرخاء قال شمرٌ: الكسوف في الوجه صفرةٌ وتغيرٌ، وقال أبو زيد: كسف باله: إذا حدثته نفسه الشر. وقيل: كسوف البال: أن يضيق عليه أمله، وقال الشاعر: [من البسيط]

стр. 1343

١٣٤٤ - الشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ ... تبكى عليك نجوم الليل والقمرا وللنحاة في نصب «نجومٍ» كلامٌ حررناه في غير هذا. وقرئ: ﴿فأسقط علينا كسفًا﴾ [الشعراء: ١٨٧] و «كسفًا» فالأول على أنه جمع كسفةٍ نحو سدرةٍ وسدرٍ. والثاني على أنه اسم جنسٍ نحو: قمحٍ وقمحة، والجمع كسوفٌ وأكسافٌ. والمعنى: أو تسقطها علينا كسفًا طبقًا. قيل: واشتقاقه من كسفت الشيء: غطيته، وما قدمته أشهر. ك س ل: قوله تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [النساء: ١٤٢] أي متباطئين. والتكاسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، وغلب فيمن قلت مروءته وتقاعد عن شغله. يقال: رجلٌ كسلٌ وكسلان، والجمع كُسالى وكَسالى نحو: سُكارى وسَكارى، جمع سَكران. والمكسال: المرأة المتنعمة الفاترة عن القيام، وهو كنايةٌ عن ضخامتها وسمنها وتنعمها، كما قيل: [من السريع] ١٣٤٥ - يقعدها من خلفها الكفل والكسل مذمومٌ، ولذلك تعوذ منه نبينا ﷺ -فقال: «أعوذ بالله من الكسل والفشل». وفحلٌ كسلٌ: كسل عن الضراب. وفلانٌ لا تكسله المكاسل: أي لا ينثني عما يقصده وإن خوف منه وثبط.

стр. 1344

وفي الحديث: «ليس في الإكسال إلا الطهور» الإكسال، مصدر أكسل الرجل: إذا جامع فلحقه فتورٌ فلم ينزل، وهذا يشبه قوله: «إنما الماء من الماء» وفيه بحثٌ حققناه في غير هذا الموضوع، ومثله قوله ﵊: «إذا أتى الرجل أهله فأقحط فلا يغتسل». ك س و: قوله تعالى: ﴿رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣] الكسوة ما يكتسى به من الملبوسات على اختلاف أنواعها بحسب أهل كل بلدةٍ. وكانوا في العصر الأول يلبسون الجلود حتى علم الله تعالى «شيث» صنعة النسج. وهذا دليلٌ أن ستر العورة مما يهتم بشأنه، وأيضًا فإن فيه دفع ضرر البرد والحر، ولذلك قال تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]. قيل: تقديره: والبرد، والمادة تدل على ستر الشيء وتغطيته، وعليه قوله تعالى: ﴿فكسوا العظام لحمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]. واكتسى الغصن بالورق. ويحتمل أن يكون ذلك من الاستعارة. واكتست الأرض بالنبات من ذلك، يقال: كساه يكسوه كسوةً، بكسر الكاف وضمها، وأنشد: [من الطويل] ١٣٤٦ - فبات لها دون الصبا وهي قرةٌ ... لحافٌ ومصقول الكساء رقيق شبه نبات الأرض بالكسوة، وقيل: هو كنايةٌ عن الدواية التي تعلو اللبن وهي ما يحمل على وجهه فيكون كالجلدة الرقيقة، وكذلك ما يعلو المرقة يقال فيه دواية بضم الدال وكسرها. وقال آخر: [من المنسرح] ١٣٤٧ - حتى أرى فارس الصيموت على ... أكساء خيلٍ كأنها الإبل عنى بأكسائها ما يعلوها من الغبار ويلبسها منه عند عدوها حتى تكون بمنزلة

стр. 1345

الكسوة لها. وقيل: عنى باكتسابها أعقابها. وفي الحديث: «ونساءٍ كاسياتٍ عارياتٍ» فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدها: كاسياتٌ من النعم، عارياتٌ من الشكر. الثاني: أنهن يكسين بعض أجسادهن بأن يوسعن جيوبهن فترى صدورهن ونحو ذلك. الثالث: أنهم يلبسن رقيقًا فيصف بشرتهن. فصل الكاف والشين ك ش ط: قوله تعالى: ﴿وإذا السماء كشطت﴾ [التكوير: ١١] أي قلعت عن مقرها. ونحوه: ﴿وتمور السماء مورًا﴾ [الطور: ٩] أي قلعت كما يقلع سقف البيت، من قولهم: كشطت الحبل عن ظهر الفرس وقشطته، وكشطت جلد الناقة وقشطته: أي سلخته وسحبته. قال ابن عرفة: تكشط السماء كما يكشط الغطاء عن الشيء، ومنه: كشطت الوقة وقشطتها: إذا أزلت كتابتها بسكين ونحوها. ك ش ف: قوله تعالى: ﴿ليس لها من دون الله كاشفةٌ﴾ [النجم: ٥٨] أي نفسُ كاشفةٌ، وقيل: التاء للمبالغة كرواية. وقيل: هو مصدرٌ على فاعلة كالعاقبة أي ليس لها كشفٌ وظهورٌ. وأصل الكشف إزالة الغطاء ونحوه عن الشيء. ويستعار بذلك في المعاني كقوله: ﴿فكشفنا ما به من ضر﴾ [الأنبياء: ٨٤] ﴿فكشفنا عنك غطاءك﴾ [ق: ٢٢] فالكشف يقارب الكشط. قوله: ﴿يوم يكشف عن ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] هو الكناية عن شدة الأمر كقولهم: قامت الحرب على ساقٍ. وقيل: أصله من ذمر الناقة، وذلك أنه إذا خرجت رجل

стр. 1346

البعير من بطنها يقال: كشف عن الساق. ويروى أنه يكشف الرحمن عن ساقه ويدعو الخلائق للسجود؛ فالمؤمن يسجد والمنافق يصير ظهره طبقًا، فلذلك قال: ﴿فلا يستطيعون﴾ [القلم: ٤٢]. ومعنى ساق الرحمن أنه تعالى يجعل شيئًا من الأشياء علامةً لذلك سماه ساقًا، لا كما يخطر لأجهل الناس. وفي الحديث: «وتكاشفتم ما تدافنتم» أي لو اطلع بعضكم على سريرة بعضٍ لأنف من دفنه ومواراته، فسبحان من يعلم الذنب ويقدر على كشفه والمعاقبة عليه فيستره ويعفو. فصل الكاف والظاء ك ظ م: قوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمران: ١٣٤] أي الحابسين غيظهم المسكة، من: كظمت القربة والسقاء: إذا شددت فاهما. قال ابن عرفة: الكاظم: الممسك على ما في قلبه، ومنه: كظم البعير لأنه يمسك جرته فلا يجتر. وكظم فلانٌ غيظه: إذا تجرعه وهو قادرٌ على الإيقاع بعدوه فأمسك عنه. والكظم: مخرج النفس. يقال: أخذ بكظمه: إذا أخذ بحلقه. والكظوم: احتباس النفس، ويعبر عنه بالسكوت كما يعبرون عنه بقولهم: حبس نفسه. قوله: ﴿وهو مكظومٌ﴾ [القلم: ٤٨] أي مملوءٌ كربًا، وقيل: بمنزلة من حبس نفسه. قوله: ﴿وهو كظيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] أي ممسكٌ على غيظٍ. وكظم فلانٌ خصمه: إذا أجابه بجوابٍ مسكتٍ فأفحمه، ومثله: كظمه. والكاظمة: خلقةٌ تجمع فيها الخيوط في طرف حديدة الميزان، والسير الذي يوصل بوتر القوس. والكظائم: خروقٌ بين البئرين يجري فيها الماء. كل ذلك تشبيهٌ بمجرى النفس. قوله: ﴿إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾ [غافر: ١٨] حالٌ من أصحاب

стр. 1347

القلوب أي ممسكين على غيظٍ قد ملأ قلوبهم مع زوالها عن مقرها حتى صارت قريبةً من أفواههم. وقيل: كاظمين على قلوبهم خوفًا أن تخرج لأنها بلغت حد الخروج. وقيل: هو حالٌ من القلوب، ويستشكل جمعها جمع سلامةٍ ويجاب بجريانها مجراهم كقوله: ﴿أتينا طائعين﴾ [فصلت: ١١] وبابه. ولنا فيه كلامٌ أكثر من هذا. فصل الكاف والعين ك ع ب: قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]. الكعب: العظم المرتفع بين مفصل الساق والقدم. وكل ما بين عقدتين من القضيب والرمح ونحوهما فهو كعبٌ، قيل: سببه تكعب الإنسان، ومنه قول الشاعر: [من الوافر] ١٣٤٨ - وكنت إذا غمزت قناة قومٍ ... كسرت كعوبها أو تستقيما وقيل: سميت الكعبة كعبةً لأنها على هيئتها في التربيع. وكل بيت مربع فهو كعبةٌ. وقيل: سميت كعبةً لارتفاعها، وكل ما ارتفع فهو كعبةٌ. وفلانٌ جالسٌ في كعبته: أي في غرفته وبيته. وأل في الكعبة للغلبة كهي في المدينة. والكعاب والكاعب: من تكعب ثدياها، أي ارتفعا في صدرها، والجمع كواعب؛ قال عمر بن أبي ربيعة: [من الطويل] ١٣٤٩ - فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ: كاعبان ومعصر وقال تعالى: ﴿وكواعب أترابًا﴾ [النبأ: ٧٨] وصفهن صفاتٍ يحبونها، وأنهن متقاربات الأسنان. وقد كعب الثدي كعبًا، وكعب تكعيبًا. وثوبٌ مكعبٌ: مطويٌ شديد الأدراج.

стр. 1348

وفي الحديث: «وجعل كعبك عاليًا» أي شرفك؛ عبر بذلك عن ثبات العز والشرف ودوامهما، ومثله: ثبت الله قدمك، عكسه: أزال الله قدمه وأزلقها. فصل الكاف والفاء ك فء: قوله تعالى: ﴿ولم يكن له كفوًا أحدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] أي مكافئًا ومساويًا ونظيرًا. يقال: فلانٌ يكافئ فلانًا، أي يساويه. ومنه الحديث: «تتكافأ دماؤهم» أي تتساوى فيقاد العالم بالجاهل والشريف بالدنيء. وهو كفؤك وكفيؤك وكفاؤك، أي مساويك. وفي صفته ﵊: «إذا مشى تكفى تكفيًا» قد فسره شمرٌ بما لا يليق فقال: أي تمايل كما تتكفأ السفينة يمينًا وشمالًا. قال الأزهري: وهذا خطأ. ومعنى التكفؤ: الميل إلى سنن ممشاه، وهذا كقوله: «كأنما ينحط من صبب». قال: والتمايل يمينًا وشمالًا إنما هو الخيلاء. قلت: لا يريد شمرٌ تفسير مشيه بتكفؤ السفينة يمينًا وشمالًا إنما يريد تفسير مطلق الميل وقوله: يمينًا وشمالًا، تفسيرٌ لتمايل السفينة لا لتمايله ﵊ فوقع التشبيه في أصل الميل. وإنما قلت ذلك لأنه لا يظن بشمر مثل ذلك والعياذ بالله، متى اعتقده كفر. قال: والسفينة تتكفأ أي تتمايل على سمتها التي تقصد، وفي حديث علي كرم الله وجهه: «يتكفأ كأنما يمشي في صببٍ» وهذا يفسر ما ذكرته. وفي الحديث: «كان ﵊ لا يقبل الثناء إلا من مكافئٍ». قال القتيبي: معناه أنه إذا أنعم على

стр. 1349

رجلٍ فكافأه بالثناء عليه قبل ثناءه، وإذا أثنى عليه قبل أن ينعم عليه لم يقبله. وهذا التفسير قد رده ابن الأنباري وقال: إنه غلطٌ بين، ولقد صدق ﵊ -لا ينفك أحد عن إنعامه إذ كان الله قد بعثه للناس كافة ورحم به وأنقذ؛ فنعمه سابقةٌ إليهم لا يخرج مها مكافئٌ ولا غير مكافئٍ. هذا والثناء عليه فرضٌ لا يتم الإسلام إلا به. وإنما المعنى أنه لا يقبل الثناء إلا من رجلٍ يعرف حقيقة إسلامه، ولا يدخل عنده في جملة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. فإذا كان المثني عليه بهذه الصفة قبل ثناءه وكان مكافئًا ما سلف من نعمه ﵇ عنده وإحسانه إليه. قال الأزهري: وفيه قولٌ ثالثٌ: إلا من مكافئٍ: إلا من مقاربٍ مدحه غير مجاوز به حد مثله ولا مقصرٍ عما وفقه الله إليه؛ ألا تراه يقول: «لا تطروني كما أطرى النصارى عيسى ولكن قولوا عبد الله ورسوله». فإذا وصف بكونه نبي الله ورسوله فقد وصف بما لا يوصف به أحدٌ من أمته، فهو مدحٌ ومكافئٌ له. وفي الحديث: «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في إنائها» يكتفئ، أي يقلب ويكب، تفتعل، من كفأت القدر: إذا كببتها لتفرغ ما فيها. وهو تمثيلٌ لإمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: كفأت الإناء: كببته، وأكفأته: أملته، ومن الحديث: «إذا مشى تكفأ». تكفأ: أي تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها. والأصل فيه الهمز فترك. وفي حديث علي: «أنه تكفأ لونه عام الرمادة» أي تغير، وحقيقته انقلب لونه من حالٍ إلى حالٍ. والإكفاء: قلب الشيء كأنه إزالة المساواة، ومنه الإكفاء في الشعر. ك ف ت: قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتًا أحياءً وأمواتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦] أي

стр. 1350

جامعةً. والكفت: الضم والجمع، وكل شيءٍ كفته فقد جمعته، وفي الحديث: «اكتفوا صبيانكم بالليل» أي ضموهم، وفي رواية «كفوا» وهو بمعنى الأول وتفسيرٌ له. والكفات قيل: هو اسم ما يكفت فيه نحو الجراب، وأنشد لصمصامة بن الطرماح: [من الوافر] ١٣٥٠ - وأنت اليوم فوق الأرض حيًا ... وأنت غدًا نضمك في كفات وحينئذ لابد من ناصب لأحياء، وهو مقدرٌ: يكفت أحياء. وقيل: بل هو مصدرٌ كالقيام، فأحياءً منصوبٌ به، ولكن لابد من تجوزٍ في وقوع المصدر عليها، وفيه التآويل المشهورة، أي ذات كفاتٍ أو نفس الكفات مبالغةً أو كافاته. ومعنى كونها كفاتًا لهم أنها تضم الأحياء على ظهرها والأموات في بطنها. وقيل: معناه تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوان والنبات، والأموات التي هي الجمادات من الأرض والماء وغير ذلك. قلت: وعلى هذا فأحياءً وأمواتًا بذلٌ من كفاتًا بيانًا له. وقيل: أحياءً مفعولٌ به ثانٍ على حذف مضافٍ؛ أي ذات أحياء وأمواتٍ، وكفاتًا حالٌ أيضًا، وقد تكلمنا عليه بأوسع من هذا في «الدر». والكفات -أيضًا -: الطيران السريع، وحقيقته قبض الجناح للطيران كقوله: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبضن﴾ [الملك: ١٩] فالقبض هنا كالكفات هناك. والكفت: السوق الشديد؛ قال الراغب: واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه، كقولهم: قبض الراعي الإبل. وكفت الله فلانًا إلى نفسه كقولهم قبضه إليه، وفي الحديث: «رزقت الكفيت». قيل: ما أكفت به من معيشتي، وقيل: القوة على الجماع، وقيل: أنزلت إليه قدرٌ أكل منها فقوي على الجماع، ويؤيده في حديث آخر: «فأتاني جبريل بقدرٍ يقال لها الكفيت» قال بعضهم: الكفيت القدر، ولم

стр. 1351

يقيدها. والكفت: القدر الصغير. قلت: هذا من قبيل ما زيادة اللفظ فيه تدل على زيادة المعنى. وقد حققناه في «الرحمن الرحيم». ومن أمثالهم: «كفتٌ إلى وئيةٍ» الكفت: القدر الصغير كما تقدم. والوئية: القدر الكبير، يضرب مثلًا لمن يحمل غيره مكروهًا ثم يزيده. قلت: وإنما سميت القدر بالكفيت والكفت لأنها تضم وتجمع ما يكفي فيها. ك ف ر: قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا﴾ [آل عمران: ٤]. الكفر أصله التغطية والستر. وسمي الكافر الشرعي كافرًا لأنه ستر الحق وغطى عليه. وسمي الليل كافرًا لستره الأشياء بظلامه. وأنشد لثعلبة: [من الكامل] ١٣٥١ - فتذكرا ثقلًا رثيدًا بعدما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر ذكاء هي الشمس والكافر الليل، وهذا من أحسن الاستعارات حيث استعار للشمس يمينًا، وأخبرنا عنها بأنها ألقتها في الليل يعني بذلك غيبوبتها. ومنه: كفر الغمام النجم، أي ستره، وأنشد: [من الكامل] ١٣٥٢ - في ليلةٍ كفر النجوم غمامها وسمي الزراع كافرًا لستره البذر بالتراب. ومنه في أحد القولين قوله تعالى: ﴿أعجب الكفار نباته﴾ [الحديد: ٢٠] أي الزراع. والثاني أنهم الكفار شرعًا. ومنه -أيضًا - الكافور وهو اسم أكمام الثمرة التي تكفرها، وأنشد: [من الرجز] ١٣٥٣ - كالكرم إذا نادى من الكافور وكفر النعمة: سترها بعدم أداء شكرها لأنه إذا شكرها نوه بذكرها فأظهرها، وإذا كتمها ولم يشكرها فقد سترها وغطاها. وغلب الكفر في تغطية الحق والدين، والكفران

стр. 1352

في تغطية النعمة وجحودها. والكفور مصدرٌ للكفر مستعملٌ في جحود الوحدانية وجحود النعمة معًا. والكفور المبالغ في الكفر قال تعالى: ﴿إن الإنسان لظلومٌ كفارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. واستشعر الراغب سؤالًا فقال: إن قيل كيف وصف الإنسان ههنا بالكفور ولم يرض بذلك حتى أدخل عليه إن واللام وكل ذلك تأكيدٌ؟ وقال في موضع آخر: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧] قيل: ﴿إن الإنسان لكفورٌ﴾ [الحج: ٦٦] تنبيهٌ على ما ينطوي عليه الإنسان من كفران النعمة وقلة ما يقوم بأداء الشكر، وعلى هذا: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس: ١٧] وقوله: ﴿وقليلٌ من عبادي الكشور﴾ [سبأ: ١٣]. وجعل الراغب الكفار أبلغ من الكفور لقوله: ﴿كل كفارٍ عنيدٍ﴾ [ق: ٢٤]. وقد أجري الكفار مجرى الكفور في قوله: ﴿إن الإنسان لظلومٌ كفارٌ﴾. وفي ما قاله نظرٌ لأن فعالًا وفعولًا من جملة أمثلة المبالغة من غير تفاضل بين شيء منها. وصيغ المبالغة خمسٌ وزاد بعضهم سادسًا وهي: فعال وفعول ومفعال وفَعيل وفِعِّيل نحو: شريب العسل، ولكنه يوهم الأبلغية من وصفه بعنيدٍ وتوهم المساواة بينهما من انضمام ظلومٍ إلى كفارٍ. فلما جاور فعولٌ فعالًا كان بمعناه. ولقائلٍ أن يقول: ليس ما ادعاه بأولى من عكسه بأن يجعل فعول بمعنى فعال لمجاورته له. والكفار في جمع الكافر المضاد للمؤمن أكثر استعمالًا، كقوله تعالى: ﴿أشداء على الكفار﴾ [الفتح: ٢٩]. والكفرة جمع كافر النعمة أكثر استعمالًا كقوله تعالى: ﴿أولئك هم الكفرة الفجرة﴾ [عبس: ٤٢] قال الراغب: ألا ترى أنه قد وصف الكفرة بالفجرة؟ والفجرة قد يقال للفساق من المسلمين وفي نظرٌ، إنما كان ينهض دليله لو كان الفجور مختصًا بغير الكفرة. ثم إن هؤلاء المذكورين كفارٌ يضادون المؤمنين ليس إلا لقوله قبل: ﴿وجوهٌ يومئذٍ مسفرةٌ﴾ [عبس: ٣٨] وعنى بهم المسلمين، ثم قابلهم بأولئك الذين وجوههم ﴿عليها غبرةٌ ترهقها قترةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١].

стр. 1353

قوله: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا﴾ [الإنسان: ٣] تنبيهٌ على أنه عرفه الطريقين، كما قال تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد: ١٠]؛ فمن سالكٍ سبيل الشكر ومن سالكٍ سبيل الكفر. قوله: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين﴾ [الشعراء: ١٩] أي تحريت كفران نعمتي. ولما كان الكفر نقيض جحود النعمة صار يستعمل في الجحود، ومنه: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ [البقرة: ٤١] أي جاحدٍ له وساترٍ لحقه. نهاهم أن يكونوا مقتدين بهم في ذلك. وهذا جوابٌ عما يفترض به الجهاد، فيقولون: مفهومه أنهم غير منتهين عن كونهم ثاني كافرٍ أو ثالثٍ، وهذا ساقطٌ جدًا لما ذكرته. والكافر على الإطلاق من جحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة، وترك ما لزمه من ترك النعمة، كافرٌ لقوله تعالى: ﴿من كفر فعليه كفره﴾ [الروم: ٤٤] قال الراغب: ويدل على ذلك مقابلته بقوله: ﴿ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون﴾ [الروم: ٤٤] وفيه نظر إذ الظاهر حمله على الكفر المتعارف. قوله: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٥٥] عنى بالكافر الساتر للحق فلذلك جعله فاسقًا، ومعلومٌ أن الكفر المطلق هو أعظم من الفسق، ومعناه من يجحد حق أبيه فقد فسق عن الذرية بظلمه. ولما جعل كل فعلٍ محمودٍ من الإيمان جعل كل فعلٍ مذمومٍ من الكفر. وقال في السحر: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] ثم قال: ﴿ومن كفر﴾ أي: ومن تركه جاحدًا له. وقيل: هو تغليظٌ كقوله ﵊: «من قدر على الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا». قوله: ﴿جزاءً لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤] يعني به نوحًا ومن جرى مجراه من الأنبياء ﵈، وفي معناهم من هذا الحيثية من أمر بمعروفٍ ونهى عن منكر

стр. 1354

مخلصًا فيه لربه. قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا﴾ [النساء: ١٣٧]: قيل: عني بهم آمنوا بموسى ثم كفروا بمن بعده. وقيل: آمنوا بموسى ثم كفروا به إذ لم يؤمنوا بغيره. وقيل: إشارةٌ إلى المذكورين في قوله: ﴿وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ [آل عمران: ٧٢] لم يرد أنهم آمنوا مرتين [وكفروا مرتين] بل إشارةٌ إلى أحوالٍ كثيرةٍ. قيل: كما يصعد الإنسان في الفضائل ثلاث درجاتٍ ينعكس في الرذائل ثلاث درجات. وقد يعبر بالكفر عن التكذيب ولذلك تعدى تعديته لقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالله﴾ [بالنساء: ١٣٦]. ويقال: كفر إذا اعتقد الكفر أو أظهره ولم يعتقده، ولذلك قال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦]. وقد يعبر بالكفر عن التبري؛ قال تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وكفر فلانٌ بكذا، أي بسببه، نحو: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وكفر فلانٌ بالشيطان: إذا خالفه وآمن به. قوله تعالى: ﴿فكفارته﴾ [المائدة: ٨٩] أي فالذي يمحوه. والكفارة: ما يستر الذنب؛ سميت بذلك بصفةٍ من أمثلة المبالغة نحو ضاربة وعلامة، نحو: كفارة القتل والظهار واليمين. والتكفير: ستر ذلك. وقيل: سميت كفارة لإزالتها الإثم، وفيهما نظرٌ من حيث إن الكفارة تجب فيما لا إثم فيه وهو القتل خطأ، وقال بعضهم: أو يصح أن يكون أصله إزالة الكفر والكفران، كما أن التمريض إزالة المرض، والتقذية إزالة القذى. قوله تعالى: ﴿لكفرنا عنهم سيئاتهم﴾ [المائدة: ٦٥] أي محوناها كأن لم توجد ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤].

стр. 1355

قوله تعالى: ﴿كان مزاجها كافورًا﴾ [الإنسان: ٥] سمي الكافور لستره الأشياء بطيبه ورائحته، كما سمي الكمام كافورًا لستره الثمرة. وفي الحديث: «لا ترجعوا بعدي كفارًا» قال أبو منصور: فيه قولان: أحدهما من كفر إذا لبس سلاحه لأنه ستر نفسه، ومنه قول الشاعر: [من الكامل] ١٣٥٤ - قد كفرت آباؤهم أبناءها والثاني أن يقول أحدهم للآخر: «يا كافر» لأن من كفر غيره فقد كفر. وفي الحديث: «لتخرجنكم الروم من أرضكم كفرًا كفرًا» الكفر: القرية من قرى الريف. ومن كلام معاوية: «أهل الكفور أهل القبور» يعني أنهم لبعدهم عن الأمصار، وأهل العلم والأدب بمنزلة الموتى سمي كفرًا لستره أهله، وفيه أيضًا: «المؤمن مكفرٌ» أي تكفر عنه خطاياه بالرزايا التي تصيبه في ماله وفي نفسه. وفي القنوت: «واجعل قلوبهم كقلوب نساءٍ كوافر» يعني في الاختلاف، وخص النساء لأنهن أضعف قلوبًا من الرجال، وخص الكوافر لأنهم أضعف من المسلمات. ك ف ف: قوله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم﴾ [الفتح: ٢٤] الكف: المنع، ومنه قيل لكف الإنسان كف لأنه يمنع ما فيه؛ سمي باسم المصدر. يقال: كففته أكفه كفًا.

стр. 1356

قوله: ﴿ادخلوا في السلم كافةٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨] أي جميعًا. وأصله من كفة الثوب -بالضم -وهي حاشيته اعتبر فيها معنى الإحاطة. وكل مستطيلٍ من ذلك كفةٌ نحو كفة الرمل. وكل مستدير كفة -بالكسر -نحو كفة الميزان وكفة الحابل، وغير الكسر في ذلك خطأ. ولا تثنى كافة ولا تجمع ولا تكون إلا حالًا، ولذلك لحن من يقول: على كافة المسلمين. وقيل: الهاء في «كافة» للمبالغة كعلامة؛ فمعنى قوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨] وقوله: ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾ [التوبة: ٣٦] أي كافين لهم وكافين لكم. وقيل: معناه جماعةً، وذلك أن الجماعة تكف من يقصدهم بسوءٍ أو يكف بعضها بعضًا. وكففته: أصبته بالكف ودفعته به أو أصبت كفه نحو كبدته. وتعورف الكف بالدفع مطلقًا سواءٌ أكان ذلك بكفٍّ أم بغيرها. وتكفف الرجل: مد كفه سائلًا، وفي الحديث: «يتكففون الناس»، واستكف: إذا مد كفه سائلًا أو معطيًا. ورجلٌ مكفوفٌ: غلب في الأعمى، وهو من أصيب كفه أيضًا. قوله: ﴿ادخلوا في السلم كافةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] أي ابلغوا في الإسلام إلى حيث تنتهي شرائطه فيكفوا أن يعتدوا فيه. وقيل أراد بالكافة الإحاطة بجميع حدود الإسلام. قلت: وهذان إنما يتمشيان على جعل «كافةً» حالًا من السلم، إلا أن المشهور عند المعربين جعلها حالًا من المخاطبين بمعنى جميعًا، وهو الظاهر. واستكف الشمس إذ كف ضوءها عن عينيه بكفيه، يشير بذلك لرؤية ما يريد. والكفاف من القوت: ما ليس بالواسع بل المساوي للحاجة، وفي الحديث: «اللهم اجعل قوت آل محمد كفافًا»؛ فكفكف تكرير كف نحو كبكب بكرير كب. وتقدم كلام الناس فيه، قال النابغة: [من الطويل]

стр. 1357

١٣٥٥ - فكفكفت مني دمعةً فرددتها ... على النحر منها مستهلٌ ودامع و «كفوا صبيانكم» أي امنعوهم خوفًا عليهم من الجن أو من بعض الهوام. ك ف ل: قوله تعالى: ﴿يكن له كفلٌ منها﴾ [النساء: ٨٥] الكفل: الحظ والنصيب الذي فيه الكفالة كأنه تكفل بأمره، واشتقاقه من الكفالة هي الضمان من قولهم: كفلت فلانًا وتكفلت به لأنه نصيبٌ مضمونٌ. وقال أبو منصورٍ: اشتقاقه من الكفل الذي هو الكساء الحاوي للراكب، وذلك أن الرديف يحوي كساءً على سنام البعير لئلا يسقط عند ركوبه. فكأن ذلك النصيب حافظًا لصاحبه كما يحفظ الكساء الراكب، وقد آل الأمر أن المادة تدل على الحفظ فإن الكفالة بمعنى الضمان تقتضي ذلك كما يقتضيه الكساء المذكور. قوله: ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [الحديد: ٢٨] أي نصيبين يحفظانكم من المعاصي الموقعة في الهلكة. وقيل: نصيبين من نعمته في الدنيا والآخرة وهما المرغوب إلى الله تعالى فيهما بقوله تعالى: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. وقيل: لم يرد هنا بالتثنية مما يشفع الواحد فقط، بل أراد النعم المتوالية المتكفلة بكفالته تعالى. ويكون فيه تنبيهٌ على ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ثم ارجع البصر كرتين﴾ [الملك: ٤]. وقولهم: لبيك وسعديك، المعنى: كرة بعد أخرى، وتلبيةً بعد تلبيةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ. وإنما قال تعالى في جانب الحسنة يكن له نصيبٌ منها، وفي جانب السيئة يكن له كفلٌ منها، لمعنىً حسنٍ ذكره بعض أهل العلم، فقال: الكفل ها هنا ليس هو بمعنى الأول بل هو مستعارٌ من الكفل، وهو الشيء الرديء. واشتقاقه من الكفل، ذلك أن الكفل لما كان مركبًا ينبو براكبه، صار متعارفًا في كل شدةٍ

стр. 1358

كالسيساء وهو العظم الناتئ في ظهر الحمار، فيقال: لأحملنك على الكفل وعلى السيساء. وأنشد: [من الخفيف] ١٣٥٦ - وحملناهم على صعبة زو ... راء يعلوناه بغير وطاء قال: «فمعنى الآية: من ينضم إلى غيره معينًا له في فعلةٍ حسنةٍ يكن له منها نصيبٌ، ومن ينضم إلى غيره معينًا له في فعلةٍ سيئةٍ يناله منها شدةً» وفي هذا الكلام وإن كان حسنًا نظرٌ من وجهٍ آخر وهو أنه جاء الكفل في جانب السيئة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿يؤتكم كفلين من رحمته﴾ [الحديد: ٢٨]. وقيل: الكفل هنا الكفيل، ونبه بذلك على أن من تحرى شرًا فله من فعله كفيلٌ يسلمه كما يسلم الكفيل المكفول ببدنه. وقد صرحوا بذلك في قولهم: من ظلم فقد أقام كفيلًا بظلمه، منبهةً منهم على أنه لا يمكن التخلص من تبعة ظلمه وعقوبته عليه، فخوطبوا بذلك. فلله در فصاحة القرآن حيث جرى معهم في كل أسلوب من أساليب كلامهم، فتظهر فصاحته وبلاغته في ذلك الأسلوب على كل فصيحٍ بليغٍ. فأين هذا الكلام وهو قولهم: من ظلم فقد أقام كفيلًا بظلمه، من قوله تعالى: ﴿يكن له كفلٌ منها﴾. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياةٌ﴾ [البقر: ١٧٩] وقولهم: القتل أنفى للقتل. قوله تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾ [آل عمران: ٣٧] قرئ بالتخفيف على معنى أن زكريا كفلها وحفظها من كل ما يسوؤها وتكفل بأمرها. قوله: ﴿فقال أكفلنيها﴾ [ص: ٢٣] أي اجعلني كافلًا لها. قوله: ﴿وذا الكفل﴾ [ص: ٤٨] قيل: هو رجلٌ من الصالحين تكفل بنبي من الأنبياء بأمرٍ فوفى به، وقيل: نبي تكفل الله بأمورٍ فلم يخل منها بشيءٍ كما هو ديدن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. فالكفل ههنا بمعنى الكفالة، وفي حديث إبراهيم: «أنه كره الشرب من ثلمة القدح وقال: إنها كفل الشيطان». قال أبو عبيدة: الكفل

стр. 1359

أصله المركب، أراد أن الثلمة مركب الشيطان. ك ف ي: قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب: ٢٥] الكفاية: سد الخلة وبلوغ المراد من الأمر. والكفية من الطعام: ما فيه كفايةٌ، وجمعها كفى. قوله تعالى: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ [الزمر: ٣٦] أي هو كافيه من أعدائه متول كفايته، وناهيك بمن يتولى الله كفايته. وقوله: ﴿كفى بالله شهيدًا﴾ [الأحقاف: ٨] قيل: معناه اكتف بالله، فهي اسم فعلٍ. وقيل: الباء مزيدةٌ في الفاعل، والأصل: كفى الله شهيدًا، وهذا هو الصحيح بدليل قول الشاعر: [من الطويل] ١٣٥٧ - كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فأسقطها. ولنا فيه كلامٌ متقنٌ في غير هذا. قال بعضهم: قد كفيتك، وقالوا: كافيك من رجلٍ أي حسبك به. قوله: ﴿ألن يكفيكم﴾ [آل عمران: ١٢٤] أي قد سد خلتكم وقضى مرادكم بإمداده إياكم الملائكة. فصل الكاف واللام ك ل أ: قوله: ﴿قل من يكلؤكم﴾ [الأنبياء: ٤٢] أي يحرسكم ويحفظكم؛ يقال: كلأته أكلؤه كلاءةً -بالكسر -أي حفظته، وأنشد: [من المنسرح]

стр. 1360

١٣٥٨ - إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها أي: والله يحفظها. وقيل: كلأة الشيء: حفظه وتبعيته بالمراعاة، وهو راجعٌ لمعنى الأول. وفي الحديث: «بلغ الله بك أكلأ العمر» أي آخره وأبعده، وحقيقته حفظك الله وأبقاك لأنه إذا حفظ بلغ أجله. واكتلأت بعيني أي حفظت بمراعاةٍ ونظرٍ. والكلأ: النبات لأنه يحفظ بنية الحيوان، أو لأنه يحفظ للرعي؛ يقال: مكانٌ مكلأُ وكالئٌ أي كثير الكلأ. وأكلأ: صار ذا كلأ، كأعشب وأبقل أي صار ذا عشبٍ وبقلٍ. وفي الحديث: «من مشى على الكلاء» الكلاء والمكلأ: شاطئ النهر ومرفأ السفن. ومعنى الحديث أنه مثلٌ لمن عرض بالقذف؛ شبهه في مقاربته التصريح بالماشي على النهر في كونه قارب أين يجد كما قارب ذاك أن يقع في الماء. والكلاء: موضعٌ، ويقال سوقٌ بالبصرة كأنه كان مكلأ للسفن. وفي الحديث: «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» يعني الدين بالدين، وقيل: النسيئة بالنسيئة، وهو قريبٌ من الأول، قال بعضهم في تفسيره: أن يشتري الرجل مؤجلًا، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به فيقول له: بعه مني إلي إلى أجل آخر بزيادة شيءٍ. فيبيعه منه غير مقبوضٍ منه. ك ل ب: قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكبلين﴾ [المائدة: ٤] أي معلمين، والمكلب: المسلط الكلاب على الصيد والمعلمها أيضًا. والكلاب: صاحب الكلاب والصائد بها أيضًا. قال النابغة: [من البسيط]

стр. 1361

١٣٥٩ - فارتاع من صوت كلابٍ قيل: واشتقاقه من لفظ الكلاب لأنها هي التي يصاد بها غالبًا، والمعنى: في حال تضريتكم هذه الجوارح على الصيد. ويجمع الكلب على أكلبٍ وكلابٍ، وأكالبٌ جمع أكلبٍ فهو جمع الجمع. والكليب اسم جمعٍ نحو الغريق. قال علقمة: [من الطويل] ١٣٦٠ - تعفق بالأرطى لها وأورادها ... رجالٌ فبذت نبلهم وكليب والأنثى كلبة. وكليبٌ: اسم علمٍ مشهورٍ، ومثله كلابٌ وكلبٌ أيضًا، واشتق منه للحريص فقيل: هو كلبٌ على الدنيا، لأنه أحرص الحيوان على ما عنده، وفي المثل: «أحرص من كلب». وكلبٌ كلبٌ: مجنونٌ يكلب بلحوم الناس فيأخذه منه شبه الجنون. قيل: هو العقور المأمور بقتله في الحل والحرم، فهو أحد السبع الفواسق، ومن عقره كلب أي يأخذه داءٌ فيقال فيه: رجلٌ كلبٌ ورجالٌ كلبي. والداء الذي يأخذه يقال له الكلب، قال الشاعر: [من البسيط] ١٣٦١ - أحلامكم لسقام الجهل شافيةٌ ... كما دماؤكم تشفي من الكلب وقال آخر: [من الوافر] ١٣٦٢ - دماؤكم من الكلب الشفاء

стр. 1362

وقد يصيب الإبل ذلك فيقال: أكلب الرجل أي أصاب إبله ذلك. والكلب أيضًا شدة البرد. وأرضٌ كلبةٌ لم تروق. والكلب أيضًا مسمارٌ في قائم السيف. والكلبة: سيرٌ يدخل تحت السير الذي في المزادة ليخرز به تشبيهًا بالكلب في الاصطياد، ومنه: كلبت الأديم، أي خرزته، قال الشاعر: [من الرجز] ١٣٦٣ - سير صناعٍ في خريزٍ تكلبه والكلب أيضًا نجمٌ في السماء؛ سمى بذلك لأنه يتبع نجمًا يقال له الراعي. والكبتان: آلة الحداد المعروفة تشبيهًا بالكلب لصورة الاصطياد وثنيا لأنهما قطعتان. والكلوب: ما يعلق به اللحم ونحوه، والجمع: كلاليب، ومنه استعير لمخالب البازي الكلاليب لإمساكها ما يعلق بها. وفي الحديث: «فأصاب كلاب سيف فاستله» قال شمرٌ: الكلب والكلاب: الحلقة التي فيها السير في قائم السيف. ك ل ح: قوله تعالى: ﴿وهم فيها كالحون﴾ [المؤمنون: ١٠٤] الكلوح: تكشر في عبوسٍ، والكالح: من تقلصت شفتاه عن أسنانه، قيل: إن شفاههم العليا تصل إلى رؤوسهم، والسفلى إلى صدورهم. وهذا مشاهدٌ، ألا ترى إلى رؤوس الغنم إذا شويت كيف تقلصت شفاهها عن الأسنان. وتكلح الرجل كلوحًا وكلاحًا. وما أقبح كلحته. ودهرٌ كالحٌ، أي شديدٌ. والكلاح بالضم: السنة المجدبة وأنشد للبيدٍ: [من الرجز] ١٣٦٤ - كان غياث المرمل الممتاح ... وعصمةً في الزمن الكلاح

стр. 1363

ك ل ف: قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلى وسعها﴾ [البقرة: ٢٦٨] أي لا يحملها من أمر دينها إلا ما هو في طوقها. وبه استدل من يرى تكليف ما لا يطاق. وقيل: لا يكلفها إلا ما قرره على لسان نبيه مما هو في قدرتها؛ فكل ما قرره الشارع فهو في وسعها وإن كان يشق عليها، ألا ترى إلى قوله: ﴿وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥]. وقيل: ما تعدونه من مشقة فهو سعةٌ في المال كقوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا﴾ [النساء: ١٩] وأصل التكليف من الكلف وهو الإيلاع بالشيء، ومنه كلف فلانٌ فاكلفته: جعلته كلفا به، ومنه الكلف في الوجه لتصور كلفةٍ به. وتكلف الشيء: ما يفعله الإنسان مع إظهار كلفٍ به مع مشقة تناله في تعاطيه. وقيل: الكلف: المشقة، وتحقيقه ما قدمته، فصار التكليف في العرف العام حمل المكلف على ما فيه مشقةٌ، والتكلف اسمًا لما يفعل بمشقةٍ أو تصنع أو تتبع. ومن ثم انقسم التكلف إلى قسمين: الأول مذمومٌ، وهو ما يفعل المرء ويتحراه فاعله مرائيًا. وإياه عنى ﵊ بقوله: «أنا وأمتى برآء من التكلف» وإليه أشار بقوله في حق نبيه: ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ [ق: ٨٦]. والثاني ممدوحٌ، وهو ما يتحراه فاعله ليصير فعله سهلًا عليه ويصير كلفًا به ومحبًا له. وبهذا النظر استعمل التكليف في تكلف العبادات. ك ل م: قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتاب عليه﴾ [البقرة: ٣٧] أي أن الله تعالى أوحاها إليه فتلقاها بالقبول. وفي التفسير أنها قوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية. وقيل: هي الأمانة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقيل في الأمانة: هي كلمة

стр. 1364

التوحيد والوفاء بها وبما يترتب عليها. وقيل: هي قول آدم: ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسكني جنتك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ أرأيت إن تبت كنت تعيدني إلى الجنة؟ قال: نعم! قوله تعالى: ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤]. قيل: هي خصالٌ عشرةٌ من الطهارة؛ خمس في الرأس وخمسٌ في البدن: الفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والاكتحال ونتف الإبط وقلم الأظفار وحلق العانة والختان وغسل البراجم. وقيل: هي ما امتحن به من ذبح ولده وختانه بعد ثمانين سنةً. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك الحسنى﴾ [الأعراف: ١٣٧] قوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض﴾ [القصص: ٥]، ﴿ونمكن لهم﴾. قوله: ﴿وكلمته﴾ [النساء: ١٧١] إنما سمي كلمة لأنه وجد بها من غير سببٍ آخر؛ يريد قوله «كن» بخلاف غيره من البشر فإنه وإن كان موجودًا بكلمة «كن» إلا أن له سببًا ظاهرًا وهو الوالد. وقيل: سمي كلمةً لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله تعالى. وقيل: لما خصه الله تعالى في صغره حيث قال في مهده: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ [مريم: ٣٠]. وقيل: سمي كلمةً من حيث إنه صار نبيًا كما سمي النبي ﷺ ﴿ذكرًا رسولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١] قوله: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقيل: الكلمة هنا القضية؛ قال الراغب: وكل قضية تسمى كلمة سواءٌ كان مقالًا أو فعالًا، ووصفها بالصدق لأنه يقال: قولٌ صدقٌ وفعلٌ صدقٌ. قوله: ﴿وتمت كلمة ربك الحسنى﴾ إشارةٌ إلى نحو قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]. ونبه بذلك على أنه لا نسخ للشريعة بعد هذا. وقيل: إشارةٌ إلى

стр. 1365

ما قال ﷺ : «أول ما خلق الله القلم فقال له: أجر بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وقيل: الكلمة هي القرآن، وتسميته كلمةً كتسمية القصيدة كلمةً. قلت: ومن ذلك تسميتهم قصيدة الحويدرية كلمةً، فيقولون: قصيدة الحويدرة، وتسميتهم القصيدة قافيةً كقوله: [من الوافر] ١٣٦٥ - وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني وقول النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعرٌ كلمة لبيد: [من الطويل] ١٣٦٦ - ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ... وكل نعيمٍ لا محالة زائل فقوله: ﴿تمت] تنبيهٌ على حفظها، يعني أن الله تعالى حافظ القرآن، قال الراغب: فذكر أنها تتم وتتلى بحفظ الله إياها، فعبر عن ذلك بلفظ الماضي تنبيهًا على أن ذلك في حكم الكائن. وإلى هذا المعنى من حفظ القرآن أشار بقوله: ﴿فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين﴾ [الأنعام: ٨٩]. وقيل: عني بها ما وعد من الثواب والعقاب. وقيل: عني بالكلمات الآيات والمعجزات، نبه بذلك على أن ما أرسل من الآيات تام وفيه بلاغٌ. وقوله: ﴿لا مبدل لكلماته﴾ [الأنعام: ١١٥] رد لقوله: ﴿ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾ [يونس: ١٥]. وقيل: أراد بكلمة ربك أحكامه التي حكم بها وبين انه شرع لعباده ما فيه بلاغٌ. قوله: ﴿ولولا كلمةٌ سبقت من ربك لكان لزامًا وأجلٌ مسمى﴾ [طه: ١٢٩] يعني وعدهم الساعة، قال تعالى: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ [القمر: ٤٦]. وقيل: إشارةٌ إلى حكمه الذي اقتضته حكمته وأنه لا تبديل لكلماته.

стр. 1366

قوله: ﴿ويحق الحق بكلماته﴾ [الشورى: ٢٤] أي: بحججه التي جعلها الله لكم سلطانًا مبينًا أي قوته. قوله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ [الفتح: ١٥] إشارةٌ إلى ما قال: ﴿فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا﴾ [التوبة: ٨٣]، وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿فقل لن تخرجوا﴾ قال هؤلاء المنافقون: ﴿ذرونا نتبعكم﴾. وقصدهم بذلك تبديل كلام الله، فنبه أن هؤلاء لا يفعلون، وكيف يفعلون وقد علم الله منهم أنهم لا يفعلون ذلك، وقد سبق بذلك حكمه وقرئ بذلك حكمه وقرئ: «كلام الله» و «كلم الله» ومعناهما متقارب. قوله: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦] قيل: إنهم كانوا يبدلون الألفاظ ويغيرونها، وذلك نحو وصفهم: آدم طوالٌ، فكان معتدلًا أبيض مشربًا بحمرةٍ، في صفته عليه الصلاة السلام. وقيل: إن تحريفهم كان من جهة المعنى، وهو حمله على غير ما قصد به واقتضاه. وقد رجح هذا جماعةٌ، منهم الراغب فقال: وهذا أمثل القولين. ولم يبين وجه ذلك، وبينه غيره فقال: كيف يعتقد أنه تغيير اللفظ والتوراة كثيرة النسخ منتشرةٌ في البلدان؟ فهب أن يهود المدنية حرفوا كتبهم فكيف وافقهم جميع الناس؟ وكيف اتفق التغيير أيضًا؟ وعندي جوابٌ نقلته عن شيخنا برهان الدين الجعبري المقرئ. وقد ذكرت هذا الاعتراض بحضرة جماعةٍ بالحرم، حرم الخليل إبراهيم ﷺ ، فذكر لي أن بعض مشايخه أجاب به وهو أن اليهود كانوا منحصرين بالمدينة وما حواليها، والتوراة لم تعلم إلا عندهم، وذلك أنهم انتقلوا من الشام لانتظار النبي المبعوث كما هو في القصة المشهورة. فقولهم: إن اليهود كانوا في البلدان والتوراة منتشرةٌ معهم خلاف الواقع، وإن وجد اليهود بأرض فإنما ذلك على سبيل التردد لا الإقامة، وإن اتفق ذلك فنادرٌ. قوله: ﴿لولا يكلمنا الله﴾ [البقرة: ١١٨] أي مواجهةً.

стр. 1367

قوله: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١]. اعلم أن كلام الله البشر على ضربين: أحدهما في الدنيا وهو ما نبه عليه بقوله: ﴿وما كان لبشرٍ﴾ الآية، والثاني في الآخرة يكلمهم بما فيه غاية السعادة، وهو قوله كما أخبر عنه الصادق: «اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». قال بعضهم: كلامه لهم في الآخرة ثوابه للمؤمنين وكرامةٌ لهم تخفى عليهم كيفيته. ونبه تعالى أنه يحرم ذلك على الكفار بقوله: ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. قوله: ﴿لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ [الكهف: ١٠٩] أي علمه. قوله: ﴿تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] هي مفسرةٌ بقوله: ﴿ألا نعبد إلا الله﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية. وكل ما دعا الله الناس إليه فهو كلمةٌ. قوله: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ [التحريم: ١٢] قيل: عنى بها عيسى، وفيه نظرٌ من حيث الجمع. وفي الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات»، عنى بها القرآن. وفيه: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» قيل: أراد قوله سبحانه: ﴿فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأصل اشتقاق الكلام من الكلم وهو التأثير، ومنه قيل للجرح كلمٌ لتأثيره في الجلد. وقد قرئ: ﴿تَكْلمُهم﴾ و ﴿تُكلِّمُهم﴾ [النمل: ٨٢] أي تسمهم، أي تخيل منه التأثير المعنوي، فقيل: جرحه بلسانه: إذا كلمه بكلامٍ أثر فيه؛ قال امرؤ القيس: [من المتقارب] ١٣٦٧ - وجرح اللسان كجرح اليد

стр. 1368

وقال الراغب: والكلم: التأثير بإحدى الحاستين: السمع والبصر، فالكلام مدركٌ بحاسة السمع والكلم مدركٌ بالبصر. وكلمته: جرحته جراحةً بأن أثرها، ولاجتماعهما في ذلك قال: ١٣٦٨ - والكلم الأصيل كأرغب الكلم وقال الآخر: ١٣٦٩ - وجرح اللسان كجرح اليد قال: «والكلام يقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها مجموعةً، وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسمًا كان أو فعلًا أو أداة. وعند كثير من المتكلمين لا يقع إلا على الجملة المركبة المفيدة، وهو أخص من القول؛ فإن القول عندهم يقع على المفردات، والكلمة تقع على كل واحدٍ من الأنواع الثلاثة، وقد قيل بخلاف ذلك» قلت: ما ذكره من كون الكلام عند المتكلمين كذا وعند النحويين كذا ليس كما زعم بل ما قاله عن المتكلمين هو مذهب النحاة. وقد فرقنا بين الكلام والكلم والكلمة والقول. وذكرنا ما بينهما من العموم والخصوص وغير ذلك في غير هذا الموضع. والكلام ليس مصدرًا بل اسم مصدرٍ وهو التكليم، ولكنه يعمل عمل المصدر، وأنشد: [من الطويل] ١٣٧٠ - فإن كلامها شفاءٌ لما بيا ك ل ل: قوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥]. كل من ألفاظٍ

стр. 1369

العموم، واستعماله مؤكدًا تابعًا له في إعرابه أكثر من استعماله مبنيًا على عاملٍ لفظيٍّ أو معنويٍّ، نحو: جاء كل القوم و ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] وضربت كلًا ومررت بكلٍّ. وهي من الأسماء اللازمة للإضافة. وقد تقع لفظًا فتنون، وفيه خلاف؛ هل هو تنوين عوضٍ أم لا؟ وهي نقيضة بعضٍ، وإذا أضيفت إلى معرفةٍ جاز أن يراعى لفظها تارةً ومعناها أخرى، قال تعالى: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٩٥]. وإن أضيفت إلى نكرةٍ فالمشهور اعتبار لفظها نحو: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ وكل رجلٍ قائم، فأما قول عنترة: [من الكامل] ١٣٧١ - جادت عليه كل عينٍ ثرةٍ ... فتركن كل حديقةٍ كالدرهم فقد راعى معناها من حيث إنه قال: فتركن، فأتى بضمير الجمع، وليس بقياس. إذا قطعت عن الإضافة روعي معناها وهو الأكثر كقوله: ﴿وكل أتوه داخرين﴾ [النمل: ٨٧] وللزومها الإضافة خطئ من أدخل عليها «ال» ونصبها حالًا. وأما قراءة: ﴿إنا كلًا فيها﴾ [غافر: ٤٨] فكلًا تأكيد لاسم إنا، وفيها أبحاث كثيرة تركناها هنا إيثارًا للاختصار واستغناءً بما أودعناه غيره من الكتب اللائقة بذلك. قال الراغب: لفظ كلٍّ هو لضم أجزاء الشيء، وذلك ضربان: أحدهما الضام لذات الشيء وأحواله المختصة به، ويفيد معنى التمام نحو قوله تعالى: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] أي بسطًا تامًا، وأنشد: [من مجزوء الرجز] ١٣٧٢ - ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه أي التام الفتوة. والثاني الضام للذوات، وقد تضاف تارةً إلى جمعٍ معرفٍ بالألف واللام نحو: كل القوم، قال: وقد تعرى عن الإضافة، وتقدير ذلك فيه نحو: ﴿كل في

стр. 1370

فلكٍ يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. ولم يرد في شيءٍ من القرآن ولا في شيءٍ من كلام العرب الفصحاء «الكل» بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلمين والفقهاء ومن نحا نحوهم. قلت: وقد وجد ذلك في عبارة بعض النحاة لكنه اعتذر عنه، نحو: بدل الكل والبعض. قوله تعالى: ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]. اختلف الناس في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقال ابن عباس: الكلالة اسم لمن عدا الولد، وقيل: لمن عدا الوالد والولد، وروي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة فقال: «من مات وليس له ولد ولا والد» فجعله اسمًا للميت. قال الراغب: وكلا القولين صحيح؛ فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث، وتسميتها بذلك إما لأن النسب كل عن اللحوق به، أو لأنه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك أن الانتساب ضربان: أحدهما بالعمق كنسبة الأب والابن. والثاني بالعرض كنسبة الأخ والعم. وقال قطرب: الكلالة اسم لما عدا الأبوين والأخ. ورده الهروي، وقال آخرون: هو اسم لكل وارثٍ، وأنشد: [من مجزوء الكامل] ١٣٧٣ - والمرء يبخل بالحقو ... ق وللكلالة ما يسيم وقد رده الراغب فقال: ولم يقصد الشاعر بما ظنه هذا، وإنما خص الكلالة ليزهد الناس في جمع المال؛ لأن ترك المال لهم أشد من تركه للأولاد، وتنبيهًا أن من خلفت له المال فجارٍ مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدو. وقال السدي:
следующие страницы →