← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قوله: ﴿ويحق الحق بكلماته﴾ [الشورى: ٢٤] أي: بحججه التي جعلها الله لكم سلطانًا مبينًا أي قوته. قوله: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ [الفتح: ١٥] إشارةٌ إلى ما قال: ﴿فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوًا﴾ [التوبة: ٨٣]، وذلك أنه تعالى لما قال: ﴿فقل لن تخرجوا﴾ قال هؤلاء المنافقون: ﴿ذرونا نتبعكم﴾. وقصدهم بذلك تبديل كلام الله، فنبه أن هؤلاء لا يفعلون، وكيف يفعلون وقد علم الله منهم أنهم لا يفعلون ذلك، وقد سبق بذلك حكمه وقرئ بذلك حكمه وقرئ: «كلام الله» و «كلم الله» ومعناهما متقارب. قوله: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦] قيل: إنهم كانوا يبدلون الألفاظ ويغيرونها، وذلك نحو وصفهم: آدم طوالٌ، فكان معتدلًا أبيض مشربًا بحمرةٍ، في صفته عليه الصلاة السلام. وقيل: إن تحريفهم كان من جهة المعنى، وهو حمله على غير ما قصد به واقتضاه. وقد رجح هذا جماعةٌ، منهم الراغب فقال: وهذا أمثل القولين. ولم يبين وجه ذلك، وبينه غيره فقال: كيف يعتقد أنه تغيير اللفظ والتوراة كثيرة النسخ منتشرةٌ في البلدان؟ فهب أن يهود المدنية حرفوا كتبهم فكيف وافقهم جميع الناس؟ وكيف اتفق التغيير أيضًا؟ وعندي جوابٌ نقلته عن شيخنا برهان الدين الجعبري المقرئ. وقد ذكرت هذا الاعتراض بحضرة جماعةٍ بالحرم، حرم الخليل إبراهيم ﷺ ، فذكر لي أن بعض مشايخه أجاب به وهو أن اليهود كانوا منحصرين بالمدينة وما حواليها، والتوراة لم تعلم إلا عندهم، وذلك أنهم انتقلوا من الشام لانتظار النبي المبعوث كما هو في القصة المشهورة. فقولهم: إن اليهود كانوا في البلدان والتوراة منتشرةٌ معهم خلاف الواقع، وإن وجد اليهود بأرض فإنما ذلك على سبيل التردد لا الإقامة، وإن اتفق ذلك فنادرٌ. قوله: ﴿لولا يكلمنا الله﴾ [البقرة: ١١٨] أي مواجهةً.

стр. 1367

قوله: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١]. اعلم أن كلام الله البشر على ضربين: أحدهما في الدنيا وهو ما نبه عليه بقوله: ﴿وما كان لبشرٍ﴾ الآية، والثاني في الآخرة يكلمهم بما فيه غاية السعادة، وهو قوله كما أخبر عنه الصادق: «اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». قال بعضهم: كلامه لهم في الآخرة ثوابه للمؤمنين وكرامةٌ لهم تخفى عليهم كيفيته. ونبه تعالى أنه يحرم ذلك على الكفار بقوله: ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم﴾ [آل عمران: ٧٧]. قوله: ﴿لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي﴾ [الكهف: ١٠٩] أي علمه. قوله: ﴿تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] هي مفسرةٌ بقوله: ﴿ألا نعبد إلا الله﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية. وكل ما دعا الله الناس إليه فهو كلمةٌ. قوله: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ [التحريم: ١٢] قيل: عنى بها عيسى، وفيه نظرٌ من حيث الجمع. وفي الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات»، عنى بها القرآن. وفيه: «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» قيل: أراد قوله سبحانه: ﴿فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأصل اشتقاق الكلام من الكلم وهو التأثير، ومنه قيل للجرح كلمٌ لتأثيره في الجلد. وقد قرئ: ﴿تَكْلمُهم﴾ و ﴿تُكلِّمُهم﴾ [النمل: ٨٢] أي تسمهم، أي تخيل منه التأثير المعنوي، فقيل: جرحه بلسانه: إذا كلمه بكلامٍ أثر فيه؛ قال امرؤ القيس: [من المتقارب] ١٣٦٧ - وجرح اللسان كجرح اليد

стр. 1368

وقال الراغب: والكلم: التأثير بإحدى الحاستين: السمع والبصر، فالكلام مدركٌ بحاسة السمع والكلم مدركٌ بالبصر. وكلمته: جرحته جراحةً بأن أثرها، ولاجتماعهما في ذلك قال: ١٣٦٨ - والكلم الأصيل كأرغب الكلم وقال الآخر: ١٣٦٩ - وجرح اللسان كجرح اليد قال: «والكلام يقع على الألفاظ المنظومة وعلى المعاني التي تحتها مجموعةً، وعند النحويين يقع على الجزء منه، اسمًا كان أو فعلًا أو أداة. وعند كثير من المتكلمين لا يقع إلا على الجملة المركبة المفيدة، وهو أخص من القول؛ فإن القول عندهم يقع على المفردات، والكلمة تقع على كل واحدٍ من الأنواع الثلاثة، وقد قيل بخلاف ذلك» قلت: ما ذكره من كون الكلام عند المتكلمين كذا وعند النحويين كذا ليس كما زعم بل ما قاله عن المتكلمين هو مذهب النحاة. وقد فرقنا بين الكلام والكلم والكلمة والقول. وذكرنا ما بينهما من العموم والخصوص وغير ذلك في غير هذا الموضع. والكلام ليس مصدرًا بل اسم مصدرٍ وهو التكليم، ولكنه يعمل عمل المصدر، وأنشد: [من الطويل] ١٣٧٠ - فإن كلامها شفاءٌ لما بيا ك ل ل: قوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ [النساء: ٩٥]. كل من ألفاظٍ

стр. 1369

العموم، واستعماله مؤكدًا تابعًا له في إعرابه أكثر من استعماله مبنيًا على عاملٍ لفظيٍّ أو معنويٍّ، نحو: جاء كل القوم و ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] وضربت كلًا ومررت بكلٍّ. وهي من الأسماء اللازمة للإضافة. وقد تقع لفظًا فتنون، وفيه خلاف؛ هل هو تنوين عوضٍ أم لا؟ وهي نقيضة بعضٍ، وإذا أضيفت إلى معرفةٍ جاز أن يراعى لفظها تارةً ومعناها أخرى، قال تعالى: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٩٥]. وإن أضيفت إلى نكرةٍ فالمشهور اعتبار لفظها نحو: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ وكل رجلٍ قائم، فأما قول عنترة: [من الكامل] ١٣٧١ - جادت عليه كل عينٍ ثرةٍ ... فتركن كل حديقةٍ كالدرهم فقد راعى معناها من حيث إنه قال: فتركن، فأتى بضمير الجمع، وليس بقياس. إذا قطعت عن الإضافة روعي معناها وهو الأكثر كقوله: ﴿وكل أتوه داخرين﴾ [النمل: ٨٧] وللزومها الإضافة خطئ من أدخل عليها «ال» ونصبها حالًا. وأما قراءة: ﴿إنا كلًا فيها﴾ [غافر: ٤٨] فكلًا تأكيد لاسم إنا، وفيها أبحاث كثيرة تركناها هنا إيثارًا للاختصار واستغناءً بما أودعناه غيره من الكتب اللائقة بذلك. قال الراغب: لفظ كلٍّ هو لضم أجزاء الشيء، وذلك ضربان: أحدهما الضام لذات الشيء وأحواله المختصة به، ويفيد معنى التمام نحو قوله تعالى: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] أي بسطًا تامًا، وأنشد: [من مجزوء الرجز] ١٣٧٢ - ليس الفتى كل الفتى ... إلا الفتى في أدبه أي التام الفتوة. والثاني الضام للذوات، وقد تضاف تارةً إلى جمعٍ معرفٍ بالألف واللام نحو: كل القوم، قال: وقد تعرى عن الإضافة، وتقدير ذلك فيه نحو: ﴿كل في

стр. 1370

فلكٍ يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]. ولم يرد في شيءٍ من القرآن ولا في شيءٍ من كلام العرب الفصحاء «الكل» بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلمين والفقهاء ومن نحا نحوهم. قلت: وقد وجد ذلك في عبارة بعض النحاة لكنه اعتذر عنه، نحو: بدل الكل والبعض. قوله تعالى: ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦]. اختلف الناس في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ فقال ابن عباس: الكلالة اسم لمن عدا الولد، وقيل: لمن عدا الوالد والولد، وروي عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة فقال: «من مات وليس له ولد ولا والد» فجعله اسمًا للميت. قال الراغب: وكلا القولين صحيح؛ فإن الكلالة مصدر يجمع الوارث والموروث، وتسميتها بذلك إما لأن النسب كل عن اللحوق به، أو لأنه قد لحق به بالعرض من أحد طرفيه، وذلك أن الانتساب ضربان: أحدهما بالعمق كنسبة الأب والابن. والثاني بالعرض كنسبة الأخ والعم. وقال قطرب: الكلالة اسم لما عدا الأبوين والأخ. ورده الهروي، وقال آخرون: هو اسم لكل وارثٍ، وأنشد: [من مجزوء الكامل] ١٣٧٣ - والمرء يبخل بالحقو ... ق وللكلالة ما يسيم وقد رده الراغب فقال: ولم يقصد الشاعر بما ظنه هذا، وإنما خص الكلالة ليزهد الناس في جمع المال؛ لأن ترك المال لهم أشد من تركه للأولاد، وتنبيهًا أن من خلفت له المال فجارٍ مجرى الكلالة، وذلك كقولك: ما تجمعه فهو للعدو. وقال السدي:

стр. 1371

الكلالة الذي لم يدع والدًا ولا ولدًا. وهذا ينبغي أن يكون أصحها لما تقدم في الحديث. قال أبو منصورٍ: أصلها من تكلله النسب إذا لم يكن الذي يرثه ابنه ولا أبوه. فالكلالة ما عدا الوالد والولد فكأنه قال: وإن كان رجل يورث متكللًا لهم نسبًا. والكلالة بكون الوارث وتكون الموروث، وهم الأخوة للأم دون الأب، فأما الكلالة في آخر هذه السورة فهي الأخت للأب، قاله الهروي، وقال ابن عرفة: فإذا مات الإنسان وليس له ولد ولا والد فذلك الكلالة، لأن ورثته متكلًا نسبهم. وقال القتيبي: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب الطرفين كلالةً. وقال غيره: كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو إكليل له، وبه سميت الكلالة التكلل النسب، والعصبة- وإن بعدت- كلالة، وتقول العرب: لم يرث فلان كذا كلالةً، لمن تخصص بشيءٍ قد كان لأبيه، وأنشد: [من الطويل] ١٣٧٤ - ورثتم قناة الملك غير كلالةٍ ... عن ابني منافٍ: عبد شمسٍ وهاشمٍ والإكليل سمي لإطافته بالرأس، وفي حديث جابرٍ: «مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فقلت: يا رسول الله إني رجل ليس يرثني إلا كلالة» أي يرثني ورثة ليسوا بوالدٍ ولا ولدٍ، وإنما كان يرثه أخواته فهذا واقع على الوارث. وظاهر القرآن يدل على أنه اسم للميت، فإن كلالة من قوله: ﴿يورث كلالةً﴾ [النساء: ١٢] حال من الموروث، ومن جعله اسمًا للوارث قال: تقديره ذا كلالةٍ وقد حققنا ذلك في «الدار» وغيره. وعن أبي بكرٍ وعمر ﵄: «سلوني ما شئتم إلا الكلالة».

стр. 1372

قوله تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ [النحل: ٧٦] أي ثقيل، يقال: كل فلا أي ثقل، وكل في مشيه كلالًا: ثقل عنه. وكل السيف: إذا نبا، واللسان: إذا تعب، كلولًا وكلةً وأكل [فلان]: كلت راحلته. والكلكل: الصدر، قال المرؤ القيس: [من الطويل] ١٣٧٥ - فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل وقال: [من الوافر] ١٣٧٦ - ولما أن توافينا قليلًا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا كأنه سمي بذلك لأنه محل الكلال، فإن البعير يبرك عليه. قوله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار﴾ [المطففين: ١٨]. اعلم أن كلًا حرف موضوع للردع والزجر، وقد جعلها بعضهم على أضرب: أحدها: أنه رجع وزجر لقوله تعالى: ﴿فيقول ربي أكرمن﴾ [الفجر: ١٥] ﴿ربي أهانن﴾ [الفجر: ١٦] ثم قال: «كلا» أي ارتدعوا عن هذا الاعتقاد؛ فإن من رزقه الله مالًا لا يدل على كرامته عنده، ولا من حرمه مالًا لا يدل على إهانته عنده، فقد جعل الكفرة ملوكًا. الثاني: حرف استفتاحٍ، كقوله: ﴿كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون﴾ [النبأ: ٤ - ٥] الثالث: بمعنى حقًا كقوله: ﴿ثم ينجيه كلا﴾ [المعارج: ١٤ - ١٥]. وهذه يوقف عليها ولا يبتدأ بها. الرابع: أن بمعنى ليس كقوله: ﴿فيقول ربي أهانن كلا﴾ أي: ليس الأمر كذلك.

стр. 1373

والتحقيق أنها ردع وزجر، وما ذكر من هذا الآي صالح له، وقد حققناه في غير هذا، وذلك بحسب المواد، ولذلك قال الراغب: كلا: ردع وزجر وإبطال لقول القائل، وذلك نقيض «إي» في بعض الإثبات، قال تعالى: ﴿لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. قلت: يعني نقيض «إي» بكسر الهمزة وسكون الياء، ويعني بها حرف الجواب الواقع قبل القسم، كقوله: ﴿إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣] ك ل و: قوله تعالى: ﴿أو كلاهما﴾ [الإسراء: ٢٣] كلا ألفها عن واوٍ بدليلٍ قولهم في مونثع كلتا، فأبدلوا الواو تاءً لأنه قد كثر إبدالها منها في ترة وتولجٍ وتخمة وأخواتٍ لها مذكورةٍ، ولفظهما مفرد، معناهما التثنية، ولذلك روعي هذا مرةً وهذا أخرى، وقد جمع بينهما من قال: [من البسيط] ١٣٧٧ - كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي فراعى المعنى في قوله: بينهما وأقلعا، فثنى، واللفظ في قوله: رابي فأفرد، لكن الأكثر مراعاة اللفظ، ولذلك لم يجيء التنزيل إلا عليه كقوله: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ [الكهف: ٣٣] ولم يقل: آتتا أكلهما. وزعم الكوفيون أنهما مثنيان لفظًا ومعنىً، وأنه يقال: كل وكلت، وأنشدوا: [من الرجز] ١٣٧٨ - في كلت رجليها سلامي واحده ... كلتاهما قد قرنت بزائدة وزعم البصريون أنه موضوع.

стр. 1374

ويجريان مجرى المثنى في الإعراب إذا أضيفا إلى مضمرٍ، ويقدر إعرابهما كالمثنى. ويقدر إعرابهما كالمقصود إذا أضيفا إلى ظاهرٍ عند غير بني كنانة، وعندهم كالمثنى مطلقًا، ويلزمان الإضافة لفظًا ومعنىً. ولا يضافان إلا إلى مثنى أو ما أفهم المثنى، نحو: كلانا على طاعة الرحمن. قأما قول الشاعر: [من الرمل] ١٣٧٩ - إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل فلأن ذلك يقع موقع المثنى، كقوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨]. فذلك إشارة لقوله: ﴿لا فارض ولا بكر﴾، فإن فرق بالعطف جاز ذلك على قلةٍ كقول الشاعر: [من الطويل] ١٣٨٠ - كلا السيف والساق الذي ضربت به ... على مهلٍ ألقاه باثنين صاحبه وفي إمالتها خلاف بين القراء، وهي في تأكيد المثنى ككل في تأكيد الجمع، فلا يقال: تقاتل الزيدان كلاهما، إذ لا يتأتى ذلك إلا في اثنين. وقد أتقنا جميع ذلك في غير هذا الموضع ولله الحمد والمنة. فصل الكاف والميم ك م ل: قوله تعالى: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] أي كاملة الأجر، وقيل: هو على التأكيد. «وقيل: إنما ذكر العشرة الكاملة، لا يعلمنا أن السبعة والثلاثة عشرة، بل ليبين أن بحصول صيام العشرة يحصل كمال الصوم القائم مقام الهدي، وقيل: إن وصفه العشرة بالكاملة استطراد في الكلام وتنبيه على فضيلةٍ له فيها بين علم العدد، وأن العشرة أول عقدٍ ينتهي إليه العدد فيكمل، وما بعده يكون مكررًا مما قبله، فالعشرة هي العدد

стр. 1375

الكامل». والكمال لغةً حصول ما فيه الغرض منه؛ فإذا قيل: كمل معناه، فمعناه حصول ما هو الغرض منه، وعليه قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣] نبه بذلك على أنها غاية ما يتعلق به إصلاح الولد. قوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملةً﴾ [النحل: ٢٥] نبه بذلك على أنه يحصل لهم كمال العقوبة. وأكملت الشيء وكملته: جعلته كاملًا، وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ [البقرة: ١٨٥] من أكمل وكمل مشددًا. ويقال: كمل وكمل بفتح العين وضمها فهو كامل كمالًا. ك م م: قوله تعالى: ﴿والنخل ذات الأكمام﴾ [الرحمن: ١١]. الأكمام جمع كم وهو وعاء المثرة، وكل ما غطى شيئًا فهو كم له، ومنه كم القميص لتغطيته اليد، ويجمع على كمامٍ أيضًا، نحو: رمح ورماح. والكمة: ما يغطي الرأس كالقلنسوة، وقيل: أكمام النخلة: ما غطى جمارها من الليف والسعف. وكم الطلعة: قشرها. وتكمم وتكمكم واحد. وفي الحديث: «رأى [عمر] جارية متكمكمة» أي مغطاة الرأس. ويقال: تكموا والأصل تكمكموا، وأنشد: [من الرجز] ١٣٨١ - بل لو رأيت الخيل إذ تكموا ... بغمةٍ، لو تفرج غموا وتكمكم: إذا تلفف بثوبه، وفي حديث النعمان: «إلى أكمة خيولهم» عنى بالأكمة المخالي المعلقة برؤوس الخيل تشبيهًا بالكمة. وكم: اسم عددٍ مبهم، فمن ثم افتقرت إلى تمييزٍ. وهي على ضربين: استفهاميةٍ

стр. 1376

فيطلب بها كمية ذلك المعدود، وخبريةٍ فيراد بها التكثير كقوله تعالى: ﴿أو لم يروا إلى الأرض كم أنتنا فيها من كل زوجٍ كريمٍ﴾ [الشعراء: ٧] أي كثيرًا من الأزواج أنبتنا فيها. وكلاهما له صدر الكلام، ومميز الاستفهامية واحد منصوب، يجوز جره إذا جرت هي بحرفٍ نحو: بكم درهمٍ اشتريته؟ ومميز الخبرية بواحدٍ أو جمعٍ مجرورٍ، وينصب إذا فصل بظرفٍ ونحوه نحو: كم في الدر عبيدًا ملكت! وقد يبقى جره كقول الشاعر: [من الرمل] ١٣٨٢ - كم بجودٍ مقرفٍ نال العلى ... وكريمٍ بخله قد وضعه فإن كان الفاصل جملةً وجب النصب كقول الشاعر: [من البسيط] ١٣٨٣ - كم نالني منهم فضلًا على عدمٍ ... إذ لا أكاد من الإقتار أحتمل ولها أحكام قررناها في غير هذا الموضع. ك م هـ: قوله: ﴿وتبرئ الأكمه والأبرص﴾ [المائدة: ١١٠] قيل: الأكمه من ولد أعمى. ويقال: هو الذي يولد مطموس العين. وقيل: بل هو الذي طرأ عليه العمى أو ذهاب العين، قال الشاعر: [من البسيط] ١٣٨٤ - لقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍ ... إلا على أكهٍ لا يدرك القمرا وقال رؤبة بن العجاج: [من الرجز] ١٣٨٥ - فارتد عنها كارتداد الأكمه ويقال: إنه لم يوجد في هذه الآفة أكمه بالتفسيرين الأولين إلا قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

стр. 1377

ويقال: كمه يكمه كمها، وأنشد لسويدٍ: [من الرمل] ١٣٨٦ - كمهت عيناه حتى ابيضتا وهذا يؤيد القول بأن يقال للعمى الطارئ. فصل الكاف والنون ك ن د: قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لربه لكنود﴾ [العاديات: ٦] أي جحود؛ يقال: كند يكند: إذا جحد، وقيل لكفور نعمة ربه، وهو قريب من الأول. قيل: ومنه أرض كنود: إذا لم تنبت شيئاً. وكندة: قبيلة معروفة، قال الشاعر: [من الطويل] ١٣٨٧ - كنود لنعماء الرجال يبعد أي: لكفور نعماء الرجال. وعن ابن عباسٍ: هو بلسان كندة وحضرموت العاصي، وبلسان ربيعة ومضر الكفور، وبلسان كنانة البخيل، وأنشد أبو زيدٍ: [من الخفيف] ١٣٨٨ - إن تفتني فلم أطب عنك نفسًا ... غير أني أمنى بدينٍ كنود ك ن ز: قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٣٤] الكنز تخبئة النقدين وادخارهما. وقيل: هو جعل الذهب والفضة بعضها فوق بعضٍ. وأصله من كنزت التمر في الوعاء: إذا كبست فيه. وزمن الكناز: وقت كنز التمر. وناقة كناز: مكتنزة اللحم أي مجتمعة منضمته، وهو أقوى لها. والجمع كنز.

стр. 1378

والكنز أيضًا نفس المكنوز تسميةً له بالمصدر. وفي الحديث: «ما أديت زكاته فليس بكنزٍ» أي لا يعذب به صاحبه، عكس من منع الزكاة فإنه يعذب كما أخبر بذلك في الحديث: «يمثل له كنزه شجاعًا أقرع» الحديث، والجمع كنوز. قوله تعالى: ﴿وكان تحته كنز لهما﴾ [الكهف: ٨٢] قيل: لم يكن ذهبًا ولا فضةً بل ألواح فيها حكم ومواعظ. قيل: هي «عجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، ولم يوقن بالرزق كيف يحزن، لا إله إلا الله محمد رسول الله» إلى غير ذلك. قوله تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ [الدخان: ٢٥] وكنوزٍ هي الأموال التي ادخروها في الجبال وتحت الأرض. ك ن س: قوله تعالى: ﴿الجوار الكنس﴾ [التكوير: ١٦] جمع كانس، والكانس من الوحش ما دخل كناسه كالظبي وبقر الوحش، والمراد هنا النجوم؛ شبهها في استتارها ببروجها بالوحش الداخل كناسه، وقد كنست كنوسًا؛ قيل: هي من الكواكب خمس: زحل والمريخ والمشتري وعطارد والزهرة. وقيل: كل كوكبٍ. وقد تقدم تفسير ذلك في قوله ﴿الخنس﴾ [التكوير: ١٥]. وقيل: أرد البقر الوحشية والظبي، ولله أن يقسم بما شاء. ك ن ن: قوله: ﴿وجعل لكم من الجبال أكنانًا﴾ [النحل: ٨١] هي جمع كن. والكن: ما يكنك أي يسترك ويصونك عما يؤذيك. وكننت الشيء: جعلته في كن، قيل: وخص كننت بما يستر بثوبٍ أو بيتٍ ونحوه من الأجسام؛ قال تعالى: ﴿كأنهن بيض مكنون﴾ [الصافات: ٤٩] يريد بيض النعام لأنها تصونه بدفنه في الرمل. وقوله: ﴿إنه لقرآن كريم في كتابٍ مكنونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨] أي محفوظٍ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وأكننت: خص بما يستر في الضمير، وعليه قوله

стр. 1379

تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ﴿وما تكن صدورهم﴾ [القصص: ٦٩]. قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنةً﴾ [الأنعام: ٢٥] جمع كنانٍ وهي الأغطية وهي كقوله تعالى: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾ [النساء: ١٥٥] ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧]. والكتاب المكنون قيل: القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ، وقيل: قلب المؤمن، وقيل: إشارة إلى أنه محفوظ عند الله تعالى، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وإنا له لحافظون﴾ [يوسف: ١٢]. وسميت المرأة المتزوجة كنةً لحمايتها من حيث إنها تصان وتحفظ في بيت زوجها والكنانةً: جعبة غير مثقوبة تجمع فيها السهام، وبها سميت هذه القبيلة المشهورة. ومن كلام الخبيث الحجاج: «إن أمير المؤمنين نثل كنانته فعجمها فوجدني أصلبها عودًا فبعثني إليكم» وكان متلثمًا فكشف لثامه عن وجهٍ قبيحٍ، فقال بعض الحاضرين: ما رأيت كاليوم أقبح من أميرنا. فأنشد: [من الوافر] ١٣٨٩ - أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني قاتله الله ما أفضحه! فصل الكاف والهاء ك هـ ف: قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم﴾ [الكهف: ٩] الكهف: الغار في الجبل، والجمع كهوف. وأصحاب الكهف قد قص الله خبرهم أحسن القصص فلا حاجة إلى ذكره، وأسماؤهم وكيفية ذهابهم مذكور في التفسير.

стр. 1380

ك هـ ل: قوله تعالى: ﴿تكلم الناس في المهد وكهلًا﴾ [المائدة: ١٠] الكهل من الرجال من وخطه الشيب، ومنه: اكتهل النبات إذا قارب اليبوسة، على الاستعارة ويقال: شاب الزرع، على الاستعارة أيضًا، ويقال: الكهل هو الذي تم شبابه، ومنه: اكتهل النبات: تم طوله، ويقابل به الشباب، وأنشد: [من البسيط] ١٣٩٠ - يبكيك ناءٍ عن الديار مغترب ... يا للكهول وللشبان للعجب فإن قيل: كلام الصبي في المهد أعجوبة ففي الإخبار به فائدة عظيمة، وأما كلام الكهل فمعتاد فما فائدة الإخبار به؟ قيل: البشارة بأنه يعيش إلى حد الكهولة لأنه لم يتكلم صبيٍّ في مهده ثم عاش غير عيسى. فلو اقتصر على الإخبار بالأول لسآها ذلك للعادة فأخبرها بطريق البشارة أنه يكتهل. واكتهلت الدوحة: إذا عمها النور، ومنه قول الأعشى يصف دوحةً: [من البسيط] ١٣٩١ - يضاحك الشمس منها كوكب الشرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل وقد تقدم في باب السين ذكر تنقل الإنسان من لدن كونه في بطن أمه إلى أن يصير شيخًا وفوق ذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. ك هـ ن: قوله تعالى: ﴿ولا بقول كاهنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] الكاهن: الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية بضربٍ من الظن، وهو عكس العراف الذي يخبرنا بالأخبار المستقبلة بنحو ذلك، ولكون هاتين الصناعتين مبنيتين على الطن الذي يجوز أن يخطئ ويصيب قال ﵊: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمدٍ». والكهانة: مصدر كهن يكهن إذا تعاطى ذلك. وكهن بالضم تخصص بها.

стр. 1381

وتكهن: تفعل ذلك. وقد فسر الكاهن بنحو ما فسر به العراف، وهو المشهور في الحديث. وقد كانت الكهنة في زمنه ﵊ بهذه الصفة وذلك لما يسمع شياطينهم فيلقون إليهم الكلمة فيكذبون عليها مئة كذبة إلى أن رجمت الشياطين فانقطع السمع وانقطع التكهن. وفي الحديث: «يخرج من الكاهنين رجل يقرأ القرآن لا يقرأ أحد مثله» الكاهنان: هنا: بنو النضير وقريظة؛ قبيلتان من اليهود مشهورتان. يقال: المعني بهذا الرجل هو محد بن كعبٍ القرظي ﵁. فصل الكاف والواو ك وب: قوله تعالى: ﴿بأكوابٍ وأباريق﴾ [الواقعة: ١٨] الأكواب: جمع كوبٍ، وهو إناء مستدير لا عروة له ولا خرطوم؛ فإن كان له عروة فهو إبريق. وقال الأزهري: الكوب ما لا خرطوم له فإن كان فهو إبريق. وقيل: هو القدح الذي لا عروة له. وفي الحديث: «إن الله حرم الخمر والكوبة» قال ابن الأعرابي: هي النرد، وقيل: الطبل تشبيهًا بهيئة الكوب. ويجمع الكوب على أكوابٍ وأكاويب، وتحقيقه أن أكاويب جمع أكواب. ك ور: قوله تعالى: ﴿إذا الشمس كورت﴾ [التكوير: ١] تكويرها: لفها وضم بعضها إلى بعضٍ كما تكور العمامة وتلف. وفي التفسير أنها تلف كما يلف الثوب الخلق. فسبحان القادر على كل شيء. والتكوير: إدارة الشيء وضم بعضه إلى بعض نحو تكوير العمامة. وعن الربيع بن ختعم: كورت: رمي بها. ومنه: طعنه فكوره. قوله تعالى: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ [الزمر: ٥]. قال أبو عبيدة: يدخل هذا على هذا وهذا على هذا. وتحقيقه: الإشارة إلى جريان الشمس في

стр. 1382

مطالعها وانتقاص الليل والنهار وازديادهما، وذلك بأن يدخل أحدهما في الآخر ثم يفصله منه كما أشار إليه في الآيتين وهما: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ [يس: ٣٧]. فقد تحقق معنى التكوير وهو معنى الإيلاج، ثم بعده يكون الانسلاخ فيحدث من ذلك الزيادة والنقصان. وطعنه وكوره: إذا ألقاه مجتمعًا. والكور بالضم رحل الجمل، وبالفتح الزيادة، ومنه الحديث: «أعوذ بك من الجور بعد الكور» قيل: من النقصان بعد الزيادة. وكوار النخل معروفة لإدخال بعضها في بعضٍ والتصاقه. وكل مصرٍ كورة، وهو الموضع الذي به قرى ومحال، وذلك لحصول الاجتماع. ك ون: قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ [النساء: ٩٦] كان هنا بمعنى لم يزل، وأصلها للدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي نحو: كان زيد عالمًا، معناه أنه اتصف بالعلم فيما مضى دلالةً لها على الانقطاع؛ فإذا قلت: كان زيد قائمًا ليس فيه دلالة على أنه الآن قائم، وهو أحد الجوابين عن قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ ونحوه. وترد بمعنى صار، وأنشد: [من الطويل] ١٣٩٢ - بتيهاء قفرٍ والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها أي صارت، ومثله قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي صرتم، وترد زائدةً باطرادٍ، وهو إذا كانت بلفظ المضي حشوًا كقولهم ما كان أعلمه، وشذ قوله: [من الرجز] ١٣٩٣ - أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمأل بليل

стр. 1383

لكونها بلفظ المضارع. وقد تزاد بين صفةٍ وموصوفٍ كقوله: [من الوافر] ١٣٩٤ - فكيف إذا مررت بدار قومٍ ... وجيرانٍ لنا كانوا كرام؟ وبين جارٍّ ومجرورٍ كقوله: [من الوافر] ١٣٩٥ - جياد بني أبي بكرٍ تسامى ... على كان المسومة العراب واختلف فيها؛ هل لها مصدر أم لا، واختار سيبويه الأول، واستدل بعضهم بقول الشاعر: [من الطويل] ١٣٩٦ - ببذلٍ وحلمٍ ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير وتكون ناقصةً، وهي ما قدمنا ذكره، وتامةً بمعنى حضر كقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وبمعنى عزل، نحو: كنت الصوت. وبمعنى كفل، نحو كنت الصبي. وتحذف لامها من مضارعها المجزوم إن لم يلقه ساكن غالبًا ولم يتصل بها ضمير. ولذلك ورد الاستعمالان في القرآن قال في موضع: ﴿ولاتك﴾ [النحل: ١٢٧] وفي آخر: ﴿ولا تكن﴾ [النساء: ١٠٥] ويضمر منهما ضمير الشأن فيرتفع الاسمان بعدها على أنهما في محل الجر، وأنشد: [من الطويل] ١٣٩٧ - إذا مت كان الناس نصفان: شامت ... بموتي ومثنٍ بالذي كنت أصنع وتضمر هي كثيرًا وإن بعد لو، كقوله ﷺ «التمس ولو خاتمًا من حديدٍ» وقول الاخر: [من الكامل] ١٣٩٨ - حدبت علي بطون ضبة كلها ... إن ظالمًا فيهم وإن مظلوما

стр. 1384

ويجب ذلك إن عوض عنها ما بعد أن، كقول الشاعر: [من البسيط] ١٣٩٩ - أبا خراشة إما أنت ذا نفرٍ ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع ولها أحكام كثيرة لخصناها فيما رأيت، وفيه كفاية. وقال الراغب: «كان» عبارة عما مضى من الزمان، وفي كثيرٍ من وصف الله تعالى تنبئ عن معنى الأزلية، انتهى. يريد نحو قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾ وقال أيضًا: وما استعمل منه في جنس الشيء متعلقًا بوصفٍ له وهو موجود فيه فتنبيه على أن ذلك الوصف لازم له، قليل الانفكاك عنه، نحو قوله تعالى في الإنسان: ﴿وكان الإنسان قتورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] وقوله تعالى في الشيطان: ﴿وكان الشيطان لربه كفورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] قوله تعالى: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيًا﴾ قيل: هي زائدة، وفيه نظر من حيث إن لها اسمًا وخبرًا، وحملهم على ذلك انه «كان صبيًا» حال هذا الكلام فلم يتحقق مضي، وجوابه أن كان تدل على زمنٍ ماضٍ طويلًا كان أو قصيرًا؛ فيقال: كان زيد هنا. وإن كان بينكما أدنى زمانٍ، فقوله: ﴿من كان في المهد صبيًا﴾ [مريم: ٢٩] إشارة إلى عيسى وحالته التي شاهدوه عليها. قال الراغب: وليس قول من قال هذا إشارة إلى الحال بشيءٍ لأن ذلك إشارة إلى بعد لكن إلى زمانٍ مراده بالإشارة عود الضمير في «كان» لا الإشارة صناعةً. وقوله إشارة إلى الحال، هو معنى قول القائل: كان زائدةً. في العبارة قلق وهذا مراده والله أعلم. والكون في اصطلاح بعض المتكلمين عبارة عن استحالة جوهرٍ ما إلى ما هو أشرف منه، ويقابله بالفساد وهو استحالة جوهرٍ ما إلى ما هو دونه، فيقولون: الكون والفساد. وبعضهم يقول: الكون هو الإبداع. وكينونة مصدر لكان، واختلفوا في أصلها؛ فذهب

стр. 1385

سيبويه إلى أن أصلها كينونةً بتشديد الياء فخفف بالحذف، وأصله كيونونة فأدغمت، كميت وأصله ميوت ثم ميت بالقلب والإدغام ثم ميت بالتخفيف. قال الراغب: ولم يقولوا كينونة على الأصل كما قالوا ميت لثقل لفظها. قلت: قوله: ولم يقولوا يعي في المشهور، وإلا فقيل في غيره، وأنشد: [من الرجز] ١٤٠٠ - حتى يعود البحر كينونه وذهب غيره من النحاة إلى أن وزنها فعلولة، والأصل كونونة، فاستثقلوا واوين مكتنفين ضمةً فأبدلوا الأولى ياء. ولترجيح القولين مقام في غير هذا. قوله تعالى: ﴿مكانًا شرقيًا﴾ [مريم: ١٦] قيل: هو من كان يكون، والأصل مكون فاعل كمقام. وقولهم: تمكن يتمكن يدل على أصالة الميم، قاله الراغب. ونظيره قولهم: تمسكن من السكن. قوله تعالى: ﴿فما استكانوا لربهم﴾ [المؤمنون: ٧٦] أي: ما ذلوا وخضعوا. واختلفوا فيه هل هو من «سكن» لأنه ترك الحركة لذله وخضوعه، ووزنه افتعل كاقتدر إلا أنه قد أشبعت الفتحة. فتولد منها ألف، وهذا ليس من مادتنا في شيءٍ أو من كان فيكون وزنه استفعلوا، والأصل استكونوا فاعل كاستقاموا أصله استقوموا، فيكون مما نحن فيه من المادة. وفي الحديث: «قلت: وما الكنتيون؟ قال: الشيوخ» يعني الذين يقولون: كنت وكنت، وكان الشيء كذا. فنسبوا إلى ذلك اللفظ فيقال: فلان كاني، فلانة كانية وكنتي وكنتية، قال الشاعر: [من الطويل] ١٤٠١ - وكل امرئٍ يومًا إلى كان صائر

стр. 1386

وقال آخر: [من الطويل] ١٤٠٢ - ولست بكنتي وما أنا عاجن ... وشر الرجال الكنتني وعاجن يروى «الكنتني» وهذا من تغيير النسب لزيادة النون الأخيرة. ويروى «عاجز» بالزاي أو النون وكلاهما له معنىً حسن؛ فالعاجز ظاهر، وبالنون على التشبيه بعاجن العجين. كنوا بذلك عن الكبر فإن الكبير إذا قام اعتمد على يديه كالعاجن للعجين. وكذا قال الفقهاء في القيام من السجود: قام كالعاجن أو العاجز؛ بالزاي أو النون. ك وي: قوله تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم﴾ [التوبة: ٣٥] يقال: كويته بالنار: إذا ألصقتها بجسده حتى تصل إليه حرارتها وتؤثر فيه. وإنما خص هذه الأعضاء الظاهرة لأنها أحسن شيءٍ من الأعضاءٍ، وقدم الجباه لأنها أشرفها وأرقها. نسأل الله تعالى بعميم فضله الوقاية من لفحاتها ورؤيتها. وكويت الدابة أكويها كيًا، والأصل كويًا فأدغم، كطويت طيًا. والكي: الاستدفاء من البرد على التشبيه بذلك، وفي كلام بعضهم: «إني لأغتسل من الجنابة ثم أتكوى بمباشرتها» أي أستدفئ بها. فصل الكاف والياء ك ي د: قوله تعالى: ﴿فيكيدوا لك كيدًا﴾ [يوسف: ٥] الكيد: الاحتيال والاجتهاد فيما بقصده الإنسان، وغلب في المكر، ومنه سميت الحرب كيداء، كما سميت خدعةً. وقال بعضهم: أن يكون محمودًا، قال تعالى: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ [يوسف: ٧٦]. ويقال: أراد بالكيد العذاب، قيل والصحيح أنه الإمهال المؤدي إلى العذاب، يعني من إطلاق المسبب وإرادة السبب. وقيل: علمناه الكيد على إخوته لأن هذا كان شرعًا لهم،

стр. 1387

فأخذهم بما يعتقدونه لا بقوة سلطانه لأنه ألزم في الحجة عليهم. وقيل: الكيد: المضارة، وأنشد لعمر بن لجأ: [من الوافر] ١٤٠٣ - تراءت كي تكيد به بشر ... وكيد بالتبرح ما يكيد قوله تعالى: ﴿وأن الله لا يهدي كيد الخائنين﴾ [يوسف: ٥٢] فيه تنبيه على أنه قد يهدي من لم يقصد بكيده خيانةً، نحو كيد يوسف لإخوته ما قصه الله علينا، بخلاف كيد امرأة العزيز به. قوله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧] أي لأريدن بهم سوءاً، وأنهم لو أطبقوا على كيده لم يقدروا على ذلك. ثم لم يكتف بذلك حتى طلب منهم مفاجأة ذلك ومعالجته، وهذا من صدق العزم وقوة الجاه، وكيف لا يكون أنبياء الله، صلوات الله وسلامه عليهم. كذلك؟ رزقنا الله الذي أرسلهم ونبأهم! بركتهم في الدنيا والآخرة. وكاد زيد بنفسه، قيل: معناه جاد بها، ومنه الحديث: «دخل ﵊ عل سعد وهو يكيد بنفسه» والكيد: الحيض، ومنه أن ابن عباسٍ «مر بجوارٍ وقد كدن فأمر أن ينحين عن الطريق». والكيد أيضًا: القيء، ومنه حديث الحسن: «إذا بلع الصائم الكيد أفطر». والكيد: الحرب، وفي حديث عمر: «فرجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيدًا» أي حربًا. والأحسن أنه على العموم. وفي الحديث: «عقول كادها باريها» أي أضلها. و «كاد» من أفعال المقاربة تعمل عمل كان إلا أن خبرها لا يكون إلا مضارعًا، واقترانه بأن ضرورة. كقوله: [من الرجز]

стр. 1388

١٤٠٤ - قد كاد من طول البلى أن يمصحا أو نادر كقولٍ عمر ﵁: «ما كدت أن أصلي العصر». ويستعمل منها المضارع دون الأمر؛ قال تعالى: ﴿يكاد سنا برقه﴾ [النور: ٤٣]. وندر كون خبرها اسمًا مفردًا، وأنشد لتأبط شرًا: [من الطويل] ١٤٠٥ - فأبت إلى فهمٍ وما كدت آيبًا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر وزعم بعضهم أنها إذا نفيت كان الكلام إثباتًا، وإذا لم تنف كان نفيًا، حتى ألغزوا ذلك في بيتين وهما: [من الطويل] ١٤٠٦ - أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني: جرهم وثمود؟ إذا نفيت والله أعلم أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود؟ وعنوا بذلك ما ذكرته كأنهم قد توهموا من قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١]. هذا الحكم ليس بصحيحٍ لأن نفي المقاربة أبلغ من نفي الفعل، إلا ترى إلى قوله: ﴿لم يكد يراها﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من: لم يرها، ولذلك رد الحذاق على ذي الرمة قوله، وقد اعترض عليه، في قوله: [من الطويل] ١٤٠٧ - إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح فإنه لما اعترض عليه بهذا وقيل له: فقد برح، فغيره إلى قوله: لم يكد قال الحذاق: إن قوله الأول أصوب لما ذكرته لك. وأما الجواب عن قوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ فمن وجهين؛ أحدهما أنه على وقتين، أي ذبحوها في وقت ولم يذبحوها في آخر. والثاني أنه منبهة على عسر ذبحهم. وزعم الأخفش أنها تزاد مستدلًا بقوله: ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ [طه: ١٥]

стр. 1389

وليس كما زعم. ويقال: كدت وكدت؛ بكسر الكاف على أنها من ذوات الياء، وبضمها على أنها من ذوات الواو، ولا تنقل حركتها إلى فائها إلا إذا أسندت لضميرٍ متكلمٍ ونحوه، كنظائرها من الأفعال، نحو: بعت، إلا في ضرورة شعرٍ، وأنشد: [من الطويل] ١٤٠٨ - وكيد ضباع القف يأكلن جثتي ... وكيد خراش بعد ذلك ييتم وأحكامها كثيرة استغنينا عن استيعابها هنا. ك ي س: قوله تعالى: ﴿وكأسٍ من معينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] قد أدخل الراغب الكأس في هذا الموضع ومادته من كافٍ وهمزة وسين. وقد تكلمنا عليه مشبعًا في بابه، ثم استطرد الراغب مادة (ك ي س) فقال: الكيس: جودة القريحة. وأكأس الرجل وأكيس: إذا ولد أولادًا أكياسًا. قلت: قال أبو العباس: الكيس العقل، وفي الحديث: «أي المؤمنين أكيس؟» قال أبو بكر: أعقل. وأنشد لنفيلة الأكبر: [من البسيط] ١٤٠٩ - وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسًا وإن حمقا وفي الحديث: «إذا قدمتم فالكيس الكيس» قال ابن الأعرابي: الكيس: الجماع، قلت: قال بعضهم: هو العقل، وكأنه جعل طلب الولد عقلًا، وإنما فسره بالجماع لأنه سبب الولد. وفي حديثٍ آخر: «المؤمن كيس فطن». وفي الحديث: «أتراني إنما كستك

стр. 1390

لآخذ جملك» أي غلبتك بالكيس. كاسيني فكسته أي كنت أكيس منه. والرواية المشهورة: «ماكستك» من المماكسة. وأورد الراغب هنا: كأست الزرافة تكؤس: إذا مشت على ثلاث قوائم. وليس مما نحن فيه من شيءٍ، ولكنه زيادة فائدة. ك ي ف: قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] الآية. كيف: استفهام يسأل به عن الحال، نحو: كيف زيد؟ أي حاله، واستدل على اسميتها بدخول حرف الجر عليها في قولهم: على كيف تبيع الأحمرين؟ ولها صدر الكلام، وهي هنا للتعجب بالنسبة إلى الباري تعالى، كأنه قال: تعجبوا من حال هؤلاء المنافقين للكفر. وعند سيبويه: تسمى منصوبةً على التشبيه بالظرف؛ أي في حال يكفرون. وعند الأخفش تسمى منصوبةً على التشبيه؛ وقدرها: على أي حالٍ تكفرون. والاستفهام الوارد من الله تعالى لا على حقيقته، لأنه عالم بالأمور كلها خفيها وجليها، وإنما يرد منه تعالى على سبيل التوبيخ أو الإنكار أو التعجب على ما قررناه. واعلم أن «كيف» إما أن يقع بعدها فعل مصرح أو مقدر أو غير فعلٍ، فإن وقع بعدها فعل مصرح أو مقدر كانت منصوبةً على التشبيه، إما بالظرف وإما بالحال كما مر تقريره نحو: «كيف تكفرون». ومثال الفعل المقدر قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد﴾ [النساء: ٤١] الآية، ﴿كيف وإن يظهروا عليكم﴾ [التوبة: ٨] تقديره: كيف يكون حالهم، ومثله قول الحطيئة: [من الطويل] ١٤١٠ - فكيف ولم أعلمهم خذلوكم ... على مفظعٍ ولا أديمكم قدوا؟ أي: كيف تكون موتتي على مدح قومٍ هذه حالهم؟

стр. 1391

وتزاد بعدها «ما» فلا تجزم بها خلافًا للكوفيين. وزعم بعضهم أنها ترد نفيًا، وجعل منه قوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم﴾ [آل عمران: ٨٦]. وأنشد لعبد الله بن قيس الرقيات: [من الخفيف] ١٤١١ - كيف نومي على الفراش ولما ... تشمل الشام غارة شعواء؟ أي لم يهد الله، ولم أنم، وفيه نظر لأن الاستفهام الوارد بمعنى النفي إنما هو هل، أو من، دون أخواتها، نحو قوله تعالى: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] و ﴿من يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي ما يهلك ولم يغفر الذنوب إلا الله. وأما الآية والبيتان المتقدمان فالتعجب فيهما ظاهر. وقال الراغب: لفظ يسأل به عما يصح أن يقال فيه شبيه وغير شبيهٍ كالأبيض والأسود والصحيح والسقيم. ولذلك لا يصح أن يقال في الله «كيف». قال: وقد يعبر عن المسؤول عنه بكيف كالأبيض والأسود فإنا نسميه كيف. وقد ينسب إلى هذه اللفظة، فيقال «كيفية»، كما قالوا الكمية والآنية، وهي إحدى المقولات العشر عند المتكلمين. ك ي ل: قوله تعالى: ﴿نزداد كيل بعيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] أي مقدار حمل بعيرٍ، فعبر عنه بذلك. والكيل معلوم وهو ما يكال به، وكأنه سمي بالمصدر في الأصل، يقال: كلته أكيله كيلًا. وكلت يتعدى لاثنين أولهما بنفسه تارةً وبحرف الجر أخرى، ومثله في ذلك نحوه: كلت زيدًا الطعام، وكلت له طعامه، ووزنت له ماله، ووزنته دراهمه. واختلف النحاة هل أحدهما للآخر أصل أو مستقل بنفسه! ثلاثة مذاهب أظهرها ثالثها. وقد فرق الراغب بينهما فقال: يقال: كلت له الطعام: إذا توليت ذلك له، وكلته الطعام إذا أعطيته كيلًا.

стр. 1392

واكتلت عليه: أخذت منه كيلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [المطففين: ٢ - ٣]. ووزن مكيلٍ بالنظر إلى لفظه فعيل والنظر إلى أصله مفعل. وقد جرت هذه المسألة بين يعقوب وابن السكيت وأبي عثمان المازني بين يدي عبد الملك بن الزيات؛ فغلط يعقوب، فانتبه ابن الزيات، والحكاية وشرحها مذكورة في «الدر» وغيره من كتبنا. وفي الحديث أن رجلا سأله سيفًا فقال ﵊: «لعلي إن أعطيتكه أن تقوم في الكيول» قال أبو عبيد: الكيول: مؤخر الصفوف. وقال الأزهري: ما يخرج من حر الزند مسودًا لآثارٍ فيه، قال الكسائي: يقال: كال يكيل كيلًا: إذا كبا. فشبه مؤخر الصفوف به لأنه لا يقاتل من كان فيه. والمكايلة: المساواة؛ يقال: كيل فلان بفلان إذا كيل به، لأنه ساواه وكافأه، وهو مأخوذ من التساوي، فإن الكيل لا يفاوت إذا كان المكيال واحدًا بعينه. ك ي: قوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولةً﴾ [الحشر: ٧] أي لئلا يكون دولةً، أي لئلا يكون متداولًا. و «كي» للتعليل كاللام وهي على ثلاثة أقسام: الأول: قسم يتعين فيه أن يكون حرفًا وذلك كما صرح بعدها بأن الناصبة نحو: كي أن أتعلم، وأنشد: [من الطويل] ١٤١٢ - فقالت: أكل الناس أصبحت مانحًا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا؟ إذ لا يمكن دخول ناصبٍ على مثله. والثاني: قسم يتعين فيه كونها ناصبةً، وذلك إذا صرح قبلها بلام العلة كقوله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا﴾ [الحديد: ٢٣] لئلا يدخل حرف جر على مثله.

стр. 1393

الثالث: ما يحتمل الأمرين معًا نحو: جئت كي أتعلم، يجوز أن يكون حرف جر بعدها أن مقدرة نصبت المضارع، وأن تكون الناصبة ولام الجر قبلها مقدرةً، وعلى هذا فقول الشاعر: [من الطويل] ١٤١٣ - أردت لكيما أن تطير بقربتي ... وتتركها شنًا ببيداء بلقع لا يخلو عن ارتكاب ضرورةٍ، وهو تأكيد حرف الجر، وتأكيد حرف النصب بمثله، وحسن ذلك اختلافهما لفظًا، وإن كانوا فعلوا ذلك مع تماثل اللفظ كقول الشاعر: [من الوافر] ١٤١٤ - فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للمابهم أبدًا دواء ومثل البيت الأول في تأكيد المختلفي اللفظ قول الآخر: [من الطويل] ١٤١٥ - فأصبح لا يسألنه عن بما به فجمع بين عن والباء تأكيدًا. وقال الراغب: «كي» حرف علة لفعل الشيء، وكيلا لانتفائه، انتهى. كيلا مركبة من كي التي للتعليل ومن لا النافية؛ فالنفي إنما هو مستفاد من لفظ كي. فكل منهما باقٍ على حقيقته، وهذا كما تقول: لئلا اللام للعلة ولا للنفي، فاللام للفعل منفيًا والأمر فيه قريب.

стр. 1394

تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله: باب اللام

стр. 1395

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب اللام اللام المكسورة أصلها للدلالة على الملك، نحو: المال لزيدٍ، وتدل على الاختصاص نحو: الجل للفرس، وتكنو للقسم فيلزمها التعجب كقول الشاعر: [من البسيط] ١٤١٦ - تالله يبقى على الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخر به الظيان والآس وتزاد مقوية للعامل إما بتقديم معموله كقوله تعالى:﴾ إن كنتم للرؤيا تعبرون ﴿[يوسف: ٤٣] وإما بكونه فرعًا كقوله تعالى:﴾ فعال لما يريد ﴿[هود: ١٠٧] ولا تزاد في غير ذلك إلا بسماعٍ، كقول الشاعر: [من الوافر] ١٤١٧ - فلما أن تواقفنا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا فأما قوله تعالى:﴾ قل عسى أن يكون ردف لكم ﴿[النمل: ٧٢] فقد زعم بعضهم أنه من هذا القبيل، وليس كما ذكر بل هو مضمن وقد بيناه. وأما المفتوحة فتكون لام ابتداء نحو قوله تعالى:﴾ ولدار الآخرة خير ﴿[يوسف: ١٠٩] وتدخل في خبر إن ومعمولها واسمها بشروطٍ مذكورةٍ في كتب النحو، وتكون جواب قسمٍ نحو قوله تعالى:﴾ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴿[الحجر: ٩٢] وموطئًة للقسم نحو قوله تعالى:﴾ ولئن لم يفعل ما آمره ﴿[يوسف: ٣٢] وفارقًة بين إن المخففة وإن النافية نحو قوله تعالى:﴾ وإن كانت لكبيرة ﴿[البقرة: ١٤٣] ومعلقًة لأفعال القلوب كقوله تعالى:﴾ ولقد علموا لمن اشتراه ﴿[البقرة: ١٠٢] في أحد القولين، ومنه قول الشاعر: [من الكامل] ١٤١٨ - ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها

стр. 1396

وأما اللام الساكنة فهي حرف تعريف توصل إلى الابتداء بهمزة وصلٍ عند سيبويه، وهي عهدية وجنسية وزائدة لازمة، وللمح ما نقل مصحوبها عنه في الأعلام. وهذه تنبيهات لك على الأصول. وأما شواهدها وأدلتها والاعتراض عليها والانفصال عنها فأوسعنا العبارة في ذلك كله في تأليفٍ غير هذا ولله الحمد. فصل اللام والهمزة ل ؤ ل ؤ: قوله تعالى:﴾ يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤًا ﴿[الحج: ٢٣] اختلف المفسرون فيه؛ فقال بعضهم: هو كبار الجوهر، وقال آخرون: بل صغاره. واشتقاقه من تلألؤ الضوء، لأن ضوءه يتلألأ. قيل: بل اشتق التلألؤ منه، يقال: تلألأ وجه فلانٍ أي لمع لمعان اللؤلؤ، وهذا ما نقله الراغب وفي المثل: "لا أكلمك مالألأت الظباء بأذنابها" أي حركتها، وذلك أنها إذا حركتها ورفعتها وخفضتها حصل منها لمعان وتلألؤ. والجمع: لآلٍ، والأصل: لآلئ، ثم أبدلت الهمزة أخيرة ياًء، تخفيفًا ثم أعل إعلال قاضٍ، فيقال: هذه لآلٍ، ومرت بلآلٍ ورأيت لآليًا. وهذا البدل غير لازمٍ؛ فيجوز أن يلفظ بالأصل. والنسبة إليه لؤلئي وقالوا: رجل لأآل بمعنى النسب، نحو تمارٍ ولبانٍ، وليس لنا همزة موهمة في مثلها من كلمةٍ غير هذا وغير سأآل من سأل. فصل اللام والباء ل ب ب: قوله تعالى:﴾ واتقون يا أولي الألباب ﴿[البقرة: ١٩٧] الألباب جمع لب وهو

стр. 1397

العقل وقيده بعضهم بكونه خليًا من الشوائب. ولب كل شيءٍ خالصه، سمي بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من قوةٍ كاللباب من الشيء. وقيل: هو ما زكا من العقل، فهو أخص منه، وكل لبٍ عقل وليس كل عقلٍ لبًا، ولهذا علق الله تعالى الأحكام التي لا تدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب فخاطبهم بها دون من عداهم، ولذلك أورد قوله تعالى:﴾ وما يذكر إلا أولو الألباب ﴿بعد قوله:﴾ فقد أوتي خيرًا كثيرًا ﴿[البقرة: ٢٦٩]. وقالوا: لب الرجل يلب، أي صار ذا لبٍ، ومنه قول بعضهن في ابنٍ لها: "اضربه كي يلب، ويقود الجيش ذا اللجب" ورجل لبيب، والجمع الباء، وملبون: معروفون باللب. وقولهم: لبيك اللهم لبيك، فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أن معناه إجابتي لك يا رب، مأخوذ من ألب المكان: أقام به. وتثنيته لا يراد بها شفع الواحد بل معناه إجابًة بعد إجابةٍ ومثله: حنانيك، وأصل ذلك في البعير وهو أن يلقي لبته في صدره. وتلبب، أي تحزم، وأصله أن يشد لبته، ومنه حديث عمر: "فلببته بردائه". ولببته: ضربت لبته، وإنما سميت لبًة لأنها موضع اللب، قاله الراغب وفيه نظر لأن الصحيح أن العقل في الرأس لا في الصدر. والثاني: معناه اتجاهي لك يا رب وقصدي إليك، من قولهم: داري تلب دارك أي تواجهها. والثالث: أن معناها محبتي لك، من قولهم: امرأة لبة لولدها أي عاطفة عليه وأنشد: [من الطويل] ١٤١٩ - وكنتم كأمٍ لبةٍ طعن ابنها ... إليها، فما درت عليه بساعد والرابع: إنه إخلاص لك، من قولهم: حسب لباب، أي خالص لا شوب فيه، ومنه:

стр. 1398

لب الطعام ولبابه. واختلفوا في "لبيك" هل هو مثنى أم مفرد، والصحيح أنه مثنى وقيل: بل هو مفرد وياؤه مبدلة من باءٍ، وإلا من لب بالمكان: أقام، فاستثقلوا توالي ثلاثة أمثالٍ، فأبدلوا إحداهن ياء كما قالوا: تظنيت وقصيت أظفاري، ولا تضاف إلا لضمير خطابٍ، وشذ قول الشاعر: [من المتقارب] ١٤٢٠ - دعوت لما نابني مسورًا ... فلبى، فلبي يدي مسور ل ب ث: قوله تعالى:﴾ فلبث فيهم ﴿[العنكبوت: ١٤] اللبث: الإقامة بالمكان، يقال: لبث يلبث فهو لا بث ولبث لبثًا. وقرئ قوله تعالى:﴾ لا بثين فيها ﴿[النبأ: ٢٣] و﴾ لبثين ﴿. وقيل: اللبث: الإقامة الطويلة، فهي أخص من الإقامة، فكل لبث إقامة، وليس كل إقامةٍ لبثًا. ولبث أبلغ من لا بثٍ، كما قيل: فرح أبلغ من فارحٍ، وضيق أبلغ من ضائقٍ، وكأنه لدلالته على الحال. وإن شرط الصفة المشبهة أن تكون من حاضرٍ بخلاف اسم الفاعل. ل ب د: قوله تعالى:﴾ يكونون عليه لبدًا ﴿[الجن: ١٩] لبد جمعٍ لبدة وهي القطعة من اللبد، أي كادوا يكونون عليه جماعًة متكاثفًة قد ركب بعضها بعضًا كما في اللبد وذلك لشدة تزاحمهم حرصًا على استماع القرآن منه، وقيل: معناه يسقطون عليه سقوط اللبد. وجمع اللبد ألباد ولبود. وقرئ "لبدًا" بضم اللام على أنه بمعنى كثيرًا أي:

стр. 1399

كثيرين متزاحمين، والقراءتان في السبع. وقال الهروي: ومن قرأ "لبدًا" فهو جمع لابدٍ نحو راكعٍ وركعٍ؛ يقال: لبد في المكان: إذا أقام به، وهذه لم يقرأ بها في الفصيح، ولا تبعد عن الفصيح. قوله تعالى:﴾ أهلكت مالاً لبدًا ﴿[البلد: ٦] أي كثيرًا يلبد بعضه فوق بعضٍ. ولبد هو نسر لقمان بن عاد؛ كان له نسر يقال له لبد عاش ما بين عمر سبعة أنسر قال النابغة: [من البسيط] ١٤٢١ - أمست خلاًء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد وكان سمي بذلك لكثرة عمره. وقيل: لأنه لبد فبقي لا يذهب ولا يموت. ولبدة الأسد: شعر رقبته لتراكب شعرها بين كتفيه. وفي المثل: هو أمنع من لبدة الأسد. وكل شيءٍ ألصقته إلصاقًا ناعمًا فقد لبدته. ولبدت الثوب ألبده: إذا رقعته لتراكب الرقع. وفي الحديث أن عائشة "أخرجت إلى النبي كساًء ملبدًا" أي مرقعًا. واللبدة أضًا ما يرقع بها صدر القميص، والقبيلة: ما يرقع بها قبة. وفي حديث أبي بكر: "إنه كان يحلب فيقول: ألبد أم أرغي؟ فإن قالوا: إلبد، ألصق العلبة بالضرع وحلب فلا يكون للحليب رغوة. وإن قيل: باعده، رغا لشدة وقعه".

стр. 1400

ولبد شعره: ألصق بعضه ببعض بالصمغ فصار كاللبد، ولذلك أمر به المحرم في إحرامه، ولكن ينبغي ألا يفرط فيه لئلا يحتاج صاحبه إلى غسله، فقد لا يصل الماء إلى الشعر والبشرة. وفي الحديث: "إن رسول الله لبد رأسه وأهدى" وفي حديث أم زرع: "ليس بلبد فيتوقل ولا له عندي معول" قال أبو بكر بن الأنباري: معناه ليس بمستمسكٍ متلبدٍ فيسرع المشي فيه ويعتلى. ل ب س: قوله تعالى:﴾ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴿[البقرة: ٤٢] قال ابن عرفة: أي لا تخلطوه به، وأنشد لبشرٍ: [من الوافر] ١٤٢٢ - ولما تلتبس خيل بخيلٍ ... فتطعنوا وتضطربوا اضطرابا قوله تعالى:﴾ أو يلبسكم شيعًا ﴿[الأنعام: ٦٥] أي يخلط أمركم خلط اضطراب لا اتفاقٍ. وقوله:﴾ ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ ﴿[الأنعام: ٨٣] وقال الأزهري: لم يعصوا أمر النبي ﷺ . ولبست عليه الأمر: إذا شبهت عليه، وعليه قوله تعالى:﴾ وللبسنا عليهم ما يلبسون ﴿[الأنعام: ٩] أي، ولشبهنا عليهم. وقيل: لأضللناهم كما ضلوا، وهو تفسير معنى قوله:﴾ وجعلنا الليل لباسًا ﴿[النبأ: ١٠] أي ساترًا بظلمته للأشياء. وكل شيءٍ ستر شيئًا فهو لباس. وقوله تعالى:﴾ هن لباس لكم ﴿[البقرة: ١٨٧] الآية، نبه بذلك على شدة المخالطة وأن كلاً من الزوجين للآخر بمنزلة اللباس. وقريب منه قوله تعالى:﴾ وجعل بينكم مودًة ورحمًة ﴿[الروم: ٢١] قال الجعدي يصف امرأًة: [من المتقارب]

стр. 1401

١٤٢٣ - إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت، فكانت عليه لباسا والعرب تسمي المرأة لباسًا، وهذا ينبغي إن كان لتجرد الأنثى يدعى الرجل أيضًا لباسًا. وإن كان لغير ذلك فيحتمل ذلك. وقيل: جعلت لزوجها لباسًا من حيث إنها تغطيه وتصده عن القبائح، وإليه أشار ﵊ بقوله: "من تزوج فقد ستر شطر دينه فليتق الله في الشطر الآخر" وهذا كما سماها الشاعر إزارًا في قوله: [من الوافر] ١٤٢٤ - فدى لك، من أخي ثقةٍ، إزاري وقال الأنصار للنبي ﷺ : "لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا" أي نساءنا قوله:﴾ ولباس التقوى ﴿[الأعراف: ٢٦] استعار للتقوى لباسًا توسعًا. قوله:﴾ صنعة لبوسٍ لكم ﴿[الأنبياء: ٨٠] يعني به الدرع. قوله:﴾ لباس الجوع والخوف ﴿[النحل: ١١٢] هذا من أبلغ الاستعارات وأوجزها إذا إنه جعل اللباس المستعار مما يذاق لذكره الجوع، لأن ما أذاقه. إنما هو للمأكول لا للملبوس. وفي الأمر لبسة، أي التباس. ولا بست الأمر: إذا زاولته أو خالطته أيضًا. وفي فلان ملبس، أي مستمتع. وفي الحديث: "يأكل وما يتلبس بيده طعام" أي ما يلتزق به لنظافة أكله ﷺ . ل ب ن: قوله تعالى:﴾ لبنًا خالصًا ﴿[النحل: ٦] اللبن: قال الليث: هو خلاف الجسد من بين الفرث والدم، وهو معروف ويجمع على ألبانٍ. ولبنته: سقيته اللبن. وفرس ملبون. وألبن فلان فهو ملبن: كثر لبنه، وألبنت الناقة فهي ملبن أيضًا. والملبن - بالكسر: ما يجعل فيه اللبن كالمحلب. واللبان: ما يرضع. قال أبو الأسود: [من الطويل]

стр. 1402

١٤٢٥ - فإن لا يكنه، فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها قيل: ويقال: أخوه بلبان أمه، ولا يقال: بلبن أمه. قال الراغب: لم يسمع ذلك واللبان - بالفتح - المصدر، وهو موضع اللبن، فأصله في الفرس، ثم يستعمل ذلك في الأناسي. وأنشد في حديث الاستسقاء: [من الطويل] ١٤٢٦ - أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل يقول: العذراء من البنات دمي صدرها لامتهانها بالخدمة من الفقر. وإذا كانت العذراء التي من شأنها التخدير كذلك فما ظنك بغيرها؟ والملبنة: المعلقة إلي يؤكل بها اللبن، وفي الحديث: "صحيفة فيها خطيفة وملبنة". واللبانة: الحاجة؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٤٢٧ - خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب وأصلها من الحاجة إلى اللبن، ثم استعملت في كل حاجة. وأما اللبن الذي يبني به فواحده لبنة، وقد لبن اللبن يلبنه: إذا ضربه. واللبان: ضاربه. قصل اللام والتاء ل ت ت: قوله تعالى:﴾ أفرأيتم اللات والعزى ﴿[النجم: ١٩] قرأ بعضهم "اللات" بتشديد التاء وزعم أنه اسم فاعل من: لت الدقيق ونحوه يلت فهو لات، قيل: وهو رجل كان في زمن موسم الحاج يلت السويق ويطعمه الناس، وكأنهم اتخذوا صورته في حجرٍ ونحوه ثم عبد، كما قيل ذلك في ود وسواعٍ أنهما صورتا رجلين ثم عبدا.

стр. 1403

فصل اللام والجيم ل ج أ: قوله تعالى:﴾ ما لكم من ملجأ ﴿[الشورى: ٤٧] الملجأ: المعقل، وهو ما يتحصن به؛ قلعًة ونحوها. ويطلق على الأناسي أيضًا، فيقال: فلان ملجأ فلانٍ، أي يحوطه ويحويه، ومنه قوله ﷺ : "لا ملجأ ولا منجى إلا إليك". ويقال: لجأت إليه ألجأ لجأ - بفتح العين - وملجأ، والتجأت إليه بمعنى الأول، والموضع: لجأ وملجأ. والتلجئة: الإكراه. وألجأته إليه: أكرهته عليه. وألجأت أمري إلى الله: أسندته إليه. وعمر بن لجأ شاعر مشهور؛ فلجأ منقول إما من المصدر أو من المكان ل ج ج: قوله تعالى:﴾ أو كظلماتٍ في بحرٍ لجي ﴿[النور: ٤٠] اللجي هو البحر العظيم الذي لا يدرك قعره لتراكم مياهه، منسوب إلى اللجة، وهي معظم الماء، والجمع لجج، قال الشاعر: [من الطويل] ١٤٢٨ - شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لججٍ خضرٍ لهن نبيح واللج: البحر لعظم أمواجه وتياره. قوله تعالى:﴾ فلما رأته حسبته لجًة ﴿[النمل: ٤٤] أي بعيدًا عظيمًا قعره. وفي الحديث: "من ركب البحر إذا التج" والتج الأمر: اختلط على الاستعارة. وفي الحديث: "إذا استلج أحدكم بيمينه فهو آثم عند الله" قال شمر: معناه أن يستمر على يمينه فلا يكفرها وزعم أنه صادق فيها. وقال غيره: أن يستمر عليها وإن رأى غيرها خيرًا

стр. 1404

منها. وقال النضر: استلج فلان متاع فان وتلججه: إذا ادعاه. وفي حديث طلحة: "قدموني فوضعوا اللج على قفي" قال شمر: اللج: السيف لغة طيئٍ. ونقل أبو عبيدٍ عن الأصمعي أنه السيف. ولم يقل بلغة طيءٍ. وقال بعضهم: شبهه بلجة البحر في هوله، وقيل سمي بذلك لتموج مائه. قوله تعالى:﴾ بل لجوا في عتو ﴿[الملك: ٢١] أي تمادوا في العناد، وفي الفعل المزجور عنه. وقيل: هو التردد؛ يقال: لج في الأمر يلج لجاجًا لتردده في إمضائه. ولجة البحر لتردد أمواجه. ولجة الليل لتردد ظلامه، ويقال في كل منهما: لج والتج واللجة - بالفتح - تردد الصوت وهي كثرة الصياح، وأنشد: [من الرجز] ١٤٢٩ - في لجةٍ أمسك فلانًا عن فل وفي البيت شذوذ. واللجلجة: التردد في الكلام، ومن كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "الكلمة من الحكمة تلجلج في صدر المنافق حتى تخرج إلى صاحبها" يعني تتحرك وتتردد حتى يأخذها المؤمن وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: "الفهم فيما تلجلج في صدرك" واللجلجة - أيضًا - تردد الطعام في الحلق، وأنشد: [من الوافر] ١٤٣٠ - يلجلج مضغًة فيها أنيض ورجل لجلج ولجلاج: إذا كان عييًا في كلامه. فصل اللام والحاء ل ح د: قوله تعالى:﴾ إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ﴿[فصلت: ٤٠]

стр. 1405

الإلحاد واللحد: الميل؛ يقال: ألحد فلان عن كذا، ولحد: مال. وقرئ قوله تعالى:﴾ يلحدون في آياتنا ﴿بالوجهين. وأصله من اللحد، وهو الحفرة المائلة عن الوسط. وقد لحد القبر: حفره كذلك، وألحده: جعل له لحدًا، ولحدت الميت وألحدته: جعلته في اللحد، ويقال لذلك الموضع ملحد - بفتح الميم - من لحده، وملحدًا - بضمها - من ألحد. وألحد: جار عن الحق. وقال الأحمر: لحدت: جرت وملت، وألحدت: جادلت وماريت. قوله:﴾ لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ﴿[النحل: ١٠٣] أي، يميلون إليه أعجمي. وكانوا يقولون - أخزاهم الله - إن نبينا ﷺ يعلمه عداس عبد لثقيف، قال الله تعالى ردًا عليهم: إن لسان الذي نحوتم إليه أعجمي، ولسان محمدٍ ﷺ عربي مبين، فبينهما بونً بعيد. قوله تعالى:﴾ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴿[الأعراف: ١٨٠] أي يميلون فيصفون ربهم بغير ما يجوز عليه نفيًا وإثباتًا من أشياء افتروها عليه، تعالى عما يقولون. قوله تعالى:﴾ ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ ﴿[الحج: ٢٥] الإلحاد: الشرك بالله تعالى، ودخول الباء لمعنى تكلمنا عليه في موضعٍ هو أليق به من هذا. وقيل: هي زائدة كقوله تعالى:﴾ ولا تلقوا بأيديكم ﴿[البقرة: ١٩٥] وقول الآخر: [من البسيط] ١٤٣١ - سود المحاجر لا يقرأن بالسور قال الراغب: الإلحاد ضربان؛ إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك.
следующие страницы →