← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

من اشتعالها. وسمي الخبيث أبا لهب على التفاؤل له بذلك. وقيل: لتلهب وجنتيه؛ قال بعض المفسرين: لم يقصد بذلك مقصد كنيته التي اشتهر بها، وإنما قصد إلى إثبات النار له وأنه من أهلها. وسماه بذلك كما يسمى المثير للحرب أبا الحرب وأخاها. وفرس ملهب: شديد العدو، تشبيهًا بالنار في سرعتها، قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٤٦٣ - فللساق ألهوب فالألهوب: العدو الشديد. واللهاب: الحرارة التي يجدها العطشان. ويقال للدخان لهب أيضًا، إما لأنه ينشأ منه أو على التشبيه في الارتفاع كما سمي الغبار به لذلك. ل هـ ث: قوله تعالى:﴾ إن تحمل عليه يلهث ﴿[الأعراف: ١٧٦] اللهث: إدلاع اللسان أي إخراجه من العطش؛ مثل الله سبحانه حال بلعام بن باعوراء بحال كلبٍ هذه صفته؛ فإذا كان لاهثًا لم يملك دفع ضر ولا جلب نفعٍ، فلم يكتف بأن جعل مثله مثل الكلب بل مثل كلبٍ متصفٍ بما ذكر. فقوله:﴾ إن تحمل عليه ﴿في محل الحال لأن الكلب لا يزال كذا دائمًا ينبهك بذلك لأن بعض الناس قد توهمه. ل هـ م: قوله تعالى:﴾ فألهمها فجورها ﴿[الشمس: ٨] أي ألقى في روعها. والإلهام: إلقاء الشيء في الروع، يعني نفس الإنسان، إلا أن ذلك يختص بما كان من جهة الله تعالى أو من جهة الملأ الأعلى، ومنه قوله ﵊: "إن روح القدس نفث في روعي" الحديث. وذلك يعبر عنه أيضًا بلمة الملك، ويروى "إن للملك لمة وإن للشيطان لمًة وإن روح القدس نفث في روعي". قيل: وأصله من التهام الشيء أي

стр. 1437

ابتلاعه. والتهم الفصيل ما في الضرع أي امتصه. وفرس لهم: كأنه يلتهم الأرض لشدة عدوه. وفي الدعاء: "اللهم ألهمنا رشدنا" أي، وفقنا له، وحقيقته: أدخل ذلك في قلوبنا. ل هـ و: قوله تعالى:﴾ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ﴿[العنكبوت: ٦٤] اللهو: الشغل عن مهمات الأمور. يقال: لهوت بكذا، ولهيت عن كذا، قال الشاعر: [من الكامل] ١٤٦٤ - ولقد لهوت بطفلةٍ ميالةٍ ... بلهاء تطلعني على أسرارها واقل امرؤ القيس: ١٤٦٥ - فيا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال قوله تعالى:﴾ لاهيًة قلوبهم ﴿[الأنبياء: ٣] أي متشاغلة عما يهمها ويعنيها، ونسب اللهو إلى القلب الذي هو ملاك الجسد كله. قوله تعالى:﴾ لو أردنا إن نتخذ لهوًا ﴿[الأنبياء: ١٧]. قيل: هو الولد، وقيل: المرأة، والحق أن هذا تخصيص من غير دليلٍ، اللهم إلا أن يراد به التمثيل ببعض ما يصدق عليه هذا اللفظ، فإن حقيقة اللهو ما قدمته. وقال الراغب: ويعبر به عن كل ما به استمتاع، قال: ومن قال: أراد باللهو المرأة والولد فتخصيص لبعض ما هو من زينة الحياة الدنيا التي هي لهو. قوله تعالى:﴾ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع ﴿[النور: ٣٧] أي لا يشغلهم عما يهمهم، وليس في ذلك ذم للتجارة ولا نهي عنها بوجهٍ من الوجوه، إنما مدحهم بكون التجارة والبيع لا يلهيانهم عن ذكر الله، أي مع تعاطيهم لها لا يشغلانهم عن مهمات

стр. 1438

دينهم. وهذا لا شك أنه فضل من إنسانٍ لا يتعاطى ذلك ولا يلهيه شيء. وجوز بعضهم في الآية وجهًا آخر وهو أن المعنى لا تجارة عندهم ولا بيع فلا لهو، جعله مثل قوله تعالى:﴾ لا يسألون الناس إلحافًا ﴿[البقرة: ٢٧٣] وقول امرئ القيس: [من الطويل] ١٤٦٦ - على لاحبٍ لا يهتدي بمنار والأول أظهر وأبلغ في مدحهم. ويؤيد ذلك قوله في موضع آخر:﴾ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴿[البقرة: ١٩٨] وقوله:﴾ ليشهدوا منافع لهم ﴿[الحج: ٢٨] نزل ذلك في التجارة أيام الحج، وكانوا قد تحرجوا من ذلك. قوله:﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴿[لقمان: ٦] قيل: هو النضر بن الحارث الداري، كان قد قرأ كتب الأعاجم "رستم واسفنديار" وكان يشغل بها قريشًا عن سماع القرآن. ويقول: قد كدت أن أحدثكم بأحسن مما يحدثكم به. وقيل: نزلت في شراء القيان أي الجواري المغنيات، وقد حرمه بعض العلماء. قوله:﴾ فأنت عنه تلهى ﴿[عبس: ١٠] أي تشاغل، وأصله تتلهى؛ نزلت في ابن أم مكتومٍ، وكان ﵊ يقول له إذا أقبل: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي". قوله:﴾ ألهاكم التكاثر ﴿[التكاثر: ١] أي شغلتكم المكاثرة بالأهل والمال والولد. وكانوا يتفاخرون بأنسابهم وأموالهم. وفي الحديث: "سألت ربي إلا يعذب اللاهين من ذرية البشر". قيل: هم الأطفال لأنهم يقترفون ذنوبًا. وقيل: هم الذين عملوا ذنوبًا نسيانًا وسهوًا لا تعمدًا. وألهاه عن كذا: أي شغله عنه، وأنشد لأمرئ القيس: [من الطويل] ١٤٦٧ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم محول

стр. 1439

واللهوة: ما يشغل به الرحى مما يطرح فيها، والجمع لهاء، ويعبر بذلك عن العطايا فيقال: له عليه لهاء. واللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل: هي أقصى الفم، وأنشد: [من الرجز] ١٤٦٨ - يا لك من تمرٍ ومن شيشاء ... ينشب في المسعل واللهياء اللهاء: جمع لهاةٍ، وإنما مدها ضرورًة، وهو رأي الكوفيين. والملهي: اسم مصدرٍ أو زمانه أو مكانه، ويقترن اللهو باللعب متقدمًا عليه تارًة ومتأخرًا عنه أخرى تفننًا في البلاغة. فصل اللام والواو ل وت: قوله تعالى:﴾ أفرأيتم اللات والعزى ﴿[النجم: ١٩] هما صنمان لقريشٍ؛ قيل: كانت لثقيفٍ بالطائف، وقيل: محلة لقريشٍ، والعزى لغطفان وهي سمرة، ويؤكد كونها لثقيفٍ قول الشاعر: [من المتقارب] ١٤٦٩ - وفرت ثقيف إلى لاتها ... كمنقلب الخائب الخاسر واختلف في ألفها؛ فقيل: عن واو من لوى يلوي، لأنهم كانوا يلتوون عليها، أي يعكفون، والأصل لوتة فحذفت اللام وعوض منها تاء التأنيث، وقيل: عن ياء فتاؤها أصلية. ومن ثم اختلف القراء في الوقف على يائها؛ فالكسائي بالهاء، والباقون بالتاء. و"أل" فيها مزيدة، وقيل: هي لازمة أو غير لازمةٍ. وهل هي علم بالغلبة أو بالوضع خلاف، وقد أتقناه في "الدر" وغيره فعليك باعتباره. وقال بعضهم: أصلها الله فحذفوا منها الهاء، وأدخلوا فيه التاء تنبيهًا على قصوره عن "الله" في زعمهم، وهو عندهم يتقرب به إلى الله تعالى.

стр. 1440

ويقرب من هذه اللفظة "لات" من قوله:﴾ ولات حين مناصٍ ﴿[ص ٣] وإن كان ألف لات أصليًة لكونها حرفًا. و"لات" هي لا النافية دخلت عليها تاء التأنيث كدخولها في ربت وثمت، وتعمل عمل ليس، إلا أنها اختصت بحكمين بعد دخول التاء عليها؛ أحدهما أنها لا تعمل إلا جارًة كقوله تعالى:﴾ ولات حين مناصٍ ﴿وقول الشاعر: [من الكامل] ١٤٧٠ - ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم وأما قول الآخر: [من الكامل] ١٤٧١ - حنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت فلنا فيه كلام ليس موضعه. والثاني أن يحذف مرفوعها ويبقى منصوبها، وكذلك كانت القراءة المشهورة. وقد قرئ برفع "حين مناصٍ". وقال بعضهم: إن التاء زيدت فيها منبهًة على الساعة والمدة كأنه قيل: [ليست] الساعة أو المدة حين مناصٍ. وزعم آخرون، ونقله الراغب عن البصريين: أصلها ليس فقلبت الياء ألفًا والسين تاء نحو "إليات" في "إلياس"، وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما عدم الموجب لقلب الياء ألفًا لسكونها. والثاني أن قلب السين تاًء محفوظ لا يقاس عليه، فدعوى ذلك مجرد احتمالٍ. وزعم أبو عبيدٍ أن التاء ليست من تمام "لا" إنما هي متصلة بحين، والعرب تفعل ذلك فتقول: جئتك تحين قام زيد، وأنشد: [من الكامل] ١٤٧٢ - العاطفون تحين لا من عاطفٍ ... والمطعون تحين لا من مطعم وبأنها كتبت في المصحف كذا﴾ ولا تحين مناصٍ ﴿. وقد رد الناس عليه مقالته بما أوضحناه في غير هذا. وقد قرئ بجر الحين في الآية. وتخريجه في غير هذا الموضوع

стр. 1441

من تآليفنا، وقد اختلف القراء في الوقوف على تائها؛ هل هو بالتاء أو بالهاء حسب اختلافهم في "اللات" سواء بسواءٍ. ل ر ح: قوله تعالى:﴾ في لوح محفوظ ﴿[البروج: ٢٢] اللوح في التعارف: ما يكتب فيه، ولا يعلم كنه هذا اللوح إلا الله تعالى، وفيه أعمال الخلائق كلها. قال الراغب: كيفيته تخفى علينا إلا بقدر ما روي لنا في الأخبار، وهو غير المعبر عنه بالكتاب في قوله تعالى:﴾ إن ذلك في كتابٍ ﴿[الحج: ٧٠]. قلت: قد اختلف الناس في ذاته وكيفيته فقيل: من نورٍ، وقيل: من ذهبٍ، وأن القلم جرى عليه فكتب فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. كل ذلك لتستملي الملائكة منه، ثم تمليه على ملائكةٍ آخرين دونهم من الأوامر والنواهي والرزق. فسبحان العالم بحقيقة ذلك، وعلم الله مستغنٍ عن اللوح:﴾ لا يضل ربي ولا ينسى ﴿[طه: ٥٢] وإنما فائدته ما ذكرت لك. واللوح: واحد ألواح السفينة كقوله:﴾ وحملناه على ذات ألواحٍ ﴿[القمر: ١٣]. وكل ما انبسط مع رقة سمكه فهو لوح. واللوح أيضًا: العطش، واللوح - الضم-: بين الخضر والغبر. قوله تعالى:﴾ لواحة للبشر ﴿[المدثر: ٢٩] أي تغيره. يقال: لاحته الشمس، ولوحته: إذا غيرت وجهه، وذلك أن النار تسود ما تحرقه لاسيما نار لا يعلم كنهها إلا مضرمها. ولوحه الحر: غيره. ولاح الحر لوحًا، أي حصل في اللوح، وألاح بسيفه، أي أرى لمعه، وسمي الصبح لياحًا لأنه يلوح بضوئه، والثوب اللوحي: لأنه يلوح بلونه. ولاح سهيل: بدا، وألاح: تلألأ، وألاح من كذا ولاح منه: أشفق منه، وفي الحديث: "قال للمغيرة: أتحلف عند منبر رسول الله ﷺ ؟ فألاح من اليمين". ويقال: أبيض لياح ولياح - بالكسر والفتح - نحو أبيض يقق. وكان لحمزة الشهيد سيف يسمي لياحًا لشدة لمعانه.

стр. 1442

ل وذ: قوله تعالى: ﴿الذين يتسللون منكم لواذًا﴾ [النور: ٦٣] أي استتارًا، من قولهم: لاوذ بكذا يلاوذ ملاوذًة، أي استتر به؛ وذلك أن المنافقين كانوا يشتغلون بجلوسهم في مجلس رسول الله ﷺ فيتسللون منه ويستترون بالناس خشية أن يبصروا، فنزل عدم الانصراف إلا باستئذانٍ. ولا يجوز أن يكون لواذًا من لاذ يلوذ إذ كان يجب أن يقال لياذًا لما أتقناه في علم التصريف. وقيل: معنى لواذًا أي تباعدًا منه وفرارًا. يقال: لاوذه لواذًا أي فر منه وتباعد، ففاعل - هنا - بمعنى فعل، كسافرت. وأما لاذ به يلوذ فمعناه استغاث به التجأ إليه، وأنشد: [من الطويل] ١٤٧٣ - يلوذ به الهلاك من آل هاشم وفلان ملاذ فلانٍ، أي ملجؤه. ل وط: قوله تعالى:﴾ ونجيناه ولوطًا ﴿[الأنبياء: ٧١] لوط: علم للنبي المشهور ابن أخت إبراهيم خليل الرحمن المهاجر معه ﷺ ، وهو منصرف لخفته وإن [كان] علمًا أعجميًا. وغلط من جوز فيه وفي "نوحٍ" الوجهين. والظاهر أنه لا اشتقاق له لعجمته إلا أنهم قالوا: يجوز أن يكون مشتقًا من لاط الشيء بقلبي يلوط لوطًا، أي لصق ولزق. ومنه الحديث: "الولد ألوط - أي ألصق - بالكبير". وهذا الأمر لا يلتاط بصدري أي لا يلتصق به لتقربه منه. ولطت الحوض بالطين: ملطته به. ويقال: لاط به يلوط لوطًا، ولاط يليط ليطًا. ومن كلامهم: "من أحب الدنيا التاط منها بثلاثٍ: شغلٍ لا ينقضي، وأملٍ لا يدرك، وحرص لا ينال". واللوط: الإصلاح - أيضًا - ومنه: كان يلوط له مالاً، وكان يلوط حوضه، ومنه

стр. 1443

قول ابن عباسٍ: "إن كنت تلوط حوضها". والليط: القشر اللاصق بالشجر، وهذا أصل المادة. والليط - أيضًا - اللون، وقد فسر حديث وائل بن حجر: "في التيعة شاة لا مقورة الألياط" بالمعنيين؛ فإن الألياط جمع ليطٍ، فعلى معنى الأول هي المتغيرة الحائلة عن أحوالها، وأنشد محميد: [من المتقارب] ١٤٧٤ - على عينها ليط أبكارها وعلى معنى ألصق أي ليست مسترخية الجلود لهزالها. ل وم: قوله تعالى:﴾ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴿[القيامة: ٢] قيل: هي كل نفسٍ مؤمنًة كانت أو كافرة. أما المؤمنة فتلوم نفسها على عدم ازدياد الخير الذي عملته، وأما الكافرة فتلوم نفسها إذ لم تكن آمنت. وقيل: هي النفس التي اكتسبت بعض الفضيلة فتلوم صاحبها إذا ارتكب مكروهًا، (قال هذا القائل) فهي دون النفس المطمئنة. وقيل: هي النفس التي اطمأنت في ذاتها وترشحت لتأديب غيرها، فهي فوق النفس المطمئنة. والمتصوفة قسموا النفس إلى ثلاثة أقسام؛ فأدناها عندهم الإيمان كقوله: "إن النفس لأمارة بالسوء ﴿، ثم اللوامة لأنها نسبت لتقصيرها، ثم المطمئنة. وأصل اللوم عذل الإنسان بنسبته إلى ما فيه لوم؛ يقال: لمته فهو ملوم. قوله:﴾ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴿[إبراهيم: ٢٢] أي لا تتعاطوا لومي. قوله تعالى:﴾ فإنهم غير ملومين ﴿[المؤمنون: ٦] أي، غير فاعلين ما يلامون عليه، وفيه تنبيه على أنهم إذا لم يلاموا لم يفعل بهم ما هو فوق اللوم، والأمر أتى بما يلام عليه. قوله تعالى:﴾ فالتقمه الحوت وهو مليم ﴿[الصافات: ١٤٢] هذا بالنسبة على جانب الله تعالى له أن يقول ما شاء في حق عباده، وأما نحن فلا نقوله إلا على سبيل

стр. 1444

التلاوة، وإنما نبهت على ذلك لأن بعض الناس يقول: أتى ما يلام عليه. والتلاوم: أن يلوم بعضهم بعضًا. ورجل لومة: يكثر لوم الناس. ولومة: يلومه غيره، نحو: ضحكة وضحكة. واللائمة: هو اللائم، التاء فيه للمبالغة كراوية. وجمعها لوائم، قال: [من الطويل] ١٤٧٥ - فلا تجعلوني عرضًة للوائم ولمته لومًا: عدلته إلى جهةٍ يلام عليها، وهو قريب من العتب، قال الشاعر: [من مجزوء الكامل] ١٤٧٦ - بكر العواذل في الصبو ... ح يلمنني وألومهنه ويقلن: شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت: إنه واللوماء: الملامة نفسها. ل ون: قوله تعالى:﴾ صفراء فاقع لونها ﴿[البقرة: ٦٩] اللون ما يظهر للعين من زيق الجيب كالبياض والسواد. يقال: أصفر فاقع، وأبيض يقق، وأحمر قانٍ، وأخضر ناضر، وأزرق حطباني، وأسود حالك وحانك وبهم، وقيل: البهم: الخالص من كل لونٍ. وأصل الألوان البياض لأن كل لونٍ يطرأ عليه. وظاهر كلام الراغب أنه والأسود أصلان، ما عداهما مركب منهما فإنه قال: اللون معروف وينطوي على الأبيض والأسود وما يركب منهما. وتلون فلان: إذا تغير عن حالةٍ إلى حالةٍ أخرى، قال كعب بن زهيرٍ ﵁: [من البسيط] ١٤٧٧ - فما تكون على حالٍ تكون بهما ... كما تلون في أثوابها الغول

стр. 1445

قوله تعالى: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢] إشارةٌ إلى بليغ قدرته في اختلاف الإنشاء من سواد وبياضٍ. ثم البياض متفاوتٌ في نفسه إلى أنواعٍ يقصر عنه التعبير وكذا باقيها، وفيه دلالةٌ على اختلاف الصور التي تختص كل صورةٍ منها بهيئةٍ غير هيئة الأخرى مع كثرة عددهم واتحاد أصلهم. ويعبر بالألوان عن الأجناس والأنواع، يقال: فلانٌ أتى بألوانٍ من الطعام وأنواعٍ من الطعام. واللون -أيضًا -النخل وهو ما عدا البرني والعجوة تسميها أهل المدينة الألوان وقيل: اللون نوعٌ منه وهو الدقل، ومنه قول عمر بن عبد العزيز فيما كتب به إلى عماله: «يؤخذ في البرني من البرني وفي اللون من اللون». قالوا: اللون: الدقل وجمعه ألوانٌ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ما قطعتهم من لينة﴾ [الحشر: ٥] أي من نخلةٍ غير ما ذكر، فسكنت الواو بعد كسرةٍ فقلبت ياءً نحو قيمةٍ. وفسرها بالنخلة الناعمة، قال: ومخرجه مخرج فعلةٍ نحو حنطةٍ، قال: ولا يختص بنوعٍ دون نوعٍ، وما قاله غيره هو المشهور إلا أن الظاهر معه لقوله: ﴿ما قطعتم من لينةٍ﴾ الآية؛ فإن ذلك لا يختص بنوعٍ دون نوعٍ. وقد أدخل الراغب هذه اللفظة في مادة (ل ي ن) والصواب أنها من مادة (ل ون) كما قدمته. ل وهـ: قد تقدم أن الجلالة المعظمة أصلها لوه أولوه من لاه يلوه: إذا ارتفع، وقد تقدم القول في ذلك مشبعًا فأغنى القول عن إعادته هنا. ل و: حرف امتناعٍ لامتناعٍ، هذه عبارة القدماء، وأورد عليها قوله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، وذلك لأن امتناع النفي إثباتٌ، وامتناع الإثبات نفيٌ، فيلزم محذورٌ عظيمٌ. وأورد عليها قوله ﵊: «نعم العبد صهيبٌ لو لم يخف الله لم يعصه» وذلك أبي الحذاق أن يجعلوا قول امرئ القيس: [من الطويل]

стр. 1446

١٤٧٨ - ولو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني، ولم أطلب، قليلٌ من المال من التنازع، وهذا كله قد حققناه في غير هذا، وإنما نذكره منبهةً على الأصول. فالصواب عبارة سيبويه أنها حرفٌ لما كان سيقع لوقوع غيره. وبعضهم يعبر عنها بأنها حرف شرطٍ في الماضي، وتخلص المضارع للمضي كقوله تعالى: ﴿لو يعطيكم﴾، ويقع في المستقبل كقول توبة: [من الطويل] ١٤٧٩ - ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندلٌ وصفائح لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح وتقع بمعنى إن كقوله تعالى: ﴿لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم﴾ [النساء: ٩] وهو أحد القولين في قوله ﷺ : «لو لم يخف الله» وقول الآخر: [من البسيط] ١٤٨٠ - قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار أي، وإن باتت. وتكون «لو» للتمني، ولذلك ينصب المضارع في جوابها كقوله: ﴿فلو أن لنا كرة فنكون﴾ [الشعراء: ١٠٢] في إحدى القراءتين. وتكون حرفًا مصدريًا كأن عند بعضهم، بشرط أن يتقدمها ود كقوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر﴾ [البقرة: ٩٦] ﴿ودوا لو تدهن﴾ [القلم: ٩] أي يود التعمير والإدهان. وفيها كلامٌ ليس هذا وضعه. والفصيح في واوها عند التقاء الساكنين الكسر نحو: ﴿لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ [التوبة: ٤٢]. وقرئ بضمها حملًا على واو الضمير كما حملت واو الضمير عليها، فقرئ بكسرها نحو: ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: ١٧٥].

стр. 1447

وتزاد بعدها «لا» فتصير «لولا» ولها معنيان: احدهما امتناع لوجودٍ نحو قوله: ﴿ولولا فضل الله﴾ [النور: ٢٠]. ويلزم حذف الخبر بعدها وإن كان كونًا مطلقًا، وإلا فإن دل عليه دليلٌ جاز حذفه وذكره كقوله: [من الوافر] ١٤٨١ - يذيب الرعب منه كل عضبٍ ... فلولا الغمد يمسك لسسالا فالأوجب ذكره كقوله: [من الطويل] ١٤٨٢ - فلولا بنوها حولها لخبطتها وتختص بالابتداء، فأما قوله: [من الوافر] ١٤٨٣ - فلولا تحسبون الحلم عجزًا ... لما عدم المسيئون احتمالي فعلى حذف أن، كقوله: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفًا﴾ [الروم: ٢٤]. واختلف النحاة في المرفوع بعدها، والأصح أنه مبتدأ -كما قدمته -والثاني: أن تكون حرف تخصيص كـ «هلا»، كقوله تعالى: ﴿فلولا كان من القرون﴾ [هود: ١١٦] ﴿ولولا إذ سمعتموه﴾ [النور: ١٦] وقد يحذف الفعل بعدها كقوله: [من الطويل] ١٣٨٤ - تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني صوطري لولا الكمي المقنعا أي، لولا يعدون الكمي. وتختص بالأفعال كـ «هلا». فأما قوله: [من الطويل] ١٣٨٥ - ونبئت ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إلي، فلولا نفس ليلى شفيعها فعلى إضمار كان الشأنية أي، فلولا كان الأمر والشأن، هذه كلها أصولٌ مقررةٌ فيما وضعناه.

стр. 1448

ل ا: مما ينبغي التكلم عليه هنا «لا» وهي نافيةٌ، وناهيةٌ، وزائدةٌ للتوكيد، والنافية تكون تارةً لنفي الجنس وتسمى «لا التبرئة» وتعمل عمل إن نحو: لا رجل قائمٌ، واسمها معربٌ ومبنيٌ. ولعملها شروطٌ، تدخل عليه همزة الاستفهام فتصير مشتركةً بين النفي المستفهم عنه وبين التمني كقوله: ألا ماء باردًا؟ وبين التحضيض والعرض وبين الاستفتاح والتنبيه، كقوله تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم﴾ [هود: ٨] والناهية تجزم فعلًا واحدًا وترد للدعاء نحو: لا تعذبنا يا رب. والزائدة كقوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩]. وفي ما ذكرناه كفايةٌ. ل وي: قوله تعالى: ﴿لووا رؤوسهم﴾ [المنافقون: ٥] اي أمالوها وعطفوها تكبرًا عن الحق. يقال: لوى رأسه وعنقه ولواهما -مخففًا ومشددًا - وقد قرئ بهما. ويقال: لوى رأسه وعواه -أيضًا -ليًا وعيًا: إذا ثناه عنك خلافًا عليك. قوله تعالى: ﴿ليًا بألسنتهم﴾ [النساء: ٤٦] أي تحريفًا، والأصل لويًا فأدغم. وقوله: ﴿يلوون ألسنتهم بالكتاب﴾ [آل عمران: ٧٨] أي يحرفونه ويغيرون أحكامه. وأصل اللي الفتل، والمعنى يفتلون لسانهم من النطق بالحق إلى النطق بالكذب ويعبر به عن التحرص أيضًا.

стр. 1449

قوله: ﴿ولا تلوون على أحدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] أي لا تعطفون عليه ولا تثنون له فرقًا ولا خوفًا، ولذلك فسر بـ لا تعوجون؛ يقال: فلانٌ لا يعوج على أحدٍ، أي لا يلتفت إليه لعظم ما دهمه. وقد ألم حسان ﵁ بهذا المعنى في قوله: [من الكامل] ١٤٨٦ - ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرةٍ ولجام قوله: ﴿وإن تلووا﴾ [النساء: ١٣٥] أي تنحرفوا وتنعطفوا، قال القتيبي: تلووا من اللي في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين. وقيل: هو من لويت فلانًا حقه: أي دفعته. ومنه الحديث: «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه» وإنما أوردت ذلك لئلا يتوهم التكرار في قوله: ﴿أو تعرضوا﴾ وهو من: لا واه يلاويه، وقرئ: «تلوا» بواوٍ واحدةٍ من: ولي الأمر: إذا قام به، أي إن قمتم بالأمر، وقيل: هو من الأول إلا أنه خفف بالحذف. واللواء: الراية لا لتوائه بالرمح. واللوى -بالقصر -ما التوى من الرمل؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٤٨٧ - قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فصل اللام والياء ل ي ت: قوله تعالى: ﴿يا ليتنا نرد﴾ [الأنعام: ٣٧] ليت: حرف تمنٍ من أخوات «إن» وخالف أخواته من حيث إنه إذا اتصلت به «ما» الزائدة جاز فيه الإعمال والإهمال؛ وينشد قول الذبياني: [من البسيط]

стр. 1450

١٤٨٨ - قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد بنصب الحمام ورفعه، بل زعم سيبويه أنها معملةٌ على روايتين، وتحقيق ذلك في «إيضاح السبيل» وغيره. وأما أخواتها إذا اتصلت بـ «ما» المذكورة بطل عملها، كقوله تعالى: ﴿إنما الله إلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧] ﴿إنما إلهكم الله﴾ [طه: ٩٨] هذا هو المشهور. وزعم الفراء أنها تنصب الجزءين بقوله: [من البسيط] ١٤٨٩ - ليت الشباب هو الرجيع على الفتى ... والشيب كان هو النذير الأول ولا يراعي موضع اسمها بل لفظه فقط بخلاف «أن ولن ولكن» وزعم الفراء جوازه وأنشد: [من الرجز] ١٤٩٠ - يا ليتني وأنت يا لميس ... في بلدٍ ليس به أنيس والفرق بين التمني والترجي أن التمني يكون في الممكنات والمستحيلات نحو: [من البسيط] ١٤٩١ - ليت الشباب هو الرجعي على الفتى والترجي لا يكون إلا في الممكنات، لا يقال: ليت الشباب يعود. وقد يعرب إذا قصد به حكاية مجرد اللفظ: [من الرجز] ١٤٩٢ - ليت وهل ينفع شيئًا ليت ... ليت شبابًا بوع فاشتريت

стр. 1451

وكقوله: [من الخفيف] ١٤٩٣ - إن ليتًا وإن لوًا عناء والليت -بكسر اللام -عرقٌ في العنق، قال: [من الطويل] ١٤٩٤ - تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا ل ي س: قوله تعالى: ﴿ليس مصروفًا عنهم﴾ [هود: ٨] ليس: فعلٌ ناقصٌ ملازم النقص، وزعم أبو علي أنه حرفٌ. ويعمل عمل «كان» ولا يتصرف، وله أحكامٌ كثيرةٌ، ولعدم تصرفه وشبهه بالحرف لم يلتزم معه نون الوقاية كلزومها مع غيره، كقوله: [من الرجز] ١٤٩٥ - عددت قومي كعديد الطيس ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي وتقع استثناءً كقوله: «ليس السن والظفر» أي: إلا السن والظفر وتدخل عليها الهمزة فتفيد التقرير كقوله تعالى: ﴿أليس الله بكافٍ عبده﴾ [الزمر: ٣٦] أي، الله كافيه. وهذا لا خصوصية له بـ «ليس» بل كل استفهامٍ دخل على نفيٍ قرره، نحو: ﴿ألن يكفيكم﴾ [آل عمران: ١٢٤] ﴿ألم نشرح﴾ [الشرح: ١] وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا نعم لكفروا. وفهي بحثٌ حسنٌ حققناه في موضعه، وقد تقدم أن بعضهم زعم أن «لات» أصلها «ليس» وليس بشيءٍ.

стр. 1452

ل ي ك: قوله تعالى: ﴿كذب أصحاب الأيكة﴾ [الشعراء: ١٧٦] تقدم في باب الهمزة أنه قرئ «الأيكة» و «ليكة» وكلام الناس في ذلك هناك فأغنى عن إعادته هنا. ل ي ل: قوله تعالى: ﴿وأيةٌ لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ [يس: ٣٧] الليل عبارةٌ عن زمن مغيب الشمس إلى طلوع الفجر أو طلوع الشمس، لأنه مقابل النهار. وقيل: هو قبل النهار أو بعده، خلافٌ لا طائل تحته. وقوله تعالى: ﴿نسلخ منه النهار﴾ من أبلغ الاستعارات جعله كشاةٍ كشط جلدها عنها. وقوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧] قيل: هو مفردٌ يراد به الجمع، ولا حاجة إلى ذلك لأن المراد به الجنس. والليل -أيضًا -فرخ الحبارى. ويقال له: ليلٌ أليل على المبالغة، ويستطال عند هجوم الهم ونحوه، كقول امرئ القيس: [من الطويل] ١٤٩٦ - في لك من ليلٍ كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل وقال أيضًا: [من الطويل] ١٤٩٧ - وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي والليلة: واحدة الليل، وقيل: الليلة إلى زوال اليوم بعدها، وما بعد الزوال يقال البارحة فيقال قبل الزوال: رأيت الليلة كذا، وبعده: رأيت البارحة، قال طرفة: [من السريع] ١٤٩٨ - ما أشبه الليلة بالبارحة

стр. 1453

وجمعها على ليل وليائلٍ ليلاتٍ؛ يقال: ليلةٌ ليلاء كما قالوا: ليلٌ أليل. فقابلوا أفعل بفعلاء نحو: أحمر وحمراء. وقيل: أصله ليلةٌ ليلاوةٌ، وقال الراغب بدليل تصغيرهم على لييلة وجمعهم على ليالٍ. ل ي ن: قوله تعالى: ﴿فبما رحمةٍ من الليل لنت لهم﴾ [أل عمران: ١٥٩] أي خفضت جناحك لهم وتواضعت مع رفعة منزلتك وعلو مرتبتك. واللين في الأصل مقابل الخشونة. وكلاهما مدركان بالحس أعني حاسة اللمس. وحقيقته في الأجسام، ثم يستعمل في الخلق وغيره من المعاني مجازًا كما تقدم. ويقال: فلانٌ لين الجانب وفلانٌ خشنه، وكل منهما يمدح به تارةً ويذم به أخرى وذلك بحسب المقامات، ألا ترى إلى قول الحماسي: [من البسيط] ١٤٩٩ - إن ذو لوثة لانا قوله تعالى: ﴿ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣] أي ينقادون ويطيعون، ولما قدم أن جلودهم تقشعر، أخبر أنها تلين بذهاب القشعريرة عنها، وما أحسن تقابل هاتين الصفتين هنا! فإن القشعريرة بالحس تجعل في البدن خشونةً فإذا زالت حصلت له نعومةٌ لانبساط الجلد وامتداد شعره، وقال الراغب: قوله: ﴿ثم تلين﴾ الآية، إشارة إلى إذعانهم للحق وقبولهم له بعد تأبيهم منه وإنكارهم إياه. وليس في ذلك إشارةٌ إلى بعض ما ذكر لا من اللفظ ولا من السياق ولا من قرينة حالية، فمن أين له ذلك؟ وإنما ضم لين القلوب إلى لين الجلود ليخبر بتوافق الظاهر والباطن، وهو غاية

стр. 1454

المراد. وفي الحديث: «كان إذا عرس بليلٍ توسد لينة» قيل: هي كالمسورة أو الرفادة، سميت بذلك للينها، وقد تقدم أن اللينة النخلة، أصلها من ذوات الواو فهي تشارك هذه لفظًا وتفارقها أصلًا ومعنىً.

стр. 1455

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الميم الميم: حرف جر تجر المقسم به، ولا تدخل إلا على الجلالة المعظمة، وفيه ثلاث لغاتٍ؛ الضم والفتح والكسر، نحو: م الله لأفعلن كذا، ومِ الله، مَ الله. وقيل: بل هذه اسمٌ لأنها بقية أيمنٍ في قولك أيمن الله فما بعده مجرورٌ بالإضافة. وقد رد هذا القول بأنه لا تحذف حروف اسمٍ حتى يصير على حرفٍ واحدٍ، وبأنه ليس لنا اسمٌ معربٌ على حرفٍ واحدٍ، وأجيب عن ذلك بـ (ر) فعل أمرٍ من رأى فإنه لم يبق منه إلا الفاء، وعن الثاني بما حكى ابن مقسمٍ: اسقني مًا، مقصورًا منونًا فلم يبق منه إلا حرفٌ واحدٌ. فصل الميم والهمزة م اج: قرأ عاصمٌ: ﴿إن يأجوج ومأجوج﴾ [الكهف: ٩٤] فقيل: هما الأصل والألف مقلوبةٌ فيهما. وقيل: لغتان. وقيل: الألف أصلٌ والهمزة مقلوبةٌ منها. وقيل: هما عربيان واشتقاقهما من أجيج النار، أو من الأجة وهي الاختلاط، وعلى هذا فميمها زائدةٌ وليست مما نحن فيه، وفيهما أبحاثٌ كثيرةٌ ذكرتها في «الدر» و «العقد». م أي: قوله تعالى: ﴿فأماته الله مائة عامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] المئة: المرتبة الثالثة من الأعداد؛ فإن أصول الأعداد أربعةٌ: آحادٌ وعشراتٌ ومئون وألوفٌ، وأصلها مائة فحذفت لامها بدليل أمأيت الدراهم أي جعلتها مئةٍ، وأمئت هي، أي بلغت ذلك. فصل الميم والتاء م ت ع: قوله تعالى: ﴿يمتعكم متاعًا حسنًا﴾ [هود: ٣] قيل: معناه يعمركم أي يطيل

стр. 1456

عمركم. والمادة تدل على الطول، ومنه: رجلٌ ماتعٌ أي طويلٌ. ومتع النهار: طال، وأمتع فلانٌ: طالت مدته. وأمتعني الله بك، أي أطال إيناسي ببقائك، وفي حديث الدجال: «يسخر له جبلٌ ماتعٌ» وفي حديث عمر: «بينما أنا جالسٌ في أهلي إذ متع النهار» وقيل: المتوع الامتداد والارتفاع، ومنه قول عمر: «إذ متع النهار» يقال: متع النبات. والمتاع: انتفاعٌ ممتد [الوقت]. ويقال لكل ما ينتفع به في البيت وفي غيره: متاعٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثله﴾ [الرعد: ١٧] وقوله: ﴿ولما فتحوا متاعهم﴾ [يوسف: ٦٥] قيل: طعامهم، وقيل: أوعية طعامهم، وكلاهما متاعٌ للانتفاع بهما. ومتعة المطلقة: مما تنتفع به مدة عدتها. وقوله: ﴿ومتعوهن﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي أعطوهن من النفقة ما ينتفعن به. ومنه: نكاح المتعة وذلك أنه كان الرجل ينكح المرأة مدةً معلومةً ينتفع بها فيها إذا مضت فارقها من غير طلاقٍ كالمستأجرة، وقال الراغب: هي أن الرجل كان يشارط المرأة على مالٍ معلومٍ يعطيها إلى أجلٍ معلومٍ، فإذا انقضى ذلك الأجل فارقها من غير طلاقٍ، وكيفما كان فنكاح المتعة باطلٌ وإن كان جائزًا في أول الإسلام فقد نسخ حكمه. وقد بينا مذاهب الناس فيه في «القول الوجيز» وقوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] اختلف الناس في كيفية ذلك على ما بيناه في الكتاب المشار إليه، وحاصله أن فيه انتفاعًا للحاج بمعنى أن ينتفع باستباحته محظورات الإحرام تلك المدة إلى أن يحرم الحج بخلاف المفرد والقارن. وكل موضع ذكر فيه تمتع الدنيا فعلى سبيل التهديد، وذلك لم فيه من التوسع والتنعم. قوله: ﴿قل متاع الدنيا قليلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي سائر انتفاعاتها بجميع الأشياء قليلٌ في جنب متاع الآخرة لكثرته كثرةً خارجةً عن الحد، ولكونه على صفةٍ لا يعلمها إلا الله ولو لم يكن فيه إلا سلامته من المنغصات والشوائب والمكدرات وانقطاعه في بعض الأوقات لكفى. قوله: ﴿ومتعناهم إلى حينٍ﴾ [يونس: ٩٨] يحتمل البقاء ويحتمل

стр. 1457

التوسعة في النعمة. قوله: ﴿ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين﴾ [البقرة: ٣٦] تنبيهٌ على أن لكل إنسان من الدنيا تمتع مدةٍ معلومةٍ. قوله: ﴿إلا رحمةً منا ومتاعًا إلى حين﴾ [يس: ٤٤] أي لابد لهم من حينٍ يموتون فيه بعد إنجائنا إياهم من الغرق وتمتيعنا لهم في الدنيا بضروب النعم، وقد غرق بعضهم ثم نجا فهنئ بالسلامة، فأنشد [من الوافر] ١٥٠٠ - ولم أسلم لكي أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام والاستمتاع: طلب التمتع، ومنه قوله تعالى: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وذلك لأن كلا من الجنسين قد سأل صاحبه التمتع فأعطاه ما سأله الجن سولت له أعمالًا فأطاعوهم فيها. وقيل: استمتاع الإنس بالجن: هو أن الرجل من الإنس كان إذا سافر فنزل واديًا وخاف من شره قال: أعوذ برئيس هذا الوادي. واستمتاع الجن بالإنس هو تعظيمهم إياهم حيث كانوا عندهم ممن يعاذ به ويلتجأ إليه. وقد أخبر الله تعالى بذلك حيث قال: ﴿وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن﴾ [الجن: ٦]. قوله: ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ [التوبة: ٦٩] أي انتفعوا بنصيبهم من الدنيا. وقال الفراء: رضوا به عن نصيبهم في الآخرة. قوله: ﴿ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ﴾ [الرعد: ١٧] أي مثل الحديد والنحاس والرصاص وسائر الجواهر المنطبعة لكثرة انتفاعهم بها سفرًا وحضرًا وطول بقائها. وفي الحديث: «حرم شجر المدينة ورخص في الهش ومتاع الناضح» أراد به أداة الرحل ونحوه التي تؤخذ من الشجر. وقولهم: شرابٌ ماتعٌ قيل: معناه أحمر. والظاهر أن الحمرة ليست من خصوصية ذلك بل المراد بالماتع المائع وإنما ذكروا الحمرة لأنها في الغالب دالةٌ على جودته وقوة الانتفاع به وقالوا: حبلٌ ماتع أي قوي. وأنشد: [من الطويل] ١٥٠١ - وميزانه في سورة البر ماتع

стр. 1458

أي قويٌ راجح م ت ك: قرأ بعض القراء: «وأعتدت لهن متكًا» قيل: هو الأترج. وقرئ بفتح ميمه أيضًا، ونقل أبو عمرٍو: فيه تثليث الميم بالحركات الثلاث. وأنشد من قال هو الأترج قول الشاعر: [من الوافر] ١٥٠٢ - فأهدت متكةً لبني أبيها ... تخب بها العثمثمة الوقاح وقيل: بل هو اسمٌ لكل فاكهة تقطع بالسكين كالأترج ونحوه، وأنشد: [من الخفيف] ١٥٠٣ - نشرب الإثم بالصواع جهارًا ... وترى المتك بيننا مستعارا وفرق بعضهم بين المضموم وغيره فقال: هو بالضم أترجٌ وبالفتح الخمر. وقيل: هو الشراب الخالص. وقال المفضل: هو بالضم المائدة أو الخمر في لغة كندة. وقيل: هو بتك أي قطع، فأبدلت الباء ميمًا، وهي لغةً مطردةٌ. م ت ن: قوله تعالى: ﴿ذو القوة المتين﴾ [الذاريات: ٥٨] الشديد الحول، وقيل: هو من تأكيد اللفظ لاختلاف معناه؛ فالمتين: القوي، كقوله: ﴿صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] وأصله من المتن وهو الصلب فإنه أقوى ما في الناس. والمتنان (من باب شابت مفارقه) وقيل: بل المتنان مكتنفا الصلب، وبه شبه المتن من الأرض.

стр. 1459

ومتن كل شيءٍ وسطه، والمتن: المقابل للسند، عند أهل الحديث، وهو نصه الحديث. ومتنته: ضربت متنه تجوزًا. ويقال: متنة بالتاء، وأنشد: [من المتقارب] ١٥٠٤ - له متنتان خظانا، كما ... أكب على ساعديه النمر ومتن: قوي متنه فصار متينًا، وفي الحديث في صفة القرآن: «هو حبل الله المتين» أي القوي الذي لا ينقطع بمن تعلق به واستمسك. م ت ي: قوله تعالى: ﴿ويقولن متى هذا الوعد﴾ [يونس: ٤٨] متى ظرف زمانٍ يستفهم به عن الزمن الخاص نحو: متى تخرج؟ وجوابه: يوم الجمعة ونحوه. ولو قيل وقتًا ونحوه لم يصح، وهذيلٌ تجعلها بمعنى «وسط» فتقول: اجعله متى كمك، أي وسطه. وقيل: يجعلونها بمعنى «من» وعلى كلا التقديرين فيجر ما بعدها إما بالإضافة أو بحرف الجر، وأنشد لأبي ذؤيب الهذلي: [من الطويل] ١٥٠٥ - شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لججٍ خضرٍ لهن نئيج قيل: معناه وسط لججٍ، وقيل: معناه من لججٍ. وتكون اسم شرطٍ أيضًا: فعلين شرطًا وجزاءً كقول الشاعر: ١٥٠٦ - متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد ولما سمع النبي ﷺ -هذا البيت قال: «تلك نار موسى» وهي مبينةٌ على كلا التقديرين لتضمنها معنى حرف الاستفهام والشرط. وتمال ألفها وتكتب ياءً، فمن ثم ذكرتها في مادة (م ت ي).

стр. 1460

فصل الميم والثاء م ث ل: قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضةً فما فوقها﴾ [البقرة: ٢٦] الآية. المثل هو القول السائر وفق الحال التي ضرب لها، ولابد فيه من غرابةٍ لما أنزل الله: ﴿لن يخلقوا ذبابًا﴾ [الحج: ٧٣] ﴿لبيت العنكبوت﴾ [العنكبوت: ٤١] قالت اليهود: إن الله أجل أن يتكلم بهذا فنزلت. وقيل: المثل عبارةٌ عن قولٍ في شيء يشبه قولًا في شيءٍ آخر بينهما مشابهةً لتبيين أحدهما للآخر وتصوره، نحو قولهم: «الصيف ضيعت اللبن» فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك، ولذلك قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون» [العنكبوت: ٤٣] لأن لابد من تدبر المثل والممثل له ومطابقة ما بينهما. قيل: والمثل يقال على وجهين: أحدهما بمعنى المثل، نحو شِبْهٍ وشَبَهٍ ونقْضٍ ونَقَضٍ. قال: بعضهم: وقد يعبر بها عن وصف الشيء نحو قوله تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ [الرعد: ٣٥] أي صفتها. والثاني عبارةٌ عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنىً كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال فيما يشاركه في الجوهرية فقط، والشكل فيما يشاركه في القدر والمساحة، والشبه يقال فيما يشاركه في الكيف فقط، والمثل عام في جميع ذلك. قال: ولهذا لما أراد الباري نفي التشبيه عن ذاته المقدسةٍ من كل وجهٍ خصه بالذكر دون بقية الألفاظ المذكورة. فقال تعالى: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] قيل: وجمع بين كاف التشبيه ولفظ المثل تنبيهًا على إرادة تأكيد النفي، وتنبيهًا على أنه لا يصح استعمال المثل ولا الكاف،

стр. 1461

فنفى بـ «ليس» الأمرين جميعًا. وقال بعضهم: الكاف مزيدةٌ إذ لو لم يقل ذلك للزم ثبوت مثل لله تعالى إذ يصير التقدير: ليس مثل مثله شيءٌ، وهو محالٌ وقيل: المثل هنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفةٌ، تنبيهًا على أنه وإن وصف بكثيرٍ مما يوصف به البشر فليس تلك الصفات له على حسب ما يستعمل في البشر. وقيل: المثل يجيء بمعنى الذات نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا. يريدون أنت لا تفعل كذا، وهو أبلغ منه، وأنشدوا: [من الطويل] ١٥٠٧ - على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من ليلى على الناس طاويا يريدون: على ليلى، بدليل قوله: وإن بات من ليلى. وقد منع الله من ضرب المثل له تعالى بقوله: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤] وقد نبه أنه يضرب لنفسه المثل، ولا يجوز أن نقتدي به في ذلك، فقال تعالى: ﴿إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] ثم ضرب لنفسه مثلًا فقال: ﴿ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا﴾ [النحل: ٧٥] الآية. قال بعضهم: وفيه تنبيهٌ أنه لا يجوز أن نصفه بصفةٍ مما يوصف به البشر إلا ما وصف به نفسه. قوله: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠] أي لهم الصفات الذميمة وله تعالى الصفات العلى. قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة﴾ [الجمعة ٥] الآية. أي هم في جهلهم بمضمون حقائق معاني التوراة كالحمار في جهله مما على ظهره من الأسفار. وقوله: ﴿فمثله كمثل الكلب﴾ [الأعراف: ١٧٦] منبهة في ملازمته عنه واتباعه هواه وقلة مزايلته له بالكلب الذي لا يزايل اللهث على جميع الأحوال، وقد تقدم شرحه. وقوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ شبه من أتاه الله ضربًا من الهدى والمعونة فأضاعه ولم يتوصل به إلى ما رشح له من نعيم الأبد من استوقد نارًا في ظلمة. فلما أضاءت له ضيعها ونكس فعاد في ظلمته التي كان فيها. قوله: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ [البقرة: ١٧١] الآية. شبهوا

стр. 1462

المدعو بالغنم التي ينعق بها وداعيها بالناعق بالغنم فأجمل وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة الألفاظ. وبسط ذلك وشرحه: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بالغنم، ومثل الغنم التي لا تسمع إلا دعاءً ونداءً. وفيه تقديراتٌ أخر حررناها في «الدر» وغيره. قوله: ﴿وقد خلت من قبلهم المثلات﴾ [الرعد: ٦] أي النقمات، الواحدة مثلةٌ. وقرئ بسكون العين، وهو مطردٌ كعضد في عضد. والمثلة: نقمةٌ تنزل بالإنسان فيجعل مثالًا يرتدع به غيره كالنكال. وقيل: المَثْلةُ هي المُثْلةُ بضم الفاء وسكون العين. وقد قرئ المثلات جمعًا له. وقال ابن اليزيدي: المثلات: الأمثال والأشباه. قوله: ﴿ومضى مثل الأولين﴾ [الزخرف: ٨] أي قصصهم وعقوبتهم. قوله: ﴿مثل الذين كفروا بربهم﴾ [إبراهيم: ٢١٨] ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿ولما يأتكم مثل الذين خلوا﴾ [البقرة: ٢١٤] كل ذلك بمعنى الصفة، ويجوز أن يكون على بابه لما في ذلك من الغرابة. قوله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾ [يس: ٤٢] أي من مثل السفن. ويعني بذلك الإبل، وذلك أنها في حملها الأشياء الثقيلة وصبرها على عدم الماء والعلف كالسفن، ولذلك تسميها العرب «سفن البر». قوله تعالى: ﴿ومثلهم معهم﴾ [ص: ٤٣] أي أنه تعالى أحيا من مات من ولد أيوب ﵇ ورزقه مثلهم زيادةً. قوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل﴾ [الأنبياء: ٥٢] الواحد تمثالٌ. وهي صورةٌ تجعل على شكل من يرون حكاية صورته وشكله، والمراد هنا الأصنام. وقوله: ﴿من محاريب وتماثيل﴾ [سبأ: ١٣] قيل: هي صور الأنبياء، وكان التصوير في شرعه ﵊ مباحًا، فأمر الجن أن يصوروا مثل صور الأنبياء لتذكر الناس أفعالهم فيعملون بعملهم. وكذا كان زمن نوحٍ ﵇. يقال: إن ودًا وسواعًا ويغوث ونسرًا كانوا قومًا صالحين. فلما ماتوا صوروا صورهم ليتذكر الناس بهم. فلما طال الزمان وحدث خلفٌ جاء إبليس فقال لهم: إن آباءكم الأقدمين كانوا يعبدون هؤلاء. وعبدها

стр. 1463

قدامهم، فتبعوه. وأصل المادة على الانتصاب والتصوير، يقال: مثل بين يديه أي انتصب، ومنه الحديث: «من أحب أن يمثل الناس له قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» والممثل: هو الشيء المصور على مثال غيره، وتمثل كذا: تصوره بصورته؛ قال تعالى: ﴿فتمثل لها بشرًا سويًا﴾ [مريم: ١٧]. قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه: ٦٣] أي القربى إلى الخير والفضل، فالمثلى تأنيث الأمثل، والأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفضل والأقرب إلى الخير وأماثل القوم: كنايةٌ عن خيارهم، وعليه قوله تعالى: ﴿إذ يقول أمثلهم طريقةً﴾ [طه: ١٠٤] أي الأقرب إلى الصواب وقال ابن عرفة في قوله: ﴿بطريقتكم المثلى﴾ أي يصرفان وجوه الناس الأماثل إليهما يعني يغلبان على الأشراف. قيل: والأماثل يجوز أن يكون جمع أمثل، وأن يكون جمع أمثال، وأمثالًا جمع مثل. والمثل: سيد القوم وخيارهم. وسأل أبو الهيثم رجلًا فقال: ائتني بقومك، فقال: إن قومي مثلٌ، فقال أبو الهيثم: يريد أنهم ساداتٌ ليس فوقهم أحدٌ وعلى هذا فمثل يكون للواحد والجمع وكأن السادات لما كانوا في الغرابة بالنسبة إلى زيادة الخير أطلق عليهم لفظ المثل لذلك. وقال في قوله تعالى: ﴿أمثلهم طريقةً﴾ أي أرشدهم مذهبًا. وقولهم: المريض أمثل حالًا من أمس، من ذلك أي أقرب إلى الصحة وأدنى إلى الخير. وفي الحديث: «نهى أن يمثل بالدابة وأن تؤكل الممثل بها» كانوا ينصبون الدابة عرضًا يرمون عليها. فنهاهم عن ذلك وعن أكلها إذا فعل بها ذلك لأنه ميتةٌ إذ لا يقدر على ذكاتها ويقال بهذا المعنى: مثل به يمثل مثولًا فهو ماثلٌ وممثولٌ. وفي الحديث: «وأن تؤكل الممثول بها» والمثلة: التشويه بالقتل كقطع المذاكير وصلم الأذن وجدع الأنف، وفي الحديث: «نهى عن المثلة» ولما رأى ﵊ عمه حمزه وقد مثلت به كفار قريشٍ قال: «لأمثلن بسبعين رجلًا» فنزل قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به

стр. 1464

ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] فصبر ﵊ واحتسب وفدى وعفا. وفي الحديث: «من مثل بالشعر فليس له خلاقٌ عند الله» قيل: هو حلقه من الخدين. وقيل: هو خضابه بالسواد. فصل الميم والجيم م ج د: قوله تعالى: ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٥] أي الواسع الكرم والجلالة. والمجد: السعة في الكرم والتزايد في الجلالة؛ يقال: مجد يمجد فهو ماجدٌ مجيدٌ. ومجيدٌ أبلغ لأنه من صيغها. ومجد مجدًا ومجادةً، وأصله من مجدت الإبل: حصلت في مرعىً كثيرٍ واسعٍ وقد أمجدها الراعي: جعلها في ذلك. وتقول العرب: في كل شجرٍ نارٌ، واستمجد المرخ والعفار أي، يجري السعة في بذل الفضل المختص بذلك النوع. ويروى: واستمجد -بصيغة الماضي -المرخ فاعلٌ بمعنى استكثر، أي النار. وقيل: المجيد: الشريف. ورجلٌ ماجدٌ: مفضالٌ كثير الخير. قوله: ﴿والقرآن المجيد﴾ [ق: ١] وصف بذلك لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية، ولذلك وصف بالكريم. وقرئ قوله: ﴿ذو العرش المجيد﴾ بجر المجيد ورفعه؛ فالجر على أنه نعتٌ للعرش لعظمه وجلالة قدره وسعة خلقه، وإليه أشار ﵊ بقوله: «ما الكرسي في جنب العرش إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاةٍ» وعليه قوله: ﴿رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩] والرفع على أنه نعتٌ للودود وذلك لسعة فيضه وكثرة جوده. والتمجيد من العبد لله بالقول وذكر الصفات الحسنة، ومن الله للعبد بإعطائه الفضل.

стр. 1465

م ج س: قوله تعالى: ﴿والمجوس﴾ [الحج: ١٧]. المجوس جيلٌ معروفٌ وهم قومٌ يعبدون النار، وقال آخرون: يعبدون الشمس والقمر، وقال آخرون: هم قومٌ من النصارى إلا أنهم اعتزلوهم ولبسوا المسوح. وقيل: أخذوا من دين النصارى شيئًا ومن دين اليهود شيئًا، وقيل: هو قومٌ يقولون بأن العالم أصلان: نورٌ وظلمةٌ. وقيل: هم قومٌ يتعبدون باستعمال النجاسات، والأصل على نجوس بالنون، فأبدلت النون ميمًا. وقيل: كان لهم كتابٌ فرفع، ولذلك قال ﵊: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم». فصل الميم والحاء م ح ص: قوله تعالى: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ [آل عمران: ١٤١] أصل المحص تخليص الشيء مما فيه من عيبٍ كالفحص، إلا أن الفحص يقال في إبراز الشيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصلٌ. والمحص يقال في إبرازه عما هو متصلٌ به. يقال: محصت الذهب ومحصته: إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبثٍ. فمعنى التمحيص في الآية التزكية والتطهير وإزالة ما يغاير الإيمان. وكذا قوله تعالى: ﴿وليمحص الله ما في قلوبكم﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي يزيل ما فيها من ظنٍّ لا يليق بكم. وفي الدعاء: «اللهم محص عنا ذنوبنا» أي أزلها. وحقيقته: أزل ما علق بنا واختلط وخلصنا منه تخليص الذهب من الخبث ونحوه. وقال ابن عرفة: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ أي وليبتليهم، قال: ومعنى التمحيص النقص. ومحص الله ذنوبك، أي نقصها، وسماه [الله] للكافر محقًا. قال الهوري: سمعت الأزهري يقول: محصت العقب من الشحم: نقيته منه لتفتله وترًا، أراد تعالى: ليخلصهم. وفرسٌ ممحوص القوائم أي خالصٌ من الرهل. وفي حديث علي، كرم الله وجهه، وذكر فتنةً فقال: «يمحص الناس فيها كما يمحص الذهب» فتعرف جودته من رداءته.

стр. 1466

ومحص الثوب: زال عنه زئبره. ومحص الحبل: أخلق حتى ذهب زئبره، ومحص الظبي: عدا، بمعنى الذهاب فيه. م ح ق: قوله تعالى: ﴿ويمحق الكافرين﴾ [آل عمران: ١٤١] أي يذهبهم ويستأصلهم، يقال: محقته فانمحق، أي أذهبته فذهب. قوله: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي يذهب بركته وزيادته الظاهرة لكم، كما ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦] ويزيد ما يخرج منه وإن كان نقصًا فيما ترونه. فالربا وإن كانت زيادته ظاهرةً يذهبه. والصدقة وإن كانت نقصًا ظاهرًا يزيدها. وما أحسن ما جاءت المقابلة بين قوله: ﴿يمحق﴾ و ﴿يربي﴾. وأصل المحق النقصان، ومنه المحاق لآخر الشهر لانمحاق الهلال فيه. يقال: محقه أي نقصه وأذهب بركته. م ح ل: قوله تعالى: ﴿وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] أي العقوبة. محل به: إذا عاقبه، قال أبو العباس ﵄: هو مأخوذٌ من قول العرب: فلانٌ محل بفلانٍ: إذا سعى به إلى السلطان وعرضه لما يهلكه عنده، وتمحلت الدراهم: سعيت في طلبها، وقال أبو زيد المحال: النقمة، وقال الأزهري: أي شديد القوة والشدة. وما حلت فلانًا، أي قاومته أينا أشد، وفي الحديث: «ولا تجعل القرآن بنا ماحلًا» أي ساعيًا في هلاكنا على المجاز. وقال أبو عبيدٍ: المحال: العقوبة والمكروه وقال ابن عرفة: المحال: الجدال؛ ما حال عن أمره، أي جادل، وأنشد لذي الرمة: [من الوافر] ١٥٠٨ - ولبس بين أقوامٍ فكل ... أعد له السفارة والمحالا

стр. 1467

قال: ومنه حديث أنسٍ رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله ﷺ -أرسل رسولًا إلى عظيم من المشركين يدعوه إلى الله تعالى، فقال المشرك: صف لي الإهك أمن فضة إم من ذهب أم من نحاس؟ فاستعظم ذلك، فرجع إلى رسول الله ﷺ -فقال: ارجع فإذا صاعقةٌ قد أصابته» ونزل قوله تعالى: ﴿وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾، أي الكيد والعقوبة. والمشهور أن ميمه أصليةٌ لاشتقاقه من المحل كما تقدم. وقال القتيبي: هو من الحيلة وميمه زائدةٌ. ورد عليه بأن ميمه أصليةٌ بدليل أن كل ما كان على زنة فعال كمهاد وملاكٍ ومراسٍ كانت ميمه أصلية. وكل ما كان على مفعل من ذوات الواو تفتح عينه نحو: محورٍ ومقول، وبيانه في غير هذا، إلا أنه قد قرأ الأعمش «المحال» بالفتح، وفسره ابن عباسٍ بأنها من الحول فهي مرشحةٌ لما قاله القتيبي. وقال بعضهم: هو من قوله: محل به محلًا ومَحالًا ومِحالًا: إذا أراده بسوء. قال أبو زيد: محل الزمان: قحط، ومكانٌ ما حلٌ ومتماحلٌ، وأمحلت الأرض. والمحالة: فقارة الظهر والجمع المحال. ولبن ممحلٌ، أي فاسدٌ، وفي الحديث: «أن إبراهيم قال: أنا الذي كذبت ثلاث كذبات. قال رسول الله ﷺ : وما منها كذبةٌ إلا وهو يماحل بها عن الإسلام» أي يجادل. قلت: تسميته ﷺ -ما ماحل به كذباتٌ على طريق المجاز، وإلا فهو مبرأ من الكذب المذموم ﷺ . ولذلك لم يسكت نبينا ﷺ -بل فسر لأمته تلك الكذبات وبين وجهها. وفي الحديث: «القرآن شافعٌ مشفعٌ وما حلٌ مصدقٌ» أي ساعٍ مصدقٌ من: محل به إذا سعى به، وقيل: معناه مجادلٌ مصدقٌ. ومنه الحديث أيضًا: «عهدهم لا ينقض عن شية ماحلٍ» أي ساع وواشٍ يسيء بهم. ومن كلام أمير المؤمنين علي ﵁: «إن من وراءكم فتنًا متماحلة» أي متطاولةً ممتدةً. والمتماحل من الرجال: الطويل، وقال بعضهم: معنى ﴿شديد المحال﴾ أي شديد الأخذ بالعقوبة. وكلها معانٍ متقاربةٌ بألفاظٍ متغايرةٌ.

стр. 1468

م ح ن: قوله تعالى: ﴿فامتحنوهن﴾ [الممتحنة: ١٠] أي اختبروهن وجربوهن وابتلوهن. وقد تقدم الكلام في الابتلاء. وأصله من: امتحنت الذهب والفضة: إذا أذبتهما لتختبرهما أهما خالصان أم لا. قال أبو عبيدٍ في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ أي صفاها وهذبها. وفي الحديث: «فذلك الشهيد الممتحن» قال شمرٌ: هو المصفى المهذب، وهذا بمعنى ما تقدم، فإن التصفية والتخليص من وادٍ واحدٍ. م ح و: قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد: ٣٩] أي يمحو ما يشاء مما يكتبه الحفظة ويثبت ما يشاء. وفي التفسير: إن الله ينظر كل يومٍ في اللوح المحفوظ سبعين نظرةً فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء. ومعنى ذلك أن الله تعالى أمر الملائكة بكتب أشياء فيأمرها بأن تجعل فلانًا الشقي سعيدًا وعكسه. وفلانًا الغني فقيرًا وعكسه، فتفعل ذلك. فالمحو والإثبات بالنسبة إلى علم الملائكة، وأما علمه تعالى فلا يتبدل ولا يتغير ولا يوجد في الوجود شيءٌ إلا على وقف علمه القديم، ولذلك عقبه بقوله: ﴿وعند أم الكتاب﴾ أي أصل ذلك الكتاب وهو علمه. وعبر في الحديث بقوله: «ينظر عن أمره بما يريد ولا ينظر على الحقيقة» وبالجملة: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقيل: ينسخ من الأمر والنهي ويبقي ما يشاء. وأصل المحور إزالة الأثر، ومنه قيل للشمال محوةٌ لأنها تمحو السحاب والأثر. وفي الحديث: «لي خمسة أسماء منها الماحي» لأنه يمحو الله به الكفر وآثاره، وقال بعضهم يخاطب النعمان بن بشير: [من الطويل] ١٥٠٩ - زيادتنا نعمان لا تمحونها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو يقال: محوت الكتاب محوًا ومحيته محيًا.

стр. 1469

فصل الميم والخاء م خ ر: قوله تعالى: ﴿وترى الفلك مواخر فيه﴾ [النحل: ١٤] جمع ماخرة وهي السفن؛ وصفت بذلك لأنها تشق الماء بجناحيها أي بصدورها. والمخر: الشق؛ يقال: مخرت السفينة الماء: إذا شقته، ومخر الأرض أي شقها بالحرث ومخرها بالماء: إذا حبسه عليها لتصير ريضةً، أي خليقةً بالزراعة. وقيل: مخر الأرض استقبالها بالدور فيها، يقال: مخرت السفينة مخرًا ومخورًا، واستمخرت الريح، وامتخرتها: إذا استقبلتها بأنفك، ومنه الحديث: «استمخروا الريح وأعدوا النبل» يعني في الاستنجاء، قال ابن شميل: يقول: اجعلوا ظهوركم إلي الريح عند البول كأنه إذا ولاها ظهره شقًا استبان الريح بظهره فأخذت عن يمينه وشماله قال: وقد يكون استقبال الريح .. تمخرًا، والمراد به في الحديث: استدبار وفي حديث آخر: «إذا بال أحدكم فليتمخر الريح» أي ينظر أين مجراها فلا يستقبلها ولكن يستدبرها كيلا يرد عليه البول. والمآخور: الموضع الذي يباع فيه الخمر. وقيل: هو موضع الريبة. ولما ولي زيادٌ البصر قال: «ما هذه المواخير﴾ الشراب عليه حرامٌ حتى تسوى الأرض هدمًا وحرقًا» يعني مواضع الريبة. [م خ ض]: قوله تعالى: ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾ [مريم: ٢٣]. فصل الميم والدال م د د: قوله تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ [الأعراف: ٢٠٢] وقرئ في

стр. 1470

المتواتر بفتح الياء وضمها من مده وأمده، فقيل: بمعنىً واحدٍ. يقال: مد النهر ومده، وأمده نهرٌ آخر. وقيل: أمد في المحبوب نحو قوله: ﴿وأمددناهم بفاكهةٍ ولحمٍ﴾ [الطور: ٢٢] ﴿ويمددكم بأموال﴾ [نوح: ١٢] وفي المكروه مد نحو قوله تعالى: ﴿ونمد له من العذاب مدًا﴾ [مريم: ٧٩] وهذا مردودٌ بقوله: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ في قراءة من ضم الياء. ولذلك عدل بعضهم إلى عبارة أخرى؛ قال: وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمد في المكروه. ومعنى الآية أن إخوان الشياطين تمده الشياطين. وعلى هذا الوجه فالخبر جار ٍلي غير من هو له. وقيل غير ذلك، إلا أن ما ذكرته عليه العامة. وفي الآية أوجهٌ أخر حررتها في «الدر». قوله: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ [البقرة: ١٥] أي يمهل لهم ويطيل لهم. قوله: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] أي بسطه، قوله: ﴿فليمدد له الرحمن مدًا﴾ [مريم: ٧٥] أي يمهله ويطيل عمره ويوسع عليه استدراجًا له، وهذا لفظه أمرٌ ومعناه خبرٌ، لأن الله تعالى لا يأمر نفسه، ولكنه إذا جاء الخبر بلفظ الأمر كان أوكد. وقيل: المعنى أن الله تعالى جعل جزاء ضلالته إمداده فيها. قول: ﴿ولو جئنا بمثله مددًا﴾ [الكهف: ١٠٩] أي زيادةً، ومنه الحديث: «مداد كلماته» أي مثلها وعددها. وقيل: المداد مصدرٌ كالمدد؛ ممدت الشيء مدًا ومدادًا وبنو فلانٍ بنوا بيوتهم على مدادٍ واحدٍ وعرانٍ واحدس ومثالٍ واحد، كله بمعنى. وأصل المد الجرو الطول، ومنه المدة للوقت الممتد، ومدة الخرج. ومد النهر ومد بمثله. وقال عثمان ﵁ لبعض عماله: «بلغني أنك تزوجت امرأة مديدة» يقول: طويلة. ورجل مديد: أي طويل. والطويل والمديد بحران معروفان، وفي حديث آخر: «ينبعث منه ميزابان من الجنة مدادهما أنهار الجنة» أي: يمدهما أنهارهما. قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به﴾ [الحجر: ٨٨] كنايةٌ عن

стр. 1471

التطلع لما في أيديهم من زخارف الدنيا وتقليب التجارات والأولاد وغير ذلك. والمراد أمته ﵊؛ عبر بالإعراض عن زينة الدنيا المنهي عنها عن مد الطرف إليها، فإن من أعجبه شيءٌ أتبعه نظره. والمد: مكيالٌ معروفٌ لأنه يكال به ما فيه مدد الناس وحياتهم. م د ن: قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجلٌ﴾ [يس: ٢٠] المدينة: البلدة التي كثر سكانها. مدن بالمكان: إذا أقام، ووزنها فعيلةٌ، وقد تقدم أن بعضهم جعلها مفعلة فالميم مزيدةٌ. والمدينة -أيضًا -الأمة، والمدين: العبد، وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في باب الدال فأغنى عن إعادته هنا. فصل الميم والراء م ر أ: قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤] المرء: الرجل، والأنثى: المرأة والأفصح فتح ميمه مطلقًا، وعليه جاء التنزيل، وفيه لغيةٌ إتباع الفاء اللام في حركات إعرابها فيقال: هذا مرءٌ -بضم الميم. وممرت بمرءٍ -بكسرها -ويجوز تسكين فائها في حركات الإعراب، وعليه جاء التنزيل كقوله تعالى: ﴿إن امرؤٌ هلك﴾ [النساء: ١٧٦] ويقال: رأيت امرأً ومررت بامرئٍ، وفيه لغةٌ؛ فتح عينه مطلقًا. والمروءة: كمال الرجولية، وقيل: هي مشتقةٌ من لفظ المرء، كالرجولة مشتقةٌ من لفظ الرجل؛ والفتوة من لفظ الفتى. وهي الفاظٌ محصورة لا تنقاس كالأخوة والأبوة. فهذه مصادر لا أفعال لها. وشذ جمع المرء سلامةً؛ ومن كلام الحسن البصري في بعض عظاته: «أحسنوا ملأكم أيها المرؤون» أي أخلاقكم. والملأ: الخلق، والملأ -أيضًا -القوم الأشراف. ومن كلام رؤبة بن العجاج: [من المنسرح]

стр. 1472

١٥١٠ - أي تريدون أيها المرؤون قوله تعالى: ﴿فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء: ٤] أي سائغًا في المريء، والمريء: مجرى الطعام والشراب، وقيل: مجرى النفس، وهو عرقٌ رقيقٌ تحت الحلقوم، متى لم ينحره الذابح فاته، وقال كثير عزة: [من الطويل] ١٥١١ - هنيئًا مريئًا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت وانتصابها في الآية على الحال والمصدرية أو الدعاء. وهنأني الطعام ومرأني، والقياس: أمرأني. وإنما ترك للمشاكلة، فلو أفرد لم يقل إلا أمرأني، ومثله: أخذ ما قدم وما حدث بضم دال حدث لأجل قدم، فلو أفرد قدم فتحت داله. وقيل: المريء رأس المعدة والكرش اللاصق بالحلقوم. ومرؤ الطعام وإمرأ: إذا تخصص بالمريء لموافقة الطبع. م ر ت: قوله تعالى: ﴿هاروت وماروت﴾ [البقرة: ١٠٢] اسم ملك من الملائكة يقال إنه نزل هو وهاروت إلى الأرض ليحكما بين الناس في قصةٍ طويلة ففتنا، وأنهما خيرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختاروا عذاب الدنيا، وأنهما معلقان ببابل. واشتقاقها من المرت عند بعضهم وهو الكسر، وفيه نظرٌ لكونه أعجميًا، وأيضًا فهو غير منصرفٍ. ولو كان مشتقًا من المرت لانصرف. ويجمعان على موارت وهوارت، وموارتة وهوارتة. م ر ج: قوله تعالى: ﴿مرج البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣] المرج: الخلط، ومعنى ذلك أنه تعالى أجرى البحرين وأرسلهما مختلطًا أحدهما بالآخر، وجعل بينهما كما أخبر تعالى: ﴿برزخًا وحجرًا محجورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] قال مجاهدٌ: أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر. قوله تعالى: ﴿فهم في أمرٍ مريجٍ﴾ [ق: ٥] أي مختلطٌ، مرةً يقولون: هو شاعرٌ،

стр. 1473

ومرة كاهنٌ، ومرةً ساحرٌ، ومرةً مجنونٌ. ويقال: مرج الدين أي اختلط، ومرج الشيء: اختلط، ومنه مروج الدواب. ومرج الشيء -أيضًا -إذا فلق فلم يثبت، ومنه: مرج الخاتم وخرج في يده: إذا لم يستقر. وقال الأزهري: ﴿مرج البحرين﴾ أي خلى بينهما. يقال: أمرجت الدابة، أي خليتها في المرعى. والمرج: الإجراء، وفي الحديث: «إذا مرج الدين» أي فسد، وحقيقته قلقت أسبابه ولم يثبت، وفي الحديث: «وقد مرجت عهودهم» أي اختلطت. قوله تعالى: ﴿من مارجٍ من نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي دخانٌ مختلط بسواد النار، وقيل: المختلط من اللهب بالدخان، وقال الفراء: المارج: نارٌ دون الحجاب. قوله: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] قيل: المرجان: صغار اللؤلؤ، هو البسد، وهو جوهرٌ أحمر. م ر ح: قوله تعالى: ﴿وبما كنتم تمرحون﴾ [غافر: ٧٥] المرح: شدة البطر والفرح والتوسع فيه. وقوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أي مشيًا مرحًا، أي مرحٍ، أو يكون مفعولًا له وهو الظاهر. وقرئ بكسر الراء على الحال من فاعل فعل النهي. ومرحى: كلمة تعجبٍ. م ر د: قوله تعالى: ﴿صرحٌ ممردٌ﴾ [النمل: ٤٤] أي أملس، ومنه الأمرد لملاسة وجهه من الشعر. وشجرٌ أمرد: لا ورق به. ورملةٌ مرداء: لا نبات بها. ومرد فلانٌ عن القبائح أو عن المحاسن، أي تعرى منها وتجرد. وقوله: ﴿شيطانٍ مريدٍ﴾ [الحج: ٣] أي خارجًا عن الحق متجردًا من الخير، معروريًا منه.

стр. 1474

وقد مرد الرجل يمرد مرودًا: إذا خرج عن الطاعة ونزع منها يده. وتمرد، أي عتا وزاد في الطغيان. كل ذلك في معنى التجرد والتعري. وقيل: ممرد: مطول في البناء، والأول أظهر، إليه أشار الشاعر بقوله: [من السريع] ١٥١٢ - في مجدلٍ شيد بنيانه ... يزل عنه ظفر الطائر منه ﴿مردوا على النفاق﴾ [التوبة: ١٠١] أي مرنوا عليه وضربوا به وتزايد عتوهم فيه. و «ماردٌ»: اسم حصن للزباء، ومن كلامها: «تمرد ماردٌ وعز الأبلق» والمرد: ثمر الأراك لملاسته ونعومته، أنشد: ينقص المرد شادنٌ م ر ر: قوله تعالى: ﴿سحرٌ مستمرٌ﴾ [القمر: ٢] قال الفراء: معناه باطل سيذهب، من قولك: استمر أمر فلانٍ: إذا ثبت واستقر، وقال غيره: قوي محكمٌ، من قولك: أمررت الحبل فهو مريرٌ ممر إذا أحكمت فتله، ومنه قوله تعالى: ﴿ذو مرةٍ فاستوى﴾ [النجم: ٦] أي قوةٍ، من الإمرار وقال آخرون: مستمرٌ أي نافذٌ ماضٍ فيما سخر له، وقوله تعالى: ﴿في يوم نحس مستمر﴾ [القمر: ١٩] قيل: قويٌ محكم وقيل: دائمٌ نحسه، وقيل: نافذٌ فيما أمر به وسخر له. وقيل: مستمر بمعنى مرٍ من المرارة ضد الحلاوة، وقيل: إنه يوم الأربعاء، قال الهروي: الذي لا يدور في الشهر. قوله: ﴿ذو مرةٍ﴾ أي قوةٍ. من حبلٍ ممرٍ وفرسٍ ممرٍ، أي موثق الحلق، ويعني به جبريل، لأنه اقتلع سبع مدائن إلى الجو بريشةٍ من ريشه، وهو أقوى من ذلك، وصاح على أهل أنطاكية صيحةً واحدةً فماتوا. وفي الحديث: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرةٍ سويٍ». قوله تعالى: ﴿وكأين من آيةٍ في السموات والأرض يمرون عليها﴾

стр. 1475

[يوسف: ١٠٥] أي يتجاوزونها ويبصرونها، من قولك: مررت على فلانٍ إذا جزت عليه، والمشهور تعديته بحرف الجر على أو الباء، كقوله: [من الكامل] ١٥١٣ - ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني وقال تعالى: ﴿يمرون عليها﴾ وقد توسع فيه ضمن معنى المتعدي فنصب بنفسه، كقول الشاعر: [من الوافر] ١٥١٤ - تمرون الدار فلم تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام قوله تعالى: ﴿فمرت به﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي استمرت، أي قامت وقعدت، ولم تستثقل به. ولذلك فسره بعضهم شجعت، كأنه رأى بعده ﴿فلما أثقلت﴾ وقرئ مرت -بتخفيف الراء -من المرية وفي حديث الوحي: «سمعت الملائكة مرار السلسلة على الصفا» المرار من الإمرار في الفتل. قال الهروي: ولو روي «إمراراً» لكان حسنًا؛ يقال: أمررت الشيء: إذا جررته، وأنشد: [من الكامل] ١٥١٥ - ونقي بأمن ما لنا أحسابنا ... ونجر في الهيجا الرماح وندعي قلت: ويؤيده ما في حديث آخر «كإمرار الحديد على الطست الجديد» قوله تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو﴾ [الفرقان: ٧٢] أي اجتازوا، وفيه تنبيهٌ على أنهم إذا دفعوا بالقوة إلى اللغو كفوا عنه، وإذا سمعوا تصامموا عنه وإذا شاهدوا أعرضوا عنه.
следующие страницы →