Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
التطلع لما في أيديهم من زخارف الدنيا وتقليب التجارات والأولاد وغير ذلك. والمراد أمته ﵊؛ عبر بالإعراض عن زينة الدنيا المنهي عنها عن مد الطرف إليها، فإن من أعجبه شيءٌ أتبعه نظره.
والمد: مكيالٌ معروفٌ لأنه يكال به ما فيه مدد الناس وحياتهم.
م د ن:
قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصى المدينة رجلٌ﴾ [يس: ٢٠] المدينة: البلدة التي كثر سكانها. مدن بالمكان: إذا أقام، ووزنها فعيلةٌ، وقد تقدم أن بعضهم جعلها مفعلة فالميم مزيدةٌ.
والمدينة -أيضًا -الأمة، والمدين: العبد، وقد تقدم شرح ذلك مستوفى في باب الدال فأغنى عن إعادته هنا.
فصل الميم والراء
م ر أ:
قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤] المرء: الرجل، والأنثى: المرأة والأفصح فتح ميمه مطلقًا، وعليه جاء التنزيل، وفيه لغيةٌ إتباع الفاء اللام في حركات إعرابها فيقال: هذا مرءٌ -بضم الميم. وممرت بمرءٍ -بكسرها -ويجوز تسكين فائها في حركات الإعراب، وعليه جاء التنزيل كقوله تعالى: ﴿إن امرؤٌ هلك﴾ [النساء: ١٧٦] ويقال: رأيت امرأً ومررت بامرئٍ، وفيه لغةٌ؛ فتح عينه مطلقًا.
والمروءة: كمال الرجولية، وقيل: هي مشتقةٌ من لفظ المرء، كالرجولة مشتقةٌ من لفظ الرجل؛ والفتوة من لفظ الفتى. وهي الفاظٌ محصورة لا تنقاس كالأخوة والأبوة. فهذه مصادر لا أفعال لها. وشذ جمع المرء سلامةً؛ ومن كلام الحسن البصري في بعض عظاته: «أحسنوا ملأكم أيها المرؤون» أي أخلاقكم. والملأ: الخلق، والملأ -أيضًا -القوم الأشراف. ومن كلام رؤبة بن العجاج: [من المنسرح]
стр. 1472
١٥١٠ - أي تريدون أيها المرؤون
قوله تعالى: ﴿فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء: ٤] أي سائغًا في المريء، والمريء: مجرى الطعام والشراب، وقيل: مجرى النفس، وهو عرقٌ رقيقٌ تحت الحلقوم، متى لم ينحره الذابح فاته، وقال كثير عزة: [من الطويل]
١٥١١ - هنيئًا مريئًا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وانتصابها في الآية على الحال والمصدرية أو الدعاء. وهنأني الطعام ومرأني، والقياس: أمرأني. وإنما ترك للمشاكلة، فلو أفرد لم يقل إلا أمرأني، ومثله: أخذ ما قدم وما حدث بضم دال حدث لأجل قدم، فلو أفرد قدم فتحت داله. وقيل: المريء رأس المعدة والكرش اللاصق بالحلقوم. ومرؤ الطعام وإمرأ: إذا تخصص بالمريء لموافقة الطبع.
م ر ت:
قوله تعالى: ﴿هاروت وماروت﴾ [البقرة: ١٠٢] اسم ملك من الملائكة يقال إنه نزل هو وهاروت إلى الأرض ليحكما بين الناس في قصةٍ طويلة ففتنا، وأنهما خيرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختاروا عذاب الدنيا، وأنهما معلقان ببابل. واشتقاقها من المرت عند بعضهم وهو الكسر، وفيه نظرٌ لكونه أعجميًا، وأيضًا فهو غير منصرفٍ. ولو كان مشتقًا من المرت لانصرف. ويجمعان على موارت وهوارت، وموارتة وهوارتة.
م ر ج:
قوله تعالى: ﴿مرج البحرين﴾ [الفرقان: ٥٣] المرج: الخلط، ومعنى ذلك أنه تعالى أجرى البحرين وأرسلهما مختلطًا أحدهما بالآخر، وجعل بينهما كما أخبر تعالى: ﴿برزخًا وحجرًا محجورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] قال مجاهدٌ: أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر.
قوله تعالى: ﴿فهم في أمرٍ مريجٍ﴾ [ق: ٥] أي مختلطٌ، مرةً يقولون: هو شاعرٌ،
стр. 1473
ومرة كاهنٌ، ومرةً ساحرٌ، ومرةً مجنونٌ.
ويقال: مرج الدين أي اختلط، ومرج الشيء: اختلط، ومنه مروج الدواب. ومرج الشيء -أيضًا -إذا فلق فلم يثبت، ومنه: مرج الخاتم وخرج في يده: إذا لم يستقر. وقال الأزهري: ﴿مرج البحرين﴾ أي خلى بينهما. يقال: أمرجت الدابة، أي خليتها في المرعى.
والمرج: الإجراء، وفي الحديث: «إذا مرج الدين» أي فسد، وحقيقته قلقت أسبابه ولم يثبت، وفي الحديث: «وقد مرجت عهودهم» أي اختلطت.
قوله تعالى: ﴿من مارجٍ من نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي دخانٌ مختلط بسواد النار، وقيل: المختلط من اللهب بالدخان، وقال الفراء: المارج: نارٌ دون الحجاب.
قوله: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] قيل: المرجان: صغار اللؤلؤ، هو البسد، وهو جوهرٌ أحمر.
م ر ح:
قوله تعالى: ﴿وبما كنتم تمرحون﴾ [غافر: ٧٥] المرح: شدة البطر والفرح والتوسع فيه. وقوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] أي مشيًا مرحًا، أي مرحٍ، أو يكون مفعولًا له وهو الظاهر. وقرئ بكسر الراء على الحال من فاعل فعل النهي.
ومرحى: كلمة تعجبٍ.
م ر د:
قوله تعالى: ﴿صرحٌ ممردٌ﴾ [النمل: ٤٤] أي أملس، ومنه الأمرد لملاسة وجهه من الشعر. وشجرٌ أمرد: لا ورق به. ورملةٌ مرداء: لا نبات بها. ومرد فلانٌ عن القبائح أو عن المحاسن، أي تعرى منها وتجرد.
وقوله: ﴿شيطانٍ مريدٍ﴾ [الحج: ٣] أي خارجًا عن الحق متجردًا من الخير، معروريًا منه.
стр. 1474
وقد مرد الرجل يمرد مرودًا: إذا خرج عن الطاعة ونزع منها يده. وتمرد، أي عتا وزاد في الطغيان. كل ذلك في معنى التجرد والتعري. وقيل: ممرد: مطول في البناء، والأول أظهر، إليه أشار الشاعر بقوله: [من السريع]
١٥١٢ - في مجدلٍ شيد بنيانه ... يزل عنه ظفر الطائر
منه ﴿مردوا على النفاق﴾ [التوبة: ١٠١] أي مرنوا عليه وضربوا به وتزايد عتوهم فيه. و «ماردٌ»: اسم حصن للزباء، ومن كلامها: «تمرد ماردٌ وعز الأبلق» والمرد: ثمر الأراك لملاسته ونعومته، أنشد:
ينقص المرد شادنٌ
م ر ر:
قوله تعالى: ﴿سحرٌ مستمرٌ﴾ [القمر: ٢] قال الفراء: معناه باطل سيذهب، من قولك: استمر أمر فلانٍ: إذا ثبت واستقر، وقال غيره: قوي محكمٌ، من قولك: أمررت الحبل فهو مريرٌ ممر إذا أحكمت فتله، ومنه قوله تعالى: ﴿ذو مرةٍ فاستوى﴾ [النجم: ٦] أي قوةٍ، من الإمرار وقال آخرون: مستمرٌ أي نافذٌ ماضٍ فيما سخر له، وقوله تعالى: ﴿في يوم نحس مستمر﴾ [القمر: ١٩] قيل: قويٌ محكم وقيل: دائمٌ نحسه، وقيل: نافذٌ فيما أمر به وسخر له. وقيل: مستمر بمعنى مرٍ من المرارة ضد الحلاوة، وقيل: إنه يوم الأربعاء، قال الهروي: الذي لا يدور في الشهر.
قوله: ﴿ذو مرةٍ﴾ أي قوةٍ. من حبلٍ ممرٍ وفرسٍ ممرٍ، أي موثق الحلق، ويعني به جبريل، لأنه اقتلع سبع مدائن إلى الجو بريشةٍ من ريشه، وهو أقوى من ذلك، وصاح على أهل أنطاكية صيحةً واحدةً فماتوا. وفي الحديث: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرةٍ سويٍ».
قوله تعالى: ﴿وكأين من آيةٍ في السموات والأرض يمرون عليها﴾
стр. 1475
[يوسف: ١٠٥] أي يتجاوزونها ويبصرونها، من قولك: مررت على فلانٍ إذا جزت عليه، والمشهور تعديته بحرف الجر على أو الباء، كقوله: [من الكامل]
١٥١٣ - ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وقال تعالى: ﴿يمرون عليها﴾ وقد توسع فيه ضمن معنى المتعدي فنصب بنفسه، كقول الشاعر: [من الوافر]
١٥١٤ - تمرون الدار فلم تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام
قوله تعالى: ﴿فمرت به﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي استمرت، أي قامت وقعدت، ولم تستثقل به. ولذلك فسره بعضهم شجعت، كأنه رأى بعده ﴿فلما أثقلت﴾ وقرئ مرت -بتخفيف الراء -من المرية وفي حديث الوحي: «سمعت الملائكة مرار السلسلة على الصفا» المرار من الإمرار في الفتل. قال الهروي: ولو روي «إمراراً» لكان حسنًا؛ يقال: أمررت الشيء: إذا جررته، وأنشد: [من الكامل]
١٥١٥ - ونقي بأمن ما لنا أحسابنا ... ونجر في الهيجا الرماح وندعي
قلت: ويؤيده ما في حديث آخر «كإمرار الحديد على الطست الجديد»
قوله تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو﴾ [الفرقان: ٧٢] أي اجتازوا، وفيه تنبيهٌ على أنهم إذا دفعوا بالقوة إلى اللغو كفوا عنه، وإذا سمعوا تصامموا عنه وإذا شاهدوا أعرضوا عنه.
стр. 1476
قوله: ﴿مر كأن لم يدعنا﴾ [يونس: ١٢] أي ذهب ومثله في المعنى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه﴾ [الإسراء: ٨٣]
قوله: ﴿في كل عام مرةً أو مرتين﴾ [التوبة: ١٢٦] المرة: المدة من الزمان، وهي في الأصل مصدرٌ؛ فالمرة والمرتان كالفعلة والفعلتين، أطلقت على كل جزءٍ من الزمان. وفي الحديث: «ماذا في الأمرين من الشفاء؛ الصبر والثفاء» هذا بلفظ التثنية، والأمر بمعنى المر كالأثقل بمعنى الثقيل، فإذا قيل: كفيت منه الأمرين، أي الدواهي، قلت: الأمرين بلفظ جمع العقلاء.
وفي الحديث: «كره من الشاء شبعًا: الدم والمرار ..» قال القتيبي: أراد المحدث أن يقول: الأمر وهي المصارين، فقال: المرار، وأنشد: [من الوافر]
١٥١٦ - فلا تهدي الأمر وما يليه ... ولا تهدن معروق العظام
وقال الليث: المرار جمع المرارة، قال: والمرارة لكل ذي روح إلا البعير.
م ر ض:
قوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرضٌ﴾ [البقر: ١٠] أي نفاقٌ وأصل المرض الخروج عن اعتدال المزاج الصحيح الخاص بالإنسان، وذلك ضربان: مرضٌ جسمي، وهو المذكور في قوله: ﴿ولا على المريض حرجٌ﴾ [النور: ٦١] والثاني عبارةٌ عن الرذائل الكائنة في القلب كالبخل والجبن والجهل والحسد والنفاق من الرذائل الخلقية، أي المكتسبة بالانفعال. قال بعضهم: وتشبيه النفاق والكفر وغيرهما من الرذائل بالمرض إما لكونها مانعةً من إدراك الفضائل كالمرض والمانع للبدن من التصرف الكامل، وإما لكونها مانعةً من تحصيل الحياة الأخروية المشار إليها بقوله: ﴿وإن الدار الآخر لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤]، وإما لميل النفس به إلى الاعتقادات الرديئة لميل البدن المريض إلى الأشياء المضرة، قال: وتكون هذه الأشياء متصورة بصورة المرض؛ قالوا: دوي صدره،
стр. 1477
ونغل قلبه. وقال ﷺ : «أي داء أدوأ من البخل؟» واستعير ذلك من قولهم: شمسٌ مريضةٌ، أي غير مضيئةٍ لعارض عرض لها.
والتمريض: القيام على المريضٍ، وحقيقته إزالة المرض، كالتقذية: إزالة القذى، وقيل: في قلوبهم شك، وقيل: ظلمةٌ. وأنشد: [من البسيط]
١٥١٧ - وليلةٍ مرضت من كل ناحيةٍ ... فما يحس بها شمسٌ ولا قمر
وفلانٌ يمرض القول، أي لا يصححه. وقال ابن عرفة: المرض في القلوب فتورٌ عن الحث، وفي الأبدان فتورٌ عن الأعضاء، وفي العيون عن النظر.
[م ر و]: قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة﴾ [البقرة: ١٥٨].
م ر ي:
قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية﴾ [هود: ١٠٩] قيل: الشك، وقال آخرون: المرية: التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، قال الراغب: وفيه نظرٌ؛ فإن الشك تردد أيضًا مع تساوي الطرفين.
قوله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ [مريم: ٣٤] هو يفعلون من المرية أي يشكونه. قوله تعالى: ﴿فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهرًا﴾ [الكهف: ٢٢] أي لا تجادل وتحاجج. والامتراء والمماراة، المحاججة فيما فيه مريةٌ. قيل: وأصل ذلك من: مريت الناقة: مسحت ضرعها للحلب.
قوله: ﴿أفتمارونه على ما يرى﴾ [النجم: ١٢] أي أفتجادلونه مجادلة الشاكين المتحيرين لا الكائنين على بصيرةٍ فيما تخاصمون فيه. وقرئ ﴿أفتمرونه﴾، وفسرت بالجحود، أي أفتجحدونه؟ والمراد: المجادلة، قال الشاعر: [من الطويل]
стр. 1478
١٥١٨ - وإياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاءٌ وللشر جالب
ويشهد لقراءة «تمرونه» قول الآخر: [من البسيط]
١٥١٩ - وقد مريت أخًا ما كان يمريكا
وفي الحديث: «لا تماروا في القرآن فإن مراءً فيه كفرٌ»، قال أبو عبيدٍ: ليس معنى الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل، ولكن على الاختلاف في اللفظ، وذلك أن يقرأ الرجل بشيء فيقول له آخر: ليس ذلك كذا، وقد أنزلا جميعًا، يشهد لذلك قوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» فالمماراة: أن يستخرج الرجل من مخاصمة كلامًا ومعاني من خصومةٍ وغيرها، من مريت الشاة والناقة كما تقدم أي استخرجت لبنها بمسح ضرعها. يقال: ماريت الرجل وماررته. ومنه قول الأسود: «ما فعل الذي كانت امرأته تشاره وتماره؟». وفي الحديث: «إمر الدم بما شئت» أي استخرجه، من مرى الناقة. ويروى «أمر الدم» بكسر الدم، من مار يمور: إذا سال أي أجره وأسله، وتلك مادة أخرى. وفي حديث الأحنف: «وساق معه ناقةً مريًا» أي تدر على المري.
فصل الميم والزاي
م ز ج:
قوله تعالى: ﴿كان مزاجها﴾ [الإنسان: ٥]. المزاج: ما يمزج به الشراب. وأصل المزج الخلط، منه: مزجت الماء بالعسل واللبن بالماء، وقال حسان ﵁: [من الوافر]
стр. 1479
١٥٢٠ - كأن خبيئةً من بيت رأسٍ ... يكون مزاجها عسلٌ وماء
وامتزج فلانٌ مع فلانٍ، أي خالطه بودٍ وصفا كامتزاج الماء وما يخلط به. ومزاج الإنسان: طبيعته وخلقه وصحته وسقمه.
م ز ق:
قوله تعالى: ﴿ومزقناه﴾ [سبأ: ١٩] أي قطعناهم ومزقناهم في البلاد بعد اجتماعهم في بلدةٍ طيبةٍ آمنين. يقال: مزقت الأديم، أي قطعته قطعًا.
قوله: ﴿إذا مزقتم كل ممزقٍ﴾ [سبأ: ٧] أي فرقت أوصالكم وانقطعت أجسامكم. وممزق يعني تمزيق، أي كل تمزيقٍ. ويقال على الاستعارة: مزق عرضه: إذا تناوله بما لا يليق. قال زيد الخيل رضي الله تعالى عنه: [من الوافر]
١٥٢١ - أتاني أنهم مزقون عرضي ... جحاش الكرملين لها فديد
م ز ن:
قوله تعالى: ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن﴾ [الواقعة: ٦٩]. المزن: السحاب، واحدتها مزنةٌ، قال الشاعر: [من المتقارب]
١٥٢٢ - فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقيل: السحاب المضيء، وهو أخص من السحاب، والقطعة منه مزنةٌ، ويقال للهلال الذي يبدو من خلل السحابٍ ابن مزنةٍ. وفلانٌ يتمزن، أي تكرم ويتشبه بالمزن.
ومزينة: قبيلةٌ معروفةٌ كأنه تصغير مزنة. والمازن: بيض النمل؛ اسم رجلٍ أيضًا نقل من أصله. ومنه قولهم: ماز رأسك والسيف، يريدون: يا مازن ق رأسك، فرخموا.
والمزني المشهور رضي الله تعالى عنه نسبةً إلى مزن. ومزن جمع مزنةٍ نحو غرفة وغرف. ومزنت فلانًا: شبهته بالمزن.
стр. 1480
فصل الميم والسين
م س ح:
قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦] أي الصقوا المسح برؤوسكم. وأصل المسح: إمرار اليد على الشيء وإزالة الأثر عنه، وقد يستعمل في كل واحدٍ منهما، يقال: مسحت يدي بالمنديل.
قوله تعالى: ﴿فطفق مسحًا بالسوق﴾ [ص: ٣٣] أي ضربًا بالسيف وهو مستعارٌ؛ يقال: مسحته بالسيف كما مستته به؛ يكنى بذلك عن الضرب. يقال إنه ﵇ كشف عراقيبها وأعناقها بالسيف غضبًا لله تعالى، وكان ذلك مباحًا في شرعه في قصةٍ مذكورةٍ في التفسير. ويقال: بل يوضح على حقيقته وأنه ﵊ كان يمسح بيده على نواصيها وأعراقها حنوًا عليها.
قوله: ﴿إنما المسيح عيسى﴾ [النساء: ١٧١] سمي بذلك مسيحًا، قيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا عوفي. وقيل: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها بالسير. يقال: مسحت الأرض: إذا ذرعتها أو سرت فيها، وكذا كان ﵇ يسيح فيها؛ فهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: لأن زكريا ﵇ مسح عليه، وقيل: لأنه المسيح ضد المسيخ بالخاء المعجمة قال أبو الهيثم: يقال: مسحه الله بالمهملة خلقه حسنًا مباركًا، ومسخه بالمعجمة أي خلقه خلقًا ملعونًا قبيحًا. وفي التفسير بشاعةٌ فظيعةٌ. وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصديق. وقال أبو عبيدٍ: أصله بالعبرانية (ماشيحا) فعرب كما عرب موسى. وقيل: كان بالعبرانية (مشوحًا) فعرب. وقيل: لأنه كان في زمان قومٍ يقال لهم المشاؤون والمساحون، أي السائحون في الدنيا؛ سمي بذلك لذهابه في الأرض، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن. وقال الراغب: قال بعضهم: المسيح هو الذي مسحت إحدى عينيه، وقد روي أن الدجال ممسوح اليمنى وأن عيسى كان ممسوح اليسرى.
стр. 1481
قال: ويعني بأن الدجال قد مسحت عنه القوة المحمودة من العلم والعقل والحلم والأخلاق الجميلة، وأن عيسى قد مسحت عنه القوة الذميمة من الجهل والشره والحرص وسائر الأخلاق الذميمة قلت: لا ينبغي بل لا يجوز اعتقاد مسح العين في عيسى ﵇ لأنه عاهةٌ، فإن قلت: فأيوب قد ابتلي أجيب بأنه قد عوفي، فإن قيل: فشعيبٌ قد أعمي فعلى تقدير صحته ليس هو في البشاعة كالعور. وأما الدجال فسمي مسيحًا لمسح عينه اليمنى، ومنه الحديث: «أعور عينه». وقيل: لأنه يمسح الأرض فيقطعها من المشرق إلى المغرب، وقيل: مسح شق وجهه، ففي الحديث: «أنه لا عين له ولا حاجب» نقله الراغب. وقيل: لأنه كان يلبس المسوح، والمسوح جمع مسحٍ وهو ما اتخذ من الشعر، ويجمع أيضًا على أمساحٍ نحو: حمل وأحمال وحمول.
وكثر إطلاق المسح في لسان المشترعة على إمرار اليد بالماء غسلًا كان أو مسحًا، ومنه: «تمسح للصلاة». وعليه قوله: ﴿وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] قال أبو زيدٍ الأنصاري: السمح في كلام العرب يكون غسلًا ويكون مسحًا، قلت: وعلى هذا يكون من استعمال المشترك. في معنييه، فإنه بالنسبة إلى الرؤوس مسحٌ وإلى الأرجل غسلٌ.
وكني بالمسح عن الجماع كما كني عنه بالمس واللمس.
ودرهمٌ مسيحٌ، أي أطلس لا نقش عليه. ومكانٌ أمسح، أي أملس لا نبات به. وفي صفته ﵊: «كان مسيح القدمين» أي أنهما ملساوان لا وسخ عليهما ولا شقوق فيهما ولا تكسر، إذا أصابهما الماء نبا عنهما، وقيل: بل غارمان من اللحم يعني: قليلٌ لحمهما، وهو صفة حسنٍ في القديم. وفي الحديث: «على وجهه مسحة ملكٍ» والعرب تقول: على وجه فلانٍ مسحة جمالٍ، قال الشاعر: [من الطويل]
١٥٢٣ - على وجه مي مسحةٌ من ملاحةٍ ... ومن تحتٍ ذالك الخزي لو كان باديًا
والتمساح: حيوانٌ في البحر وليس لنا مثال تفعالٍ إلا هو وتمثالٌ والباقي.
стр. 1482
م س خ:
قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ [يس: ٦٧] المسخ: تشويه الخُلُق والخَلْق وتحويلهما من صورةٍ إلى صورةٍ. قال بعض الحكماء: المسخ ضربان؛ ضربٌ يحصل في بعض الأزمان دون بعضٍ وهو مسخ الخلق وتحويل الصور. وهذا كما مسخ الله طائفةً من اليهود فجعل شبابهم قردة وشيوخهم خنازير. ومنه قوله تعالى: ﴿وجعل منهم القردة والخنازير﴾ [المائدة: ٦٠] وقال: ﴿فقلنا لهم كونوا قردةً﴾ [البقرة: ٦٥]. والمنقول أن هؤلاء لم يتناسلوا ولم يعيشوا إلا ثلاثًا عن ابن عباسٍ. وضربٌ يحصل في كل زمانٍ وهو تغيير الخلق، وذلك أن يصير الإنسان متخلقًا بخلقٍ ذميمٍ من أخلاق بعض الحيوانات، كأنه يصير في شدة الحرص كالكلب، وفي شدة الشره كالخنزير، وفي شدة الغمارة كالثور، وفي شدة البلادة كالحمار، قال الراغب: قوله: ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ يتضمن الأمرين وإن كان الأول أظهر، يعني تحويل الصورة إلى صورةٍ أخرى.
والمسيخ من الطعام: ما لا طعم له. ومسخت الناقة: أنضيتها حتى أزلت خلقتها عن حالها، قال الشاعر: [من المتقارب]
١٥٢٤ - وأنت مسيخٌ كلحم الحوار
والماسخي: القواس، وأصله أن رجلًا كان منسوبًا إلى ماسخة قبيلةٍ معروفةٍ تعمل القصي، فسمي كل قواسٍ باسمه، كما قيل لكل حدادٍ هالكي.
م س د:
قوله تعالى: ﴿في جيدها حبلٌ من مسدٍ﴾ [المسد: ٥] أي ليفٌ، وقيل: ليفٌ يتخذ من ليف النخل فيمسد، أي يفتل ومنه امرأةٌ ممسودةٌ، أي مطوية الخلق غير مفاضةٍ
стр. 1483
ولارهلةٍ، كأنما فتل جسدها بالشحم. والمسد: الحبل من أي شيءٍ اتخذ، قال الشاعر: [من الرجز]
١٥٢٥ - يا رب عيسى لا تبارك في أحد ... في قائمٍ منهم ولا في من قعد
إلا الذين قاموا بأطراف المسد
والمسد يحتمل أن يكون مكانًا، وعن ابن عباسٍ: عني بالمسد هنا في الآية السلسلة التي ذكرها في قوله تعالى: ﴿ذرعها سبعون ذراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] أي أنها تسلك فيها.
م س س:
قوله تعالى: ﴿إذا مسهم طائفٌ﴾ [الأعراف: ٢٠١] أي ألم بهم. والمس: مباشرة الجسم، والمس كاللمس، وقد تقدم أن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد، وإليه نحا الشاعر في قوله [من مجزوء الوافر]
١٥٢٦ - وألمسه فلا أجده
والمس يقال فيما يكون منه إدراكٌ بحاسة اللمس، وفي كتاب الراغب: بحاسة السمع، وأظنه غلطًا عليه.
ويكنى به عن الجماع كالمباشرة والملامسة، قال تعالى: ﴿من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقرئ ﴿تماسهن﴾ والمفاعلة ظاهرةٌ فيه. ويكنى به عن الجنوهن لأن الشيطان يمس المجنون، قال تعالى: ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال: به مسٌ ولمسٌ ولممٌ وطيفٌ وطائفٌ، وقد مس فهو ممسوسٌ.
والمس يقال في كل ما ينال الإنسان من شرٍ كقوله تعالى: ﴿مستهم البأساء والضراء﴾ [البقرة: ٢١٤]. وعندي أن فيه مبالغةً من حيث إنه جعل البأساء كالجسم
стр. 1484
الماس لهم. ومثله قوله تعالى: ﴿ذوقوا مس سقرٍ﴾ [القمر: ٤٨] قال الأخفش: جعل المس يذاق كما يقال: كيف وجدت طعم الضرب؟
ومس الحمى: أول ما ينال منها.
قوله: ﴿أن تقول لا مساس﴾ [طه: ٩٧] أي مماسة؛ كان السامري يقولها فلا يقربه أحدٌ عقوبةً لها حتى صار وحشيًا.
م س ك:
قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا﴾ [البقرة: ٢٣١] الإمساك هنا المنع، وأصل الإمساك التعلق بالشيء وحفظه، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض إن تزولا﴾ [فاطر: ٤١].
قوله: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي تعلق بها. قوله: ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك﴾ [الزخرف: ٤٣] أي تحر الإمساك.
قوله: ﴿هل هن ممسكات رحمته﴾ [الزمر: ٣٨] أي مانعاتٌ. قوله: ﴿لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي بخلتم، والإمساك كنايةٌ عن البخل، لأن من بخل فقد منع ما عنده وحفظه وتعلق به.
قوله تعالى: ﴿الذين يمسكون بالكتاب﴾ [الأعراف: ١٧٠] أي يتمسكون به؛ يقال: مسك بالشيء وأمسك وتمسك وامتسك واستمسك بمعنى، قال زهيرٌ: [من البسيط]
١٤٢٧ - بأي حبل جوارٍ كنت امتسك؟
قول: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ [الممتحنة: ١٠] قرئ بالتشديد
стр. 1485
والتخفيف، أي خلواً سبيلهن.
والمسكة من الطعام والشراب: ما يمسك به الرمق.
والمسك بالفتح الذبل المشدود على المعصم، والمسك أيضًا الجلد الممسك للبدن. والمسك: الطيب المعروف؛ قال تعالى: ﴿ختامه مسكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] أي منقطعه رائحة المسك لأنه يمسك قوة النفس. وفي الحديث: «خذي فرصةً ممسكة»، قيل: مطيبة بالمسك، وقيل: من التمسك باليد. وقال القتيبي: محتملةٌ أي تحتملينها معك. وفي الحديث: «نهى عن بيع المسكان» بضم الميم وكسرها، قيل: المسكان: العربان وهو العربون. وفي صفته ﵊: «بادنٌ متماسكٌ» أي بعض أعضائه يمسك بعضًا؛ وصف بالقوة ﷺ .
م س ي:
قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون﴾ [الروم: ١٧] أي تدخلون في المساء، وهو الزوال إلى الصبح، ولذلك استدل بها بعضهم على الصلوات الخمس. فقوله: ﴿تمسون﴾ شمل صلاة العصر والمغرب والعشاء و ﴿وتصبحون﴾ [الروم: ١٧] الصبح و ﴿وتظهرون﴾ [الروم: ١٨] الظهر، وقيل: المساء من الغروب. والمسي والصبح: المساء والصباح، قال الشاعر: [من المنسرح]
١٥٢٨ - والمسي والصبح لا فلاح معه
أي لا بقاء.
وأمسىى: فعلٌ ناقصٌ مثل كان، يدل على اقتران مضمون الجملة بزمن المساء، قال النابغة: [من البسيط]
стр. 1486
١٥٢٩ - أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى علي لبد
وتكون تامةً بمعنى دخل في المساء كما تقدم في الآية الكريمة. وتكون بمعنى صار. وقوله ﵊: «أمسينا وأمسى الملك لله» أي دخلنا المساء.
فصل الميم والشين
م ش ج:
قوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أي أخلاطٍ لأنه خلق من ماء الرجل والمرأة جميعًا. ومثله: ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق: ٧] أي من صلب الأب وترائب الأم، قال يعقوب: هي أخلاط النطفة لأنها ممتزجةٌ من أنواعٍ تولد الإنسان منها ذات طبائع، الواحدة: مشجٌ ومشيجٌ، وفي صفة المولود: «المولود يكون مشيجًا أربعين ليلةً». ويقال: عليها أمشاجٌ من غيمٍ، أي أخلاطٌ. وقيل: ذلك عبارةٌ عما جعل الله تعالى من القوى المختلفة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طينٍ ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣] الآية
م ش ي:
قوله تعالى: ﴿أفمن يمشي مكبًا على وجهه﴾ [الملك: ٢٢] ضرب ذلك مثلًا لمن هو على الهدى، ومن هو على الضلالة. وأصل المشي الانتقال من مكانٍ إلى مكانٍ بإرادةٍ واختيارٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربعٍ﴾ [النور: ٤٥]. ويعبر بذلك على النميمةٍ والوقيعة، كما يعبر عنها بالسعي، ومنه قوله تعالى: ﴿همازٍ مشاءٍ بنميمٍ﴾ [القلم: ١١].
قول: ﴿أن أمشوا واصبروا﴾ [ص: ٦] يجوز أن يكون على بابه، والمراد: اسعوا
стр. 1487
في مصالحكم. وقيل: دبروا أمركم. وهو لازمٌ لأن من دبر أمرًا مشى فيه وسعى.
ويكنى المشي عن شرب المسهل؛ يقال: شربت مشوًا ومشيًا.
وقيل: الماشية للنعم؛ الإبل والبقر والغنم لكثرة ذلك منها. ومشى الرجلٌ وأمشى كثرت ماشيته، قال الشاعر: [من الزجر]
١٥٣٠ - والشاة لا تمشي مع الهملع
أي هذا الجنس لا يكثر ولا ينبح على الذئب، والهملع: الذئب، أي متى أكلها فنيت. ومشت المرأة فهي ماشيةٌ، أي كثرت، وهي كنايةٌ عن كثرة الأولاد.
فصل الميم والصاد
م ص ر:
قوله تعالى: ﴿ادخلوا مصر﴾ [يوسف: ٩٩] هي هذا البلد المعروف، ولذلك منعت من الصرف بخلاف ﴿اهبطوا مصرًا﴾ [البقرة: ٦١] إذا المراد مصرًا من الأمصار ولذلك صرفت. وقيل: هي بلدٌ بعينه، وإنما صرف لخفة لفظه نحو هندٍ وليس بصحيح لأنه أعجمي، فهو كماهٍ وجورٍ. ولذلك قال بعضهم إنه معربٌ من مصراييم. وقيل: بل هو عربي الوضع. فالمصر: اسم كل بلدٍ ممصورٍ أي محدودٌ، ويقال: مصرت مصرًا أي بنيته. والمصر: الحد. وفي شروط هجر: اشترى فلانٌ الدار بمصورها، أي بحدودها، وأنشد: [من البسيط]
١٥٣١ - وجاعل الشمس مصرًا لا خفاء به ... بن النهار وبين الليل قد فصلا
والماصر: الحاجر بين الماءين. ومصرت الناقة: إذا جمعت أطراف أصابعك على
стр. 1488
ضرعها فحلبتها. وعليه قالوا: لهم غلةٌ يتمصرونها، أي يحلبون منها قليلًا قليلًا. وناقةٌ ممصورة: جامعةٌ للبن لا تسمح بمثله. وثوبٌ ممصرٌ: مشبع الصبغ. ومن كلام الحسن: «لا بأس بكسب ما لم يمصر ولم يبسر» أي يحتلب بأصبعيه ويبسر على الشاة قبل وقتها.
والمصير: المعى، جمعه مُصْرانٌ ومِصرانٌ، وجمع الجمع مصارين، وقيل: ميمه مزيدةٌ، لأنه من صار يصير لأن الطعام يصير إليه ويستقر فيه، فالمصير وزنه مفعولٌ نحو مبيع.
وفي حديث عيسى: «ينزل بين ممصرتين». الممصرة من الثياب: التي فيها صفرةٌ خفيفةٌ. وفي حديث زيادٍ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يقطع بها ذنب عنزٍ مصورٍ» المصور من الشاة خاصةً: المنقطعة اللبن؛ سميت بذلك لأن لبنها يتمصر قليلًا، والجمع: مصائر. والمصر والفطر: الحلب بأصبعين أو ثلاثةٍ.
فصل الميم والضاد
م ض غ:
قوله تعالى: ﴿ثم من مضغةٍ﴾ [الحج: ٥] المضغة من اللحم: قدر ما يمضغ، كالغرفة: قدر ما يغترف، واللقمة قدر ما يؤكل ويلقم، والجمع مضغٌ. ويقال لها: المضيغة، والجمع المضائغ. وجعلت المضغة اسمًا للحالة التي ينتهي إليها الجنين بعد العلقة.
والمضاغة: ما يبقى من المضغ في الفم. والماضغان: الشدقان لأنهما آلته. والمضائغ أيضًا العقبات التي على طرفي سية القوس، الواحدة مضيغةٌ.
م ض ي:
قوله تعالى: ﴿وامضوا حيث تؤمرون﴾ [الحجر: ٦٥] أي اذهبوا بسرعةٍ؛ يقال:
стр. 1489
مضى في حاجتي مضيًا ومضاءً: إذا نفذ وأسرع، ويكون ذلك في الأعيان والمعاني، ويقال: مضى الزمان ومضى شأن فلانٍ، قال الشاعر: [من الكامل]
١٥٣٢ - اليوم أعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس
فصل الميم والطاء
م ط ر:
قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا﴾ [الأعراف: ٨٤] المطر: الماء المنسكب من السماء. ويقال: يومٌ ماطرٌ، ومطيرٌ وممطرٌ، على المبالغة. وجاء في التفسير: إن «أمطرنا» في العذاب، و «مطرنا» في الرحمة. قال الهروي: وأما لغة العرب فيقال: مطرت السماء وأمطرت.
وقال الراغب: إن «مطر» يقال في الخير، و «أمطر» في الشر، قال تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم حجارةً﴾ [هود: ٨٢]. ومطر وتمطر: ذهب في الأرض ذهاب المطر. وفرسٌ متمطرٌ؛ أي سريعٌ كالمطر. والمستمطر: طالب المطر. ويقال: ماطرين منه، وماطرت منه، بشر. ومطرٌ: علمٌ لرجلٍ مشهور. ومنه قوله: [من الوافر]
١٥٣٣ - سلام الله يا مطرٌ عليها ... وليس عليك، يا مطر، السلام
م ط و:
قوله تعالى: ﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى﴾ [القيامة: ٣٣] أي يتبختر. وأصله من: مد مطاه: إذا تبخر وتكسر في مشيه. وهو نهى عنه.
والمطا: الظهر. ومنه المطية لما يركب مطاه، أي ظهره. وغلب في الإبل. وامتطيته: ركبت مطاه. وقال ابن عرفة: يتمطى: يمد أعضاءه. وهو التمطي والمطاء. وأنشد للراجز: [من الرجز]
стр. 1490
١٥٣٤ - شممتها إذ كرهت شميمي ... وهي تمطى كتمطي المحموم
ويقال: إن الأصل يتمطط، فكره توالي الأمثال؛ فأبدل الثالث حرف علة. كقوله: [من الرجز]
١٥٣٥ - تقضي البازي إذا البازي انكسر
وقصيت أظفاري، وتطبيت. يقال: مطوت، ومططت، ومددت؛ كل بمعنى. وكل شيءٍ مددته فقط مطوته. وفي الحديث؛ «أن أبا بكرٍ مر ببلالٍ، وقد مطي في الشمس» أي مد. وفي الحديث: «إذا مشت أمتي المطيطاء» أي يتبخترون مادي أيديهم. كذا فسره أبو عبيد.
والمطو: الصاحب المعتمد عليه. وتسميته بذلك كتسميته بالظهر. وقد أدخله الهروي في مادة «م ط ي». والصواب أن يدخله في مادة «م ط و» لقولهم: مطوت. والمطا يكتب بالألف، ولا تمال ألفه.
فصل الميم والعين
م ع ر:
قوله تعالى: ﴿فتصيبكم منهم معرةٌ﴾ [الفتح: ٢٥] والمعنى: لولا رجالٌ ونساءٌ آمنوا بمكة لم تعلموهم، فتقتلوهم فتصيبكم منهم معرةٌ من جهة الدية، ومن جهة ملامة العرب والكفار، يقولون قد قتلوا إخوانهم المؤمنين لفعلنا ذلك. وقال الليث: معرة الجيش أن تنزلوا بقومٍ فتصيبوا من زروعهم وثمارهم. ومنه قول عمر ﵁: «اللهم أبرأ إليك من معرة الجيش» وهذه اللفظة أدخلها الهروي هنا لأنه جعل أصلها من معرة الرأس وهو قلة الشعر. ومنه المعر والزمر، أي القليل شعر الرأس، وهو عيبٌ. وفي الحديث:
стр. 1491
«ما أمعر حاجٌ قط» أي ما افتقر. قال الهروي: وأصله من معر الرأس. وأما عرة فجعل الميم زائدة من العر، والعر هو الجرب الذي يعرض للبدن، ثم سميت كل مضرةٍ معرةً. وقد تقدم تحقيق هذا في باب العين فأغنى عن إعادته هنا.
م ع ز:
قوله تعالى: ﴿ومن المعز اثنين﴾ المعز: جنسٌ من الغنم معروفٌ، وجمعه معيز ومعزى وأمعوزٌ، قال امرؤ القيس: [من الوافر]
١٥٣٦ - ألا إن لم يكن إبلٌ فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي
وقال أيضًا: [من الوافر]
١٥٣٧ - ويمنعها بنو شمجى بن جرمٍ ... معيزهم حنانك ذا الحنان
وأنشد أبو زيد: [من الكامل]
١٥٣٨ - كالتيس في أمعوزة المتزبل
ويقال: معزٌ -بالسكون -أيضًا، وقد قرئ بهما، كما يقال في جماعة الضأن ضئينٌ وضأنٌ.
وقيل: المَعْزُ والمَعَزُ جمعان لماعزٍ، نحو: تاجرٍ وتجر، وخادم وخدم.
والأمعز والمعزاء: المكان الغليظ، قال الشاعر: [من البسيط]
١٥٣٩ - ولى ليطلبه بالأمعز الخرب
وقال آخر: واستمعز فلانٌ في أمره: جد فيه. ورجلٌ ماعزٌ: معصوب الخلق. وفي حديث عمر: «تمعززوا واخشوشنوا» أي كونوا أشد صبرًا من المعز، وهو الشدة.
стр. 1492
م ع:
قوله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣] مع: ظرف مكانٍ، والاستدلال على ظرفيتها قلقٌ، وكونها مكانًا لقولهم: زيدٌ مع عمرٍو. ولو كانت زمانًا لما أخبر بها عن الجثث. وزعم بعضهم أنها مسكنة العين حرف جر إجماعًا، وهو فاسدٌ. ونص سيبويه على أن تسكينها ضرورةٌ، وأنشد: [من الوافر]
١٥٤٠ - وريشي منكم وهواي معكم ... وإن كانت زيارتكم لماما
وتقطع عن الإضافة فيكثر انتصابها حالًا، نحو: جاؤوا معًا. وهو فرقٌ بين قولك: جاء الزيدان معًا أو جميعًا، في حكايةٍ بين ثعلبٍ وابن قادمٍ ذكرتها في غير هذا، وهل هي من باب المقصور أو المنقوص، وتظهر فائدته في التسمية بها؛ فعلى الأول يقال: جاء معًا، ومررت بمعًا، وعلى الثاني يقال: جاء معٌ ومررت بمعٍ، كيدٍ ودمٍ. وقد حققت الكلام في ذلك بموضع هو أليق به، وحيث جاء ﴿والله مع الصابرين﴾ [البقرة: ٢٤٩] ونحوه فالمراد الصحبة بالمعونة والإثابة. وقال الراغب: مع يقتضي الاجتماع إما في المكان نحو: هما معًا في الدار، أو في الزمان نحو: ولدا معًا، أو في المعنى كالمتضايفين نحو: الأخ والأبد؛ فإن أحدهما صار أخًا في حال ما صار الآخر أخاه، وإما في الشرف والرتبة، نحو: هما في العلو معًا. ويقتضي معنى النصرة، وأن المضاف إليه لفظ مع هو المنصور نحو قوله تعالى: ﴿إن الله معنا﴾ [التوبة: ٤٠]
ورجلٌ إمعةٌ، أي يقول لكل واحدٍ: أنا معك. وفي كلام ابن عباسٍ: «كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا ولا تكن إمعةً فتهلك» قيل: هو البطال.
والمعمعة: صوت الحريق، وصوت الشجعان في الحرب. والمعمعان: شدة الحرب.
стр. 1493
م ع ن:
قوله تعالى: ﴿يطاف عليهم بكأسٍ من معينٍ﴾ [الصافات: ٤٥] قيل: هو من قولهم: معن الماء، أي جرى فهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، يقال: معن الماء وأمعن: إذا جرى وسال. وأنشد لعبيد بن الأبرص: [من مجزوء البسيط]
١٥٤١ - واهيةٌ أو معينٌ ممعنٌ ... أو هضبةٌ دونها لهوب
وأمعن الفرس: تباعد في عدوه تباعد الماء في جريانه. وأمعن في حاجتي: إذا بالغ. وفتش في أمرها، وأمعن بحقي: إذا ذهب به. وسميت مجاري الماء: معنانٌ، وقيل: قوله: ﴿بماءٍ معينٍ﴾ [الملك: ٣٠] أي ظاهر يرى بالعين، فميمه زائدة.
قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون: ٧] قال قطربٌ: ماعونٌ: فاعولٌ من المعن، وهو المعروف، وأنشد للنمر بن تولبٍ: [من الوافر]
١٥٤٢ - ولا ضيعته فألام فيه ... فإن ضياع مالك غير معن
وقال بعض الأعرب: الماعون: الماء، وأنشد: [من الوافر]
١٥٤٣ - إذا نسمٌ من الهيف اعتراه ... يمج صبيره الماعون صبا
وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله: ﴿بماءٍ معين﴾ فعيلًا من الماعون، وهو المعروف. وقال غيره: هو من الماعون الذي هو الماء، وقد تقدم. وعن ابن عباسٍ: الماعون العارية. وقال أبو عبيدٍ: الماعون في الجاهلية: العطاء والمنفعة، وفي الإسلام الزكاة والطاعة. وأنشد للراعي: [من الكامل]
١٥٤٤ - قومٌ على الإسلام لما يمنعوا ... ما عونهم، ويضيعوا التهليلا
وقيل: الماعون هو الأشياء المتعاون بها، وهي كالمحلاب والقدر والمغرفة والفأس والمقدحة، نقل ذلك عن ابن عباسٍ أيضًا، وذلك أنها الآلة المعروفة فسميت باسمه، وفي الحديث: «فنزل عن فراشه وتمعن على بساطه» أي تذلل وتصاغر، مأخوذٌ من المعن
стр. 1494
وهو الشيء القليل: وقيل: معناه اعترف من قولهم: تمعن بحقي أي اعترف به.
وقوله: ﴿وكأس من معينٍ﴾ [الواقعة: ١٨] كقوله: ﴿بماءٍ معينٍ﴾ في احتمال الاشتقاقين المتقدمين.
م ع ي:
قوله تعالى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥] الأمعاء: جمع معىً، والمعى: المصران، التثنية ميعان، وأنشد: [من الوافر]
١٥٤٥ - ومعىً جياعا
وفي الحديث: «المؤمن يأكل في معىً واحدٍ والكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ» قال أبو عبيد: يرى أن المؤمن يسمي الله فيبارك له فيه. وقيل: ذلك في رجلٍ بعينه، وقيل هو مثل ضربه الله للمؤمن في زهده في الدنيا وقلة رغبته، وللكافر في حرصه وشرهه، ومنه قيل للحرص شؤوٌ وللرغبة لؤمٌ.
وأما المعو بالواو فالبسر إذا أرطب، الواحد معوة.
فصل الميم والقاف
م ق ت:
قوله تعالى: ﴿لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم﴾ [غافر: ١٠] المقت: أشد البغض، فهو أخص من البغض والمعنى إن مقت الله إياكم على كفركم أشد من بغضكم لأنفسكم حين يتبين لكم في الآخرة سوء عاقبتكم.
ويقال: مقته مقاتةً فهو مقيتٌ، ومقته مقتًا فهو مقيتٌ وممقوتٌ، وكانوا يسمون تزوج الرجل امرأة أبيه نكاح المقت. ويقال للرجل الذي يولد من بينهما المقتي، ويقال لذلك الزوج الضيزن.
стр. 1495
فصل الميم والكاف
م ك ث:
قوله تعالى: ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل:٢٢]. المكث: ثبات مع انتظارٍ، يقال: مكث يمكث مكثًا فهو ماكث، وقرئ بالضم، وقياسه مكيث.
م ك ر:
قوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ [الأنفال:٣٠] هذا من باب المقابلة، أي يجازيهم على مكرهم، كقوله: [من الكامل]
١٥٤٦ - قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
والمكر في الأصل إخفاء الحيلة، ومنه: جارية ممكوره البطن، أي مطوي متداخل.
قوله تعالى: ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ [يونس:٢١] أي احتيال وخداع للناس، وذلك قولهم في القرآن إنه شعر وسحر وأساطير الأولين ليصدوا غيرهم عنه.
قوله: ﴿قل الله أسرع مكرًا﴾ [يونس:٢١] أي أقدر على تحصيل المكروه لهم، قاله ابن عرفة، وقال غيره: هو قولهم: مكرنا بنو كذا، ونظيره قوله ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة:٨٢]
قوله: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ:٣٣] قيل: أضاف الحدث لظرفه الواقع فيه، أي مكر في الليل، والإضافة تكون بمعنى في. والأحسن أن تكون على المبالغة؛ جعل الظرفين ماكرين مبالغة، كقوله: [من البسيط]
١٥٤٧ - أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في بطن منحوت من الساج
стр. 1496
جعل النهار في قيد وسلسلة، والليل في صندوق، والمراد أن الأسر فعل ذلك فيهما. ومثله: نهاره صائم وليله قائم، ومثله: ﴿في يوم عاصف﴾ [إبراهيم:١٨] وقيل: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة من الحيل، وهو ضربان: محمود وهو أن يتحرى به فعل جميل، وعليه قوله تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ [فاطر:٤٣]. ومن المكر إمهال الله العبد، وتمكينه من الأعراض الدنيوية استدراجًا له. وعلى ذلك قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: ((من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله)).
م ك ك:
قوله تعالى: ﴿ببطن مكة﴾ [الفتح:٢٤] مكة هذه البلدة الشريفة المعروفة، رزقنا الله تعالى بحرمة نبيه العود إليها. قيل: اشتقاقها من مك الفصيل ضرع أمه وامتكه: إذا شرب ما فيه من اللبن؛ سميت بذلك لأنها تمك من فيها من الظلمة، أي تستأصلهم، فلا ترى فيها جبارًا إلا أخذ، ولا يقصدها سلطان بظلم إلا قصم.
وتمككت العظم: أخرجت مخه. فعبر عن الاستقصاء بالتمكك، وقال الخليل: سميت بذلك لأنها وسط الأرض كالمخ الذي هو وسط العظم وأصله. وفي الحديث: ((لا تمككوا على غرمائكم)) أي لا تلحوا عليهم إلحاحًا تضرونهم به في معايشهم فتستأصلونهم به. وقد تقدم الفرق بين مكة وبكة في باب الباء، فأغنى عن إعادته هنا.
والمكوك: كيل معروف كالأردب، وقيل: هو إناء يشرب به ويكال.
م ك ن:
قوله تعالى: ﴿مكناهم في الأرض﴾ [الأنعام:٦] أي ملكناهم وجعلناهم متمكنين من المكان الذي وليناهم إياه أي قويناهم، من تمكن فلان من كذا: إذا قدر عليه وأطاقه. وأصله من المكان. والمكان لغة هو الحاوي للشيء، وعند بعض المتكلمين أنه عرض، وهو اجتماع جنسين حاوٍ ومحوي، وذلك أن يكون سطح الجسم الحاوي محيطًا
стр. 1497
بالمحوي، فالمكان عندهم هو المناسبة بين الجسمين.
قوله تعالى: ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ [الأنعام:١٣٥]. يقال: مكان ومكانة. والمعنى: اعملوا على تمكنكم، يقال: مكانك انتظر، فهو تهديد ووعيد. ومثله قوله تعالى: ﴿مكانكم أنتم وشركاؤكم﴾ [يونس:٢٨] أي اثبتوا مكانكم وانتظروا ما يفعل بكم. وقيل: اعملوا على شاكلتكم ووجهتكم التي أنتم عليها من خير أو شر أو تهديد أيضًا، وجهتكم التي تمكنتم عند أنفسكم من العلم بها إلى عامل على جهتي. وقرئ: ((مكاناتكم)) جمعًا على اختلاف الأنواع في ذلك.
قوله تعالى: ﴿ونمكن لهم في الأرض﴾ [القصص:٦] يقال: مكنته ومكنت)) له نحو أسقيته وأسقيت له، أي جعلته متمكنًا وجعلت له مكانًا يتمكن منه وفيه، وقال ابن عرفة: التمكن: زوال المانع.
قوله: ﴿عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير:٢٠] أي قوي متمكن عند اله. يقال: فلان مكين عند أستاذه: له عنده مكانة. وفي الحديث: ((أقروا الطير في مكناتها)) قال أبو عبيد: الواحدة مكنة. قال: فاستعير ذلك للطير كما استعيرت المشافر للحبش، وإنما هي في الأصل للإبل. وقال شمر: الصحيح فيها أنها جمع المكنة بمعنى التمكن؛ يقولون: إنه لذو مكنة من السلطان أي تمكن، فالمعنى أقروها على كل مكنة ترونها عليكم، ودعوا التطير بها، قال: وهكذا، كالتبعة من التتبع والطلبة من التطلب. وقال غيرهما: معناه على أمكنتها. قال: معناه الطير الذي يزجر به، وذلك أن الرجل إذا أراد سفرًا أو غيره زجر ما يراه من الطير، فإن أخذ ذات اليمين تفاءل به ومضى لأمره، ويسمى هذا الطير السانح، وإن أخذ ذات الشمال أمسك عن أمره، ويسمى هذا الطير البارح، وهذا دخول في علم الغيب فنهي عنه، وإليه نحا من قال: [من الطويل]
١٥٤٨ - لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع
стр. 1498
ويقال: مكنت الضبة وأمكنت، أي باضت المكن. واختلف أهل التصريف في المكان، فعندهم أن ميمه أصلية على ما قدمناه، وزعم الخليل وأتباعه أنه من الكون، مفعل منه، قال: ولكثرته في الكلام أجري مجرى فعال، فقيل: تمكن نحو تمسكن وتمنزل، يعني أنه اعترض على نفسه بقولهم: تمكن فثبتت الميم في التصريف، فدل على أصالتها. فأجاب بأنه جرى مجرى ما ميمه أصلية ونظيره متمسكن ومتمنزل من السكون والنزل، وقد أتقنا ذلك في غير هذا.
م ك و:
قوله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ [الأنفال:٣٥]. المكاء: صفير الطير. يقال: مكا الطير يمكو مكاء ومكوًا: صفر. والمعنى أنه لم يكن لهم صلاة عند البيت إلا هذا، أي جعلوا هذي بدل الصلاة، كقول الآخر: [من الوافر]
١٤٤٩ - تحية بينهم ضرب وجيع
أي بدل التحية، ومثله قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة:٨٢] ذلك أنهم كانوا يأتون البيت والقرآن يتلى فيصفرون بأيديهم ويلغون كما أخبر عنهم بقوله: ﴿والغوا فيه﴾ [فصلت:٢٦] يقصدون بذلك الغلبة، وقد غلبوا وانقلبوا صاغرين. وقد نبه بقوله: ﴿إلا مكاء﴾ أن ذلك منهم جار مجرى مكاء الطير في قلة الغناء.
والمكاء: طائر. والمك: طائر معروف.
فصل الميم واللام
م ل أ:
قوله تعالى: ﴿قال الملأ﴾ [الأعراف:٦٦] الملأ: الأشراف، سموا بذلك لأنهم يملؤون القلوب هيبة والعيون جلالًة. وهو اسم جمع كالبقر، وجمع على أملاء، نحو أبناء، وقيل: سمي الرؤساء بذلك لأنهم ملأى بالرأي والعناء. والملأ جمع مليء، وقيل: الملأ: القوم يجتمعون على رأي فيملؤون القلوب هيبة. ثم أطلق على كل جماعةٍ لأنهم
стр. 1499
كانوا يتمالؤون على ما يريدون، أي يتعاونون. وقد مالأته على كذا، أي ظاهرته ووافقته عليه. قال أمير المؤمنين علي ﵁: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به)) وقال أيضًا: ((والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله)) ولقد والله صدق. ويقال: مالأته، أي صرت من ملئه وجمعه، نحو شايعته أي صرت من شيعته.
والملاءة: الزكام الذي يملأ الدماغ. والملاءة أيضًا الملحفة، وأما الملاوة بالواو فالقطعة من الزمان غير ما نحن فيه. وحكى فلانا وأملى.
قوله: ﴿ملء الأرض ذهبًا﴾ [آل عمران:٩١] ملء الشيء: مقدار ما يملؤه. ومثله: لي ملؤه عسلًا. ويقال: أعطني ملأه وملأيه وثلاثة أملائه. وفي حديث أم زرع: ((ملء كسائها وغيظ جارتها)) أي أنها بدينة تملأ كساءها وتغيظ من يحسدها.
م ل ح:
قوله تعالى: ﴿وهذا ملح أجاج﴾ [الفرقان:٥٣] الملح: الماء الذي تغير طعمه التغير المعروف وتجمد. وقد يقال ذلك وإن لم يجمد، ومنه: ﴿وهذا ملح أجاج﴾ ولا يقولون: ماء مالح إلا في لغة شاذة.
وملحت القدر: ألقيت فيها الملح. وأملحتها: أفسدتها بالملح. وسمك مليح: أي مملوح. ثم استعير من لفظ الملح الملاحة فقيل: رجل مليح، وامرأة مليحة. قيل: والملاحة راجعة إلى معنى يغمض إدراكه.
وملحت الشاة: سمطتها، ومنه حديث الحسن: ((كالشاة المملوحة)) وأنشد لأبي الطمحان: [من الطويل]
١٥٥٠ - وإني لأرجو ملحا في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبرا
стр. 1500
وقيل: الملح في البيت الحرمة والذمام، وقال المبرد: العرب تعظم أمر الملح والنار والرماد، وفي المثل: ((ملحه في ركبته)) فيه قولان، أحدهما أنه مضيع لحق الرضاع فأدنى شيء ينسيه الذمام كما أن الذي على ركبته ملح يبدده أدنى شيء. والثني أنه يضرب للسيء الخلق كما أن الملح على الركبة يتبدد من أدنى شيء.
والملح أيضًا الرضاع، ومنه قوله ﵊: ((ملحنا له)) أي أرضعنا، ومنه الحديث: ((لا تحرم الملحة والملحتان)) أي الرضعة الرضعتان. فأما الملجة بالجيم فيه المصة. وفي الحديث: ((بكبشين أملحين)) قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض، وقال الكسائي: هو الذي بياضه أكثر من سواده. وفي الحديث: ((لم يكن لحمزة إلا نمرة ملحاء))؛ البرد ذات الخطوط: سواد وبياض.
وامرأة ملاحة، أي مليحة. والملاح؛ ضرب من النبات، ومنه الحديث: ((يأكلون ملاحها ويرعون سراحها)). وأنشد لأبي النجم: [من الرجز]
١٤٥١ - فهبطت والشمس لم تترجل ... يخبطن ملاحًا كذاوي القرمل
والملاح: المخلاة، ومنه: ((جعل رأسه في ملاح وعلقه)).
م ل ق:
قوله تعالى: ﴿خشية إملاق﴾ [الإسراء:٣١] أي فقر. أملق الرجل: افتقر، وحقيقته أملق صار ذا إملاق. قال الليث: الإملاق: كثرة إنفاق المال، وقال النضر: إنه لمملق أي مفسد. وأملق يكون لازمًا ومتعديًا، يقال: أملق زيد وأملقه الدهر، وأنشد لأوس: [من الطويل]
стр. 1501
١٥٥٢ - لما رأيت العدم قيد نائلي ... وأملق ما عندي خطوب تنبل
وملق الجدي أمه: رضعها.
م ل ك:
قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة:٤] قرئ ملك ومالك في المتواتر، ملك بالسكون ومليك بالإشباع.
وملك: فعل ماض على حد قوله: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ [الأعراف:٤٤] ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل:١] واشتقاق ذلك من الملك وهو القوة والشدة، ومنه ملكت العجين أي بالغت في عجنه، يقال: ملكت العجين وأملكته. وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنه: ((أملكوا العجين)) وعن الفراء: يقال للعجين إذا كان متماسكًا متينًا مملوك ومملك، يقال: ملك العجين وأملك وملك ملكًا وإملاكًا وتمليكًا. وقد اختار كل فريق قراءة من القراءتين؛ فقال أبو عمر: والملك أبلغ من المالك في المدح، لأن الملك لا يكون إلا مالكًا، وقد يكون المالك غير ملك. قال غيره: هذه في صفة المخلوقين، فأما في صفة الخالق فهما سواء، وقال أبو العباس: الاختيار أن يكون مع اليوم مالك أي ذو ملك، ومع الناس ملك أي ذو الملك والسلطان. وقال غيره: الملك هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: ملك الناس، ولا يقال ملك الأشياء.
ورجح بعضهم قراءة ((ملك)) بقوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم﴾ [غافر:١٦]
стр. 1502
يقال: ملك بين الملك بالضم ومالك بين الملك بالكسر. والملك بالكسر ضربان: ضرب هو التملك والتولي. وملك هو القوة على ذلك، تولى أم لم يتول، فمن الأول قوله تعالى: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾ [النمل:٣٤]. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا﴾ [المائدة:٢٠]. فجعل النبوة مخصوصة والملك عامًا فيهم، وإن الملك ههنا هو القوة التي بها يترشح للسياسة، لا أنه جعلهم كلهم متولين للأمر؛ فإن ذلك مناف للحكمة، ولذلك قيل لا خير في كثرة الرؤساء. قال بعضهم: الملك اسم لكل من يملك السياسة إما في نفسه، وذلك بالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها، وإما في نفسه وفي غيره، سواء تولى ذلك أم لم يتول على تقدم.
والملك ضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم، والملك كالجنس للملك؛ فكل ملك ملك من غير عكس.
قول: ﴿ملكوت السموات والأرض﴾ [الأنعام:٧٥] هو مبالغة في الملك. وهو مصدر ملك، كالرغبوت والرهبوت والجبروت والطاغوت، وذلك مختص بالله تعالى، ومثل قوله: ﴿أو ينظروا في ملكوت السموات والأرض﴾ [الأعراف:١٨٥].
والمملكة: سلطان الملك وبقاعه التي يكمي فيها. والمملوك في المتعارف يختص بالرقيق من بين سائر الأملاك؛ قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا﴾ [النحل:٧٥]. وقد يطلق على كل ما يملك. وأصل ذلك كله من الشد والضبط، قال قيس: [من الطويل]
١٥٥٣ - ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائمًا من دونها ما وراءها
والملكة: قوة في النفس والشد. وملاك الأمر: ما يعتمد فيه عليه. والملكة: أيضًا ملك العبيد؛ فلان حسن الملكة، أي حسن الصنع إلى مماليكه، ومملوك مقر بالملوكة والملكة والملك. والإملاك: التزويج، لما فيه من قوة العقد.
стр. 1503
وقوله: ﴿ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ [طه:٨٧] قرئ بالضم والكسر. وقد ذكرت توجيه القراءات في قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ وما ترجح به كل قراءة في ((الدر المصون)) و ((البحر الزاخر في التفسير)) فأغنى عن إعادته هنا.
وقد أدخل بعضهم في هذه المادة لفظ ألك. وقد اختلف الناس فيه على ستة أقوال، أحدهما: أنه مشتق من الملك ووزنه فعل لكنه شذ جمعه على ملائكة. الثاني: أن أصله ملأك، الهمزة فيه مزيدة كشمأل، ثم خفف بنقل حركة الهمزة وحذفها، وجمعه على أصل زيادته، ويدل على ذلك النطق لهذا الأصل في قوله: [من الطويل]
١٥٥٤ - فلست لإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب
الثالث: أنه مشتق من ألك أي أرسل، يدل على ذلك قوله: [من المنسرح]
١٥٥٥ - أبلغ أبا دختنوس مألكة ... عن الذي قد يقال م الكذب
ثم قلبت العين إلى موضع الفاء وصار ملأكًا، ثم فعل به ما فعل بملاك من النقل والحدث، ووزنه معل. والرابع: أنه مشتق من لاكه يلوكه أي أداره، لأن الملك يدير الرسالة في فيه، فأصله ملوك فنقلت حركة الواو إلى اللام، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله، فقلبت الفاء وصار ملاكًا ثم خفف بحذف الألف، فوزنه أيضًا مفل بحذف العين، وأصل هذا ملاوكة بالواو فقلبت همزة، السادس: أنه لا اشتقاق له عند العرب، قاله النضر بن شميل، وقد أتقنا هذه الأقوال وتصريفها في ((الدر المصون)) وغيره.
م ل ل:
قوله تعالى: ﴿ملة إبراهيم﴾ [البقرة:١٣٠]. الملة قيل: معظم الدين، والشريعة:
стр. 1504
الحلال والحرام، قاله ابن الأعرابي، قال ابن الأعرابي: يعني بمعظم الدين ما جاء به الرسل، وقال غيرهما: الملة: الدين، وهو اسم لما شرع الله لعباده على لسان أنبيائه ليتوصلوا إلى جوار الله. والفرق بينهما وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا للنبي ﷺ الذي تسند إليه، نحو: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل:١٢٣] ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد الأمة، ولا تستعمل إلا في حملة الشرائع دون آحادها، لا يقال: ملة الله، ولا ملتي ولا ملة زيد، كما يقال: دين الله.
وأصل الملة من أمللت الكتاب. والملة أيضًا: الدية، ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه: ((ولكن نقومهم الملؤة على آبائهم خمسًا من الإبل)). وأما الملة فالرماد الحار، وقيل: الجمر، ولذلك يقال: أطعمنا خبز ملة، بالإضافة. وقل خبزه: طرحه في الملة. ومن أطلق الملة على الخبز نفسه فمتجوز، وقد خطأه الناس, والمليل: ما طرح في الملة.
وفي الحديث: ((إن الله لا يمل حتى تملوا)). الملل: الضجر من الشيء؛ يقال: مللت منه، قال الشاعر: [من الكامل]
١٤٥٦ - حتى مللت وملني عوداي
والمعنى أنه لا يمل أبدًا مللتم أم لم تملوا، نحو: لا أفعل حتى يبيض القار ويشيب الغراب ويلج الجمل في سم الخياط. والثاني: لا يطر حكم حتى تزهدوا في عمله، فسمى إطراحه لهم مللًا على المقابلة، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ وعليه قول عدي: [من الرمل]
١٥٥٧ - أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودي بالرجال
стр. 1505
سمى إهلاكه لهم لعبًا. وقيل: معناه: لا يقطع فضله عنكم. وهو قريب من الأول.
قوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ [البقرة:٢٨٢] أي ينطق بما عليه؛ يقال: أمللت عليه، وأمليت كقوله: ﴿فهي تملى عليه بكرة﴾ [الفرقان:٥] فأبدل إحدى اللامين حرف علة. وأمللته: حملته عل الملل من الشيء. والملية: حرارة يجدها الإنسان.
م ل و:
قوله تعالى: ﴿أنما نملي لهم﴾ [آل عمران:١٧٨] أي نطيل لهم المدة وندر عليه الأرزاق استدراجًا لهم، والإملاء: الإمداد، ومنه قيل للمدة الطويلة ملاوة من الدهر، وملي من الدهر. قال تعالى: ﴿واهجرني مليًا﴾ [مريم:٤٦] أي دهرًا طويلًا، وتملى بكذا: تمتع به مدة وملاوة من الزمان.
وتمليت الثوب: تنعمت به. وملاك الله: أبقاك الله متمتعًا. والملا: المفازة الممتدة. والملوان: الليل والنهار. قال بعضهم: حقيقة ذلك تكررهما وامتدادهما، قال بدليل أنهما أضيفا إليهما في قول الشاعر: [من الطويل]
١٥٥٨ - نهار وليل دائم ملواها ... على كل حال المرء يختلفان
فلو كانا الليل والنهار لما أضيفا إليهما لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه.
قوله: ﴿وأملي لهم﴾ [الأعراف:١٨٣] أي أمهلهم وأطيل مدتهم. قوله: ﴿سول لهم وأملى لهم﴾ [محمد:٢٥] أي أمهل، وقرئ أملى مبنيًا للفاعل على أن ضميره للشيطان بسبب غروره إياهم. قوله: ﴿وكأين من قرية أمليت لها﴾ [الحج:٤٨] أي أنسأت في أجلها وأمهلتها، قال أبو بكر: اشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان؛ ملوة وملاوة وملاوة. وفي المثل ((تمل حبيبًا والبس جديدًا)).
стр. 1506
فصل الميم والنون
م ن ع:
قوله تعالى: ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم﴾ [الحشر: ٢] أي ظنوا أن الحصون تحجز بينهم وبين من يريدهم. والمنع- في الأصل- الحجز بين شيئين، وهو- أيضًا- ضد العطية لأن الحاجز يحجز بين المعطي والعطية. ورجلٌ مانعٌ ورجالٌ منعةٌ نحو: كافرٍ وكفرة. والمناع: البليغ في المنع، قال تعالى: ﴿مناعٍ للخير﴾ [ق: ٢٥] ومنعه: حماه مما يؤذيه، ومنه: ﴿مانعتهم حصونهم﴾ [الحشر: ٢]. وقد منع: صار ذا منعة وهي القوة التي يحمي بها، والمنعة- بالسكون- أيضًا بمعنى المنعة. وفلانٌ منيعٌ. ومكانٌ منيعٌ، أي حصينٌ على ما يرومه. وامرأة منيعةٌ: كناية عن عفتها.
قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] قيل: ما حملك، وقيل: ما صدك وحملك على تركه؟ ومناع: اسم فعلٍ لا منع، كنزال لا نزال. والمانع من صفاته تعالى بمعنى الذي يمنع العطاء من يشاء، وقيل: الذي يحمي وينصر. وقوله ﵊: ((لا مانع لما أعطيت)) من الأول. وقولهم: مانع أوليائه، أي يحميهم وينصرهم ويحوطهم.
م ن ن:
قوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] المن: ذكر الصدقة والاستكثار عليه، وهما متلازمان. ومن ملح الكلام: طعم الآلاء أحلى من المن، وهي أمر من الآلاء عند المن، وقال الشاعر: [من الطويل].
١٥٥٩ - وإن امرؤ أهدى إلى صنيعةً ... وذكرنيها مرةً لبخيل.
وكانوا يقولون: إذا صنعتم معروفًا فانسوه. والمنة: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين، أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: من فلانٌ على فلانٍ: إذا أثقله بالنعمة الثقيلة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٦٤] وذلك
стр. 1507
على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبحٌ فيما بين الناس عند كفران النعمة، ولذلك قيل: المنة تهدم الصنيعة وتوجب القطيعة.
ويحسن ذكرها عند الكفران، ومن ثم قيل: ((إذا كفرت النعمة حسنت المنة)).
قوله تعالى: ﴿لهم أجرٌ غير ممنونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي غير مقطوعٍ، من منه أي قطعه، قيل: غير معتدٍ به، كما قيل: ﴿بغير حسابٍ﴾. وقيل: غير منقوصٍ، ومنه: المنون للمنية لأنها تنقص العدد وتقصر المدد. وقيل: إن المنية بالقول من هذا المعنى أيضًا لأنها تقطع الثواب وتقتضي قطع الشكر. وحبلٌ منينٌ، أي مقطوعٌ. وقيل: ﴿غير ممنون﴾ [فصلت: ٨] غير محسوبٍ، كقوله تعالى: ﴿يرزقون فيها بغير حساب﴾ [غافر: ٤٠].
وقال الهروي: وقيل: لا يمن عليهم بالثواب الذي استوجبوه. وهذا يشبه قول المعتزلة، ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى الوعد، فإن الله تعالى لا يخلف وعده.
قوله تعالى: ﴿وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ ﴿البقرة: ٥٧] قيل: هو الترنجبين، وقيل: هو صمغةٌ حلوةٌ تنزل على الشجرة، وقيل: هو شيءٌ كالطل فيه حلاوةٌ يسقط على الشجر، وقيل: المن والسلوى إشارةٌ إلى ما أنعم الله به عليهم، وهما شيءٌ واحدٌ، سماه منًا من حيث أنه امتن به عليهم، وسماه سلوى من حيث أنه كان لهم به التسلي.
والمن: ما يوزن به، وهو رطلان بغداديان، ويجوز إبدال نونه الأخيرة حرف علةٍ فيقال: منًا. وجمعه أمناء.
قوله تعالى: ﴿فإما منًا بعد﴾ [محمد: ٤] المن: الإطلاق بلا فداءٍ.
قوله: ﴿فامنن أو امسك﴾ [ص: ٣٩] أي انفقٍ أو لا تنفق. وسمي الإنفاق منًا لأنه عطاءٌ والعطاء سبب المن.
قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر: ٦] قيل: هو المنة بالقول، وذلك أن يمنن به ويستكثر.
стр. 1508
وقيل: معناه لا تعط شيئًا. وقال ابن عرفة: المعنى لا تمنن ما أوذيت به في جنب الله ولا تستكثر، فإنه قليلٌ في جنب الله أن يثبك به. ومن كلامهم: يا حنان، يا منان، والله تعالى يمن على عباده لأنه مبتديهم بنعمة. ومن قولهم: ((لا تتزوج حنانةً ولا منانةً))، أي من تمن عليك بمالها.
قوله: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ [الحجرات: ١٧] الآية. فالمنة منهم بقولهم: آمنا بك وصدقناك، وقد كفر غيرنا وكذبك. ومنة الله عليهم بالفعل وهو أن هداهم للإيمان بعد أن كانوا ضلالًا. ومن: مخففة تكون شرطيةً فتجزم فعلين شرطًا وجزمًا كقوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] واستفهامًا كقوله: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو استفهامٌ لفظًا نفي معنى، ولذلك وقع معه الاستثناء المفرغ وموصولة، كقوله تعالى: ﴿ومن في الأرض﴾ [المعارج: ١٤] ونكرةً موصوفة، وهي تقع تامةً أي موصولةً لا موصوفةً. وزعم الكسائي أنها تزداد، مستدلًا بقول عنترة: [من الكامل].
١٥٦٠ - يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم.
ولا دلالة، إذ المعنى يا شاة شخص ذي قنصٍ، فهي نكرةٍ موصوفة. ومن: بكسر الميم حرف جر، ولها معان كثيرةٌ: ابتداء الغاية في المكان نحو: ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]. وفي الزمان أي غلب ومنه قوله: ﴿من أول يومٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] وهو مؤول عند أصحابنا. وتكون للتبغيض ولبيان الجنس، وتحريره في غير هذا، ومزيده بلا شرطٍ أو شرطين أو بشرطٍ. وتكون فعل أمرٍ من: مان يمين أي كذب، كقوله: [من الوافر].
١٥٦١ - وألفى قولها كذبًا ومينًا.
فالأمر منه من، كبع من باع. ولا يقال أنها مترددةٌ بين الحرفية والفعلية كما قيل ذلك في عدا وخلا لما بيناه في كتبنا النحوية.
стр. 1509
ومن -بضم الميم- للقسم، قيل: هي بقية أيمن، فيقال: من الله لأفعلن كذا.
م ن ي:
قوله تعالى: ﴿من مني يمنى﴾ [القيامة: ٣٧] المني: الماء الدافق، سمي منيًا لأنه بقدر منه الحيوان. وأصل المني: القدر، يقال: منى لك الماني، أي قدر لك المقدر، وأنشد قول الشاعر: [من البسيط].
١٥٦٢ - لا تأمنن وإن أمسيت في حرمٍ ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني.
ومنه المنا الذي يوزن به لأنه مقدرٌ بكيلٍ محصورٍ.
قوله: ﴿من نطفةٍ إذا تمنى﴾ [النجم: ٤٦] أي تقدر بالعزة الإلهية والحكمة الربانية، أي تحار العقول في كيفية ذلك ما لم تكن كالعظم والشعر. ومنه المنية أيضًا لأنها أجلٌ مقدرٌ لكل حيً غير المقدر لذلك جل وعز، وجمعها المنايا، والأصل المنائي، وقد نطق به الشاعر في قوله: [من الطويل].
١٥٦٣ - فما برحت أقدامنا في مكاننا ... بليلتنا حتى أديروا المنائيا.
ومنه التمني -أيضًا- لأنه تقدير شيءٍ في النفس وتصويره فيها. وذلك قد يكون عن ظن وتخمينٍ. وقد يكون عن رؤيةٍ وبناءٍ على الأصل. ولكن لما كان أكثره عن تخمينٍ صار المكذب له أملك، فلا جرم كان غالب التمني، كذبً وتصور ما لا حقيقة له. وعليه قوله تعالى: ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ [النجم: ٢٤] ولذلك وقع في المستحيلات عكس الترجي فلا يقع إلا في الممكن، يقال: ليت شبابي يعود، وقال الشاعر: [من الكامل].
١٥٦٤ - ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى ... والشيب كان هو البدئ الأول.
وقال عروة للحجاج ((يابن المتمنية)) يشير إلى أن أمه هي القائلة: [من البسيط].
стр. 1510
١٥٦٥ - هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج؟.
وكان نصرٌ جميلًا وسيمًا تفتن به النساء، فلما سمع عمر شعرها نفاه إلى البصرة واسم هذه المرأة فريعة بنت همامٍ، وكانت قبل ذلك تحت المغيرة.
والأمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، وجمعها أماني، وعليه قوله تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة: ٧٨] أي تمنيًا على الله كقولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿نحن أبناء الله وأحبائه﴾ [المائدة: ١٨] ﴿لكم الدار الآخرة عند الله خالصةٌ﴾ [البقرة: ٩٤]. قال مجاهد: إلا كذبًا، وقال غيره: إلا تلاوةً بلا معرفة معنى تجري عند صاحبها مجرى أمنيةٍ مبنيةٍ على التخمين. قيل: ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له، وإبرازه بالفظ فقط، صار التمني كالمبدأ للكذب، فعبر به عنه، وعليه فسر مجاهد: ﴿إلا أماني﴾ إلا كذبًا، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: ((ما تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت)). وقوله تعالى: ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٨]. التمني هو التلاوة، قال الشاعر: يرثي عثمان: [من الطويل].
١٥٦٦ - تمنى كتاب الله أول ليلةٍ ... وآخرها لاقى حمام المقادر.
وقد ذكروا في التفسير والأسباب عند هذه الآية ما لا ينبغي ولا يجوز اعتقاده، وقال الراغب: قد تقدم أن التمني كما يكون في تخمينٍ وظن فقد يكون عن رؤيةٍ وبناءٍ على أصل. ولما كان النبي ﷺ كثيرًا ما يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤] سمى تلاوته على ذلك تمنيًا، ونبه أن للشيطان تسلطًا على مثله في أمنيته، وذلك من حيث بين أن العجلة من
следующие страницы →