← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من الفاعل أي باغتين، أو من المفعول أي مبغوتين، وإما على المصدر من معنى عامله كأنه أخذ بغتًة. ب غ ض: البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه. وهو ضد الحب، فإن الحب استئناس النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه. وقوله:﴾ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴿[آل عمران: ١١٨] إشارة إلى ما يظهر من أثرها على ألسنتهم حيث يتكلمون بما يدل عليها، وإلا فالبغضاء أمر معنوي محلها القلب. وقوله:﴾ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴿[المائدة: ٩١] إشارة إلى ما يحدث عند شرب الخمر من الأفعال والأقوال المؤدية إلى الإحن والشحناء وهي البغضاء. وفي الحديث: "ولا تباغضوا" يقال: أبغضته أبغضه إبغاضًا، فأنا مبغضه. وعلى هذا فالبغض اسم المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء. ونقل الراغب أنه يقال: بغض الشيء بغضًا، وبغضته بغضاء، فاقتضى ذلك أن يقال: بغضت زيدًا، ثلاثيًا متعديًا. فالبغض مصدر بنفسه. وفي الحديث: "أن الله يبغض الفاحش المتفحش" وتأويله البعد من فيضه وتوفيق إحسانه منه. ب غ ل: قال تعالى:﴾ والخيل والبغال والحمير ﴿[النحل: ٨]. والبغال: جمع بغلٍ، وهو المتولد من بين الحمار والفرس. فتارًة يكون أبوه حمارًا وأمه فرسًا، وتارًة بالعكس. وهو أقوى الحيوانين، وخص بعدم التناسل، ولقوته

стр. 177

وخبئه قيل في وصف النذل من الناس: هو بغل. ولقوته شبه به البعير في سرعة سيره، فقيل: قد تبغل البعير يتبغل تبغلاً فهو متبغل. وما أغرب ما اتفق أن وقع هذا الجنس بين الجنسين المتولد هو منهما في اللفظ. فقال:﴾ والخيل والبغال والحمير ﴿، وقدم أشرف طرفيه وهو الخيل. ب غ ي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه. وقوله تعالى:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام دينًا ﴿[آل عمران: ٨٥] هو افتعال من البغي بمعنى الطلب. وأكثر استعمال البغي في الأشياء المذمومة، لاسيما إذا أطلق نحو: زيد بغى. وقد بغى زيد على عمروٍ. وقال الراغب بعد ما ذكر أن البغي طلب تجاوزٍ في الاقتصاد: فتارًة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارًة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية. فيقال: بغيت وابتغيت أي طلبت أكثر مما يجب. وكل موضعٍ ذكر فيه البغى فلابد من معنى المجاوزة فيه، كقولهم: بغت المرأة أي تجاوزت في الفجور الحد. فقال تعالى:﴾ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿[النور: ٣٣] أي على الفجور لأنهن جاوزن ما ليس لهن. وبغى الجرح: إذا تجاوز حد الفساد: وبغت السماء: تجاوزت الحد في المطر. وبغى زيد أي أفسد، إذا تجاوز ما ليس له تجاوزه، ومنه قول ذلك:﴾ ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله ﴿[الحج: ٦٠]. وأنشد المأمون حين بغى عليه أخوه الأمين: [من البسيط] ١٧٧ - يا طالب البغي إن البغي مصرعه ... فارتع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يومًا على جبلٍ ... لا ندك منه أعاليه وأسفله وقال آخر: [من الكامل] ١٨٠ - ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم

стр. 178

وقال الراغب: "والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو يتجاوز الحق إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشبه، كما قال: "الحق بين والباطل بين وبين ذلك أمور مشتبهات" "ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه" ولأن البغي قد يكون محمودًا ومذمومًا قال تعالى:﴾ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴿[الشورى: ٤٢]، فخص العقوبة بمن بغيه بغير الحق". قال الحباني: أصل البغي الحسد، وسمي الظلم بغيًا لأن الحاسد ظالم. قلت: هو داخل في قولنا مجاوزة الحد، لأن الحاسد تجاوز ما ليس ليه. واستدل على أن البغي الحسد بقوله:﴾ إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ﴿[الشورى: ١٤]. وقيل: البغي: الاستطالة على الناس والكبر. ومنه قوله تعالى:﴾ إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ﴿[الأعراف: ٣٣]. وقوله:﴾ يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴿[يونس: ٢٣] أي وبال بغيكم راجع عليكم. وقوله:﴾ إذا هم يبغون ﴿[يونس: ٢٣] أي يفسدون. وقوله:﴾ غير باغٍ ولا عادٍ ﴿[البقرة: ١٧٣] أي غير متعد ما حد له. وقال ابن عرفة:﴾ غير باغٍ ﴿غير طالبها وهو عند غيرها.﴾ ولا عادٍ ﴿أي غير متعدٍ ما حد له. الأزهري:﴾ غير باغٍ ﴿أي غير ظالمٍ بتحليل ما حرم الله تعالى،﴾ ولا عادٍ ﴿أي غير متجاوز للقصد. مؤرج السدوسي: أي لا يبتغي فيأكله غير مضطر إليه ولا عادٍ أي لا يعدو شبعه. وقيل: غير باغٍ أي غير خارجٍ على الإمام، ولا عادٍ أي بقطع طريقٍ ونحوه، أي فهذا لا يرخص له في ذلك.

стр. 179

وقال الحسن: "غير متناولٍ للذةٍ، ولا متجاوزٍ سد الجوعة". وقال مجاهد: "غير باغٍ على إمامٍ ولا عادٍ في المعصية طريق الحق". وقيل:﴾ غير باغٍ ﴿أي غير طالبٍ ما ليس له طلبه، ولا متجاوزٍ لما رسم له. وقولهم: بغى بمعنى تكبر، راجع إلى ما قدمته، فإنه تجاوز منزلته إلى ما ليس له تجاوزه. وقد فرقوا بين بغيتك وأبغيتك، فقالوا: بغيتك أي بغيته لك، ومنه قوله تعالى:﴾ يبغونكم الفتنة ﴿[التوبة: ٤٧]. وأبغيتك: أعنتك على البغاء، أي على طلبه. "وابتغى: مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون هكذا فهو باعتبارين، أحدهما ما يكون مسخرًا للفعل نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب. والثاني بمعنى الاستئهال نحو: فلان ينبغي أن يعطي لكرمه، وعلى المعنيين جاء قوله تعالى:﴾ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴿[يس: ٦٩] أي لا يتسخر ولا يتسهل له". قال الراغب: ألا ترى أن لسانه لم يكن يجري به؟. قلت: ولذلك كان إذا تمثل بشيءٍ من الشعر أتى به على غير نظمه. كما يحكي أنه تمثل بقول طرفة فقال: [من الطويل] ١٧٩ - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار فلقنه أبو بكرٍ: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فلم يقله. وقد نقل أنه تكلم بشيءٍ على سبيل الاتفاق، وقد أتقنا هذه المسألة - وخلاف الناس في أنه هل كان مصروفًا عن ذلك بطبعه، أو كان في قدرته ولكن لم يقله - في كتابنا "التفسير الكبير". وابتغى: افتعلٍ من البغي. وقد غلب اختصاصها للاجتهاد في الطلب؛ فإن كان ذلك المطلوب محمودًا فابتغاؤه كذلك وكذا عكسه. فقوله:﴾ ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها ﴿[الإسراء: ٢٨] محمود. وقوله:﴾ لقد ابتغوا الفتنة من قبل ﴿[التوبة: ٤٨] مذموم. وقولهم: ما أنبغي لك، وما أبتغي لك كذا، أي ما يصلح ولا يتسهل.

стр. 180

وقوله ﵇: "لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله". قال الكسائي: هو من البغي. فقلت: ومعناه هيجان الدم. ويجمع باغٍ على بغاةٍ وهو قياسه، كعارٍ وعراةٍ، ورامٍ ورماةٍ، وعلى بغيان. وفي الحديث: "فانطلقوا بغيانًا"، وذلك نحو راعٍ ورعيان، والأول هو القياس: قال: [من الوافر] ١٨٠ - وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق فصل الباء والقاف ب ق ر: ﴾ البقر ﴿[البقرة: ٧٠]: اسم جنس واحده بقرة، فيطلق على الذكر زالأنثى، فيقال: بقرة ذكر وبقرة أنثى، لكن استغني عن ذلك بقولهم: ثور. وجمعه باقر كحاملٍ في حملٍ. وقرئ:﴾ إن الباقر ﴿كحاملٍ وبقيرًا كحليمٍ. وقيل: بيقور، اشتق من لفظه فعل لما يحدثه هو، فقيل: بقر الأرض أي شقها بحرثه إياها يبقرها بقرًا. ثم قيل ذلك في كل شق متسعٍ فقيل: بقرت بطن فلانٍ أي شققته شقًا متسعًا. وبقر فلان في الأرض: إذا اتسع في سفره، فقطع أرضًا بعد أرضٍ. وسمي محمد بن علي ﵄ بالباقر لاتساعه في دقائق العلم وشقًه بواطنها فضلاً عن ظواهرها. وبيقر الرجل في المال وفي سيره: اتسع فيهما. والبيقران: نبت يسرع شقه الأرض بعروقه وبخروجه منها. وفي حديث عثمان "إنها باقرة كداء البطن" أراد أنها مفسدة للدين، مفرقة للناس. وشبهها بداء البطن لأنها لا تدري ما هاجها، ولا كيف يتأتى لها. وفي حديث ابن عباسٍ في شأن الهدهد: "فبقر الأرض" أي فشقها ببصره حتى رأى الماء. وهذا معنى

стр. 181

قول شمر: نظر موضع الماء فرأى الماء تحت الأرض. ب ق ع: ﴾ البقعة ﴿[القصص: ٣٠]: الموضع الخاص. قال الليث: هي قطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها. ولذلك يقال فيمن فيه سواد وبياض: أبقع، وهو جنس منه. ولذلك قال الفقهاء: "الغراب الأبقع". ومن ذلك الحديث: "يوشك أن يستعمل عليكم بقعان الشام". قيل: سبايا الروم ومماليكهم. قيل ذلك لاختلاط ألوانهم بياض وصفرة. وغلط القتيبي هذا وقال: إن العرب تنكح نساء الروم فينسلون، فتملك أولادهم وهم البقعان لأن فيهم من سواد العرب وبياض الروم. ورجل باقعة: إذا كان ذا هيبةٍ. واصله أنه اسم لطائرٍ في غاية الحذر، إذا شرب نظر يمنًة ويسرًة. وفي حديث القبائل أن عليًا قال لأبي بكرٍ: "لقد عثرت من الأئمة على باقعةٍ" وفي حديثٍ آخر: "ففاتحته فإذا هو باقعة". ثم استعملت البقعة في مطلق المكان وإن لم يكن فيه مخالفة لما إلى جنبه. وفيها لغتان: بقعة وبقعة بالضم والفتح، فمن ضمها جمع على بقعٍ كغرفٍ، ومن فتحها جمعها على بقاعٍ كجفانٍ. ب ق ل: قال تعالى:﴾ من بقلها ﴿[البقرة: ٦١]. والبقل: ما لا ينبت أصله وفرعه في الشتاء. وقيل: البقل ما لا ساق له، خلاف الشجر. واستعير منه بقل: أعشب. قال: [من الوافر]

стр. 182

١٨١ - فلا ديمة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها ويقال: بقل وبقول وهي الخضروات. قال: [من الرجز] ١٨٢ - جارية لم تأكل المرفقا ... ولم تذق من البقول الفستقا قيل: من بمعنى بدل، أي بدل البقول. وقيل: البيت مصحف، وإنما هي النقول بالنون جمع نقلٍ، وأظن هذا هو التصحيف. وقيل إن الشاعر غلط فزعم أن الفستق من جملة البقول. ب ق ي: البقاء: الدوام. والبقاء المطلق لا يقال إلا للباري تعالى، قال تعالى:﴾ ويبقى وجه ربك ﴿[الرحمن: ٢٧]. والبقاء: عدم الفناء. وقيل: البقاء ثبات الشيء على الحالة الأولى وقسم الراغب الباقي إلى باقٍ بنفسه لا إلى مدةٍ وهو الباري تعالى، ولا يصح عليه الفناء. وإلى باقٍ بالله تعالى وهو ضربان: باقٍ بشخصه إلى أن يفنيه الله كبقاء الأجرام السماوية. وباقٍ بنوعه وجنسه دون شخصه وجرمه كالإنسان والحيوان. وكذا في الآخرة باقٍ بنوعه وشخضه كاهل الجنة، فإنهم يبقون على التأبيد لا إلى مدةٍ. وباق بنوعه وجنسه كما روي عنه ﵊: "إن ثمار الجنة يقطفها أهلها فيأكلونها ثم تخلف مكانها مثلها". قال: ولكون ما في الآخرة دائمًا قال تعالى:﴾ وما عند الله خير وأبقى ﴿[القصص: ٦٠]. قوله:﴾ والباقيات الصالحات ﴿[الكهف: ٤٦] أي ما يبقى ثوابه من الأعمال، وفسرت بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وبالصلوات الخمس. وقيل: الصحيح أنها كل عبادةٍ يقصد بها وجه الله وطاعته، ولذلك قال: ﴿بقية الله

стр. 183

خير لكم﴾ [هود: ٨٦] فأضافها لنفسه الكريمة. وقيل: معنى﴾ بقية الله ﴿ما أبقي من الحلال خير لكم. وقال مجاهد. طاعة الله خير لكم. وقال الهروي: يجوز أن يكون الحال التي يبقى معها الخير خيرٌ لكم. قوله:﴾ فهل ترى لهم من باقيةٍ ﴿[الحاقة: ٨] يجوز أن يكون التقدير: من طائفةٍ باقية أو من فعلةٍ باقيةٍ، وقيل: بمعنى بقيةٍ، وقيل: هي مصدر، والمصادر قد جاءت على فاعلةٍ نحو العاقبة، وعلى مفعولٍ نحو الميسور، والأول أصح التقادير لظهور معناه. قوله:﴾ فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقيةٍ ينهون عن الفساد في الأرض ﴿[هود: ١١٦]، قال ابن عرفة: أي أولو تمييزٍ وأولو طاعةٍ. يقال: إنه لذو بقية أي فيه خير والمعنى: هلا كان من أهل الخير من ينهى عن الفساد؟. قال: قال الأزهري: البقية اسم من الإبقاء، كأنه قيل: هلا كان أولو إبقاءٍ على أنفسهم لتمسكهم بالدين المرضي؟ وقال ابن عرفة: "أولو بقيةٍ" أي فضلٍ مما يمدح به. وقال القتيبي: قولهم: لهم بقية أي مسكة، وفيهم خير. وقوله:﴾ وبقية مما ترك آل موسى ﴿[البقرة: ٢٤٨] يعني رضاض الألواح التي ذكرها الله تعالى في قوله:﴾ وكتبنا له في الألواح ﴿[الأعراف: ١٤٥] وكانوا قد جعلوها في هذا التابوت في قصةٍ طويلةٍ. ويقال: بقيت زيدًا: انتظرته، أبقيه بقيًا. وفي الحديث: "بقينا رسول الله ﷺ " أي انتظرناه، وترصدنا له مدًة كبيرًة. فمعنى البقاء فيه موجود. فصل الباء والكاف ب ك ر: قال تعالى:﴾ ولهم رزقهم فيها بكرًة وعشيًا ﴿[مريم: ٦٢]. البكرة: هي أصل كل ما يتصرف منها كما سيتضح. والبكرة: هي أول النهار

стр. 184

لمقابلتها بالعشي وهي آخره، وقد اشتق منها لفظ الفعلن فقيل: بكر فلان في حاجته أي خرج بكرًة. والبكور: الخروج بكرة. والبكور بالفتح: المبالغ في البكور، ولتقدمها على سائر أوقات النهار استعمل منها كل متعجلٍ وإن لم يكن في ذلك الوقت، فقيل: بكر فلان في حاجته، وابتكر وباكر مباكرًة. ومن ذلك الحديث: "من بكر وابتكر" قيل: بادر بالصلاة أول وقتها، وهذا عام في سائر الصلوات. وأصرح منه: "لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب" أي صلوها عند سقوط القرص. ومعنى "وابتكر" أي: أدرك أول الخطبة. وقال ابن الأنباري: الذي يذهب إليه في تكرير هاتين اللفظتين إرادة المبالغة، وذلك أن العرب إذا قصدت المبالغة اشتقت من اللفظ لفظًة أخرى على غير بنائها، وأتبعوها لها في الإعراب: فيقولون: شعر شاعر، وليل لائل. وأنشد: [من الرجز] ١٨٣ - حطامة الصلب حطومًا محطما قال: فالحطوم والمحطم بمعنى الأول. وفي الحديث أيضًا: بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك العصر حبط عمله" أي قدموها في أول وقتها. ومن ذلك باكورة الفاكهة لما سبق منها. وابتكر الرجل: أكل الباكورة. وابتكر الجارية: أخذ بكارتها أي عذرتها. ومنه البكر لأول ولدٍ، ولمن ولد له أولاً من الأب والأم. يقال في الكل بكر. قال الشاعر: [من الرجز] ١٨٤ - يا بكر بكرين، ويا خلب الكبد ... لأنت شيء كذراعٍ من عضد

стр. 185

والبكر: التي لم تفتض. وقوله:﴾ لا فارض ولا بكر عوان ﴿[البقرة: ٦٨]. فالفارض: المسنة، والبكر: الفتية، والعوان: النصف، وهي كما قال تعالى بين ذلك. قال الشاعر: [من البسيط] ١٨٥ - لا تنكحن عجوزًا إن أتوك بها ... واخلع ثيابك عنها معلنًا هربًا وإن أتوك وقالوا: إنها نصفٌ ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا قال الهروي: البكر: التي لم تنتج، يقال: حاجة بكر: التي لم يكن قبلها مثلها، وسحابة بكر أي لم تمطر قط ماء. وسميت البكر بكرًا لمقابلتها بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء وجمعها أبكار، قال تعالى:﴾ فجعلناهن أبكارًا ﴿[الواقعة: ٣٦]. والبكرة على البير من ذلك، لتصور أول السرعة فيها. قوله:﴾ بالعشي والإبكار ﴿[آل عمران: ٤١]. الإبكار مصدر أبكر يبكر. ويقال: أبكر يبكر إبكارًا. وبكر يبكر تبكيرًا فهو مبكر. وابتكر يبكر ابتكارًا فهو مبتكر. وبكر يبكر بكورًا فهو باكر، كله بمعنى واحدٍ. وإن كان قد يقع في بعضها فرق، وذلك غير خفيٍ. ب ك ك: قال تعالى:﴾ للذي ببكة مباركًا ﴿[آل عمران: ٩٦]. بكة: قيل مكة والعرب تعاقب بين الباء والميم، قالوا: ضربة لازمٍ ولا زبٍ، وسبد رأسه وسمده، وهو قول مجاهدٍ في آخرين، وقيل: بل هما مما يترادفان كبر وحنطةٍ. وإنما سميت مكة بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا قصدوا منها إلحادًا، وقيل: لازدحام الناس فيها، وفي الحديث: "فتباك الناس عليه" أي ازدحموا.

стр. 186

وقيل: مكة اسم للبلد، وبكة اسم لبطنها، وهو جميع المسجد، وقيل: بل اسم لموضع الطواف لأن الناس يتباكون فيه أي يزدحمون، وقيل: بل اسم للبيت خاصة، لأنه يبك من قصده بسوءٍ، ولأن الناس يتباكون حوله. ب ك م: قال تعالى:﴾ صم بكم ﴿[البقرة: ١٨]. البكم: الخرس، والأبكم: الأخرس، وقيل: هو الذي يولد أخرس، فكل أبكم أخرس من غير عكسٍ. وقد بكم عن الكلام لضعفه عنه لضعف عقله، فصار كالأبكم. والبكم جمع الأبكم نحو حمرٍ في أحمر، المراد بكمًا، ووصفوا هنا بالبكم وإن كانوا فصحاء لأنهم لما لم يتكلموا بما يجدي عليهم نفعًا، جعلوا بكمًا كما جعلوا صمًا، وإن كانوا سامعين لما لم يسمعوا، وعميًا وإن كانوا بصراء، لأنهم لا بصائر لهم، وهذا من أحسن تشبيهات القرآن وأبلغها. ب ك ي: البكاء والبكى بالمد والقصر مصدر بكى إذا صرخ من حزنٍ لمصابه. وقد يوجد مع الفرح، وإليه أشار من قال: [من الكامل] ١٨٦ - هجم السرور علي حتى إنني ... من عظم ما قد سرني أبكاني يا عين قد صار البكى لك عادة ... تبكين في فرحٍ وفي أحزان والمعروف أن المصدرين بمعنى، وأن المد والقصر لغتان. وقد جمع بينهما من قال: [من الوافر] ١٨٧ - بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل

стр. 187

وفرق الراغب بينهما فقال: البكاء بالمد: سيلان الدمع من حزنٍ وعويلٍ، يقول: إذا كان الصوت أغلب كالرغاء وسائر الأبنية الموضوعة للصوت. وبالقصر إذا كان الحزن أغلب. وبكى: يقال في الحزن وإسالة الدمع معًا. ويقال في كل واحدٍ منهما منفردًا عن الآخر. وقوله:﴾ فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرًا ﴿[التوبة: ٨٢] إشارة إلى الفرح والترح، وإن لم يكن مع الضحك قهقهة ولا مع البكاء إسالة دمعٍ. وأنشدوا في المعنى: [من الطويل] ١٨٨ - مسرة أحقابٍ تلقيت بعدها ... مساءة يومٍ أريها يشبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعةٍ ... وراء تقصيها مساءة أحقاب وقوله تعالى:﴾ فما بكت عليهم السماء والأرض ﴿[الدخان: ٢٩] قيل: إن ذلك حقيقة عند من يجعل لهما حياًة وعلمًا. وفي الحديث: "إن الرجل الصالح يرفع عمله وله ريح طيب يدخل من أي باب شاء من أبواب السماء. فإذا مات انقطع عمله ذلك فتبكي عليه السماء لفقدان ذلك العمل، وكذلك الأرض لفقداته من فوقها" وقيل: بل ذلك على مجاز الحذف أي اهلهما وهم الثقلان من الناس والملائكة. وقيل: بل جاء ذلك على ما كانوا يتعارفونه، من قولهم في الرجل العظيم إذا مات: بكت عليه السماء والأرض، وكسفت لموته الشمس. وكذلك بكت عليه الجبال. قال: [من الكامل] ١٨٩ - لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع وقال: [من البسيط] ١٩٠ - الشمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

стр. 188

فصل الباء واللام ب ل: بل: حرف إضراب، وهو نوعان، إضراب إبطالٍ نحو: ما قام زيد بل عمرو. وهي حينئذٍ عاطفةٍ، ولا يعطف بها إلا المفردات، ويزاد "لا" قبلها تأكيدًا في النفي نحو: ما قام زيد لا بل عمرو. وفي الإيجاب والأمر نفي، نحو: قام زيد لا بل عمرو. واضرب زيدًا لا بل عمرًا ولا يعطف بها في الاستفهام. وضرب انتقالٍ. ولم ترد في القرآن إلا كذلك، ولا يقع بعدها إلا الجمل، وليست عاطفًة حينئذٍ. ولها أحكام استوفيناها في كتب النحو الإعراب. وبعضهم يعبر عنها بأنها حرف استدراك وإيجابٍ بعد النفي كالهوري. وقال الراغب. بل للتدارك، وهو ضربان: ضرب يناقض ما قبله، وربما يقصد به تصحيح الذي قبله وإثبات الثاني كقوله تعالى:﴾ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴿[المطففين: ١٣ - ١٤] أي ليس الأمر كما زعموا بل جهلوا، فنبه بقوله:﴾ بل ران على قلوبهم ﴿على جهلهم. وعلى هذا قوله:﴾ بل فعله كبيرهم ﴿[الأنبياء: ٦٣]. ومما قصد به تصحيح الأول وإبطال الثاني:﴾ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ﴿إلى قوله:﴾ كلا بل لا تكرمون اليتيم ﴿[الفجر: ١٥ - ١٧] أي ليس إعطاؤهم من الكرم ولا منعهم من الإهانة، لكن جهلوا لوضع المال في غير موضعه. وعلى ذلك قوله:﴾ ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزةٍ وشقاقٍ ﴿[ص: ١ - ٢] فإنه دل بقوله:﴾ والقرآن ﴿أن القرآن معد للتذكر، وأن ليس امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعًا للذكر بل لتعززهم ومشاقتهم. وعلى هذا قوله:﴾ ق والقرآن المجيد بل عجبوا ﴿[ق: ١ - ٢] أي ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد في القرآن ولكن لجهلهم، ونبه بقوله:﴾ بل عجبوا ﴿على جهلهم، لأن التعجب من الشيء يقتضي الجهل بسببه.

стр. 189

وعلى هذا قوله: ﴿ما غرك بربك الكريم﴾ إلى قوله﴾ كلا بل تكذبون بالدين ﴿[الانفطار: ٦ - ٩] كأنه قيل ليس ها هنا ما يقتضي أن يغرهم به، ولكن يكذبهم، وهو الذي حملهم على ما ارتكبوه. والضرب الثاني من بل هو أن يكون مبينًا للحكم الأول وزائدًا عليه ما بعد بل، نحو قوله تعالى:﴾ بل قالوا أضغاث أحلامٍ بل افتراه بل هو شاعر ﴿[الأنبياء: ٥] فإنه نبه أنهم يقولون:﴾ أضغاث أحلام بل افتراه ﴿يزيدون على ذلك بأن الذي أتى به مفترى افتراه. بل يزيدون ويدعون أنه كذاب، فإن الشاعر في القرآن عبارة عن الكذاب بالطبع. وعلى ذلك قوله تعالى:﴾ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ﴿إلى قوله:﴾ بل تأتيهم بغتًة ﴿[الأنبياء: ٣٩ - ٤٠]. وجميع ما في القرآن من لفظ "بل" لا يخرج عن أحد هذين الوجهين، وإن دق الكلام في بعضه. قلت: ما ذكره من هذه الآيات الكريمة حسن، غير أن النحاة نصوا على أنها إذا كانت بعدها جملة كانت لمجرد الإضراب عما قبلها، والأخذ في الحديث الذي بعدها، ثم إن هذا الإضراب إن كان في غير كلام الله تعالى جاز أن يكون إضراب إبطالٍ، وأن يكون إضراب تركٍ من غير إبطالٍ، بل الانتقال من حديثٍ إلى آخر. وإن كان في كلام الله تعالى كان انتقالاً لا إبطالاً. وقد قال بعضهم: إن قوله تعالى:﴾ أم يقولون افتراه بل هو الحق ﴿[السجدة: ٣] إنه يجوز أن يكنو للإضراب الإبطال بالنسبة إلى قولهم﴾ افتراه ﴿، كأنه قيل: لم يفتره بل هو الحق. وأنت قد عرفت العبارتين، فقابل بينهما تجد عبارته خارجًة عن نصوصهم. ب ل د: قوله تعالى:﴾ لا أقسم بهذا البلد ﴿[البلد: ١]، يعني بها مكة شرفها الله

стр. 190

تعالى. والمعنى: لا أقسم بها﴾ وأنت حل ﴿بها، أي لا يعظمونك حق تعظيمك، ولا يحترمونك حق حرمتك، فأنت كالحلال. وذلك تعظيم له من ربه وقيل: معناه وعده بفتحها عليه. وقد أتقنا هذا في غير هذا الموضوع. وقوله:﴾ رب اجعل هذا بلدًا آمنًا ﴿[البقرة: ١٢٦] يعني مكة. وقال في موضعٍ آخر:﴾ وهذا البلد الأمين ﴿[التين: ٣]، فأتى بمكة معرفًا ومنكرًا، فقيل: إنه في حال التنكير لم يكن بلدًا بل كان بريًة، فقال:﴾ اجعل ﴿في هذا المكان القفر بلدًا من بلدان الناس يسكنونه لعمارةٍ حرمك وزيارة نبيك. وفي حال التعريف كان قد صار بلدًا وسكنى، فأتى به معرفًا. وقيل: لأنه ﵊ علم أن يكون به سكن الناس فأتى به كالشاهد. وسمي البلد بلدًا لتأثره بسكانه واجتماع قطانه وإقامتهم فيه. والبلد هو المكان المحدود، وغالبًا يكون مسورًا وقد لا يكون. وقوله:﴾ والبلد الطيب ﴿[الأعراف: ٥٨] المراد به الأرض من غير نظرٍ إلى تدبر أحدٍ فيها. وقيل: كني بذلك عن الأنفس الزكية، وبعكسه عن الأنفس الخبيثة. ولاعتبار الأثر في البلد قيل: في جلده بلد أي أثر. ويجمع على أبلاد. قال الشاعر: [من البسيط] ١٩١ - وفي النجوم كلوم ذات أبلاد فرقًا بينه وبين المكان، فإنه جمعه بلاد، كقوله تعالى:﴾ الذين طغوا في البلاد ﴿[الفجر: ١١] وبلدان. وأبلد الرجل: صار ذا بلد كأنجد وأتهم. وبلد بالكسر: لزم البلاد. ولما كان الملازم لوطنه كثيرًا ما يتحير إذا حصل في غير موطنه، قيل: بلد فلان أي تحير في أمره، وأبلد وتبلد بمعناه قال الشاعر: [من الطويل]

стр. 191

١٩٢ - ولابد للمحزون أن يتبلدا والأبلد: العظيم الخلق، وذلك أن وجود البلادة يكثر في من كان جلف البدن، قاله الراغب ب ل س: قوله تعالى:﴾ فإذا هم مبلسون ﴿[الأنعام: ٤٤]،﴾ يبلس المجرمون ﴿[الروم: ١٢]. الإبلاس: الحزن المعترض من شدة البأس. قال بعضهم: وإبليس مشتق منه، وهو عند أهل الصناعة لا يصح لأنه أعجمي، وأيضًا موضع اشتقاقه لا ينصرف وقيل: الإبلاس التحير واليأس. ومنه إبليس أيضًا، وقد تقدم. وقال الأزهري: هو السكوت والتحسر والندم على ما فرط. وفسر قوله:﴾ فإذا هم مبلسون ﴿ساكتون متحسرون نادمون على ما فرط منهم. وقيل: هو الانقطاع في الحجة والسكوت عن الجواب. وكل من انقطع عن حجته وسكت فقد أبلس. أنشد الهروي للعجاج: [من الرجز] ١٩٣ - يا صاح هل تعرف رسمًا مكرسا؟ ... قال: نعم أعرفه، وأبلسا وهذا الذي قاله راجع إلى ما قدمناه، فإنه لما كان المبلس كثيرًا ما يسكت وينسى

стр. 192

ما يعنيه، لما به من شغل القلب بالحزن الفادح، قيل: أبلس: إذا سكت وانقطعت حجته. وناقة مبلاس أي ساهية تاركة المرعى من شدة الضبعة. والبلاس: الذي هو المسح، أعجمي معرب، قاله الراغب. وفي الحديث: "من أحب أن يرق قلبه فليدم أكل البلس"، قال أبو منصور: هو التين. وفي حديث عطاءٍ: البلس: هو العدس. ب ل ع: قوله تعالى:﴾ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ﴿[هود: ٤٤] أي بلعت الشيء وابتلعته، فكنى عن ذلك ببلعها إياه تصويرًا أنها تأخذ ما يفجر منها وما نزل من المظلة، وجعله ماءها لحصول الكل فيها. والبلع: تغييب الشيء في الجوف. ثم يطلق على كل تغييبٍ على سبيل التشبيه. يقال: بلعت الشيء أبلعه بلعًا، ومنه البالوعة. وسعد بلع: لمنزلةٍ من منازل النجوم. وبلع الشيب في رأسه: أول ما يظهر. ب ل غ: قوله تعالى:﴾ هذا بلاغ الناس ﴿[إبراهيم: ٥٢] أي هذا القرآن بيان كافٍ للناس. وأصل البلاغ: الكفاية. ومنه قوله تعالى:﴾ إن في هذا لبلاغًا لقومٍ عابدين ﴿[الأنبياء: ١٠٦]. والبلاغة في الكلام من ذلك، لأنها بيان كافٍ. وقيل: البلاغ هو الانتهاء إلى أقصى الأمر، والمنتهي مكانًا أو زمانًا أو أمرًا من الأمور المقدرة. وقد يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه. فمن الانتهاء قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنًة﴾

стр. 193

[الأحقاف: ١٥]. ومن المشارفة قوله:﴾ أيمان علينا بالغة ﴿[القلم: ٣٩] أي منتهية في التوكيد. والبلاغ يكون بمعنى الإبلاغ وبمعنى التبليغ كقوله تعالى:﴾ فإنما عليك البلاغ ﴿[آل عمران: ٢٠]، وقوله:﴾ فهل على الرسل إلا البلاغ ﴿[النحل: ٣٥]، وقوله:﴾ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغًا ﴿[النساء: ٦٣] أي كافيًا. يقال: بلغ الرجل يبلغ فهو بليغ إذا بلغ بلسانه كنه ما في ضميره. وقوله:﴾ والذين لم يبلغوا الحلم ﴿[النور: ٥٨] أي لم ينتهوا ولم يصلوا إلى الحلم وهو الاحتلام. يقال: بلغ الصبي يبلغ بلوغًا فهو بالغ. وبلغ زيد مراده إذا وصل إلى ما يريد. وقوله:﴾ إن الله بالغ أمره ﴿[الطلاق: ٣] أي يفعل ما يريد من غير معارضٍ له تعالى. وقرئ﴾ بالغ ﴿بالتنوين ونصب أمره، وبعدمه وخفض أمره. قوله تعالى:﴾ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴿[المائدة: ٦٧]. معناه إن لم تبلغ هذا أو شيئًا مما حملت، تكون في حكم من لم يبلغ شيئًا من رسالته، وذلك أن حكم الأنبياء وتكليفاتهم أشد، وليس حكمهم حكم سائر الناس الذين يتجافى عنهم إذا خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا. وبهذا التأويل ... سؤال يقال هنا وهو أن الجزاء عين الشرط، وليس كذلك لما عرفته. وقوله:﴾ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ﴿[الطلاق: ٢] للمشارفة، وإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها. وقوله:﴾ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴿[آل عمران: ٤٠]، وفي أخرى:﴾ وقد بلغت من الكبر عتيًا﴾

стр. 194

[مريم: ٨]، وقوله: ﴿إما يبلغن عندك الكبر﴾ [الإسراء: ٢٣] مثل قولهم: أدركني الجهد، وإن شئت: أدركت الجهد، ولا يجوز أن يقال ذلك في زمانٍ ولا مكانٍ، فلا يقال: أدركني مكان كذا، ولا بلغني مكان كذا. ويقال: بلغته الخبر وأبلغته إياه. وقد قرئ﴾ أبلغكم ﴿و﴾ أبلغكم ﴿[الأعراف: ٦٢] بالتخفيف والتثقيل. قال الراغب: وبلغه أكثر، يعني: من أبلغه. والبلاغة في الكلام التي هي أخت الفصاحة، يوصف بها المتكلم والكلام، ولا توصف بها الكلمة. والفصاحة يوصف بها الثلاثة، وهي في الكلام عبارة عن مطابقةٍ لمقتضى الحال مع كونه فصيحًا، وفي المتكلم عن ملكةٍ يقتدر بها على تأليف كلامٍ بليغٍ، هذا حدها في اصطلاح البيانيين. وقال الراغب: والبلاغة تكون على وجهين: أحدهما أن يكون بذاته بليغًا، وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصافٍ: أن يكون صوابًا مع موضوع لغته، وطبقًا للمعنى المقصود به، وصدقًا في نفسه. ومتى انخرم وصف من ذلك كان ناقصًا في البلاغة. والثاني: أن يكون بليغًا باعتبار القائل والمقول له، وهو أن يقصد القائل به أمرًا ما فيورده على وجهٍ حقيقٍ أن يقبله المقول له. وقوله:﴾ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغًا ﴿[النساء: ٦٣] يصح حمله على المعنيين. وقول من قال: معناه قل لهم: إن أظهرتم ما في أنفسكم قتلتم، وقول من قال: خوفهم بمكاره تنزل بهم، فإشارة إلى بعض ما يقتضيه عموم اللفظ. والبلغة: ما يتبلغ به من العيش. والمبالغة: الاجتهاد في الأمر، يقال: بالغ في أمره، وهو ما تقدم، فإنه بلوغ نهاية الأمد في الاجتهاد. وفي الحديث: "كل رافعةٍ رفعت عنا

стр. 195

من البلاغ فلتبلغ عنا" أراد من المبالغة في التبليغ. يقال: بالغ يبالغ مبالغًة فهو مبالغ أي اجتهد. ويروي "من البلاغ" بفتح الباء على معنى أن البلاغ ما بلغ من القرآن والسنن. وقيل: تقديره من ذوي البلاغ، أي الذين بلغونا، أي من ذوي التبليغ، فأقام الاسم مقام المصدر الحقيقي، كما تقول: أعطيته عطاًء، وبكسرها على أنه مصدر بالغ نحو: قاتل قتالاً. وقالت عائشة لعلي ﵄ يوم الجمل: "لقد بلغت منا البلغين" قال أبو عبيدة: هي مثل قولهم: لكيت منه البرحين، وبنات برحٍ أي الدواهي. ب ل و: يقال: بلوته أي اختبرته، يبكون في الخير والشر. قال تعالى:﴾ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴿[الأنبياء: ٣٥]. ويقال: ابتليته كبلوته. قال تعالى:﴾ وابتلوا اليتامى ﴿[النساء: ٦]﴾ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ ﴿[البقرة: ١٢٤] أي اختبره. وقوله تعالى:﴾ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴿[البقرة: ٤٩] قيل: معناه نعمة، ومنه قوله تعالى:﴾ وليبلى المؤمنين منه بلاًء حسنًا ﴿[الأنفال: ١٧]. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنًا ييكون سيئًا. وأصله المحنة، والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره. وفي حديث حذيفة، وقد تدافعوا للصلاة: "لتبتلن لها إمامًا أو لتصلن وحدانًا" أي لتختارن. وجعل الراغب معنى هذه المادة من معنى البلاء، وذكره في مادة ب ل ي. فقال: يقال: بلى الثوب بلى وبلاًء أي خلق. وبلوته: اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له.

стр. 196

وقرئ: ﴿هنالك تبلو كل نفسٍ ما أسلفت﴾ [يونس: ٣٠] أي تعرف حقيقة ما عملت، ولذلك يقال: بلوت فلانًا أي اختبرته. وسمي الغم بلاًء من حيث إنه يبلى الجسم، وسمي التكليف بلاًء من أوجه: الأول أن التكاليف كلها فيها مشقة على الأبدان. والثاني أنها اختبارات، وعليه﴾ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ﴿[محمد: ٣١] وهو تعالى عالم بهم بدون اختبار، وإنما معناه: حتى يظهر في الوجود ما في علمنا. وقيل: معناه حتى يتميز. والثالث، كما تقدم، أنه اختبار، فمبتليهم بالمسار تارًة ليشكروا، وأخرى بالمضار ليصبروا. فصار الابتلاء تارًة منحًة وتارة محنًة. والمنحة تقتضي الشكر، والمحنة تقتضي الصبر. والقيام بحقوق الصبر أيسر وأسهل من القيام بحقوق الشكر. فصارت المنحة أعظم البلاءين. ومن هذا قول أمير المؤمنين علي ﵁: "بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر". وقد جاء ذلك، أعني المحنة والمنحة، في قوله تعالى:﴾ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴿[البقرة: ٤٩]، فالمحنة راجعة إلى ما تقدم من ذبح أبنائهم واستحياء نسائهم. والمحنة راجعة إلى قوله:﴾ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴿[البقرة: ٤٩]. وابتلى وبلى يتضمن أمرين: أحدهما تعرف حاله وما يجهل من أمره. والثاني ظهور جودته ورداءته. في جانب الباري تعالى إذ قيل: ابتلى الله كذا أو بلى كذا لم يكن إلا بمعنى ظهور جودة المبتلى كقوله تعالى:﴾ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴿[البقرة: ١٢٤]، أو رداءته نحو﴾ كذلك نبلوهم بما كانوا ﴿[الأعراف: ١٦٣]. وقد يقصد به الأمران معًا، نحو: بلوت زيدًا إذا قصدت المعنيين المذكورين. وقوله: [من الطويل] ١٩٤ - فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو جمع بين اللغتين، إذ يقال: بلاه وأبلاه.

стр. 197

ب ل ي: بلى جمعها بلوات كنعم، إلا أنها لا يجاب بها إلا نفي نحو:﴾ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى ﴿[النحل: ٣٨]﴾ لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى ﴿[البقرة: ١١١]. ولو دخل الاستفهام على النفي لم يجب إلا ببلى، وإنه صار إيجابًا كما قدمناه، كقوله:﴾ ألست بربكم قالوا بلى ﴿[الأعراف: ١٧٢]. قال ابن عباسٍ: لو قالوا نعم لكفروا، وابن عباسٍ أخبر بهذه المقالة. وقد تكلمنا على هذه الآية بأشبع من هذا في مكانها وما يليق بها والحمد لله. ونعم: حرف جوابٍ إلا أنها يجاب بها في الإيجاب والنفي لأنها تصديق وتدبر لما يتقدمها، وستأتي في بابها إن شاء الله. فصل الباء والنون ب ن ن: قوله تعالى:﴾ على أن نسوي بنانه ﴿[القيامة: ٤] البنان: الأصابع، سميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يبين بها. يقال: أبن بالمكان يبن أي أقام. ومنه البنة لرائحة التي تبن بما تعلق به. وفي الحديث: "إن للمدينة بنًة"، قال أبو عمروٍ: هي الرائحة الطيبة، قال الأصمعي: هي الرائحة مطلقًا. قلت: إنما خصها أبو عمروٍ بالطيبة لخصوصيًة المادة. وقال الأشعث لعلي بن أبي طالبٍ ﵁: "أحسبك ما عرفتني يا أمير المؤمنين. قال: بلى، وإني لأجد بنة الغزل منك"، قيل: أراد أنه نساج. وواحد البنان بناتة على حد عز وعزة. قال النابغة: [من الكامل] ١٩٥ - بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد

стр. 198

وقال آخر: [من الوافر] ١٩٦ - فإن أهلك فرب فتًى سيبكي ... علي مهذبٍ رخص البنان وللناس على قوله:﴾ على أن نسوي بنانه ﴿تأويلان، أحدهما أن يجعل أصابعه ملتصقًة غير مفترقةٍ، بل هي كخف البعير أو حافر الحمار، فلا ينتفع بها، وهو قول أكثرهم. والثاني: إنا نقدر على أن نجمع أصغر عظامه ونؤلفها بعد تمزيق جلدها وعصبها. وإذا قدرنا على جمع هذه مع دقتها فلأن نقدر على جمع كبارها أولى وأجرى، وهذا أليق بسياق الآية. وقوله:﴾ واضربوا منهم كل بنانٍ ﴿[الأنفال: ١٢] إنما خصها لأنها أنفع الأعضاء في مزاولة الأشياء لاسيما في القتال. ب ن و: الابن عند الجمهور لامه واو، حذفت لامه وعوض عنها همزة الوصل أوله كاسمٍ، وابنة مؤنثة وكذلك بنت، إلا أنهم عوضوا من لامها تاء التأنيث، وسمي تاء العوض كتاء أختٍ. ويكسر ابن على أبناء، ويصحح فيرفع بالواو وينصب ويجر بالياء. قال تعالى:﴾ المال والبنون زينة الحياة الدنيا ﴿[الكهف: ٤٦]﴾ يوم لا نيفع مال ولا بنون ﴿[الشعراء: ٨٨]﴾ يا بني إسرائيل ﴿[البقرة: ٤٠]﴾ وخرقوا له بنين وبناتٍ ﴿[الأنعام: ١٠٠]. وقيل: ابن اشتقاقًا من البناء لأنه بناء أبيه أي أصل في وجوده، وقيل لكل من كان يحصل من جهته تبن أو من تربيته هو ابنه، ولملازم الشيء نحو: هو ابن السبيل، وابن الحرب. وقوله:﴾ هؤلاء بناتي ﴿[هود: ٧٨] وقوله:﴾ لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ﴿[هود: ٧٩] أراد نساء أمته وسماهن بناته لأن النبي أب لأمته حسبما قدمنا في

стр. 199

صدر هذا الكتاب. ومعناه: هؤلاء نساؤكم فانكحوهن على الوجه المرضي. وقيل: أراد ماءه لصلبه، وإنما خاطب بذلك كبار قومه وهم قليل، وإلا فمحال أن يقول ذلك للجم الغفير. وقوله:﴾ ويجعلون لله البنات ﴿[النحل: ٥٧] أراد الملائكة، وذلك أن الكفار ... يزعمون، وقد كذبوا أن يقال: تزوج بسروات الجن فأولدهم الملائكة، وسموهم بناته. وإليه أشار بقوله:﴾ سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا ﴿[الإسراء: ٤٣]﴾ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ﴿[الصافات: ١٥٨] وقد يعرب بنين مع الياء بالحركات تشبيهًا له بلفظ قطينٍ، قال: [من الوافر] ١٩٧ - وكان لنا أبو حسن علي ... أبًا برًا ونحن له بنين والبنيان: وضع شيءٍ بترتيبٍ خاصٍ، وهو جمع لا واحد له. وقيل: بل واحده بنيانة. وقوله تعالى:﴾ كأنهم بنيان مرصوص ﴿[الصف: ٤] من أبلغ تشبيهٍ، لم يكتف بذكر البنيان حتى وصفه بأبلغ إتقانٍ. واسم الجنس يذكر ويؤنث، ومن التذكير﴾ بنيان مرصوص ﴿كقوله:﴾ أعجاز نخلٍ منقعرٍ ﴿[القمر: ٢٠]. ولو أنث لجاز كقوله:﴾ نخلٍ خاويةٍ ﴿[الحاقة: ٧]. وقوله:﴾ أفمن أسس بنيانه ﴿[التوبة: ١٠٩] الآية استعارة بديعة، وذلك أن الأمر الذي يربيه الإنسان من دينٍ واعتقاد إنما يربيه على نظرٍ وتأملٍ ووضع شيءٍ فشيءٍ، وهذا أشبه شيءٍ بالبناء. ويقال: بنيت أبني بناًء وبنيًة وبنىً وبنيانًا. ويعبر ببنية الله عن الكعبة. والبناء: البيت ولو كان من وبرٍ أو شعرٍ. وأبنيته: أعطيته ما يبني به بيتًا. والمبناة: القبة. قال النابغة: [من الطويل] ١٩٨ - على ظهر مبناةٍ جديدةٍ سيورها ... يطوف بها وسط اللطيمة بائع

стр. 200

وبنى فلان بامرأته أي دخل عليها، لأنهم كانوا إذا فعلوا ذلك بنوا عليها قبًة، فعبروا به عنه وإن لم يبنوا قبًة. والبناء أيضًا: النطع ومثله المبناة، وفي الحديث: "إلا إذا بسطنا له مبناًة" أي نطعًا. وبنى طعامه لحمه، كناية عن سمنه. قال: [من الرجز] ١٩٩ - بنى السويق لحمها واللت ... كما بنى بخت العراق القت والبنيات: الأقداح، وسأل عمر رجلاً: "هل شرب الجيش بالبنيات الصغار؟ " فصل الباء والهاء ب هـ ت: البهت: التحير. قال تعالى:﴾ فبهت الذي كفر ﴿[البقرة: ٢٥٨] أي دهش وتحير وانقطعت حجته. ومن ذلك البهتان وهو الباطل الذي يحير الناظر فيه. والبهتان: الكذب أيضًا، وهو نوع من ذلك. يقال: بهته يبهته بهتًا أي حيره. وبهته: كذب عليه فبهت يبهت، وبهت يبهت. وفي الحديث: أن اليهود "قوم بهت" من ذلك. وقوله:﴾ ولا يأتين ببهتانٍ يفترينه ﴿[الممتحنة: ١١٢]، قيل: كانت النسوة يلتقطن الولد ويدعين ولادته شهوًة للأولاد وصارًة به لميراث أزواجهن حينئذٍ. وقيل: بل هو كناية عن الإتيان بولدٍ من زنًا، فتنسبه إلى الزوج. وقيل: هو كناية عن كل ما لا ينبغي تعاطيه مما يفعل باليد أو يسعى إليه بالرجل. وقوله:﴾ سبحانك هذا بهتان عظيم [[النور: ١٦] أي كذب فظيع متبالغ في القبح، يحير من يسمعه ويدهشه. ب هـ ج: البهجة: ظهور الحسن والجمال. قال تعالى:﴾ حدائق ذات بهجةٍ ﴿[النمل: ٩٠] أي ذات لونٍ وحسنٍ يبهج من رآه، يقال: ابتهج فلان بكذا أي سر سرورًا

стр. 201

به، ظهر على وجهه أثر السرور فحسنه وزينه. يقال: بهج الشيء يبهجه بهجًة فهو بهيج. قال تعالى:﴾ وأنبتنا فيها من كل زوجٍ بهيجٍ ﴿[ق: ٧]، وباهجٍ أيضًا. قال جندب بن عمروٍ: [من الرجز] ٢٠٠ - يا ليتني قبلت غير خارج ... قبل الصباح ذات خلقٍ باهج ويقال: بهجه الله يبهجه إبهاجًا. ب هـ ل: البهلة: اللعن، يقال: بهله الله، وعليه بهلة، وبهلته أي لعنته، ومنه المباهلة وهي الاجتهاد في الدعاء. يقال: بهل الله الكاذب منا. وابتهل في الدعاء أي اجتهد فيه. ومنه قوله تعالى:﴾ ثم نبتهل ﴿[آل عمران: ٦١] أي نفعل المباهلة. وعن ابن عباس ﵁: "من باهلني باهلته". وقيل: أصل البهل كونه غير مراغى. ومنه البعير الباهل وهو المخلفى من غير سمةٍ ومن غير قيدٍ، والباهل أيضًا الناقة التي لم يدر ضرعها. قال أبو طالبٍ: [من الطويل] ٢٠١ - فإن يك قوم سرهم ما صنعتم ... * ستحلبوها لاقحًا غير باهل وقالت امرأة: أتيتك باهلاً غير ذات صرارٍ. وأبهلت فلانًا: خليته وإرادته، تشبيهًا بالبعير الباهل. والبهل أيضًا والابتهال في الدعاء: الاسترسال فيه والتضرع. ومنه قول الشاعر: [من الرمل] ٢٠٢ - نظر الدهر إليهم فابتهل أي استرسل إليهم فأفناهم. ومن فسر الابتهال من قوله تعالى:﴾ ثم نبتهل ﴿باللعن فلا شك أن الإرسال في هذا المكان لأجل اللعن.

стр. 202

ب هـ م: قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ [المائدة: ١] البهيمة: ما لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، ولكن خص في التعارف بما عدا السباع والطير. فالبهيمة شاملة للأنعام وغيرها، فمن ثم حسنت إضافتها للأنعام لإفادة البيان. أصل المادة الدلالة على عدم المسموع لما في ذلك الشيء من الاستغلاق. ومنه البهمة: الحجر الصلب. وقيل للشجاع بهمة من ذلك. والشيء المبهم كل ما عسر إدراكه على الحاسة إن كان محسوسًا وعلى الفهم إن كان معقولاً. وأبهمت الشيء أي جعلته مبهمًا. وأبهمت الباب: أغلقته إغلاقًا لا يهتدى لفتحه. ومنه الليل البهيم لشدة سواده، وذلك أنه قد أبهم أمره لظلمته، أو لأنه يبهم ما يعرض فيه فلا يدرك. فهو على الأول فعيل بمعنى مفعل، وعلى الثاني بمعنى مفعل. والبهم: صغار الإبل. قال: [من الطويل] ٢٠٣ - صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا والبهمى: نبات ذو شوكٍ يبهم بشوطه، وأبهمت الأرض: صارت ذات بهمي، كأبقلت وأعشبت. وفي الحديث: "يحشر الناس يوم القيامة حفاًة عراًة بهمًا" فسره الهروي بأنه ليس فيهم شيء من أعراض الدنيا وعاهاتها من المرض والعرج، بل أجسادهم أصحاء لخلود الأبد. وجعل ذلك من قولك: فرس بهيم أي لا يخلط لونه لون سواه. وقال الراغب: أي عراًة، وفيه نظرٌ لتقدم عراةٍ قبل ذلك. وكأن الراغب لم يطلع على صدر الحديث! قال: وقيل: معرون مما يتوسمون به في الدنيا ويتزينون به. وفرس بهم إذا كان على لونٍ واحدٍ لا تكاد العين تميزه غاية التمييز.

стр. 203

وفي حديث علي ﵁: "كان إذا نزل به إحدى المبهمات" أي المسائل المشكلة. وفي حديث ابن عباسٍ وقد سئل عن قوله تعالى:﴾ وحلائل أبنائكم ﴿[النساء: ٢٣] ولم يبين أدخل بها الابن أم لا، فقال: "أبهموا ما أبهم الله". قال الهروي: سمعت الأزهري يقول: رأيت كثيرًا من أهل العلم يذهبون بهذا إلى إبهام الأمر واستبهامه، وهو إشكاله، وهو غلط. وقوله تعالى:﴾ حرمت عليكم أمهاتكم ﴿إلى قوله:﴾ وبنات الأخت ﴿[النساء: ٢٣] هذا كله يسمى التحريم المبهم لأنه لا يحل بوجهٍ، كالبهيم من ألوان الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه. ولما سئل ابن عباسٍ عن قوله ﴾ وأمهات نسائكم ﴿[النساء: ٢٣] ولم يبين الله الدخول بهن، أجاب فقال: هذا من مبهم التحريم الذي لا وجه فيه غير التحريم سواء دخلتم بالنساء أو لم تدخلوا بهن، فأمهات نسائكم حرمن عليكم من جميع الجهات. وأما قوله تعالى:﴾ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴿[النساء: ٢٣]. قال ثابت: ليس هذا من البهمة لأن لهن وجهين أحللن في أحدهما وحرمن في الآخر. فإذا دخل بأمهات الربائب حرمن، وإذا لم يدخل لم يحرمن، فهذا تفسير المبهم الذي أراد ابن عباسٍ فافهم. فصل الباء والواو ب وأ: قوله تعالى:﴾ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدقٍ ﴿[يونس: ٩٣] أي أنزلناهم منزلا صالحًا. والمبوأ: المنزل الذي يلزمه نازله. فأصله من البواء وهو اللزوم. يقال: أبا الإمام فلانًا بفلانٍ أي ألزمه دمه وقتله به. وفلان بواء لفلان إذا كان كفالًة في القتل من ذلك. وفي دعائه ﵇: "أبوء بنعمتك علي" أي أقر بها وألزمها نفسي.

стр. 204

وقوله تعالى: ﴿تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١] أي تنزلهم منازل الحرب ميمنًة وميسرًة وقلبًا وكمينًا وطلائع. وقوله تعالى:﴾ نتبوأ من الجنة ﴿[الزمر: ٧٤] أي نتخذ منها منازل. وقوله:﴾ تبوءوا الدار ﴿[الحشر: ٩] أي نزلوها ولزموها واعتقدوا الأيمان، أو جعلوا الإيمان متبوًأ مجازًا. وقوله:﴾ فباؤوا بغضبٍ ﴿[البقرة: ٩٠] أي رجعوا به ولزموه. وقوله: "فباء به أحدهما" أي لزمه ورجع به. والباء والباءة: النكاح، وفي الحديث: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" وفي آخر: "عليكم بالباءة"، قيل: أراد عقد النكاح. وقيل: أراد الجماع، وأصله مما تقدم، وهو أن الباء والباءة اسم للمكان المتبوأ. وكل من تزوج امرأةٌ لابد أن ينزلها في مكان ويبوئها إياه، فجعل ذلك كنايًة عما ذكرنا لملازمته له. وهذا كما قدمناه في قولهم: بنى بامرأته وبنى على امرأته. وفي الحديث: "الجراحات بواء" أي متساوية في لزوم المماثلة، وذلك أنه لا يجرح غير الجارح، ولا يؤخذ منه أكثر من جنايته، فذلك معنى اللزوم فيها. وقيل: أصل البواء مساواة الأجزاء في المكان عسك التبوء الذي هو منافاة الأجزاء. ومكان بواء أي غير باءٍ. وكان ﵊ "يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله". وعنه ﵊: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". وبوأت الرمح: هيأت له مكانًا ثم قصدت به الطعن. وقال الراغي في صفة الإبل: [من الطويل] ٢٠٤ - لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مأوى تبوأ مضجعا يريد أن الراعي يتركها حتى إذا وجدت مكانًا صالحًا للرعي تبوأ الراعي مكانًا

стр. 205

لاضطجاعه. وقوله ﴿وباؤوا بغضبٍ﴾ [البقرة: ٦١] أي حلوا متبوًأ، ومعهم غضب، فالباء حالية لا متعدية، فليست كالتي في مررت بزيدٍ. وفي ذلك تنبيه حسن، وهو أن المكان الذي فيه موافقة لنزولهم صحبهم فيه غضب الله، وهو عقابه، فكيف بغيره من الأمكنة؟ وذلك يجري مجرى قوله تعالى:﴾ فبشرهم بعذابٍ أليمٍ ﴿[آل عمران: ٢١]. يقول الشاعر: [من الوافر] ٢٠٥ - تحية بينهم ضرب وجيع أي إن كان لهم بشارة فبالعذاب، وإن كان ثم تحية فهو الضرب. قوله:﴾ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴿[المائدة: ٢٩] أي تقيم بهذه الحال، ومنه: [من الكامل] ٢٠٦ - أنكرت باطلها وبؤت بحقها قال الراغب: وقول من قال: أقررت بحقها فليس تفسيره بحسب مقتضى اللفظ. قلت: وكذا في قوله ﵊: "أبوء بنعمتك علي". وعن خلفٍ الأحمر أنه قال: في قولهم. حياك الله وبياك الله، أي زوجك، من الباه. وأصله: وبوأك أي جعل لك مبوًأ، فقلبت الواو بالازدواج، كما قالوا: الغدايا والعشايا، قاله الراغب. ب وب: الباب: مدخل الشيء، ومنه باب الدار. والباب أيضًا: ما يتوصل منه إلى غيره.

стр. 206

ومنه تقول: هل هذا باب كذا؟ أي الذي يتوصل منه إلى معرفة ما عقد له من الكلام. وهذا باب لكذا أي طريقه، ويطلق ويراد به السبب الموصل إلى ذلك، والعلة الحاملة عليه. فيقال: الصلاة والصوم والزكاة والحجج وأفعال البر كلها أبواب الجنة. والزنا والسرقة وأفعال الفجور كلها أبواب جهنم. لأن هذه أسباب جعلها الله تعالى موصلًة إلى ذلك إن شاء. وقال ﵊ في حق ابن عمه أمير المؤمنين علي ﵁: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، وذلك لما أخذ عنه وأودعه إياه لاسيما من علوم القرآن. وما أحسن هاتين الكنايتين حيث شبه نفسه الزكية بمدينةٍ ملأى علمًا، وجعل عليًا موصولاً به إليها. ولذا الأمر ما علم علي بالنسبة إلى النبي ﷺ إلا مثل نسبة باب المدينة إليها. فأين الباب من المدينة؟ هذا مع ما علم وشهر من غزارة علم علي وتزايده. ويجمع على أبواب. قال تعالى:﴾ فكانت أبوايًا ﴿[النبأ: ١٩]،﴾ لها سبعة أبوابٍ ﴿[الحجر: ٤٤]،﴾ وفتحت أبوابها ﴿[الزمر: ٧٣] ويصغر على بويبٍ. ويجمع على أبويةٍ، ولم يثبت. قال: ولاج أبوبةٍ. ويقال: بوبت الأشياء، أي جعلت لها أبوابًا تخصها. هذا من بابة كذا أي مما يصلح له، ويجمع على باباتٍ. قال الخليل: بابة في الحدود. بوبت بابًا: عملت. وأبواب مبوبة. والبواب: حافظ الباب. وتبوبت: اتخذت بوابًا. ب ور: البوار: الهلاك. ومنه:﴾ وأحلوا قومهم دار البوار ﴿[إبراهيم: ٢٨] أي الهلاك. وكنتم قومًا بورًا ﴿[الفتح: ١٢] أي هلكى. وأصل ذلك من البوار وهو فرط الكساد، وذلك أنه لما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كقولهم: كسد حتى فسد، عبر به عن

стр. 207

الهلاك. يقال: بار يبور بوارًا وبورًا. وفي الحديث: "نعوذ بالله من بوار الأيم" أي كسادها عن الزواج. وبار المتاع والسوق من ذلك. وأرض بور وبوار: لم تزرع. وفي الحديث: لما كتب لأكيدرٍ "وأن لكم البور والمعامي" قال أبو عبيد: البور بفتح الباء وضمها: الأرض لم تزرع، والمعامي: الأرض المجهولة، وأرض بائرة، ورجل حائر بائر، وجمعه بور. وقيل: بور في الأصل مصدر. وصف به الواحد والجمع نحو: رجل بور. قال: [من التخفيف] ٢٠٧ - يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور وقال تعالى:﴾ وكنتم قومًا بورًا ﴿[وبار الفحل الناقة، أي شمها ألاقح هي أم لا؟ واستعير ذلك للاختبار: فقيل: برت زيدًا أي اختبرته، وفي الحديث: "كنا بنور أولادنا بحب علي" أي نجربهم ونختبرهم. وفي الحديث: "كان لا يرى بأسًا بالصلاة على البوري" والبارية والبورياء بمعنى واحدٍ: نوع من الحصر. فصل الباء والياء ب ي ت: البيت: مأوى الإنسان ليلاً، هذا أصله لاشتقاقه من البيتوتة، ثم أطلق على كل منزلٍ وإن لم يكن بالليل. وقيل: أصله مصدر يقال: بات يبيت بيتًا. وسواء كان مبنيًا

стр. 208

باللبن ونحوه، أم من صوفٍ أم شعر إلا أنه غلب في المبني جمعه على بيوتٍ، وفي المنسوج على أبياتٍ، وقد يجيء عكسه بقلةٍ؛ قال الشاعر: [من الوافر] ٢٠٨ - على أبياتكم نزل المثاني قوله:﴾ في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ﴿[النور: ٣٦] عني بها المساجد، ورفعها تعظيمها. وقول من قال: أن تعلو نوع من ذلك، أي لا تمتهن بالاستفال، وقيل: أراد بها بيوت النبي ﷺ ، وهي حقيقة بذلك، قيل: أريد أهل بيته وقومه، وقيل: إشارة إلى القلب، ومنه قول بعض الحكماء في قوله ﵊: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة" إنه القلب. وعنى بالكلب الحرص، بدلالة: كلب فلان: اشتد حرصه، وهو أحرص من كلبٍ قاله الراغب وليس بذلك. قوله:﴾ ولمن دخل بيتي مؤمنًا ﴿[نوح: ٢٨] قيل أراد مسجدي. وقوله:﴾ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴿[الحج: ٢٦] يعني مكة. وقوله:﴾ رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ﴿[التحريم: ١١] أي اجعل لي فيه مقرًا. وقوله:﴾ واجعلوا بيوتكم قبلًة ﴿[يونس: ٨٧]﴾ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ﴿[البقرة: ١٢٧]، وكذلك﴾ بالبيت العتيق ﴿[الحج: ٢٩] لأنه عتق من الطوفان أو من الجبابرة. وصار "أهل البيت" متعارفًا في آل النبي ﷺ . وقوله: "سلمان منا أهل البيت" إشارة إلى قوله: مولى القوم منهم. والبيات: قصد العدو ليلاً، وكذلك التبيت، قال تعالى:﴾ فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون ﴿[الأعراف: ٤]. وبيت العدو. التبييت: تدبير الأمر ليلاً، وأكثر ما يكون في المكر، قال تعالى:﴾ إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ﴿[النساء: ١٠٨] ﴿بيت طائفة

стр. 209

منهم غير الذي تقول﴾ [النساء: ٨١]﴾ والله يكتب ما يبيتون ﴿[النساء: ٨١]. وبيت على كذا. عزم عليه قاصدًا له، ومنه: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام" من أول الليل، وقوله تعالى:﴾ لنبيتنة وأهله ﴿[النمل: ٤٩] من ذلك، أي لنوقظ به الهلاك. وقوله:﴾ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴿يعني المسجد الأقصى. وقوله:﴾ فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين ﴿[الذاريات: ٣٦] أراد أهل بيتٍ، سماهم بيتًا إطلاقًا للمحل على الحال، وهما كقوله:﴾ واسأل القرية ﴿[يوسف: ٨٢]، وبات يفعل كذلك يدل على ملازمة الصفة للموصوف ليلاً، كما أن ظل يدل على ذلك نهارًا. قال: [من الرجز] ٢٠٩ - أظل أرعى وأبيت المهجن ... والموت من بعض الحياة أهون قد يريد للصيرورة. ومنه﴾ ظل وجهه مسودًا ﴿[النحل: ٥٨]، و"لا يدري أين باتت يده" وقوله:﴾ يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا ﴿[الفرقان: ٦٤] من الأول. وكل من أدركه الليل فقد بات نام أو لم ينم. ويعبر بالبيت عن الشرف العالي، فيقال: لفلان بيت، وهو من بيتٍ. وإلى ذلك أشار العباس ﵁ يمدح نبينا ﷺ يخاطبه بذلك: [من المنسرح] ٢١٠ - حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف، علياء تحتها النطق أراد ببيته شرفه العالي، وجعله في خندف أعلى بيتًا، وخندف هي ليلى القضاعية، امرأة إلياس بن مضر. ولقبت خندف لما روي أنها ولدت لإلياس عامرًا

стр. 210

وعمرًا وعميرًا، فشردت لهم إبل فخرجوا في طلبها، فأدركها عامر فسمي مدركة، وصاد عمرو أرنبًا وطبخها فسمي طابخة، وقمع عمير في بيته فسمي قمعة. فلما أبطأ عليها أولادها خرجت تخندف في أثرهم - أي تهرول - فلقبت خندف. ولم تزل العرب تفخر بهذا البيت، قال: [من البسيط] ٢١١ - ترفع لي خندف والله يرفع لي ... نارًا، إذا خمدت نيرانهم تقد ب ي د: باد يبيد بيدًا فهو بائد أي هلك. قال تعالى:﴾ ما أظن أن تبيد هذه أبدًا ﴿[الكهف: ٣٥]، وأصله من باد في البيداء أي تفرق فيها وتوزع، وذلك إنما يكون غالبًا في الهلاك. والبيداء: المفازة التي لا شيء بها، ثم عبر عن كل هالكٍ بالبائد وإن لم يكن في البيداء. وجمعها بيد، نحو بيضٍ في بيضاء. والأصل الضم كحمرٍ في حمراء. وإنما كسرت لتصح الياء. وأتان بيدانة أي تسكن البادية البيداء. وبيد بمعنى غير يكون في الاستثناء المنقطع، ومنه قوله ﵊: "أنا أفصح من نطق بالضاد بيد أني من قريشٍ" أي غير أني وقيل: هي هنا بمعنى على، أي على أني، وليس بذلك. وفي الحديث: "إن قومًا يغزون البيت فإذا نزلوا في البيداء بعث الله جبريل فيقول: يا بيداء أبيديهم. فتخسف بهم" البيداء. ب ي ض: البياض: أشرف الألوان، وهو أصلها، إذ هو قابل لجميعها. وقد ندب الشرع إلى إلباسه في المجامع كالجمع والأعياد. وقد كني بذلك عن السرور والبشر، وبالسواد عن الغم. قال تعالى:﴾ يوم تبيض وجوهً وتسود وجوه ﴿[آل عمران: ١٠٦]، ولذلك

стр. 211

البيض ناضرة مستبشرة والسود مغبرة مقترة حسبما وصف ذلك في كتابه. ولما كان البياض أفضل الألوان قالوا: البياض أفضل والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل. وعبر عن الكرم بالبياض فيقال: له عندي يد بيضاء أي معروف. وفي مدحه ﵇ من أبي طالب عمه: [من الطويل] ٢١٢ - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمًة للأرامل ولقد صدق في ما به نطق. والبيض: جمع بيضةٍ وهي ما يخرج من الطائر وبعض الحيوانات، وسميت بذلك للونها غالبًا. وقد توجد غير بيضاء. وقد شبهت العرب بها المرأة للونها ولصيانتها، فإنها محضونة تحت من يبيضها من طيرٍ وغيره، قال تعالى:﴾ كأنهن بيض مكنون ﴿[الصافات: ٤٩] قيل: يعني به بيض النعام لأن فيه بعض صفرةٍ، والعرب تحب هذا اللون. قال: [من البسيط] ٢١٣ - كأنها فضة قد مسها ذهب وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ٢١٤ - كبكر مقاناة البياض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير محلل وتذكر البيضة تارًة مدحًا لمن يوصف بالصيانة والعزة نحو: هو بيضة البلد، ومنه: [من الكامل] ٢١٥ - كانت قريش بيضًة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف وتارًة ذمًا لمن كان مبتذلاً كالبيضة المذرة التي تطرح بالدمن. فقولهم: فلان

стр. 212

بيضة البلد من الكلام الموجه. وبيضة الحديد تشبيهًا بالبيضة في بعض هيئتها ولونها والبياض لما لم يزدرع من الأرض والسواد لمزدرعها، ومنه أرض السواد. ويعبر عن الجمع وعن المعظم بالبيضة، وفي الحديث: "حتى يستبيح بيضتهم"؛ قال الهروي عن شمر: عنى جماعتهم وأصلهم. وقال الأصمعي: بيضة الدار وسطها ومعظمها. يقال: أبيض يبيض بياضًا وابيضاضًا، فهو مبيض، وأبيض وابياض ابيضاضًا أبلغ من أبيض. ب ي ع: مقابلة مالٍ بمالٍ أو مقابلة منافع بمالٍ. وقيل: البيع إعطاء المثمن وأخذ الثمن. والشراء: إعطاء الثمن وأخذ المثمن، وقد يقع هذا موقع هذا. وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمن. قال تعالى:﴾ وشروه بثمنٍ بخسٍ ﴿[يوسف: ٢٠] قلت: إن جعلنا الضمير المرفوع لإخوته. أما إذا جعلناه للسيارة فهو على بابه. قوله:﴾ وذروا البيع ﴿[الجمعة: ٩] وقت النداء يحرم الشراء، وكذا،:﴾ لا تلهيهم تجارة ولا بيع ﴿[النور: ٣٧]. قال الراغب: لا يشتري على شراه، والأظهر يكون على أصله هو أن يجيء الرجل إلى مشترٍ فيقول: عندي سلعة خير من هذه وأرخص منها، فهذا بيع على بيع أخيه، وبذلك فسره الشافعي. وقوله:﴾ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴿[التوبة: ١١١] إشارة إلى بيعة الرضوان في قوله:﴾ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴿[الفتح: ١٨] وإلى الشراء المذكور في قوله:﴾ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴿[التوبة: ١١١]. والبيعة والمبايعة: ما يأخذه الإمام على رعيته من المواثيق بالسمع والطاعة. وابتعت المتاع: عرضته للبيع. وقوله:﴾ وبيع وصلوات ﴿[الحج: ٤٠] جمع بيعةٍ، وهي مصلى

стр. 213

النصارى، وقيل: كنائسهم وليس بشيءٍ. وقوله ﵇: "البيعان بالخيار" يريد البائع والمشتري، يقال لكلٍ منهما بيع وبائع. قيل: ويجوز أن يكون إنما أطلق على المشتري بيع لأنه من باب التغليب، وهو محل نظرٍ. ب ي ن: بأن الشيء يبين بينًا فهو بائن. وبان بمعنى فارق. قال كعب بن زهيرٍ: [من البسيط] ٢١٦ - بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وبانت المرأة بالطلاق، وأبانها زوجها، وأبنت الأمر وبينته: أظهرته بيانًا وتبيانًا، كقوله تعالى:﴾ تلقاء أصحاب النار ﴿[الأعراف: ٤٧]، وما عداهما مفتوح نحو الترداد والتجوال والتطواف. وقولنا في المصادر تحذرنا في الأسماء فإنه يكون يكثر فيها ذلك، نحو: التمثال والتجفاف والتمساح. قال الهروي: يقال: بان لك وأبان واستبان وبين وتبين بمعنى واحدٍ. قلت: كلها يجوز أن تكون قاصرًة ومتعديًة إلا بان فإنه قاصر. وقوله تعالى:﴾ ولتستبين سبيل المجرمين ﴿[الأنعام: ٥٥] من رفع سبيل جعله قاصرًا، ومن نصبه جعله متعديًا. وقال تعالى:﴾ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ﴿[التوبة: ١١٤]، وقوله:﴾ وتبين لكم كيف فعلنا بهم ﴿[إبراهيم: ٤٥] فهذا قاصر، ويقال: تبينت الحق واستبنته أي استوضحته فاتضح. وقوله:﴾ هذا بيان للناس ﴿[آل عمران: ١٣٨] أي فصل ذو بيانٍ. والبين: لفظ مشترك بين المصدر والظرف. ويقال: بان زيد بينًا، وجلست بين القوم. وقوله تعالى:

стр. 214

﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ [الكهف: ٧٨]، قال الهروي: أراد بيننا، وإنما قال: بيني وبينك توكيدًا، كما يقال: أخزى الله الكاذب مني ومنك، يريد منا. قلت: يعني في أصل التركيب لو قيل كذا لأفاد، وفيه نظر لأنه يفيد المعنى المقصود من قولك مثلاً: هذا فراق بيني وبين زيدٍ. قولك: هذا فراق بيننا لأن الأول أخص من الثاني، وأخص في المعنى بخلاف الثاني، فإنه يحتمل احتمالاً ظاهرًا. وقد حققناه في "التفسير" و"الدر المصون"، فلما أضافه للياء تعين تكريره بالعطف لأن بين لا تضاف إلا إلى متعدٍ لفظًا أو تقديرًا نحو: بين الزيدين أو الزيدين. وقوله تعالى:﴾ عوان بين ذلك ﴿[البقرة: ٦٨] لأن ذلك إشارة إلى الفارض والبكر. ولذلك احتاج النحاة أن أجابوا عن قول امرئ القيس: [من الطويل] ٢١٧ - بين الدخول فحومل قالوا: كان من حقه أن يعطف بالواو لأنها لمطلق الجمع، وأجابوا بأن تقديره بين مواضع الدخول، أو بأنه لما كان الدخول اسمًا يحوي أماكن كثيرًة نحو: دارنا بين مصر، وقوله:﴾ فلما بلغا مجمع بينهما ﴿[الكهف: ٦١] قال الراغب: يجوز أن يكون مصدرًا أي موضع المفترق، قال: ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرر كقوله:﴾ ومن بيننا وبينك حجاب ﴿[فصلت: ٥]. قلت: ليس هذا مطابقًا لما ذكره لأن لفظه بأفصح إضافة بين إليها من غير تكريرٍ، نحو: المال بيننا. وقوله:﴾ لقد تقطع بينكم ﴿[الأنعام: ٩٤] قرئ بالنصب على الظرف، فقيل: هو صلة لموصوله محذوف أي: تقطع الذي بينكم، وقيل: الفاعل مقدر أي تقطع الوصل والألف بينكم، وقيل: هو مبني لإضافته إلى غير متمكنٍ، وبالرفع على الفاعلية أي تقطع وصلكم. والبين من الأضداد. قال الراغب: أي وصلكم. وتحقيقه أنه ضاع عنكم الأموال

стр. 215

والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارًة إلى قوله:﴾ يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴿[الشعراء: ٨٨]. وعلى ذلك قوله:﴾ ولقد جئتمونا فرادى [[الأنعام: ٩٤]. وقوله:﴾ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴿[ص: ٨] أي من جملتنا. وقوله:﴾ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴿[سبأ: ٣١] أي متقدمًا له من الإنجيل ونحوه. وقوله:﴾ وأصلحوا ذات بينكم ﴿[الأنفال: ١] أي راعوا الأحوال التي تجعلكم من القرابة والوصلة، وقيل: معنى حقيقة وصلكم وذلك أن ذات كذا بمعنى صاحبة كذا، أو كأنه قيل: أصلحوا صاحبة وصلكم وصاحبة وصلهم على ما قدمنا ذكره معنى القرابة وغيرها. والبينة: الأمر الواضح، ومنه قوله:﴾ إني على بينةٍ من ربي ﴿[الأنعام: ٥٧] أي أنا على أمر واضحٍ ظاهرٍ. والبينة: الحجة، ومنه: "البينة على المدعي" لأن بها ينكشف الحق ويتضح. والبينة: الدلالة الواضحة عقليًة كانت أو حسيةً. وقال بعضهم: البيان على ضربين: أحدهما أن يكون بالتنجيز، وهي الأشياء التي تدل على حالٍ من الأحوال من آثار صنعه. والآخر بالاختبار، وذلك إما أن يكون كتابًة أو إشارًة أو نطقًا، فمما! هو بيان الحال كقوله تعالى:﴾ إنه لكم عدو مبين ﴿[البقرة: ١٦٨]. وما هو بيان بالاختبار كقوله تعالى:﴾ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴿[النحل: ٤٤]. ويسمي الكلام بيانًا لأنه يكشف المقصود. والبيان قد يكون فعلاً أيضًا، ومنه قول الفقهاء: بيان المجمل، لأنه يكشفه ويوضحه، فالبيان أعظم من النطق لما عرفت. ويقال: آية مبينة، وآيات مبينات باسم الفاعل على معنى أنها بينت ما أريد منها، وباسم المفعول على معنى أن الله قد بينها على لسان رسله. وقوله:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿[القيامة: ١٩] أي إخراجه من حد الإجمال إلى حد
следующие страницы →