← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فصل الميم والنون م ن ع: قوله تعالى: ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم﴾ [الحشر: ٢] أي ظنوا أن الحصون تحجز بينهم وبين من يريدهم. والمنع- في الأصل- الحجز بين شيئين، وهو- أيضًا- ضد العطية لأن الحاجز يحجز بين المعطي والعطية. ورجلٌ مانعٌ ورجالٌ منعةٌ نحو: كافرٍ وكفرة. والمناع: البليغ في المنع، قال تعالى: ﴿مناعٍ للخير﴾ [ق: ٢٥] ومنعه: حماه مما يؤذيه، ومنه: ﴿مانعتهم حصونهم﴾ [الحشر: ٢]. وقد منع: صار ذا منعة وهي القوة التي يحمي بها، والمنعة- بالسكون- أيضًا بمعنى المنعة. وفلانٌ منيعٌ. ومكانٌ منيعٌ، أي حصينٌ على ما يرومه. وامرأة منيعةٌ: كناية عن عفتها. قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] قيل: ما حملك، وقيل: ما صدك وحملك على تركه؟ ومناع: اسم فعلٍ لا منع، كنزال لا نزال. والمانع من صفاته تعالى بمعنى الذي يمنع العطاء من يشاء، وقيل: الذي يحمي وينصر. وقوله ﵊: ((لا مانع لما أعطيت)) من الأول. وقولهم: مانع أوليائه، أي يحميهم وينصرهم ويحوطهم. م ن ن: قوله تعالى: ﴿لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] المن: ذكر الصدقة والاستكثار عليه، وهما متلازمان. ومن ملح الكلام: طعم الآلاء أحلى من المن، وهي أمر من الآلاء عند المن، وقال الشاعر: [من الطويل]. ١٥٥٩ - وإن امرؤ أهدى إلى صنيعةً ... وذكرنيها مرةً لبخيل. وكانوا يقولون: إذا صنعتم معروفًا فانسوه. والمنة: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين، أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: من فلانٌ على فلانٍ: إذا أثقله بالنعمة الثقيلة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٦٤] وذلك

стр. 1507

على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى. والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبحٌ فيما بين الناس عند كفران النعمة، ولذلك قيل: المنة تهدم الصنيعة وتوجب القطيعة. ويحسن ذكرها عند الكفران، ومن ثم قيل: ((إذا كفرت النعمة حسنت المنة)). قوله تعالى: ﴿لهم أجرٌ غير ممنونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي غير مقطوعٍ، من منه أي قطعه، قيل: غير معتدٍ به، كما قيل: ﴿بغير حسابٍ﴾. وقيل: غير منقوصٍ، ومنه: المنون للمنية لأنها تنقص العدد وتقصر المدد. وقيل: إن المنية بالقول من هذا المعنى أيضًا لأنها تقطع الثواب وتقتضي قطع الشكر. وحبلٌ منينٌ، أي مقطوعٌ. وقيل: ﴿غير ممنون﴾ [فصلت: ٨] غير محسوبٍ، كقوله تعالى: ﴿يرزقون فيها بغير حساب﴾ [غافر: ٤٠]. وقال الهروي: وقيل: لا يمن عليهم بالثواب الذي استوجبوه. وهذا يشبه قول المعتزلة، ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى الوعد، فإن الله تعالى لا يخلف وعده. قوله تعالى: ﴿وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ ﴿البقرة: ٥٧] قيل: هو الترنجبين، وقيل: هو صمغةٌ حلوةٌ تنزل على الشجرة، وقيل: هو شيءٌ كالطل فيه حلاوةٌ يسقط على الشجر، وقيل: المن والسلوى إشارةٌ إلى ما أنعم الله به عليهم، وهما شيءٌ واحدٌ، سماه منًا من حيث أنه امتن به عليهم، وسماه سلوى من حيث أنه كان لهم به التسلي. والمن: ما يوزن به، وهو رطلان بغداديان، ويجوز إبدال نونه الأخيرة حرف علةٍ فيقال: منًا. وجمعه أمناء. قوله تعالى: ﴿فإما منًا بعد﴾ [محمد: ٤] المن: الإطلاق بلا فداءٍ. قوله: ﴿فامنن أو امسك﴾ [ص: ٣٩] أي انفقٍ أو لا تنفق. وسمي الإنفاق منًا لأنه عطاءٌ والعطاء سبب المن. قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر: ٦] قيل: هو المنة بالقول، وذلك أن يمنن به ويستكثر.

стр. 1508

وقيل: معناه لا تعط شيئًا. وقال ابن عرفة: المعنى لا تمنن ما أوذيت به في جنب الله ولا تستكثر، فإنه قليلٌ في جنب الله أن يثبك به. ومن كلامهم: يا حنان، يا منان، والله تعالى يمن على عباده لأنه مبتديهم بنعمة. ومن قولهم: ((لا تتزوج حنانةً ولا منانةً))، أي من تمن عليك بمالها. قوله: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾ [الحجرات: ١٧] الآية. فالمنة منهم بقولهم: آمنا بك وصدقناك، وقد كفر غيرنا وكذبك. ومنة الله عليهم بالفعل وهو أن هداهم للإيمان بعد أن كانوا ضلالًا. ومن: مخففة تكون شرطيةً فتجزم فعلين شرطًا وجزمًا كقوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] واستفهامًا كقوله: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] وهو استفهامٌ لفظًا نفي معنى، ولذلك وقع معه الاستثناء المفرغ وموصولة، كقوله تعالى: ﴿ومن في الأرض﴾ [المعارج: ١٤] ونكرةً موصوفة، وهي تقع تامةً أي موصولةً لا موصوفةً. وزعم الكسائي أنها تزداد، مستدلًا بقول عنترة: [من الكامل]. ١٥٦٠ - يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم. ولا دلالة، إذ المعنى يا شاة شخص ذي قنصٍ، فهي نكرةٍ موصوفة. ومن: بكسر الميم حرف جر، ولها معان كثيرةٌ: ابتداء الغاية في المكان نحو: ﴿من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]. وفي الزمان أي غلب ومنه قوله: ﴿من أول يومٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] وهو مؤول عند أصحابنا. وتكون للتبغيض ولبيان الجنس، وتحريره في غير هذا، ومزيده بلا شرطٍ أو شرطين أو بشرطٍ. وتكون فعل أمرٍ من: مان يمين أي كذب، كقوله: [من الوافر]. ١٥٦١ - وألفى قولها كذبًا ومينًا. فالأمر منه من، كبع من باع. ولا يقال أنها مترددةٌ بين الحرفية والفعلية كما قيل ذلك في عدا وخلا لما بيناه في كتبنا النحوية.

стр. 1509

ومن -بضم الميم- للقسم، قيل: هي بقية أيمن، فيقال: من الله لأفعلن كذا. م ن ي: قوله تعالى: ﴿من مني يمنى﴾ [القيامة: ٣٧] المني: الماء الدافق، سمي منيًا لأنه بقدر منه الحيوان. وأصل المني: القدر، يقال: منى لك الماني، أي قدر لك المقدر، وأنشد قول الشاعر: [من البسيط]. ١٥٦٢ - لا تأمنن وإن أمسيت في حرمٍ ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني. ومنه المنا الذي يوزن به لأنه مقدرٌ بكيلٍ محصورٍ. قوله: ﴿من نطفةٍ إذا تمنى﴾ [النجم: ٤٦] أي تقدر بالعزة الإلهية والحكمة الربانية، أي تحار العقول في كيفية ذلك ما لم تكن كالعظم والشعر. ومنه المنية أيضًا لأنها أجلٌ مقدرٌ لكل حيً غير المقدر لذلك جل وعز، وجمعها المنايا، والأصل المنائي، وقد نطق به الشاعر في قوله: [من الطويل]. ١٥٦٣ - فما برحت أقدامنا في مكاننا ... بليلتنا حتى أديروا المنائيا. ومنه التمني -أيضًا- لأنه تقدير شيءٍ في النفس وتصويره فيها. وذلك قد يكون عن ظن وتخمينٍ. وقد يكون عن رؤيةٍ وبناءٍ على الأصل. ولكن لما كان أكثره عن تخمينٍ صار المكذب له أملك، فلا جرم كان غالب التمني، كذبً وتصور ما لا حقيقة له. وعليه قوله تعالى: ﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ [النجم: ٢٤] ولذلك وقع في المستحيلات عكس الترجي فلا يقع إلا في الممكن، يقال: ليت شبابي يعود، وقال الشاعر: [من الكامل]. ١٥٦٤ - ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى ... والشيب كان هو البدئ الأول. وقال عروة للحجاج ((يابن المتمنية)) يشير إلى أن أمه هي القائلة: [من البسيط].

стр. 1510

١٥٦٥ - هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج؟. وكان نصرٌ جميلًا وسيمًا تفتن به النساء، فلما سمع عمر شعرها نفاه إلى البصرة واسم هذه المرأة فريعة بنت همامٍ، وكانت قبل ذلك تحت المغيرة. والأمنية: الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، وجمعها أماني، وعليه قوله تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ [البقرة: ٧٨] أي تمنيًا على الله كقولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أيامًا﴾ [البقرة: ٨٠] ﴿نحن أبناء الله وأحبائه﴾ [المائدة: ١٨] ﴿لكم الدار الآخرة عند الله خالصةٌ﴾ [البقرة: ٩٤]. قال مجاهد: إلا كذبًا، وقال غيره: إلا تلاوةً بلا معرفة معنى تجري عند صاحبها مجرى أمنيةٍ مبنيةٍ على التخمين. قيل: ولما كان الكذب تصور ما لا حقيقة له، وإبرازه بالفظ فقط، صار التمني كالمبدأ للكذب، فعبر به عنه، وعليه فسر مجاهد: ﴿إلا أماني﴾ إلا كذبًا، ومنه قول عثمان رضي الله تعالى عنه: ((ما تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت)). وقوله تعالى: ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٨]. التمني هو التلاوة، قال الشاعر: يرثي عثمان: [من الطويل]. ١٥٦٦ - تمنى كتاب الله أول ليلةٍ ... وآخرها لاقى حمام المقادر. وقد ذكروا في التفسير والأسباب عند هذه الآية ما لا ينبغي ولا يجوز اعتقاده، وقال الراغب: قد تقدم أن التمني كما يكون في تخمينٍ وظن فقد يكون عن رؤيةٍ وبناءٍ على أصل. ولما كان النبي ﷺ كثيرًا ما يبادر إلى ما نزل به الروح الأمين على قلبه حتى قيل له: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤] سمى تلاوته على ذلك تمنيًا، ونبه أن للشيطان تسلطًا على مثله في أمنيته، وذلك من حيث بين أن العجلة من

стр. 1511

الشيطان، انتهى. قوله: إن للشيطان تسلطًا .. إلى آخره كلامٌ صعبٌ لا ينبغي ولا يجوز قوله، ولذلك ذكرته منبهةً عليه. وأحسن ما قيل في ذلك أن رسول الله ﷺ لما تلي قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناه الثلاثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] قال: ((الشياطين تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى)). فلما سمع قومه ذلك من الشيطان، وسجد رسول الله ﷺ في آخرها سجدوا معه ظنًا منهم أنه هو القائل لذلك. ولا غرو في ذلك فلله تعالى أن يمتحن عباده بضروبٍ من المحن. وأما ما يروى أنه هو ﵊ القائل لذلك، من وسوسةٍ على سبيل الغلط فحاشا لله، بل الشيطان هو القائل المسمع للناس. فلما عرف النبي ﷺ بذلك أكذبه وعرف الناس أن الشيطان هو الذي قال ذلك فتنةً واختبارًا، ليزداد المؤمنون إيمانًا والمنافقون شكًا وامتحانًا. قوله: ﴿ولأمنينهم﴾ [النساء: ١١٩] يعني: لأجعلن لهم أمنيةً بما أشبههم فيه من أمور الدنيا. ووزن أمنيةٍ أفعولةٌ، وأصلها: أمنوية كأعجوبة، فأدغمت بعد القلب كمرمى. وقيل: إنما قيل للقارئ متمنيًا، وللقراءة تمنيًا، لأنه إذا مر بآية رحمةٍ تمنى دخولها، وبآية عذابٍ تمنى دفعه. وقال بعضهم: كأن المنى مقلوبٌ من المين، بمعنى أن التمني يكون كذبًا كما تقدم تقديره. والمين: الكذب، فيقال: منى يمني، ومان يمين، أي كذب. والتحقيق ما قدمناه. فصل الميم والهاء . م هـ د: قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض مهادًا﴾ [النبأ: ٦] المهاد والمهد: المكان الموطأ، من مهدت الأرض، ومهدتها، أي وطأتها، وقرئ في طه: ﴿مهدًا﴾ و ﴿مهادًا﴾ [طه: ٥٣] فالمهاد كالفراش، والمهد الفرش، وزنًا ومعنىً.

стр. 1512

قوله: ﴿ومهدت له تمهيداً﴾ [المدثر: ١٤] أي وطأت له على سبيل المثال الاستدراج لا الإكرام، ﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقد اغتر كثيرٌ من معاصرينا بما من الله عليهم كأنهم صموا عن هذه الآيات. قوله: ﴿كيف نكلم من كان في المهد﴾ [مريم: ٢٩] أي حال طفوليتك، فليس المهد مقصودًا بالظرفية الحقيقية، ولذلك عطف على محله حالًا أخرى، حسبما بيناه في كتبنا الإعرابية. وامتهد السنام: تسوى فصار لحمها كمهادٍ ومهدٍ. قوله: ﴿فلأنفسهم يمهدون﴾ [الروم: ٤٤] أي يوطئون، كنى بذلك عن الاستعداد ليوم اللقاء. ﴿فبئس المهاد﴾ [ص: ٥٦] أي الفراش. وذكره بلفظ المهاد تهكمًا بهم أو على العكس من الكلام كقوله: [من الوافر]. ١٥٦٧ - تحية بينهم ضربٌ وجيع. م هـ ل: قوله تعالى: ﴿فمهل الكافرين﴾ [الطارق: ١٧] أي أرفق بهم وأخر أمرهم، وهو وعيدٌ كمعنى قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم﴾ [الحجر: ٣] الآية، وقوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] والإمهال: الرفق، ومنه المهلة، وهي الانتظار والتأخير. قوله: ﴿بماءٍ كالمهل﴾ [الكهف: ٢٩] قيل: هو ما أذيب من الجواهر المعدنية كالنحاس والرصاص ونحو ذلك. وقيل: هو دردي الزيت. وفي التفسير: يبتلون بعطشٍ فيستغيثون فيؤتون بماءٍ كالمهل، فإذا قربه إلى فيه سقطت فروة وجهه. نسأل الله العظيم الإجارة من نار الجحيم. ودلت الآية الأخرى على أنهم يشربون. وهو قوله تعالى: ﴿يغلي في البطون﴾ [الدخان: ٤٥] فقد حصل في بطون القوم، ويا بئس ما حصل. م هـ م: قوله تعالى: ﴿وقالوا مهما تأتنا من آية﴾ [الأعراف: ١٣٢] مهما: اسم شرطٍ يجزم فعلين أولهما شرطٌ والثاني خبرٌ، كأن المعنى ائتنا إن أتينا بآيةٍ من الآيات فما نحن

стр. 1513

لك بمؤمنين. واختلف النحاة هل هي بسيطةٌ أم مركبةٌ، والقائلون بتركيبها اختلفوا، فقال بعضهم: مركبةٌ من مه: اسم فعل، وما الشرطية، فلما ركبنا هجر معنى اسم الفعل. وقال آخرون: مركبةٌ من ما الشرطية مكررةً تأكيدًا، فاستثقل اللفظ، فأبدلت الهاء من ألف ما الأولى. وتحقيقه في غير هذا. وقد تزداد استفهامًا. قال الشاعر: [من السريع]. ١٥٦٨ - مهما لي الليلة مهما ليه ... أودي بنعلي وسرباليه. م هـ ن: قوله تعالى: ﴿ألم نخلقكم من ماءٍ مهينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] أي ضعيفٍ حقيرٍ. يشير إلى النطفة التي هي أول خلقه، وإلى ذلك نحا أمير المؤمنين بقوله ﵁: ((ما لابن آدم والفخر وإنما أول نطفةٌ مذرةٌ، وآخره جيفة قذرةٌ، وهو فيما ذلك يحمل العذرة)). ونظمه بعضهم فقال: [من السريع]. ١٥٦٩ - ما بال من أوله نطفةٌ ... وجيفةٌ آخره يفخر؟. أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا يؤخر ما يحذر. وقوله تعالى حكايةً عن فرعون: ﴿أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] أي ضعيفٌ قليلٌ ذليلٌ، فقواه ربه وكثره وأعزه بتسع آياتٍ إحداها عصًا من العصي صارت حيةً أحد لحييها تحت قصره والآخر على أعلى شرفاته. والمهانة: الذلة والقلة. قوله: ﴿ولا تطع كل حلافٍ مهينٍ﴾ [القلم: ١٠] أي ضعيف الرأي والتمييز، قال الفراء: هو ها هنا الفاجر، وغلب في العرف على الكسلان الكل على الناس، يقال: مهن يمهن مهانةً فهو مهينٌ، وامتهنته: استخدمته. المهنة: الخدمة، وفي حديث سلمان: ((إني أكره أن أجمع على ماهنٍ مهنتين))، المهنة- بفتح الميم- والفقهاء يكسرونها

стр. 1514

فيقولون: ما يبدو في المهنة، وقد نص الهروي على أن خفض الميم خطأ، قاله شمر عن أشياخه. يقال: مهنت القوم أمهنهم وأمهنهم، وامتهنوني، أي ابتذلوني. فصل الميم والواو . م وت: قوله تعالى: ﴿وكنتم أمواتًا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] أي كنتم نطفًا في أصلاب الآباء فأحياكم بالخلق والإيجاد، ﴿ثم يميتكم﴾ [البقرة: ٢٨] الموت المتعارف ﴿ثم يحييكم﴾ [البقرة: ٢٨] من القبور، وقيل: كنتم أمواتًا أي نطفًا في الأرحام فأحياكم فيها، والظاهر الأول، وعليه قوله: ﴿أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر: ١١] فالإحياء والإماتة مرتان، وهل يستدعي الموت سبق حياة؟ ظاهر كلام أكثرهم على أنه حقيقةٌ في ذلك، واستعماله في غيره مجازٌ. فقوله: ﴿وكنتم أمواتًا﴾ مجاز، وقوله: ﴿ثم يميتكم﴾ حقيقةٌ، قال بعضهم: الموت أنواعٌ بحسب أنواع الحياة، الأول: ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات، نحو قوله: ﴿وأحيينا به بلدةً ميتًا﴾ [ق: ١١] والثاني: زوال القوة الحاسة، كقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقوله: ﴿أئذا ما مت لسوف أخرج حيًا﴾ [مريم: ٦٦] والثالث: زوال القوة وهي الجهالة، وعليه قوله: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وإياه قصد بقوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ [النمل: ٨٠]، الرابع: الحزن المقدر للحياة، وإياه قصد بقوله تعالى: ﴿ويأتيه الموت من كل مكانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] و ﴿ما هو بميتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] قلت: وفي معناه قوله تعالى: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيا﴾ [الأعلى: ١٣] وعليه قول الشاعر: [من الطويل]. ١٥٧٠ - ألا من لنفسٍ لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياةً لها طعم.

стр. 1515

وكان عمر بن عبد العزيز كثيرًا ما يتمثل بقول الشاعر: [من الطويل]. ١٥٧١ - كفى حزنًا أن لا حياة هنيئةٌ ... ولا عملًا يرضى به الله صالح. الخامس: المنام، ومن ثم قيل: النوم موتٌ خفيفٌ، والموت نومٌ ثقيلٌ، ومن ثم سماه الله تعالى وفاة، فقال: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢] الآية، ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ [الأنعام: ٦٠]. وسأل رجلٌ ابن سرين عن رجلٌ فقال: توفي. فلما رأى جزع الرجل قال: ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ الآية، فسكن جأشه. قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قيل: معناه: نفى عنهم الحزن المذكور في قوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾ [إبراهيم: ١٧] وقيل: نفى عنهم وعن أرواحهم فإنه نبه على نفسهم. وقد جاء مفسرًا في الحديث: ((إن أرواحهم في حواصل طيرٍ خضرٍ تعلق من الجنة وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ)) فهذه حياتهم ونفي الموت عنهم. قوله: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] هذه عبارةٌ عن زوال القوة الحيوانية وإبانة الروح عن الجسد. قوله: ﴿إنك ميتٌ وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠] أي أنك ستموت، تنبيهًا أنه لا ينفلت منه أحدٌ. وإن كان أكرم الخلق، كقوله: ﴿وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد أفإن ميت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]. وقال الشاعر: [من الطويل]. ١٥٧٢ - ولو كان مجدٌ يخلط الدهر واحدًا ... خلدت ولكن ليس حي بخالد.

стр. 1516

وقال آخر: [من السريع]. ١٥٧٣ - والموت حتمٌ في رقاب العباد. وقال آخرون: الميت في الآية معناه التحلل والنقص، فقوله: ﴿إنك ميتٌ﴾ ليس إشارةً إلى إبانة الروح عن الجسد، بل هو إشارةٌ إلى ما يعتري الإنسان في كل حالٍ من التحلل والنقص، فإن البشر ما دام في الدنيا يموت جزءًا فجزءًا. وقد عبر قومٌ عن هذا المعنى بالمائت، وفرقوا بين الميت والمائت، فقالوا: المائت هو المتحلل، وقد رد هذا القاضي الجرجاني فقال: ليس في لغتنا مائتٌ على حسب ما قالوه، وإنما يقولون: موتٌ مائتٌ نحو: شعرٌ شاعرٌ، وسيلٌ سائلٌ ويقال: ميتٌ وميتٌ، قال فجمع بين اللغتين: [من الخفيف]. ١٥٧٤ - ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء. والأصل ميوتٌ، فأدغم بعد القلب، ومثله ﴿المؤمن هينٌ لينٌ﴾ الأصل التشديد. والميتة من الحيوان: ما زالت روحه بغير تزكيةٍ، والموتان يقابل الحيوان، وهي الأرض التي لم تحي للزرع. وأرضٌ مواتٌ. ووقع في الإبل موتانٌ كثيرٌ. وناقةٌ ميتٌ ومميتةٌ: مات ولدها. وأميتت الخمر: مزجت، وقيل: طبخت. والمستميت: المتعرض للموت، وأنشد: [من الوافر]. ١٥٧٥ - فأعطيت الجعالة مستميتًا. والموتة شبه الجنون كأنه من موت العلم والعقل، ومنه رجلٌ موتان القلب، وامرأةٌ موتانةٌ. ويقال: مات يموت ويمات. قال:

стр. 1517

وقد قرئ بهما، بضم الميم وكسرها. قال بعضهم: ما كان حيوانًا قيل منه ميتةٌ بالتخفيف، وما كان جمادًا قيل ميت بالتشديد. ولذلك لم يقرأ ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] إلا تخفيفًا. قلت: وهذا في المتواتر، ولكن يرد قوله قراءتهم في المتواتر ﴿الأرض الميتة﴾ [يس: ٣٣] بالوجهين. م وج: قوله تعالى: ﴿في موجٍ﴾ [هود: ٤٢] الموج في البحر ما علا وارتفع عند هيجان البحر من الماء ومن غواربه وهو الآذي، وأصله من الاضطراب والحركة والاختلاط، ومنه قوله تعالى: ﴿وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج في بعضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] أي يختلطون مضطربين. وماج البر يموج، وتموج يتموج تموجًا: اضطراب. والجمع أمواج. م ور: قوله تعالى: ﴿يوم تمور السماء مورًا﴾ [الطور: ٩] أي تدور دورانًا، وقال آخرون: تجئ وتذهب، من مار الدم يمور: إذا جرى وتردد على وجه الأرض. ومار الشيء: اضطرب، وهو قريبٌ من ماج، وسمي الطريق مورًا، لأنه يذهب به ويجاء، قال طرفة: [من الطويل]. ١٤٧٦ - وظيفًا وظيفًا فوق مورٍ معبد. أي طريق مذلل بالسلوك. قيل المور: الجريان السريع. والمور- بالضم- التراب المتردد به الريح. وناقةٌ تمور في سيرها فهي موارة وموارٌ- دون تاء-. وفي حديث آدم: ((لما نفخ في جسده مار في رأسه فعطس)) أي دار.

стр. 1518

م وس: قوله تعالى: ﴿موسى﴾ موسى بن عمران صلوات الله عليه وسلم. موسى، أي ماء وشجرٌ لأنه دخل في نيل مصر حيث ألقتها أمه إلى قصر فرعون من جداول تسرع إلي النيل وكان فيه شجرٌ. ومن ثم سمي بذلك فعربته العرب إلى موسى. والموسى عند العرب هذه الآلة المعروفة التي يستح دبها ويحلق. واختلف الصرفيون في اشتقاقها، فقيل: من أوست رأسه: حلقته، فوزنه [مفعل]. وقيل: من ماسه أي حسنه، فوزنه فعلى، وليس هذا من موسى العلم في شيء فإن ذاك أعجمي وهذا عربي. م ول: قوله تعالى: ﴿المال والبنون﴾ [الكهف: ٤٦] المال: ما ملك من متاع الدنيا وصح الانتفاع به، وغلب في النقود والعروض المعدة للتجارة. قوله: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم﴾ [سبأ: ٣٧]، نفي لما كانوا يعتدون به، فإن الرجل يدفع عن نفسه بماله ويقيه بولده. وقال الأعصمي، وتبعه الراغب: سمي المال مالًا لأنه يميل من هذا إلى ذاك. قال الراغب: ولذلك سمي عرضًا، وعلى هذا دل قول من قال: ((المال قحبة، يومًا تكون في بيت عطارٍ، ويومًا في دار بيطارٍ)). وخطأ الناس قائل ذلك فإن المال من الواو بدليل مويل وأموال، وتمول فلانٌ. وبأن الميل من الياء وليس خطأ، فإن هذا الاشتقاق الأكبر، وقد فعلوا مثله كثيرًا- كما تقدم- في لفظ الصلاة وغيرها. م وهـ: قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾ [البقرة: ٢٢] هو المطر، وأصله موه، فقلبوا الهاء همزةً كما قلب الهمزة هاءً في هرجت وهرقت وهزت، ويدل على ذلك قولهم في التصغير مويه، وفي التكثير مياه وأمواه، والتصغير والتكثير يردان الأشياء إلى أصولها.

стр. 1519

وقالوا أيضًا: ماهت الركية وموهت: كثر ماؤها، وماهت تميه وتماه، وبئر ميهةٌ وماهةٌ وميهةٌ. وأماه الرجل وأمهى: بلغ الماء، وجلٌ ماه القلب وماهي القلب: كثير ماء القلب. وقد اختلف الناس في الماء هل كله من السماء، أو كله من الأرض، أو بعضه من هذه وبعضه من هذه؟ خلافٌ لا طائل تحته، وقد جاء لكل قولٍ ظاهرٌ من القرآن. قوله: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠] هو الماء المعهود، وكذا كل دابة من ماء. وقيل هو المني. قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء﴾ من محاسن الكلام، وتسمية المني ماءً مجازٌ، ولذلك سمي نطفةً وهي العاقبة، والسلالةً وهي المنسلة من الطين. م أ: في كلامهم ترد للنفي، وهي فيه على قسمين: عاملةٍ عمل ليس وهي لغة الحجاز، وعليها جاء التنزيل كقوله: ﴿ما هذا بشرًا﴾ [يوسف: ٣١] ﴿ما هن أمهاتهم﴾ [المجادلة: ٢]. وغير عاملةٍ وهي لغة تميم، ولها أحكامٌ وشروطٌ أتقنها في كتبنا النحوية، وتكون شريطةً وجازمةً فعلين كإن، كقوله: ﴿وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله﴾ [البقرة: ١٩٧]. وتكون استفهامًا كقوله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل﴾ [الأنبياء: ٥٢]. ويستفهم بها عن الذوات وأجناسها وأنواعها وعن جنس صفات الشيء ونوعه، وتكون موصولةً اسميةً بمعنى الذي وفروعه كقوله: ﴿قل ما عند الله خيرٌ من اللهو﴾ [الجمعة: ١١]، وموصولةً حرفيةً ينسبك منها ومما بعدها مصدرٌ، كقوله تعالى: ﴿بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١] أي بسبب عصيانهم، وهي على قسمين: ظريفة وغير ظريفة، فالظريفة: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] أي مدة دوامي فيهم. وتكون نكرة موصوفة كقولهم: مررت بما معجبٍ لك أي شيءٍ معجبٍ. وصفةً لنكرةٍ كقولهم: ((لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفه)) أي لأمرٍ عظيمٍ، وقال امرأ القيس: [من المديد]. ١٥٧٧ - وحديثٌ ما على قصره.

стр. 1520

في أحد القولين، ومنه أحد الأوجه: ﴿مثلًا ما بعوضةً﴾ [البقرة:٢٦] وتكون نكرة تامة لا موصوفة ولا موصولة في قوله: ﴿نعما﴾ [النساء:٥٨] كقوله تعالى: ﴿فنعما هي﴾ [البقرة:٢٧١] ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ [البقرة:٩٠] على خلاف ذلك أتقناه في ((الدر)) وغيره. وتكون تعجبًا نحو: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة:١٧٥]. وقيل: هي هنا موصولة اسمية، وتحقيق هذا في غير هذا الموضوع. وتكون زائدة؛ فإذا زيدت فتارة يبطل معها عمل عامل إن وأخواتها إلا ليت نحو: ﴿إنما الله إله واحد﴾ [النساء:١٧١] عند الجمهور؛ ومع ليت يجوز الأمران كقول النابغة: [من البسيط] ١٥٧٨ - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد ورفعه. ولسيبويه في البيت كلام، وتارة لا يبطل عمله البتة. وفي زيادتها بعد: من وعن والباء كقوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم﴾ [نوح:٢٥] ﴿عما قليل﴾ [المؤمنون:٤٠] ﴿فبما رحمة﴾ [آل عمران:١٥٩]. وتارة يجوز الأمران، وذلك في زيادتها بعد ليت- كما تقدم- وبعد رب والكاف، وينشد: [من الخفيف] ١٥٧٩ - ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار وقول الآخر: [من الطويل] ١٥٨٠ - وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم

стр. 1521

برفع الجامل والناس وجرهما. وتكون مهيئة وكافة، وهي متصلة تارة بحسب الجملة بعدها، فإن كانت الجملة فعلية كانت مهيئة نحو: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر:٢٨]. وإن كانت اسمية فهي كافة نحو: ﴿إنما الله إله واحد﴾، ﴿إنما إلهكم الله﴾ [طه:٩٨] وهل تفيد الحصر حينئذ أم لا؟ وتزاد بعد بعض أدوات الشرط، وهي فيه على ضربين: ضرب يلزم فيه زيادتها وهو: إذ وحيث، لا تكونان شرطين إلا مع ما كقوله: [من الكامل] ١٥٨١ - إذ ما أتيت إلى الرسول فقل له ... حقًا عليك إذا اطمأن المجلس وقوله تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة:١٤٤]. وهل إذ ما حينئذ على اسميتها أم صارت حرفًا ... سيبويه الثاني وجوازًا بعد إن وإذا ومتى وأين كقوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء:٧٨] ويمنع زيادتها بعد من وما ومهما، وهذا كله نبذ من أصول طويلة نبهتك عليها. وتكون كافة للفعل أيضًا، وذلك في: قل، وطال، وكثر، نحو: قلما تفعل كذا، وكثر ما تفعل، وطالما تفعل، وقيل: بل هي هنا مصدرية، وتكتب ما متصلة بثلاثة الأفعال المذكورة، وقيل: إن اعتقد كونها زائدة كتبت متصلة، وإن كانت مصدرية فمنفصلة، قال الشاعر: [من الطويل] ١٥٨٢ - صددت فأطولت الصدود وطالما ... وصال على طول الصدود يدوم فإذا جاءتك ((ما)) في الكتاب العزيز فاعتبرها بما ذكرت لك من هذه الأنواع، والله أعلم.

стр. 1522

فصل الميم والياء م ي د: قوله تعالى: ﴿ربنا أنزل علينا مائدةً من السماء﴾ [المائدة:١١٤] المائدة: الخوان ما كان عليه طعام، وإلا فهو خوان، كالكأس ما فيه شراب، وإلا قدح. ولهما أخوات، وأصلها من مادة يميده: أي أعطاه ميدًا، فهو مائد، والمطلوب منه الميد ممتاد. وأنشد لرؤبة: [من الرجز] ١٥٨٣ - إلى أمير المؤمنين الممتاد وقيل: المائدة: الطبق الذي عليه الطعام، قاله الراغب. ويقال لكل واحد منهما مائدة، وهذا خلاف المشهور. ومادني: أطعمني، وقيل: يعشيني. قوله: ﴿أن تميد بكم﴾ [النحل:١٥] أي تضطرب وتتحرك حركة شديدة. وقيل: هو اضطراب الشيء المعظم، كاضطراب الأرض ونحوها. وقيل في قوله تعالى: ﴿مائدة﴾ إنها طعام. وقيل: طلبوا أشياء من العلم وسماه مائدة، من حيث إن العلم غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأبدان، قاله الراغب. وهذا وإن كان صحيحًا في الجملة إلا أنه ليس المراد لما يدل عليه الظاهر والآثار المنقولة. والميدان: مركض الدواب لاضطرابها وحركتها ذهابًا وإيابًا، وقيل في قول الشاعر: [من الطويل] ١٥٨٤ - نعيمًا وميدانًا من العيش أخضرا إنه الممتد من العيش.

стр. 1523

وماد الرجل: إذا أصابه الميد من ركوب البحر. ورجل مائد، ورجال ميدى، وليس يعبأ به، وماد الرجل: إذا أدير به وأصابه الدوران، وإن لم يكن من ركوب البحر. وفي الحديث: ((نحن السابقون الآخرون ميد أنا أوتينا الكتاب من بعدهم)). ميد وبيد بمعنى سوى أو غير ... ، وقيل: معناه على أنا. م ي ر: قوله تعالى: ﴿ونمير أهلنا﴾ [يوسف:٦٥] أي نحمل لهم الميرة، وهي الطعام والأزواد، وكل مقتات فهو ميرة؛ يقال: مرت القوم أميرهم ميرًا فأنا مائر، والجالبون للميرة ميارة، والميرة والخيرة متقاربان. م ي ز: قوله تعالى: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ [الأنفال:٣٧] أي ليبين ويخلص هذا من هذا. والميز والتمييز: الفصل بين المشتبهات، يقال: مازه يميزه ميزًا، وميزه يميزه تمييزًا، وقد قرئ بهما. وقول النحاة: ((تمييز)) أي بيان لما أبهم في ذات نحو عشرين درهمًا، أو نسبة نحو طاب زيد نفسًا. قوله: ﴿وامتازوا اليوم﴾ [يس:٩] أي انعزلوا ولا تخلطوا بالمؤمنين حتى تعرفوا، يقال: مزته فامتاز وانماز وتميز، أي انفصل وانقطع وانسلخ عما كان متصلًا به. قوله: ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ [الملك:٨] أي تنفصل وتنقطع من غيظها، إما بأن خلق الله فيها قوة ذلك أو تكون من مجاز التخييل، وفي حديث جبريل: ((استماز رجل من رجل به بلاء فابتلي به)) أي تباعد منه وانفصل. ويقال: لا مستمازلك، أي لا ملجأ ولا فاصل. ويطلق التمييز على القوة التي في الدماغ، وبها تستنبط المعاني، لا تمييز لفلان.

стр. 1524

م ي ل: قوله تعالى: ﴿فلا تميلوا﴾ [النساء:١٢٩] أي ولا تجوروا، وأصل الميل العدول من جهة الوسط إلى أحد الجانبين، فاستعمل في الجور مجازًا، قيل: وإذا استعمل في الأجسام فإنه يقال فيما كان في خلقه ميل- بالفتح- وفيما كان عرضًا ميل- بالسكون ويقال- ملت إلى فلان، أي أحببته وعاونته. وملت عليه، أي تحاملت. قوله تعالى: ﴿فيميلون عليكم ميلة واحدة﴾ [النساء:١٠٢] وفي حديث ذم النساء: ((مائلات مميلات)) فيه أوجه؛ أحدها يمتشطن المشطة الميلاء وهي مشطة البغايا، وإياها عنى امرؤ القيس بقوله: [من الطويل] ١٥٨٥ - غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل ونهى الشرع عنهما، والمميلات: الفاعلات ذلك بغيرهن، وقيل: مائلات عما أمر الله. مميلات: معلمات غيرهن الميل، وقيل: هن المتبخترات اللاتي يتمايلن في مشيهن، وكله مراد فإنه موجود.

стр. 1525

باب النون فصل النون والهمزة ن اش: قوله تعالى: ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾ [سبأ:٥٢]. قرئ في المتواتر ((التناوش)) بالهمز والواو؛ فمن قرأ بالهمز قال: هو التناول من بعد. يقال: ناش إذا أبطأ وتأخر. وأنشد: [من الطويل] ١٥٨٦ - تمنى نئيشًا أن يكون أطاعني أي، أخيرًا. ومن قرأ بالواو قال: هو التنازل بسهولة. وأنشد قول عنترة: [من الكامل] ١٥٨٧ - فتركته جزر السباع ينشنه ... يقصمن قلة رأسه والمعصم يقال: ناشه ينوشه، وتناوشه يتناوشه تناوشًا. وهذه التفرقة لأبي عمرو. وقال غيره: القراءتان بمعنى، والهمز بدل من الواو، وقال: لأنهم إذا أبدلوا الواو ساكنة مضمومًا ما قبلها، لأجل تلك الضمة في قول الشاعر: [من الوافر] ١٥٨٨ - أحب المؤقدين إلى مؤسى فلأن يبدلونها مضمومة أولى. وعليه: ﴿أقتت﴾ [المرسلات:١١] و ((وقتت)). وقيل: هو بالهمز بمعنى الطلب، والمعنى: كيف يتناولون أو يطلبون الإيمان من مكان

стр. 1526

بعيد أو يطلبونه من مكان قريب؟ وهي حالة الاختيار والانتفاع إشارة لقوله: ﴿لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ [الأنعام:١٥٨]. ن اي: قوله تعالى: ﴿أعرض ونأى﴾ [الإسراء:٨٣] أي، تباعد. يقال: نأى عني ينأى نأيًا، فهو ناءٍ. وأنشد: [من الطويل] ١٥٨٩ - ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد جمع المترادفين تأكيدًا، وحسنه اختلافهما كقوله: ﴿صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة:١٥٧] وقول الآخر: [من الوافر] ١٥٩٠ - فألفى قولها كذبًا ومينا وقيل: نأى أي، أعرض، وقيل: تكبر نحو شمخ بأنفه. وكلها معان متقاربة. ومن ذلك النؤي، وهو ما يحفر حول الخباء، لينفذ منه الماء. وأنشد للنابغة: [من البسيط] ١٥٩١ - إلا الأواري لأيًا ما أبينه ... والنؤي كالوض بالمظلومة الجلد فصل النون والباء ن ب أ: قوله تعالى: ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ [الأنعام:٣٤] أي، من أخبارهم مع قومهم. والنبأ: الخبر، كذا فسره الهروي وغيره. ولم يكتف الراغب بذلك، بل قيده بثلاثة أمور فقال: النبأ خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن، قال: ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة. وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ، أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر وخبر الله وخبر الرسول. قال: ولتضمن النبأ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا أي أخبرته به، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا كقولك: أعلمته كذا. قال

стр. 1527

تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون﴾ [ص:٦٧ و ٨٦]. قلت: أنبأ ونبأ، وأخبر وخبر متى تضمنت معنى أعلم تعدت لثلاثة مفاعيل. وهي نهاية التعدي. وأما أعلمته بكذا فتلضمنه معنى الإحاطة. قوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات:٦] فيه تبينه أنه إذا كان الخبر شيئًا عظيمًا له قدر، فحقه أن يتثبت فيه ويتيقن، وإن غلب صحته على الظن حتى يعاد النظر فيه. قيل: ونبأته أبلغ من أنبأته، ولذلك قال تعالى: ﴿من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم:٣]، ولم يقل: أنبأني. فنزل ذلك على أنه من قبل الله تعالى. قوله: ﴿قل هو نبأ عظيم﴾ [ص:٦٧] قيل: هو أخبر به من أمر يوم القيامة. قوله: ﴿عم يتساءلون﴾ [النبأ:١] قيل: هو القرآن، وقيل: أمر القيامة. قوله: ﴿نبئنا بتأويله﴾ [يوسف:٣٦] أي خيرنا. وذلك لأنه أمر عظيم عند ما رأيا ما رأيا. قوله: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم﴾ [يوسف:١٥] أي، لتجازينهم بأمرهم. فعبر بذلك عن المجاوزى غالبًا يؤنب من مجازيه. والعرب تقول لمن تتوعده: لأنبئنك. ومثله قوله تعالى: ﴿فلننبئن الذين كفروا بما عملوا﴾ [فصلت:٥٠] أي، لنقرعنهم. والنبي قرئ بالهمز وبغير الهمز؛ فمن همزه جعله من النبأ. وهو فعيل بمعنى مفعول، لأنه منبأ من جهة الله تعالى ومخبر. وقيل: بمعنى فاعل، لأنه ينبئ الإنسان بما أوحي إليه. ويدل على ذلك أعني أن الهمز جمع لفظه على نبآء قال: [من الكامل] ١٥٩٢ - يا خاتم النبآء إنك مرسل وقد أنكر بعضهم هذه القراءة. وليس بمصيب، لحديث رواه وهو أن رجلًا قال: ((يا نبيء الله، فقال: لست بنبيء الله، ولكن نبي الله)). وقد ذكرنا هذا مستوفى في

стр. 1528

((العقد)) و ((الدر)) وغيرهما، فعليك باعتبار ثمة. ومن قرأه غير مهموز فمن نبا ينبو. وسيأتي في مادته. ن ب ت: قوله تعالى: ﴿وأنبتها نباتًا حسنًا﴾ [آل عمران:٣٧] هذا مجاز عن [التربية] أي، رباها تربية. والنبت: والنبات: ما يخرج من الأرض من الناميات، سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن كالنجم. ولكن اختص في التعارف بما لا ساق له. قال الراغب: بل اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات، وعليه قوله تعالى: ﴿لنخرج به حبًا ونباتًا﴾ [النبأ:١٥] ومتى اعتبرت الحقيقة فإنه يستعمل في كل نام نباتًا كان أو حيوانًا أو إنسانًا. قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ [نوح:١٧]: النحويون يقولون: نباتًا موضوع موضع الإنبات، وهو مصدر. وقال غيرهم: هو حال لا مصدر، ونبه بذلك أن الإنسان هو من وجه نبات من حيث إن بدأه ونشأه من التراب، وإنه ينمو نموه وإن كان له وصف زائد على النبات. وعليه نبه في قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من تراب﴾ [غافر:٦٧]. قوله: ﴿تنبت بالدهن﴾ [المؤمنون:٢٠] قرئ تنبت من نبت ثلاثيًا، وتنبت من أنبت. وفي ذلك أقوال أحدها أن الباء مزيدة في قراءة تنبت، كقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ [البقرة:١٩٥]. ١٥٩٣ - لا يقرأن بالسور ويقال: إن بني فلان لنابتة شد. ونبتت فيهم نابتة، أي نشأ فيهم صغار.

стр. 1529

ن ب ذ: قوله تعالى: ﴿فنبذوه وراء ظهورهم﴾ [آل عمران:١٨٧] أي رموه وطرحوه. قوله: ﴿وراء ظهورهم﴾ تمثيل عن قلة مبالاتهم به. لم يكتفوا بطرحه بل لا يهمون به، لأن الإنسان قد يرمي الشيء مع التفاته إليه. وفي المثل: ((نبذه نبذ النعل الخلق)). قوله: ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال:٥٨] أي ألق عهدهم إليه، وآذنهم بالحرب ولا تأخذهم على غرة. قيل: واستعمال النبذ هنا كاستعمال الإلقاء في قوله: ﴿فألقوا إليهم القول﴾ [النحل:٨٦] ﴿وألقوا إلى الله يومئذ السلم﴾ [النحل:٨٧] تنبيه ألا يؤكد معهم عهدًا بل حقهم أن يطرح إليهم ذلك طرحًا، مستحثًا به على سبيل المجاملة، وأن يراعيهم حسب مراعاتهم، ويعاهدهم على قدر ما عاهدوه. قوله: ﴿انتبذت من أهلها﴾ [مريم:١٦] أي، اعتزلت وتنحت؛ يقال: انتبذ فلان مجلسه، وجلس نبذة ونبذة أي: اعتزل، يحيث إذا نبذت إليه شيئًا وصل إليه. وصبي منبوذ ونبيذ نحو ملقوط ولقيط. قيل: لكن منبوذ يقال اعتبارًا بمن طرحه، وملقوط ولقيط اعتبارًا بمن تناوله. والنبيذ: ما ألقي فيه تمر أو زبيب مع الماء، يقصدون بذلك تحلية الماء وعذوبته. ولذلك نهى الشارع عن الانتباذ في أوان مخصوصة، لئلا يشتد فيسكر. وصار النبيذ في العرف العام اسمًا للشراب المسكر، وإن كان النبيذ في الأصل إنما هو للشيء الملقى في الماء كالتمر والفضيح ونحوهما، ثم أطلق على ذلك الماء الذي ألقي فيه مجازًا للمجاورة، ثم غلب على المسكر. ونابذت زيدًا عهده، يجوز أن يكون مما وقع منه فاعلت موقع فعلت، نحو: سافرت وعاقبت اللص وطارقت النعل، وأن يكون على بابه من المفاعلة، وأن كلًا منهما نبذ عهد صاحبه إلى الأخر. ن ب ز: قوله تعالى: ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ [الحجرات:١١] أي: لا تداعوا به. وهذا محمول على ما إذا كان التلقيب مؤذيا لصاحبه. فأما إذا كان غير مؤذيه، وفيه تعظيمه فلا

стр. 1530

حرمة. وكذا إذا لم يعرف إلا به، وكان فيه مفسدة لو لم يذكر به، كتضييع حق الغير لا سيما إذا روي عنه كالأعرج والأعمش، حيث غلب على هذين. وكره سعيد بن المسيب فتح الياء من المسيب، وكان يقول: سيب الله من سيب أبي. وكره التلقيب مطلقًا وإن أحبه صاحبه. ن ب ط: قوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء:٨٣] أي يستخرجونه. يقال: استنبطت الماء من الأرض، وأنبطته، أي استخرجته. وأصله من النبط وهو أول ما يخرج من البئر حين تحفر. وفي المثل: ((أنبط في غضراء)) أي استخراج الماء من طين حر. وأنشد: [من الطويل] ١٥٩٤ - نعم، صادقًا، والقائل الفاعل الذي ... إذا قال قولًا أنبط الماء، في الثرى وسئل بعضهم عن رجل فقال: ذاك قريب الثرى بعيد النبط أي: قريب الوعد بعيد الوفاء. وفي الحديث: ((ورجل ارتبط فرسًا ليستنبطها)) أي ليخرج ما في بطنها. وسأل عمر بن الخطاب عمرو بن معدي كرب عنه فقال: ((ذاك أعرابي في حبوته، نبطي في جبوته)) أراد أنه في حبوة العرب، وكالنبطي في علمه بأمر الخراج وجبايته وعمارة الأرض، حذقًا بها ومهارة فيها. والنبط: جيل معروف، سموا بذلك، لأنهم ينبطون الماء في الأرض ويزرعونها، ويستخرجون بذرها. بمقابلة العرب يقال: ذاك عربي وهذا نبطي، ولذلك قال الفقهاء: لو قال لعربي: يا نبطي كان قذفًا. وكان عمر يقول: ((تمعددوا ولا تستنبطوا)) أي تشبهوا بمعد لا بالنبط.

стр. 1531

وفرس أنبط: أبيض ما تحت الإبط. ن ب ع: قوله تعالى: ﴿ينابيع في الأرض﴾ [الزمر:٢١] هو جمع ينبوع. والينبوع: العين التي يخرج منها الماء. ويقال: نبع ينبع نبعًا ونبوعًا، فهو نابع من الينبوع. وقال تعالى: ﴿حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] ووزنه يفعول من النبع. والنبع: شجر تتخذ منه القسي. ن ب و: قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي﴾ [التوبة:٧٣] قد تقدم في لفظ النبي قولان: أحدهما أنه من النبأ مهموز، والثاني أنه من نبا ينبو، أي ارتفع. قال بعضهم: هو من النبوة، أي الرفعة. سمي نبيًا لرفعة محله عن سائر الناس المدلول عليها بقوله: ﴿ورفعناه مكانًا عليًا﴾ [مريم:٥٧]. وعن قتادة: ((ما كان رجل بالبصرة أعلم من حميد بن هلال، غير أن النباوة أضرت به)). النباوة والنبوة: الارتفاع. يقال: له نباوة ونبوة، أي رفعة وشرف. وقال غيره: النبي ما ارتفع من الأرض المرتفعة المحدودبة. وقيل: على الطرق. وسميت رسل الله أنبياء لكونهم طرقًا إلى الله. والنباوة أيضًا: موضع بالطائف. ومنه الحديث: ((وخطب يومًا بالنباوة من الطائف)). ونبا السيف من الضريبة: ارتد عنا. ونبا بصره عن كذا تشبيهًا بذلك. فصل النون والتاء ن ت ق: قوله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ [الأعراف:١٧١]. نتق الشيء: جذبه ونزعه حتى

стр. 1532

يسترخي، كنتق عرى الحمل. ومنه استعير: امرأة ناتق: جذا كثر ولدها. ومنه قيل: زند ناتق، أي وا تشبيهًا بذلك. أب عبيدة: زعزعناه واستخرجناه من مقره. وكل شيء قلعته ورميت به فقد إنتقته. ونتقت الشيء: نقضته. وهو يرجع إلى معنى الرمي. وقال غيره: نتقناه: رفعناه بدليل قوله ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ [البقرة:٦٣]. ابن الأعرابي: الناتق: الرافع، والناتق الباسط، والناتق: الفاتق. وامرأة ناتق ومنتاق: كثيرة الولد. القتيبي: أخذ ذلك من نتق السقاء، وهو نفضه حتى يقتلع الزبدة منه. قال: وقوله ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ كأنه قلع من أصله. ابن اليزيدي: نتق الجراب: نثر ما فيها. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه: ((البيت المعمور نتاق الكعبة من فوقها)) أي هو مطل عليها. قال القتيبي: هو من قوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل من فوقهم﴾. فصل النون والثاء ن ث ر: قوله تعالى: ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ [الإنفطار:٢] أي تفرقت ورمي بها من مقارها، ونثر الشيء: نشره. يقال: نثرته فانتثر، ويقال: نثر السكر نثرة، بالضم ونثر الماء نثرة بالكسر. وفي الحديث: ((إذا توضأت فانثر)) وفي آخر ((فاستنثر)) أي استنشق. وحقيقته اجعل الماء في أنفك. والأنف يقال له: نثرة. وقيل: هي طرفه. والنثرة أيضًا: نجم معروف، لأنه بمنزلة نجم آخر يقال له الأسد. ويقال للدرع إذا لبس: نثرة. وذلك لنشرها عند لبسها.

стр. 1533

وفي الحديث: ((أيوافقكم العدو حلب شاة نثور؟)) أي غزيرة اللبن، كأنها تنثر اللبن. ونثرت: طرحت الأذى من أنفها. والنثرة أيضًا: ما يسيل من الأنف. وقد طعنه فأنثره، أي ألقاه علن نثرته، أي أنفه. والاستنثار: جعل الماء في نثرته. وفي حديث المجادلة، وهي حوله: ((فلما خلا سني، ونثرت له ذا بطني)) أرادت: كنت شابة ألد له. وفي حديث ابن عباس: ((الجراد نثرة الحوت)) أي، عطسته. وفي حديث أم زرع: ((ويميس في حلق النثرة)) أي، يتبختر في حلق الدرع. وهو ما لطف منها. فصل النون والجيم ن ج د: قوله: ﴿وهديناه النجدين﴾ [البلد:١٠] أي عرفناه طريقي الخير والشر كقوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا﴾ [الإنسان:٣] وأصل النجد المكان الغليظ المرتفع، وجمعها نجاد. فجعل طريق الخير والشر، وإن كانت معنوية بمنزلة الطريق الحسية. ومن ذلك نجد للمكان المرفوع، لأنه مرتفع عن التهائم. قال الشاعر: [من الطويل] ١٥٩٥ - فإن تدعي نجدًا أدعه ومن به ... وإن تسألي نجدًا فيا حبذا نجد وقال مجاهد: النجدان هنا: الثديان. أي ألهمناه أن يلتقمهما فيرضع منهما. وقيل: بينا له طريق الحق والباطل في الاعتقاد، والصدق والكذب في المقال، والجميل والقبيح في الفعال.

стр. 1534

والنجاد: حميلة السيف، وبها كني عن طول القامة. قولهم فلان رفيع العماد، طويل النجاد، كثير الرماد. قال الشاعر: [من الكامل] ١٥٩٦ - قصرت حمائله عليه فقلصت ... ولقد تحفظ قينها فأطالها وفي حديث الشورى ((وكانت امرأة نجودًا)) أي ذات رأي. وفي حديث: ((إلا من أعطى في نجدتها ورسلها)). قال أبو عبيد: نجدتها: كثرة شحومها حتى تمتنع به أن ينحرها ضنًا بها، فكان ذلك بمنزلة السلاح لها. والنجدة: الإعانة. واستنجدته: طلبت نجدته فأنجدني، أي أعانني بنجدته. واستنجد فلان أي، قوي. وقيل للمكروب: منجد، كأنه نالته نجدة، أي شدة. ونجدة الدهر حنكه لكثرة نجادته. وقيل: معناه قواه وشدده، وذلك لما رأي فيه من التجربة. ومنه: هو ابن نجدة كذا. والنجاد: ما يرفع به البيت. والنجاد: متخذه. والنجاد أيضًا: ما يرفع به السيف من ستر ونحوه. والناجود: الراووق، شيء يعلق ويصفى به الشراب، وأنشد لعلقمة بن عبدة: [من البسيط] ١٥٩٧ - ظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مغروم ورجل نجد ونجد ونجيد، أي: شجاع قوي لما فيه من النجدة، وأنشد للنابغة الذبياني: [من البسيط] ١٥٩٨ - فهاب ضمران منه، حين يوزعه ... طعن المعارك، عند المحجر، النجد

стр. 1535

ونجدت البيت: زينته بالفرش. ومنه الحديث: ((وعليها مناجد من ذهب))، قال أبو عبيد: هي الحلي المكلل بالفصوص. وقيل: هي قلائد من لؤلؤٍ وذهبٍ وقرنفلٍ، كأنها من نجاد السيف، الواحد منجد، بكسر الميم. وفي آخر: ((أنه ﵊ أذن في قطع المنجدة)) يعني من الحرم. والمنجدة: عصا تساق بها الدابة. وسمي النجاد نجادًا لأنه يرفع الثياب بحشوها. وفي الحديث: ((وعلى أكتافها يعني الإبل مثل النواجد شحمًا)) أي طرائق الشحم. والواحد ناجدة، قيل ذلك لارتفاعها. ن ج س: قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] أي ذو نجس. وقيل: جعلهم نجسًا مبالغة. وقيل: النجس: كل مستقذر. فإذا قرن بقولهم: رجس وجب كسر فائه وسكون عينه ليسا قرينة. فيقال: هذا نجس رجس. قال بعضهم: النجاسة: القذارة، وهي ضربان: ضرب يدرك بالحاسة، وضرب يدرك بالبصيرة. وعلى الأول وصف الله المشركين بالنجس. وقيل: نجسه: جعله نجسًا، وعلى الثاني تنجيس العرب، وهو شيء كانوا يعلقونه على الصبي من عودة، ليدفعوا بها نجاسة الشيطان. والناجس والنجيس: داء لا دواء له. ويقال: نجس ينجس، ونجس ينجس. ن ج ل: قوله تعالى: ﴿التوراة والإنجيل﴾ [آل عمران: ٣] والإنجيل: أحد الكتب الأربعة. المنزل على عيسى ابن مريم. وأكثره مواعظ وأمثال، وأحكامه قليلة جدًا، لأن عيسى جاء

стр. 1536

مقررًا لأحكام التوراة إلا يسيرًا. واختلف الناس فيه هل له اشتاق أم لا؟ والظاهر لا اشتقاق له أنه أعجمي. ثم القائلون باشتقاقه اختلفوا؛ فقال بعضهم: سمي لاستخراجه من عند الله تعالى على يد عيسى ﵇. ومنه النجيل لخروجه من الأرض، ومنه قيل للولد: نجل. وأنشد: [من المنسرح] ١٥٩٩ - أنجب أيام والديه به ... إذا نجلاه، فنعم ما نجلا ومنه الحديث: ((كان يطلب نجلها)) أي ولدها. ومنه قولهم: قبح الله ناجليه أي، والديه. وقال آخرون: من النجل، وهو الماء الذي ينز من الأرض، يعني أنه يشبه الماء الذي ينزه من وجهين: كونه مستخرجًا، وكونه يحيي به النفوس كما يحيي بالماء. ومنه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ((وكان واديها يعني المدينة نجلًا يجري)). وقال آخرون: الإنجيل: كل كتاب مسطور وافر السطور، قاله شمر. فعلى هذا يكون علما بالغلبة. وقال بعضهم: هو من قولهم: نجل، أي علم. وأنشد لبلعاء بني قيس: [من الطويل] ١٦٠٠ - وأنجل في ذاك الصنيع كما نجل أي اعمل واصنع. وفي الحديث: ((أناجيلهم في صدورهم)) يعني كتبهم. وذلك إشارة إلى أن أمة محمد ﷺ يحفظون القرآن عن ظهر قلب، بخلاف غيرهم، فإنه لا يحفظ كتابهم إلا نبي واحد نادر. ولذلك لما أنكر العزيز قومه قال: دليلي أني أحفظ التوراة. وكان لا يحفظها إلا هو في قصةٍ مشهورةٍ. ن ج م: قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦] قيل: النجم: ما لا ساق له كاليقظين والقثاء والبطيخ، والشجر ماله ساق. قوله: ﴿والنجم إذا هوى﴾

стр. 1537

[النجم: ١] قيل: أراد جنس كوكب فدل بالواحد على الجمع، وقيل: أراد كوكبًا بعينه وهو الثريا. وقد صار علمًا غالبًا عليها كالعيوق والدبران. ومنه قول العرب: [من مجزوء الرمل] ١٦٠١ - طلع النجم غذيه ... وابتغى الراعي شكيه قيل: وإنما نص الله تعالى على هوية دون طلوعه، لأن الطلوع قد فهم من نفس مادة النجم. يقال: نجم قرن الشاة، أي طلع. وقيل: أراد به القرآن، وبهويه نزوله على سيدنا رسول الله ﷺ ، لأن القرآن نزل نجومًا، أي مفرقًا كقوله: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأ على الناس على مكث﴾ [الإسراء:١٠٦]. ومنه نجوم الكتابة لأنها مفرقة في الإيتاء. قوله تعالى: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ [النحل: ١٦] قيل: أراد به نجمًا بعينه كالنجم والفرقدين والثريا ونحوهما، مما يستدل به على المسير لجهة خاصة. ويجور أن يريد به جنس النجوم، فصار النجم يطلق على الكوكب تارة وعلى المصدر أخرى، إما بطريق الاشتراك، وإما بطريق التسمية بالمصدر. وكذا لفظ النجوم يطلق على جمع النجم تارة وعلى المصدر أخرى، ثم شبه طلوع النبات والرأي بطلوع الكوكب فقيل: نجم النبات، والنبات نفسه نجم كما مر، وإن اختص بنوع من النبات مما لا ساق له. ونجم له رأي، أي طلع وظهر. وقيل هذا في قوله ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ [الصافات: ٨٨] أي فيما نجم له من الرأي. وليس بظاهر، بل معناه انه وري لهم بذلك. وذلك أن القوم كانوا يقولون بعلم النجوم، فقال لهم: إني نظرت في علم النجوم وظهر لي أني سأسقم. وقصد بذلك التخلف في البيوت يوم عيدهم، ليفعل ما فعل من حطم الأصنام كما في القصة المشهورة. ويجوز أن يريد في النجم الفلاني، فدلني على قسمي أي على زعمكم. وإلا فأنبياء الله مبرؤون من ذلك، لا سيما خليل الرحمن. ونجمت المال على فلان: فرقته عليه في الأداء. وأصله أن يفرض قسطًا عند طلوع النجم الفلاني مثلا، ثم صار مطلقًا في كل تفريق وإن لم يكن بطلوع نجمٍ. قوله: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥] فسر بنجوم القرآن وبالكواكب.

стр. 1538

ويؤيد الأول قوله: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم﴾ [الواقعة: ٧٦ - ٧٧]. ن ج و: قوله تعالى: ﴿وأنجينا الذين آمنوا﴾ [النمل: ٥٣] أي خلصناهم وأصل النجاة الانفصال من الشيء والتقصي منه. وذلك أن النجاة في الأصل المكان المرتفع، لأنه خلص عما حواليه من الأمكنة. وقيل: لأنه نجا من السيل. والناجي كأنه حل في ذلك المكان، ثم أطلق على كل خلاص. قوله تعالى: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: ٩٢] أي نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس فيعرفوك. وذلك أنه لما أغرق الله فرعون وملأه، قال بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون. فسأل موسي ربه، فلفظ البحر من جوفه على ربوة من الأرض، وعليه درعه المعروفة. وهي التي عنى بها الباري تعالى في قوله ﴿ببدنك﴾ أي عريانا مجردا من ثيابك ليعرفك الخاص والعام. ونجيته وأنجيته لغتان، وقد قرئتا. والتنجية: الإزالة. ومنه قشر الشجرة وجلد الشاة: سلخته. وأنشد قول الشاعر: [من الطويل] ١٦٠٢ - فقلت: انجوا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه قوله تعالى: ﴿وتناجوا بالبر والتقوى﴾ [المجادلة: ٩] التناجي: المسرة. وناجيت فلانا: ساورته. وأله أن تخلو به في نجوة من الأرض لتفشي سرك. وقيل: من النجاة، لأنه قد قد يعاونك فتخلص من الهم. وقيل: لنجاتك بسرك من أن يطلع عليه أحد. قوله: ﴿ما يكون من نجوي ثلاثة﴾ [المجادلة: ٧] يجوز أن يكون النجوى مصدرا مضافا لفاعله، وهو ثلاثة، وأن يكون مرادا به الأشخاص، ويكون ((ثلاثةٍ)) بدلًا

стр. 1539

منها حسبما بيناه في غير هذا الموضع. ويدل للثاني ﴿وإذ هم نجوى﴾ [الإسراء: ٤٧] أي متناجون. وللقائل بالأول أن يقدر ((وإذ هم نجوى)). قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣] النجوى هنا مصدر فقط. وقد فسرت بقوله تعالى: ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ الآية. وإنما قال تعالى: ﴿وأسروا﴾ مع لفظ ﴿النجوى﴾ منبهة أنهم لم يظهروا ذلك بوجه من الوجوه، لأن النجوى ربما تظهر. فبالغوا بإخفائها، فلله در فصاحة القرآن! قوله: ﴿وقربناه نجيا﴾ [مريم: ٥٢] أي: مناجيا لربه، أي مناجى من ربه حسبما شرحه في قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسي تكليما﴾. فنجي فعيل إما بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول ويقع وصفا للفاعل كما مر، وللجمع كقوله تعالى: ﴿خلصوا نجيا﴾ [يوسف: ٨٠] أي متناجين يتسارون فيما يفعلونه ويقولونه لأبيهم. ومعنى خلصوا أي انفردوا عن كل أحدٍ. ولا نجد لمحض الرأي واستخراج زبدته أعوز من الخلوة وقلة اللفظ. وانتجيت زيدًا: استخلصته لسري. وأنجي فلان: وأنجي فلان: أتى نجوة وهم في أرضٍ نجاةٍ، أي في أرضٍ مستنجى من شجرها العصى والقسي. والنجا عند الرب: عيدان قد قشرته. وقال بعضهم: نجوت فلانا: استنكهته، واحتج بقول الشاعر: [من الوافر] ١٦٠٣ - نجوت مجالدا فوجدت منه ... كريح الكلب، مات حديث عهد وكأن هذا القائل إنما أخذ ذلك من أجل هذا البيت فليس في البيت حجة. وإنما أراد أني ساررته فوجدت من بخره ريح الكلب الميت. وكنى بالنجو عن الأذى الخارج. ومنه شرب دواء فما أنجاه، أي لم يفده. والاستنجاء: قطع النجو وإزالته. وأصل ذلك من النجوة: الأرض المرتفعة التي تقضي بها الحاجة، كما كنى بالغائط عن ذلك، وهو المكان المطمئن الذي يؤتى لقضاء الحاجه. وقيل: معني استنجى طلب نجوة أي

стр. 1540

قطعة مدر لإزالته الأذى، كقولهم: إستجمر، أي طلب جمارًا، أي طلب أحجارًا. وأما النجاة، بالهمزة، فالإصابة بالعين، ومنه الحديث: ((ردوا نجاة السائل باللقمة)). قوله: ﴿خلصوا نجيًا﴾ قد تقدم أنه بمعى متناجين، وأنه وف على فعيل. قال الهروي: هو مصدر كالصهيل والسهيق، يقع على الواحد والجماعة نحو: رجل عدل. ومنه ﴿خلصوا نجيا﴾. وأنشد لوقوعه على الجمع قول جرير: [من الكامل] ١٦٠٤ - يعلو النجي إذا النجي أضجهم ... أمر تضيق به الصدور، جليل قلت: وجه الشاهد عود ضمير جماعة الذكور في قوله: أضجهم، على لفظ النجي. ثم حكى عن الأزهري أن نجيا جمع أنجية، وكذلك قوله: ﴿نجوى﴾. قال: وقيل: نجى جمع ناج نحو: ناد وندي لأهل المجلس، وعار وعري وحاج وحجيج. وفيما قاله نظر، ليس هذا موضعه. وفي الحديث ((أتوك على نواج)) وهو جمع ناجيه، يعني إبلا مسرعات. يقال: نجوت نجا أنجو أي أسرعت. وفي الحديث أيضًا: ((إذا سافرتم في الجدب فاستنجوا)) أي أسرعوا. وفي آخر ((وإني لفي عذق أنجي منه رطبا))، وفي رواية ((استنجي)) ومعناها: التقط. واستنجيت النخلة: لقطتها. وقد ادخل الهروي لفظ نجي في مادة (ن ج و) بعد ما ذكره في مادة (ن ج و) والصواب ذكره في ذوات الواو. والله أعلم. فصل النون والحاء ن ح ب: قوله تعالى: ﴿فمنهم من قضي نحبه﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي قضي نذره، كأنه ألزم

стр. 1541

نفسه أن يموت فوفي بنذره. وفي الحديث: ((طلحة ممن قضي نحبه)). وذلك أنه وعد أن يصدق أعداء الله في القتال فوفي بذلك. وتعبيرهم بذلك عن الموت كالتعبير عنه: قضي أجله، واستوفى أكله، وقضي من الدنيا وطره. والنحاب: السعال. والنحيب: البكاء معه صوت. وتناحب القوم: تواعدوا القتال وغيره. وتناحبوا: تراهنوا. وتناحبوا: تفاخروا. وتناحبوا: تنافروا لمن يحكم بينهم. ومنه قول طلحة لابن عباس: ((أناحبك وترفع النبي صلي الله عليه وسلم؟)) وفي الحديث ((لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاقتتلوا عليه، وما تقدموا إلا بنحبة)) أي بقرعة. والتناحب: القمار لما فيه من المساهمة. ن ح ت: قوله تعالى: ﴿وتنحتون منة الجبال بيوتا﴾ [الأعراف: ٧٤] النحت: الأخذ من الشيء لتجعله على صورة مخصوصة، كنحت النحيت والصنم والبيت من خشب وحجر ونحوهما. ويكون في الأجسام الصلبة المحتملة لذلك. وقد يتجوز به في غيرها. ومنه قول النحاة في باب النسب، مسألة النحت وهو أن يأخذوا من مجموع اسمين لفظًا، ينحتونه ثم ينسبونه إليه، كقولهم في النسب إلى امرئ القيس: مرقسي، وإلى عبد القيس: عبقسي، وإلى عبد شمس: عبشمي. وأنشدوا: [من الطويل] ١٦٠٥ - وتضحك مني شيخه عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا وفي هذا البيت أربعة شواهد لمسائل نحوية، بيناها في غير هذا الموضع. والنحاتة: مايسقط من الشيء المنحوت. والنحيت: الشيء المنحوت. والنحيتة: الطبيعة التي جبل عليها الآدمي، وطبع عليها كأنه نحت عليها، كما أن الغريزة ما غرز عليها الإنسان. وهو مجاز عن اتخاذه وخلقه كذلك.

стр. 1542

ن ح ر: قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] قيل: المراد انحر الضحايا. والنحر: قطع الشيء المنحور، وأصله من نحرت، أي أصبت نحره، نحو ركبته، أي أصبت ركبته، والنحر في الإبل غالبًا، والذبح في البقر والغنم. وقرأ عبد الله بن مسعود ((فنحروها)) موضع ﴿فذبحوها﴾ [البقرة: ٧١]، وهو تفسير ودفع توهم من يتوهم خلاف ذلك. وقيل: ((انحر)) اجعل يديك على صدرك تحت نحرك في الصلاة. وقيل: ((انحر)) انتصب بنحرك. قال المبرد: أراد القبلة، فإذا انتصب الإنسان في صلاته فنهد قيل: قد نحر. قال بعضهم: حث على مراعاة هذين الركنين، وهما الصلاة ونحر الهدي. فإنه لا بد من تعاطيهما. فذلك واجب في كل ملة. وهذا عند من يرى وجوب الأضحية أو الإهداء على البيت. وقيل: معناه حث الإنسان على قتل نفسه بقمعها عن شهواتها، فذلك نحرها. فهو تفسير صوفي. والنحر من الآدمي موضع القلادة، وتفرته: الفرجة بين العظمتين. والنحرير: الحاذق بالشيء العالم به. ومنه الحديث: ((وكلت الفتنة بثلاثة: بالحاد النحرير)) أي الفطن الحاذق، كأنه ينحر نفسه اجتهادا فيما يعانيه. وانتحروا على كذا: تقاتلوا، تشبيها بنحر البعير، ونحرة الشهر ونحيره: أوله. وقيل: آخر يوم منه، كأنه ينحر الذي قبله. وأنشد بعضهم: [من البسيط] ١٦٠٦ - كم عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا والنحرير بكسر الفاء، وفتحها خطأ. ويقال: نحرير بينة النحريرة. فالنحريرة اسم للمدر. ن ح س: قوله تعالى: ﴿في يوم نحس مستمر﴾ [القمر: ١٩] أي مشؤوم. وكذا قوله ﴿في

стр. 1543

أيامٍ نحسات﴾ [فصلت: ١٦] إلا أنه لم يقرأ ﴿في يومٍ نحسٍ﴾ إلا بالإضافة وسكون العين، ولم يقرأ ﴿في أيام نحسات﴾ إلا بالتنوين والوفية مع سكون العين وكسرها. والمقتضى لذلك أنه وصف الأيام بكونها مشؤومات في أنفسها. لما حل فيها من الشوم. وأما قوله ﴿في يوم نحس﴾ فالمراد إضافة الزمان إلى العذاب الموصوف بالنحس. والنحس ضد السعد. فإن قيل: كيف قيل في موضع ﴿في يوم نحس﴾ وفي آخر ﴿في أيام نحسات﴾ فأفرد هنا وجمع هناك وأضاف الزمان هنا ووصفه بالنحس هناك؟ ولم تخصص كل موضع بذلك؟ ولم التزم سكون العين مع الإفراد وقرئ بالوجهين مع الجمع من أن القصة واحدة والمرسل نبي واحد وهو الريح الصرصر؟ الجواب على سبيل الاختصار إنه لما لم يذكر العذاب في سورة القمر ناسب إضافته إليه تقديرا، وأن المقام في ﴿فصلت﴾ يقتضي التهويل على قريش فناسب الجمع. وأما السكون والكسر فلغتان مشهورتان؛ يقال: يوم نحس ونحس؛ بالسكون والكسر. قوله: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس﴾ بالرحمن: ٣٥ ي بالرفع عطف على شواظ وبالجر عطف على النار. وقد حققنا ذلك في غير هذا الموضع. وقال بعضهم: وأصل النحس أن يحمر الأفق فيصير كالنحاس، أي لهب بلا دخان، فصار ذلك مثلا للشؤم، من حيث إن تلك الحالة تدل على جدب الزمان وقحطه. والظاهر أن النحاس هو الدخان. يدل على ذلك قول الجعدي: [من المتقارب] ١٦٠٧ - يضيء كضوء سراج السليـ ... ـط لم يجعل الله فيه نحاسا

стр. 1544

أي دخانًا. ن ح ل: قوله: ﴿وأوحي ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨] هذا الذباب المعروف. والواحد نحلة. والنحلة تقع على الذكر والأنثى نحو حمامةٍ ونملةٍ ونحامة. وإنما يعرف التذكير والتأنيث بالوصف، فيقال: نحلة ذكر ونحلة أنثى. قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤] أي عطية هينة لا تعب فيها من مخاصمة ونحوها. واشتقاقها مما يخرجه النحل من العسل، أي أعطوهن إياه حلوا سهلا، على الاستعارة. وقال ابن عرفة: أي دينًا انتحلوا ذلك. يقال: ما نحلتك؟ أي دينك. وكأن الرجل في الجاهلية إذا زوج مولاته أخذ لنفسه جعلًا يسمى الحلوان والنافجة، فنهي الله تعالى عن ذلك وأمر بإيتاء الصدقة للنساء. ويقال: نحله وأنحله بمعنى. وكذا النحلة أيضا، بالفتح. قال الراغب: النحلة والنحلة يعني بفتح النون وكسرها: العطية على سبيل التبرع. وهو أخص من الهبة. قال: واشتقاقه فيما أرى من النحل، نظرا منه إلى فعله، فكأن نحلته: أعطيته عطية النحل. وذلك ما نبه عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك على النحل﴾. وقد بينه الحكماء وقالوا: إن النحل يقع على الأشياء كلها فلا يضرها بوجه، وينفع أعظم نفع. فإنه يعطيهم ما هو الشفاء كما وصفه تعالى: قال: وسمي الصداق بها من حيث إنه لا يجب في مقابلته أكثر من تمتع دون عوض مالي. وكذا عطية الرجل ابنه. نحله كذا وأنحله، ومنه نحلت المرأة. والانتحال: افتعال منه. وهو إدعاء الشيء ومنه انتحل شعر فلان. وانشد: [من المتقارب] ١٥٠٨ - فكيف أنا وانتحالي القوا ونحل جسمه نحولًا، أي أشبه النحلة في الدقة. والنواحل: سيوف رقاق الظبات من ذلك عل التوسع. قال: ويصخ أن تكون النحلة أصلًا، فسمي النحل بذلك اعتباراً

стр. 1545

بفعله. وأيضًا لاشتقاق النحل الذي هو الذباب المعروف، لما في فعله من إعطاء العسل الحكم الإلهي. ويجوز أن يكون بالعكس كما تقدم تحريره. ن ح ن: قوله تعالى: ﴿وإنا نحن نحيي ونميت﴾ [الحجر: ٢٣] نحن ضمير مرفوع منفصل يكون للمتكلم، ومعه غيره كقوله حكاية عن قوم بلقيس: ﴿نحن أولو قوةٍ﴾ [النمل: ٣٣] ويكون للمعظم نفسه كقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنا نحن نحيي ونميت﴾ إلى غير ذلك. قال الراغب: وما ورد في القرآن من إخبار الله عن نفسه بقوله: ﴿نحن﴾ فقد قيل: هو إخبار عن نفسه وحده، لكن يخرج ذلك مخرج الإخبار الملوكي. وقال بعض العلماء: إن الله تعالى يذكر مثل هذه الألفاظ، إذا كان الفعل المذكور بعده يفعل بواسطة بعض ملائكته أو بعض أولياته. فيكون ((نحن)) عبارًة عنه تعالى وعنهم، وذلك كالوحي ونصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين. ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ [الواقعة: ٨٥] يعني وقت المحتضر حين يشهده الرسل المذكورون. في قوله: ﴿توفاهم [الملائكة]﴾ [النساء: ٩٧] وقوله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ فما كان ذلك بواسطة القلم واللوح وجبريل كالوحي ونصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين، ونحو ذلك مما تتولاه الملائكة المذكورون بقوله: ﴿فالمدبرات أمرًا فالمقسمات أمرًا﴾ [الذاريات: ٤]. فصل النون والخاء ن خ ر: قوله تعالى: ﴿كنا عظامًا نخرة﴾ [النازعات: ١١] أي بالية. من قولهم: نخرت الشجرة، أي بليت حتى سمع فيها نخير الريح، أي صوتها. يقال: نخر ينخر نخرًا ونخيرًا، فهو نخر، أي بلي ورم. وقد قرئ ﴿ناخرًة﴾ وذلك نحو: حذر وحاذر. وقد قرئ
следующие страницы →