← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

نفسه أن يموت فوفي بنذره. وفي الحديث: ((طلحة ممن قضي نحبه)). وذلك أنه وعد أن يصدق أعداء الله في القتال فوفي بذلك. وتعبيرهم بذلك عن الموت كالتعبير عنه: قضي أجله، واستوفى أكله، وقضي من الدنيا وطره. والنحاب: السعال. والنحيب: البكاء معه صوت. وتناحب القوم: تواعدوا القتال وغيره. وتناحبوا: تراهنوا. وتناحبوا: تفاخروا. وتناحبوا: تنافروا لمن يحكم بينهم. ومنه قول طلحة لابن عباس: ((أناحبك وترفع النبي صلي الله عليه وسلم؟)) وفي الحديث ((لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاقتتلوا عليه، وما تقدموا إلا بنحبة)) أي بقرعة. والتناحب: القمار لما فيه من المساهمة. ن ح ت: قوله تعالى: ﴿وتنحتون منة الجبال بيوتا﴾ [الأعراف: ٧٤] النحت: الأخذ من الشيء لتجعله على صورة مخصوصة، كنحت النحيت والصنم والبيت من خشب وحجر ونحوهما. ويكون في الأجسام الصلبة المحتملة لذلك. وقد يتجوز به في غيرها. ومنه قول النحاة في باب النسب، مسألة النحت وهو أن يأخذوا من مجموع اسمين لفظًا، ينحتونه ثم ينسبونه إليه، كقولهم في النسب إلى امرئ القيس: مرقسي، وإلى عبد القيس: عبقسي، وإلى عبد شمس: عبشمي. وأنشدوا: [من الطويل] ١٦٠٥ - وتضحك مني شيخه عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا وفي هذا البيت أربعة شواهد لمسائل نحوية، بيناها في غير هذا الموضع. والنحاتة: مايسقط من الشيء المنحوت. والنحيت: الشيء المنحوت. والنحيتة: الطبيعة التي جبل عليها الآدمي، وطبع عليها كأنه نحت عليها، كما أن الغريزة ما غرز عليها الإنسان. وهو مجاز عن اتخاذه وخلقه كذلك.

стр. 1542

ن ح ر: قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] قيل: المراد انحر الضحايا. والنحر: قطع الشيء المنحور، وأصله من نحرت، أي أصبت نحره، نحو ركبته، أي أصبت ركبته، والنحر في الإبل غالبًا، والذبح في البقر والغنم. وقرأ عبد الله بن مسعود ((فنحروها)) موضع ﴿فذبحوها﴾ [البقرة: ٧١]، وهو تفسير ودفع توهم من يتوهم خلاف ذلك. وقيل: ((انحر)) اجعل يديك على صدرك تحت نحرك في الصلاة. وقيل: ((انحر)) انتصب بنحرك. قال المبرد: أراد القبلة، فإذا انتصب الإنسان في صلاته فنهد قيل: قد نحر. قال بعضهم: حث على مراعاة هذين الركنين، وهما الصلاة ونحر الهدي. فإنه لا بد من تعاطيهما. فذلك واجب في كل ملة. وهذا عند من يرى وجوب الأضحية أو الإهداء على البيت. وقيل: معناه حث الإنسان على قتل نفسه بقمعها عن شهواتها، فذلك نحرها. فهو تفسير صوفي. والنحر من الآدمي موضع القلادة، وتفرته: الفرجة بين العظمتين. والنحرير: الحاذق بالشيء العالم به. ومنه الحديث: ((وكلت الفتنة بثلاثة: بالحاد النحرير)) أي الفطن الحاذق، كأنه ينحر نفسه اجتهادا فيما يعانيه. وانتحروا على كذا: تقاتلوا، تشبيها بنحر البعير، ونحرة الشهر ونحيره: أوله. وقيل: آخر يوم منه، كأنه ينحر الذي قبله. وأنشد بعضهم: [من البسيط] ١٦٠٦ - كم عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا والنحرير بكسر الفاء، وفتحها خطأ. ويقال: نحرير بينة النحريرة. فالنحريرة اسم للمدر. ن ح س: قوله تعالى: ﴿في يوم نحس مستمر﴾ [القمر: ١٩] أي مشؤوم. وكذا قوله ﴿في

стр. 1543

أيامٍ نحسات﴾ [فصلت: ١٦] إلا أنه لم يقرأ ﴿في يومٍ نحسٍ﴾ إلا بالإضافة وسكون العين، ولم يقرأ ﴿في أيام نحسات﴾ إلا بالتنوين والوفية مع سكون العين وكسرها. والمقتضى لذلك أنه وصف الأيام بكونها مشؤومات في أنفسها. لما حل فيها من الشوم. وأما قوله ﴿في يوم نحس﴾ فالمراد إضافة الزمان إلى العذاب الموصوف بالنحس. والنحس ضد السعد. فإن قيل: كيف قيل في موضع ﴿في يوم نحس﴾ وفي آخر ﴿في أيام نحسات﴾ فأفرد هنا وجمع هناك وأضاف الزمان هنا ووصفه بالنحس هناك؟ ولم تخصص كل موضع بذلك؟ ولم التزم سكون العين مع الإفراد وقرئ بالوجهين مع الجمع من أن القصة واحدة والمرسل نبي واحد وهو الريح الصرصر؟ الجواب على سبيل الاختصار إنه لما لم يذكر العذاب في سورة القمر ناسب إضافته إليه تقديرا، وأن المقام في ﴿فصلت﴾ يقتضي التهويل على قريش فناسب الجمع. وأما السكون والكسر فلغتان مشهورتان؛ يقال: يوم نحس ونحس؛ بالسكون والكسر. قوله: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس﴾ بالرحمن: ٣٥ ي بالرفع عطف على شواظ وبالجر عطف على النار. وقد حققنا ذلك في غير هذا الموضع. وقال بعضهم: وأصل النحس أن يحمر الأفق فيصير كالنحاس، أي لهب بلا دخان، فصار ذلك مثلا للشؤم، من حيث إن تلك الحالة تدل على جدب الزمان وقحطه. والظاهر أن النحاس هو الدخان. يدل على ذلك قول الجعدي: [من المتقارب] ١٦٠٧ - يضيء كضوء سراج السليـ ... ـط لم يجعل الله فيه نحاسا

стр. 1544

أي دخانًا. ن ح ل: قوله: ﴿وأوحي ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨] هذا الذباب المعروف. والواحد نحلة. والنحلة تقع على الذكر والأنثى نحو حمامةٍ ونملةٍ ونحامة. وإنما يعرف التذكير والتأنيث بالوصف، فيقال: نحلة ذكر ونحلة أنثى. قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ [النساء: ٤] أي عطية هينة لا تعب فيها من مخاصمة ونحوها. واشتقاقها مما يخرجه النحل من العسل، أي أعطوهن إياه حلوا سهلا، على الاستعارة. وقال ابن عرفة: أي دينًا انتحلوا ذلك. يقال: ما نحلتك؟ أي دينك. وكأن الرجل في الجاهلية إذا زوج مولاته أخذ لنفسه جعلًا يسمى الحلوان والنافجة، فنهي الله تعالى عن ذلك وأمر بإيتاء الصدقة للنساء. ويقال: نحله وأنحله بمعنى. وكذا النحلة أيضا، بالفتح. قال الراغب: النحلة والنحلة يعني بفتح النون وكسرها: العطية على سبيل التبرع. وهو أخص من الهبة. قال: واشتقاقه فيما أرى من النحل، نظرا منه إلى فعله، فكأن نحلته: أعطيته عطية النحل. وذلك ما نبه عليه قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك على النحل﴾. وقد بينه الحكماء وقالوا: إن النحل يقع على الأشياء كلها فلا يضرها بوجه، وينفع أعظم نفع. فإنه يعطيهم ما هو الشفاء كما وصفه تعالى: قال: وسمي الصداق بها من حيث إنه لا يجب في مقابلته أكثر من تمتع دون عوض مالي. وكذا عطية الرجل ابنه. نحله كذا وأنحله، ومنه نحلت المرأة. والانتحال: افتعال منه. وهو إدعاء الشيء ومنه انتحل شعر فلان. وانشد: [من المتقارب] ١٥٠٨ - فكيف أنا وانتحالي القوا ونحل جسمه نحولًا، أي أشبه النحلة في الدقة. والنواحل: سيوف رقاق الظبات من ذلك عل التوسع. قال: ويصخ أن تكون النحلة أصلًا، فسمي النحل بذلك اعتباراً

стр. 1545

بفعله. وأيضًا لاشتقاق النحل الذي هو الذباب المعروف، لما في فعله من إعطاء العسل الحكم الإلهي. ويجوز أن يكون بالعكس كما تقدم تحريره. ن ح ن: قوله تعالى: ﴿وإنا نحن نحيي ونميت﴾ [الحجر: ٢٣] نحن ضمير مرفوع منفصل يكون للمتكلم، ومعه غيره كقوله حكاية عن قوم بلقيس: ﴿نحن أولو قوةٍ﴾ [النمل: ٣٣] ويكون للمعظم نفسه كقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: ٩] ﴿إنا نحن نحيي ونميت﴾ إلى غير ذلك. قال الراغب: وما ورد في القرآن من إخبار الله عن نفسه بقوله: ﴿نحن﴾ فقد قيل: هو إخبار عن نفسه وحده، لكن يخرج ذلك مخرج الإخبار الملوكي. وقال بعض العلماء: إن الله تعالى يذكر مثل هذه الألفاظ، إذا كان الفعل المذكور بعده يفعل بواسطة بعض ملائكته أو بعض أولياته. فيكون ((نحن)) عبارًة عنه تعالى وعنهم، وذلك كالوحي ونصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين. ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ [الواقعة: ٨٥] يعني وقت المحتضر حين يشهده الرسل المذكورون. في قوله: ﴿توفاهم [الملائكة]﴾ [النساء: ٩٧] وقوله ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ فما كان ذلك بواسطة القلم واللوح وجبريل كالوحي ونصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين، ونحو ذلك مما تتولاه الملائكة المذكورون بقوله: ﴿فالمدبرات أمرًا فالمقسمات أمرًا﴾ [الذاريات: ٤]. فصل النون والخاء ن خ ر: قوله تعالى: ﴿كنا عظامًا نخرة﴾ [النازعات: ١١] أي بالية. من قولهم: نخرت الشجرة، أي بليت حتى سمع فيها نخير الريح، أي صوتها. يقال: نخر ينخر نخرًا ونخيرًا، فهو نخر، أي بلي ورم. وقد قرئ ﴿ناخرًة﴾ وذلك نحو: حذر وحاذر. وقد قرئ

стр. 1546

للجميع: ﴿حذرون، وحاذرون﴾ [الشعراء: ٥٦]. ولكن فعل أبلغ من فاعل. وقيل: ناخرة بمعنى فارغةٍ، يجيء منها عند هبوب الريح كالنخير. والنخير. والنخير: صوت من الأنف. ويقال لمقدم الأنف: نخرة، ولخرقيه: نخرتاه ومنخراه. وقيل: المنخران: ثقبان. وأنشد: [من الطويل] ١٦٠٩ - إذا سد منها منخر جاش منخر ((وقد اتى عمر رضي الله تعالى عنه بسكران في رمضان، فقال: للمنخرين)). دعا عليه بأن يكبه الله لمنخريه، كقولهم: ١٦١٠ - لليدين والفم والناخر: ما يخرج منه النخير، والناخر أيضًا: الناقة التي لا تدر. وقيل: التي يدخل الإصبع في منخرها. والناخرة أيضًا: جماعة الخيل. واحدتها ناخر. قال المبرد في تفسير حديث عمرو بن العاص: ((وأنت على أكرم ناخرةٍ)) كما يقال: رجل حمار وبغال ولجماعته: حمارة وبغالة. يعني أن التاء أفادت الجمع. وفيه نظر. ولما دخل الوفد من قريش على النجاشي قال لهم: ((نخروا)). جاء مفسرًا في الحديث: أي تكلموا. وهو مأخوذ من النخير، وهو الصوت. ن خ ل: قوله تعالى: ﴿والنخل﴾ [ق: ١٠] النخل معروف. وهو اسم جنسٍ يفرق بين واحده وجمعه بالتاء. ويذكر ويؤنث. فمن التذكير قوله ﴿أعجاز نخلٍ منقعرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ومن التأنيث ﴿أعجاز نخلٍ خاويةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ويجمع على نخيلٍ أيضًا. ولكرمها عندهم اشتقوا من لفظها ما يدل على اصطفاء الشيء. يقال: نخلت

стр. 1547

الشيء وانتخلته. ومنه: نخل الدقيق. والمنخل: الآلة التي ينخل بها. وقد شذ ضم ميمه، والقياس كسرها وفتح عينه كمنجل. وله أخوات كالمسعط والمدق. وانتخلت الشيء: انتقيته، وأخذت خياره. وفي الحديث: ((لا يقبل الله إلا الناخلة)) أي الخالصة من كل شيء. وفيه أيضًا: ((لا يقبل الله إلا نخائل القلوب)) أي النيات الخالصة. ونخلت له النصيحة أي أخلصت له. وأنشد: [من الكامل] ١٦١١ - نخلت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد فصل النون والدال ن د د: قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ [البقرة: ٢٢] الأنداد جمع ند. وهو المثل المناوئ. وقال بعضهم: الند أخص من المثل. قال: فإن الند هو المشارك للشيء في جوهره، وذلك ضرب من المماثلة؛ فإن المثل يقال في أي مشاركةٍ كانت. وكل ند مثل، وليس كل مثلٍ ندًا. وقيل: لا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ. وأنشد لجريرٍ: [من الوافر] ١٦١٢ - أتيم تجعلون إلي ندًا ... وهل تيم لذي حسبٍ نديد؟ يقال: ند ونديد ونديدة، على المبالغة وأنشد للبيد: [من الطويل] ١٦١٣ - لكيما يكون السندري نديدتي ... وأجعل أقوامًأ عمومًا عماما وقيل: هو بمعنى المثل من غير عمومٍ ولا خصوصٍ. وأنشد لحسان: [من الوافر]

стр. 1548

١٦١٤ - أتهجوه ولست له بند؟ ... فشركما لخير كما الفداء وقال آخر: [من الرمل] ١٦١٥ - نحمد الله، ولا ند له ... عنده الخير، وما شاء فعل وهذا أولى، لأن المطلوب النهي عن أن يجعل لله تعالى مثلاً على الإطلاق، لأنه لا يلزم من النهي عن الأخص النهي عن الأعمم. وقيل: أندادًا: نظراء، وقيل: أضداد، قاله أبو عبيدة. وقال غيره: ليس كذلك، بدليل قولهم: ليس لله ند ولا ضد. وقالوا في تفسيره: إنه نفى ما يسده مسده، ونفى ما ينافيه، فدل على أنهما غيران. وناددت الرجل: خالفته ونافرته. ومنه: ند البعير ندودًا. والند، بالفتح: المرتفع من التلال، وهو ضرب من الطيب أيضًا، ليس بعربي الأصل. وقرئ ﴿يوم التناد﴾ [غافر: ٣٢] بتشديد الدال، أي الفرار والتنافر. وهو كقوله في موضع آخر: ﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ [عبس: ٣٤] ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو﴾ [الزخرف: ٦٧] ونحو ذلك من الآية الكريمة. ن د م: قوله تعالى: ﴿فأصبح من النادمين﴾ [المائدة: ٣١] الندم والندامة: التحسر من تغير أمرٍ في رأيٍ فائتٍ. قيل: وأصله: من منادمة الحزن له، أي من مداومتها ومقارنتها، من المنادمة على الشراب. ومنه قيل: نديم وندمان ومنادم، لمن يداوم معك على الشراب. وندمانا جذيمة المضروب بهما المثل رجلان يقال لهما: مالك وعقيل، نادما الوضاح دهرًا طويلاً، فضرب بصفاء عيشهما المثل. قال الشاعر: [من الطويل]

стр. 1549

١٦١٦ - ألم تعلمي أن قد تفرق قلبنا ... خليلا صفاءٍ: مالك وعقيل؟ ولما مات سيدنا رسول الله ﷺ تمثلت فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها بقول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا: [من الطويل] ١٦١٧ - وكنا كندماني جذيمة، حقبة ... من الدهر، حتى قيل: لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكًا ... لطول اجتماعٍ، لم نبت ليلةً معًا وقوله، ﵊ ﴿الندم توبة﴾ أي معظمها الندم، لأن لها ركنًا آخر. وقوله تعالى: ﴿وأسروا الندامة﴾ [يونس: ٥٤] أي لم يظهروا تلهفهم على ما فرطوا، خوفًا من شماتة الأعداء، نظرًا إلى قوله: [من الكامل] ١٦١٨ - والموت دون شماتة الأعداء ن د ي: قوله تعالى: ﴿يوم ينادي المنادي﴾ [ق: ٤١] قيل: هو إسرافيل ينادي بصوتٍ عظيمٍ يسمعه كل أحدٍ: أيتها الأجسام البالية، والعظام الناخرة، قوموا لحساب رب العالمين. والنداء في الأصل: رفع الصوت بطلب من ينادي. وله حروف مخصوصة مذكورة في كتب العربية. وقد يقال: النداء، للصوت المجرد. ومنه قوله تعالى: ﴿إلا دعاء ونداءً﴾ [البقرة: ١٧١] أي لا يعرف إلا الصوت المجرد، دون المعنى الذي يقتضيه تركيب الكلام. قوله: ﴿إذ نادى ربه نداءً خفيًا﴾ [مريم: ٣] أي دعاه واستغاث به. وإنما أخفاه، لأن إخفاء الدعاء مطلوب لبعده عن الشوائب. وقيل: إنما أخبر عنه بالنداء منبهة على أن الداعي استقصر نفسه، وهضمها تواضعًا لربه تعالى. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعرف بمقام الحق وأخوف الناس منه مع أنهم أقربهم إليه. وعبر الراغب هنا بعبارةٍ سيئةٍ،

стр. 1550

لا يليق ذكرها على الأنبياء. قوله: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٥٨] أي دعوتم إليها، إشارةً إلى الأذان والإقامة. قوله: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان﴾ [آل عمران: ١٩٣] هو الرسول. وقيل: القرآن، وقيل: كل رسولٍ وكل كتابٍ منزلٍ. وقال الراغب: أشار بالمنادي إلى العقل والكتاب والمنزل والرسول المرسل وسائر الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالله. قال: وجعله مناديًا للإيمان، لظهوره ظهور النداء وحثه على ذلك كحث المنادي. قال: وأصل النداء، من الندى، أي الرطوبة. يقال: ثوب ندٍ، أي رفيع. واستعارة النداء للصوت من حيث إن من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه. ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق. يقال: ندى وأندية وذلك كتسمية المسبب باسم السبب. وقول الشاعر: [من الرجز] ١٦١٩ - كالكرم إذ نادى من الكافور أي: ظهر ظهور صوت المنادي. قال: وعبر عن المجالسة بالنادي، حتى قيل للمجلس: النادي والمنتدى والندي. وقيل ذلك للجليس. قال تعالى: ﴿فليدع ناديه﴾ [العلق: ١٧] قلت: يجوز أن يكون قد عبر عن اهل النادي بالنادي مجازًا، إطلاقًا لاسم المحل على الحال، كقول مهلهلٍ في أخيه: [من الكامل] ١٦٢٠ - نبئت أنه النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك، يا كليب، المجلس وقيل: على حذف مضافٍ، أي أهل ناديه، وأهل المجلس، وقوله: ﴿أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] قيل: استعمال النداء فيهم تنبيه على بعدهم عن الحق في قوله ﴿يوم ينادي المنادي من مكانٍ قريبٍ﴾ [ق: ٤١]

стр. 1551

قوله تعالى: ﴿يوم التناد﴾ [غافر: ٣٢] هو يوم القيامة. قيل له ذلك، نظرًا إلى قوله: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿ونادى أصحاب الأعراف﴾ [الأعراف: ٤٨]. وقيل: لأن كل واحد يدعى ليحاسب. ومنه قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناسٍ بإمامهم﴾ [الإسراء: ٧١]. وقرئ بتشديد الدال، وقد تقدم. وفي الحديث: ((إنه أندى صوتًا منك)) أي أرفع. وأنشد: [من الوافر] ١٦٢١ - فقلت: ادعي وأدع، فإن أندى ... لصوتٍ أن ينادي داعيان ويعبر عن السخاء بالندى، فيقال: فلان أندى كفًا. وأنشد: [من الطويل] ١٦٢٢ - سريع إلى ابن العم، يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع وفلان يتندى على أصحابه. وما نديت من فلانٍ بشيءٍ، أي ما نلت منه ندى. ومنه الحديث: ((من لقي الله ولم يتند من الدم الحرام بشيءٍ دخل الجنة)) أي لم يصب شيئًا من ذلك. ويسمى المكان المجتمع للمشاورة ندوة. ومنه دار الندوة بمكة، وهي مادة أخرى. وقد ذكرها الراغب والهروي في هذه المادة، وكأنه على سبيل الاستطراد. فصل النون والذال ن ذ ر: قوله تعالى: ﴿أأنذرتهم﴾ [البقرة] أي أأعلمتهم إعلامًا بتخويف؟ فهو أخص من الإعلام، إذ كل إنذارٍ إعلام، من غير عكس. وهو يتعدى باثنين لنفسه فقال ﴿إنا

стр. 1552

أنذرناكم عذابًا قريبًا﴾ [النبأ: ٤٠] ﴿فقل: أنذرتكم صاعقة﴾ [فصلت: ١٣]. فالمفعول الثاني يجوز أن يكون محذوفًا، أي أأنذرتهم العقاب أم لم تنذرهم إياه. والظاهر أنه غير مرادٍ فحذفه اقتصادًا لا اختصارًا، نحو: ﴿كلوا واشربوا﴾ [البقرة: ٦٠]. قال ابن عرفة: الإنذار الإعلام بالشيء الذي يحذر منه. وكل منذرٍ معلم. وليس كل معلمٍ منذرًا. وهنا موافق لما قلناه؛ يقال: أنذرته فنذر ينذر. قوله ﴿وجاءكم النذير﴾ [فاطر: ٣٧] هو الرسول؛ فعيل بمعنى مفعل. وقيل: هو الشيب. وقيل: القرآن. ويكون النذير أيضًا بمعنى الإنذار، فيكون اسمًا ووصفًا. ومنه قوله تعالى: ﴿كيف نذير﴾ [الملك: ١٧] أي إنذاري. قوله: ﴿وما تغني الآيات والنذر﴾ [يونس: ١٠١] جمع نذيرٍ نحو رغيفٍ ورغفٍ. والمراد به المصدر. وجمعٍ لاختلاف أنواعه. قال الراغب: والنذير: المنذر؛ ويقع على كل شيءٍ فيه إنذار، إنسانًا كان أو غيره. وجمعه النذر. وقوله تعالى: ﴿هذا نذير من النذر الأولى﴾ [النجم: ٥٦] أي من جنس ما أنذر به الذين تقدموا. قوله تعالى: ﴿عذرًا أو نذرًا﴾ [المرسلات: ٦] أي للإعذار أو للإنذار. فهو اسم مصدر، ثم يجوز أن يكون أصلاً بنفسه، وأن يكون مخففًا بضمتين. قول: ﴿لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم﴾ [يس: ٦] يجوز في ((ما)) أن تكون نافية، وهو الظاهر؛ أي لم يشاهد آباؤهم نبيًا. واستدل عليه بقوله: ﴿وما أرسلنا إليهم قبلك من نذيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]. قال الهروي: وفيه نظر، ويجوز أن تكون مصدرية، أي لتنذر قومًا بمثل ما أنذر آباؤهم. فيكون آباؤهم منذرين أيضًا. ويجوز أن تكون بمعنى الذي. قوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ [الإنسان: ٧] النذر: ما يلتزمه الإنسان من صدقةٍ أو فعل عبادةٍ. ومنه قوله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم: ٢٦]. وقال ابن عرفة: لو قال قائل: على أن أتصدق بدينارٍ، لم يكن ناذرًا، ولو قال: على إن شفى الله مريضي، أو رد غائبي صدقة دينارٍ، كان ناذرًا. فالنذر: ما كان وعدًا على شرطه، فكل

стр. 1553

ناذرٍ واعد. وليس كل واعدٍ ناذرًا. وهذا إن كان من حيث اللغة فليس كذلك، إذ النذر التزام، وإن كان شرعًا فكذلك. وإنما هو قسمان: نذر لجاجٍ ونذر تبررٍ، سواء وجدت فيه أداة شرطٍ أم لا. قال الراغب: النذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجبٍ لحدوث أمرٍ. يقال: نذرت لله نذرًا. وفي الحديث: ((أن عمر وعثمان قضيا في الملطاة بنصف نذر الموضحة)). النذر: أرش الجراحة بلغة الحجاز. ويقال: نذر ينذر وينذر، بكسر عين المضارع وضمها. ولا منافاة بين قوله تعالى ﴿يوفون بالنذر﴾ وبين قوله ﵊: ((النذر لا يأتي بخيرٍ)) وإنما يستخرج به من مال البخيل)) لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم إذا التزموا شيئًا وفوا به، يعني إن صدر ذلك منهم لم يفرطوا فيه، وليس فيه مدحهم بفعلهم النذر بل بوفائه. والحديث النبوي إنما هو في النذر لا في وفائه. فاختلفت الجهات. وقيل: النذر الذي في الآية نذر التبرر والذي في الحديث نذر اللجاج والغضب. فصل النون والزاي ن ز ع: قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ﴾ [الأعراف: ٤٣] أي أزلنا وشفينا صدورهم من ذلك. وأصل النزع جذب الأشياء من مقارها بقوةٍ. وحقيقته في الأجرام، هو نزع القوس عن كبده: ﴿ونزعنا من كل أمةٍ شهيدًا﴾ [القصص: ٧٥] ثم يستعمل في المعاني مجازًا نحو ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾. وقوله تعالى: ﴿والنازعات﴾ [النازعات: ١] أي الملائكة التي تنزع الأرواح عن الأشباح. قيل: تنزع أرواح الكفرة إغراقًا، ((فغرقًا)) مصدر على حذف الزوائد، كما يغرق النازع في القوس. وقيل: المراد بالنازعا غرقا القسي. ﴿والناشطات نشطًا﴾ [النازعات: ٢] الإرهاق. قوله: ﴿ونزع يده﴾ [الأعراف: ١٠٨] أي أخرجها بسرعةٍ. قوله: ﴿فلا ينازعنك﴾ [الحج: ٦٧] المنازعة: المجادلة، لأن كلاً من المتجادلين ينزع صاحبه

стр. 1554

ينازعنك﴾ [الحج: ٦٧] المنازعة: المجادلة، لأن كلاً من المتجادلين ينزع صاحبه عن غرضه. وقيل: معناه: لا ينازعهم. قال أبو منصورٍ: وكذا كل فعلٍ يكون من اثنين، بخلاف لا يضربنك فلان. وقوله: ﴿يتنازعون﴾ [الطور: ٢٣] أي يتعاطون، وتناقل بعضهم بعضًا، كأن كلاً منهم ينزع الكأس من صاحبه. ونزع فلان إلى كذا، أي مال وذهب إليه معتقدًا له. ونزع عن كذا: كف عنه. ونازعته نفسه: أمرته وترددت في طلب شيءٍ، قال الشاعر: [من الوافر] ١٦٢٣ - ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني: لعلي أو عساني والنزوع: شدة الاشتياق. والنزعتان: بياض يكتتف الناصية؛ يقال: رجل أنزع، ولا يقال: امرأة نزعاء بل زعراء. وبئر نزوع: قريبة القعر يتناول منها باليد. وفي الحديث: ((لقد رأيتني أنزع على قليب)) أي أستقي. قال الشاعر: [من الرجز] ١٦٢٤ - مالي إذا أنزعها صائت ... أكبر قد غالني أم بيت؟ وشراب طيب المنزعة، أي المقطع، كقوله: ﴿ختامه مسك﴾ [المطففين: ٢٦] وفي الحديث: ((مالي أنازع القرآن)) أي أجاذبه، وذلك لما جهروا خلفه. ومنه: ((إنما هو عرق نزعه)) أي نزع شبهه. ومنه أيضًا: ((طوبي للغرباء، قيل: ومن هم؟ قال: النزاع)) أي الذين نزعوا عن أهليهم، جمع نزيعٍ ونازعٍ. والنزائع: الغرائب من الإبل، ومنه حديث ظبيان ((أن قبائل من الأزد نتجوا فيها

стр. 1555

النزائع)) لأنها نوعت من أيدي الناس. وأنزع إبلهم إلى مواطنهم. ن ز غ: قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك﴾ [الأعراف: ٢٠٠] أي يوسوس. وقال الترمذي: يستخفنك. يقال: نزغ به: استخف. وقيل: يفسد، ومنه: ﴿من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ﴿[يوسف: ١٠٠] أي أفسد. وقيل: النزغ: الإغراء والتسليط. وأصل النزغ الدخول في الأمر لإفساده. ن ز ف: قوله تعالى: ﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون﴾ [الواقعة: ١٩] أي لا يسكرون. يقال: نزف الرجل ينزف نزفًا، مبنيا للمفعول: ذهب بعقله. ويقال للسكران: نزيف ومنزوف. قال امرؤ القيس: [من المتقارب] ١٦٢٥ - وإذا هي تمشي كمشي النزيـ ... ـف يصرعه بالكثيب البهر هو مأخوذ من قولهم: نزف دمه ودمعه، أي انتزح. ونزفت ماء البئر، أي نزحته. فكأن السكران نزف فهمه بسكره. وقرئ ((ينزفون)) ومعناه: لا يفنى شرابهم. ويقال: أنزف القوم، أي فني شرابهم، ومنه الحديث في زمزم: ((لا تنزف ولا تذم)). وقد تكلمنا على هذه الآية بأوسع من هذا في ((الدار)) و ((العقد)). ن ز ل قوله تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] النزول: الهبوط من علو

стр. 1556

إلى سفل، هذا أصله، وقد يراد به مجرد الحلول كقوله تعالى: ﴿فإذا نزل بساحتهم﴾ [الصافات: ١٧٧]، أي حل. ويقال: نزلت بالجبل، وإن كان من سفل إلى علو لغلبة الاستعمال، وهو عكس تعال؛ فإنه أصله أن تدعو من هو أسفل أن يرتفع إليك. ثم كثر حتى يقول المستفل للمرتفع: تعال. وأنزلته مكان كذا: جعلته نازلًا منه. قال تعالى: ﴿وقل رب أنزلني منزلا مباركا﴾ [المؤمنون:٢٩]. قال بعضهم: إنزال الله تعالى نعمه على خلقه؛ أعطاهم إياها، وذلك إما بإنزال الشيء نفسه، كإنزال القرآن. وإما بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللباس ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿أنزل على عبده الكتاب﴾ [الكهف: ١] ﴿وأنزلنا الحديد﴾ [الحديد: ٢٥] ﴿قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم﴾ [الأعراف: ٢٦]. ومن إنزال العذاب قوله تعالى: ﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا﴾ [العنكبوت: ٣٤] قال الراغب: والفرق بين الإنزال والتنزيل في وصف القرآن والملائكة أن التنزيل يختص بالموضع الذي يشير إلى إنزاله متفرقًا، ومرة بعد أخرى، والإنزال عام. قلت: هذا الذي ذكره الراغب تبعه فيه أبو القاسم الزمخشري، وقد اعترضت عليها بقوله تعالى: ﴿الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ [الفرقان: ٣٢] فإنه أتى بصيغة ((أنزل)) مع ((جملة)) دفعة واحدة من غير تفريق ولا تنجيم. وقد نقحنا في غير هذا. قال: وقوله: ﴿لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة﴾ [محمد: ٢٠] فإنما ذكر في الأول ((نزل)) وفي الثاني ((أنزل)) تنبيهًا أن المنافقين يقترحون أن ينزل شيء فشيء من الحث على القتال ليتولوه. وإذا أمروا بذلك دفعة واحدة تحاشوا عنه فلم يفعلوه، فهم يقترحون الكثير ولا يفون منه بالقليل. قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] إنما خص لفظ الإنزال دون التنزيل لما روى أن القرآن نزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا، ثم

стр. 1557

نزل نجمًا نجمًا قوله: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ [الحجر: ٢١ - ٢٢] ولم يقل: نزلنا، منبهًا أنا لو خولناه مرة واحدة ما خولناك مرارًا لرأيته خاشعًا متصدعًا. قوله: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولًا﴾ [آل عمران: ٤٥] قيل؛ أراد بإنزال الذكر هنا بعثة النبي ﷺ ، كما سمي عيسى ﵇ ((كلمة)).فعلى هذا يكون قوله: ﴿رسولًا﴾ بدلا من قوله: ﴿ذكرًا﴾. وقيل: أراد إنزال ذكره، فيكون رسولًا مفعولًا لقوله: ﴿ذكرًا﴾ أي ذكرًا رسولًا. قلت ويجوز أن يكون ((ذكرًا)) مفعولًا له، ورسولًا مفعول الإنزال. فإن قل: قد اختلف الفاعل؛ فإن فاعل الإنزال غير فاعل الذكر، فالجواب: إنا وإن سلمنا اشتراط ذلك فالفاعل متحد، لأن الذكر بمعنى التذكر، أي أنزل الرسول ليذكركم به. وهو معنى حسن طائل. قال: وأما التنزل فكالنزول به؛ يقال: نزل الملك بكذا، وتنزل. ولا يقال: نزل الله بكذا، ولا تنزل؛ قال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقال تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ [القدر: ٤] ولا يقال في المفترى والكذب، وما كان من الشياطين إلا التنزل؛ قال تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين﴾ [الشعراء: ٢١٠] قوله: وما كان من الشياطين ثم تلا قوله تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين﴾ ليس مطابقا لذلك، لأن ((ما)) نافية، أي أن الشياطين لم تنزل به، أي بالقرآن. قوله تعالى: ﴿هذا نزلهم يوم الدين﴾ [الواقعة: ٥٦] النزل: ما يعد للنازل من الضيافة؛ أنزلته: أضفته. فمن ثم قيل: إن هذا على سبيل التهكم نحو: ﴿فبشرهم﴾ [آل عمران: ٢١] ت. وإنه لم يكن لهم نزول إلا هذا كقوله: [من الوافر] ١٦٢٦ - تحية بينهم ضرب وتجميع قوله: ﴿نزلًا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٩٨] هذا على بابه، وقيل: ثوابًا ورزقًا. وهو بمعنى الأول. قوله: ﴿وأنا خير المنزلين﴾ [يوسف: ٥٩] هو من: أنزلته، أي أضفته.

стр. 1558

والمعنى: خير من يضيف ببلاد مصر. قوله: ﴿فنزل من حميم﴾ [الواقعة: ٩٣] كقوله: ﴿هذا نزلهم يوم الدين﴾ في احتمال الوجهين. قوله: ﴿أذلك خير نزلًا ﴿[الصافات: ٦٢] يجوز فيه ما جاز في ﴿هذا نزلهم﴾. ووجه آخر، وهو أن يراد: أذلك خير فضلًا وريعًا. يقال: له طعام: له نزل. والنوازل: الشدائد، واحدها نازلة، ومنه قيل: النزال، للحرب لقولهم فيها: نزال قال الشاعر: [من الكامل] ١٦٢٧ - فدعوا تزال، فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل ونازلة منازلة: قاتلة مقاتلة. ونزل فلان: أتى منزله. قال الشاعر: [من الطويل] ١٦٢٨ - أنازلة أسماء أم غير نازلة؟ والنزالة: الساقطة. نحو: النخالة والذبالة، ويكنى بالنزالة أيضا وبالنزل عن ماء الرجل فصل النون والسين ن سء: قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ [البقرة: ١٠٦] أي نؤخرها أو نؤخر نسخها. والنسء: التأخر. يقال: نسأ الله في أجلك، وأنسأ إنساء إنساء. ومنه النسيئة: وهو البيع إلى أجل. نسئت المرأة، أي أخر وقت حيضها فرجي حملها. وقيل: هي أول ما يطن بها الحمل. ومنه الحديث: ((دخلت عليها وهي نسء)) أي مظنون حملها.

стр. 1559

والجمع نساء؛ يقال: امرأة نسء ونسوة نساء. قلت: وعلى هذا يقال: م نساء نساءً؛ فالأول جمع امرأة في المعنى، والثاني جمع نسء، وهو جمع تكسير حقيقة. فالأول اسم جمع وفي الحديث: ((من أحب أن ينسأ في أجله فليصل رحمه)). وانتسأت، أي تأخرن وأنشج لابن زغبة: [من الطويل] ١٦٢٩ - إذا انتسؤوا فوت الرماح أتتهم ... عوائر نبل، كالجراد تطيرها ومنه أيضا النسيء في قوله: ﴿إنما النسيء﴾ [التوبة: ٣٧] لأنه تأخير شهر إلى شهر، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يجعلون المحرم مكان صفر، فيؤخرونه إليه. وإنما كان يفعل ذلك المحاويج من كنانة ليغيروا على بعضهم فيستاقون إبلهم وغنمهم، والفاعل لذلك هو جنازة بن عون. قال الشاعر مفتخرا بذلك: [من الوافر] ١٦٣٠ - ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما؟ قوله: ﴿تأكل منسأته﴾ [سبأ: ١٤] أي عصاه؛ سميت بذلك لأنها ينسأ بها أي يؤخر، فهي اسم آلة كالمكتب. وقد قرئ بسكون الهمزة وإبدالها ألفًا؛ قال الشاعر: [من البسيط] ١٦٣١ - إذا دببت على المنساة من هرم ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل وقد حققنا القول فيها في غير هذا. يقال: نسأت الإبل، أي أخرتها بالمنسأة، ونسأت الإبل في ظمئها يومًا أو يومين، أي أخرت. وأنشد لطرفة بن العبد: [من الطويل] ١٦٣٢ - أمون كألواح الأران نسأتها ... على لا حب كأنه ظهر برجد

стр. 1560

والنسيء: الحليب أخر تناوله فحمض فمد بماء، فهو فعيل بمعنى مفعول، نحو النقيض والنكيث بمعنى منكوث ومنقوص. ن س ب: قوله تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم﴾ [المؤمنون: ١٠١] أي ثم ينقطع التفاخر بينهم بالأنساب التي كانوا يعتدون بها مفاخرة في الدنيا على غيرهم، من قولهم: أنا فلان بن فلان، لا على قصد التعريض بدناءة آباء غيره، كقول الشاعر: [من البسيط] ١٦٣٣ - إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا آخر: [من الرجز] ١٦٤٣ - نحن بنو ضبة أصحاب الجمل ... الموت عندنا أحلى من العسل وقال الشاعر في معنى الآية الكريمة: [من السريع] ١٦٣٥ - لا نسب اليوم ولا خلة ... اتسع الخرق على الراقع والأصل في النسب الاشتراك في أب أو دين أو صناعة أو حي أو قبيلة. والنسبة والنسب أن تزيد في آخر الاسم الذي تريد أن تنسب إليه ياء مشددة تعتورها ألقاب الإعراب نحو: تميمي، وداري. وقد تقوم مقامها صيغ نحو: لبان ولابن ونهر، وله باب واسع أتقناه في كتب العربية والحمد لله. قوله تعالى: ﴿فجعله نسبا وصهرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] أي قرابة، وذلك أن النسب، كما قال الراغب، ضربان: نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء، ونسب بالعرض

стр. 1561

كالنسبة بين الأخوة وبني الأعمام. والنسب يقال في مقدارين متجانسين بعض التجانس، يختص كل واحد منهما بالآخر. وقيل ومنه النسيب؛ نوع من أنواع الشعر، وهو ذكر العشق في النساء، وذلك أنه انتساب في الشعر إلى المرأة بذكر العشق؛ يقال: نسب الشاعر بالمرأة نسبًا. ن س خ: قوله تعالى: ﴿مما ننسخ من آية﴾ [البقرة: ١٠٦]. النسخ: الإزالة. نسخت الريح أثر القوم: أزالته. وقيل: هو إزالة شيء بشيء؛ يقال: نسخت الشمس الظل، والظل الشمس، والشيب الشباب. وقال الراغب: فتارة يفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران. ونسخ الكتاب: إزالة بحكم يتعقبه. وقال غيره: النسخ يكون بمعنى الإزالة، وبمعنى النقل. ومنه: نسخت النخل نقلتها. وتارة يكون النقل لنفس الذات كنسخ النقل. وتارة يكون نقل مثل الشيء المنقول مع بقائه مكانه نحو: نسخت الكتاب، أي نقلت مثل ما فيه. وهذا هذا من باب الاشتراك أو الحقيقة أو المجاز؟ وأما النسخ شرعًا فرفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه لا إلى غاية. ثم النسخ يكون على ثلاثة أوجه: أحداهما أن ينسخ اللفظ والحكم معًا. كما يروي أنه مما يتلى ((عشر رضعات محرمات)). ثانيهما أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم، كما يروى أنه كان مما يتلى: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم)). وثالثهما عكس هذا كآيتي العدة؛ فإن الثانية منسوخة بالأولى. ثم إنه هل يجوز النسخ إلى غيره بدل أو بأثقل؟ خلاف كبير أتقناه في ((القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز))، وذكرنا أقسامه واختلاف الناس فيه، فعليك بالالتفات إليه. وقرئ: ((ما ننسخ))، ((ما ننسخ))، وقد حققنا هذا في الكتاب المشار إليه وفي ((الدر)) و ((العقد)).

стр. 1562

قوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون﴾ [الجاثية: ٢٩] أي نأمر الحفظة باستنساخه وكتبه، وذلك الإقامة الحجة عليهم، وإلا فالباري تعالى على أفعالهم قبل أن يخلقهم، وقبل أن تصدر منهم. والمناسخة، أن يموت مورث، ثم يموت بعض ورثته قبل أن تقسم تركة الأول. والتناسخية: قوم يزعمون أن لا بعث ولا نشور، بناءًا على مذهبهم الفاسد، وأن هذه الأرواح إذا خرجت من جسد حلت في جسد آخر، بحسب خيريته وشريته؛ فإن كان خيرًا حلت في جسد صالح وصورة حسنة، وإلا ففي أقبح صورة. فروح زيد أن تحل في مثله، أو كلب أو ذبابة، أو زنبور. وكذا روح الزنبور. ويذكرون على ذلك أدلة باطلة، وحججًا داحضة، يموهون بها على ضعفهم، نعوذ بالله مما خالف ما جاءت به أصحاب الشرائع صلوات الله وسلامه عليهم. ن س ر: قوله تعالى: ﴿ونسرًا﴾ [نوح: ٢٣] قيل: هو اسم صنم، وكان وج وسواع ويغوث، ويعوق ونسر أصنامًا تعبد من دون الله. قيل: كان ود على صورة صنم لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير. وكان ود على صورة رجل، وسواع امرأة، ويغوث أسدًا، ويعوق فرسًا، ونسر نسرًا. وقيل: كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا اتخذوا صورهم ليتذكروا أعمالهم، فطال الزمان وجاءت الأبناء، فجاءهم إبليس وقال: أما ترون هذه التماثيل؟ فقالوا: نعم. فقال: كان آباؤكم يعبدونها. فعبدوها ثم جاءت عبادة الأصنام. والنسر في الأصل اسم الطائر، قيل: كان الصنم على صورته. النسر أيضًا نجم في السماء معروف. قال: [من الطويل] ١٦٣٦ - تنظرت نسرًا والسماكين أيها ... على من الغيث استهلت مواطره وكان من حقه أن يلزمه الألف واللام لأنه علم بالغلبة، وإنما شذ حذفها منه كقولهم: هذا عيوق طالعًا، وهما نسران: نسر طائر ونسر واقع، تشبيها في الصورة. والنسر أيضًا مصدر نسر الطائر الشيء بمنسره، أي نقره بمنقاره. والنسر لحمه ناتئة

стр. 1563

تشبيهًا به. ونسرت كذا. تناولته تناول الطائر الشيء بمنسره. ن س ف: قوله تعالى: ﴿فقل ينسفها ربي نسفًا﴾ [طه: ١٠٥]. النسف: القلع، يقال: نسفت الريح الشيء: قلعته وأزالته عن مقره، وقيل: نسفها: دكها وتذريتها وهو قريب. قوله: ﴿ثم لننسفنه في اليم نسفا﴾ [طه: ٩٧] أي لنذرينه تذرية كما تذور الرياح الغبار. ويقال: نسف البعير الأرض بمقدم رجله. ويقال لذلك الغبار النسافة. ومنه انتسف لونه، أي تغير تغير النسافة، نحو/ اغبر وجهه، وأريد: كأن عليه نسافة. ومنه قيل لراعوفة البئر نسافة، وكلامهم نسيف. أي متغير ضئيل. والنسفة: حجارة يزال بها وسخ القدم. وقيل: ﴿لننسفنه﴾ أي لنطرحه فيه طرح النسافة: وهو ما يثور من الغبار. وقيل: نسفها: قلعها من أصلها، من قولهم: نسف البعير النبات، أي قلعه بفيه من الأرض بأصله، وكلها معان متقاربة. ن س ك: قوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ [البقرة: ١٢٨] المناسك جمع منسك- بفتح السين وكسرها. وقد قرء بهما. قوله تعالى في المتواتر: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكًا﴾ [الحج: ٣٤]. والمناسك: عبادات الحج وأماكنها. وأصل النسك العبادة مطلقًا من حج وغيره. ومنه: تنسك فلان ونسك فهو نسيك وناسك، ثم غلب على الحج. وقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي﴾ [الأنعام: ١٦٢] النسك: ما يتقرب به إلى الله تعالى. وقول الناس: فلان ناسك من النساك، أي عابد من العباد يؤدي المناسك وما فرض عليه، وما يتقرب به إليه. وقال: والمنسك في قوله تعالى: ﴿لكل أمة جعلنا منسكًا ﴿[الحج: ٦٧] يدل على موضع النحر؛ أراد مكان نسك. قال: والنسيكة: مختصة

стр. 1564

بالذبيحة. وقال مجاهد في قوله: ﴿جعلنا منسكًا﴾، مذبحًا. قال: نسك: إذا ذبح- ينسك نسكًا. والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نسك. قال تعالى: ﴿أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال غيره: النسك: الطاعة. وقال آخرون: النسك: ما أمرت الشريعة به، والورع: ما نهي عنه. وقال الهروي: وأخبرنا ابن عمار عن أبي عمر قال: سئل ثعلب عن معنى الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة، وهي السبيكة من الفضة المصفاة، وكأنه صفى الله نفسه. وقال ابن عرفة: ((جعلنا مسكًا)) أي مذهبًا من طاعة لله تعالى: نسك الرجل بنسك. قومه، أي سلك مذهبهم. فقوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، يجوز أن يكون التقدير: أرنا متعبداتنا من حج أو غيره، أو مواقف حجنا، أو عبادة حجنا، أو مواضع ذبحنان أو مواقف عباداتنا. ن س ل: قوله تعالى: ﴿إلى ربهم ينسلون﴾ [يس: ٥٢] أي يسرعون في عدوهم من قولهم: نسل الثعلب، أي أسرع في ذهابه، ينسل نسلًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وهم من مل حدب ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦]. وقيل: النسلان جون السعي. وفي حديث لقمان بن عاد: ((وإذا سعى القوم نسل)) أي إذا سعوا لغارة أو مخافة، قارب الخطو في إسراع. وفي الحديث: ((شكوا إلى رسول الله ﷺ الضعف. فقال: عليكم بالنسل)) قال ابن الأعرابي: النسل ينشط، وهو الإسراع في المشي. وفي حديث آخر: ((أن قومًا شكوا إليه الإعياء فأمرهم أن ينسلوا)). وقال بعضهم: النسل: الذرية، وكأنه أمرهم- لما شكوا ضعفهم- بالتوالد. وأصل النسل الانفصال عن الشيء. وهذا المعنى يخدمك في جميع ما قدمته. ومنه نسل الوبر عن البعير، والقميص عن الإنسان، والريش عن الطائر. ويعبر به عن الهجر والإبعاد. وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل]

стр. 1565

١٦٣٧ - وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فلي ثيابي من ثيابك تنسل كني بذلك عن الإبعاد. وأنسلت الإبل: حان أن تنسل وبرها. والنسل: الذرية لأنها نسلت عن الوالدين. وقيل: لكونها ناسلة عن الله بخلقه وإيجاده. قال تعالى: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥] قيل: نزلت في الأخنس بن شربق وقد مر بزرع فحرقه، وبنعم فحرقها. وتناسلوا: توالدوا. وفي الحديث: ((تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم يوم القيامة)). وكان يقال: إذا طلبت فضل إنسان فخذ ما نسل لك عفوًا. ن س ي: قوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧] أي تركوا أوامره ونواهيه فتركهم مخلدين في النار. والنسيان يعبر به عن الترك. وقال بعضهم: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلةٍ، وإما عن قصدٍ حتى ينحذف عن القلب ذكره. قوله: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ [الأعلى: ٦] لا نافية، وهي ضمان من الله تعالى لنبيه، أنه إذا سمع شيئًا من القرآن لم ينسه، وقول من قال: إنه نهي ضعيف من حيث المعنى، ومن حيث اللغة لما بينا في غير هذا. قال الراغب: وكل نسيان من الإنسان ذمة الله تعالى به، فهو ما كان أصله عن تعمد. وما عذر فيه نحو ما روي عنه ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))، فهو ما لم يكن سببه منه. قوله: ﴿فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾ [السجدة: ١٤] هو ما كان سببه عن تعمد منهم. قوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [الكهف: ٢٤] قال ابن عباس: أي لم يقل: إن شاء تعالى أفعله إذا ذكرنه. ونقل عن عكرمة عبارة الله أعلم بصحتها. ولا ينبغي أن تصح. وأجاز ابن عباس الاستثناء بعد ذكره لظاهر هذه الآية على ما تأولها.

стр. 1566

وقد حققنا هذا في ((الأحكام)). قوله: ﴿وكنت نسيًا منسيًا﴾ [مريم: ٢٣] أي شيئًا تافهًا لا يؤبه له، مما حقه أن ينسى ويترك قلة مبالاة به. والنسي فعيل بمعنى مفعول كالنقض والنكث. وقوله: ﴿منسيًا﴾ مبالغة فيه؛ لم يكفها أن تتمنى أن تكون شيئًا تافهًا حتى بالغت فيه. يوصف بذلك لأن النسي يقال لما يقل الاعتداد به وإن لم ينس. وقرئ ((نسيًا)) بالفتح؛ وهو مصدر موضوع موضع المفعول. وكان العرب إذا ترحلت عن منزل تقول: احفظوا أنساءكم، أي ما حقه أن ينسى لقلة الاعتداد به كالوتد والشظاظ ونحوهما. قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ [البقرة: ١٠٦] قرئ بضم النون الأولى وسكون الثانية من غير همز، والمراد: نأمر بنسيانها أو ننسها للناس. وقد جرى هذا حين أصبح القوم، وقد أذهب الله من قلوبهم حفظ بعض القرآن، الذي أراد نسخه لفظًا، كما هو مشهور في التفسير والأحبار. قال الراغب: فإنساؤها حذف ذكرها من القلوب بقوة إلهية. قال غيره: أي نأمركم بتركها. يقال: أنسيته الشيء: أمرته بتركه. قوله: ﴿وما كان ربك نسيًا﴾ [مريم: ٦٤] أي ناسيًا؛ فعيل بمعنى فاعل، أي لم ينسك من الوحي. وإنما أخره لمصلحة، والقصة ذكرناها في التفسير. قوله: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ [العصر: ٢] المراد به الجنس، ولذلك استثنى منه. والإنسان عند قوم مشتق من النسيان؛ قالوا: مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ [طه: ١١٥] قال أبو منصور: هذا دليل على أن أصل إنسان إنسيان، ولذلك صغر فقيل أنيسيان. قلت: وأنشد القائل بذلك قول الشاعر: [من الكامل]

стр. 1567

١٦٣٨ - سميت إنسانًا ناسي وقال آخر: [من البسيط] ١٦٣٩ - لئن نسيت عهودًا كنت موثقها ... فاغفر؛ فأول ناسٍ أول الناس ولنا فيه كلام أتقناه في غير هذا. قوله: ﴿وأناسي كثيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]. قيل: هو جمع إنسانٍ، فأبدلت النون ياء كقولهم: ظرابي والأصل ظرابين. ويقال: سرحان وسراحين وسراحي. وقيل: هو جمع إنسي، وفيه نظر من حيث صناعة النحو كما بيناه في غير هذا. فصل النون والشين ن ش أ: قوله تعالى: ﴿ثم أنشأناه خلقًا آخر﴾ [المؤمنون: ١٤] الإنشاء: ابتداء الخلق، وكل من ابتدأ خلق شيءٍ واخترعه فقد أنشأه. ومنه: أنشأ الشاعر القصيدة. وأنشأ فلان يفعل كذا، أي ابتدأ في فعله. والإنشاء الاختراعي غير المسبوق بمثالٍ لا يليق إلا بالباري تعالى. قال تعالى: ﴿وهو الذي أنشأكم﴾ [الأنعام: ٩٨] قوله: ﴿ولقد علمتم النشأة الأولى﴾ [الواقعة: ٦٢] يعين خلقكم الأول، وهو ما ثبت بالدليل من خلق أصلكم من ترابٍ، أو خلق أنفسكم من كونكم نطفًا في أصلاب الآباء، ثم تقذف في بطون الأمهات، ثم تتصور تلك النطفة، إلى أن تخرج بشرًا سويًا؛ لا يكابر في ذلك إلا معاند. وجعلت الأولى باعتبار النشأة الأخرى، وهو بعثهم أحياءً بعد إماتتهم وصيرورتهم رممًا. قال تعالى: ﴿ثم الله ينشئ النشأة الآخرة﴾ [العنكبوت: ٢٠] جعلها نشأة باعتبار تفرق أوصالهم وبلاء أجسادهم وتقطع أبدانهم. يقال: نشأة ونشاءة نحو رأفةٍ ورآفةٍ، وكأبةٍ وكآبةٍ. وقد قرئ بهما في المتواتر. قوله: ﴿أأنتم أنشأتم شجرتها﴾ [الواقعة: ٧٢] أي ابتدعتم الشجر، وهو المرخ والغفار

стр. 1568

يحك أحدهما بالآخر فتخرج النار مع كونه أخضر يقطر ماء. ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيءٍ﴾ [يس: ٨٣] قوله: ﴿أو من ينشأ في الحلية﴾ [الزخرف: ١٨] أي يتربى في الحلي والزينة. يعني: النساء ربات الحجول. وقرئ: ((ينشأ)) بالتشديد. وقال بعضهم: النشء والنشأة: إحداث الشيء وتربيته. ومنه نشأ السحاب، لحدوثه في السماء وتربيته شيئًا فشيئًا. ومنه قوله تعالى: ﴿وينشئ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢]. قوله تعالى: ﴿إن ناشئة الليل﴾ [المزمل: ٦] قال ابن عرفة: كل ساعةٍ قامها قائم بالليل فهي ناشئة. وقال غيره: كل ما حدث بالليل وبدا فقد نشأ، وهو ناشيء والجمع ناشئة. فناشئة الليل: ما حدث فيه من ساعاته وغيرها. وقال الأزهري: ناشئة مصدر جاء على فاعلةٍ بمعنى النشء كالعافية بمعنى العفو. والنشأ -بفتح الشين- والقصر جمع ناشئٍ نحو خادمٍ وخدمٍ، وهو الشاب. وقوله: ﴿وله الجواري المنشآت﴾ [الرحمن: ٢٤] قرئ بفتح الشين، على أنها أحدثت وعلمت بتعليم الله كما علمها لنوحٍ ﵊، والتي أخبر بها، أو التي رفع أشرعتها، وهي قلاعها. يقال: نشأت الشيء: رفعته، وبكسرها على أنها أنشأت الموج أو السير، أي رفعت قلوعها على الإسناد المجازي. وفي الآية قراءات مذكورة في ((الدر)) وغيره. وفي الحديث: ((دخلت مستنشئة على خديجة)) هي الكاهنة. يقال: استشنأ الأخبار، أي بحث عنها. ن ش ر: قوله تعالى: ﴿وإذا الصحف نشرت﴾ [التكوير: ١٠] أي بسطت ليظهر ما فيها

стр. 1569

من أعمال العباد لهم، من: نشرت الثوب. قوله تعالى: ﴿والناشرات نشرًا﴾ [المرسلات: ٣] قيل: هي الرياح تنشر السحاب، أي تبثها وتسوقها. وقيل هي الملائكة التي تنشر الرياح. وقال الفراء: هي الرياح تأتي بالمطر. وقوله: ﴿يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته﴾ [النمل: ٦٠]، قيل: هو جمع نشورٍ، نحو رسولٍ ورسلٍ. ويقال: نشرت الرياح نشرًا، أي صرت. وأنشد لجرير: [من الكامل] ١٦٤٠ - نشرت عليك فذكرت بعد البلى ... ريح يمانية بيومٍ ماطر وقرئ ﴿بشرى﴾ بالباء الموحدة. قوله: ﴿وجعل النهار نشورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] أي ذا نشورٍ، تنتشر الناس في حوائجهم ومتصرفاتهم، أي جعله محلاً للانتشار وابتغاء الرزق، لقوله في موضعٍ آخر: ﴿ولتبتغوا من فضله﴾ [النحل: ١٤]. قوله: ﴿وإليه النشور﴾ [الملك: ١٥] أي المبعث والمرجع إليه تعالى. يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. قال الشاعر: [من السريع] ١٦٤١ - يا عجبًا للميت الناشر ويقال: نشر الله الميت، أيضًا من نشر الثوب، كما قال الشاعر: [من الوافر] ١٦٤٢ - طوتك خطوب دهرك بعد نشرٍ ... كذاك خطوبه طيًا ونشرا قوله: ﴿ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم: ٢٠] أي تتفرقون في حوائجكم، وتتصرفون في متقلباتكم. وقرئ ﴿وإذا قيل انشروا فانشروا﴾ [المجادلة: ١١] أي تفرقوا عن مجالسكم. قوله: ﴿كذلك النشور﴾ [فاطر: ٩] أي مثل ذلك إحياء الموتى وبعثهم. قوله: ﴿كيف ننشزها﴾ [البقرة: ٢٥٩] من ذلك، أي كيف نحييها ونبعثها؟

стр. 1570

وقرأ الحسن: «ننشرها» من نشرت الثوب بعد طيه. وقرئت بالزاي وسيأتي. قوله تعالى: ﴿ينشر لكم ربكم من رحمته﴾ [الكهف: ١٦] أي ينشئ لكم ويسهل لكم من رزقه. وأصل النشر في الأجرام، فتجوز به في المعاني. ومنه: نشر رحمته عليه وبسطها، ونشر الحديث. قوله: ﴿جراد منتشر﴾ [القمر: ٧] أي متفرق منبث في كل جهةٍ والنواشر: عروض باطن الدماغ، وذلك لانتشارها. ونشرت الخشب بالمنشار، وذلك باعتبار ما ينشر منه عند النحت بعد كونه كالمطوي. والنشر: الغيم المنتشر، نحو النقض بمعنى المنقوض. والنشر: الريح الطيبة. ومنه حديث معاوية: «أنه خرج ونشره أمامه» وأنشد لامرئ القيس: [من المتقارب] ١٦٤٣ - كأن الغمام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر ومن كلام عائشة ﵂ في حق أبيها رضي الله تعالى عنه: ﴿فرد نشر الإسلام على غرة» أي ما انتشر منه وتفرق إلى حاله التي كانت على عهده ﵇. وفي الدعاء: «اللهم اضمم نشري». وفي الحديث: «إذا دخل أحدكم الحمام فعليه بالنشير ولا يخصف» النشير: الإزار. ومعنى لا يخصف: لا يضع يده على فرجه. وفي حديث معاذٍ: «نشر كل أرضٍ» نشرها ما خرج من نباتها. والنشر: الكلأ اليابس إذا أمطر حيي، وهو دواء للغنم؛ يقال منه: نشرت الأرض، فهي ناشرة. والنشرة: رقية يعالج بها المريض. ن ش ز: قوله تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي نرفع بعضها

стр. 1571

إلى بعضٍ، وتركته على حالته الأولى لا يختل عظم عن مكانه. والنشز: الرفع، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ [المجادلة: ١١] أي ارتفعوا عن مجالسكم فارتفعوا حتى لا تضيقوا على غيركم. وفي التفسير قصة. ومنه: نشوز المرأة على زوجها وهو ترفعها عليه وعدم امتثالها أمره. ومنه قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾ [النساء: ٣٤] والنشز من الأرض: المرتفع. وباعتبار نشوز المرأة قال الشاعر: [من الطويل] ١٦٤٤ - إذا جلست عند الإمام كأنها ... ترى رفقةً من ساعةٍ تستحيلها وعرق ناشز، أي ناتئ، وامرأة ناشز كحائضٍ. ونشز الرجل ينشز وينشز، أي ينهض؛ بضم عين المضارع وكسرها، وقد قرئ بهما قوله: ﴿وانشزوا فانشزوا﴾. ن ش ط: قوله تعالى: ﴿والناشطات نشطًا﴾ [النازعات: ٢] قيل: هي الملائكة تنشط لحوم الكفرة، أي تنزعها. وقيل تنشط أرواحها. يقال: نشط الشيء ينشط فهو ناشط، أي نزع. ومنه «فنشط زينب من حجرها». وقال ابن عرفة: تنشط أرواح المؤمنين، أي تحلها حلًّا رقيقًا. وهذا على سبيل التوسع. وقيل: نشطت العقدة: عقدتها بأنشوطةٍ. وأنشطتها: حللتها. ومنه الحديث: «فكأنما أنشط من عقالٍ» وهذا يرد ما قاله ابن عرفة، وأحسن من هذا ما قاله الراغب: هي الملائكة تنشط الأمور، من قولهم: نشط العقدة: قال: وتخصيص النشط وهو العقد الذي يسهل حله تنبيه على سهولة الأمر بينهم. وقيل: الناشطات هي النجوم الخارجات من الشرق بسير الفلك، أو السائرات من المغرب إلى المشرق بسير أنفسها، من قولهم: ثور ناشط، أي خارج من أرضٍ إلى أرضٍ.

стр. 1572

وبئر أشناط، أي قريبة القعر يخرج دلوها بجذبةٍ واحدةٍ. والنشيطة: ما ينشط الرئيس لأخذه، كل ذلك من السهولة. وقيل: الناشطات: حيات تنشط الكفرة. يقال: نشطته الحية، أي نهشته. فصل النون والصاد ن ص ب: قوله تعالى: ﴿والأنصاب﴾ [المائدة: ٩٠] هي حجارة كانت تنصب فتعبد. وقيل: يذبح عليها ويغلى عليها اللحم يأكل منه المحاويج، وهو جمع نصب. ونصب جمع نصابٍ، نحو حمارٍ وحمر. ثم حمر يشبه عنقًا فجمع على أفعالٍ. وقيل: نصب جمع نصيبٍ. قال الراغب: نصب الشيء: وضعه وضعًا ناتئاً كنصب الزرع والبناء والحجر. والنصيب: الحجارة تنصب على الشيء، وجمعه نصائب ونصب، وكان للعرب حجارة تعبدها وتذبح عليها. ثم قال: وقد يقال في جمعه أنصاب. انتهى. قلت: الهاء في قوله:- جمعه- تعود على نصب لا على نصيب لأنه عهد جمع فعلٍ على أفعالٍ كما تقدم في نحو عنق وأعناق، ولم يعهد جمع فعيلٍ على أفعالٍ إلا صفةً نحو شريفٍ وأشراف. فإن ادعي أن النصيب صفة: فعيل بمعنى مفعولٍ صح أن يكون أنصاب جمع نصيب. وقال الهروي: الأنصاب واحدها نصب ونصب ونصب. ولم يبين هل النصب جمع أم لا؟ وقد قرئ قوله تعالى: ﴿إلى نصب يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣] بالأوجه الثلاثة. والظاهر أن النصب- بفتح النون- مصدر واقع موقع المفعول، وأن النصب- بالضم والسكون- مخفف من المضموم. قوله تعالى: ﴿بنصبٍ وعذابٍ﴾ [ص: ٤١] النصب والنصب: التعب. قال تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصب﴾ [الحجر: ٤٨] وكذلك هو البخل والرشد، وقد قرئ بالوجهين فيهن، ومثله العدم والعدم، والحزن والحزن، والعرب والعرب. يقال منه:

стр. 1573

نصب ينصب نصبًا ونصبًا فهو ناصب. وأنصبني كذا: أتعبني. وأنشد: [من الطويل] ١٦٤٥ - تأوبني هم مع الليل منصب وهم ناصب من باب ﴿ماءٍ دافقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿وعيشةٍ راضيةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] على النسب. وأنشد للنابغة: [من الطويل] ١٦٤٦ - كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب ويجوز أن يكون «نصب» متعديًا وهذا منه، فيكون من باب فعل وأفعل. ويقال: نصب فهو نصيب وناصب، نحو فرح فهو فارح. قوله: ﴿إلى نصبٍ يوفضون﴾ أي إلى علمٍ منصوب. ومن قرأ «نصب» أو «نصب» فمعناه الأنصاب. قوله: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ [الشرح: ٧]، أي إذا فرغت من الفريضة فاجهد في النافلة، من نصب في كذا، أي تعبٍ. وقيل: إذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء والتضرع. قوله: ﴿عاملة ناصبة﴾ [الغاشية: ٣] أي تعبانة مجتهدة في العبادة. وعنى بذلك الرهبان التي لا تجني من عبادتها شيئاً. ونصاب الشيء أصله وما يرجع إليه. ومنصب الرجل: زينته وما يعانيه ويرجع إليه. ونصاب السكين: بمنزلة الأصل لها. وناصبة في الحرب، وفي العداوة. ويقال: تيس أنصب، وعير نصباء، منتصب القرون، وناقة نصباء: منتصبة الصدر. ونصب الستر: رفعه: وتنصب الغبار: ارتفع. والنصب: غناء العرب يشبه الحداء. وفي الحديث: «لو نصبت لنا نصب العرب» قال الهروي: لو تغنيت. والنصب: ضرب من أغاني العرب. والنصب: أيضًا: أحد ألقاب الإعراب. والنصب أيضًا: الخط المنصوب، أي المعين.

стр. 1574

ن ص ت: قوله تعالى: ﴿وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قيل: معناه اسكتوا سكوت المستعمين. ونصت وأنصت بمعنىً واحدٍ. ويكون نصت متعديًا. وفي حديث طلحة: «أنصتوني» يقال: أنصته وأنصت له، نحو: نصحته ونصحت له. قاله الهروي وقال الراغب: الإنصات: الاستماع إلى الصوت مع ترك الكلام، قلت: لولا قوله: مع ترك الكلام كان تكريرًا في الآية الكريمة، ولذلك لم يفسره غيره إلا بالسكوت. قيل: هو من باب قوله: ﴿صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧] لاختلاف اللفظ. قال: وقال بعضهم: يقال: للإجابة إنصات. قال: وليس ذلك بشيءٍ، لأن الإجابة تكون بعد الإنصات، وإن استعمل فيه فذلك حث على الاستماع لتمكن الإجابة. ن ص ح: قوله تعالى: ﴿وهم له ناصحون﴾ [القصص: ١٢] أي صادقون فيما يشيرون به عليه. قال أبو زيدٍ: نصحته: صدقته. قوله: ﴿توبوا إلى الله توبةً نصوحًا﴾ [التحريم: ٨] أي صادقةً. وقال الراغب. النصح: يجري مجرى فعلٍ أو قولٍ فيه صلاح صاحبه. وهو من قولك نصحت له الود، أي أخلصته. وناصح العسل: خالصه، أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته، والناصح: الخياط، والنصاح: الخيط. والتوبة النصوح من أحد هذين الوجهين؛ إما الإخلاص وإما الإحكام. ويقال: نصوح ونصاح مثل ذهوبٍ وذهاب وأنشد: [من الطويل] ١٦٤٧ - أحبك حبًا خالطته نصاحة وقد قرئ: ﴿توبة نصوحًا﴾ [التحريم: ٨] بفتح النون وضمها؛ وقال الزجاج: «توبة نصوحًا» أي بالغةً في النصح، وهو مأخوذ من النصح وهو الخياطة، كأن الغضبان

стр. 1575

يخرق، والتوبة النصوح ترقع. والنصاح والمنصح: ما يخاط به نحو إزارٍ ومئزرٍ. والنصاح أيضًا: الخيط. وقال ابن عرفة: «نصوحًا» خالصةً. ونصح الشيء: خلص، ونصح له: أخلص له القول، وأنشد لجرير بن الخطفي: [من الطويل] ١٦٤٨ - تركت بنا لوحًا ولو شئت جادنا ... بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح وفي حديث الشورى قال عبد الرحمن بن عوفٍ: «وإن جرعة شروب أنصح لكم من عذبٍ موبٍ» وقال الأصمعي: إذا شرب دون الري يقال: نضحت الري- بالضاد. معجمةً- فإن روي قيل ذلك بالصاد- غير معجمةٍ- نصحًا. ن ص ر: قوله تعالى: ﴿فمن ينصرني﴾ [هود: ٦٣] أي يمنعني. والنصر والنصرة: الإعانة والمنعة. يقال: نصرته، أي أعنته على عدوه ومنعته منه. ونصر الغيث البلد، أي أعانه على الخصب والنبات. ونصرت المكان: أتيته، قاله ثعلب وأنشد: [من الطويل] ١٦٤٩ - إذا دخل الشهر الحرام فودعي ... بلاد تميمٍ وانصري أرض عامر قوله: ﴿والنصارى﴾ [آل عمران: ٦٧] قيل: هم جمع نصرانٍ نحو ندمانٍ وندامى. المنثة نصرانة وينشد لأبي الأخرز الحماني: [من الطويل] ١٦٥٠ - فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما أسجدت نصرانة لم تحنف قال: وهم منسوبون إلى ناصرة، قيل: هي قرية. وقال بعضهم: قيل لهم نصارى لأنهم نصروا الله من قوله تعالى حكايةً عن عيسى: ﴿من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ [آل عمران: ٥٢]. قال: ويقال: نصراني وأنصار، وأنشد: [من الرجز]

стр. 1576

١٦٥١ - لما رأيت نبطًا أنصارا ... شمرت عن ركبتي الإزارا يريد: نصارى. ويقال: نصراني بين النصرانية. وقيل: هم منسوبون إلى قريةٍ يقال لها نصران، هذا أقيس في النسب من كونها ناصرة. قوله: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] نصرة الله لعباده، وأما نصرتهم له تعالى فمعناها إن تنصروا دين الله ينصركم وتنصروا أنبياءه وأولياءه. وقيل: نصرته القيام بحفظ حدوده ورعاية عهوده واعتبار أحكامه واجتناب نهيه. قلت: هذا هو نصرة دين الله بعينه، فهو شرح لذلك. قوله: ﴿أني مغلوب فانتصر﴾ [القمر: ١٠] ولم يقل فانصرني، تنبيه على أن مانال النبي وكأنما نال من أرسله على سبيل المجاز كقوله حكايةً عن ربه: «من عادى بي وليًا فقد آذاني بالمحاربة». وفي معناه: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ [الفتح: ١٠] قال الراغب: لم يقل: اهصر تنبيهًا أن ما يلحقني يلحقك من حيث إني جئتهم بأمرك، فإذا نصرتني فقد انتصت لنفسك. وفي العبارة بعض شيءٍ. ونصرت فلانًا: أعطيته، وهو استعارة من العون أو من انصر المطر الأرض. وفي الحديث: «لا يؤمنكم أنصر ولا أزن ولا أفرع» الأنصر: الأقلف، والأزن: الحاقن، والأفرع: الموسوس. كذا جاءت مفسرةً في الحديث. ن ص ف: قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. النصف من كل شيءٍ شطره مساويًا له في القدر. يقال: نصف ونصيف. وفي الحديث: «ولا نصيفه». ويقال: نصف ونصيف نحو عشرٍ وعشير. ونصف ينصف، وأنشد: [من الكامل] ١٦٥٢ - نصف النهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري

стр. 1577

ونصف النهار، أي بلغ نصفه، وانتصفه كذلك. فنصف وانتصف يكونان لازمين ومتعديين. والنصيف أيضًا: مكيال كبير. والنصيف أيضًا: المقنعة، وقيل: الخمار، كأنه نصف مقنعةٍ. وفي الحديث في صفحة الحور: «ولنصيف إحداهن على رأسها خير من الدنيا وما فيها». وقيل: هو معجر المرأة. وأنشد للنابغة الذبياني: [من الكامل] ١٦٥٣ - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد والنصف: المرأة العوان، أي التي لم تبلغ سن الكبر وتجاوزت الصغر؛ فهي بين السنين، وأنشد: [من البسيط] ١٦٥٤ - وإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا والإنصاف في المعاملة العدل، وهو أن لا تأخذ من صاحبك من المنافع إلا مثل ما تعطيه، ولا تنيله من المضار إلا مثل ما يناله. والخادم: ناصف، والنصفة: الخدمة. وفي حديث ابن عباسٍ وذكر داود فقال: «دخل المحراب وأقعد منصفًا على الباب» يعني خادمًا. وجمع الناصف نصف. والإنصاف والانتصاف: طلب النصفة. ن ص و: قوله تعالى: ﴿لنسفعًا بالناصية﴾ [العلق: ١٥] الناصية: مقدم الرأس، وهي قصاص الشعر: والسفع: الأخذ بها. قال تعالى: ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١] أي تجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يطرح بهم في النار كقوله: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾ [الشعراء: ٩٤]. ونصوت فلانًا، وانتصيته، وناصيته: أخذت بناصيته. وقوله: ﴿ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦] عبارة عن اقتداره تعالى وقهره لكل ما يدب على الأرض من إنسانٍ وغيره.

стр. 1578

ولام الناصية. يجوز أن تكون واوًا وأن تكون ياءً. ويدل على ذلك أن العلماء ذكروها في المادتين. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «على م تنصون ميتكم؟» أي تسرحون شعره. وأصله من تسريح الناصية. يقال: نصوت الرجل أنصوه نصوًا، أي مددت ناصيته. ويروى عن عائشة: «مالكم تنصون ميتكم» أي تمدون ناصيته؛ قاله الراغب. وفلان ناصية قومه، كقولك: رأسهم وعينهم ووجههم. والنصي مرعىً من أفضل المراعي. واستعير للكثير؛ فقيل: فلان نصية قومه، لنفعه لهم نفع المراعي. وفي الحديث: «نصية من همدان» أي الرؤساء والأشراف، أخذًا من الناصية. «وانتصيت من القوم رجلًا» أي اخترته. وفي الحديث: «لم تكن واحدة تناصيني» أي تنازعني، كأن كل واحدٍ بناصية الآخر. فصل النون والضاد ن ض ج: قوله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ [النساء: ٥٦] النضج والنضج: إدراك اللحم نهاية شيه وطبخه. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٦٥٥ - فظل طهاة اللحم ما بين منضجٍ ... صفيف شواءٍ أو قدير معجل وناقة منضجة: جاوزت بحملها وقت ولادتها. وفلان نضيج الرأي، أي محكمه. وفي حديث لقمان بن عادٍ: «قريب من نضيجٍ بعيد من نيء» يريد أنه لا يعجله الفزع من إنضاج ما يطبخه وهم يمدحون بذلك. وصار ذلك كنايةً عن العجلة. وأنشد للشماخ: [من الطويل]

стр. 1579

١٦٥٦ - وأشعث قد قد السفار قميصه ... وحر الشواء بالعصا غير منضج ويريد أنه لا ينضجه لعجلته. ن ض خ: قوله تعالى: ﴿فيهما عينان نضاختان﴾ [الرحمن: ٦٦] النضخ والنضح، متقاربان وهما رش الماء. وقال الأصمعي: النضخ فوق النضح، قال: ولا يقال منها فعل ولا يفعل. قال أبو زيدٍ: هما سواء يقال: نضخت أنضخ بالفتح، بالحاء والخاء. والنضاخ: المناضخة، وأنشد: [من الطويل] ١٦٥٧ - به من نضاخ الشول ردع كأنه ... نقاعة حناءٍ بماء الصنوبر وقال القطامي: [من الكامل] ١٦٥٨ - وإذا تضيفني الهموم قريتها ... سرح اليدين تخالس الخطرانا حرجًا من الكحيل صبابةً ... نضخت مغابنها به نضخانا ويقال: نضخناهم؟؟؟، أي فرقناها فيهم، بالحاء والخاء. والنضخة: المطرة. وأنشد: [من البسيط] ١٦٥٩ - لا يفرحون إذا ما نضخة وقعت ... وهم كرام إذا اشتد الملازيب وعين نضاخة: كثيرة الماء. وقال أبو عبيدٍ الهروي: النضخ دون النضح. وقال في تفسير قول قتادة: «النضح من النضح» أي من أصابه نضح من البول فعليه أن ينضحه بالماء. وقال ابن الأعرابي: النضخ: ما نضخته بيدك متعمدًا، والنضح: من غير اعتمادٍ؛ إذا مر فوطئ على ماءٍ فنضحه عليه. فهذا فرق من وجهٍ آخر. وفي حديث إبراهيم: «كان لا

стр. 1580

يرى بنضح البول بأسًا﴾ قال الهروي: أي بنثره. ن ض د: قوله تعالى: ﴿وطلحٍ منضودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] أي متراكب بعضه على بعضٍ. يقال: نضدت المتاع: ألقيت بعضه فوق بعضٍ، فهو نضيد ومنضود. والنضد أيضًا: السحاب المتراكم. وأنضاد القوم: جماعاتهم. ونضد الرجل: من يتقوى بهم من أعمامه وأخواله. والنضد: السرير الذي ينضد عليه المتاع. ومنه الحديث: «احتبس الوحي لكلبٍ». وقيل: النضد: متاع البيت. وقال أبو بكرٍ: «لتتخذن عليهم نضائد الديباج» الواحدة نضيدة وهي الوسادة. وأنشد لأبي محمدٍ الفقعسي: [من الرجز] ١٦٦٠ - وقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا سبحت ربي قائمًا وقاعدا وفي الحديث: «شجر الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها» يريد: ليس لها سوق خالية من الثمر. ن ض ر: قوله تعالى: ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ [المطففين: ٢٤] أي حسنه ورونقه. قال تعالى: ﴿ولقاهم نضرةً وسرورًا﴾ [الإنسان: ١١]. قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] أي مسرورة حسنة. والنضرة والنضارة: الحسن والبهجة. ومنه قيل للذهب نضار.
следующие страницы →