← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

١٦٥١ - لما رأيت نبطًا أنصارا ... شمرت عن ركبتي الإزارا يريد: نصارى. ويقال: نصراني بين النصرانية. وقيل: هم منسوبون إلى قريةٍ يقال لها نصران، هذا أقيس في النسب من كونها ناصرة. قوله: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] نصرة الله لعباده، وأما نصرتهم له تعالى فمعناها إن تنصروا دين الله ينصركم وتنصروا أنبياءه وأولياءه. وقيل: نصرته القيام بحفظ حدوده ورعاية عهوده واعتبار أحكامه واجتناب نهيه. قلت: هذا هو نصرة دين الله بعينه، فهو شرح لذلك. قوله: ﴿أني مغلوب فانتصر﴾ [القمر: ١٠] ولم يقل فانصرني، تنبيه على أن مانال النبي وكأنما نال من أرسله على سبيل المجاز كقوله حكايةً عن ربه: «من عادى بي وليًا فقد آذاني بالمحاربة». وفي معناه: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ [الفتح: ١٠] قال الراغب: لم يقل: اهصر تنبيهًا أن ما يلحقني يلحقك من حيث إني جئتهم بأمرك، فإذا نصرتني فقد انتصت لنفسك. وفي العبارة بعض شيءٍ. ونصرت فلانًا: أعطيته، وهو استعارة من العون أو من انصر المطر الأرض. وفي الحديث: «لا يؤمنكم أنصر ولا أزن ولا أفرع» الأنصر: الأقلف، والأزن: الحاقن، والأفرع: الموسوس. كذا جاءت مفسرةً في الحديث. ن ص ف: قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧]. النصف من كل شيءٍ شطره مساويًا له في القدر. يقال: نصف ونصيف. وفي الحديث: «ولا نصيفه». ويقال: نصف ونصيف نحو عشرٍ وعشير. ونصف ينصف، وأنشد: [من الكامل] ١٦٥٢ - نصف النهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري

стр. 1577

ونصف النهار، أي بلغ نصفه، وانتصفه كذلك. فنصف وانتصف يكونان لازمين ومتعديين. والنصيف أيضًا: مكيال كبير. والنصيف أيضًا: المقنعة، وقيل: الخمار، كأنه نصف مقنعةٍ. وفي الحديث في صفحة الحور: «ولنصيف إحداهن على رأسها خير من الدنيا وما فيها». وقيل: هو معجر المرأة. وأنشد للنابغة الذبياني: [من الكامل] ١٦٥٣ - سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد والنصف: المرأة العوان، أي التي لم تبلغ سن الكبر وتجاوزت الصغر؛ فهي بين السنين، وأنشد: [من البسيط] ١٦٥٤ - وإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا والإنصاف في المعاملة العدل، وهو أن لا تأخذ من صاحبك من المنافع إلا مثل ما تعطيه، ولا تنيله من المضار إلا مثل ما يناله. والخادم: ناصف، والنصفة: الخدمة. وفي حديث ابن عباسٍ وذكر داود فقال: «دخل المحراب وأقعد منصفًا على الباب» يعني خادمًا. وجمع الناصف نصف. والإنصاف والانتصاف: طلب النصفة. ن ص و: قوله تعالى: ﴿لنسفعًا بالناصية﴾ [العلق: ١٥] الناصية: مقدم الرأس، وهي قصاص الشعر: والسفع: الأخذ بها. قال تعالى: ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١] أي تجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يطرح بهم في النار كقوله: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾ [الشعراء: ٩٤]. ونصوت فلانًا، وانتصيته، وناصيته: أخذت بناصيته. وقوله: ﴿ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها﴾ [هود: ٥٦] عبارة عن اقتداره تعالى وقهره لكل ما يدب على الأرض من إنسانٍ وغيره.

стр. 1578

ولام الناصية. يجوز أن تكون واوًا وأن تكون ياءً. ويدل على ذلك أن العلماء ذكروها في المادتين. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «على م تنصون ميتكم؟» أي تسرحون شعره. وأصله من تسريح الناصية. يقال: نصوت الرجل أنصوه نصوًا، أي مددت ناصيته. ويروى عن عائشة: «مالكم تنصون ميتكم» أي تمدون ناصيته؛ قاله الراغب. وفلان ناصية قومه، كقولك: رأسهم وعينهم ووجههم. والنصي مرعىً من أفضل المراعي. واستعير للكثير؛ فقيل: فلان نصية قومه، لنفعه لهم نفع المراعي. وفي الحديث: «نصية من همدان» أي الرؤساء والأشراف، أخذًا من الناصية. «وانتصيت من القوم رجلًا» أي اخترته. وفي الحديث: «لم تكن واحدة تناصيني» أي تنازعني، كأن كل واحدٍ بناصية الآخر. فصل النون والضاد ن ض ج: قوله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم﴾ [النساء: ٥٦] النضج والنضج: إدراك اللحم نهاية شيه وطبخه. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٦٥٥ - فظل طهاة اللحم ما بين منضجٍ ... صفيف شواءٍ أو قدير معجل وناقة منضجة: جاوزت بحملها وقت ولادتها. وفلان نضيج الرأي، أي محكمه. وفي حديث لقمان بن عادٍ: «قريب من نضيجٍ بعيد من نيء» يريد أنه لا يعجله الفزع من إنضاج ما يطبخه وهم يمدحون بذلك. وصار ذلك كنايةً عن العجلة. وأنشد للشماخ: [من الطويل]

стр. 1579

١٦٥٦ - وأشعث قد قد السفار قميصه ... وحر الشواء بالعصا غير منضج ويريد أنه لا ينضجه لعجلته. ن ض خ: قوله تعالى: ﴿فيهما عينان نضاختان﴾ [الرحمن: ٦٦] النضخ والنضح، متقاربان وهما رش الماء. وقال الأصمعي: النضخ فوق النضح، قال: ولا يقال منها فعل ولا يفعل. قال أبو زيدٍ: هما سواء يقال: نضخت أنضخ بالفتح، بالحاء والخاء. والنضاخ: المناضخة، وأنشد: [من الطويل] ١٦٥٧ - به من نضاخ الشول ردع كأنه ... نقاعة حناءٍ بماء الصنوبر وقال القطامي: [من الكامل] ١٦٥٨ - وإذا تضيفني الهموم قريتها ... سرح اليدين تخالس الخطرانا حرجًا من الكحيل صبابةً ... نضخت مغابنها به نضخانا ويقال: نضخناهم؟؟؟، أي فرقناها فيهم، بالحاء والخاء. والنضخة: المطرة. وأنشد: [من البسيط] ١٦٥٩ - لا يفرحون إذا ما نضخة وقعت ... وهم كرام إذا اشتد الملازيب وعين نضاخة: كثيرة الماء. وقال أبو عبيدٍ الهروي: النضخ دون النضح. وقال في تفسير قول قتادة: «النضح من النضح» أي من أصابه نضح من البول فعليه أن ينضحه بالماء. وقال ابن الأعرابي: النضخ: ما نضخته بيدك متعمدًا، والنضح: من غير اعتمادٍ؛ إذا مر فوطئ على ماءٍ فنضحه عليه. فهذا فرق من وجهٍ آخر. وفي حديث إبراهيم: «كان لا

стр. 1580

يرى بنضح البول بأسًا﴾ قال الهروي: أي بنثره. ن ض د: قوله تعالى: ﴿وطلحٍ منضودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] أي متراكب بعضه على بعضٍ. يقال: نضدت المتاع: ألقيت بعضه فوق بعضٍ، فهو نضيد ومنضود. والنضد أيضًا: السحاب المتراكم. وأنضاد القوم: جماعاتهم. ونضد الرجل: من يتقوى بهم من أعمامه وأخواله. والنضد: السرير الذي ينضد عليه المتاع. ومنه الحديث: «احتبس الوحي لكلبٍ». وقيل: النضد: متاع البيت. وقال أبو بكرٍ: «لتتخذن عليهم نضائد الديباج» الواحدة نضيدة وهي الوسادة. وأنشد لأبي محمدٍ الفقعسي: [من الرجز] ١٦٦٠ - وقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا سبحت ربي قائمًا وقاعدا وفي الحديث: «شجر الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها» يريد: ليس لها سوق خالية من الثمر. ن ض ر: قوله تعالى: ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ [المطففين: ٢٤] أي حسنه ورونقه. قال تعالى: ﴿ولقاهم نضرةً وسرورًا﴾ [الإنسان: ١١]. قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] أي مسرورة حسنة. والنضرة والنضارة: الحسن والبهجة. ومنه قيل للذهب نضار.

стр. 1581

وأخضر ناضر كأصفر فاقعٍ. وقدح نضار: خالص. ويروى بالإضافة، أي متخذ من شجرٍ هذا اسمه تشبيهًا بالذهب. وفي الحديث: «نضر الله امرأً» يروى بالتخفيف والتشديد، أي حسن. وأنشد الأصمعي شاهدًا للتشديد قول ابن قيسٍ الرقيات: [من الخفيف] ١٦٦١ - نضر الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات ورواه أبو عبيدٍ بالتخفيف، أي نعم. ويقال: نضره، ونضر ينضر لغتان. وقال الحسن بن موسى: ليس هذا من الحسن في الوجه، إنما معناه حسن الله وجهه في خلقه، أي في جاهه وقدره. وهو مثل قوله: «اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه» يعني به ذوي الوجوه في الناس وذوي الأقدار فيهم. وقال ابن شميلٍ: نضر الله، ونضر الله، وأنضر الله. وفي حديث إبراهيم: «لا بأس أن يشرب في قدح النضار»، قال شمر: قال بعضهم: هي الأقداح الحمر الجيشانية. وقال ابن الأعرابي: النضار: البيع، والنضار: شجر الإبل، والنضار: الخالص من كل شيءٍ، والنضار والنضير والنضر: الذهب. وقد سمي بكل من هذه الألفاظ الثلاثة شخص من الأناسي. ومنه بنو النضير، والنضر بن الحارث. وأنشد بعضهم عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد لنفسه: [من الكامل] ١٦٦٢ - والدهر كالميزان يرفع ناقصًا ... أبدًا، ويخفض عالي المقدار وإذا انتحى الإنصاف ساوى عدله ... في الوزن بين نحاسةٍ ونضار فصل النون والطاء ن ط ح: قوله تعالى: ﴿والنطيحة﴾ [المائدة: ٣] هي ما نطحها غيرها من النعم فماتت. وكانوا يأكلونها كسائر الميتات. وفعيل إذا كان بمعنى فعولٍ حقه ألا يؤنث إلا إذا ألبس،

стр. 1582

نحو: مررت بقبيلة بني فلانٍ. وقد خرجت هذه اللفظة عن نظائرها فأنثت، ومثلها الذبيحة. والناطح: ما استقبلك بوجهه من ظبيٍ أو طائرٍ، كأنه ينطحك. والعرب تتشاءم به. والناطح أيضًا: الوعل، وأنشد للأعشى: [من البسيط] ١٦٦٣ - كناطحٍ صخرةً يومًا ليقلعها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ورجل نطيح: مشؤوم. ونواضح الدهر: شدائده. وفرس نطيح: يأخذ ودي رأسه بياض. وفي الحديث: «فارس نطحةً أو نطحتين ثم لا فارس». وقال أبو بكرٍ: معناه تنطح نطحةً ثم يزول ملكها ويذهب، فحذف الفعل كقول حميد بن ثورٍ: [من الطويل] ١٦٦٤ - رأتني بحبليها فصدت مخافةً ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروقً أي رأتني أقبلت بحبليها. ن ط ف: قوله تعالى: ﴿نطفةٍ﴾ [النحل: ٤] النطفة هنا المني المخلوق منه البشر. وأصلها الماء الصافي، فعبر بها عن ماء الفحل. وقيل: النطفة أصلها للماء قليلًا كان أو كثيرًا، ومنه الحديث: «حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورًا» أي بين بحر المشرق وبحر المغرب، وفي بعض الأخبار: «إنا نقطع إليكم هذه النطفة» أي ماء البحر. وشرب بعض الأعراب من ركيةٍ فقال: هذه نطفة عذبة. وليلة نطوف، أي ممطرة. والناطف: السائل من المائعات. وفلان نطف بسوءٍ، استعارة لصدور الشر منه. ويكنى عن اللؤلؤة بالنطفة. ومنه صبي منطف، أي في أذنه نطفة في اللؤلؤة. ن ط ق: قوله تعالى: ﴿علمنا منطق الطير﴾ [النمل: ١٦] أي أن الله تعالى علمنا من

стр. 1583

أصوات الطير ما تقول، وإن لم تنطق بنطق البشر. فسمى أصوات الطير نطقًا، اعتبارًا بفهمه عنها؛ فمن فهم من شيءٍ فهو ناطق بالنسبة إليه، وإن كان صامتًا بالنسبة إلى غيره. والنطق في العرف العام: الأصوات المقطعة التي يظهرها اللسان وتعيها الآذان. ولا يكاد يقال إلا للإنسان، ولا يقال لغيره إلا على سبيل التبع، نحو الناطق والصامت. فيراد بالناطق ما له صوت، وبالصامت ما لا صوت له. ولا يقال للحيوان ناطق إلا مقيدًا، أو على سبيل التشبيه، كقول الشاعر: [من الطويل] ١٦٦٥ - عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحًا ولم تفغر بمنطقها فما قال الهروي: فأما معنى قول جرير: [من الطويل] ١٦٦٦ - لقد نطق اليوم الحمام ليطربا ... وعنى طلاب الغانيات وشيبا فإن الحمام لا نطق له، وإن هو صوت رجلٍ ناطقٍ بمصوتٍ، وليس كل مصوتٍ ناطقًا. ولا يقال للصوت نطق حتى يكون هناك صوت وحروف تعرف بها المعاني. وإنما استخار الشاعر أن يقول: لقد نطق الحمام، لأنه لمّا شوقه إلى إلفه عرف ما أراد على سبيل التجوز. وقال الراغب الأصبهاني: والمنطقيون يسمون القوة التي منها النطق نطقًا، وإياها عنوا حيث حدوا الإنسان بالحيوان الناطق المائت. فانطق لفظ مشترك عندهم بين القوة الإنسانية التي يكون بها الكلام وبين الكلام المبرز بالصوت. وقد يقال الناطق لما يدل على شيءٍ، وعلى هذا قيل لحكيمٍ: ما الصامت الناطق؟ فقال: الدلائل المخبرة والعبر الواعظة. قوله: ﴿لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ [الأنبياء: ٦٥] إشارة إلى أنهم ليسوا من الناطقين ذوي العقول. قوله: ﴿قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ﴾ [فصلت: ٢١] قيل: أراد به الاعتبار. قال الهروي: معلوم أن الأشياء كلها ليست تنطق إلا من حيث العبرة. ثم قال: وقد قيل: إن ذلك يكون بالصوت المسموع. وقيل: يكون الاعتبار، والله أعلم، بما يكون في النشأة الآخرة. قوله: ﴿هذا

стр. 1584

كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ [الجاثية: ٢٩] أي هو بمنزلة من يشهد نطقًا حقًا. ويجوز أن يكون ذلك حقيقةً يخلق فيه قوةً. وقال بعضهم: حقيقة النطق اللفظ الذي هو كالنطاق للمعنى في ضمه وحصره. والمنطق والمنطقة: ما يشد به الوسط. وقيل في قول الشاعر: [من الوافر] ١٦٦٧ - وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقًا مجيدا منتطقًا جانبًا فرسًا لم يركبه. قال الراغب: فإن لم يكن في المعنى غير هذا البيت، فإنه يحتمل أن يكون أراد بالمنتطق الذي شد نطاقه كقولهم: «من يطل ذيل أبيه ينتطق به». وقد قيل: معنى المنتطق المجيد هو الذي يقول قولًا فيجيد فيه. والمنطق والنطاق واحد، وهو أن تلبس المرأة ثوبًا، وتشد وسطها بحبلٍ. ثم ترسل الأعلى على الأسفل. ومنه الحديث: «فعمدن إلى حجز مناطقهن» هو جمع منطق. وكانت أسماء تسمى «ذات النطاقين» لأنها كانت تلبس واحدًا، وتحمل في الآخر الزاد للنبي ﷺ وهو في الغار. وقيل: لأنها شقت مقنعةً لها، فانتطقت بواحدٍ، وجمعت سفرةً للنبيً ﷺ بأخرويًا لها. وكان الخبيث الحجاج يعير عبد الله بـ: يا بن ذات النطاقين، لذعارته وحسه. وفي مدح العباس للنبي ﷺ : [من المنسرح] ١٦٦٨ - حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف عليا تحتها النطق ضرب النطاق مثلًا له في ارتفاعه وتوسطه في عشيرته، فجعله في عليا وجعلهم تحته نطاقًا.

стр. 1585

فصل النون والظاء ن ظ ر: قوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر: ٢١] النظر في الأصل تقليب البصر وتوجيهه إلى جهة المنظور، فهو بمعنى الرؤية. ثم يستعمل في تقليب البصيرة، فيكون بمعنى التفكر. قال بعضهم: هو تقلب البصر أو البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته. وقد يراد به التأمل والفحص. وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص. وقوله تعالى: ﴿انظروا ماذا في السماوات﴾ [يونس: ١٠١] أي تأملوا. وقال بعضهم: إذا عدي بنفسه كان بمعنى الرؤية، وإذا عدي بإلى كان بمعنى الميل، وإذا عدي بفي كان بمعنى التفكر. وقال آخرون: استعمال النظر في البصر أكثر عند العمامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة. وقيل؛ نظرت إلى كذا: مددت طرفي إليه، رأيته أم لم تره. ونظرت إليه، أي رأيته وتدبرته أيضًا، كقوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [الغاشية]. قوله: ﴿أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٥] هذا بمعنى الفكرة، حثهم على تأمل حكمته في خلقها وما فيها من عجائب المصنوعات، وتباين المخلوقات. قوله: ﴿ولا ينظر إليهم﴾ [آل عمران: ٧٧] نظر الله تعالى إلى عباده عبارة عن إحسانه إليهم وإفاضة نعمه عليهم، وهو متعالٍ عن تقليب الحدقة والحاسة. قوله تعالى: ﴿انظرونا نقتبس﴾ [الحديد: ١٣] أي انتظرونا. وقد قرئ: «أنظرونا» من الإنظار وهو التأخير، لقوله: ﴿أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف: ١٤]. قوله: ﴿وما كانوا منظرين﴾ [الدخان: ٢٩] قال بعضهم: نفي الأنظار عنهم إشارةً إلى ما نبه عليه بقوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]. قوله: ﴿غير ناظرين إناه﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي منتظرين نضجه. قوله تعالى: ﴿وقولوا انظرنا﴾ [البقرة: ١٠٤] أي انتظرنا وتأن علينا، كما تقدم. ومن ذلك قول امرئ القيس: [من الطويل]

стр. 1586

١٦٦٩ - فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب أي تنتظراني. قوله تعالى: ﴿فنظرة إلى مسيرةٍ﴾ [البقرة: ٢٨] أي انتظار وتأخير، قوله: ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ [البقرة: ٥٠] أي تبصرون وتشاهدون ذلك، وقيل: تعتبرون. ويقال: نظره، أي أعانه. وبه نظرة، أي مس من الجن، وأنشد: [من الرمل] ١٦٧٠ - نظر الدهر إليهم فابتهل أي خانهم فأهلكهم مجازًا. والنظير: المثيل، وأصله المناظر، كأنه ينظر كل واحدٍ منهما إلى صاحبه، فيناظره ويباريه. والمناظرة: المباحثة والمباراة في النظر، واستحضر كل ما يراه ببصيرته. والنظر اصطلاحًا: البحث، وهو أعم عندهم من القياس؛ فكل قياسٍ نظر وليس نظرٍ قياسًا. قوله: ﴿انتظروا إنا منتظرون﴾ [الأنعام: ١٥٨]، أي انتظروا ما تتربصون به من ظهوركم علينا على زعمكم إنا منتظرون ما وعدنا ربكم من نصره، أو انتظروا- كما يزعمون ويقولون- انتهاء مدتنا وتقاصر أمرنا إنا منتظرون ما يقع بكم من العذاب. وقد حقق الله ما انتظره المؤمنون، وأبطل ما انتظره الكافرون. قوله: ﴿هل ينظرون إلا سنة الأولين﴾ [فاطر: ٤٣] أي هل ينظرون إلا نزول العذاب بهم؟ قوله: ﴿فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ [الأنعام: ١٥٨] قيل: ينتظرون. قوله تعالى: ﴿فينظر كيف تعملون﴾ [الأعراف: ١٢٩] أي يجازيكم بحسب أعمالكم جزاء من شاهد على العامل. قوله: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٣] أي مشاهدة تليق بجلالة من غير تكيفٍ ولا تحييز، كما صرح بذلك في الأخبار الصريحة. فلو استقصينا الكلام في هذه المسألة لطال الكتاب وخرجنا عما نحن بصدده وقد أتقناها في «القول الوجيز» وغيره ولله الحمد. وذكرنا تأويل المعتزلة من أن إلى جمع إل، لا حرف جر. والجواب عنه قوله: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] فعليك باعتباره. وفي

стр. 1587

حديث الزهري: «لا تناظر بكتاب الله ولا بسنة رسوله» قيل: معناه: لا تجعل شيئاً نظيرًا لهما يقول: لا تتبع قول قائلٍ وتدعهما. وقال أبو عبيدٍ: لا تجعلهما مثلًا لشيءٍ يعرض؛ كقول القائل لرجلٍ يجيء في وقتٍ يحتاج فيه إليه: ﴿ثم جئت على قدرٍ يا موسى﴾ [طه: ٤٠]. وفي الحديث: «النظر إلى وجه علي عبادة» قال ابن الإعرابي: تأويله أن عليًا رضي الله تعالى عنه كان إذا برز قال الناس: لا إله إلا الله ما أشرف هذا الفتى! لا إله إلا الله ما أشجع هذا الفتى! لا إله إلا الله ما أكرم هذا الفتى! وفي الحديث أيضا: «إن عبد المطلب كان يمر بامرأةٍ تنظر» أي تتكهن. فصل النون والعين ن ع ج: قوله تعالى: ﴿ولي نعجة واحدة﴾ [ص: ٢٣] النعجة: الأنثى من الغنم الضأن، والتاء فيها لتأكيد التأنيث، لأن مذكرها له لفظ يخصه وهو خروف، وهما نظير ناقةٍ وجمل. والنعجة أيضًا البقرة الوحشية، وللثور الوحشي شاء. وأنشد [من الخفيف] ١٦٧١ - قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملاء تعسفن رملا ويكنى بالنعجة عن المرأة، وهو مراد الآية الكريمة. وقد [قيل] إن المراد النعجة المعهودة، وأن الخصام وقع في غنمٍ حقيقةً. وقد بينا ذلك في التفسير. ونعج الرجل، أي أكل لحم ضأنٍ فأتخم. وأنعج: سمنت نعاجه. والنعج: الابيضاض، ومنه: أرض ناعجة، أي بيضاء. ن ع س: قوله تعالى: ﴿أمنة نعاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] النعاس: مبادئ النوم، وهو بمعنى

стр. 1588

السنة. قال عدي بن الرقاع: [من الكامل] ١٦٧٢ - وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في جفنه سنة وليس بنائم وقال الرغب: النوم القليل، كذا قال. وهذا البيت يرده؛ فإنه نفى عنه النوم وأثبت له النعاس. وقيل: النعاس في الآية الكريمة السكون والهدوء، وعليه حمل قوله ﵊: «طوبى لكل عبدٍ نومةٍ» النومة: الكثير النوم. و ﴿نعاسًا﴾ بدل من ﴿أمنة﴾ أو مفعول له أو به. وله موضوع غير هذا. ن ع ق: قوله تعالى: ﴿ينعق بما لا يسمع﴾ [البقرة: ١٧١] يقال: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقًا: إذا صوت وصاح عليها لترجع. فمعنى الآية: إن مثل داعي الكفرة كمثل الراعي الناعق بالغنم، والغنم المنعوق بها في أنه لم يحصل للكفرة من الدعاء الهدي الأمثل ما يحصل للغنم من صوت الناعق بها، وهو سماع الصوت من غير فهمٍ لمعناه. ولذلك قال: ﴿إلا دعاءً ونداءً﴾ [البقرة: ١٧١] فذكر في أول الآية المدعو، وحذف الداعي، وفي آخرها ذكر الداعي وحذف المدعو. فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومن الثاني لدلالة الأول عليه. وفي الآية أقوال هذا أبينها، وإليه نحا سيبويه. ن ع ل: قوله تعالى ﴿فاخلع نعليك﴾ [طه: ١٢] النعل: ما ينتعله الإنسان، أي يلبسه في رجله. وانتعل: لبس نعلًا. قال الأعشى: [من البسيط] ١٥٧٣ - في فتيةٍ كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل

стр. 1589

والنعل مؤنثةً قال: [من البسيط] ١٥٧٤ - ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها وبه شبه نعل الفرس ونعل السيف؛ وهو الحديدة المجعولة في أسفله. وفي الحديث: «كان نعل سيف رسول الله ﷺ من فضةٍ» قال شمر: النعل من السيف الحديدة التي تكون في أسفل قرابة، ومنه: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال» قيل: هنا ما غلظ من الأرض. وقيلأ: هي النعال المعروفة. ويكنى بالنعل عن الرجل الذليل وأنشد للعجاج: [من الرجز] ١٦٧٥ - ألم أكن ذراعه ونعلاه قيل: إنما أمر موسى ﵇ بخلعهما لأنهما من جلد حمارٍ ميتٍ لم يدبغ. وفي المثل: «أطري فإنك ناعلة» أصله أن رجلًا كان معه أمتان إحداهما حافية والأخرى منتعلة، فقال للمنتعلة: أطري، أي اسلكي الطرر، وهي الحجارة، فإنك ذات نعل. يضرب مثلًا لمن تقاعد عن أمرٍ فيه طاقة له به. ن ع م: قوله تعالى: ﴿نعم﴾ [الأعراف: ٤٤] نعم: حرف جوابٍ وتصديق، ويكون جوابًا للنفي والإثبات؛ يقال: ما قام زيد، فيقال: نعم، أي ما قام. وقام زيد، فيقال: نعم، أي قام بخلاف بلى فإنها لا يجاب بها إلا للنفي كما تقدم. ويجوز كسر العين، وهي لغة قرأ بها الكسائي ويجوز إبدال عينها حاءً. قوله: ﴿نعم العبد﴾ [ص: ٣٠] نعم: فعل جامد عند البصريين، واسم عند

стр. 1590

الكوفيين، بدليل دخول حروف الجر عليها، كقوله: «والله ما هي بنعم المولودة، نصرتها بكاء وبرها سرقة» وأنشد: [من الرجز] ١٦٧٦ - صبحك الله بخيرٍ باكر ... بنعم طيرٍ وشبابٍ فاخر وهو مؤول عند البصريين، ويقتضي المدح، عكس بئس، ولا يرفعان إلا ما فيه أل أو مضافًا لما هما فيه، أو ضمير نكرةٍ مفسرةٍ لما بعده، أو التامة على رأيٍ. ولا يكون غير ذلك إلا ضرورةً. وفيه أربع لغات، وكذا في كل ما كان على وزن فعل، عينه حرف حلق اسمًا كان أو فعلًا نحو فخذ ونعم وبئس، وأنشد: [من الرجز] ١٦٧٦ - صبحك الله بخيرٍ باكر ... بنعم طيرٍ وشبابٍ فاخر وهو مؤول عند البصريين، ويقتضي المدح، عكس بئس، ولا يرفعان إلا ما فيه أل أو مضافًا لما هما فيه، أو ضمير نكرةٍ مفسرةٍ لما بعده، أو التامة على رأيٍ. ولا يكون غير ذلك إلا ضرورةً. وفيه أربع لغاتٍ، وكذا في كل ما كان على وزن فعل، عينه حرف حلق اسمًا كان أو فعلًا نحو فخذ ونعم وبئس، وأنشد: [من الرجز] ١٦٧٧ - لو شهد عادًا في زمان تبع يريد شهد فسكن العين قوله: ﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت﴾ [الشعراء: ٢٢] النعمة: الحالة الحسنة، وبناء النعمة كبناء الحالة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة والركبة. قوله تعالى: ﴿ونعمة كانوا فيها فاكهين﴾ [الدخان: ٢٧] وقوله: ﴿أولي النعمة﴾ [المزمل: ١١] النعمة: التنعم، وبناؤها بناء المرة من الفعل. قوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] أي أوصلت الإحسان إليهم. فالإنعام: إيصال الإحسان إلى الغير. قال الراغب: ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه من الناطقين، فإنه لا يقال: أنعم فلان على فرسه. قوله: ﴿نعماء بعد ضراء﴾ [هود: ١٠]. النعماء مقابل الضراء، والنعمى مقابل البؤس. والنعيم: حيث ورد فهو النعمة الكثيرة. وتنعم: تناول ما فيه نعمة وطيب عيشٍ. والناعم ضد الخشن. قوله: ﴿وإن لكم في الأنعام﴾ [النحل: ٦٦] الأنعام جمع نعمٍ، والنعم قال الراغب: وتسميته بذلك يكون الإبل عندهم أعظم نعمةٍ. ثم قال: لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم. ولا يقال لها أنعام حتى يكون فيها إبل. وقال في قوله

стр. 1591

تعالى: ﴿مما يأكل الناس والأنعام﴾ [يونس: ٢٤] إن الأنعام هاهنا عام في الإبل وغيرها. وقال أبو عبيد الهروي: «وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه» معنى الأنعام النعم والنعم، يذكر ويؤنث. ثم قال: الأنعام: المواشي من الإبل والبقرة والغنم. فإذا قيل: نعم فهو الإبل خاصةً. وأما إفراد الضمير وتذكيره في قوله: ﴿مما في بطونه﴾ فلأنه في تأويل نعم كقول الآخر: [من الرجز] ١٦٧٨ - وطاب ألبان اللقاح وبرد لأنه في معنىٍ لبن، وفيه نظر لما قدمته من أن الأنعام شاملة للثلاثة الأنعام، والنعم لواحدٍ منها خصوصًا. والنعامى: الريح الجنوب الناعمة الهبوب. والنعامة: سميت بذلك لشبهها بالأنعام خلقةٍ ولذلك أوجبوا في جزاء الصيد فيها بدنةً. والنعامة: المظلة على الجبل أو على رأس البئر، تشبيها بالنعامة في الهيئة. والنعائم: منزلة من منازل القمر تشبيها بالنعامة، نحو النسر. والنعامة أيضًا: باطن القدم، ويعبر بها عن الرجل، وأنشد: [من الكامل] ١٦٧٩ - وابن النعامة عند ذلك مركبي شبه رجله بها في السرعة وقولهم: نعمى عينٍ، ونعام عينٍ، ونعمة عينٍ. ومنه الحديث: «نعم ونعمة عينٍ» فنعم جواب، ونعمة عينٍ منصوب بمقدارٍ، أي: وأجعل لك قرة عينٍ. وفي الحديث: «إن أبا بكرٍ وعمر منهم وأنعما» يعني من أهل عليين، «وأنعما» أي زادا. يقال: أحسنت وأنعمت، أي زدت. قال الراغب: وأصله من الإنعام، يعني إيصال النعمة كما تقدم. وقال الفراء: أي صارا إلى النعيم ودخلا فيه، نحو أجنب، أي دخل في الجنوب. ونعم ينعم بمعنى تنعم، ومنه الحديث: «كيف أنعم؟» أي كيف أفرح؟

стр. 1592

والنعمة: المسرة، وتفسيرهم «نعمة الله» في قوله: ﴿من يبدل نعمة الله﴾ [البقرة: ٢١١] بالدين والإسلام حسن، لأنهما أعظم النعم. قوله: ﴿فما أنت بنعمة ربك بكاهنٍ﴾ [الطور: ٢٩] أي برأك الله من ذلك بنعمته، والباء سببية. فصل النون والغين ن غ ض: قوله تعالى: ﴿فسينغضون إليك رؤوسهم﴾ [الإسراء: ٥١] أي يحركونها تحريك استهزاءٍ. وقيل: الإنغاض: تحريك الرأس نحو الغير كالمتعجبٍ منه. ويقال: نغض رأسه وأنغضها فنغضت. فنغض متعد ولازم، وفعل أفعل فيه بمعنى. وفي الحديث: «وإذا الخاتم في ناغض كتفه الأيمن» يعني خاتم النبوة. والناغض: غضروف الكتف. وقيل له نغض أيضًا. وكذا في روايةٍ سمي بذلك لتحركه. ومنه سمى الظليم نغضًا لتحريك رأسه عند العدو. وقال: شمر: الناغض من الإنسان أصل العنق، حيث يحرك رأسه. ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفها، وقال غيره: الناغض: فرج الكتف. ووصف عليه رضي الله تعالى عنه النبي ﷺ فقال: «كان نغاض البطن. فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: ما نغاض البطن؟ قال: معكن البطن، وكانت عكنه أحسن من سبائك الذهب والفضة ﷺ ». وقال عثمان رضي الله تعالى عنه: «سلس بولي ونغضت أسناني» أي قلقت عن منابتها وتحركت، يصف نفسه بالطعن في السن. فصل النون والفاء ن ف ث: قوله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [الفلق: ٤] هن الساحرات ينفثن في عقدٍ يعقدنها. قيل: هن بنات لبيد بن الأعصم. وأصل النفث قذف الريق القليل من

стр. 1593

الفم. قيل: وهو أقل من التفل. وقال الهروي: هن السواحر تنفث، أي تتفل بلا ريق كما يعمل الرقاة. ثم نقل عن أبي عيبدة أن النفث بالفم شبه بالنفخ. وأما التفل فلا يكون إلا ومعه شيء من الريق وفي الحديث: «إن روح القدس نفث في روعي» أي ألقى، وهو مجاز عن النفخ. وقيل: معناه أوحى إلي ذلك. والروع، النفس. وفي الحديث: «أعوذ بالله من نفخه ونفثه» قال أبو عبيدٍ: تفسيره في الحديث أنه الشعر سمي نفثًا لأنه شيء ينفث، أي يلقى من الفم. منه: الحية تنفث السم. وفي المثل: «لو سألته نفاثة سواكٍ» هو ما بقي بين الأسنان فينفثه. وفي المثل: «لابد للمصدرو أن ينفث». ودم نفيث: نفثه الجرح. وفي حديث النجاشي: «ما يزيد عيسى ﵇ على ما يقول هذا» وفي الحديث: «أنه قرأ المعوذتين على نفسه ونفث» أي نفخ في يديه. ن ف ح: قوله تعالى: ﴿ولئن مستهم نفحة﴾ [الأنبياء: ٤٦] النفحة: الفورة. ومنه الحديث: «أول نفحةٍ من دم الشهيد» أي فورة. وطعنة تفوح، أي فوارة. قيل: أصله في الخير. يقال نفح الريح ينفح نفحًا، وله نفحة طيبة، أي هبوب من الريح. ثم يستعار ذلك للشر، قاله الراغب. ونفحته الدابة: رمته برجلها، ومنه حديث شريحٍ «أنه أبطل النفح» أي كان لا يلزم صاحب الدابة شيئاً إذا نفحت شيئًا. ونفح الطيب أي ضاع

стр. 1594

ونفحه بالسيف، كناية عن ضربه به. وقوس نفوح: بعيدة الدفع للسهم. والنفوح من النوق: التي يخرج لبنها من غير حلبٍ. وأنفحة الدي معروفة، وشرطها ألا يشرب الجدي ولا السخلة لبنًا، فإن شربا كانت كرشًا. ن ف خ: قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ [الكهف: ٩٩] النفخ: نفخ الريح في الشيء هذا أصله. ونفخ الملك في الصور عبارة عن نفخه بفيه في الصور الذي فيه أرواح العالم، فتخرج الأرواح بتلك النفخة فتلبس أجسدها. لقوله: ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ [المدثر: ٨] وقرئ: «في الصور» بفتح الواو جمع صورةٍ. وقيل ذلك في القراءة المشهورة، وإن الصور جمع صورةٍ، أي اسم جنس لها وقوله: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩] كناية عن الإحياء وجعله ذا روحٍ. وانتفخ بطنه، افتعل منه، أي ارتفع من الريح، واستعير منه: انتفخ النهار. ورجل منفوخ: سمين. ن ف د: قوله تعالى: ﴿لنفد البحر﴾ [الكهف: ١٠٩] أي لفني. يقال: نفد ينفد. قوله تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ماله من نفاذٍ﴾ [ص: ٥٤] أي من فراغٍ وفناءٍ. وأنفدوا: فني زادهم. وخصم منافذ: إذا خاصم لينفد حجة صاحبه. يقال: نافدته، أي غلبته. ن ف ذ: قوله تعالى: ﴿فانفدوا﴾ [الرحمن: ٣٣] أي اخرقوا. يقال: نفذ السهم في الرمية أي خرقها نفوذًا ونفاذًا. ونفذ فلان في الأمر نفاذًا. ونفذت الأمر تنفيذًا، أي أمضيته وكذا نفذت الجيش، ومنه الحديث: «نفذوا جيش أسامة» والمنفذ: الممر النافذ، وفي الحديث: «أيما رجلٍ أشار على مسلم بما هو بريء منه كان حقًا على الله أن يعذبه أو

стр. 1595

يأتي بنفذ ما قال» أي بالمخرج منه. وفيه أيضًا: «ينفذكم البصرة» قال أبو عبيدٍ: ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم. الكسائي: نفذني بصره: تابعني وجاوزني. ابن عونٍ: أنفذت القوم: خرقتهم ومشيت في وسطهم، فإن جزتهم حتى تخلفت قلت: نفذتهم- دون ألفٍ- وقال غير أبي عبيدٍ: أراد بخرقهم لاستواء الصعيد. ويقال: «انفذ عنك»، أي امض. ن ف ر: قوله تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ [التوبة: ٤١] أي ارحلوا وسافروا. يقال: نفر الشيء عن الشيء ينفر نفورًا. ونفر إلى الحرب وغيره ينفر وينفر نفرًا. ومنه: يوم النفر. والاستنفار: الحث على النفر أو النفور. قول: ﴿حمر مستنفرة﴾ [المدثر: ٥٠] قرئ بكسر الفاء بمعنى أنها طلبت أن تنفر. فمعناها نافرة، وبفتحها على معنى أن غيرها طلب نفورها. قوله: ﴿أكثير نفيرًا﴾ [الإسراء: ٦] أي جمعيصا وعددًا، وأصله أن النفير والنفرة جماعة يمكنهم النفر. وقال أبو عبيدٍ: النفير جمع نفرٍ نحو عبدٍ وعبيدٍ، وكلبٍ وكليبٍ. قوله: ﴿وأعز نفرًا﴾ [الكهف: ٣٤] النفر والنفرة والنفير والنافرة: رهط الرجل الذي ينصرون ويذبون عنه. ونفر العضو: ورم. ومنه: «أن رجلًا تخلل بالقصب فنفر فوه» وذلك لتباعده وتجافيه والمنافرة: المحاكمة، ومنه قول زهيرٍ: [من الوافر] ١٣٨٠ - فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمنين، أو نفار، أو جلاء ولما سمع عمر رضي الله تعلى عنه هذا البيت قال: «قاتله الله ما أعلمه بالحكم!» ويقال: نفر فلان، أي سمي باسمٍ غريبٍ شنيع. وقال أعرابي: قيل لأبي حين ولدت: نفر

стр. 1596

عنه. فسمّاني قُنْفذًا وكنّاني أبا العِدا (١)؛ وذلك أنهم كانوا يزعمون أنهم إذا سموا بذلك نفرعنه الشطيان. ن ف س: قوله تعالى: ﴿كل نفسٍ ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥] النفس هنا ذات الشيء وجملته، فقيل: المراد بها الروح، والناس مختلفون فيها اختلافًا شديدًا. قال الراغب: النفس: الروح في قوله تعالى: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام: ٩٣] وقال أهل اللغة: النفس في كلام العرب على وجهين: أحدهما قولك: خرجت نفس فلانٍ، أي روحه، وفي نفسه أن يفعل كذا، أي في روعه. والثاني أن معنى النفس حقيقة الشيء وجملته. يقال: قتل فلان نفسه. وقال الأزهري: النفس نفسان إحداهما تزول بزوال العقل، والأخرى ترزول بزوال الحياة، وعليه قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] والنفس: الدم، وأنشد: [من الطويل] ١٦٨١ - تسيل على حد الظبات نفوسنا ... ليست على غير الظبات تسيل قوله: ﴿يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها﴾ [النحل: ١١١] قيل: النفس الأولى المعنوية، والثانية الذات والجملة. وقيل: هما بمعنى، كأنه قيل: تجادل عنها، فأوقع الظاهر موقع المضمر. ويقال: فلان يؤامر نفسه: إذا تردد بين أمرين. قال الشاعر: قوله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ [آل عمران: ٢٨] أي ذاته المقدّسة بمعنى عقابه وعذابه، كقولك: احذر السلطان، إنما تريد عقوبته وسلطنته. قال الراغب:

стр. 1597

نفسه، أي ذاته. وهذا وإن كان قد حصل من حيث إنه مضاف ومضاف إليه، يقتضي المغيرة وإثبات شيئين من حيث العبارة، فلا شيء من حيث المعنى سواه، تعالى عن الأثنينية من كل وجهٍ. وقال آخرون: إن إضافة النفس إليه تعالى إضافة الملك، وعنى بنفسه نفوسنا، وأضاف إليه على [سبيل] الملك وهذا وإن صدر عن توقيفٍ من السلف فحسن، وإلا فالإقدام على القول به احتمالًا خطر عظيم. قوله تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين: ٢٦] أي ليتعال المتعالون. وأصل المنافسة مجاهدة النفس للشبيه بالأفاضل، من غير إدخال ضررٍ على غيره. وشيء نفيس بمعنى منفوسٍ به، أي مضنون، وتنفس الشيء: اتسع. ومنه قوله تعالى: ﴿والصبح إذا تنفس﴾ [التكوير: ١٨] ومنه حرف التنفيس عند النحاة، لأن فيه دلالةً على طول الزمان وتراخيه عن الحل. والنفس: الريح الداخل والخارج من البدن من دلالة على طول الزمان وتراخيه عن الحل. والنفس: الريح الداخل والخارج من الدن من المنخر والفم، وهو كالغذاء للنفس. وبانقطاع النفس انقطاع النفس وبطلانها. ويعبر عن الفرج بالنفس لأن فيه توسعة بعد الكرب. ومنع عند بعضهم: «إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمن» أي فرجه. وفي الحديث: «لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن» أي مما يفرج الكرب. ومنه في الدعاء: «ونفس عنا وعن المكروبين». وتنفست الريح: هبت. قال الشاعر: [من الطويل] ١٦٨٢ - فإن الصبا ريحً إذا ما تنفست ... على نفس محزونٍ تجلت همومها والنفاس: ولادة المرأة، والمرأة نفساء، وجمعها نفاس نحو: عشراء وعشار. وصبيًّ منفوس، أي مولود مع دم النفاس. وتنفست المرأة: حاضت. وفي الحديث: «أنه قال لعائشة: أنفست؟» يروى مبينًا للمفعول، إلا أن أبا عبيدٍ الهروي قال: يقال: نفست

стр. 1598

المرأة ونفست، أي ولدت. فإذا حاضت قيل: نفست- بفتح النون لا غير- ثم روى حديث أم سلمة: «كنت معه في الفراش فحضت، فقال: أنفست؟». وفي الحديث: «ما من منفوسةٍ» أي مولودة. وفي حديث آخر: «لا يرث المنفوس حتى يستهل صارخًا». وفي الحديث: «نهى عن التنفس في الإناء» وفي آخر: «كان يتنفس في الإناء ثلاثًا» جمع الناس بينهما بأن الأول إذا تنفس فيه ولم يبنه عن فيه، لأنه ربما يخرج من أنفه وفيه شيء مستقذر، وأن الثاني كان يتنفس مع إبانته له عن فيه، وهو حسن. وقرئ: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] بفتح الفاء، أي من أرفعكم وأكرمكم، وهي قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها. والنفس أيضًا العين، يقال: أماتته النفس، أي عين. وفي حديث ابن سيرين: «نهى عن الرقى إلا في ثلاثٍ: النملة، والحمة، والمنفس» أي العين. ن ف ش: قوله تعالى: ﴿إذا نفشت فيه غنم القوم [الأنبياء: ٧٨] أي انتشرت وتفرقت، من نفشت الصوف، ومنه: ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] أي المنبث. وما أبلغ هذا التشبيه من حيث الصورة والمعنى؛ فإن الجبال جدد بيض وحمر وغرابيب سود، والجوف المصبوغ ألوانًا إذا تطاير ونفش كانت رليته غريبةً، فوقع التشبيه في أعلى طباقه. وإبل نوافش، أي مترددة ليلًا في المرعى دون راعٍ، وقال بعضهم: النفش: الرعي

стр. 1599

بالليل خاصةً. يقال: نفشت السائمة بالليل وهملت بالنهار، أي رعت بلا راعٍ، وأنفشها صاحبها، وإبل نفاش ونوافش. وفي الحديث: «وإن أتاك منتفش المنخرين» أي واسعهما متطامن المارن كأنوف الريح. وفيه أيضًا: «مثل كرش البعير يبيت نافشًا» أي راعيًا. ن ف ع: قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم﴾ [المدثر: ٤٨] أي لم تغن عنهم ولم تجد عليهم. والنفع ضد الضر والضر. وقد قرئ: ﴿إن أراد بكم ضرًا أو أراد بكم نفعًا﴾ [الفتح: ١١] و «ضرً». وقد تقدم الكلام على الضر ومادته. وقال بعضهم: النفع ما يستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصل به إلى الخير فهو خير. ويقال: نفع ينفع نفعًا فهو نافع، وانتفع ينتفع انتفاعًا فهو منتفع. ن ف ق: قوله تعالى: ﴿أن تبتغي نفقًا في الأرض﴾ [الأنعام: ٣٥] أي سربًا تدخل فيه. والنفق: الطريق النافذ، والسرب في الأرض. ومنه: نافقاء اليربوع، لبعض حجرته. وقد نافق اليربوع ونفق، وذلك أنه يتخذ لحجره أبوابًا متعددةً، فإذا أمد الحارش يده ليأخذه خرج من بعض الأبواب. ومنه: النفاق الشرعي، لأنه خروج من الإسلام بضربٍ من الحيل، وهو إبطان غير الظاهر، وهذا شأن المنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر. قال بعضهم: ومنه النفاق وهو الدخول في الشرع من بابٍ والخروج من بابٍ آخر. وعليه نبه بقوله: ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ [التوبة: ٦٧] أي الخارجون من الشرع، والفسق: الخروج، وجعلهم شرًا من الكفرة حيث قال: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥]. وتنفقت اليربوع: استخرجته. وأنشد ثعلب: [من الوافر]

стр. 1600

١٦٨٣ - إذا الشيطان نفق في قفاها ... تنفقناه بالحبل التؤام وقال ابن الأعرابي: وفي الاعتدال لتسمية المنافق منافقًا ثلاثة أوجهٍ: أحدها أنه يسر كفره ويخفيه. فشبه بالذي يدخل النفق وهو السرب يستتر فيه. والثاني أنه نافقٌ كاليربوع، وذلك أن اليربوع له جحران: أحدهما يقال له النافقاء، والآخر القاصعاء. فإذا طلب من النافقاء خرج من القاصعاء. والثالث أنه شبه به لمخادعته، وذلك أن اليربوع يحتفر الأرض من تحتها حتى يرقها جدًا، فإذا طلب من باب جحره عمد إلى ذلك الموضع الذي رقق ترابه بحفره ودفعه برأسه خارجًا. فظاهر جحره أرض، وباطنه حفرٌ، فكذلك المنافق ظاهره مؤمنٌ وباطنه كافرٌ. قوله: ﴿إذا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠] قال الراغب: أي الإقتار، يقال: أنفق فلانٌ: إذا نفق ماله فافتقر. فالإنفاق كالإملاق في قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١]. وقال أبو عبيد: أي خشية الفناء والفساد. وقال قتادة: خشية الفاقة. وحكي: نفق الزاد ينفق: نفد. وأنفقه صاحبه: أنفده. وأنفق القوم: فني زادهم. والظاهر أن هذا من باب التعبير عن المسبب بسببه؛ فإن الإنفاق سبب الافتقار من الشيء المنفق. وقد قيل: إن كل ما فاؤه نونٌ وعينه فاءٌ كيفما كانت لامه دل على الخروج والذهاب، وهو أمرٌ مستقرى. ويقال: نفق الشيء: مضى ونفد، إما بالبيع نحو نفق البيع نفاقًا، ونفق القوم: إذا نفق سوقهم، عكس كسد. وإما بالموت نحو: نفقت الدابة نفوقًا، أي خرجت روحها فوقع الفرق بالمصدر. قوله: ﴿ولا ينفقون نفقةً﴾ [التوبة: ١٢١] النفقة: اسم للشيء المنفق من المال ثم النفقة الواردة في القرآن إما واجبةٌ أو مندوبةٌ، وقد تجري في الأحكام الخمسة. ومن كونها حرامًا قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿ينفقون أموالهم رئاء الناس﴾ [النساء: ٣٨] وفي حديث ابن عباسٍ: «لا ينفق بعضكم لبعض» أي لا يروج سلعة صاحبه بالنجش.

стр. 1601

ن ف ل: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ [الأنفال: ١] هو جمع نفلٍ، وهو ما اتخذ من مال الكفار لا بإيجاف خيلٍ ولا ركابٍ، والغنيمة: ما أخذ بذلك. وقال الهروي: يعني عن الغنائم، والواحد نفلٌ، وكل شيءٍ زيادةٌ على الأصل فهو نفلٌ. وإنما قيل للغنائم نفلٌ لأنه مما زاده الله تعالى على هذه الأمة. وقال الراغب: قيل: هو الغنيمة بعينها، ولكن اختلفت العبارة عنه لاختلاف الاعتبار. فإذا اعتبر بكونه مظفورًا به يقال له غنيمةٌ، وإذا اعتبر بكونه منحةً من الله تعالى ابتداءً من غيرٍ وجوبٍ يقال له نفلٌ. قال: ومنهم من فرق بينهما من حيث العموم والخصوص فقال: الغنيمة: ما حصل مستغنمًا ببعثٍ أو بغير بعثٍ، باستحقاق كان أو بغير استحقاقٍ، قبل الظفر كان أو بعده. والنفل: ما يحصل للإنسان قبل الغنيمة من جملة الغنيمة. وقيل: هو مايحصل للمسلمين بغير قتالٍ، وهو الفيء. وقيل: هو ما يفضل من المتاع ونحوه بعدما تقسم الغنائم. وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾. قوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]. نافلةً حالٌ من يعقوب، أي زيادةً لأن ولد الولد زيادةٌ على الولد. قوله: ﴿نافلةً لك﴾ [الإسراء: ٧٩] أي زيادةً على ما فرض عليك. ومن جعل التهجد واجبًا قال: زيادةً على ما فرض على أمتك، فإنه لم يفرض عليهم. و «نافلةً» يجوز أن تكون مصدرًا جاء على فاعله كالكاذبة. ونوافل الصلاة: زيادةٌ عليها. ونفلته كذا: أعطيته ذلك زيادةٌ. ونفله السلطان: أعطاه سلب قتيله. وعن علي ﵁: «لوددت لو أن بني أمية رضوا ونفلناهم خمسين رجلًا على البراءة». يقال: انتفلت من كذا، أي تبرأت. وفي الحديث: «أن فلانًا انتفل من ولده» أي تبرأ منه. والنفل أصله النفي.

стр. 1602

يقال: نفلت كذا فانتفل، وسمي اليمين في القسامة نفلًا. لأنه ينفي بها القصاص. وقول كعب بن زهيرٍ يمدح النبي ﷺ -في بانت سعاد: [من البسيط] ١٦٨٤ - مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل حسنٌ جدًا لأن النبي ﷺ -نفل على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بتخصيصه بالقرآن العظيم. وتنفل فلانٌ، أي فعل النوافل من العبادات. والنوفل: الرجل الكثير الإعطاء. ونوفلٌ: علمٌ مشهورٌ، وهو نوفل بن الحارث وغيره. ن ف ي: قوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣] النفي: الطرد بإهانةٍ. ونفي الدراهم: ترديدها للنقد لتعرف جودتها من رداءتها. قال الشاعر: [من البسيط] ١٦٨٥ - تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف ونفى يكون لازمًا ومتعديًا وأنشد القطامي: [من الطويل] ١٦٨٦ - فأصبح جاراكم: قتيلًا ونافيا. أي منتفيًا. والنفاية -بضم الفاء -ما نفيته لرداءته وهو النفي أيضًا. وأنشد: [من الرجز] ١٦٨٧ - كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصفي

стр. 1603

والنفي: ما نفته الريح من التراب في أصول الشجر، والنفيان مثله. وأنشد [من الطويل] ١٦٨٨ - وحربٍ يضج القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلة الدبرات والنفي أيضًا: الوعيد: يقال: أتانا نفيكم، أي وعيدكم. وانتفى الشعر وورق الشجر، أي تساقط. والنفية: السفرة يؤكل عليها. ومنه حديث زيد بن أسلم: «فصنع لنا نفيتين يشرشر عليهما الأقط». قال أبو الهيثم: سفرتين من خوصٍ. وقال ابن الأعرابي: النفية والسهمة مدورٌ تسف من خوص النخل يسميها الناس البنية. فصل النون والقاف ن ق ب: قوله تعالى: ﴿فنقبوا في البلاد﴾ [ق: ٣٦] أي طوفوا وساروا في نقوبها. وهي طرقها. الواحد نقبٌ. ويقال لها المناقب أيضًا، وأنشد: [من الوافر] ١٦٨٩ - لقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب والتنقيب: البحث عن الشيء والتقصي لآثاره، ومنه النقيب لأنه ينقب عن أحوال قومه ويفتش عليها. قال تعالى: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا﴾ [المائدة: ١٢] فهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ. وقد نقب على قومه ينقب نقبًا ونقابةً. ويقال: نقب، والنقب: الطريق ببين جلبين، وجمعه نقابٌ، نحو فرخ وفراخ. ومنه الحديث: «أنهم فزعوا من الطاعون فقال ﵊: أرجو ألا يطلع علينا نقابها» أي لا يطلع الطاعون. نقاب المدينة،

стр. 1604

أي طرقها. والمنقبة: طرقٌ نافذةٌ في الجبل، ثم استعير للفعل الكريم. ومنه: مناقب الكرماء وأهل الصلاح، عكس المثالب. والنقاب: ما تجعله المرأة على وجهها. وجمعه في القلة أنقبةٌ، وفي الكثرة نقبٌ. والناقبة: قرحةٌ. والنقبة: ثوب كالإزار سمي بذلك لنقبةٍ تجعل فيها تكةً. والمنقب: ما ينقب به الحائط، وسرة الدابة، ومنه: نقب البيطار سرة الدابة. وفي الحديث: «لا شفعة في فناءٍ ولا طريقٍ ولا منقبةٍ» المنقبة: الطريق بين الدارين، وأصلها في الجبلين كما تقدم. والنقبة: أول الجرب يبدو؛ وفي الحديث: «إن النقبة قد تكون بمشفر البعير» وجمعها نقبٌ. والنقبة أيضًا: اللون. والنقبة أيضًا: السراويل يجعل لها حجزةٌ من غير نيفقٍ ولا ساقين، فإن كان فيه نيفقٌ وساقان فسراويل، وقد تقدم إنه الإزار والتكة؛ ومنه الحديث: «ألبستنا أمنا نقبتها». والنقاب بمعنى المنقب وذكر الحجاج ابن عباسٍ فقال: «ما كان إلا نقابًا» أي عالمًا بحاثًا عن الأشياء. ن ق ذ: قوله تعالى: ﴿ولا هم ينقذون﴾ [يس: ٢٣] أي لا ينجون ولا يتخلصون. يقال: أنقذته من كذا، أي خلصته منه. وقال بعضهم: الإنقاذ: التخليص من ورطةٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والنقذ كالنفض والقبض بمعنى المنفوض والمقبوض. وفرسٌ نقيذٌ: أخذ من قومٍ، لأنه خلص منهم، والجمع نقائذ. ن ق ر: قوله تعالى: ﴿ولا يظلمون نقيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] النقير: الوقبة في ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، وهذا يضرب مثلًا في القلة، وفيه قولٌ أخر: نقل عن ابن عباسٍ أنه سئل

стр. 1605

عن ذلك فوضع طرف إبهامه على باطن السبابة ثم نقرها وقال: «هذا النقير». وأصل النقر قرع الشيء المفضي إلى النقب. والمنقار: ما ينقر به كمنقار الطائر، والحديدة التي ينقر بها. ويعبر به عن البحث، فيقال: نقرت عن الأمر. وعن الاغتياب فقيل: نقرته. وقالت امرأةٌ لزوجها: مر بي على بني نظرى ولا تمر بي على بنات نقرى، أي مربي على الرجال الذين ينظرون إلي لا على النساء اللاتي يغتبنني. والنقير أيضًا: ما ينقر من خشب النخل وينبذ فيه. وفي الحديث: «نهى عن النقير والمزفت». وأنقر عن كذا: أقلع عنه، ومنه قول ابن عباس: «ما كان الله لينقر عن قاتل المؤمن» أي ليقلع ويترك. قوله: ﴿فإذا نقر في الناقور﴾ [المدثر: ٨] أي نفخ في الصور، والناقور: الصور. وأصل إطلاق النقر على النفخ، وتسمية الصور ناقورًا، أي منفوخًا فيه، والله أعلم، من قولهم: نقرت الرجل: إذا صوت له بلسانك، وذلك بأن تلصق بلسانك نقرة حنكك، فشبه النافخ بذلك. ونقرت الرجل أيضًا: خصصته بالدعوة، كأنك نقرت له بلسانك مشيرًا إليه. وتلك الدعوة يقال لها النقرى، والدعوة العامة الجفلى. قال الشاعر: [من الرمل] ١٦٩٠ - نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآداب فينا ينتقر الآداب: صاحب المأدبة. ن ق ص: قوله تعالى: ﴿وقد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ [ق: ٤] النقص: ضد الزيادة.

стр. 1606

وفي معنى الآية الكريمة وجهان: أحدهما ما ينقص من عددهم، والثاني ما تأكله من لحومها وتمصه من دمائهم. وأصل النقص في الأجرام، ويستعمل في المعاني أيضًا مجازًا، وبمعناه النقصان كالكفر والكفران والخسر والخسران. ويكون قاصرًا ومتعديًا لواحدٍ ولاثنين كزاد في ذلك كله. تقول: نقص المال، ونقصت زيدًا مالًا، ونقصت المال. ن ق ض: قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها﴾ [النحل: ٩٢] النقض ضد الإبرام، وهو انثثار العقد من البناء والحبل والعهد. والنقض: ممنقوض، وذلك في الشعر أكثر. والنقض كذلك وذلك في البناء أكثر، والنقض: البعير المهزول، والجمع في الجميع أنقاضٌ. والمناقضة في الكلام: التخالف، وأصله التخالف نفيًا وإثباتًا من النقيضين، فإن النقيضين كل قضيتين متى صدقت إحداهما كذبت الأخرى. والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، كقولك: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ ليس بقائم، مع اتحاد جهاتٍ مذكورةٍ في غير هذا. قوله تعالى: ﴿الذي أنقض ظهرك﴾ [الشرح: ٣] قال ابن عرفة: أي أثقله حتى جعله نقضًا. وهو الذي أتعبه السفر والعمل حتى ذهب لحمه. وقال الأزهري: أثقله حتى سمع نقيضه، أي صوته. قلت: الإنقاض: صوتٌ لزجر القعود، وأنشد: [من الرجز] ١٦٩١ - أعلمتها الإنقاض بعد القرقرة وأنقضت الدجاجة: صوتت عند البيض. فجعل ما يسمع من صوت المفاصل إنقاضًا. إلا أن الراغب قال: وحقيقة الإنقاض ليس الصوت، إنما هو انتقاضها في نفسها، يعني الدجاجة، لكي يكون فيها الصوت في ذلك الوقت. فعبر عن الصوت به. ن ق ع: قوله تعالى: ﴿فأثرن به نقعًا﴾ [العاديات: ٤] أي فأثارت الخيل العاديات بالمكان

стр. 1607

غبارًا بحوافرها. والنقع: الغبار أيضًا، وأنشد: [من الطويل] ١٦٩٢ - كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه. والنقع أيضًا: رفع الصوت. ومنه قول عمر رضي الله تعالى عنه في نساءٍ يبكين على خالد بن الوليد: «ما عليهن أن يسفكن من دموعهن ما لم يكن نقعٌ ولا لقلقةٌ». وأنشد للبيد بن ربيعة: [من الرمل] ١٦٩٣ - فمتى ينقع صراخٌ صادقٌ ... يحلبوها ذات جرسٍ وزجل وقيل: معناه: يدوم ويثبت. وقال شمرٌ: النقع هنا شق الجيوب. وأنشد للمرار: [من الوافر] ١٦٩٤ - نقعن جيبوهن على حيًا ... وأعددن المراثي والعويلا والنقع: أيضًا: الناقع، وهو المستنقع. قال الهروي: والجمع أنقعٌ. وفي المثل: «إن فلانًا لشرب ناقعٍ»، يضرب مثلًا لمن جرب الأمور وخبر الطرق. وأصله في الدليل، لأنه متى مهر بمواضع الماء مهر بمعرفة الطريق؛ قال الحجاج: «إنكم يا أهل العراق لشرابون علي بأنقع». وفي حديث المولد: «فاستقبلوه منتقعًا لونه» أي متغيرًا. يقال: انتقع لونه، وامتقع، واتقع، واستنقع، واهتقع، والتمع، وانتسف، وانتسر، والتهم، والتمئ: أي ذهب دمه. والنقيع: موضعٌ بالمدينة حماه عمر لنعيم الفيء. وفي الحديث: «إذا استنقعت نفس المؤمن جاءه ملكٌ» قال شمرٌ: لا أعرفه. قال الأزهري: أي اجتمعت فيه حين تريد أن تخرج كما يستنقع الماء في قراره.

стр. 1608

ن ق م: قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم﴾ [التوبة: ٧٤] يقال: نقمت الشيء ونقمته -بالفتح والكسر -أي كرهته، والفتح أفصح. ولذلك لم يقرأ قوله: ﴿هل تنقمون﴾ [المائدة: ٥٩] إلا بالكسر، وقيل: نقمته: أنكرته إما باللسان أو بالعقوبة. والنقمة والانتقام: العقوبة بإنكار. قال تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾ [الزخرف: ٥٥] ونقمت عليه كذا: أنكرته عليه. فصل النون والكاف ن ك ب: قوله تعالى: ﴿عن الصراط لناكبون﴾ [المؤمنون: ٧٤] أي عادلون. يقال: نكب عن كذا ينكب نكبًا فهو ناكبٌ: إذا عدل عنه بمنكبه. والمنكب: مجتمع ما بين العضد والكتف، والجمع مناكبٌ. وقد استعير ذلك للأرض استعارة الظهور لها في قوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ [الملك: ١٥] ﴿ما ترك على ظهرها﴾ [فاطر: ٤٥]. وقيل: «في مناكبها» في طرقها، وقيل: جبالها. وأصله ما ذكرته لك. ومنكب القوم: رئيسهم، استعارةٌ من هذه الجارحة استعارة الرأس والوجه له في قولهم: هو رأس القوم ووجه القوم، كاستعارة اليد للقاضي والوالي. ولفلانٍ على قومه نكابةٌ ونقابةٌ، أي عرافةٌ. والأنكب: المائل المنكب، وهو من الإبل ما يمشي إلى شق. والنكب: داءٌ يأخذ في المنكب، ومنه استعير لكل ذاهب في نفسٍ أو مالٍ، فيقال: نكب فلانٌ، وأصابته نكبةٌ. والنكباء: كل ريحٍ هبت بين ريحين فهي نكباء، لأنها عدلت عن المهب. ونكبته حوادث الدهر، قيل: هبت عليه هبوب النكباء. ونكب عن الصواب تنكيبًا. ونكب كنانته ينكبها، ونكب -بالتخفيف -ينكبها نكبًا ونكوبًا: إذا كبها فأخرج سهامها. ومنه قوله الخبيث: «إن أمير المؤمنين نكب كنانته فعجم عيدانها، فوجدني أصلبها عودًا» وتنكب فرسه وترسه، أي علقه في منكبه.

стр. 1609

ن ك ث: قوله تعالى: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ [الفتح: ١٠] النكث والنقض أخوان. والنكث: المنكوث، والجمع أنكاثٌ. قال تعالى: ﴿من بعد قوةٍ أنكاثًا﴾ [النحل: ٩٢]. واستعير النكث والنقص لعدم الوفاء بالعهد. قال تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم﴾ [التوبة: ١٢]. والنكيثة كالنقيضة، وهي كل خصلة ينكث فيها القوم وأنشد لطرفة بن العبد: [من الطويل] ١٦٩٥ - وقربت بالقربى وجدك إنني ... متى يك أمرٌ للنكيثة أشهد وفي حديث بعضهم: «كان يأخذ النكث من الطريق» يعني الخيط الخلق من صوفً وشعرٍ، لأنه ينكث ويعاد. ن ك ح: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا﴾ [البقرة: ٢٢١] النكاح لغة: المداخلة والاشتباك. ومنه: تناكحت الأشجار، أي تداخلت أغصان بعضها في بعضٍ. ومنه قيل للوطء نكاحٌ، ويطلق على العقد لأنه سببه. وقيل هو حقيقةٌ فيهما، وقد جعله الراغب حقيقة في العقد، مستعارًا في الوطء، فقال: أصل النكاح العقد، ثم استعير للجماع. قال: ومحالٌ أن يكون في الأصل للجماع، ثم استعير للعقد، لأن أسماء الجماع كلها كناياتٌ، لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه. ومحالٌ أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه. وفيما قاله نظرٌ لبشاع لفظتي الوطء والجماع في لسانهم، ومعناهما مرادٌ. على أن الوطء والجماع كنايتان عن الفعل المعروف، فإن حقيقة الوطء وطء الأرض ونحوها بالرجل. والجماع من الاجتماع والجمع. ويدل على النكاح لغةً التداخل قولهم: نكح الأرض المطر. قالوا: وكل نكاحٍ ورد

стр. 1610

في الكتاب العزيز فالمراد به العقد، إلا موضعًا واحدًا وهو قوله: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ليس المراد مجرد العقد بل لابد من الوطء، وفيه نظرٌ من حيث إنه يكون المعنى حتى تطأ الزوجة زوجًا غيره. والوطء إنما ينسب للرجل لا للمرأة، فنقول: «تنكح» هنا على بابه. ودل دليلٌ آخر أنه لابد من الوطء لقوله ﵊: لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» الحديث. وقال أبو علي: فرقت العرب بين العقد والوطء بفرق لطيفٍ؛ فإذا قالوا: نكح فلانٌ فلانةً أو ابنة فلانٍ أرادوا عقد عليها. وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته فلا يريدون غير المجامعة. قلت: وهذا غير صحيح لظهوره بالقرينة. ومن ورود النكاح بمعنى العقد قول الشاعر: [من الطويل] ١٦٩٦ - فلا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرامٌ، فانكحن أو تأبدا أي فاعقد أو كن كالأوابد، ومن وروده بمعنى الوطء قول الشاعر: [من الكامل] ١٦٩٧ - التاركين على طهرٍ نساءهم ... والناكحين بشطي دجلة البقرا وقيل: أصل النكاح لغةً الملازمة. ومنه نكح المطر الأرض أي لزمها ن ك د: قوله تعالى: ﴿والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] النكد: كل شيء أخرج إلى طالبه بتعسرٍ. وناقةٌ نكداء: طفيفة الدر صعبة الحلب. ورجلٌ نكَدٌ ونَكِدٌ. والنكد مصدر نكد ينكد نكدًا: إذا عسر. ونكدت عليه عيشه: عسرته عليه. ويقال: امرأةٌ نكداء ونساءٌ نكدى: إذا حصل عندهن نكدٌ. وأنشد لكعب بن زهيرٍ: [من البسيط] ١٦٩٨ - شد النهار ذراعًا عيطلٍ نصفٍ ... قامت فجاوبها نكدٌ مثاكيل

стр. 1611

جعلهن نكدًا لما أصابهن من فقد أولادهن. ن ك ر: قوله تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ [هود: ٧٠] يقال: نكرت الشيء وأنكرته، فأنا ناكرٌ منكرٌ، وهو منكورٌ ومنكرٌ. والإنكار ضد العرفان. قال الراغب: وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضربٌ من الجهل. قال تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ ﴿فعرفهم وهم له منكرون﴾ [يوسف: ٥٨]. قلت: وتلاوة الآية بعد هذا القول لا تليق أن تكون مثالًا له، لأن الأنبياء لا توصف بالجهل البتة، وإنما قصد تلاوة الآية لتضمنها لفظ المادة فقط. قال: ويستعمل ذلك منكرًا باللسان وسبب الإنكار باللسان كالإنكار بالقلب، لكن ربما ينكر اللسان الشيء وصورته في القلب حاصلةٌ، ويكون ذلك كاذبًا. قال: وعلى هذا: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ [النحل: ٨٣] قال: والمنكر كل شيءٍ تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف على استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة. وإلى هذا قصد بقوله: ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ [التوبة: ١١٢]. وتنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف. قال تعالى: ﴿نكروا لها عرشها﴾ [النمل: ٤٦] وتعريفه: جعله بحيث يعرف، واستعمال ذلك في عبارة النحويين هو أن يجعل الاسم على صيغةٍ مخصوصةٍ. انتهى. قلت: يعني التعريف عند النحويين كذا، وأراد بالصيغة إطلاقه على ذات مخصوصةٍ. والنكرة عندهم ما وقع شائعًا في جنسه كرجلٍ. والمعروف ما وقع خاصًا. وإنما قلنا: «ما وضع» ليدخل نحو شمسٍ وقمرٍ في النكرات، ونحو زيدٍ وعمرٍو في المعارف كما حققناه في غيره هذا. وقال مجاهد في قوله: «نكروا لها عرشها» أي غيروه أتعرفه أم لا؟ ومعنى قولهم: أنكرت على فلانٍ، أي فعلت به فعلًا يردعه. قوله تعالى: ﴿فكيف كان نكير﴾ [الحج: ٤٤] نكيرٌ مصدر بمعنى الإنكار كالنذير. قوله: ﴿وما لكم من نكير﴾ [الشورى: ٤٧] أي لا تقدرون على أن تنكروا

стр. 1612

ذنوبكم. وقيل: مالكم من ينكر علينا ما نفعل بكم كقوله: ﴿من ولي ولا نصير﴾ [التوبة: ٧٤]. قوله تعالى: ﴿إن أنكر الأصوات﴾ [لقمان: ١٩] أي أقبحها. ومنه وجهٌ منكرٌ، أي قبيحٌ ينكره من رآه ويشمئز منه. وفي الحديث: «إنه لم يناكر أحدًا قط إلا كانت معه الأهوال» أي يحارب. والمناكرة: المحاربة، لأن كل فريقٍ مخادع الآخر. قال الراغب: واستعمل المناكرة للمحاربة. ومعنى «إلا كانت معه الأهوال» كقوله: «نصرت بالرعب». والنكر، بفتح الفاء: الدهاء. وبضمها: الشيء المنكر. وقد قرئ قوله تعالى: ﴿إلى شيءٍ نكر﴾ [القمر: ٦] بالوجهين، أعني ضم العين وسكونها مع ضم الفاء فقط. قال الراغب: والنكر: الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف. وقد نكر نكارةً، وفي الحديث: «أتاه ملكان منكرٌ ونكيرٌ» المشهور كسر كاف منكرٍ، سميا بذلك لإنكارهما غالب الخلق، أو لأن كل أحدٍ يفزع منهما إلا من عصمه الله وثبته. ن ك س: قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾ [السجدة: ١٢] أي مميلوها مطرقين ذلًا وخجلًا. وأصل النكس القلب. وهو أن يجعل أعلاه أسفله، بأن تجعل رجلا الإنسان إلى فوق ورأسه إلى تحتٍ. فبولغ في وصف المجرمين بذلك. ويجوز أن يكونوا كذلك حقيقةً. قوله تعالى: ﴿ثم نكسوا على رؤوسهم﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي قلبوا. وهو عبارةٌ عن اختلاط عقولهم وأذهانهم. قال الفراء: أي رجعوا عما عرفوا من الحجة لإبراهيم عليه

стр. 1613

السلام. وقال الأزهري: أي ضلوا. وأصل النكس أيضًا العود. ومنه نكس المريض، وهو أن يعود إلى مرضه بعد إفاقته منه. والنكس: الدنيء من الرجال، أصله السهم الذي انكسر فوقه، فجعل أعلاه أسفله، قوله: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق﴾ [يس: ٦٨] أي نرده إلى حالة الضعف كما كان حال الصغر لقوله ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠] ولذلك يصير عقله كعقل الأطفال، وكذا قوته وأكله. وهذا أمرٌ مشاهدٌ. ومثله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [التين: ٥]. وقرئ: «ننكسه» مخففًا ومشددًا، إلا أن الأخفش قال: لا يكاد يقال: نكسته -بالتشديد -إلا لما يقلب، فيجعل رأسه أسفله. وقد حققنا هذا الحرف وقراءاته في غير هذا. ويقال: رجلٌ ناكسٌ، ورجالٌ ناكسون، وشذ جمعه على نواكس. وأنشد: [من الكامل]. ١٦٩٩ - وإذا الرجال أتوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار يروى نواكسي -بالياء - على أنه جمع تصحيحٍ لجمع التكسير. ويروى نواكس -بفتح السين -على أنه جمع تكسيرٍ فقط. ومثله في الشذوذ فوارس. وفي حديث ابن مسعودٍ: «وقيل له في رجل يقرأ القرآن منكوسًا» قال أبو عبيد: وجهه عندي أن يبدأ من آخر القرآن؛ من المعوذتين، ثم يرتفع إلى البقرة كنحو ما يتعلم الصبيان. قلت: هذا قريبٌ، ولا يجوز أن يفهم أنه يقرأ من أخر سورةٍ إلى أولها، وهذا ما لا يجوز بوجهٍ. ن ك ص: قوله تعالى: ﴿نكص على عقبيه﴾ [الأنفال: ٤٨] أي رجع إلى ورائه يمشي القهقري. ومثله قوله تعالى: ﴿وكنتم على أعقابكم تنكصون﴾ [المؤمنون: ٦٦]. ولا يكاد يقال إلا مع لفظ العقب. وقيل: النكوص: الإحجام عن الشيء وعدم الإقبال

стр. 1614

عليه، وإن لم يكن بهذه الكيفية الخاصة، لكن متى ذكر مع العقب، وأريد به الحقيقة لزم أن يمشي إلى روائه القهقري كما تقدم. ن ك ف: قوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح﴾ [النساء: ١٧٢] الاستنكاف: الاستكبار والأنفة من الشيء. يقال: نكفت من كذا واستنكفت منه. وأصله من نكفت الشيء: إذا نحيته. والنكف: تنحية الدمع عن الخد بالإصبع. وأنكفته: نزهته عما يستنكف منه. ومنه الحديث: «وسئل عن: سبحان الله، فقال: إنكاف الله من كل سوءٍ». وفي الحديث: «فانتكف العرق عن جبينه» أي انقطع، مأخوذٌ من نكفت الدمع كما تقدم. وفي حديث آخر: «جاء جيشُ لا ينكف آخره» أي لا ينقطع. ن ك ل: قوله تعالى: ﴿إن لدينا أنكالًا﴾ [المزمل: ١٢] أي قيودًا. واحده نكلٌ نحو جمل وأجمال. وأصل ذلك من نكل، أي منع، لأن القيد يمنع من المشي. ومنه: نكلت به، أي فعلت به، فعلًا يمنع غيره من الوقوع في فعله. والنكول عن اليمين: الامتناع عنه. والنكل أيضًا: اللجام الثقيل، لأنه يمنع الدابة من الجماح. ويقال: نكل عن الأمر ينكل كعلم يعلم، ونكل ينكل كفتك يفتك. قوله: ﴿فجعلناها نكالًا﴾ [البقرة: ٦٦] أي فجعلنا العقوبة، أو المسخة، أو القرية المعاقبة، أو الطائفة منعًا لمن تقدمها أو تأخر عنها أن يرتكبوا مثل ما ارتكبوا. وقال الأزهري: النكال: العذاب. قوله: ﴿والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا﴾ [النساء: ٨٤] أي تعذيبًا عذابًا يمنع الغير من الذنب. وأنكلت الرجل عن حاجته: دفعته عنها، من أنكلت الحجر: إذا دفعته. وفي الحديث: «مضر صخرة الله التي لا تنكل» أي لا تندفع عما سلطت عليه. وفيه «إن الله يحب النكل على النكل. قيل: ما ذلك؟ قال؛ الرجل القوي المجرب المبدئ المعيد

стр. 1615

على الفرس المجرب المبدئ المعيد». وفيه أيضًا: «من غير نكلٍ في قدم ولا وهنٍ في عزمٍ». النكل: الجبن. [ن م ر ق]: قوله تعالى: ﴿ونمارق مصفوقة﴾ [الغاشية: ١٥]. فصل النون والميم ن م ل: قوله تعالى: ﴿قالت نملة﴾ [النمل: ١٨]. النملة واحد النمل، وهو هذا الحيوان المعروف يقع على الذكر والأنثى، ويفرق بين المذكر والمؤنث بالوصف نحو: نملةٌ أنثى ونملةٌ ذكرٌ كما ذكرنا. وحضر أبو حنيفة رحمه الله تعالى مجلس قتادة بالكوفة وهو يقول: سلوني ما شئتمٍ. فقال أبو حنيفة لبعض الحاضرين: سله عن النملة التي كلمت سليمان ما كانت؟ ذكرًا أم أنثى؟ فسأله فمكع. فقيل لأبي حنيفة فقال: أنثى. فقيل له: من أين عملت؟ فقال: من تأنيث فعلها، وتأنيث فعلها بالتاء، وهو حسنٌ جدًا وإن كان بعضهم أبدى فيه بحثًا لا يظهر كما بيناه في موضعه. وفي الحديث: «نهى عن قتل أربعٍ، منها النملة». قال الحربي: النملة ما كان لها قوائمٌ، وأما الصغار فهي الذر. وقال الأزهري: العجبي: الذرة الحمراء، والحبشية الذرة السوداء. والنملة: قرحةٌ تخرج بالجنب. قال الأصمعي وغيره: تشبيهًا بالنمل. وهي أيضًا شق في الحافر. ومنه: فرسٌ نمل القوائم. ويستعار ذلك للنميمة لدبيبه، فيقال: هو نملٌ، وذو نملةٍ، ومنملٌ ونمالٌ. وأنشد [من المتقارب] ١٧٠٠ - ولست بذي تربٍ فيهم ... ولا منمشٍ منهم منمل وقيد الهروي ذلك فقال: وأما النملة بضم النون فهي النميمة. وتنمل القوم: تفرقوا
следующие страницы →