← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

جعلهن نكدًا لما أصابهن من فقد أولادهن. ن ك ر: قوله تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ [هود: ٧٠] يقال: نكرت الشيء وأنكرته، فأنا ناكرٌ منكرٌ، وهو منكورٌ ومنكرٌ. والإنكار ضد العرفان. قال الراغب: وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضربٌ من الجهل. قال تعالى: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ ﴿فعرفهم وهم له منكرون﴾ [يوسف: ٥٨]. قلت: وتلاوة الآية بعد هذا القول لا تليق أن تكون مثالًا له، لأن الأنبياء لا توصف بالجهل البتة، وإنما قصد تلاوة الآية لتضمنها لفظ المادة فقط. قال: ويستعمل ذلك منكرًا باللسان وسبب الإنكار باللسان كالإنكار بالقلب، لكن ربما ينكر اللسان الشيء وصورته في القلب حاصلةٌ، ويكون ذلك كاذبًا. قال: وعلى هذا: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ [النحل: ٨٣] قال: والمنكر كل شيءٍ تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف على استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة. وإلى هذا قصد بقوله: ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ [التوبة: ١١٢]. وتنكير الشيء من حيث المعنى جعله بحيث لا يعرف. قال تعالى: ﴿نكروا لها عرشها﴾ [النمل: ٤٦] وتعريفه: جعله بحيث يعرف، واستعمال ذلك في عبارة النحويين هو أن يجعل الاسم على صيغةٍ مخصوصةٍ. انتهى. قلت: يعني التعريف عند النحويين كذا، وأراد بالصيغة إطلاقه على ذات مخصوصةٍ. والنكرة عندهم ما وقع شائعًا في جنسه كرجلٍ. والمعروف ما وقع خاصًا. وإنما قلنا: «ما وضع» ليدخل نحو شمسٍ وقمرٍ في النكرات، ونحو زيدٍ وعمرٍو في المعارف كما حققناه في غيره هذا. وقال مجاهد في قوله: «نكروا لها عرشها» أي غيروه أتعرفه أم لا؟ ومعنى قولهم: أنكرت على فلانٍ، أي فعلت به فعلًا يردعه. قوله تعالى: ﴿فكيف كان نكير﴾ [الحج: ٤٤] نكيرٌ مصدر بمعنى الإنكار كالنذير. قوله: ﴿وما لكم من نكير﴾ [الشورى: ٤٧] أي لا تقدرون على أن تنكروا

стр. 1612

ذنوبكم. وقيل: مالكم من ينكر علينا ما نفعل بكم كقوله: ﴿من ولي ولا نصير﴾ [التوبة: ٧٤]. قوله تعالى: ﴿إن أنكر الأصوات﴾ [لقمان: ١٩] أي أقبحها. ومنه وجهٌ منكرٌ، أي قبيحٌ ينكره من رآه ويشمئز منه. وفي الحديث: «إنه لم يناكر أحدًا قط إلا كانت معه الأهوال» أي يحارب. والمناكرة: المحاربة، لأن كل فريقٍ مخادع الآخر. قال الراغب: واستعمل المناكرة للمحاربة. ومعنى «إلا كانت معه الأهوال» كقوله: «نصرت بالرعب». والنكر، بفتح الفاء: الدهاء. وبضمها: الشيء المنكر. وقد قرئ قوله تعالى: ﴿إلى شيءٍ نكر﴾ [القمر: ٦] بالوجهين، أعني ضم العين وسكونها مع ضم الفاء فقط. قال الراغب: والنكر: الدهاء والأمر الصعب الذي لا يعرف. وقد نكر نكارةً، وفي الحديث: «أتاه ملكان منكرٌ ونكيرٌ» المشهور كسر كاف منكرٍ، سميا بذلك لإنكارهما غالب الخلق، أو لأن كل أحدٍ يفزع منهما إلا من عصمه الله وثبته. ن ك س: قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم﴾ [السجدة: ١٢] أي مميلوها مطرقين ذلًا وخجلًا. وأصل النكس القلب. وهو أن يجعل أعلاه أسفله، بأن تجعل رجلا الإنسان إلى فوق ورأسه إلى تحتٍ. فبولغ في وصف المجرمين بذلك. ويجوز أن يكونوا كذلك حقيقةً. قوله تعالى: ﴿ثم نكسوا على رؤوسهم﴾ [الأنبياء: ٦٥] أي قلبوا. وهو عبارةٌ عن اختلاط عقولهم وأذهانهم. قال الفراء: أي رجعوا عما عرفوا من الحجة لإبراهيم عليه

стр. 1613

السلام. وقال الأزهري: أي ضلوا. وأصل النكس أيضًا العود. ومنه نكس المريض، وهو أن يعود إلى مرضه بعد إفاقته منه. والنكس: الدنيء من الرجال، أصله السهم الذي انكسر فوقه، فجعل أعلاه أسفله، قوله: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق﴾ [يس: ٦٨] أي نرده إلى حالة الضعف كما كان حال الصغر لقوله ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠] ولذلك يصير عقله كعقل الأطفال، وكذا قوته وأكله. وهذا أمرٌ مشاهدٌ. ومثله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [التين: ٥]. وقرئ: «ننكسه» مخففًا ومشددًا، إلا أن الأخفش قال: لا يكاد يقال: نكسته -بالتشديد -إلا لما يقلب، فيجعل رأسه أسفله. وقد حققنا هذا الحرف وقراءاته في غير هذا. ويقال: رجلٌ ناكسٌ، ورجالٌ ناكسون، وشذ جمعه على نواكس. وأنشد: [من الكامل]. ١٦٩٩ - وإذا الرجال أتوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار يروى نواكسي -بالياء - على أنه جمع تصحيحٍ لجمع التكسير. ويروى نواكس -بفتح السين -على أنه جمع تكسيرٍ فقط. ومثله في الشذوذ فوارس. وفي حديث ابن مسعودٍ: «وقيل له في رجل يقرأ القرآن منكوسًا» قال أبو عبيد: وجهه عندي أن يبدأ من آخر القرآن؛ من المعوذتين، ثم يرتفع إلى البقرة كنحو ما يتعلم الصبيان. قلت: هذا قريبٌ، ولا يجوز أن يفهم أنه يقرأ من أخر سورةٍ إلى أولها، وهذا ما لا يجوز بوجهٍ. ن ك ص: قوله تعالى: ﴿نكص على عقبيه﴾ [الأنفال: ٤٨] أي رجع إلى ورائه يمشي القهقري. ومثله قوله تعالى: ﴿وكنتم على أعقابكم تنكصون﴾ [المؤمنون: ٦٦]. ولا يكاد يقال إلا مع لفظ العقب. وقيل: النكوص: الإحجام عن الشيء وعدم الإقبال

стр. 1614

عليه، وإن لم يكن بهذه الكيفية الخاصة، لكن متى ذكر مع العقب، وأريد به الحقيقة لزم أن يمشي إلى روائه القهقري كما تقدم. ن ك ف: قوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح﴾ [النساء: ١٧٢] الاستنكاف: الاستكبار والأنفة من الشيء. يقال: نكفت من كذا واستنكفت منه. وأصله من نكفت الشيء: إذا نحيته. والنكف: تنحية الدمع عن الخد بالإصبع. وأنكفته: نزهته عما يستنكف منه. ومنه الحديث: «وسئل عن: سبحان الله، فقال: إنكاف الله من كل سوءٍ». وفي الحديث: «فانتكف العرق عن جبينه» أي انقطع، مأخوذٌ من نكفت الدمع كما تقدم. وفي حديث آخر: «جاء جيشُ لا ينكف آخره» أي لا ينقطع. ن ك ل: قوله تعالى: ﴿إن لدينا أنكالًا﴾ [المزمل: ١٢] أي قيودًا. واحده نكلٌ نحو جمل وأجمال. وأصل ذلك من نكل، أي منع، لأن القيد يمنع من المشي. ومنه: نكلت به، أي فعلت به، فعلًا يمنع غيره من الوقوع في فعله. والنكول عن اليمين: الامتناع عنه. والنكل أيضًا: اللجام الثقيل، لأنه يمنع الدابة من الجماح. ويقال: نكل عن الأمر ينكل كعلم يعلم، ونكل ينكل كفتك يفتك. قوله: ﴿فجعلناها نكالًا﴾ [البقرة: ٦٦] أي فجعلنا العقوبة، أو المسخة، أو القرية المعاقبة، أو الطائفة منعًا لمن تقدمها أو تأخر عنها أن يرتكبوا مثل ما ارتكبوا. وقال الأزهري: النكال: العذاب. قوله: ﴿والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا﴾ [النساء: ٨٤] أي تعذيبًا عذابًا يمنع الغير من الذنب. وأنكلت الرجل عن حاجته: دفعته عنها، من أنكلت الحجر: إذا دفعته. وفي الحديث: «مضر صخرة الله التي لا تنكل» أي لا تندفع عما سلطت عليه. وفيه «إن الله يحب النكل على النكل. قيل: ما ذلك؟ قال؛ الرجل القوي المجرب المبدئ المعيد

стр. 1615

على الفرس المجرب المبدئ المعيد». وفيه أيضًا: «من غير نكلٍ في قدم ولا وهنٍ في عزمٍ». النكل: الجبن. [ن م ر ق]: قوله تعالى: ﴿ونمارق مصفوقة﴾ [الغاشية: ١٥]. فصل النون والميم ن م ل: قوله تعالى: ﴿قالت نملة﴾ [النمل: ١٨]. النملة واحد النمل، وهو هذا الحيوان المعروف يقع على الذكر والأنثى، ويفرق بين المذكر والمؤنث بالوصف نحو: نملةٌ أنثى ونملةٌ ذكرٌ كما ذكرنا. وحضر أبو حنيفة رحمه الله تعالى مجلس قتادة بالكوفة وهو يقول: سلوني ما شئتمٍ. فقال أبو حنيفة لبعض الحاضرين: سله عن النملة التي كلمت سليمان ما كانت؟ ذكرًا أم أنثى؟ فسأله فمكع. فقيل لأبي حنيفة فقال: أنثى. فقيل له: من أين عملت؟ فقال: من تأنيث فعلها، وتأنيث فعلها بالتاء، وهو حسنٌ جدًا وإن كان بعضهم أبدى فيه بحثًا لا يظهر كما بيناه في موضعه. وفي الحديث: «نهى عن قتل أربعٍ، منها النملة». قال الحربي: النملة ما كان لها قوائمٌ، وأما الصغار فهي الذر. وقال الأزهري: العجبي: الذرة الحمراء، والحبشية الذرة السوداء. والنملة: قرحةٌ تخرج بالجنب. قال الأصمعي وغيره: تشبيهًا بالنمل. وهي أيضًا شق في الحافر. ومنه: فرسٌ نمل القوائم. ويستعار ذلك للنميمة لدبيبه، فيقال: هو نملٌ، وذو نملةٍ، ومنملٌ ونمالٌ. وأنشد [من المتقارب] ١٧٠٠ - ولست بذي تربٍ فيهم ... ولا منمشٍ منهم منمل وقيد الهروي ذلك فقال: وأما النملة بضم النون فهي النميمة. وتنمل القوم: تفرقوا

стр. 1616

تفرق النمل بعد تجمعهم. وفي المثل: «هو أجمع من نملةٍ» والأنملة: طرف الإصبع. قال تعالى: ﴿عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وهو مثلٌ في شد الغيظ بالتندم. ن م م: قوله تعالى: ﴿مشاء بنميمٍ﴾ [القلم: ١١]. النميم والنم: إظهار الحديث. والنميمية: الوشاية بالرجل والسعي به. ورجلٌ نمامٌ، أي ينقل الحديث المؤذي. يقال: نم عليه ينم وينم نمًا فهو نمامٌ ونمومٌ. قيل: وأصل النميمة الهمس والحركة الخفيفة. قال الراغب: ومنه: أسكت الله ناجته، أي ما ينم من حركته. والنمام: نبتٌ ذو رائحةٍ طيبةٍ. قيل: سمي بذلك لأنه تنم عليه رائحته. والنميمة: خطوطٌ متقاربة، وذلك لقلة الحركة في كتابته من كاتبه، واستعير ذلك للوشي والتزويق، فقيل: ثوبٌ منمنمٌ. فصل النون والهاء ن هـ ج: قوله تعالى: ﴿شرعةً ومنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. المنهاج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج. ويستعار ذلك للدين والأمر كاستعارة الطريق والمذهب لذلك. والنهج أيضًا: الطريق: وقد نهج الأمر وأنهج: اتضح. ومنه نهج الثوب وأنهج، أي بان فهي أثر البلى، وقد أنهجه البلى، وأنشد: [من الرجز] ١٧٠١ - يا صاح ما هاج الدموع الذرفا ١٧٠٢ - من طلل كالأتحمي أنهجا أي خلق ودرس: وفي الحديث: «ضربه حتى أنهج» أي وقع عليه الربو. ومنه

стр. 1617

حديث عائشة أيضًا: «فقادني وإني لأنهج» أي أربو وأتنفس. يقال: نهج وأنهج. ومنه: «نهج بين يديه ﵊ حتى قضى». ومنه قول الناس: به نهيجٌ، أي تنفسٌ قويٌ. ن هـ ر: قوله تعالى: ﴿في جناتٍ ونهرٍ﴾ [القمر: ٥٤] النهر: أصله الشق الواسع الذي يجري فيه الماء، من: نهرت الشيء، أي شققته شقًا واسعًا. ثم تجوز به عن الماء الجاري فيه للمجاورة. قوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ [النساء: ٥٧] مجازٌ إما بإسناد الجري إلى المكان مجازًا أو بإسناده للماء إطلاقًا لاسم المحل على الحال. وقرئ: ﴿وفي جناتٍ ونهرٍ﴾ بضمتين، فقيل: جمع نهرٍ بالسكون نحو سَقف وسُقُف، ورَهن ورُهن. وقيل: هو جمع نهارٍ بكسر النون. وقال: ثعلبٌ: نهرٌ جمع نهر، وهو جمع الجمع للنهار، وفيه نظرٌ؛ فلو جعل النهر جمعًا للنهار لكان أقرب، نحو حمارٍ وحمرٍ. وقال بعضهم: «في جناتٍ ونهرٍ»: في ضياءٍ لا ظلمة فيها لأن الجنة لا ليل فيها، إنما فيها نورٌ يتلألأ. قلت: ويكون ذلك جمع نهارٍ نحو قذل وقذالٍ. وقيل له نهارٌ مجازًا، لأن النهار عبارةٌ عن مدة طلوع الشمس إلى غروبها، وليس ذلك في الجنة. قوله: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً﴾ [الفرقان: ٦٢] سمي النهار نهارًا لأتساع الضوء فيه بخلاف طلوع الشمس. وهو عند بعضهم من الطلوع إلى الغروب بخلاف اليوم؛ فإنه من طلوع الفجر إلى الغروب. وعند العامة لا فرق بين اليوم والنهار. قال الراغب. والنهار: الوقت الذي ينتشر فيه الضوء، وهو في الشرع ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وفي الأصل ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. وقوبل به البيات في قوله: ﴿بياتًا﴾ [الأعراف: ٤]. والنهار أيضًا فرخ الحبارى. والنهر الملازم للسير بالنهار، وأنشد: [من الرجز]

стр. 1618

١٧٠٣ - لست بليلي ولكني نهر ... لا أدلج الليل ولكن أبتكر ونهرت الدم: أسلته. وفي الحديث: «ما أنهر الدم» أي أجراه. وأنشد لقيسٍ: [من الطويل] ١٧٠٤ - ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها والمنهمرة: فضاءٌ بين البيوت لاتساعها تلقى فيها القمامات. ومنه الحديث: «إن قتيلًا وجد بخيبر في منهرةٍ». ونهرته وانتهرته: زجرته زجرًا بغلظة؛ قال تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ١٠]. وفي الحديث: «فأتوا منهرًا فاختبؤوا فيه» هو خرقٌ في الحصن نافذٌ يدخل منه الماء. ويقال: نَهْرٌ ونَهَرٌ، بالسكون والفتح وهو أفصح نحو الشَّعَر والشَّعْر. قيل: وهو مطردٌ في كل ما كان مفتوح الفاء وسطه حلقٌ، أي جواز السكون. ن هـ ي: قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآياتٍ لأولي النهي﴾ [ط: ٥٤]. النهي جمع نهيةٍ: وهو العقل: لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب القبيح. وقيل: لأنه ينتهي إلى رأيه واختياراته. والنهي: الزجر عن الشيء. وقيل: هو طلب ترك المنهي عنه. وقيل: طلب كف، وهي متقاربةٌ. وقال بعضهم: هو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره، وما كان بالقول لا فرق بين أن يكون بلفظة افعل نحو اجتنب كذا، أو بلفظة لا تفعل. ومن حيث اللفظ هو قولهم: لا تفعل كذا، فإن قيل: لا تفعل كذا فهو نهيٌ من حيث اللفظ والمعنى جميعًا كقوله: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥]

стр. 1619

قوله تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ [النازعات: ٤٠] ليس معناه أن تقول لها: لا تفعلي، بل معناه: تركه لارتكاب المنهيات وقمعها عن شهواتها ودفعها عن رغباتها. قوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى قوله: ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ [النحل: ٩٠] أي يحث على فعل الخير ويزجر عن فعل الشر. قوله: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢] أي نهاية الأمور، كقوله: ﴿وإليه المصير﴾ [التغابن: ٣]. قال بعض الأئمة: إذا انتهى الكلام إلى الله فانتهوا. قوله: ﴿سدرة المنتهى﴾ [النجم: ١٤] أي التي تنتهي إليها أعمال العباد. وقيل: هي التي ينتهى إليها، فلا تجاوز. وفي الحديث: «أنه أتى على نهيٍ من ماءٍ» النهي بفتح النون وكسرها وسكون الهاء، موضعٌ يجتمع فيه الماء كالغدير؛ سمي بذلك لأنه يحجز الماء أن يفيض منه. قوله: ﴿فانتهى فله ما سلف﴾ [البقرة: ٢٧٥]. الانتهاء: الانزجار عما نهي عنه لأنه مطاوع نهيته. ومنه قوله تعالى: ﴿إن ينتهوا﴾ [الأنفال: ٣٨] ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] ولما سمعها عمر قال: «يا رب انتهينا». ومن ثم قالوا: إن الاستفهام هنا بمعنى الأمر، كأنه قال: انتهوا. والإنهاء في الأصل إبلاغ النهي، ثم تعورف في كل إبلاغ حديثٍ، نهيًا كان أو أمرًا أو خبرًا. ومنه: أنهيت إليه خبر كذا. ونهاية الشيء: آخره. وقولهم لرجل: ناهيك من رجلٍ، أي لكفايته. كأنه ينهاك عن طلب غيره. وناقةٌ نهيةٌ: تناهت سمنًا، تنهى الإنسان، أي يطلب غيرها لسمنها. ونهاء النهار: ارتفاعه. وتنهية الوادي: حيث ينتهي إليه (السيل). فصل النون والواو ن وأ: قوله تعالى: ﴿ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ [القصص: ٧٦] أي لتنهض.

стр. 1620

يُقال: ناء ينوء: إذا نهض. وناء البعير نوءًا كذلك، فهو ناءٍ. وقد استعار امرؤ القيس ذلك لليل في قوله: [من الطويل] ١٧٠٥ - فقلت له، لما تمطى بجوره ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل وقوله تعالى: ﴿أعرض ونأى بجانبه﴾ [الإسراء: ٨٣] قيل: هو من ذلك، أي نهض به، عبارة هن التكبر كقولهم: شمخ بأنفه. وقيل: مقلوب من نأى ينأى. وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿لتنوء بالعصبة﴾ أحدهما أنه مقلوب، والأصل: لتنوء العصبة بالمفاتيح، فهو كقوله: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار﴾ [الأحقاف: ٢٠] أي تُعرض النار على الذين كفروا. والثاني أنه ليس بمقلوب لأن الباء للحالية، وتحقيقه في غير هذا. وفي الحديث: "ثلاث من أمر الجاهلية كذا وكذا والأنواء" قال أبو عبيدة: هي ثمانية وعشرون نجمًا. وتقول العرب: "مُطرنا بنوءٍ كذا". وإنما سُمي النجم نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق. وذلك النهوض هو النوء، فسمي النجم به. قال: وقد يكون النجم السقوط. وقال ابن الأعرابي: لا يكون نوءًا حتى يكون معه مطر. قال: وجمع النوء يُصبح من عبادي مؤمن بي، إلى أن قال، فمن قال: مُطرنا بنوء كذا فهو كافر" قال أبو العبيد: إنما غلظ القول فيه لأن العرب كانت تقول: إنما هو فعل النجم، ولا يجعلونه سقيًا من الله تعالى. وأما من قال ذلك ولم يرد هذا المعنى، بل مُطرنا في هذا الوقت، فذلك جائز، كما جاء عن عمر ﵁: "إنه استسقى بالمصلي ثم نادى العباس: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد فوقها، فو الله ما مضت تلك السبع غيث الناس" أراد عمر:

стр. 1621

كم بقي من الوقت الذي جرت العادة إذا تم أمر الله بالمطر. نقل ذلك الهروي عن أبي منصور. وفي الحديث أيضًا: "أن رجلًا ربط خيلًا فخرًا ورياءً ونواءً للإسلام". النواء مصدر ناوأت مناوأة ونواء، أي عاديت. وأصله ناء إليك، ونؤت إليه. والنواء أيضًا جمع نائية بمعنى ناهضة. وعليه قولها: [من الوافر] ١٧٠٦ - ألا يا خمر للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء فيكون ذلك نحو صائمة وصيامٍ كقول الآخر: [من البسيط] ١٧٠٧ - خيل صيام وخيل غير صائمة وقال الهروي: النواء: السمان. وقد نوت الناقة تنوي. إذا سمنت. وعلى هذا فليس البيت من مادتنا. ونواء جمع ناوئة. ن وب: قوله تعالى: ﴿وخر راكعًا واناب﴾ [ص: ٢٤] أناب، أي رجع مرة بعد أخرى، وكذلك النوب أيضًا. يقال: ناب ينوب نوبًا، وأنا بيُنيب إنابة. والإنابة إلى الله: الرجوع إليه بالتوبة. قال تعالى: ﴿وأنيبوا إلى ربكم﴾ [الزمر: ٥٤]. ومنه: النائبة، لأنها تقصد تنوبه، وجمعها نوائب، وهي حوادث الدهر. يقال: نائبة النوائب، والانتياب الافتعال منه؛ يقال: فلان ينتاب فلانًا، أي يقصده. ن وح: قوله تعالى: ﴿سلام على نوح﴾ [الصافات: ٧٩]. نوح: اسم للنبي المعروف ﷺ يقال: هو أبو البشر، وهو آدم الثاني، لأنه غرق أهل الأرض بالطوفان حدث من نسله الناس، لأنه ولد ثلاثة أولادٍ: سام وحام ويافث؛ فسام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك كما نقله التاريخيون.

стр. 1622

قيل: واشتقاقه من النوح، لأنه ناح عل نفسه تقربًا إلى الله تعالى. والمصطلح أنه غير مشتق لعجمته، وغنما صُرف لخفته، وليس يجوز منعه خلافًا لبعضهم، بل يتحتم صرفه. ومثله في ذلك لوط. والنوح مصدر ناح ينوح: إذا صاح بعويلٍ. والنياحة: البكاء بتعديد الشمائل، وهي النهي عنها. وأصل ذلك اجتماع الناس في المناحة، وهي المكان وذلك من التناوح وهو التقابل؛ يقال: جبلان يتناوحان، أي متقابلان. ن ور: قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: ٣٥] قال ابن عرفة: أي منور، يعني أنه مصدر مراد به الفاعل. قال: كما يقولون: فلان غياثنا، أي مُغيثنا. وأنشد لجرير: [من الطويل] ١٧٠٨ - وأنت لنا نور وغيث وعصمة ... ونبت لمن يرجو نداك وريق وقيل: هو على حذف مضاف، أي ذو نورٍ وقال الأزهري: أي مدبر أمرهما بحكم بالغةٍ. وقيل في ﴿مثل نوره﴾ [النور: ٣٥] أي مثل هداه في قلب المؤمن. و ﴿نور على نور﴾ [النور: ٣٥] أي نور الزجاجة ونور المصباح. وقال ثعلب: مثل نوره الذي هدى به سبل الحق. قوله تعالى: ﴿قد جاءكم من الله نور﴾ [المائدة: ١٥] يعني محمدًا ﷺ ، وذلك لأن النور يبين الأشياء في الظلمة، والنبي ﷺ قد بين بشرعة جميع ما تحتاج إليه الأمة. وقيل: هو القرآن. والظاهر أنه أعم من ذلك، فالكل صالح إذ النور في الأصل هو الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار. وهو ضبان: دنيوي وأخروي. ثم الدنيوي ضربان: معقول بيمين البصيرة، وهو ما انتشر من الأنوار الإلهية كنور العقل ونو القرآن. ومحسوس بعين البصر، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة كالقمرين والنجوم النيرات. فمن النور الإلهي قوله تعالى: ﴿نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء﴾. ومن المدرك للبصر قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورًا﴾

стр. 1623

[يونس: ٥] ﴿وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾ [الفرقان:٦١]. وإنما جُعلت الشمس ضياء لأن الضياء أخص من النور؛ إذ الضوء نور قوي. وقال الراغب: وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث أن الضوء أخص من النور. قلت: ولهذا قيل: لم قال تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧] ولم يقل بضيائهم؟ فلم ينف عنهم ما هو أقوى. وجوابه أنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ إذ لو نفي عنهم الضوء لجاز أن يتوهم بقاء نور. فإذا نفي عنهم النور الذي هو أعم لزم منه نفي الضوء الذي هو أخص. قوله: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ [الأنعام: ١] يشمل ما يدرك بالبصر والبصيرة. قوله: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ [الزمر: ٦٩] أي بعدله ﵊ في مقابلة: "الظلم ظلمات يوم القيامة"، والنار من ذلك، فألفها عن واوٍ. ويدل على ذلك تصفيرها على نويرة. قوله: ﴿أفرأيتم النار الذي تورون﴾ [الواقعة: ٧١] أي المسافرين الذين فنى زادهم. وتُستعار للحرب. قال تعالى: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾ [المائدة: ٦٤] ورشحها بالإطفاء. "قال بعضهم: النار والنور من أصل واحد، وكثيرًا ما يتلازمان، لكن النار متاع للمقوين في الدنيا، والنور متاع لهم في الدنيا والآخرة، ولذلك اُستعمل في النور الاقتباس، قال تعالى: ﴿نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣] وتنورت نارًا: أبصرتها". قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٧٠٩ - تنورتها من أذرعات فدارها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال والمنار: علم الطريق الذي يُهتدى له. قال امرؤ القيس أيضًا: [من الطويل] ١٧١٠ - على لا حب لا يهتدي بمناره ... إذ سافه العود النباطي جرجرا

стр. 1624

والمنارة: مفعلة من النور ومن النار. قال الراغب: كمنارة ما يؤذن عليها. والنوار من النساء: النفور، تشبيهها في النار في السرعة. وهو اسم امرأة بعينها. قال الشاعر: [من الكامل] ١٧١١ - حنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت وكان اسم امرأة الفرزدق، ولما طلقها ضرب به المثل في الندم، فقيل ندم الفرزدق حين طلق نوارا. ويقال منه: نارت المرأة تنور نورًا ونوارًا، أي نفرت. ونزر الشجر تشبيهًا بالنور، وكذلك نواره. والنؤور: ما يتخذ للوشم. يقال منه: نورت المرأة يدها. وتسميته بذلك لكونه مظهرًا لنور اليد والعضو. وفي حديث صعصعة: "وما نارهما أي سمتهما" وفي المثل: "نجارها نارها" أي سمتها تدل على جوهرها، وأنشد [من الرجز] ١٧١٢ - حتى سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار وفي صفته ﵊: "كان أنور المتجرد" أي حسن الجسد، مشرقة إذا تجرد عن ثيابه، ومعناه نير المتجرد. ن وس: قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ [البقرة: ٢١]. اختلف في الناس، وكنت قد وعدت بذكر لك هنا فأقول: فيه أقوال: أحدهما: أن أصله نوس مأخوذ من ناس ينوس: إذا تحرك. ومنه حديث أم زرع: "أناس من حلي أني" أي حركهما بالحلي كالقرطة

стр. 1625

والشنوف. وفي حديث آخر: "رأيت العباس وضفيرتاه تنوسان على ترائبه". وكان ملك من حمير يُقال له ذو نواس، لضفيرتين على عاتقه. يقال: ناس ينوس نوسًا ونوسانًا. ونست للإبل: سقتها. فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها قُلبت الفاء وتصغيره على نويس.: الثاني أن أصله أناس، واشتقاقه من الإنس للإيناس بهم، فحذفت لما دخلت عليه"ال" كما حذفت الهمزة من إله لما دخلته"الـ" على أحد الأقوال، ويدل على ذلك التصريح بهذا الأصل. قال الشاعر: [من مجزوء الكامل] ١٧١٣ - إن المنايا يطلعن ... على الأناس الآمنينا الثالث أن أصله نسي من النسيان، فقلبت الكلمة بأن قدمت لامها وأخرت عينها فصار نيسًا، قلبت الياء ألفًا كما تقدم. وقد يراد بالناس الفضلاء المعتبرون دون من عداهم، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية، وهو وجود العقل والذكر وسائر القوى المختصة به، فإن كل شيء عُدم فعله المختص به لا يكاد يُستحق اسمه كاليد؛ فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها فإطلاق اليد كاطلاقة على يد السرير ورجله. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس﴾ [النساء: ٥٤]، وكذا قوله: ﴿قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾ [البقرة: ١٣] أي الكاملون في الإنسانية. قوله: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ [البقرة: ٢٥١] عام في الجميع. ن وش: قوله تعالى: ﴿وأنى لهم التناوش﴾ [سبأ: ٥٢] أي التناول. يقال: تناوش القوم كذا: إذ تناولوه. والنوش: التناول أيضًا. وناشه ينوشه: تناوله. قال عنترة: [من الكامل] ١٧١٤ - فتركته جزر السباع ينشنه

стр. 1626

والمعنى: كيف يتناولون الإيمان من مكان بعيد ولم يكونوا يتناولونه من مكان قريب في حين الاختيار. وقرئ بالهمز. وقد تقدم الكلام على ذلك. ن وص: قوله تعالى: ﴿ولات حين مناص﴾ [ص: ٣] المناص: المهرب والملجأ. يقال: ناص ينوص نوصًا ومناصًا، أي فاستغاثوا وليس الحين حين ملجأ ولا مهرب. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٧١٥ - أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص ... فتقصر عنها أو تبوص؟ وقيل: تنوص، معناه تتحول. وقيل: تتأخر. وتنوص معناه: تتقدم. وقيل: ناصة ينوصة بمعنى فاته، وهو قريب مما تقدم. واستناص: طلب المناص. وأنشد لحارثه بن بدر يصف فرسًا: [من الكامل] ١٧١٦ - غمر الجراء إذا قصرت عنانه ... بيدي استناص ورام جري المسحل وقد قرئ هذا الحرف بقراءات كثيرة حررناها في غير هذا ولله الحمد. ن وق: قوله تعالى: ﴿ناقة الله﴾ [الأعراف: ٧٣] الناقة: الأنثى من الإبل، وتُجمع على نوق. وفي المثل: "كيف العيوق بعد النوق" على أينق، وأصله أنوق، ثم قلبت الكلمة بأن قُدمت الواو على النون وقلبت تاء، والتاء في ناقة لتأكيد التأنيث كما قدمناه في نعجة. وهذه الناقة كان خلقها الله على خلاف غيرها من بنات جنسها، ولها قصة مشهورة. وفي الحديث: "أن رجلًا قد سار على جملٍ قد نوقه" أي راضه وذلله. و"استنوق الجمل" أي ذل ذُل الناقة. قال الشاعر: [من الرجز]

стр. 1627

١٧١٧ - يا ناق سيري عنقًا فسيحا ... إلى سليمان فتستريحا أراد ناقة فرحمها. ن ول: قوله تعالى: ﴿لن ينال الله لحمها﴾ [الحج: ٣٧] أي لن يصل إليه ما يعد لكم ثوابه من التقوى، أي نال يناله، وينوله نولًا ونيلًا. ففي العين والواو والياء، إلا أن لغة القرآن الياء. قال تعالى: ﴿ولا ينالون من عدو نيلًا﴾ [التوبة: ١٢٠] أي يُصيبون منهم مالًا أو عرضًا. يقال: هو ينال من عدوه، أو وتره ي مالٍ أو عرضٍ أو غير ذلك. ومنه الحديث: "أن رجلًا كان ينال من الصحابة" أي الوقيعة فيهم. والنول والنوال: العطاء. ومنه حديث موسى والخضر: "فحملوهما بغير نولٍ" أي بغير جعلٍ. ويقال: نلت معروفًا، ونولته إياه، أنلته إياه رسولًا ونيلًا وتنويلًا وإنالة. قال كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه: [من البسيط] ١٧١٨ - أرجو وآمل أن تدنو مودتها ... وما إخال لدينا منك تنويل وقال الراغب: النيل: ما يناله الإنسان بيده. نلته أناله نيلًا. قال تعالى: ﴿ولا ينالون من عدو نيلًا﴾. والنول: التناول. يقال: نلت كذا أنوله، وأنلته: أوليته. قال: ومثل ذلك: عطوت جذا: تناولت كذا. وأنلته: أعطيته. يقال: ما كان نولك أن تفعل كذا، أي ما فيه نوا لصلاحك. قال الشاعر: [من الوافر] ١٧١٩ - جزعت وليس ذلك بالنوال قيل معناه: بالصواب. وحقيقة النوال ما تناله من الصلة، وتحقيقه: ليس ذلك مما تنال منه مرادًا. ويقال: نال الشيء، أي جاوز وقرب. ومنه قول أبي بكر رضي الله تعالى

стр. 1628

عنه لرسول الله ﷺ : "قد نال الرحيل" أي حان. ويقال: نولك أن تفعل كذا، أي حقك. وقد نال لك ذلك ينول نولًا. ن وم: قوله تعالى: ﴿والنوم سباتا﴾ [الفرقان: ٤٧] قال الراغب: قد فُسر النوم على أوجه كلها صحيحة، بنظرات مختلفة؛ قيل: هو أن يتوفى الله النفس من غير موت، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢] الآية. وقيل: النوم موت خفيف والموت نوم ثقيل. والمنام والنوم واحد. والإنامة: القتل. ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه وقد حث على قتال الخوارج: "إذا رأيتموهم فأنيموهم" أي اقتلوهم. قال الهروي: نامت الشاة: إذا ماتت. قال الفراء: النائمة: الميتة. وفي الحديث: "خير أهل ذلك الزمان كل مؤمن نومة" أي خامل الذكر، غامض بين الناس، لا يعرف الشر وأهله. وقال أبو بكر في "جمهرته": النوم، يعني بضم النون: الخامل الذكر. والنومة، يعني بفتحها: الكثير النوم، وفيه نظر لأن بناء فعله يدله على كثرة الفعل نحو هُمزة ولُمزة وضُحكة. وقد نص الراغب على أن النومة أعني بضم النون يطلق على الكثير النوم وعلى الخامل. والنؤوم أيضًا: الكثير النوم، نحو ضروبٍ وكسوبٍ. واستنام إلى كذا: اطمأن إليه. والمنامة: ثوب ينام فيه. وانمته: تسببت في نومه. ونام السوق: كسد. ونام التوب: أحلق؛ كل شيء على التشبيه. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه: "دخل على رسول الله ﷺ وأنا على المنامة" قيل: هي هنا الدكان، وفي غير القطيفة. ن ون: قوله تعالى: ﴿وذا النون﴾ [الأنبياء: ٨٧] أي اذكر صاحب النون. النون: الحوت

стр. 1629

كما صرح به في قوله: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨] والمراد به نبي الله يونس بن متى ﵇، وإنما أضيف يونس إلى النون لابتلاعه إياه في قصة مشهورة. ويجمع على نينان، نحو حوت وحيتان. وقال بعضهم: النون: الحوت العظيم فخصصه. ونو في قوله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ [القلم: ١] منهم من يجعله حرف تهج وهو الصواب كنظائره نحو"ص" و"ق" و"حم". وقيل: هو حوت عظيم في بحرٍ عظيم، حامل الثور عليه الأرضون. أقسم الله تعالى به في قصة طويلة، والله أعلم بصحتها. ويعبر بالنون عن الناقة الضامرة تشبيهًا بحرف الهجاء في الهيئة كقول الشاعر: [من الطويل] ١٧٢٠ - وجرفٍ كنونٍ تحت راءٍ ولم يكن ... بدالٍ يؤم الرسم غيره النقط وفي هذا البيت تورية حسنة كبيرة أوردتها في شرح قصيدة كعب بن زهير وتلخيصه انه أراد حرف الهجاء، وبالحرف الناقة، وأراد براء اسم الفاعل من رأى، أي ضرب الرئة، وبدال اسم الفاعل من دلا يدلو، وبالرسم رسم الدار، وبالنقط المطر. ن وى: قوله تعالى: ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥] النوى للثمرة عجمها، وهو الذي ينبت منه الشجر، الواحدة نواة، فهو اسم جنس. والنواة أيضًا: الحاجة. يقال: لي عنده نية ونواة، أي حاجة، وذلك من نوى ينوي؛ إذ تجرد للشيء قاصدًا له. وفي الحديث: "تزوجت على نواة من ذهب" أي قدر نواة من ذهب، وهو خمسة دراهم. ونوت البسرة وأنوت: اشتدت نواتها. والنؤى أيضًا: البعد. ولام النواة ياء، لأن عينها واو. والأكثر التغاير، كما استدلوا على أن لام ذو بمعنى صاحب ياء بذلك. فصل النون والياء ن ي ل: قوله تعالى: ﴿ولا ينالون من عدو نيلًا﴾ [التوبة: ١٢٠] ليس في القرآن غيره، وقد تقدم الكلام عليه قريبًا. وأما مادة (ن اس) إذا قيل: إن ألفه عن ياء، وإن أصله (ن ي س) فقد تقدم أنه مقلوب من نسى. والله تعالى أعلم.

стр. 1630

باب الهاء فصل الهاء والباء هـ ب ط: قوله تعالى: ﴿اهبطوا﴾ [البقرة: ٣٦] الهبوط: السقوط على سبيل القهر كهبوط الحجر في قله تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط (١) من خشية الله﴾ [البقرة: ٧٤] قال بعضهم: وإذا استعمل في الإنسان فعلى سبيل الاستخفاف بخلاف الإنزال، فإن الإنزال ذكره الله تعالى في الأشياء التي نبه على شرفها كإنزال القرآن والملائكة وغير ذلك. الهبط ذكر حيث نبه على الغض، نحو: ﴿اهبطوا منها﴾ [البقرة: ٣٨] وقوله: ﴿اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم﴾ [البقرة: ٦١]. قال: وليس في قوله: ﴿فإن لكم ما سألتم﴾ تعظيم وتشريف. ألا ترى إلى قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة المسكنة باؤوا بغضب من الله﴾ [البقرة: ٦١] قلت: وفيه نظر لقوله تعالى ذلك لآدم وحواء، إذ ليس المراد الاستخاف والغض. وقد يقال: إنه لما هبط إبليس والحية أراد الغض منهما فجرى الخطاب على ذلك، ولله أن يخاطب عباده بما شاء، وإن لم يجز لخلقه ذلك. وهبط يكون لازمًا ومتعديًا؛ يقال: هبطته فهبط. ويرد ما قاله هذا القائل أيضًا قول العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه يمدح النبي صلى الله عليه سلم: [من المنسرح]. ١٧٢١ - ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق فإن هذا تعظيم وتشريف. والهبيط: الضامر من النوق وغيرها. ويقال: هبط بفتح الباء فقط ويهبط بكسرها وضمها إلا أن الضم في اللازم أكثر. وقد قرئ: "اهبطوا" بالضم. وقيل: الهبوط: الانتقال مطلقًا. وقيل: الخروج من البلد. وقيل: الدخول فيها؛

стр. 1631

فهو من الأضداد. وفي الحديث: "غبطًا لا هبطًا" أي نسألك الغبطة ونعوذ بك أن تهبطنا إلى حالٍ سفالٍ. وقال الفراء: الهبط: الذل. وأنشد للبيدٍ: [من المنسرح]. ١٧٢٢ - إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يومًا يصيروا للهلك والنفد هـ ب و: قوله تعالى: ﴿فجعلناه هباء منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. الهباء واحده هباءة، فقيل: الهباء والهبوء: التراب الرقيق. وأنشد لرؤبة: [من الرجز]. ١١٧٢٣ - في قطع الآل وهبوات الدقق وقال الأزهري: هو ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس؛ شبه أعمال الكفار التي كانوا يفعلونها في الدنيا، من فك العناة وإطعام المحاويج وغير ذلك، في عدم الجدوى بترابٍ وغبارٍ دقيقٍ. ثم لم يكتف بذلك حتى جعله منثورًا لا يرجى منه نفع، ولا يحصل منه شي البتة. وقوله: ﴿فكانت هباء منبثًا﴾ [الواقعة:٦] شبه الجبال حال دكها بالهباء المنبث، وهو المتفرق. فوصفه بالموضعين بوصفين مختلفين لفظًا متحدين معنى. قال الراغب: الهباء: دقاق التراب، فلا يبدو إلا في أثناء الشمس في الكوة. ويقال: هبا الغبار يهبو، أي ثار وسطع. وأهببته أهبه هبًا: أثرته. والهبوة كالغببرة. وفي الحديث: "أن فلانًا جاء يتهبى" قال الأصمعي: أي ينفض يديه أي فار [اليدين، كقولهم: جاء فلان يرب أصدريه، أي جاء فارغ اليدين. فصل الهاء والجيم هـ ج د: قوله تعالى: ﴿فتهجد به﴾ [الإسراء: ٧٩] أي اترك الهجود، وهو النوم، فتفعل فيه

стр. 1632

للسلب نحو تحنث وتأثم، أي جانب الحنث والإثم. فحقيقة التهجد السهر وإلقاء النوم. ولكن المراد بالآية أخص من ذلك، وهو التنقل بالصلاة. وقوله: ﴿به﴾ أي القرآن في الصلاة. ومن ثم غلب التهجد على التنقل بالصلاة ليلًا، وهو المراد بقوله تعالى ﴿قم الليل إلا قليلًا﴾ [المزمل:٢]. وأهجد البعير: ألقى جرانه للأرض متحريًا للهجود. وهجد يهجد فهو هاجد، والجمع هجد. قال الشاعر: [من الرجز]. ١٧٢٤ - هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعًا وسجدًا هـ ج ر: قوله تعالى: ﴿سامرًا تهجرون﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي تتكلمون بكلام هجرٍ. والهجر في الكلام الفحش والقبح. واشتقاقه من الهجر، لأن من حق القبيح أن يترك ويهجر. ويقال: هجر الرجل، أي تكلم بهجرٍ عن قصد. وأهجر المريض: إذا أتى بذلك من غير قصدٍ. وقيل: هجر وأهجر بمعنى. وقد قرئ قوله: ﴿تهجرون﴾ بهما. قال بعضهم: قد يشبه المبالغ في المهجر، فيقال: أهجر وإن قصدوا. وأنشد قوله: [من الطويل]. ١٧٢٥ - كما جدة الأعراق قال ابن ضرة ... عليها كلامًا، جار فيه وأهجرا ورماه بهاجرات فيه، أي فضائح كلامه. والهجيرى والإهجير: العادة الدأب. وأصل ذلك إذا أولع فيه وهذى به هذيان المريض المهجر. قال الراغب: ولا يكاد

стр. 1633

يستعمل الهجر إلا في العادة الذميمة، إلا أن يستعمله في ضده من لا يراعي مرد هذه الكلمة عند العرب. والهجير والهاجرة من الهجر أيضًا لأنها ساعة يهجر فيها السير، أو لأنها تهجر الناس على المجاز. والهجار: حبل يربط به الفحل، فهو سبب لهجران الفحل الإبل، أي منعه عنها. وبني على مثال الزمام والعقال لموافقته معنى ذلك. وهجار القوس: وترها، وذلك تشبيه بهجار الفحل. وبعير مهجور: مربوط بالهجار. وقد فسر بعض الناس قوله: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤] أي اربطوهن بالهجار. قال بعضهم: هو من تفسير الثقلاء. وقيل: معنى "تهجرون" أي تتركون، من الهجران وهو الترك. ومنه قوله: ﴿واهجروهم هجرًا جميلًا﴾ [المزمل: ٢٠]. وهذا كقوله تعالى: ﴿يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا﴾ [الفريقان: ٣٠]، وقيل: معناه: جعلوه بمنزلة الهذيان. والهجر والهجران: مفارقة الإنسان غيره؛ إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب. قيل: وقوله: ﴿اتخذوا هذا القرآن مهجورًا﴾ يجوز أن يراد فيه ذلك كله. وكذا قوله: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر:٥] حث على المفارقة بهذه الوجوه كلها. قوله: ﴿والذين هاجروا وجاهدوا﴾ [البقرة: ٢١٨] وقوله: ﴿والمهاجرين﴾ [التوبة: ١٠٠]، ونحو ذلك. هذه المهاجرة عبارة عن الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. ومنه الهجرة من مكة إلى المدينة. فالهجرة والمهاجرة غلبتا في ذلك، وإن كان أصلها مفارقة الغير ومتاركته. وقيل: الهجرة بعد الهجرة النبوية صارت عبارة عن ترك دار الحرب وترك الأخلاق الذميمة والخصال الرذيلة. وفي قوله ﵊: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" إشارة لذلك. وهنا سؤال وهو انه لابد من تغاير الشرط والجزاء ليفيد، وهنا اتحدا. وأجيب بأن معناه: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وجزاء، أي من هاجر إلى الله كان أجره على الله كانت هجرته مقبولة. وفي الحديث: "لو يعلم الناس ما في التهجير" قيل:

стр. 1634

المراد التبكير إلى كل صلاة. في حديث الجمعة: "والمهجر كالمهدي بدنة" أي المبكر، وهي لغة حجازية. وأنشد للبيد: [من البسيط]. ١٧٢٦ - راح القطين بهجرٍ بعد ما ابتكروا ... فما تواصله سلمى ما تذر هـ ج ع: قوله تعالى: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧]. الهجوع: النوم بالليل، وتفسير معناه: كانوا يهجعون قليلًا من الليل. "ما" مصدرية، أي كانوا قليلًا هجوعهم. قوال الراغب: وذلك يصح أن يكون معناه: كان هجوعهم قليلًا من أوقات الليل. ويجوز أن يكون معناه: يهجعون هجوعًا قليلًا. ولقيته بعد هجعةٍ، أي نومةٍ. ورجل هجع كقولهم نوم، أي كثير النوم. فصل الهاء والدال هـ د د: قوله تعالى: ﴿وتخر الجبال هدًا﴾ [مريم: ٩٠]. الهد: هدم له وقع. وهددت البقرة: أوقعتها للذبح. والهد: المهدود كالرعي والطحن. وقولهم: ترجل هدك من رجلٍ، أي كافيك. ولكونه في تأويل الصفة وصفت به النكرة مضافًا لمعرفةٍ. وحقيقة الكلام أنه لرجوليته يهدك ويزعزعك وجود مثله. وهددت فلانًا وتهددته، أي زعزعته خوفًا بالوعيد. والهدهدة: تحريك الصبي لينام. والهدهد: طائر معروف، وجمعه هداهد، بفتح الهاء، وأما الهداهد فمفرد؛ قيل: هو الحمام الكثير ترجيع الصوت. وأنشد: [من الكامل]. ١٧٢٧ - كهداهدٍ كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هديلا والهد بالكسر: الجبان الضعيف، لأنه كما تقدم بمعنى المهدود.

стр. 1635

هـ د م: قوله تعالى: ﴿لهدمت صوامع﴾ [الحج:٤٠] الهدم: نقض البناء وإسقاطه. ومنه: دم هدم، أي هدر. والهدم بمعنى المهدوم كالنقض والذبح، ولكنه اختص بالثوب البالي، وجمعه أهدام. وفي الحديث: "أن أبا الهيثم بن النبهان قال: يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا نحن قاطعوها، ونحن نخشى إن الله أعزك وأظهرك وأن ترجع إلى قومك. فتبسم رسول الله ﷺ : بل الدم الدم والهدم الهدم". وروى ثعلب عن ابن الأعرابي "الهدم" بفتح الدال: تقول العرب" "هدمي هدمك" بفتح الدال. يقال ذلك في النصرة. وقال أبو عبيد: يقال: هو الهدم واللدم. وأنشد: [من الرجز] ١٧٢٨ - ثم الحقي بهدمي ولدمي أي بأصلي وموضعي. قال: وأصل الهدم ما أنهدم كالقبض والنقض. ومعنى قولهم: دمي دمك، إن قتلني إنسان طلبت بدمي كما تطلب بدم وليك. وهدمي هدمك، أي من هدم لي عزًا وشرفًا فقد هدمه منك. وفي الحديث: "كان يتعوذ من الأهدمين" قال: الأهدمان: أن ينهار عليك بناء أو تقع في بئرٍ أو هوةٍ. هـ د ي: قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ [البقرة:٥] يطلق ويراد به الدعاء، كقوله: ﴿ولكل قومٍ هاد﴾ [الرعد:٧] أي داعٍ. ويراد به الدلالة كقوله تعالى: ﴿أهدانا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة:٦] أي دلنا إليه وأرشدنا إليه. وهوادي الخيل: متقدمها، وكذلك الهاديات. ومنه قول امرئ القيس: [من الطويل] ١٧٢٩ - كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناءٍ بشيبٍ مرجل

стр. 1636

وهديته إلى كذا: أوصلته إليه؛ قال تعالى: ﴿فأهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات:٢٣]. قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص:٥٦] أي لا تخلق في قلبه الهدى. فلا منافاة بينه وبين قوله تعالى ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى:٥٢]: معناه: تدعو إلى صراطٍ. قوله تعالى: ﴿إن علينا للهدى﴾ [الليل:١٢] أي الدلالة على الحق. قوله: ﴿أو أوجد على النار هدى﴾ [طه:١٠] أي دليلًا يدلني على الطريق. وقال الراغب: الهدى: دلالة بتلطفٍ، ومنه الهدية. وهوادي الوحوش: المتقدمات الهادية لغيرها. وخص ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء بأهديت. ثم قال: إن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة بتلطفٍ، وقد قال تعالى: ﴿فأهدوهم إلى صراط الجحيم﴾؟ ثم أجاب أنه من باب التهكم كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذابٍ أليمٍ﴾ وقول الشاعر: [من الوافر] ١٧٣٠ - تحية بينهم ضرب وجيع قال: وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أضرب: الأول، الهداية التي عم بها كل مكلفٍ، من العقل والفطنة والمعارف الضرورية، بل عم بها كل شيءٍ بقدرٍ فيه حسب احتماله كقوله تعالى: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى﴾ [طه:٥٠]. الثاني، الهداية التي جعل للناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء وإنزال القرآن ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ [الأنبياء:٧٣]. الثالث، التوفيق الذي يختص به من اهتدى، وهو المعنى بقوله: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ [محمد:١٧] وقوله: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ [التغابن:١١].

стр. 1637

الرابع، الهداية في الآخرة إلى الجنة، وهو المعني بقوله: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ [الأعراف:٤٣] قال: وهذه الهدايات الأربع مرتبة؛ فمن لم تحصل له الأولى لم تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه. ومن لم تحصل له الثانية لم تحصل له الثالثة والرابعة. ومن حصلت له الرابعة فقد حصل له الثلاث التي قبلها. ومن حصل له الثلاث فقد حصل له اللتان قبلها، ثم لا تنعكس؛ وقد تحصل الأولى ولا يحصل الثاني، ويحصل الثاني ولا يحصل الثالث. والإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات. وإلى الأولى أشار بقوله: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ ﴿ولكل قومٍ هادٍ﴾ وإلى سائر الهدايات أشار بقوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ قال: وكل هدايةٍ ذكر الله تعالى أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة التي هي التوفيق الذي يختص به المهتدون. والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم﴾ إلى قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [آل عمران:٨٦]. قوله تعالى: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾ [يونس:٣٥] أي أن الله تعالى هو الذي يهدي خلقه إلى الحق، فهو أحق بالإتباع ممن لا يهدي أن يهتدي بنفسه. يقال: هدى بنفسه يهدي مخففًا بمعنى اهتدى يهتدي، نحو شرى يشري بمعنى اشترى يشتري. إلا أن "يهدي" إلى طريق يسلكها أو عملٍ يرشده إليه. وهذا استفهام توبيخٍ لهم على ما اتخذوه من دون الله إلها بعيد، وإن كان من أشرف الناس وخيرهم كالمسيح وعزيزٍ والملائكة. يعني أن الله وحدة هو الذي يهدي كل أحدٍ، وغيرهم لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله. وقيل: معنى: ﴿لا يهدي كيد الخائنين﴾ [يوسف:٥٢]، أي لا يصلح. فاستعار الهداية للإصلاح، وهذا كقوله: ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ [يونس:٨١] والمعنى لا يوفقهم لعمل أهل الخير. قوله: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى

стр. 1638

الله﴾ [البقرة:١٤٣] أشار به إلى من هداه الله بالتوفيق المذكور في قوله: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ [محمد:١٧] قال بعضهم: الهداية والهدى في موضوع اللغة واحد، ولكن خص الله تعالى لفظ الهدى بما تولاه وأعطاه. واختص به هو دون ما هو إلى الإنسان، نحو: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة:٢] والاهتداء: يختص بما يتحراه الإنسان على طريق الاختبار، إما في الأمور الدنيوية أو الأخروية كقوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام:٩٧] فهذا يجوز أن يكون للهدايتين، لأنهم يهتدون بها في أسفارهم وإلى الجهة التي يتعبدون إليها لله تعالى. ويقال أيضًا: اهتدى إذا طلب الهداية. ومنه: ﴿قد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين﴾ [الأنعام:٥٦] وإذا تحراها أيضًا. ومنه: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾ [البقرة:٥٣] أي تحرون هدايتكم فيهما. والاهتداء أيضًا: الاقتداء بالعلماء. ومنه قوله تعالى: ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون﴾ [المائدة:١٠٤] منبهة على أنهم لا يعلمون بأنفسهم، ولا يقتدون بمن يعلم. وقوله: ﴿فمن اهتدى فلنفسه﴾ [الزمر:٤١] هذا يتناول وجوه الاهتداء المتقدمة بأسرها من طلب الهداية وتحريها والاقتداء بالعلماء. وقيل في قوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى﴾ [طه:٨٢] أي ثم أدام طلب الهداية، ولم يفتر عن تحريها. ولم يرجع إلى المعصية. وفي قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة:١٥٧] أي تحروا الهداية وقبلوها وعملوا بها ولم يخلوا بشرائطها. قوله تعالى: ﴿والهدي معكوفًا﴾ [الفتح:٢٥]، الهدي: ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام. والهدية: مختصة باللطف الذي يهدي بعضنا لبعضٍ. قال تعالى: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾ [النمل:٣٥]. وفيه لغتان: هدي وهدي. قال الهروي: الهدي والهدي لغتان وهما ما يهدى لبيت الله تعالى من بدنةٍ وغيرها، وهذا أعم مما ذكرناه أولًا، والواحد هدية وهدية. وقال الفراء: أخل الحجاز وبنو أسدٍ يخففون الهدي، وتميم وسفلى قريشٍ يثقلون الياء. وأنشد الفرزدق: [من الوافر]

стр. 1639

١٧٣١ - حلفت برب مكة والمصلى ... وأعناق الهدي مقلدات قال: ويقال في جمع الهدي أهداء، وفي جمع الهدي هدى. ويقال للأنثى أيضًا هدي وهدي، نص عليه الأخفش وكأنه في الأصل مصدر وصف به. وهذا ظاهر في المخففة الياء. وقال الراغب: والهدي يقال في الهدي. وفي العروس يقال: ما أحسن هدية فلانً! وقال أبو بكرٍ: سميت الإبل هديا لأن منها ما يهدى إلى البيت. وفي الحديث: "هلك الهدي ومات الودي"، أي هلكت الإبل ويبست النخيل. والهدي: الطريق؛ يقال: ما أحسن هدي فلانٍ! أي طريقة. وفي الحديث: "إن أحسن الهدي هدي محمدٍ ﷺ ". وفي حديثٍ آخر: "كنا ننظر إلى هديه ودله" أي طريقة وهباته. وفي آخر: "أهدوا هدي عمارٍ" أي سيروا بسيرته وفي الحديث: "خرج من مرضه يهادي بين اثنين" أي يعتمد عليهما متمايلًا في ضعفه. وأصله من تهادت المرأة: إذا تمايلت في مشيها، كأنهم شبهوها بالهدي في مشيه. ومن فعل ذلك بغيره يقال له المهادي وغيره المهادي بالفتح، والمهداء بالقصر مهموز: الطبق الذي يهدى عليه. والمهدى بالمد: الكثير الهدية. وأنشد: [من الطويل] ١٧٣٢ - وإنك مهداء الخنا نطف الحشا فصل الهاء والراء هـ ر ب: قوله تعالى: ﴿ولن نعجزه هربًا﴾ [الجن:١٢] الهرب: الذهاب بسرعةٍ عن خوفٍ.

стр. 1640

يقال: هرب الرجل هربًا فهو هارب وهربه غيره. وقال يعقوب: أهرب الرجل، أي وجد في الذهاب. وفي الحديث: "ما لعيالي هارب ولا قارب" أي لا صادر عن الماء ولا وارد، أخبر أنهم لا شيء لهم. هـ ر ت: قوله تعالى: ﴿هاروت وماروت﴾ [البقرة:١٠٢] هما ملكان بالفتح وقيل ملكان بالكسر وقد قرئ بذلك، لهما قصة مشهورة الله أعلم بصحتها. ونقل الراغب عن بعض المفسرين أنهما اسما شيطانين من الجن أو الإنس. قال: وجعلهما نصباً بدلاً من الشياطين، بدل البعض من الكل. كقولك: القوم قالوا: زيد وعمرو. انتهلا. وفي جعلهما بدلًا من الشياطين نظر لا يخفى من حيث إن النحويين نصوا على أنه يمتنع البدل في نظيره لعدم المطابقة، وأوجبوا القطع حينئذٍ، وجعلوا من ذلك قول النابغة الذبياني: [من الطويل] ١٧٣٣ - توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوامٍ وذا العام سابع رماد ككحل العين لأيا أبينه ... وتؤي كجذم الحوض أثلم خاشع قالوا: فرفع "رماد ونؤي" على إضمار مبتدأ، ولم ينصبا بدلًا من آيات لعدم المطابقة. وهذا له موضع تحقق فيه. وقوله فيه: إنه يدل على بعضٍ من كل كالجواب عن الاعتراض الذي ذكرته، لكنه لا يصح لما قدمته من نص النحويين. قيل: واشتقاق اللفظة من الهرت وهو سعة الشدق. ومنه قولهم: فرس هريت الشدق. وأصله من هرت ثوبه: إذا شقه فاتسع. ومنه الحديث: "أكل كتفًا مهرته" أي ممزقة من النضج. وقيل: إنما هو "مهردة". قال الكسائي: يقال: لحم مهرد" إذا نضج. والمهرأة مثله. قلت: فيجوز أن تكون الدال هي الأصل، والتاء مبدلة منها لتقاربها. ولذلك حكي: هرد ثوبه وهرته: إذا شقه. وعندي أن ادعاء الاشتقاق في هاروت من ذلك لا يصح لما قدمته غير مرةٍ من أن

стр. 1641

الاشتقاق لا مدخل له في الأعجميات. وهذا نظير ما فعلون في إبليس وآدم ويعقوب ونحوها. هـ ر ع: قوله تعالى ﴿يهرعون إليه﴾ [هود:٧٨] أي يساقون سوقًا بعنفٍ. وقال ثعلب: يستحثون. وقال غيره: يسرعون في فزعٍ. ومنه قوله تعالى: ﴿فهم على آثارهم يهرعون﴾ [الصفات:٧٠] أي يتبعونهم مسرعين. قيل: كانوا يزعجون من الإسراع. يقال: هرع وأهرع: إذا استحث. وهذه معان متقاربة. ويقال: هرعه وأهرعه: ساقه سوقا بعنفٍ وتخويفٍ. وهرع برمحه فتهرع: إذا أشرعه سريعًا. والهرع: السريع المشي، والبكاء، وهو الهريع. والهرعة: القملة الصغيرة. كأنهم توهموا فيها السرعة والخفة. هـ ر ن: قوله تعالى: ﴿وهارون﴾ [النساء:١٦٣] هو اسم النبي العلم المشهور أخو موسى صلوات الله وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء. قال الراغب: هو اسم أعجمي، ولم يرد في شيء من كلام العرب. يعني لم ترد هذه المادة في لغتهم. فصل الهاء والزاي هـ ز أ: قوله تعالى: ﴿أتتخذونا هزواٍ﴾ [البقرة:٦٧] الهزو: الاستخفاف. يقال: استهزأ به يستهزئ، أي استخف به. وقال بعضهم: الهزء مزح في خفيةٍ. وقد يقال لما هو كالمزح. فمن الأول قوله تعالى: ﴿أتتخذنا هزوًا﴾. يقال: هزئت واستهزأت. قال الراغب الاستهزاء: ارتياد الهزؤ وإن كان قد يعبر به عن تعاطي الهزؤ كالاستجابة في كونها ارتيادًا للإجابة، وإن كانت قد تجري مجرى الإجابة. قوله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾ [التوبة:٦٥]. وقوله: ﴿الله يستهزئ بهم﴾

стр. 1642

[البقرة:١٥] من باب المقابلة، وإلا فحقيقة الاستهزاء على الله محال. وقيل: إنه عبر عن إمهاله لهم وازدراء رزقه عليهم، وأخذهم بعد ذلك بفتة بالاستهزاء. ويقال: إن الاستهزاء الانتقام. وأنشد: [من الطويل] ١٧٣٤ - قد استهزؤوا منا بالأفي مدججٍ ... سراتهم وسط الصحاصح جثم قيل: فعلى هذا لا يحتاج إلى تأويلٍ. ويدل عليه أنه تعدى عن أن يقال: هزأت منه وبه. ومنه قول الشاعر: [من الرجز] ١٧٣٥ - قد هزأت مني أم طيسلة ... قالت: أراه معدمًا لا مال له والاستهزاء في البيت إنما معناه الاستخفاف والسخرية. وكونه بمعنى الانتقام بعيد التأويل، أي انتقمت مني بهذا القول. ويروى أن يفتح للكفرة باب من الجنة فإذا قاربوها أغلق، فذلك الاستهزاء بهم. وقد قرئ قوله: ﴿أتتخذنا هزوًا﴾ بسكون العين وضمها وبالواو، حسبما بينا ذلك في "العقد". هـ ز ز: قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ [مريم:٢٥] الهز: التحريك بشدةٍ، يقال: هزه يهزه، وهز الرمح فاهتز. واستعير ذلك في قولهم: هززت فلانًا للعطاء، أي حركته بما ذكرته له من المكارم والمآثر. وقوله تعالى: ﴿تهتز كأنها جان﴾ [النمل:١٠] إشارة إلى شدة حركتها واضطرابها، وأنها فاقت أبناء جنسها في حركتها ونشاطها. وقوله: ﴿اهتزت وربت﴾ [الحج:٥] أي تحركت حركة شديدة تشقها عن نباتها وأزهارها بسبب إنزالها الماء بعد أن كانت على عكس هذه الصفة قبل ذلك. واهتز الكوكب في انقضاضه. وسيف هزهاز. ورجل هزهز: خفيف. وكذلك ماء

стр. 1643

هزهز. قيل: وهو يتعدى بنفسه وبالباء؛ يقال: هززته وهززت به، كما يقال: أخذ الحطام وبالحطام، وتعلق زيدًا ويزيدٍ. وهز عطفه: كناية. وفي الحديث: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد" أي ارتاح بروحه حين صعد به. وقيل: هو على حذف مضافٍ؛ أي أهل عرش الرحمن. [هـ ز ل]: ﴿إنه لقول فصل وما هو بالهزل﴾ [الطارق:١٤]. هـ ز م: قوله تعالى: ﴿فهزموهم﴾ [البقرة:٢٥١] أي كسروهم وطرودهم. وأصل الهزم الكسر. ومنه [شن] متهزم، أي منكسر بعضه على بعضٍ. وهزمت البئر: حفرتها. وبئر هزيمة، أي كسر جبلها حتى فاض ماؤها. وصار الهزم متعارفًا في فرار الجيش من الغلبة وفي الحديث: "زمزم هزمة جبريل" أي ضربها برجله. وقصب متهزم ومنهرم، أي متكسر. وسمعت هزمة الرعد، أي صوته الذي يكاد يشق القلوب. وفي الحديث: "فاجتنبوا هزم الأرض فإنها مأوى الهوام" يعني ما تشقق منها فلا تنتابونه لحاجتكم. وفي الحديث أيضًا" "أول جمعةٍ جمعت في الإسلام في هزم بني بياضة". وقال بعض اللغويين: أصل الهزم غمز الشيء اليابس حتى ينحطم كهزم الشن، وهزم القثاء والبطيخ. قال: ومنه الهزيمة لأنه كما يعبر عنه بذلك يعبر عنه بالحطم والكسر. وأصابته هازمة الدهر، أي مصيبته التي تكسر صاحبها. وهزم الرعد: تكسر صوته. والمهزام: عود يجعل في رأسه نار يلعب به الصبيان، كأنهم يهزمون به بعضهم.

стр. 1644

فصل الهاء والشين هـ ش ش قوله تعالى: ﴿هي درجفرر بتوكأ عليها وأهش بها على غنمي﴾ [فه:١٨] أي أخبط الشجر ليتناثر ورقة فيرداده الغنم. يقالك هش يهش، أففذ لذلك. وهش للمعروف يهش - بالفثحف المارتاح. وفي حديث عمر: "فهشئت يومًا فقبلت وأنا صائم"، أي فرحت. ويقال: هاش بمعنى هش. وأنشد للراعي: [من الطويل] ١٧٣٦ - فكبر للرؤيا وهاش فؤاده ... وبشر نفسًا كان قبل يلومها وقال الراغب: الهش يقارب الهز بالشيء اللين. وناقشه هشوش: لينة غزيرة ضد الصلود التي لا تكاد تعرق. ورجل هش، أي طلق المحيا. وقد هششت، أي فرحت. هـ ش م: قوله تعالى: ﴿فأصبح هشيمًا﴾ [الكهف:٤٥] أي فتانًا متكسرًا، من هشمت الشيء، أي فتتته. ومنه هشيم الشريد، وبه سمي هاشم. وأنشد: [من الكامل] ١٧٣٧ - عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف والهاشمة: أحد الشجاج، لهشمها العظم. قوله: ﴿كهشيم المحتظر﴾ [القمر:٣١] أي لما هلكوا صاروا مثل حطام النبات الذي يتخذه الراعي حظيرة في كونه هشيمًا متكسرًا. ولله در القرآن ما أبلغ تشبيهاته! واهتشم كل ما في ضرع الناقة، أي امتصه. فصل الهاء والضاد هـ ض م: قوله تعالى: ﴿فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾ [طه:١١٢] أي نقصًا. وفي التفسير:

стр. 1645

لا يخاف أن يظلم فيحمل ذنب غيره، ولا يهتضم فينقص من حسناته. ومنه دواء يهضم الطعام، أي ينقص ثقله. ويقال: هضمته، واهتضمته، وتهضمته، أي نقصته حقه. وأنشد للمتوكل الليثي: [من الكامل] ١٧٣٨ - إن الأذلة واللئام لمعشر ... مولاهم المهتضم المظلوم قيل: والظلم والضهم متقاربان. وفرق الماوردي فقال: الظلم منع جميع الحق، والهضم منع بعضه. وعن بشرين المفضل، وقد قال لابنه: "لم تشرب النبيذ؟ فقال: إنما أشرب القدح والقدحين لينهضم طعامي. قال: والله لدينك أهضم". قوله تعالى: ﴿ونخل طلعها هضيم﴾ [الشعراء:١٤٨] قال أبو عبد الله: هو المنضم في وعائه قبل أن يظهر. ومنه: رجل أهضم الجنبين، أي منهضمهما. هذا قول اللغويين، وفسره مجاهد: أي يتهشم تهشمًا. وقول أهل اللغة أوفق لمعنى الآية. وقال أبو القاسم: الهضم: شدخ ما فيه رخاوة؛ يقال: هضمته فانهضم، كالفضبة المهضومة التي يرمز بها. ومزمار مهضم. وقوله: "طلعها هضيم" أي داخل بعضه في بعضٍ، كأنها شدخ. قلت: وفي هذا الكلام جمع بين قول أهل اللغة وقول مجاهد. والهاضوم: ما يهضم الطعام. وبطن هضوم، وكشح مهضم، وامرأة هضيمة. واستعير الهضم للظلم، قال تعالى: ﴿فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾. فصل الهاء والطاء هـ ط ع: قوله تعالى: ﴿مهطعين إلى الداع﴾ [القمر:٨] أي مسرعين. يقال: أهطع يهطع إهطاعًا، فهو مهطع، أي سريع الإجابة لداعي رب العالمين. وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع لا يقلع بصره. يقال: هطع الرجل ببصره: إذا صوبه. وبعير مهطع: إذا صوب عنقه، والظاهر الأول لقول الشاعر: [من البسيط]

стр. 1646

١٧٣٩ - إذا دعانا فأهطعنا لدعوته ... داعٍ سميع فلقونا وساقونا فهذا بمعنى أسرعنا. ويقال: هطع وأهطع. وقال الأخفش: الإهطاع هو الإقبال على الإصغاء. وأنشد: [من الوافر] ١٧٤٠ - بدجلة دراهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع فصل الهاء واللام هـ ل ع: قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا﴾ [المعارج:١٩] قيل: مفسرة بما بعده. وعن ثعلبٍ: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ قلت: قد فسره الله تعالى، ولا يكون أبين من تفسيره؛ وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ماله خير بخل به ومنع. وقيل: هو الفزع والاضطراب الشديد، من قولهم: ناقة هلواع، أي سريعة السير. وقيل: "هلوعًا" ضجورًا لا يصبر على المصائب. وقيل: هو الذي يفزع ويجزع من الشر ويحرص ويشح على المال. وفي الحديث: "من شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع" الهلع أشد الجزعٍ. والمعنى شح يحزنه وجبن يخلع قلبه. هـ ل ك، قوله تعالى: ﴿وجعلنا لمهلكهم موعدًا﴾ [الكهف:٥٩] أي لوقت هلاكهم. وقرئ بكسر اللام وفتحها مع ضم الميم، أي لوقت إهلاكهم. قال بعضهم: الهلاك على أربعة أوجه: أحدها افتقاد الشيء عنك وهو موجود عند غيرك. ومنه: ﴿هلك عني سلطانيه﴾

стр. 1647

[الحاقة:٢٩]. والثاني هلاك الشيء باستحالةٍ وفسادٍ كقوله: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة:٢٠٥]. والثالث الموت، نحو: ﴿إن امرؤ هلك﴾ [النساء:١٧٦]، و ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية:٢٤]، ﴿حتى إذا هلك قلتم﴾ [غافر:٣٤]. قال الراغب: لم يذكر الله تعالى الموت بلفظ الهلاك حيث لم يقصد الذم إلا في هذا الموضع. يعني ﴿إن امرؤ هلك﴾. وفي قوله: ﴿حتى إذا هلك قلتم لن ينبعث الله من بعده رسولا﴾. الرابع بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسًا، وذلك هو المسمى فناء كقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص:٨٨]. وقد يطلق الهلاك على العذاب والخوف والفقر ونحوها لأنها أسبابه كقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية﴾ أي عذبناها. وقوله تعالى: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف:٣٥] أي يعذب عذاب اسئصالٍ، وهو الهلاك الأكبر الذي أشار إليه ﵊ بقوله: "لا شر كشر بعده النار". قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥]. قيل: التهلكة ما يؤدي إلى الهلاك. والهلوك: المرأة المتمايلة في مشيها، كأنها تتهالك في مشيها، كما قال الشاعر: [من الطويل] ١٧٤١ - مريضات أوبات التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا وكني عن الفاجرة بالهلوك لتمايلها. والهلك: الهلاك والشيء الهالك أيضًا. ومن الأول قول الشاعر: [من الطويل] ١٧٤٢ - فما كان قيس هلكه هلك واحدٍ ... ولكنع بنيان قومٍ تهدما

стр. 1648

والهالكي: الحداد، وأصله من قبيلة هالكٍ، فسمي كل حدادٍ هالكيًا. وفي حديث أبي هريرة: "إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم" يروى برفع الكاف على أنه فعل ذلك هو أكثرهم هلاكًا، وإذا كان كذلك كان أيأسهم لله تعالى. هـ ل ل: قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة:١٧٣] أي صرح باسمٍ غير الله عند ذبحه كما كانت الجاهلية يفعلون عند ذبح نسائكهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى. والإهلال: رفع الصوت. ومنه استهل الصبي. ومنه: "لا يوزث الصبي حتى يستهل صارخًا". وأهل بالحج: إذا رفع صوته بالتلبية به قيل: وأصل ذلك من الهلاك، لأنهم إذا رأوه صرخوا برؤيته، ورفعوا أصواتهم بها. قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ [البقرة:١٨٩] هي جمع هلالٍ، وأفعلة يلزم في فعال وفعال معتلي اللام أو مضعفين، نحو خباءٍ وأخبيةٍ، وزمام وأزمةٍ. وقد ندر عنان وعننٍ وحجاج وحجج حسبما بيناه في غير هذا الموضوع. قيل: ولا يقال: هلال إلا لأول ليلةٍ والثانية، ثم هو قمر بعد ذلك. قال الراغب: ولا يقال له هلال. وقال الهروي: والقمر إذا بدا رقيقًا في أول الشهر يقال له في الثلاث الأول هلال، وهذا مخالف لما قدمته. وقال أبو الهيثم: يقال له هلال لليلتين من أول الشهر ولليلتين من آخره، وما بين ذلك فهو قمر. وقال الأصمعي: يقال له هلال إلى أن يحجر، ويحجر إلى أن يستدير له كالخيط الرقيق. وقيل: يسمى هلالًا إلى أن يقهر ضوؤه سواد الليل. قالوا: وذلك إنما يكون في سبع ليالٍ. قيل: والهلال مصدر في الأصل، سمي به هذا الكوكب، فيقال: هل الهلال هلالًا. ويقال: أهل الهلال واستهل، مبنيين للفاعل تارة وللمفعول أخرى. ومن الأول قول الشاعر: [من الوافر]

стр. 1649

١٧٤٣ - وشهر مستهل بعد شهرٍ ... وحول بعده حول جديد ويقال: أهللناه واستهللناه. ويقال له بدر من الثالثة عشر إلى الرابعة عشر. قال أبو العباس: إنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه. ومن أسائه الربرقان. ودراته التي حوله يقال لها الهالة، وضوؤه يقال له الفخت وظله السمر. ولذلك سمي المتحدثون في ضوئه سمارًا، ثم أطلق ذلك على كل متحدث ليلًا. وانهل المطر انصب انصبابًا شديدًا. والمطر يسمى هللا وأهلولًا. وأنشد لأمرئ القيس: [من الهرج] ١٧٤٤ - لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل؟ هـ ل: قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ [الإنسان:١] هل: في الأصل حرف استفهامٍ بمعنى الهمزة، وبينهما فرق، وقد ذكرته في غير هذا الموضع. وقيل: معناها هنا: قد أتى. واستشهد بدخول حرف الاستفهام عليها في قول الشاعر: [من البسيط] ١٧٤٥ - سائل فوارس يربوعٍ بجملتها ... أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم؟ وقيل: هي على بابها من الاستفهام، وتقدير القولين في "الدر المصون". وتأتي بمعنى النهي كقوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩١] أي انتهوا، ونفيًا كقوله تعالى: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف:٣٥] أي ما يهلك. قال بعضهم: وتكون شرطًا، وتكون تنبيهًا وتبكيتا. هـ ل م: قوله تعالى: ﴿هلم إلينا﴾ [الأحزاب:١٨] هلم بمعنى إئت. وتكون اسم فعل عند

стр. 1650

أهل الحجاز، وفعلًا عند تميمٍ فعلى الأول لا يبرز معها ضمير تثنية ولا جمع، بل يستوي لفظها في ذلك. وبهذه اللغة نزل القرآن. وعلى الثانية يبزز معها ذلك فيقال: هلما، هلموا. واختلف فيها هل هي مركبة أم لا؟ ومن قال بتركيبها اختلفوا أيضًا فقيل: أصلها هالم؛ ها للتنبيه ولم يفعل أمرٍ بمعنى أصلح، فحذفت ألف ها تخفيفًا وركبا. وحدث فيها معنى الأمر بالإسراع. وقيل: أصلها هل أم؛ هل استفهام وأم أمر من أم، أي قصد. والأصل هل لك ذلك في كذا؟ فأمه أي اقصده، فركبا، وحدث ذلك المعنى. وقد حققت ذلك في غير هذا. فصل الهاء والميم هـ م د: قوله تعالى: ﴿وترى الأرض هامدًة﴾ [الحج:٥] أي جافًة يابسًة لا نبات بها. وأصل الهمود السكون والخشوع والبلى. ومنه: همد الثوب، أي بلي. وأنشد للأعشى: [من الكامل] ١٧٤٦ - قالت قتيلة: ما لجسمك شاحبًا ... وأرى ثبابك بالياتٍ همدا؟ وهمدت النار: طفئت. والإهماد أيضًا: الإقامة، كأنه صار ذا همدٍ. وقيل: الإهماد: السرعة. قال الراغب: فإن يكن ذلك صحيحًا فهو كالإشكاء في كونه تارًة لإزالة الشكوى وتارًة لإثبات الشكوى، يعني في قولهم: أشكيته يجوز أزلت شكايته، ويجوز صيرته ذا شكايةٍ. وفي الحديث: "حتى كاد يهمد من الجوع" أي يهلك. فعبر عن الهلاك بلازمة، وهو سكون الحركة. هـ م ر: قوله تعالى: ﴿بماءٍ منهمرٍ﴾ [القمر:١١] الهمر: صب الماء والدمع. يقال:
следующие страницы →