← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

١٧٣٩ - إذا دعانا فأهطعنا لدعوته ... داعٍ سميع فلقونا وساقونا فهذا بمعنى أسرعنا. ويقال: هطع وأهطع. وقال الأخفش: الإهطاع هو الإقبال على الإصغاء. وأنشد: [من الوافر] ١٧٤٠ - بدجلة دراهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع فصل الهاء واللام هـ ل ع: قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا﴾ [المعارج:١٩] قيل: مفسرة بما بعده. وعن ثعلبٍ: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ قلت: قد فسره الله تعالى، ولا يكون أبين من تفسيره؛ وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع، وإذا ماله خير بخل به ومنع. وقيل: هو الفزع والاضطراب الشديد، من قولهم: ناقة هلواع، أي سريعة السير. وقيل: "هلوعًا" ضجورًا لا يصبر على المصائب. وقيل: هو الذي يفزع ويجزع من الشر ويحرص ويشح على المال. وفي الحديث: "من شر ما أعطي العبد شح هالع وجبن خالع" الهلع أشد الجزعٍ. والمعنى شح يحزنه وجبن يخلع قلبه. هـ ل ك، قوله تعالى: ﴿وجعلنا لمهلكهم موعدًا﴾ [الكهف:٥٩] أي لوقت هلاكهم. وقرئ بكسر اللام وفتحها مع ضم الميم، أي لوقت إهلاكهم. قال بعضهم: الهلاك على أربعة أوجه: أحدها افتقاد الشيء عنك وهو موجود عند غيرك. ومنه: ﴿هلك عني سلطانيه﴾

стр. 1647

[الحاقة:٢٩]. والثاني هلاك الشيء باستحالةٍ وفسادٍ كقوله: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة:٢٠٥]. والثالث الموت، نحو: ﴿إن امرؤ هلك﴾ [النساء:١٧٦]، و ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ [الجاثية:٢٤]، ﴿حتى إذا هلك قلتم﴾ [غافر:٣٤]. قال الراغب: لم يذكر الله تعالى الموت بلفظ الهلاك حيث لم يقصد الذم إلا في هذا الموضع. يعني ﴿إن امرؤ هلك﴾. وفي قوله: ﴿حتى إذا هلك قلتم لن ينبعث الله من بعده رسولا﴾. الرابع بطلان الشيء من العالم وعدمه رأسًا، وذلك هو المسمى فناء كقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص:٨٨]. وقد يطلق الهلاك على العذاب والخوف والفقر ونحوها لأنها أسبابه كقوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية﴾ أي عذبناها. وقوله تعالى: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف:٣٥] أي يعذب عذاب اسئصالٍ، وهو الهلاك الأكبر الذي أشار إليه ﵊ بقوله: "لا شر كشر بعده النار". قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥]. قيل: التهلكة ما يؤدي إلى الهلاك. والهلوك: المرأة المتمايلة في مشيها، كأنها تتهالك في مشيها، كما قال الشاعر: [من الطويل] ١٧٤١ - مريضات أوبات التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا وكني عن الفاجرة بالهلوك لتمايلها. والهلك: الهلاك والشيء الهالك أيضًا. ومن الأول قول الشاعر: [من الطويل] ١٧٤٢ - فما كان قيس هلكه هلك واحدٍ ... ولكنع بنيان قومٍ تهدما

стр. 1648

والهالكي: الحداد، وأصله من قبيلة هالكٍ، فسمي كل حدادٍ هالكيًا. وفي حديث أبي هريرة: "إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم" يروى برفع الكاف على أنه فعل ذلك هو أكثرهم هلاكًا، وإذا كان كذلك كان أيأسهم لله تعالى. هـ ل ل: قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة:١٧٣] أي صرح باسمٍ غير الله عند ذبحه كما كانت الجاهلية يفعلون عند ذبح نسائكهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى. والإهلال: رفع الصوت. ومنه استهل الصبي. ومنه: "لا يوزث الصبي حتى يستهل صارخًا". وأهل بالحج: إذا رفع صوته بالتلبية به قيل: وأصل ذلك من الهلاك، لأنهم إذا رأوه صرخوا برؤيته، ورفعوا أصواتهم بها. قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ [البقرة:١٨٩] هي جمع هلالٍ، وأفعلة يلزم في فعال وفعال معتلي اللام أو مضعفين، نحو خباءٍ وأخبيةٍ، وزمام وأزمةٍ. وقد ندر عنان وعننٍ وحجاج وحجج حسبما بيناه في غير هذا الموضوع. قيل: ولا يقال: هلال إلا لأول ليلةٍ والثانية، ثم هو قمر بعد ذلك. قال الراغب: ولا يقال له هلال. وقال الهروي: والقمر إذا بدا رقيقًا في أول الشهر يقال له في الثلاث الأول هلال، وهذا مخالف لما قدمته. وقال أبو الهيثم: يقال له هلال لليلتين من أول الشهر ولليلتين من آخره، وما بين ذلك فهو قمر. وقال الأصمعي: يقال له هلال إلى أن يحجر، ويحجر إلى أن يستدير له كالخيط الرقيق. وقيل: يسمى هلالًا إلى أن يقهر ضوؤه سواد الليل. قالوا: وذلك إنما يكون في سبع ليالٍ. قيل: والهلال مصدر في الأصل، سمي به هذا الكوكب، فيقال: هل الهلال هلالًا. ويقال: أهل الهلال واستهل، مبنيين للفاعل تارة وللمفعول أخرى. ومن الأول قول الشاعر: [من الوافر]

стр. 1649

١٧٤٣ - وشهر مستهل بعد شهرٍ ... وحول بعده حول جديد ويقال: أهللناه واستهللناه. ويقال له بدر من الثالثة عشر إلى الرابعة عشر. قال أبو العباس: إنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه. ومن أسائه الربرقان. ودراته التي حوله يقال لها الهالة، وضوؤه يقال له الفخت وظله السمر. ولذلك سمي المتحدثون في ضوئه سمارًا، ثم أطلق ذلك على كل متحدث ليلًا. وانهل المطر انصب انصبابًا شديدًا. والمطر يسمى هللا وأهلولًا. وأنشد لأمرئ القيس: [من الهرج] ١٧٤٤ - لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل؟ هـ ل: قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ [الإنسان:١] هل: في الأصل حرف استفهامٍ بمعنى الهمزة، وبينهما فرق، وقد ذكرته في غير هذا الموضع. وقيل: معناها هنا: قد أتى. واستشهد بدخول حرف الاستفهام عليها في قول الشاعر: [من البسيط] ١٧٤٥ - سائل فوارس يربوعٍ بجملتها ... أهل رأونا بوادي القف ذي الأكم؟ وقيل: هي على بابها من الاستفهام، وتقدير القولين في "الدر المصون". وتأتي بمعنى النهي كقوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩١] أي انتهوا، ونفيًا كقوله تعالى: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف:٣٥] أي ما يهلك. قال بعضهم: وتكون شرطًا، وتكون تنبيهًا وتبكيتا. هـ ل م: قوله تعالى: ﴿هلم إلينا﴾ [الأحزاب:١٨] هلم بمعنى إئت. وتكون اسم فعل عند

стр. 1650

أهل الحجاز، وفعلًا عند تميمٍ فعلى الأول لا يبرز معها ضمير تثنية ولا جمع، بل يستوي لفظها في ذلك. وبهذه اللغة نزل القرآن. وعلى الثانية يبزز معها ذلك فيقال: هلما، هلموا. واختلف فيها هل هي مركبة أم لا؟ ومن قال بتركيبها اختلفوا أيضًا فقيل: أصلها هالم؛ ها للتنبيه ولم يفعل أمرٍ بمعنى أصلح، فحذفت ألف ها تخفيفًا وركبا. وحدث فيها معنى الأمر بالإسراع. وقيل: أصلها هل أم؛ هل استفهام وأم أمر من أم، أي قصد. والأصل هل لك ذلك في كذا؟ فأمه أي اقصده، فركبا، وحدث ذلك المعنى. وقد حققت ذلك في غير هذا. فصل الهاء والميم هـ م د: قوله تعالى: ﴿وترى الأرض هامدًة﴾ [الحج:٥] أي جافًة يابسًة لا نبات بها. وأصل الهمود السكون والخشوع والبلى. ومنه: همد الثوب، أي بلي. وأنشد للأعشى: [من الكامل] ١٧٤٦ - قالت قتيلة: ما لجسمك شاحبًا ... وأرى ثبابك بالياتٍ همدا؟ وهمدت النار: طفئت. والإهماد أيضًا: الإقامة، كأنه صار ذا همدٍ. وقيل: الإهماد: السرعة. قال الراغب: فإن يكن ذلك صحيحًا فهو كالإشكاء في كونه تارًة لإزالة الشكوى وتارًة لإثبات الشكوى، يعني في قولهم: أشكيته يجوز أزلت شكايته، ويجوز صيرته ذا شكايةٍ. وفي الحديث: "حتى كاد يهمد من الجوع" أي يهلك. فعبر عن الهلاك بلازمة، وهو سكون الحركة. هـ م ر: قوله تعالى: ﴿بماءٍ منهمرٍ﴾ [القمر:١١] الهمر: صب الماء والدمع. يقال:

стр. 1651

همرت الماء فانهمر، وهمرت الدمع، وهمرت ما في ضرع الشاة من اللبن، أي حلبته كله. وهمر الرجل في كلامه، أي أكثر الرجل، فهو مهمار، نحو مضرابٍ. وفلان يهامر الشيء، أي يجرفه. ومنه: همر له من ماله، أي أعطاه بكبشٍ. وقال الشاعر: [من الرجز] ١٧٤٧ - راح بمرية الصبا ثم انتحى ... فيه شابيب جنوبٍ منهمر هـ م ز: قوله تعالى: ﴿ويل لكافر همزةٍ﴾ [الهمزة:١] الهمز كالعصر، ومنه: همزت الشيء في كفي، أي عصرته. ثم عبر به عن الاغتياب. والهمزة: الكثير الهمز كالهماز في قوله: ﴿همازٍ مشاء بنميمٍ﴾ [القلم:١١]. وعن ابن الأعرابي: الهماز: المغتاب بالغيب، واللماز: المغتاب بالحضرة. قال الشاعر: [من البسيط] ١٧٤٨ - وإن اغتيب فأنت الهامز اللمزه وعن شهر بن حوشب عن ابن عباسٍ في تفسيره قال: هو المشاء بالنميمة، المفرق بين الجماعة، المغري بين الأحبة. قوله تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ [المؤمنون:٩٧] أي نزعاتهم وما يوسوسون به. وأصله من الهمز، وهو الدفع. ومنه الحديث: "أما همزه فالموتة" وقال أبو عبيد: الموتة الجنون: سماه همزًا لأنه حصله من النخس والغمز. وكل شيءٍ غمزته فقد دفعته. هـ م س: قوله تعالى: ﴿فلا تسمع إلا همسًا﴾ [طه:١٠٨] جاء في التفسير: إنه صوت الأقدام حين يمشون إلى المحشر. وأصل الهمس الصوت الخفي، وهمس الأقدام أخفى

стр. 1652

ما يكون من صوتها. ومنه همس الإبل كقول الشاعر: [من الرجز] ١٧٤٩ - وهم يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا وقيل: هو تحريك الشفتين دون نطقٍ، والأول أشهر. ومنه الحروف المهموسة، وهي مجموعة في قولك: سكت فحثه شخص، حسبما بيناه في "العقد النضيد". ومنه تسميتهم الأسد هموسًا لأنه يمشي بخفة فلا يسمع صوت وطئه. وفي الحديث: "كان يتعود من همز الشيطان ولمزه وهمسه". قال الليث: والهمز كلام من وراء القفا، واللمز مواجهة. والشيطان يوسوس فيهمس بوسواسه في صدور بني آدم. وقال أبو الهيثم: إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام. هـ م م: قوله تعالى: ﴿ولقد همت به﴾ [يوسف:٢٤] أي عزمت وقصدت. وقال أبو حاتم: كنت أقرأ كتاب "غريب القرآن" على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير كأنه قال: ولقد همت و ﴿لولا أن رأى برهان ربه﴾ لهم بها. قلت: وما قاله حسن جدًا، وقد بينا ذلك في موضعه في كتابنا المشار إليه غير مرةٍ. وقال ثعلب: أي همت زليخة بالمعصية مصرة، وهم يوسف ولم يواقع ما هم به، فبين الهمين فرق. قيل: أوصل ذلك من الهم وهو الحزن الذي يذيب الإنسان. يقال: هممت الشحم فأنهم، أي أذبته فذاب. فالهم الذي تهم به نفسك يكاد يذيبك حتى تفعله. ومن ثم قال الشاعر: [من الطويل] ١٧٥٠ - وهمك ما لم تمضه لك منصب وقوله تعالى: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ [آل عمران:١٥٤] أي حملتهم.

стр. 1653

يقال: أهمني كذا، أي حملني على أن أهم به. وقوله: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ [التوبة:٩٧] جاء في التفسير أن رجالًا عزموا على أن يغتالوا النبي ﷺ . وقعدوا له في الطريق، فأطلعه الله تعالى، فأمر بتنحيتهم وسماهم رجلًا رجلًا. وفي الحديث: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وهمام، لأنه ما من أحد إلا وهو يهم بأمرٍ رشد أو غوي" وفي شعر سطيحٍ: [من البسيط] ١٧٥١ - شمر فإنك ماضي الهم شمير أي ماضي العزم. وفي الحديث: "من شر كل شيطان وهامة". قيل: الهامة: الحية وكل ذي سم قاتل، وما يقتل منها فهو سامة كالعقرب والزنبور وشبههما، والجمع الهوام والسوام والقوام. فالهوام والسوام تقدما، والقوام: دواب الأرض التي ليست بذي سم البتة كالقنافذ واليرابيع والخنافس والفئران. وقد يطلق الهوام على القمل، ومنه الحديث: "أتؤذيك هوام رأسك" قيل لها ذلك لأنها تهم في الرأس وتدب. وتهممم رأسه أي فلاه من الهوام. والهامة في قولهم: "نعم الهامة هذا" هو الفرس. هـ م ن: قوله: ﴿ومهيمنا عليه] [المائدة:٤٨] أي رقيبًا وشاهدًا. وقيل: مؤتمنًا. والمهيمن في قوله تعالى: ﴿المؤمن المهيمن﴾ [الحشر: ٢٣] أي الرقيب الحافظ. وقد

стр. 1654

زل المبرد فجعله تصغير مؤمن؛ فإن الأصل مؤيمن فأبدل الهمزة هاء كهرقت ونحوه. وهذا خطأ محض، والقول به سفه لأن التصغير لا يرد في أسماء الله تعالى، بل ولا في كل اسمٍ معظمٍ شرعًا كأسماء الأنبياء. وقد كتب ذلك. .. فكتب إليه أن اتق الله وارجع عن هذا فإنه كفر وقد بينا هذه الحكاية مطولة في غير هذا. وقال بعضهم: هو من أسماء الله تعالى القديمة في الكتب. وفي شعر العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه يمدح رسول الله ﷺ : [من المنسرح] ١٧٥٢ - حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خنذف، علياء تحتها النطق قال القتيبي معناه احتويت يامهيمن من خندف علياء؛ يريد به النبي ﷺ ، فأقام البيت مقامه لأن البيت إذا حل بهذا المكان فقد حل به صاحبه، وأراد ببيته شرفه. والمهيمن من نعته كأنه قال: حتى احتوى شرفك الشاهد على شرفك علياء الشرف من نسب ذوي خنذف التي تحتها النطق، وهي أوساط الجبال العالية. وفي حديث عمر: "إني داعٍ فهيمنوا" يريد أمنوا، فأبدل الهمزة هاًء وإحدى اليمين ياًء. فصل الهاء والنون هـ ن أ: قوله تعالى: ﴿فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء:٤] الهنيء: كل ما ليس فيه مشقة ولا تعب. وقيل في التفسير: أي أكلًا هنيئًا يطيب الأنفس. وقيل: الهنيء: أكل كل ما لا تنغيص فيه ولا تعقبه وخامة. يقال: هنؤ فهو هنيء، نحو ظرف فهو ظريف. قال كثير عزة: [من الطويل]

стр. 1655

١٧٥٣ - هنيئًا مريئًا غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت ويقال: هنأه الطعام ومرأه. وإذا أفرد مرأ لم يقل إلا امرأة، وإنما ترك همزه للمشاكلة نحو: أخذه ما قدم وما حدث، حسبما بيناه في "إيضاح السبيل" وغيره. على أنه قد نقل أبو العباس عن ابن الأعرابي أنه يقال: هنأني وأهنأني، ومرأني وأمرأني، ولا يقال: مرني. والهناء: ضرب من القطران تطلى به الإبل من جربها. قال: [من الكامل] - يضع الهناء مواضع النقب وقد هنأت الإبل فهي مهنوءة. وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل] ١٧٥٤ - أيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغفت المهنوءة الرجل الطالي وقد هنأت البعير أهنوه وأهنتئه؛ لغتان فصيحتان. وقيل: الهنيء في الآية ما لا إثم فيه. وقد تقدم الكلام على "مريئًا". هـ ن أ: قوله تعالى: ﴿هنالك الولاية﴾ [الكهف:٤٤] هنا: ظرف مكان لا يتصرف غالبًا، وهو من أسماء الإشارة، ولا يشار به إلا للأمكنة. وقد يشار به للزمان عند بعضهم في قوله تعالى: ﴿هنالك ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب:١١]. وجعل من ذلك قول الآخر: [من الكامل] ١٧٥٥ - وإذا الأمور تعاظمت وتشاكلت ... فهناك يعترفون أين المفزع؟ والصحيح أنه باقٍ على مكانيته. وحكمه في القرب والبعد والتوسط حكم ذا. فهنا للمكان القريب، وهناك للمتوسط، وهنالك للبعيد، وبمعنى البعيد هنا. وهنا - بكسر الهاء مع التشديد - وهنت وثم. وله موضع هو أليق به من هذا. وقريب من هذه المادة الهن، وهو الفرج. وقيل: كل ما لا يراد التصريح بذكره.

стр. 1656

والمشهور فيه إعرابه منقوصًا لقوله ﵊: "فأعضوه بهن أبيه". وقد يعرب بالأحرف الثلاثة كالأب. وقد تسكن نونة منقوصًا كقوله: [من السريع] ١٧٥٦ - وقد بدا هنك من المئزر أراد هنك. وفي فلانٍ هنات، أي خصل رذيلة. فصل الهاء والواو هـ ود: قوله تعالى: ﴿والذين هادوا﴾ [البقرة:٦٢] أي رجعوا وتابوا. والهود: الرجوع برفقٍ. التهويد: وهو المشي كالدبيب. وصار الهود في التعارف التوبة كقوله تعالى: ﴿إنا هدنا إليك﴾ [الأعراف:١٥٦] أي تبنا. وقيل: سكنا. ومنه الهوادة: وهي السكون والموادعة، ومنه الحديث: "لا تأخذه في الله هوادة". قال بعضهم: يهود في الأصل من قوله: ﴿إنا هدنا إليك﴾ وكان اسم مدحٍ، ثم صار بعد نسخ شريعتهم [لازمًا لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أن النصارى في الأصل من قوله]: ﴿نحن أنصار الله﴾ [آل عمران:٥٢] ثم صار لازمًا بعد نسخ شريعتهم. قال الراغب: ويقال: هاد فلان: إذا تحرى فعل اليهود. ومنه قوله تعالى: ﴿والذين هادوا﴾. قال: والاسم العلم قد يتصور منه ما يتعاطاه المسمى به، أي المنسوب إليه، ثم يشتق منه نحو قولهم: تفرعن فلان وتطفل: إذا فعل فعل فرعون في الجوز وفعل طفيلٍ في إتيان الدعوات من غير استدعاء. وتهود في مشيته: إذا مشى مشيًا

стр. 1657

رفيقًا تشبيهًا باليهود في حركتهم عند القراءة. وكذا: هود الرائض الدابة: سيرها برفقٍ. وقال غيره في قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفرٍ﴾ [الأنعام:١٤٦] أي دخلوا في دين اليهودية. وهو موافق لما ذكره في قوله تعالى: ﴿كونوا هودًا أو نصارى﴾ [البقرة:١٣٥] قيل: هو جمع هائدٍ. وقيل: أصله تهود، فحذفت تاؤه. نقله الهروي وهو غريب. ويهود في الأصل منقول من الفعل المضارع نحو يزيد ويشكر. فامتناعه من الصرف يحتمل أن يكون للوزن والعلمية، أو للتأنيث والعلمية باعتبار القبيلة. ويرجحه فعله المسند إليه في قول الشاعر: [من الكامل] ١٧٥٧ - قرت يهود وأسلمت جيرانها ولنا فيه كلام أكثر من هذا وهود: اسم النبي المشهور؛ قال الراغب: وهود جمع هائد في الأصل، أي تائب. وهو اسم نبي ﵇. هـ ور: قوله تعالى: ﴿على شفا جرفٍ هارٍ﴾ [التوبة:١٠٩] أي ساقط متداعٍ. يقال: هار البئر يهور، وهار البناء يهور: إذا تداعى وسقط. والأصل: هاور، فقلبت الكلمة بأن قدمت لأمها وأخرت عينها فأعلت إعلال المنقوص نحو شاكٍ ولابٍ، من شوكة السلاح ولوب الغمامة. ويقال: لاقلب فيه. وإنما حذفت العين، ولذلك أعرب كالصحيح. يقال هذا بناء هارا، ونقضت بناًء هارًا. وقد نطق بالأصل فقيل: هائر كقائمٍ. وفي حديث خزيمة في ذكر السنة: "تركت المخ زارًا والمطي هارًا" أي تساقطًا ضعيفًا أمه شدة الزمان. قوله ﴿فانهار به﴾ [التوبة:١٠٩] أي سقط. يقال: انهار الرجل فهو منهارٍ، أي سقط من مكانٍ عالٍ. ورجل هارٍ، وبئر هائر. وهائر في أمره، أي ضعيف، تشبيهًا بالبئر الغائر. وتهور الليل: ذهب أكثره، ومنه الحديث: حتى "تهور الليل" أي انهزم ومضى

стр. 1658

أكثره كما يتهور البناء. وقيل: زفور: اشتد ظلامه. ويقال: تهير؛ قال هالراغب: فهذا من الياء. ولو كان لقيل: ميهور، يعني لو كان من الواو لقيل تهوريتهور. انتهى. وما قاله ليس بلازمٍ لجواس أن يكون وزنه تفعيل لا تفعل. والأصل تهيور فأدغم. وهذا نحو متحير والأصل متحيور. وكذلك ديار والأصل ديوار على ما أتقناه في "الدار" وغيره. ويقال: تهور وتوهر - بقلب العين قبل الفاء. وفي حديث آخر: "ومن أطاع فلا هوارة عليه" أي لا هلاك. يقال: اهتور فلان، أي هلك. وفي حديث آخر: "من اتقى الله وفي الهورات" أي الهلكات الواحدة هورة. هـ ون: قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان:٦٣] الهون: الترفق والتثبت، أي يمشون بسكينة ووقارٍ، لا أشرًا وتجبرًا. والهون والهوان: اللين والرفق. و"هونًا" في الآية إما حال، وإما نعت مصدرٍ مقدرٍ، أي ذوي هونٍ، أو مشيًا ذا هونٍ. وقول أمير المؤمنين علي ﵁: "أحبب حبيبك هونًا ما" أي حبًا قصيرًا لا إفراط فيه. وقال بعضهم: الهوان على وجهين: أحدهما تذلل الإنسان من نفسه لما لا يلحقه من غضاضةٍ فيمدح به كقوله تعالى: ﴿الذين يمشون على الأرض هونًا﴾، وكقوله ﵊: "المؤمن هين لهين". عذاب الهون﴾ [الأنعام:٩٣] ﴿ومن يهن الله فما له من مكرمٍ﴾ [الحج:١٨] وقيل: فلان يمشي الهوينا، هي تصغير الهونى، والهونى تأنيث الأهون، نحو الفضلى تأنيث الأفضل. وقولهم: "امض على هينتك" من ذلك، كأنه فعلة من الهون، فقلبت الواو بانكسار الفاء نحو ديمة. وقال ابن الأعرابي في قوله ﵊: "المؤمنون

стр. 1659

هينون لينون": العرب تمدح بالهين مخففًا، وتذم بالهين اللين مثقلًا. وقال غيره: واحد وهو الصحيح، والأصل التثقيل. وهذا نحو ميتٍ وميتٍ. والهاوون من ذلك، لأن فيه تسهيل أمر الحاجات. قال بعضهم: هو فاعول، من الهون. ولا يقال: هاون لأنه ليس في كلامهم فاعل. هـ وي: قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم:١] أي سقط. قيل: عنى الثريا. وقيل: أراد نجوم القرآن، فيكون هوى بمعنى ترك. وهذا من باب تحسين اللفظ، وإلا فالسقوط والنزول مقاربا. ويقال: هوى يهوي: سقط، وهوي - بالكسر - يهوى - بالفتح - أي مال وأحب. قال تعالى: ﴿بما لا تهوى أنفسكم﴾ [البقرة:٨٧] أي تميل وتحب. ومنه الهوى. ومنه ميل النفس إلى الشيء ومحبتها إياه. وقد غلب على الميل المذموم. قال تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ [النازعات: ٤٠]. قال بعضهم: وهو على الإطلاق مذموم، ثم يضاف إلى مالا يذم، فيقال: هواي مع صاحب الحق، أي ميلي. وقال الشاعر: [من الطويل] ١٧٥٨ - هواي مع الركب اليمانين مصعد ... حبيب وجثماني بمكة موثق وقيل: الهوى ميل النفس إلى الشهوة. وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية. وقد عظم الله تعالى ذم إتباع الهوى في قوله: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ [الجاثية:٢٣]، أي ما تميل إليه نفسه، والأصل: من اتخذ هواه إلهه، لما بيناه في غير هذا. قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ [البقرة:١٢٠]، إنما جمع لأن لكل واحد هوى غير هوى الآخر. ثم هوى كل واحدٍ منهم

стр. 1660

لا ييناهى. فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة. قوله تعالى: ﴿فأمه هاوية﴾ [القارعة:٩] يعني بها النار. وقيل: هي اسم طبقة من طباق جهنم، أعادنا الله منها. سميت بذلك لهوي صاحبها فيها على أم رأسه. فيجوز أن يكون كقوله: ﴿عيشةٍ راضيةٍ﴾ [الحاقة:٢١] أي ذات هوى. ويقال: الهوي، بالضم: ذهاب في انحدارٍ. والهوي، بالفتح: ذهاب في ارتفاعٍ. وأنشد: [من الكامل] ١٧٥٩ - يهوي محارمها هوي الأجدل قوله تعالى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ [إبراهيم:٤٣] أي قلوبهم خالية من الجزع. ومنه قول جريرٍ: [من الكامل] ١٧٦٠ - ومجاشع قصب هوت أجوافهم ... لو ينفخون من الخؤورة طاروا وقال حسان ﵁: [من الوافر] ١٧٦١ - فأنت مجوف نخب هواء وقال زهير: [من الوافر] ١٧٦٢ - كأن الرحل منها فوق صعلٍ ... من الظلمان جؤجؤه هواء وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ١٧٦٣ - وصدر هواءٍ تحت صلبٍ كأنه ... من الهضبة الحلفاء حلو ومصعب والهواء: ما بين السماء والأرض. قال الراغب: وعلى ذلك حمل قوله تعالى:

стр. 1661

﴿وأفئدتهم هواءٍ﴾ [إبراهيم:٤٣] أي هي بمنزلة الهواء من الخلاء. قوله تعالى: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ [إبراهيم:٣٧] أي تميل وتنزع بمنزلة من سقط لشدة محبتهم له. وقرئ بفتح الواو. وخرجت على تضمين تميل. قوله تعالى: ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ [النجم:٥٣] أي أهلك وأسقط. والأصل في قولهم: أهواه: رفعه في الهواء وأسقطه. المهوى: الحفرة التي يهلك من يهوي فيها. وهم يتهاون أي يتساقطون في الهواء. قوله تعالى: ﴿كالذي استهوته الشياطين﴾ [الأنعام:٧١] أي ذهبت به. وقيل: استمالته وأضلته فهوى، أي أسرع إلى ما دعته إليه. قوله: ﴿أو تهوي به الريح﴾ [الحج:٣١] أي تمر به مرًا سريعًا. وفي الحديث: "إذا عرستم فتجنبوا هوي الأرض". الهوي جمع هوةٍ وهي الحفيرة. ووصفت عائشة ﵂ أباها فقالت: "وامتاح من المهواة" أرادت البئر القعيرة؛ تريد ما فتحه من البلاد، وحصله من الفيء والغنائم. فصل الهاء والياء [هـ ي أ]: قوله تعالى: ﴿وهيئ لنا من أمرنا رشدًا﴾ [الكهف:١٠]. هـ ي ت: قوله تعالى: ﴿هيت لك﴾ [يوسف:٢٣]. هيت اسم فعلٍ بمعنى أقبل وتعال. وقرئ "هيت" بكسر الهاء وفتحها مع فتح التاء للخطاب، و"هئت" مهموزًا مع ضمة التاء للمتكلم، أي تهيأت لك. وفي الحرف لغات وقراءات أوضحتها في غير هذا من

стр. 1662

الكتب المشار إليها غير مرة. هـ ى هـ ت: قوله تعالى: ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾ [المؤمنون:٣٦]. هيهات: اسم فعلٍ ماضٍ معناه بعد، ويرفع الظاهر كقول الشاعر: [من الطويل] ١٧٦٤ - فهيهات هيهات العقيق وأهله ... وهيهات خل بالعقيقٍ نواصله أي بعد، وفيه لغات، وهو مفرد مطلقًا، أي سواء وقف عليه بالتاء أو بالهاء. وقد قرئ بهما جميعًا. ومنهم من قال: إن وقف عليه بالتاء كان جمعًا على حد مسلمات وإن وقف عليه بالهاء كان مفردًا على حد مسلمة. وفرق أبو علي بينهما أيضًا في الجمع والإفراد لوجهٍ آخر فقال: المكسور جمع للمفتوح، يعني أنك إذا قلت: هيهات - بكسر التاء - كان جمعًا لهيهات بفتحها. وغيره يجعل ذلك من باب اللغة لا من باب الإفراد والجمع. وقال أبو عبيد صاحب "الغريبين": من وقف على هيهات بالهاء فاصلة هاهي يهاهي هيهاة. وهو حث على السير. وزعم الزجاج أنه مصدر بمعنى البعد، أي البعد لما توعدون. قال بعضهم: غلط الزجاج واستهواه اللام؛ بمعنى أنه لما رأى لام الجر بعد هذه اللفظة اعتقد كونها اسمًا. وقدره من غلطه بأن تقديره بعد الأمر لما توعدون. فجعل الفاعل مضمرًا، وفسره بالأمر. وقال بعضهم: هيهات كلمة تستعمل لتبعيد الشيء، وصرف منها فعلًا فقال: هيهت هيهًا وهيهاتًا. ويقال بالفتح والكسر وهيهاتًا بالتنوين. وقد مر أن أبا علي جعل المكسور جمعًا للمفتوح. ويقال: أيهات وإيهات، وكأنها بدل من الماء، كما أبدلت هي منها في هياك.

стр. 1663

هـ ي ج: قوله تعالى: ﴿ثم يهيج فتراه مصفرًا﴾ [الزمر:٢١] أي ثم يطول. يقال: هاج البقل، أي طال واصفر. وأصل الهيجان شدة الحركة. وذلك كقولهم: هاج الفحل، وهاج البعير وهيجته: أثرته. وهاج الدم: إذا تموع. وهيجته وهجته بمعنى، وأنشد: [من الطويل] ١٧٦٥ - أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق وهيجت الحرب، والحرب الهيجاء؛ يمد ويقصر. فمن المد قول الشاعر: [من الرجز] ١٧٦٦ - لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء ١٧٦٧ - لباسًا إلى الهيجا جلالها هاج الشيء هيجًا وهيجانًا. وفي حديث علي: "لا يهيج على التقوى زرع قومٍ" قيل: معناه من عمل الله لم يفسد عمله ولم يبطل كما يهيج النبت ويبطل. هـ ي ل: قوله تعالى: ﴿كثيبًا مهيلًا﴾ [المزمل:١٤] أي مصبوبًا سائلًا لا يتماسك. يقال: هلت الرمل أهيله هيلًا فهو ميل، وهيلته: أرسلته إرسالًا. وأهلته لغة في هلته. وفي حديث الخندق: "فعادت كثيبًا أهيل"، أي سيالًا.

стр. 1664

هـ ي م: قوله تعالى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ [الواقعة:٥٥] جمع أهيم. والأهيم: الذي لا يروى من شدة العطش. وهو الكثيب من الرمل. قال بعض المفسرين: الهيم: الرمال التي لا ترويها ماء السماء. يقال: كثيب أهيم، وكثبان هيم. هذا قول بعض المفسرين. وقال أهل اللغة: الهيم: الإبل التي يصيبها داء، يقال لها الهيام من العطش، فلا تروى من الماء حتى تموت. واحدها أهيم وهيمان. ومنه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: "أن رجلًا باعه إبلًا هيمًا" أي مراضًا، لأنها تمص الماء مصًا فلا تروى. ورجل أهيم وهيمان: شديد العطش. وأنشد: [من الطويل] ١٧٦٨ - لئن كان برد الماء هيمان صاديًا ... إلى حبيبًا إنها لحبيب وفي الحديث: "اغبرت أرضنا وهامت" أي عطشت. والهيام من الرمل اليابس، كأنه به عطشًا؛ نقلته من الراغب. ويستعار ذلك لمن اشتد به العشق فيقال: هام فلان بفلانةٍ، ولمن تحير في أمره فذهب على وجهه لا يدري أين يذهب؟ يقال: هام على وجهه. ومنه قوله تعالى: ﴿ألم ترأنهم في كل وادٍ يهيمون﴾ [الشعراء:٢٢٥] أي يذهبون في مذاهب القول مدحًا وذمًا، فلا يقتصرون على قول الحق في ذلك. وعن الحسن: "قد رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها في مديح هذا مرة وفي هجاء هذا مرة". ١٧٦٩ - فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام قال هشام: قد أقررت على نفسك فنحدك. فقال: يا أمير المؤمنين: قد درأ الله

стр. 1665

الحد عني. فقال: وأين درأ عنك الحد؟ فتلا قوله تعالى: ﴿ألم ترأنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون﴾. فضحك وتركه. ومنه أيضًا ما جاء في الحديث: "كان ابن عباسٍ أعلم الناس بالقرآن. وكان علي أعلم بالمهيمات" أي دقائق المسائل التي تهيم الإنسان، أي تحيره. ويروى: "بالمهيمنات أي بالقضايا، لأن القضاة يقومون بها. والمهيمن على الشيء: القائم به. وقد تقدم ذكره في مادة (هـ م ن) فأغنى عن إعادته. هـ أ: قوله تعالى: ﴿ها أنتم﴾ [آل عمران:٦٦] ها: حرف تنبيهٍ يدخل على أسماء الإشارة نحو: هذا وهذه وهؤلاء. وتدخل على سائر أسماء الإشارة إلا فيما اتصل منها باللام، فلا يقال: ها ذلك. وقد يجاء مع الكاف وحدها نحو: ها ذاك. وأنشد لطرفة بن العبد: [من الطويل] ١٧٧٠ - رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل ها ذاك الطراف المدد وتفصل من أسماء الإشارة بضمائر الرفع المنفصلة نحو: ﴿ها أنتم أولاء تحبونهم﴾ [آل عمران:١١٩]. وقد يعاد توكيدًا كقوله تعالى: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم﴾ [النساء:١٠٩] فها الثانية توكيد للأولى، وحسن ذلك الفصل وفيه نظر؛ لأنه لا يؤكد الحرف إلا بإعادة ما دخل عليه، أو بإعادة ضميره إلا في ضرورةٍ، أو يكون حرف جوابٍ. وقد تحذف ألف ها تخفيفًا نحو قراءة من قرأ: "هأنتم" بالقصر وقيل: الهاء بدل من همزة الاستفهام، والأصل أأنتم. وفي هذا الحرف قراءات كثيرة، وتوجيهاتها صعبة، قد اضطرب كلام الناس فيها. وقد أتقنا بحمد الله تعالى ذلك كله في "الدر المصون" و"الدر النضيد".

стр. 1666

وقد يفصل ها التنبيه من اسم الإشارة بغير ضمائر الرفع المنفصلة كقول النابغة: [من البسيط] ١٧٧١ - ها إن ذي عذرة إلا تكن قبلت ... بأن صاحبها قد تاه في البلد وأنشد سيبويه: [من البسيط] ١٧٧٢ - تعلمن ها - لعمر الله - ذا قسمًا ... * فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك؟ الأصل أن هذه عذرة، ولعمر الله هذا قسمًا.

стр. 1667

باب الواو الواو: تكون عاطفة، وتنفرد عن أخواتها العواطف بأحكامٍ مذكورةٍ في كتب النحو، وتكون للحال، وعلامتها أن يصلح موضعها "إذا"، نحو: جاء زيد والشمس طالعة. وتكون حرف جر في القسم، نحو: والله لأقومن، نيابة عن الباء. ولا تجر إلا الظاهر، ولا يظهر معها فعل القسم بخلاف أصلها. وتكون حرفًا أيضًا نيابًة عن "رب" كقول امرئ القيس: [من الطويل] ١٧٧٣ - وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي وهل الجر بها أو برب؟ قولان. وتكون استئنافا؛ قالوا: كالواو التي يؤتى بها أول الكلام، وفيه نظر لجواز أن يكون المتكلم بذلك قدر معطوفًا عليه. إذا كانت عاطفًة فلا تقتضي ترتيبًا ولا معية عند الجمهور. وهذه هي أصول الواو، وما ورد ففزع عنها. فصل الواو والألف وأ د: قوله تعالى: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ [التكوير:٨] الموءودة في الآية: البنت التي يدفنونها إما دفعًا للعار وإما خشية الفقر كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ﴾ [الإسراء:٣١]. قال بعضهم: هو مأخوذ من الوأد، وهو الثقل لأنها إذا دفنت ثقلت بالتراب؛ يقال: وأدت الوالدة ولدها بيدها وأدًا: فعلت به ذلك. وقيل في قوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ [البقرة:٢٥٥] أنه مقلوب من هذا،

стр. 1668

أي لا يثقله ذلك. وفي الحديث: "نهى عن وأد البنات ومنع وهات" وهذا نهي لهم عما كانوا يفعلونه. وجعل بعضهم من ذلك قول بعض العرب: "دفن البنات من المكرمات" يريد دفن البنات من المكرمات، فعامل تاء الجمع معاملة تاء الإفراد؛ تاء الجمع نحو: الوقف على ﴿خصاصة﴾ [الحشر:٩] ﴿ورحمة﴾ [البقرة:١٥٧]، ويجوز عندي أن يكون قولهم: دفن البنات أي موتهن، لا هذا الدفن الذي هو الوأد، فعبر عنه بغايته. وأ ل: قوله تعالى: ﴿لن يجدوا من دونه موئلًا﴾ [الكهف:٥٨] الموئل قيل: هو المرجع، أي مرجعًا وقال الفراء: الموئل: المنجى. يقال: وأل زيد من العدو، أي نجا منه، يئل وألًا ووؤولًا. وأنشد لذي الرمة: [من البسيط] ١٧٧٤ - وقد أجالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم لا يئل أي لا ينجو. ومنه قول أبي دريدٍ - هو من كبار أهل اللغة: ١٧٧٥ - فإن عثرت بعدها وإن وألت ... نفسي من هايا فقولا لامعا وقيل: هو الملجأ؛ يقال: وأل فلان إلى فلان، أي لجأ إليه. وفي الحديث: "فوألنا إلى حواءٍ" أي لجأنا إليه. وفي حديث علي ﵁: "إن درعه كانت صدرًا بلا مؤخرٍ فقيل له: فهلا احترزت من ظهرك؟ فقال: إذا أمكنت من ظهري فلا وألت" أي فلا نجوت.

стр. 1669

ويقال: وأل يئل فهو وائل، وبه سمي الرجل وائلًا. والوألة: البعرة، سميت بذلك لخستها. وبه سميت بعض القبائل وألة. وفي حديث "أنه جلس إليه بعض الناس فقال: أنت من بني فلانٍ؟ قال: نعم. قال: فأنت وألة إذا؟ قم عني فلا تقربني". فصل الواو والباء وب ر: قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها﴾ [النحل:٨٠] الأوبار: جمع وبرٍ وهو من الإبل بمنزلة الصوف من الضأن، والشعر من الماعز. ولذلك جمع تعالى في الامتنان عليهم بثلاثة الأنواع من ثلاثة هذه الحيوانات في قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾. وسكان الوبر مقابلو سكان المدر، وهم الأعراب البادون لاتخاذهم بيوتهم من الوبر. وبنات وبرٍ: ضرب من الكمء الصغار، لأن عليها مثل الوبر. وأنشد: [من الكامل] ١٧٧٦ - ولقد حنيتك أكمؤًا وعساقلًا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر أدخل "أل" على "أوبر" ضرورة لأنه علم على هذا الضرب. وكان بعضهم يصحفه فيقول عن نبات الأوبر. بتقديم النون كأنه لما رآه نباتًا من الأرض قال ذلك. ووبر الرجل في بلده: أقام به إقامة الوبر، مجازًا عن كثرة ذلك كقولهم: تلبد بمكان كذا: ثبت فيه ثبوت اللبد. ووبر: علم لامرأةٍ. وأنشد قول الشاعر: [من مخلع البسيط] ١٧٧٧ - ومر دهر على وبارٍ ... فهلكت جهره وبار وقيل: وبار: أرض لعادٍ. ويقال: وبرت الأرنب، أي غطت بوبرها الذي على زمعاتها أثرها، فلا يرى لها أثر.

стр. 1670

وب ق: قوله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقًا﴾ [الكهف: ٥٢]. قال ابن عرفة: محبسًا. ومنه حديث المارين على الصراط: "ومنهم الموبق بذنوبه" أي المحبوس. ومنه قوله تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي يحبس السفن فلا تجري بذنوب أصحابهن. وقال أبو عبيدٍ: الموبق: الموعد. وأنشد: [من الطويل] ١٧٧٨ - وجاد شرورى والستار، فلم يدع تعارًا له والواديين بموبق أي بموعدٍ. وقيل: معناه هلاكًا. ومعناه: جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي يهلكهم. يقال: وبق يبق كوعد يعد، وبق يوبق كوجل يوجل: إذا هلك. وأوبقته: أهلكته. وب ل: قوله تعالى: ﴿أصابها وابل﴾ [البقرة: ٢٦٥] الوابل: المطر الثقل القطر. وقيل: العظيم القطر، وجمعه وبل نحو: راكب وركب، وصاحب وصحب. وقد جمع جمع العقلاء للنفع الحاصل به المشبه لنفع العقلاء في قول الشاعر: [من البسيط] ١٧٧٩ - يلاعب الريح بالعصرين قسطله ... والوابلون وتهتان التجاويد ويجمع أيضًا على وبلٍ ووبال، نحو ضاربٍ وضربٍ وضرابٍ. قوله تعالى: ﴿فذاقت وبال أمرها﴾ [الطلاق: ٩] أي وخامته وسوء عاقبته. يقال: ماء وبيل، وطعام وبيل. واستوبلت الشيء: كرهته. ومن ثم الوبال: ثقل الشيء المكروه. قال بعضهم: ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال. وقوله: ﴿فأخذناه أخذًا وبيلاً﴾

стр. 1671

[المزمل: ١٦] أي شديدًا ثقيلاً ليس له منه مناص. واستوبلت البلد: إذا ثقلت عليك الإقامة فكرهته. ومنه قول ابن دريدٍ: [من الرجز] ١٧٨٠ - في كل يومٍ منزل مستوبل ... يشتف ماء مهجتي أو مجتوى وأهدى رجل للحسين ﵁ هديةً بحضرة أبيه علي رضي الله تعالى عنهما وأخيه محمد ابن الحنفية فانكسر قلبه، ففهم ذلك علي ﵁ فأومأ إلى وابلة محمدٍ ثم قال متمثلاً بقول عمرو بن كلثومٍ: [من الوافر] ١٧٨١ - وما شر الثلاثة أم عمروٍ ... بصاحبك الذي لا تصبحينا فأهدى الرجل لمحمدٍ مثل ذلك. قال ابن الأعرابي: الوابلة: طرف الكتف. وفي الحديث: "أي مال أديت زكاته فقد ذهبت أبلته" أي وبلته. يريد الوبال، فأبدل واوه همزةً. وقد وبلت السماء وأوبلت؛ لغتان، بمعنى شرقت وأشرقت. فصل الواو والتاء وت د: قوله تعالى: ﴿والجبال أوتادًا﴾ [النبأ: ٧] الأوتاد: جمع وتدٍ، بكسر التاء -وهو المشهور- وبفتحها، وتدغم التاء في الدال فيقال: ود. والوتد: معروف، ويعبر عن ثبات الشيء واستقراره. ومنه الآية الكريمة، لأن الله تعالى لما خلق الأرض على الماء جعلت تتكافأ كالسفينة، فأرساها وثبتها بالجبال لقوله في موضعٍ آخر: ﴿أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥] فهي بمنزلة أوتاد الخيمة المشدود عليه أطنابها. وقد يعبر بذلك عن ثبات الأمر ورسوخه. ومنه قولهم: ثبت الله أوتادك. وإليه نحا القائل: [من الكامل] ١٧٨٢ - في ظل ملكٍ ثابت الأوتاد وقال جران العود: [من البسيط]

стр. 1672

١٧٨٣ - والملك لا يبنى إلا على عمدٍ ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وفرعون ذي الأوتاد﴾ [الفجر: ١٠] قيل: بل كان له أوتاد حقيقية، اتخذها من حديدٍ وضربها في الأرض. وكان إذا أراد أن يعذب أحدًا ربطه. ثم يرسل عليه الحيات. وقيل للناتئ خلف الأذن: وتدها على التشبيه الصوري. ويضرب بالوتد المثل في الذل والصغار فيقال: "هو أذل من وتدٍ" قال الشاعر: [من الوافر] ١٧٨٤ - وكنت أذل من وتدٍ بقاعٍ ... يشجج رأسه بالفهر واج وقال آخر: [من البسيط] ١٧٨٥ - ولا يقيم على ضيمٍ يراد به ... إلا الأذلان: عير الحي والوتد هذا على الخيف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد والوتد في اصطلاح العروضيين ينقسم إلى وتدٍ مجموعٍ ووتدٍ مفروقٍ؛ فالمجموع متحركان بعدهما ساكن. والمفروق ساكنان بعدهما متحرك. وقد وتد الوتد أتده أتدًا، أي ثبته. وت ر: قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ [الفجر: ٣] الوتر في العدد يقابل بالشفع، كالفرد والزوج. قال ابن عباسٍ: الوتر آدم والشفع زوجه. وقيل: الوتر هو الباري تعالى لتوحده، والشفع جميع خلقه لأنه تعالى خلقهم أزواجًا. وقيل: الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر. وقيل: المراد بهما الأعداد، وفيه لغتان -وقرئ بهما في المتواتر- فتح الوتر وكسرها والوِتْرُ والوَتَرُ أيضًا: الذحل، وكذا الترة نحو الوعد والعدة ومنه قول الشاعر:

стр. 1673

[من الوافر] ١٧٨٦ - أنخنا حيهم طعنًا وضربًا ... وخير الطالبي الترة الغشوم بنصب الترة على حذف نون الطالبين تخفيفًا للطول، والجمع أوتار. وفي الحديث: "قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار" أي لا تطلبوا عليها الدخول التي وترتم بها في الجاهلية. وقال أنس بن مالكٍ: كانوا يقلدونها أوتار القسي دفعًا للعين، فأمرهم بقطعها، ليعلمهم أن ذلك لا يرد من الله شيئًا. وقال محمد بن الحسن: نهاهم عن تقليدها بأوتار القسي لئلا تختنق. قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ [محمد: ٣٥] قيل: معناه لن يصيبكم مكروهٍ. يقال: وترته، أي أصبته بمكروهٍ. وأصله مما تقدم. وقيل: لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم. وفي الحديث: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله" قيل: هو من النقص، أي نقص أهله، بمعنى خسرهم. وقال أبو بكرٍ: أصله من الوتر الذي هو الجناية التي يجنيها الرجل على الرجل من قبل حميمه أو أخذ ماله. فشبه ما يلحق هذا الذي فاتته صلاة العصر بما يلحق الموتور من قبل حميمه وأخذ ماله. والوتر: النافلة المعروفة؛ سميت بذلك لختمها بالوتر، وهو ركعة واحدة. يقال: أوتر صلاته، أي جعلها وترًا. ومنه الحديث: "ومن استجمر فليوتر" أي فليجعل ما يتجمر به وترًا. قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي متتابعين بعضًا في إثر بعض، من المواترة. والأصل وترى فأبدلت الواو تاءً على حد إبدالها في تخمة وتراتٍ. وقال الهروي: أي متواترةً يجيء بعضها في إثر بعضٍ وبينهم فترة. قال: ومنه حديث أبي هريرة: "لا بأس بقضاء رمضان تترى" أي متقطعًا. وقال يونس: تترى، أي متفاوتة الأوقات. وجاءت الخيل تترى أي متقطعة وفي روايةٍ أخرى عن أبي

стр. 1674

هريرة: "في قضاء رمضان" قال: متواترة قال أبو الرقش: يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو يصوم يومين ويفطر يومين، لا تكون المتواترة مواظبةً حتى يكون بينهما شيء. وقال بعضهم: التواتر: تتابع الشيء وترًا وفرادى. قال تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ قلت: أصله: أن يجيئوا وترًا وترًا. ثم اتسع فيه حتى جعل لمجرد التتابع. وإن كانوا أزواجًا لا أوتارًا؛ أي متنوعين بالنوعين معًا. والتواتر في اصطلاح المتشرعة عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب مع استواء الطرفين والوسط، والعلم بخبره ضروري ويقابله إخبار الآحاد. وهو ما لم يبلغ ذلك العدد. والوتيرة أيضًا: السجية. يقال: هم على وتيرةٍ واحدةٍ، أي سجيةٍ وحالةٍ واحدةٍ. ومنه حديث العباس: "فلم يزل على وتيرةٍ واحدةٍ حتى مات" قال أبو عبيدة: الوتيرة: المداومة على الشيء وهو مأخوذ من الواتر. والوتيرة والوترة: الحاجز بين المنخرين. ومنه حديث زيدٍ: "في الوترة ثلث الدية" والوتيرة أيضًا: الحلقة التي يتعلم عليها الرمي، والأرض المنقادة. وت ن: قوله تعالى: ﴿ثم لقطعنا منه الوتين﴾ [الحاقة: ٤٦] الوتين: عرق مستبطن في القفا إذا انقطع مات صاحبه لا محالة. ويقال: إنه عرق متصل بالكبد، لكنه يسقيها لا يعيش من انقطع منه وقيل: هو مناط القلب إذا انقطع لم يكن معه حيًا. وقد وتن الرجل فهو موتون، أي قطع وتينه. واستوتن الإبل: غلظ وتينها من السمن. فالمواتنة أن يقرب منه قربًا كقرب الوتين، وكأنه إشارة إلى قوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] وفي الحديث: "أما تيماء فعين جارية وأما خيبر فماء واتن" أي دائم، كذا فسره الهروي. فصل الواو والثاء وث ق: قوله تعالى: ﴿حتى تؤتون موثقًا من الله﴾ [يوسف: ٦٦] الموثق: العهد المؤكد

стр. 1675

باليمين أصله من الوثوق بالشيء وهو الاطمئنان بالشيء. يقال: وثقت به أثق ثقة: إذا سكنت إليه واعتمدت عليه. فالموثق مصدر كالموعد. قال تعالى: ﴿فلما آتوه موثقهم﴾ [يوسف: ٦٦] والوثاق: ما يشد به الموثوق. قال تعالى: ﴿فشدوا الوثاق﴾ [محمد: ٤] وهو عبارة عن الأسر. ومنه: ﴿ولا يوثق وثاقه أحد﴾ والوثقى فعلى منه نحو قوله تعالى: ﴿بالعروة الوثقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وناقة موثقة الخلق: محكمته. ورجل ثقة كقولهم: رجل عدل. وامرأة ثقة، ورجال ثقة وقد يقال: ثقات. وث ن: قوله تعالى: ﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] هو جمع وثنٍ. قيل: هو الصنم وقيل: وبينهما فرق؛ فالوثن ما كان له جثة من خشبٍ أو ذهب أو فضةٍ أو نحاسٍ أو حجر ينحت وينصب فيعبد من دون الله. والصنم: الصورة بلا جثة، قال أبو منصورٍ. وقا ابن عرفة: ما كان له صورة من حجارةٍ أو جصٍ أو غيره فهو وثن. وقيل: الأوثان: حجارة كانت تبعد من دون الله، وتجوز بها في تكثير العطية. فقيل: أوثنت فلانًا: أجزلت عطيته. وأوثنت من كذا، أي أكثرت منه. فصل الواو والجيم وج ب: قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت. يقال: وجب الحائط، أي سقط ووقع. ومنه: وجبت الشمس، أي غابت. وحقيقته: سقط قرصها في رأس العين. والوجوب أيضًأ الثبوت والاستقرار، ويعبر به عن الموت فيقال: وجب فلان، أي مات؛ تخيلوا فيه السقوط والثبوت. ومنه قول أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه: "فإذا وجب ونضب عمره وضحا ظله" يريد بهذه الألفاظ أنه مات. وأنشد لقيس بن الخطيم الأنصاري: [من الطويل]

стр. 1676

١٧٨٧ - أطاعت بنو عوفٍ أمرًا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب أي أول ميتٍ. ووجبت به الأرض توجيبًا: أسقطته عليها. وأوجب كذا: ختمه. ومنه الواجبات التي أوجبها الله تعالى على عباده من عباداته. والواجب في اصطلاح المتشرعة ما يذم تاركه شرعًا قصدًا مطلقًا. وأوجب فلان: استوجب بها النار. والموجبات تطلق على ما يوجب النار وما يوجب الجنة، هذا هو الصحيح. ومنه قوله ﵊: "أسألك موجبات رحمتك" وقال الراغب: وعبر بالموجبات عن الكبائر التي أوجب الله عليها النار. فإن عنى بذلك الغالب فقريب، وإن عنى به الاختصاص فممنوع للحديث المتقدم. وقال بعضهم: والواجب يقال على أوجه: أحدها يقال في مقابلة الممكن، وهو الحاصل الذي إذا قدر كونه مرتفعًا حصل منه محال، نحو وجود الواحد مع وجود الاثنين؛ فإنه محال أن يرتفع الواحد مع حصول الاثنين. الثاني يقال في مقابلة الذي إذا لم يفعل يستحق به اللوم، وذلك ضربان: واجب من جهة العقل، كوجوب معرفة الوحدانية والنبوة، وواجب من جهة الشرع، كوجوب العبادات الموظفة. وقال آخرون: الواجب قسمان: أحدهما يراد به اللازم الوجوب، وأنه لا يصح ألا يكون موجودًا، كقولنا في الباري: واجب وجوده. والثاني بمعنى أن حقه أن يوجد. قال الراغب: وقول الفقهاء: الواجب ما إذا لم يفعله يستحق صاحبه العقاب، فذلك وصف له بشيءٍ عارضٍ له، ويجري مجرى من يقول: الإنسان إذا مشى مشى برجلين. وج د: قوله تعالى: ﴿من وجدكم﴾ [الطلاق: ١] أي من سعة مالكم. والوجد والجدة: السعة في المال والمقدرة عليه. يقال: رجل واجد بين الوجد والجدة. وفي الحديث: "لي الواجد يحل عقوبته وعرضه" وهو بمعنى الحديث الآخر: "مطل

стр. 1677

الغني ظلم". ووجد يقال بمعانٍ، وفرقوا بينها بمصادرها فقالوا: وجد زيد، أي صار غنيًا، وجدانًا وجدةً. قال الراغب: وقد حكي فيه الوجد والوِجد والوُجد. ووجد الضالة وجدانًا ووجودًا. ووجد عليه السلطان، أي غضب، وجدًا وموجدةً. ووجدت زيدًا عالمًا، أي ظننته، أي علمته وجدًا. ووجد فلان بفلانة وجدًا، أي أحبها. ومنه الحديث عن ابن عمر: قال أبو صرد في صفة عجوزٍ: "ما بطنها بوالدٍ ولا زوجها بواجدٍ" أي غير محب لها. وقال الراغب: الوجود أضرب: وجود بإحدى الحواس الخمس، نحو وجدت زيدًا، ووجدت طعمه ولونه وصوته وريحه وخشونته. ووجود بقوة الشهوة نحو: وجدت الشبع. ووجود بقوة الغض كوجود الحزن والسخط. ووجود بالعقل وبواسطة العقل كمعرفة الله تعالى ومعرفة النبوة وما نسب إلى الله تعالى من الوجود. فبمعنى العلم المجرد إذ كان الله منزهًا عن الوصف بالجوارح والآلات نحو قوله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف: ١٠٢] وكذا العموم يقال على هذه الأوجه. وقوله: ﴿إني وجدت امرأة تملكهم﴾ [النمل: ٢٣] وقوله: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس﴾ [النمل: ٢٤] انتهى. وفيه نظر؛ إذ البصر كافٍ في تجويز الإخبار بذلك دون البصيرة، لأنه إخبار بسجودٍ، وذلك يدرك بحاسة البصر. وقد قسم بعضهم الموجودات إلى ثلاثة أضربٍ: ضربٍ لا مبدأ له ولا منتهى، وليس ذلك إلا للباري تعالى. وموجود له مبدأ ونهاية، وهو الجواهر الدنيوية. وموجود له مبدأ ولا منتهى له، وهو الموجود في النشأة الآخرة. وج س: قوله تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفة﴾ [طه: ٦٧] أي أحس. وهو قريب من

стр. 1678

الوجدان. وقيل: معناه أضمر، ومثله: ﴿وأوجس منهم خيفةً﴾ [هود: ٧٠] وقيل: الوجس: الصوت الخفي. والتوجس: التسمع. والإيجاس: وجود ذلك في النفس. وفي الحديث: "نهى عن الوجس" هو أن يكون الرجل مع إحد جاريتيه والأخرى تسمع حسه. وهو الفهر أيضًا؛ وقد أفهر الرجل فعل ذلك. وأوجست منه أمرًا؛ خيرًا أو شرًا، أي وقع في نفسي ذلك. وج ف: قوله تعالى: ﴿قلوب يومئذٍ واجفة﴾ [النازعات: ٨] أي مضطربة قلقة عن مقارها لما تشاهد من الأهوال لقوله: ﴿إذ القلوب لدى الحناجر﴾ [غافر: ١٨] ومثله: قلوب طائرة وخافقة، ونحو ذلك من الاستعارات قوله: ﴿فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ﴾ [الحشر: ٦] الإيجاف: الإسراع؛ يقال: أوجف الراكب، أي أسرع. وسير وجيف وفي المثل: "أدل فأمل وأوجف فأعجف". وج ل: قوله تعالى: ﴿وجلت قلوبهم﴾ [الأنفال: ٢] أي خافت. يقال: وجل يوجل وجلاً. وقيل: الوجل: استشعار الخوف. ويقال: يوجل وييجل؛ كسروا الياء ليقلبوا الواو ياء توصلاً للأخف وإن كان كسر حرف المضارعة إن كان ياءً ممنووعًا في المشهور. وإنما قلت في المشهور لقراءةٍ شاذة: ﴿فإنهم يئلمون كما تئلمون﴾ [النساء: ١٠٤] وكان الذي حسن هذا مجاورته لـ "تليت" الجائز الكسر. وج هـ: قوله تعالى: ﴿كل شيءٍ هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨] الوجه يعبر به عن الذات، والباري تعالى ينزه عن الجارحة، ومثله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ [الرحمن: ٢٧] وإنما عبر به عن الذات في لسان العرب لأنه أشرف الأعضاء. وقيل في قوله تعالى:

стр. 1679

﴿ويبقى وجه ربك﴾ أراد بالوجه هنا التوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة. وقيل لأبي عبد الله بن الرضا في قوله تعالى: ﴿كل شيءٍ هالك إلا وجهه﴾ إن الوجه زائد، والمعنى: كله شيءٍ هالك إلا هو. فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولاً عظيمًا، إنما عني الوجه الذي يؤتي منه، ومعناه كل شيءٍ من أعمال العباد هالك وباطل إلا ما أريد به. وقيل هذا في قوله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كلٍ مسجدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] أي أخلصوا وجوهكم في الصلاة لله تعالى. فاراد بالإقامة تحري الاستقامة وبالوجه التوجه. وقال الراغب: أراد به الجارحة واستعارها، كقولك: فعلت كذا بيدي. ولما كان الوجه أشرف ما في الإنسان، وأول ما يستقبل به ويستقبلك به غيرك، استعمل في مستقبل كل شيءٍ وفي أشرفه ومبدئه، فقيل: فلان وجه القوم، كقولك: رأسهم، وعينهم، ووجه النهار: صدره، كقوله: ﴿وجه النهار﴾ بدليل قوله: ﴿آخره﴾ وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكًا: [من الكامل] ١٧٨٨ - من كان مسرورًا بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار قوله: ﴿وجهت وجهي﴾ [الأنعام: ٧٩] أي قصدت لعبادتي وتوجهي. والوجه: المقصد والمذهب. يقال: ذهب فلان في وجه كذا، أي في ذهب كذا. والجهة والوجهة بمعنى، وهما المقصد والمذهب. قال تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾ [البقرة: ١٤٨] ومثله قوله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وواجهته: جعلت وجهي تلقاء وجهه. قوله: ﴿فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥] أي متعبداته، وذلك أن ناسًا اجتهدوا في أمر القبلة في ليلٍ، ثم أصبحوا فوجدوا كل طائفةٍ صلت إلى جهةٍ فنزلت. قال ابن عرفة: اعلم أن الوجوه كلها له؛ فأينما وجه أمة محمد ﷺ بتعبدها فذلك الوجه له. وواجهت فلانًا: جعلت وجهك تلقاء وجهه.

стр. 1680

والجاه: مقلوب من الوجه، قال الراغب: لكن الوجه يقال في العضو والحظوة والجاه لا يقال إلا في الحظوة. قوله تعالى: ﴿وكان عند الله وجيهًا﴾ أي ذو جاهٍ ووجاهةٍ. وكذا قوله تعالى: ﴿وجيهًا في الدنيا والآخرة﴾ [آل عمران: ٤٥] لأن الناس يشتركون في وجاهة الدنيا، ولا يفوز بوجاهة الآخرة إلا الخلص كالأنبياء ومن قاربهم في الحظوة. وعن عائشة: "كان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة" رضي الله تعالى عنهم أجمعين يعني أنه كان ذا جاهٍ مدة حياة فاطمة الزهراء قد فقده بعدها. وكذا والله كان. وفي الحديث: "وذكر فتنا كوجوه البقر" يعني متشابهة، فإذا قصد التساوي في الأشياء قيل: كوجوه البقر. قيل أخذوه من قوله تعالى: ﴿إن البقرة تشابه علينا﴾ [البقرة: ٧٠] وفي حديث أهل البيت: "لا يحبنا الأحدب الموجه" قال أبو العباس: هو صاحب الحدبتين؛ واحدة من الخلف وأخرى من قدام. والمعنى: ذو الوجهين. ومنه الحديث الآخر: "ذو الوجهين لا يكون عند الله وجهيًا" ويعبر به عن النفاق. والكلام الموجه المحتمل الأمرين فصاعدًا. ومنه أن رجلا أعور عابه إنسان فقال: جعل الله عينيك سواء. يحتمل أنه يريد: سواء في السلامة أو في العور. فهو دعاء له أو عليه. والتوجيه في الشعر: الحرف الذي بين ألف التأسيس وحرف الروي. فصل الواو والحاء وح د: قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] أي لا ثاني له. وهذا همزته مبدلة من واو الوحدة، وهي الانفراد. وهذا بخلاف أحدٍ المستعمل في النفي، نحو: لا

стр. 1681

أحد فيها. فإنه همزته أصلية. وقد أتقنت هذا في غير هذا. والمفسرون يقولون في قوله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ أحد بمعنى واحد. وقال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد في صفاته تعالى أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه العدد. والواحد اسم لمفتتح العدد. وتقول: ما أتاني من أحدٍ، وجاءني منهم واحد، والواحد بني على انقطاع النظير وعوز المثل، والوحيد بني على الوحدة والانفراد عن الأصحاب. وقوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ [المدثر: ١١] من صفة المخلوق، أي خلقته منفردًا لا مال له ولا ولد، ثم جعلت له ذلك. والوحدة: الانفراد. قال بعضهم: الواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة. ثم يطلق في كل موجودٍ، حتى إنه ما من عددٍ إلا ويصح وصفه به؛ فيقال: عشرة واحدة، ومئة واحدة. قال: فالواحد لفظ مشترك يستعمل في ستة أوجهٍ: الأول ما كان واحدًا في الجنس أو في النوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس وزيد وعمر واحد في النوع. الثاني: ما كان واحدًا بالاتصال؛ إما من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد، وإما من حيث الصناعة كقولك: حرفة واحدة. الثالث: ما كان واحدًا لعدم نظيره، إما في الخلقة كقولك: الشمس واحدة، وإما في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره مثل: نسيج وحده. الرابع: ما كان واحدًا لامتناع التجزيء فيه إما لصغره كالهباء، وإما لصلابته كالألماس. الخامس: للمبدأ؛ إما لمبدأ الأعداد كقولك: واحد، اثنان، أو لمبدأ الخط كقولك: النقطة الواحدة. والوحدة في كلها عارضة. قال: وإذا وصف الله تعالى: بالواحد فمعناه أنه الذي لا يجري عليه التجزيء ولا التكثير، ولصعوبة هذه الوحدة قال تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا

стр. 1682

يؤمنون بالآخرة﴾ [الزمر: ٤٥]. والوحد: المفرد، ويوصف به غير الباري، والوحد بمعناه. وأنشد للنابغة: [من البسيط] ١٧٨٩ - بذي الجليل، على مستأنسٍ وحد قال: وأحد مطلقًا لا يوصف به غير الباري تعالى. ويقال في المدح: هو نسيج وحده. وفي الذم: عبير وحده، وجحيش وحده. فإن أريد أقل من ذلك في الذم قيل: رجيل وحده. وقولهم: جليس وحده نصب على الحال لأنه في قوة التنكير، إذ المعنى جلس منفردًا. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة إلى المضمرات. قوله: ﴿لستن كأحدٍ من النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢] إنما أتي بأحد هنا دون واحدة لأن "أحد" نفي عام للمذكر والمؤنث والجماعة. قوله: ﴿قل إنما أعظكم بواحدةٍ﴾ [سبأ: ٤٦] قيل: بأن توحدوا الله. وقيل: بخصلة ٍ واحدة. وهو عظة واحدة، وهي ﴿أن تقوموا لله مثنى وفرادى﴾ أي تجتمعون فتذكرون أمر النبي ﷺ . ثم ينفرد كل منكم فينظر في عاقبة ما قال وما قيل له فيظهر لكم أن محمد ﷺ لم يكن به جنة ﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾ [الصافات: ٣٧]. وح ش: قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير: ٥] الوحوش: جمع وحشٍ. والوحش خلاف الإنس. والحيوانات التي لا خلطة لها بالإنس ولا أنس لها يقال لها الوحش. والوحش أيضًا المكان القفر؛ قال الراغب: يقال: لقيته بوحشٍ إصمت، أي ببلدٍ قفرٍ. فظاهر هذا أن بين هذين الاسمين لمكانٍ خالٍ غير معين. فظاهر عبارة غيره من أهل اللغة أن "وحش" المذكور هو الحيوان المتوحش على الأصل. وإصمت: اسم لمكانٍ بعينه أضيف إليه الوحش. وأنشدوا: [من البسيط] ١٧٩٠ - بوحش إصمت في أصلابها أود ويقولون: إن إصمت منقول من فعل الأمر مجردًا من ضميرٍ بديل منعه الصرف،

стр. 1683

وفيه بحث حققناه في غير هذا. والوحش: الرجل لا طعام له؛ يقال: رجل وحش وجمعه أوحاش. وفي الحديث: "لقد بتنا وحشين ما لنا طعام". وتوحش الوحشات للدواء، أي احتمى له. وفي الحديث: "وحشوا برماحهم" أي رموا بها. وفيه أيضًا: "لا تحقرن شيئًا من المعروف ولو أن تؤنس الوشحان". يقال: رجل وحشان، أي مغتم، وجمعه وحاشى، على حد عطشان وعطاشى. والوحشي من الإنسان يضاد الإنسي منه، والإنسي منه ما أقبل والوحشي ما أدبر ومنه: وحشي القوس وإنسيه أيضًا. والوحشي مطلقًا ما نسب إلى الوحش. وتوحش، أي صار كالوحش نحو تأنس، أي صار كالإنس. وح ي: قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]. الإيحاء من الله تعالى إلى رسله إما بواسطة ملكٍ كريمٍ يليق بجلاله حسبما يشهد بذلك كتابه العزيز. وأصل الوحي في اللغة الإشارة الشريفة، هذا قول الراغب: وقال الهروي: أصله في اللغة إعلام في إخفاءٍ. قال الراغب. ولتضمنه معنى السرعة قيل: أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعرض. وقد يكون بصوتٍ مجردٍ عن التركيب وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة. وقد حمل على ذلك قوله: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا﴾ [مريم: ١١] قيل: رمز، وقيل: كتب، وقيل: اعتبار. وعلى هذه الوجوه المذكورة حمل قوله: ﴿يوحى بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. قال: ويقال للكلمة الإلهية التي تلقى إلى أنبيائه وأوليائه وحي، وذلك أضرب حسبما دل عليه قوله تعالى: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجابٍ أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] ذلك إما برسولٍ مشاهدٍ يرى

стр. 1684

ذاته ويسمع كلامه؛ كتبليغ جبريل ﵊ للنبي ﷺ في صورة معينةٍ، وإما بسماع كلامٍ من معاينةٍ كسماع موسى ﵇ كلام الله، وإما بإلقاءٍ في الروع كما ذكر ﵊ "إن روح القدس نفث في روعي" وإما بإلهامٍ نحو: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧]. وإما بتسخير نحو قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨]، أو بمنامٍ كقوله ﵊: "انقطع الوحي وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن". قال: فالإلهام والتسخير والنوم دل عليه قوله: ﴿إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾، وتبيلغ جبريل في صورةٍ معينةٍ دل عليه قوله تعالى: ﴿أو يرسل رسولاً﴾ انتهى. يعني: أن الوحي يقع على أوجه أحدها: الوحي من الله لأنبيائه على لسان ملكٍ أو من غير ملكٍ، وهذا الوحي الخاص لا يشرك الأنبياء فيه غيرهم من الشر. وقد وقع لنبينا محمد ﷺ على أوجهٍ حسبما هو مذكور عنه ﵊ في الأحاديث المشهورة. وثانيها أن يكون إلهامًا. وثالثها أن يكون إشارة. ورابعها أن يكون كتابةً. قيل: خط لهم في الأرض: ﴿سبحوا بكرةً وعشيًا﴾. وخامسها أن يكون بالقهر والتسخير. وسادسها أن يكون أمرًا: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ [المائدة: ١١١] أي أمرتهم. وهل ذلك بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز؟ يجوز الأمران. والمرجح عند الأصوليين أنه إذا دار الأمر بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز فالثاني أولى. وقيل: بالعكس. ويقال: وحى وأوحى بمعنى وومى وأومى. وأنشد للعجاج: [من الرجز] ١٧٩١ - وحى لها القرار فاستقرت وقوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ [الأنعام: ١٢١] أي يوصلون ذلك بالوسوسة. وهذا كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿الذي يوسوس في صدور الناس﴾ [الناس: ٥] وقد يطلق الإيحاء على أصوات الحيوانات غير الأناسي. وأنشد

стр. 1685

علقمة: [من البسيط] ١٧٩٢ - يوحي إليها بإنقاضٍ ونقنقةٍ ... كما تراطن في أفدانها الروم والوحا بفتح الواو والحاء: السرعة، ومنه الحديث: "الوحا الوحا" قال الهروي: والفعل منه توحيت توحيًا. قلت: فيكون هذا مصدرًا على حذف الزوائد. فصل الواو والدال ود د: قوله تعالى: ﴿وهو الغفور الودود﴾ [البروج: ١٤] هو المحب لعباده. قلت: ومعنى محبة الله لعباده ومحبتهم له قد تقدمت في مادة الحب لا على ما يخطر ببال الجهلة. ولذلك قال الراغب: فالودود يتضمن ما دخل في قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤]. وقال بعضهم: مودة الله لعباده هي مراعاته لهم. روي أنه تعالى قال لموسى: أنا لا أغفل عن الصغير لصغره، ولا عن الكبير لكبره، فأنا الودود الشكور. قوله تعالى: ﴿سيجعل لهم الرحمن ودًا﴾ [مريم: ٩٦] أي محبةً من خلقه لهم. روي "أن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى مناد في السماء ثم في الأرض ثم يوضع له القبول في السماء". الحديث. والود: محبة الشيء وتمني كونه. قال الراغب: ويستعمل في كل من المعنيين، على أن التمني يتضمن معنى الود، لأن التمنى هو تشهي حصول ما توده. فقوله: ﴿وجعل بينكم مودة﴾ [الروم: ٢١] إشارة إلى ما وقع بينهم من الألفة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ [الأنفال: ٦٣]. ومن المودة التي تقتضي المحبة قوله تعالى: ﴿لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة
следующие страницы →