← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

البيض ناضرة مستبشرة والسود مغبرة مقترة حسبما وصف ذلك في كتابه. ولما كان البياض أفضل الألوان قالوا: البياض أفضل والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل. وعبر عن الكرم بالبياض فيقال: له عندي يد بيضاء أي معروف. وفي مدحه ﵇ من أبي طالب عمه: [من الطويل] ٢١٢ - وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمًة للأرامل ولقد صدق في ما به نطق. والبيض: جمع بيضةٍ وهي ما يخرج من الطائر وبعض الحيوانات، وسميت بذلك للونها غالبًا. وقد توجد غير بيضاء. وقد شبهت العرب بها المرأة للونها ولصيانتها، فإنها محضونة تحت من يبيضها من طيرٍ وغيره، قال تعالى:﴾ كأنهن بيض مكنون ﴿[الصافات: ٤٩] قيل: يعني به بيض النعام لأن فيه بعض صفرةٍ، والعرب تحب هذا اللون. قال: [من البسيط] ٢١٣ - كأنها فضة قد مسها ذهب وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ٢١٤ - كبكر مقاناة البياض بصفرةٍ ... غذاها نمير الماء غير محلل وتذكر البيضة تارًة مدحًا لمن يوصف بالصيانة والعزة نحو: هو بيضة البلد، ومنه: [من الكامل] ٢١٥ - كانت قريش بيضًة فتفلقت ... فالمح خالصه لعبد مناف وتارًة ذمًا لمن كان مبتذلاً كالبيضة المذرة التي تطرح بالدمن. فقولهم: فلان

стр. 212

بيضة البلد من الكلام الموجه. وبيضة الحديد تشبيهًا بالبيضة في بعض هيئتها ولونها والبياض لما لم يزدرع من الأرض والسواد لمزدرعها، ومنه أرض السواد. ويعبر عن الجمع وعن المعظم بالبيضة، وفي الحديث: "حتى يستبيح بيضتهم"؛ قال الهروي عن شمر: عنى جماعتهم وأصلهم. وقال الأصمعي: بيضة الدار وسطها ومعظمها. يقال: أبيض يبيض بياضًا وابيضاضًا، فهو مبيض، وأبيض وابياض ابيضاضًا أبلغ من أبيض. ب ي ع: مقابلة مالٍ بمالٍ أو مقابلة منافع بمالٍ. وقيل: البيع إعطاء المثمن وأخذ الثمن. والشراء: إعطاء الثمن وأخذ المثمن، وقد يقع هذا موقع هذا. وذلك بحسب ما يتصور من الثمن والمثمن. قال تعالى:﴾ وشروه بثمنٍ بخسٍ ﴿[يوسف: ٢٠] قلت: إن جعلنا الضمير المرفوع لإخوته. أما إذا جعلناه للسيارة فهو على بابه. قوله:﴾ وذروا البيع ﴿[الجمعة: ٩] وقت النداء يحرم الشراء، وكذا،:﴾ لا تلهيهم تجارة ولا بيع ﴿[النور: ٣٧]. قال الراغب: لا يشتري على شراه، والأظهر يكون على أصله هو أن يجيء الرجل إلى مشترٍ فيقول: عندي سلعة خير من هذه وأرخص منها، فهذا بيع على بيع أخيه، وبذلك فسره الشافعي. وقوله:﴾ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ﴿[التوبة: ١١١] إشارة إلى بيعة الرضوان في قوله:﴾ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ﴿[الفتح: ١٨] وإلى الشراء المذكور في قوله:﴾ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ﴿[التوبة: ١١١]. والبيعة والمبايعة: ما يأخذه الإمام على رعيته من المواثيق بالسمع والطاعة. وابتعت المتاع: عرضته للبيع. وقوله:﴾ وبيع وصلوات ﴿[الحج: ٤٠] جمع بيعةٍ، وهي مصلى

стр. 213

النصارى، وقيل: كنائسهم وليس بشيءٍ. وقوله ﵇: "البيعان بالخيار" يريد البائع والمشتري، يقال لكلٍ منهما بيع وبائع. قيل: ويجوز أن يكون إنما أطلق على المشتري بيع لأنه من باب التغليب، وهو محل نظرٍ. ب ي ن: بأن الشيء يبين بينًا فهو بائن. وبان بمعنى فارق. قال كعب بن زهيرٍ: [من البسيط] ٢١٦ - بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وبانت المرأة بالطلاق، وأبانها زوجها، وأبنت الأمر وبينته: أظهرته بيانًا وتبيانًا، كقوله تعالى:﴾ تلقاء أصحاب النار ﴿[الأعراف: ٤٧]، وما عداهما مفتوح نحو الترداد والتجوال والتطواف. وقولنا في المصادر تحذرنا في الأسماء فإنه يكون يكثر فيها ذلك، نحو: التمثال والتجفاف والتمساح. قال الهروي: يقال: بان لك وأبان واستبان وبين وتبين بمعنى واحدٍ. قلت: كلها يجوز أن تكون قاصرًة ومتعديًة إلا بان فإنه قاصر. وقوله تعالى:﴾ ولتستبين سبيل المجرمين ﴿[الأنعام: ٥٥] من رفع سبيل جعله قاصرًا، ومن نصبه جعله متعديًا. وقال تعالى:﴾ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ﴿[التوبة: ١١٤]، وقوله:﴾ وتبين لكم كيف فعلنا بهم ﴿[إبراهيم: ٤٥] فهذا قاصر، ويقال: تبينت الحق واستبنته أي استوضحته فاتضح. وقوله:﴾ هذا بيان للناس ﴿[آل عمران: ١٣٨] أي فصل ذو بيانٍ. والبين: لفظ مشترك بين المصدر والظرف. ويقال: بان زيد بينًا، وجلست بين القوم. وقوله تعالى:

стр. 214

﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ [الكهف: ٧٨]، قال الهروي: أراد بيننا، وإنما قال: بيني وبينك توكيدًا، كما يقال: أخزى الله الكاذب مني ومنك، يريد منا. قلت: يعني في أصل التركيب لو قيل كذا لأفاد، وفيه نظر لأنه يفيد المعنى المقصود من قولك مثلاً: هذا فراق بيني وبين زيدٍ. قولك: هذا فراق بيننا لأن الأول أخص من الثاني، وأخص في المعنى بخلاف الثاني، فإنه يحتمل احتمالاً ظاهرًا. وقد حققناه في "التفسير" و"الدر المصون"، فلما أضافه للياء تعين تكريره بالعطف لأن بين لا تضاف إلا إلى متعدٍ لفظًا أو تقديرًا نحو: بين الزيدين أو الزيدين. وقوله تعالى:﴾ عوان بين ذلك ﴿[البقرة: ٦٨] لأن ذلك إشارة إلى الفارض والبكر. ولذلك احتاج النحاة أن أجابوا عن قول امرئ القيس: [من الطويل] ٢١٧ - بين الدخول فحومل قالوا: كان من حقه أن يعطف بالواو لأنها لمطلق الجمع، وأجابوا بأن تقديره بين مواضع الدخول، أو بأنه لما كان الدخول اسمًا يحوي أماكن كثيرًة نحو: دارنا بين مصر، وقوله:﴾ فلما بلغا مجمع بينهما ﴿[الكهف: ٦١] قال الراغب: يجوز أن يكون مصدرًا أي موضع المفترق، قال: ولا يضاف إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلا إذا كرر كقوله:﴾ ومن بيننا وبينك حجاب ﴿[فصلت: ٥]. قلت: ليس هذا مطابقًا لما ذكره لأن لفظه بأفصح إضافة بين إليها من غير تكريرٍ، نحو: المال بيننا. وقوله:﴾ لقد تقطع بينكم ﴿[الأنعام: ٩٤] قرئ بالنصب على الظرف، فقيل: هو صلة لموصوله محذوف أي: تقطع الذي بينكم، وقيل: الفاعل مقدر أي تقطع الوصل والألف بينكم، وقيل: هو مبني لإضافته إلى غير متمكنٍ، وبالرفع على الفاعلية أي تقطع وصلكم. والبين من الأضداد. قال الراغب: أي وصلكم. وتحقيقه أنه ضاع عنكم الأموال

стр. 215

والعشيرة والأعمال التي كنتم تعتمدونها، إشارًة إلى قوله:﴾ يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴿[الشعراء: ٨٨]. وعلى ذلك قوله:﴾ ولقد جئتمونا فرادى [[الأنعام: ٩٤]. وقوله:﴾ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴿[ص: ٨] أي من جملتنا. وقوله:﴾ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴿[سبأ: ٣١] أي متقدمًا له من الإنجيل ونحوه. وقوله:﴾ وأصلحوا ذات بينكم ﴿[الأنفال: ١] أي راعوا الأحوال التي تجعلكم من القرابة والوصلة، وقيل: معنى حقيقة وصلكم وذلك أن ذات كذا بمعنى صاحبة كذا، أو كأنه قيل: أصلحوا صاحبة وصلكم وصاحبة وصلهم على ما قدمنا ذكره معنى القرابة وغيرها. والبينة: الأمر الواضح، ومنه قوله:﴾ إني على بينةٍ من ربي ﴿[الأنعام: ٥٧] أي أنا على أمر واضحٍ ظاهرٍ. والبينة: الحجة، ومنه: "البينة على المدعي" لأن بها ينكشف الحق ويتضح. والبينة: الدلالة الواضحة عقليًة كانت أو حسيةً. وقال بعضهم: البيان على ضربين: أحدهما أن يكون بالتنجيز، وهي الأشياء التي تدل على حالٍ من الأحوال من آثار صنعه. والآخر بالاختبار، وذلك إما أن يكون كتابًة أو إشارًة أو نطقًا، فمما! هو بيان الحال كقوله تعالى:﴾ إنه لكم عدو مبين ﴿[البقرة: ١٦٨]. وما هو بيان بالاختبار كقوله تعالى:﴾ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴿[النحل: ٤٤]. ويسمي الكلام بيانًا لأنه يكشف المقصود. والبيان قد يكون فعلاً أيضًا، ومنه قول الفقهاء: بيان المجمل، لأنه يكشفه ويوضحه، فالبيان أعظم من النطق لما عرفت. ويقال: آية مبينة، وآيات مبينات باسم الفاعل على معنى أنها بينت ما أريد منها، وباسم المفعول على معنى أن الله قد بينها على لسان رسله. وقوله:﴾ ثم إن علينا بيانه ﴿[القيامة: ١٩] أي إخراجه من حد الإجمال إلى حد

стр. 216

البيان. وقوله: ﴿ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥٢] أي لا يكاد يفهم ما يتكلم به:﴾ ليهلك من هلك عن بينةٍ ﴿الآية [الأنفال: ٤٢]. أي أنه فاصلة بين الحق والباطل تقوم عليه بها الحجة وتلزمه العقوبة. وقوله:﴾ حتى تأتيهم البينة ﴿[البينة: ١] الآية، يعني رسول الله ﷺ ورسالته. وقوله ﷺ : "إن من البيان لسحرًا". قال أبو عبيدٍ: هو من الفهم وذكاء القلب مع اللسن. وأبان ولده: أعطاه مالاً يبينه به، والاسم البائنة. قال أبو زيدٍ: لا يقال: بائنة إلا إذا كان الإعطاء من الوالدين أو أحدهما. وعن أبي بكر يقول لعائشة ﵂: "إني كنت أبنتك بنحلٍ"، وفي حديث النعمان الطويل أنه قال: "فهل أبنت كل واحدٍ منهم مثل ما أبنت هذا؟ " أي أعطيته البائنة. قال الراغب: بين موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما، كقوله تعالى:﴾ وجعلنا بينهما زرعًا ﴿[الكهف: ٣٢]. يقال: بان كذا أي انفصل وظهر ما كان مستترًا. ولما اعتبر فيه معنى الظهور والانفصال استعمل في كل واحدٍ مفردًا، حتى قيل للبئر البعيدة القعر: بيون لانفصال الحبل من يد صاحبه. وبان الصبح: ظهر، والله أعلم.

стр. 217

باب التاء المثناة التاء: قد تقدم أن التاء تكون حرف جر للقسم ولا تجر إلا الجلالة، وقد تجر الرب مضافًا للكعبة نحو: ترب الكعبة. وقد تجر الرحمن، قالوا: تالرحمن. وفيها معنى التعجب والاستعظام كقوله:﴾ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴿[الأنبياء: ٥٧]﴾ تالله تفتأ تذكر يوسف ﴿[يوسف: ٨٥] وقال الشاعر: [من البسيط] ٢١٨ - تالله يبقى على الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخر به الظيان والآس وهي فرع الواو في القسم، والواو فرع الباء، والتاء فرع الفرع. ومن ثم اقتصر بها على ما لم يقتصر بالواو عليه، كما اقتصر بالواو على ما لم يقتصر بالباء عليه على ما بيناه في كتب النحو. وتكون للتأنيث، والأصل فيها الفرق بين المذكر والمؤنث نحو: ضاربة. وقد تكون لمجرد التأنيث نحو: ناقة ونعجة. وتكون للمبالغة نحو: علامة. وللتعريب نحو: كيالجة وموارجة. ولفرق الواحد من جمعه نحو: برة وبر. وقد يفرق الجمع، ولم يرد منه إلا كمأة وخبأة؛ فهما جمعان والمفرد كمء وخبء. وتكون علامة لتأنيث الفاعل؛ فتختص بالماضي نحو قامت. وتكنو للتعويض نحو: أخت وبنتٍ. وتقر وقفًا ووصلاً بخلاف تاء قائمةٍ ونحوها؛ فإنها تبدل في الوقف بهاءٍ، وتكون مع ألفٍ قبلها علامًة لجمع الإناث نحو: البنات، وتقر في الأعراف. وقد تلحق بعض الحروف نحو: ربت وثمت ولات ولعلت، ولا خامس لها. وتكون للمضارعة إما لخطابٍ نحو: تقوم أنت، وتقومان أنتما، وتقومون أنتم، وتقمن أنتن. وإما لتأنيث

стр. 218

نحو: هي تقوم. وتكون ضميرًا فتضم للمتكلم وتفتح للمخاطب وتكسر للمخاطبة. وتتصل بها علامة التثنية والجمع تذكيرًا وتأنيثًا. فصل التاء والباء ت ب ب: التباب والتتبيب: الخسران. قال تعالى: ﴿وما كيد فرعون إلا في تبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وقال تعالى: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ [هود: ١٠١]. ويعبر به عن الهلاك، لأن الهالك خاسرٌ نفسه وماله. ويقال في الدعاء عليه: تبًا له وتبٌّ، نصبًا ورفعًا. وتببته: قلت له ذلك، نحو أففته أي قلت له: أفٍّ أفٍّ. وتضمن معنى الاستمرار، فيقال: استتب لي الأمر أي استمر. ومعنى ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] أي خسرت واستمرت في الخسران، والمراد جملته. وإنما خص اليدين بالذكر لأنهما محل المزاولة. قال تعالى: ﴿وذلك بما قدمت يداك﴾ [الحج:١٠] وقد قدمت رجلاه ولسانه. ت ب ت: قوله تعالى: ﴿أن يأتيكم التابوت﴾ [البقرة: ٢٤٨]. التابوت هذه الآلة المعروفة تنحت من خشب وغيره. وأصله لما يجعل فيه الميت. وقد يجعل فيه غيره. وقد كان رضاض الألواح التي أنزلها ربنا على موسى في قصة مذكورةٍ. وقيل: هو كنايةٌ عن القلب والسكينة، عبارةٌ عن العلم والطمأنينة، ويرشحه تسميتهم القلب سفط العلم، وبيته بيت الحكمة وتابوتها وصندوقها. ولهذا يقال: اجعل سرك في وعاءٍ غير سرب وعلى ذلك قال عمر في حق ابن مسعود: «كنيفٌ ملئ علمًا»، وهل هو من التوب؟ وهو الرجوع لأنه يرجع إليه صاحبه عند حاجة يأخذها منه، فيكون وزنه فعلوت كملكوت ورهبوت من الملك والرهبة، أو لا اشتقاق له ووزنه فاعول، حكم عليه بأصالة تاءيه كقاطوعٍ، خلافٌ مشهورٌ بيناه في «الدر المصون». وهل تقلب تاؤه في الوقف هاء

стр. 219

وتكتب بهاءٍ؟ المشهور لا. وقد قرئ التابوه بالهاء وهي لغة الأنصار. ويحكى أنهم لما كتبوا المصاحف في خلافة سيدنا عثمان أراد زيدٌ أن يكتبه على لغته بالهاء وأبى المهاجرون ذلك، فبلغ عثمان فأمر أن يكتب بلغة قريشٍ حسبما بينا ذلك في كتابنا المشار إليه. ت ب ر: قوله تعالى: ﴿ولا تزد الظالمين إلا تبارًا﴾ [نوح: ٢٨]. التبار: الهلاك. وتبره يتبره: بالغ في هلاكه. قال تعالى: ﴿وكلا تبرنا تتبيرًا﴾ [الفرقان: ٣٩]، وأصله من التبر وهو الكسر. ومنه تبر الذهب: كسره. ت ب ع: الإتباع: اقتفاء الأثر. يقال: تبعه واتبعه؛ فتارةٌ يكون بالجسم نحو تبعته في الطريق واتبعته فيها، وتارة بالامتثال. وعلى ذلك ﴿فمن اتبع هداي﴾ [طه: ١٢٣] وفي موضع ﴿فمن تبع هداي﴾ [البقرة: ٣٨] ويقال: ﴿تعبه وأتبعه بمعنى لحقه وألحقه، وعليه ﴿فأتبعه شهابٌ ثاقبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ﴿فأتبعه الشيطان﴾ [الأعراف: ١٧٥] ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده﴾ [طه: ٧٨] كله بمعنى الإلحاق، قاله الفراء وغيره. وكذلك أتبع كقوله: ﴿فأتبع سببًا﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿ثم أتبع سببًا﴾ [الكهف: ٨٩] بمعنى لحق، وقد قرئ ذلك بالوجهين. فقد تحصل أن تبع واتبع وأتبع كله بمعنى لحق وألحق. وسميت ملوك اليمن تبابعةً لأنه كلما هلك واحدٌ خلفه واحدٌ وتبعه فيما كان. وفرق ابن اليزيدي بين تبعه وأتبعه، فجعل أتبعه: قفاه، واتبعه: حذا حذوه، ومنع أن

стр. 220

يقال: أتبعناك لأن معناه: اقتدينا بك. وفي المثل: «أتبع الفرس لجامها»، يقال لإرادة تكميل المعروف. وقوله: ﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]، جمع تابع نحو خدمٍ وخادمٍ. والتبيع: الطالب بحق أو ثأر. ومنه ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩]. والتبيع: ولد البقرة إلى سنةٍ؛ لأنه يتبع أمه؛ وفي الحديث «في كل ثلاثين تبيعٌ». وبقرةٌ متبعٌ: لها تبيعٌ. قال الراغب. والتبيع خص بولد البقرة إذا اتبع أمه. والتبع: رجل الدابة، وسميت بذلك لما قال الشاعر: [من الرجز] ٢١٩ - كأنما اليدان والرجلان ... طالبتا وترٍ وهاربان قوله: خص بولد البقرة ليس كذلك، كقوله تعالى: ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾. والمتبع من البهائم: التي يتبعها ولدها. وتبعٌ لكل من ملك اليمن ككسرى لكل من ملك الفرس. والتبع: الظل. وفي الحديث: «إذا أتبع أحدكم على ملئٍ فليتبع» أي إذا أحيل فليحتل. فصل التاء والتاء ت ت ر: قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي متتابعين. وزعم ثعلبٌ أن وزنها تفعل وغلطه الفارسي وهو صحيحٌ لاشتقاقها من المواترة، وتاؤها الأولى بدلٌ من الواو، وهناك أذكرها مستوفيًا الكلام عليها لما قدمت في خطبة هذا الكتاب أني أنظر إلى الأصول.

стр. 221

فصل التاء والجيم ت ج ر: التجارة: التصرف في المال بيعًا وشراءً طلبًا للربح، فهي أخص من البيع، لأنه قد لا يكون لطلب ربحٍ، فمن ثم حسن الجمع بينهما في قوله تعالى: ﴿لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور: ٣٧] وقدمت التجارة لأنها أحب إلى النفوس. وقوله: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ [البقرة: ١٦]، وأسند الربح إليها مجازً ومبالغةً كقولهم: نهاره صائمٌ ومنه قول جرير: [من الطويل] ٢٢٠ - لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت، وما ليل المطي بنائم وقوله تعالى: ﴿هل أدلكم على تجارة﴾ [الصف: ١٠] قد فسرها بقوله: ﴿تؤمنون﴾ إلى آخره. وأي تجارةٍ أربح من تجارةٍ تؤدي إلى النجاة من العذاب المؤلم الفادح؟ ويقال: تاجرٌ وتجرٌ؛ فتجرٌ إما جمع تكسير وإما اسم جمعٍ حسبما اختلف النحويون في راكبٍ وركبٍ وصاحبٍ وصحبٍ. وتستعار التجارة للحذق في الشيء؛ فيقال: فلانٌ تاجرٌ في كذا أي حاذقٌ في وجوهٍ. قالوا: وليس في كلامهم تاءٌ بعدها جيمٌ غير هذه المادة. فأما تجاهٌ فمن الواو كتراثٍ من الوراثة، وتجوب فالتاء للمضارعة. فصل التاء والحاء ت ح ت: تحت: ظرف مكان تقابل فوق، والكلام عليه في تصرفه وعدمه، كالكلام على مقابله، فيجر بمن كان تجر قبل وفوق. قال تعالى: ﴿تجري من تحتها﴾ [البقرة: ٢٥] وهو يعني أسفل. وقيل: بينهما فرقٌ بأن تحت تستعمل في المنفصل، وأسفل في المتصل. يقال: المال تحته. وأسفله أغلظ من أعلاه. وقد يعبر بالتحت عن الشيء الدون؛ فيقال: فلانٌ تحتٌ فينصرف. وعلى هذا قال

стр. 222

عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى تظهر التحوت» أي الدون من الناس. وقيل: أريد بالتحوت ما في بطن الأرض كقوله: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] وقوله: ﴿وألقت ما فيها وتخلت﴾ [الانشقاق: ٤] وروى الهروي: «لا تقوم الساعة حتى يهلك الوعول وتظهر التحوت» أي الأراذل من الناس ومن كانوا تحت أقدامهم. قلت: أراد بالوعول هنا سروات الناس ووجوههم لمقابلتهم بالتحوت. فصل التاء والخاء ت خ ذ: يقال: تخذت كذا أي اتخذته. ويتعدى لاثنين إذا ضمن، يعني صير كاتخذ. وقرئ بالوجهين: ﴿لتخذت عليه أجرًا﴾ [الكهف: ٧٧] و «لاتخذت». فتخذ بمعنى أخذ واتخذ؛ افتعالٌ منه. قال تعالى: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني﴾ [الكهف: ٥٠]. وقيل: اتخذ من الأخذ، وإنما أبدلت الهمزة ياء حتى أبدلت تاء. وقد حققناه في غير هذا. فصل التاء والراء ت ر ب: التراب: معروفٌ، وهو اسم جنسٍ، واحده ترابةٌ، الترب بمعناه: والتربة: الأرض نفسها: وفي الحديث: «خلق الله التربة يوم السبت»؛ قيل: هو التراب، وقيل: هو الأرض. والترب والتوراب: التراب. وريحٌ تربةٌ: أي تأتي بالتراب. وقوله: ﴿أو مسكينًا ذا متربةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي لصق جلده بالتراب لفقره، وهو أسوأ حالًا من الفقير عند قومٍ لهذه الآية. وقد حققنا الفرق

стр. 223

بينهما في «القول الوجيز». ويقال: ترب الرجل: افتقر. وأترب: استغنى بمعنى صار ماله كالتراب. وقوله ﵊، وقد قسم الأزواج: «عليك بذات الدين تربت يداك». قال الراغب. وريحٌ تربةٌ: تأتي بالتراب. ومنه قوله: «تربت يداك» تنبيهًا أنه لا تفوتك ذات الدين، فلا يحصل لك ما ترومه، فتفتقر من حيث لا تشعر، كذا فسره، وهو تفسيرٌ باللازم البعيد. قال أبو عبيد: نرى أنه ﵊ لم يتعمد الدعاء عليه بالفقر، لكنها كلمة جاريةٌ على ألسنة العرب. وقيل؛ هو مثل قولهم: هوت أمه، ولا أب له، ولا أم له. ولم يقصدوا الدعاء، وإنما قصدوا: لله دره. ومنه قول كعب بن سعدٍ: [من الطويل] ٢٢١ - هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب فظاهره: أهلكه الله، وباطنه الله دره. ومثله قول جميل بن معمرٍ: [من الطويل] ٢٢٢ - رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح أراد: ما أحسن عينيها! وبالغر: سادات قومها. وقال ﵊ في حديث خزيمة: «أنعم صباحًا تربت يداك»، فهذا دعاء له فقط وترغيبٌ: أنعم صباحًا. وقوله: ﴿خلقناكم من تراب﴾ [الحج: ٥] أي أصلكم وهو آدم. وقيل: كل أحدٍ يخلق من تربته التي يدفن فيها ويأخذها الملك فيذرها على النطفة.

стр. 224

والترائب: جمع تريبةٍ، وهي عظام الصدر الواقعة عليها القلادة. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٢٢٣ - ترائبها مصقولة كالسجنجل قوله تعالى: ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق: ٧] إشارةٌ إلى أن خلق الإنسان يكون من ماءي الرجل والمرأة. فمقر ماء الرجل صلبه، ومقر ماء المرأة ترائبها. وقيل: إنه ينشأ من لبنها الخارج من ثديها المجاور لترائبها، وتحقيقه في غير هذا. وقوله: ﴿عربًا أترابًا﴾ [الواقعة: ٣٧]، ﴿وعندهم قاصرات الطرف أترابٌ﴾ [ص: ٥٢] فالأتراب: اللدات وهن من تساوى أسنانهن؛ كل واحدةٍ منهن تربٌ للأخرى. وقيل: أترابٌ لأزواجهن، وهو أكثر إلفةً. وسمي الترب تربًا لأنه لصق جلده بالتراب وقت لصوق جلد تربه بالتراب. وقيل: سمين أترابًا تشبيهًا في التماثل بترائب الصدر، وهي ضلوعه لوقوعها في وقت واحد على الأرض. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٢٢٤ - عقيلة أتراب لها، لا دميمةٌ ... ولا ذات خلق إن تأملت جأنب ت ر ث: وأما تراثٌ من قوله: ﴿وتأكلون التراث﴾ [الفجر: ١٩] فيذكر في باب الواو. ت ر ف: قال تعالى: ﴿أمرنا مترفيها﴾ [الإسراء: ١٦] المترف: المتنعم بضروب النعم المتوسع فيها. فالترفة: التوسع في النعمة. وهؤلاء هم الموصفون بقوله: ﴿فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه﴾ [الفجر: ١٥]. وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ [هود: ١١٦] أي جعلوا همهم في تتبع النعم، وأغفلوا ما يهمهم من أمور آخرتهم كغالب أحوال الناس اليوم. قال ابن عرفة: المترف: المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع مما

стр. 225

فيه. وإنما قيل للمتنعم: مترفٌ لأنه مطلق له لا يمنع من تنعمه. ت ر ق: قوله تعالى: ﴿كلا إذا بلغت التراقي﴾ [القيامة: ٢٦] أي إذا بلغت النفس منتهى أمرها لدلالة الحال عليها كما قال حاتمٌ: [من الطويل] ٢٢٥ - أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر أي حشرجت النفس. والتراقي جمع ترقوة وهي عظامٌ. وقيل: هي العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال، وهي موضع حشرجة النفس كما أشار إليه حاتمٌ. وقيل: الترقوة: عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. وقالوا: لكل أحدٍ من الناس ترقوتان، فعلى هذا يكون التراقي من باب غلظ الحواجب. وأصل التراقي: تراقو، فأبدلت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والياء فيها أصليةٌ، والواو زائدةٌ. فوزن ترقوة فعلوةٌ، وليست تفعلة لأنه ليس في الكلام (ر ق و). وقد حققته في غير هذا. ولما حضرت أبا بكر ﵁ الوفاة أنشدت عائشة ﵂ بيت حاتم المتقدم فقال: مه يا بنية وقولي: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق: ١٩] وهي قراءته ﵁، وهذا منه ﵁ مما يدل على شغله بربه. والأمر بكل جميل حتى في هذه الحالة التي لا حالة أشد منها. ت ر ك: الترك: التخلية، ومنه: ﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ [الأنعام: ٩٤] وقوله: ﴿إني تركت ملة قوم﴾ [يوسف: ٣٧] أي رغبت عنها وأعرضت. وقال ابن

стр. 226

عرفة: الترك على ضربين؛ مفارقة ما يكون الإنسان فيه، وترك الشيء رغبةً عنه من غير دخول فيه. وقوله: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ [الصافات: ٧٨] أي أبقينا له ذكرًا حسنًا وخليناه مخلدًا أبد الدهر. ومن كلام الحسن ﵁: «إن الله ترائك في خلق» أي أمورًا أبقاها بينهم من طول الأمل لينبسطوا في الدنيا. وتركة الرجل: ولده وأهله وما خلفه حيًا كان أو ميتًا. ومنه: «جاء إبراهيم ﵇ يطالع تركته» أي ولده وأهله حين خلفهم بالقفر وهو الحرم الشريف، وأصله من بيض النعام وهي الترك. ولكن غلبت التركة في تركة الميت. والتريكة بمعنى الترك أيضًا. ويقال لبيضة النعام تريكةٌ لكونها متروكة في المفازة. ودخول التاء فيها شاذٌّ؛ فإن فعيل بمعنى مفعول لا تدخل على تاء إلا سماعًا كالنصيحة والذبيحة، ولبيضة الحديد أيضًا تشبيهًا ببيضة النعام، كما سميت بيضةً كذلك. وقيل: الترك ضربان: ضربٌ بالاختيار كقوله: ﴿واترك البحر رهوًا﴾ [الدخان: ٢٤] وضربٌ بالقهر والاضطرار كقوله: ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ [الدخان: ٢٥]. ومنه تركة الميت، ويتضمن معنى التصيير، فيتعدى تعديته. قال: [من البسيط] ٢٢٦ - أمرتك الخير فافعل ما ائتمرت به ... فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب فصل التاء والسين ت س ع: التسع: عددٌ معلومٌ، وكذلك التسعون، وهي تسعة عقودٍ؛ كل عقد عشرةٌ، كما أن واحد التسع غير عقد، والتسع أيضًا من أظماء الإبل. والتسع جزءٌ من تسعٍ كالعشر والسدس جزءٌ من عشرة وستة. والتسع لثلاث بقين من آخر الشهر آخرها الليلة التاسعة.

стр. 227

وتسعت القوم كنت تاسعهم، أو أخذت تسع أموالهم كربعتهم وخمستهم. وقوله: ﴿أتينا موسى تسع آيات﴾ [الإسراء: ١٠١]، ﴿في تسع آيات﴾ [النمل: ١٢] ونحوه. فالتسع هي أحوالٌ أربعةٌ؛ ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين﴾ [الأعراف: ١٣٠] أي القحط، وإخراج يده بيضاء من غير سوء، وعصاه، وانغلاق البحر؛ فهذه أربعٌ. والخمس المذكورة في قوله: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم﴾ [الأعراف: ١٣٣]. وقوله: ﴿تسعة رهط﴾ [النمل: ٤٨] هم الذين تمالؤوا على عقر الناقة، وكانوا عظماء أهل المدينة، فيفسدون فيها، فيتبعهم غيرهم. ولذلك قيل فيهم «رهطٌ» لأنهم ذوو أتباعٍ. وقد اختلفوا في أسمائهم؛ فقال الغزنوي: هم قدار بن سالف، وهو أكثرهم فسادًا، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إذا انبعث أشقاها﴾ [الشمس: ١٢]، ومصداعٌ، وأسلم، ودهمي، ودهيمٌ، ودعمي، ودعيم، وفتاك، وصداق، وقيل غير ذلك. وقال عطاء بن أبي رباحٍ: وهو تمثيلٌ ببعض فسادهم. وفي حديث ابن عباس: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع». قال أبو منصور: يعني عاشوراء كأنه تأول فيه عشر الورد أنها تسع أيامٍ. والعرب تقول: وردت الإبل عشرًا أي وردت يوم التاسع. قال الهروي: ولهذا قالوا: عشرِين ولم يقولوا عشرَين، لأنهم جعلوا ثمانية عشر عشرَين، واليوم التاسع عشر والمكمل عشرِين من الدور الثالث فجمعوه لذلك. قال: قيل: وكره موافقة اليهود لأنهم يصومون العاشر، فأراد أن يخالفه بصوم التاسع. قلت: هذا هو الذي عليه أهل العلم. فصل التاء والعين ت ع س: قال تعالى: ﴿فتعسًا لهم﴾ [محمد: ٨].

стр. 228

التعس: السقوط والعثار. يقال: أتعسه الله أي كبه. وتعس هو يتعس تعسًا، وإذا عثر واحدٌ فدعي له قيل: لعًا له أي انتعاشًا. وإذا دُعي عليه قيل: تعسًا لك. قال: فالتعس أولى لها من أن أقول: لعًا. فمعنى تعسًا لهم أي انكبابًا وعثارًا وسقوطًا ونحو ذلك. وقال الفراء: تعست بفتح العين إذا خاطبت، فإذا صرت إلى فعل قلت: تعس بكسر العين. وأتعسه الله. قلت: وهذا غريبٌ إذ لا يختلف الفعل بالنسبة إلى إسناده إلى فاعل دون آخر إلا في عسى فقط كما بيناه. وفي حديث عائشة: «تعس مسطحٌ» وهذه اللام متعلقةٌ بمحذوف على سبيل البيان لا بالنفس كما بيناه في غير هذا. فصل التاء والفاء ت ف ث: قوله تعالى: ﴿ثم ليقضوا نفثهم﴾ [الحج: ٢٩] أي ليزيلوا وسخهم ودرنهم الذي يجتمع عليهم حين أحرموا. وأصل التفث من وسخ الظفر وغيره من الأبدان. وقال الأعرابي لآخر: ما أتفثك وأدرنك! ولذلك فسره ابن عرفة: ليزيلوا أدرانهم. قال النضر بن شميل: التفث في كلام العرب: إذهاب الشعر. وفسره الأزهري بقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقلم الأظفار، مما كان ممنوعًا منه محرمًا. وعن الأزهري أيضًا: التفث في كلام العرب لا يعرف إلا من قول ابن عباس وأهل التفسير ﵏.

стр. 229

فصل التاء والقاف ت ق ن: قوله تعالى: ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ﴾ [النمل: ٨٨] أي أحكمه. والإتقان: الإحكام للشيء والإتيان به على أتم صورة. وفي الحديث: «رحم الله من عمل شيئًا فأتقنه». يقال: أتقن يتقن فهو متقنٌ. وأما التقوى فأصل تائها واوٌ. فصل التاء والكاف ت ك أ: قال تعالى: ﴿وأعتدت لهن متكأً﴾ [يوسف: ٣١] المتكأ: ما يتكأ عليه من وسادة ونحوها، وقيل: هو مكان الاتكاء. والاتكاء: الاعتماد. وقيل: هو طعامٌ يتناول. يقال: اتكأنا على كذا. قال القتيبي: اتكأنا عند فلان أي أكلنا. وجعله بعضهم من باب الكناية لأن من يدعو الناس ليطعمهم هيأ لهم متكأً غالبًا. وأنشد لجميلٍ: [من الخفيف] ٢٢٧ - فظللنا بنعمةٍ واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله قال الراغب: أي أترجًا. قلت: من جعله الأترج إنما قال ذلك في قراءة من قرأ مُتْكأً ومَتْكأً بسكون التاء قراءتان شاذتان وانشدوا: [من الوافر] ٢٢٨ - فأهدت مُتكة لبني أبيها ... تخب بها العثمثمة الوقاح

стр. 230

وقيل: هو اسمٌ لما يقطع بسكينٍ كأترجٍ وغيره. وأنشدوا: [من الخفيف] ٢٢٩ - نشرب الإثم بالصواع جهارًا ... ونرى المتك بيننا مستعارًا وفي الحروف قراءاتٌ لست بصدد بيانها هنا لذكرها في غير هذا. فمتكأ في قراءة العامة وزن مفتعل. فصل التاء واللام ت ل ل: قوله تعالى: ﴿فما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] أي صرعه على جنبه. يقال: تللته أتله تلا: صرعته، أصله من التل وهو المكان المرتفع؛ فمعنى تللته: أسقطته على التل. وقيل: بل هو من التليل، والتليل: العنق. فمعنى تللته: أسقطته على تليلة، ثم عبر به عن السقوط مطلقًا، وإن لم يكن على تل ولا تليل. والمتل: الرمح من ذلك، لأنه يتل به أي يطعن، فهو سبب السقوط. ﴿وتله للجبين﴾ مثلها في قوله: ﴿يخرون للأذقان﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وقوله: [من الطويل] ٢٣٠ - فخر صريعًا لليدين والفم والمتل بفتح الميم: اسم المصدر أو المكان أو الزمان، ومنه حديث أبي الدرداء: «وتركوك لمتلك» أي لمصرعك. وفي حديث آخر: «فجاء بناقة كوماء فتلها» أي أناخها.

стр. 231

والتل أيضًا: الصب. وفرقوا بين فعلهما فقالوا: تل يتل بالكسر: سقط. وتل يتل: صب، وفي الحديث: «بينا أن نائمٌ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي». قال ابن الأعرابي: معناه صبت، قال ابن الأنباري: ألقيت. وعندي أن هذه كلها معانٍ متقاربة: السقوط والإلقاء والصب للقدر المشترك. قال الهروي: تأويل الحديث: ما فتحه الله لأمته بعد وفاته. وعندي أنه على غير ذلك، وهو سعة الدنيا، كما جاء مصرحًا بذلك في «الصحاح» وهو اللائق بصفة سيدنا رسول الله ﷺ . وإن كان ما قاله الهروي حسنًا فهذا أحسن. ت ل و: التلاوة: المتابعة. يقال: تلوت زيدًا أي تبعته. وغلب في العرف التلاوة على قراءة القرآن؛ فمنه قوله تعالى: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة:١٢١] لأن القارئ يتبع كل كلمة أختها. وقيل: ﴿فالتاليات ذكرًا﴾ [الصافات:٣] قيل: هم الملائكة؛ يتلون وحي الله على أنبيائه أو يتلون ذكر الله بتسبيحهم وتقديسهم، أو هم كل من تلا ذكر الله من ملكٍ وغيره. وقوله: ﴿تتلو كل نفسٍ ما أسلفت﴾ [يونس: ٣٠] أي تتبع عملها إن خيرًا فللجنة، وإن شرًا فللنار. وفي معناه: ﴿يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خير محضرًا وما عملت من سوء تود﴾ [آل عمران: ٣٠] الآية. وقيل: تلاه: تبعه متابعةً ليس بينهما ما ليس منهما؛ فتارةً يكون بالجسم نحو: تلوت زيدًا، وتارةً بالاقتداء في الحكم ومصدره التُّلُو والتِّلْو، وتارةً بالقراءة وبفهم المعنى ومصدره التلاوة. فالتلاوة أخص من القراءة، وذلك أن التلاوة تختص باتباع كتبه المنزلة؛

стр. 232

تارة بالقراءة وتارة بالامتثال لما فيه من أمرٍ ونهيٍ وترغيبٍ وترهيبٍ، أو ما يتوهم فيه ذلك، وعلى هذا ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١]. وقوله: ﴿ويتلوه شاهدٌ منه﴾ [هود: ١٧] أي يتبع أحكامه ويقتدي بها ويعمل بموجبها. وقوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] سماه تلاوةً تنزيلًا على اعتقاد الشيطان، فإنه كان يزعم أن ما يتلوه من كتب الله تعالى. وقوله: ﴿والقمر إذا تلاها﴾ [الشمس: ٢] إنما قال تلاها لأن معناه هنا الاقتداء، وذلك لما قيل إن القمر مقتبسٌ من نور الشمس؛ فهو لها بمنزلة الخليفة. وعلى هذا نبه بقوله: ﴿وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. فأخبر أن الشمس بمنزلة السراج؛ والقمر بمنزلة النور المقتبس منه. وعليه: ﴿جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا﴾ [يونس: ٥]، لأن الضياء أقوى من النور، فهو أخص منه. وقد ذكرنا هذه النكتة عند قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧] ولم يقل بضيائهم. وقوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ يحتمل القراءة بأن يقيموا ألفاظه من غير تحريف ولا لحن، ويتدبروا معانيه، ويحتمل الإتباع بالعلم والعمل، والأولى حمله على جميع ذلك. إلا أن قوم لفظه ولم يتبعه في العلم والعمل ليس بتالٍ وإن قرع دماغه. ومن تبعه في العلم والعمل تالٍ وإن لم يتلفظ به، وفي حديثٌ ذكرناه في موضعه. وفي الحديث: «لا دريت ولا تليت» أصله تلوت فقلبت الواو ياءً لازدواج الكلام كقوله: «ارجعن مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ»، وقوله: «أيتكن صاحبة الجمل الأزب تنبحها كلاب الحوءب». يريد مأزوراتٍ، والأزب الكثير الشعر وفلانٌ يتلو على فلان ويقول عليه، أي يكذب.

стр. 233

والتلاوة بالضم والتلية: البقية مما يتلى أي يتتبع. وأتليته: أبقيت منه تلاوةً. فصل التاء والميم ت م م: والتمام: ضد النقصان، وهو عبارة عن انتهاء الشيء إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، والناقص: ما لم ينته إلى ذلك. ويقال: عددٌ تمامٌ وناقصٌ، وثوبٌ تمامٌ وناقصٌ، وليل تام، والليل التمام. ويقال: هو الطويل، عليه قول النابغة الذبياني: [من الطويل] ٢٣١ - يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يده قعاقع ويقال: لكل حاملةٍ تمامٌ من ذلك؛ قال: [من الوافر] ٢٣٢ - أني ولكل حاملةٍ تمام وقوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ [الأعراف: ١٤٢] إشارةٌ إلى أنه لم يتجوز فيها، فأطلق الكل وإن نقص بعض جزءٍ، لأن العرب قد تفعل مثل ذلك، يقولون: سرنا ثلاثة أيام، يريدون يومين وبعض الثالث، وعليه ﴿الحج أشهرٌ معلوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومثل قوله: ﴿فتم ميقات ربه﴾، قوله: ﴿تلك عشرةٌ كاملةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال الفراء: فعمل بهن. وقال غيره: تم إلى كذا: بلغه ومضى عليه، وأنشد للعجاج: [من الرجز]

стр. 234

٢٣٣ - لما دعوا: يال تميمٍ تموا ... إلى المعالي وبهن سموا وقوله: ﴿تمامًا على الذي أحسن﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي على موسى بما أحسنه من طاعة ربه، أو تمامًا من الله على المحسنين. واختاره الزجاج. والتِّمُّ والتَّمُّ والتَّامُ بمعنى واحدٍ. وفي الحديث: «الجذع التام» ويروى «التم». وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ [الأنعام: ١١٥] أي حقت ووجبت لم ينقص منها شيء. والتمائم: خرزات تعلق على الصبي لدفع العين في زعمهم، فأبطل بها الرقى ﵊، قال الشاعر: [من الطويل] ٢٣٤ - بلادٌ بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جسمي ترابها وقال أبو ذؤيب الهذلي في مرثيته: [من الكامل] ٢٣٥ - وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع فصل التاء والواو ت وب: التوبة والتوب: الرجوع. يقال: تاب وثاب بالمثناة والمثلثة أي رجع من قبيح إلى جميل. وقوله: ﴿وقابل التوب﴾ [غافر: ٣] كقوله: ﴿وهو الذي يقبل التوبة من عباده﴾ [الشورى: ٢٥]. فالتوبة من الله على عباده: الرجوع بهم من المعصية إلى الطاعة. ومنه قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ [البقرة: ٥٤]. وقد يكون الرجوع بهم من الحظر إلى الإباحة، كقوله: ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم﴾ [البقرة: ١٥٧] أي أباح

стр. 235

ما حظره. وقد يكون من الأثقل إلى الأخف، كقوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر﴾ [المزمل: ٢٠]. وقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ [البقرة: ٥٤] أي ارجعوا إلى أوامره وانتهوا عن نواهيه. والتواب: صيغةٌ مبالغةٌ يوصف بها الله تعالى لكثرة قبوله توبة عباده، والعبد لكثرة وقوعها منه إلى ربه، ومنه ﴿وإليه متاب﴾ [الرعد: ٣٠] أي رجوعي إليه لا إلى غيره تعريضًا بإشراكهم معه آلهةٌ أخرى يجرعون إليها في شدائدهم. وقال بعضهم: التوب: ترك الذنب على أحد الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما بـ «لم أفعل»، أو فعلت لكذا، أو فعلت وأسأت وقد أقلعت، وهذا هو التوب. والتوبة النصوح في قوله تعالى: ﴿توبةً نصوحًا﴾ [التحريم: ٨] هي ترك الذنب لقبحه، والندم على فعله، والعزم على عدم معاودته، وتدارك ما أمكن تداركه، من رد ظلامة ونحوها، حسبما بيناه في «الأحكام» و «التفسير»، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ومن تاب وعمل صالحًا فإنه يتوب إلى الله متابًا﴾ [الفرقان: ٧١]. ألا ترى كيف كرر لفظه وأكده بمصدره، وصرح بالعمل الصالح وضمن التوب معنى الإنابة، فلذلك عدي بإلى في قوله: ﴿فإنه يتوب إلى الله﴾ [الفرقان: ٧١] كقوله: ﴿وأنيبوا إلى ربكم﴾ [الزمر: ٥٤]. فصل التاء والياء ت ي ر: قوله تعالى: ﴿تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥] أي مرةً أو كرةً أخرى، وهي فيما قيل في تأر الجرح أي التأم. وألفها الظاهر أنها عن واوٍ. ويجوز أن تكون عن ياءٍ. وتجمع على ترةٍ، وهي ترجح الياء، وتاراتٍ. قال الشاعر: [من الطويل]

стр. 236

٢٣٦ - وإنسان عيني يحسر الماء تارةً ... فيبدو وتارةً يجم ويغرق وانتصابها على المصدر. والتورية تذكر في باب الواو. ت ي ن: التين: هذه الفاكهة المعروفة. قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١] قيل: اسم لجبلين ينبتان التين والزيتون بالشام، يسميان بطور سيناء وطور زيتا. وقيل: التين مسجد نوحٍ المبني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس. وعن ابن عباس ﵄: «هو تينكم الذي تأكلون وزيتونكم الذي تعصرون». وقيل: التين جبل دمشق، والزيتون جبل القدس، وفيهما أقوالٌ أخر تركناها لموضع أليق من هذا. وعن أبي ذر: «أنه أهدي إلى رسول الله ﷺ -مرة تينٌ. فقال: كلوا. وأكل منه، ثم قال: لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة قلت: هذه؛ فإن فاكهة الجنة بلا عجمٍ فكلوها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس». ت ي هـ: قال تعالى: ﴿يتيهون في الأرض﴾ [المائدة: ٢٦]. والتيه: الحيرة. تاه يتيه تيهًا كباع يبيع بيعًا؛ فهو تائهٌ أي حائرٌ. وتاه يتوه توهًا فهو تائهٌ؛ فيهما لغتان. وتيهته وتوهته نحو طيحته وطوحته. ووقع في التيه والتوه أي موضع الحيرة. وأصله من الأرضي التيهاء وهي المفازة المجهولة المسلك لعدم وجود منارٍ أو علمٍ بها، فمن سلكها حصل له التيه. ويستعار لمن رفع عن طريق القصد وانهمك في اللذة، فيقال: فلانٌ تياهٌ.

стр. 237

باب الثاء المثلثة فصل الثاء والباء ث ب ت: الثبات والثبوت: ضد الزوال. يقال: ثبت يثبت ثبتًا وثباتًا وثبوتًا أي، يقوي جنانهم حتى يجيبوا الملكين في القبر لما يسألنهم، وهو راجعٌ لما قدمنا؛ فإن تقوية الشيء يثتبه ولا يزيله. ومنه: ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ [الأنفال: ١٢]؛ ألا ترى كيف قابله بقوله: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ [الأنفال: ١٢] ورجلٌ ثبتٌ وثبيتٌ أي لا يزول عن النصر في الحرب. واستعير للرجل الصدوق للزومه مقاله لا يتزلزل فيه. وقوله: ﴿وتثبيتًا من أنفسهم﴾ [البقرة: ٢٥٦] أي طمأنينة لا قلق ولا تزلزل معها. ومثله قوله: ﴿وثبت أقدامنا﴾ [البقرة: ٢٥٠] وقوله: ﴿لثبتوك﴾ [الأنفال: ٣٠] يريد: ليفعلوا بك فعلًا يحسبونك به في ذهابك وحركتك نحو: أثبت الصيد إذا رميته، فحبس، وأثبت السهم من ذلك. وأصبح المريض مثبتًا: أي لا حراك به. والإثبات: يقال تارة بالبصر نحو: أنت ثابتٌ عندي، وأخرى بالبصيرة نحو: نبوة محمد ﷺ -ثابتةٌ عندنا، وتارةً بالقول صدقًا نحو: أثبت التوحيد والنبوة، أو كذبًا نحو أثبت فلان مع الله إلهاً آخر، وتارة بالفعل فيقال لما أوجده الله من العدم: أثبته الله. وتارة بالحكم نحو: أثبت القاضي على فلان دينًا، وثبته عليه. كل ذلك تابعٌ لما ذكرناه. وقوله: ﴿وأشد تثبيتًا﴾ [النساء: ٦٦] أي أشد لتحصيل علمهم. وقيل: أثبت لأعمالهم واجتناء ثمرة أفعالهم. وأن يكونوا خلاف ما قال فيهم: ﴿وقدمنا على ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. ث ب ر: قال تعالى: ﴿دعوا هنالك ثبورًا﴾ [الفرقان: ١٣]. الثبور: الهلاك، يقولون: واثبوراه! فيقال لهم: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا﴾ [الفرقان: ١٤] أي دعاءً واحدًا، بهذا القول بل كرروه فإنه لا يجدي عليكم شيئًا. وهذا

стр. 238

قبل أن يقال لهم: ﴿اخسؤوا فيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] لأنه منادى حالهم، وأصله المنع من الخير. يقال: ما ثبرك عن كذا؟ أي ما صرفك ومنعك. وثبرته عنه فهو مثبور. ولا شك أن الممنوع من الخير هالكٌ. والمثابرة على الشيء: المواظبه عليه. يقال: ثابرت على هذا الأمر، كأنه منعه أن يصرف إلى غيره. وقوله: ﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي هالكًا، وقيل: ناقص العقل لمقابلة قوله له: ﴿مسحورًا﴾ [الإسراء: ١٠١]. ونقصان العقل أشد هلاكًا. وقيل: ملعونًا مطرودًا. والثبور: اللعن والطرد. وثبر الرجل: ذهب عقله من ذلك، لأن من يفقد عقله يهلك. وثبرت القرحة: انفتحت. وفي حديث أبي بردة حين قال له معاوية: «انظر إلى قرحتي فنظرت فإذا هي ثبرت». والثبرة: النقرة في الشيء، وهي أيضًا ما ينتقع فيه الماء من التلاع. والمثبر: مسقط الولد، وأكثر ما يكون في الإبل، وفي حديث أم حكيم بن حزام: «أنها ولدته في الكعبة فحمل في نطع وأخذ ما تحت مثبرها فغسل عند حوض زمزم». وثبير: جبل بقرب عرفة كأنه يهلك من يتوقله. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٢٣٧ - كأن ثبيرًا في أفانين ودقة ... كبير أناس في بجادٍ مزمل وكانوا يقولون: أشرق ثبير حتى نغير، ثم يفيضون.

стр. 239

ث ب هـ: قال تعالى: ﴿فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا﴾ [النساء: ٧١]. والثبات جمع ثبةٍ وهي الفرقة. والمعنى انفروا جماعات في تفرقة، يريد سرية في إثر أخرى. يقال: ثبيت الجيش جعلته ثبةٌ. قال يصف خيلًا: [من الطويل] ٢٣٨ - فلما جلاها بالإيام تحيرت ... ثباةً عليها ذلها واكتئابها وثبيت على الرجل: ذكرت متفرق محاسنه. وأصل ثبة ثببةٌ لأنها بهاءٍ، فحذفت، وتجمع على ثباتٍ المشهور كسر تائها نصبًا كغيرها من جمع المؤنث السالم، وفيها لغية تنصيب فيها بالفتحة. وقرئ «فانفروا ثباتًا». ويروى قوله: تحيرت ثباتًا بالفتحة. أما ثبتة الحوض، وهي وسطه، فمن ثاب يثوب. والمحذوف عينها وليست من هذه في شيءٍ وإن اشتبه لفظهما. فصل الثاء والجيم ث ج ج: قال تعالى: ﴿ماء ثجاجًا﴾ [النبأ: ١٤] أي شديد الانصباب. ومنه: أتى الوادي بثجيجه. وثج الماء ثجًا فهو ثجاجٌ. وفي الحديث: «أفضل الحج العج والثج»؛ فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج: إسالة دم الهدايا. وفي حديث أم معبد: «فحلب فيه ثجًا». وعن الحسن في حق ابن عباس: «كان مثجًا» أي يصب الكلام صبًا؛ يصفه بغزارة العلم. يقال: ثججته أثجه فثج، والقاصر والمعتدي سواءٌ.

стр. 240

فصل الثاء والخاء ث خ ن: الإثخان: تكثير الشيء وتطبيقه بعضه على بعضٍ. ومنه ثوبٌ ثخينٌ أي متركب الغزل، قوي النسيج. وقوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] أي يكثر قتل العدو والمحارب، فتقوى شوكة دينه. وثخن جيشه على الاستعارة من ثخانة الثوب والعسل ونحوهما. كما يقال: ثخن الشراب يثخن ثخانةً فهو ثخينٌ إذا لم يسل وعسر صبه. وكان رأي أبو بكرٍ مفاداة الأسرى ورأي عمر في قتلهم، وكل له مقصدٌ صحيحٌ. فنزل القرآن بموافقة عمر، ولذلك فسره بعضهم بمعنى: حتى يمكن فيهم. وقال الأزهري: يبالغ في قتل أعدائه، وهو بمعنى الأول. والإثخان أيضًا: التشديد، ومنه أثخنه المرض أي اشتد عليه. وأثخنته الجراحة: تمكنت منه، ومنه ﴿حتى إذا أثخنتموهم﴾ [محمد: ٤] أي بالغتم في قتلهم. وأنشد المفضل: [من الطويل] ٢٣٩ - وقد أثخنت فرعون في كفره كفرًا أي بالغت وزادت. فصل الثاء والراء ث ر ب: قوله تعالى: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾ [يوسف: ٩٢]: لا تقريع ولا تبكيت. يقال: ثربت على فلانٍ: عددت ذنوبه عليه. وفي الحديث: «فليجلدها ولا يثرب» أي لا يقرعها بعد الضرب.

стр. 241

قال الراغب: ولا يعرف من لفظه إلا قولهم الثرب، وهو شحمةٌ رقيقةٌ: قلت معنى التثريب مشتق من الثرب، وهو شحمٌ رقيقٌ على القلب، ومعنى ثربته أزلت شحم فؤاده من شدة التقريع. فالتفعيل فيه للسلب، نحو قردت البعير أي أزلت قراده. ويجمع الثرب على ثروب، وثروبٌ على أثارب، ومنه الحديث: «نهى عن الصلاة إذا صارت الشمس كالأثارب» أي إذا خصت فتفرقت في مواضع، شبهت بسماحيق الشحم. وقوله: ﴿يا أهل يثرب﴾ [الأحزاب: ١٣]. قال الشاعر: [من الطويل] ٢٤٠ - وقد وعدتك موعدًا لو وفت به ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب فبالمثناة مفتوح الراء اسم مكان آخر غير المدينة. وبعضهم يرويه بيثرب بالمثلثة والكسر أيضًا. ث ر ي: قوله: ﴿وما تحت الثرى﴾ [طه: ٦] وهو التراب الندي الذي تحت هذا التراب الظاهر. وقيل: ما تحت الأرض السابعة. وثريت: ألقيت، أثريه تثرية: بللته. ويقال: ثرى المكان أي رشه، وفي الحديث: «أتى بسويق فأمر به فثرى» أي بل. وأثرى فلانٌ: كثر ماله حتى صار كالثرى، كقولهم: أثرت، وقد تقدم. والثراء بالمد: الغنى وكثرة المال. وفي حديث أم زرع: «وأراح علي نعمًا ثريًا» أي كثيرًا. وقال حاتمٌ: [من الطويل] ٢٤١ - أماوي ما يغني الثراء عن الفتى

стр. 242

فالثرى بالقصر التراب، وبالمد: المال. فصل الثاء والعين ث ع ب: قوله: ﴿ثعبانٌ مبينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] الثعبان: ما عظم من الحيات، والجان: ما دق منها. وعلى هذا فكيف يجمع بين قوله ثعبان وبين قوله جان؟ وأجيب بجوابين أحدهما أنها جامعةٌ حين تشكلها بين وصفي هذين الجنسين، أي في عظم الثعبان وخفة الجان. والثاني أنها في ابتداء تشكلها كالجان، ثم تتعاظم كالثعبان. وقال أب عبيدة: هي الحية، وأطلق. وقال غيره: الحية الذكر. وقال الراغب: يجوز أن يكون سمي بذلك من قولهم: ثعبته فانثعب، أي فجرته فانفجر، وأسلته فسال. ومنه مثاعب المطر. قلت: قوله صحيح لأنهم شبهوا هذا الجنس لقوة سعيه وخفة حركته بالماء الجاري. وفي الحديث: «يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا». والثعبة: ضربٌ من الوزغ جمعه ثعبٌ. ولماكانت هيئته مختصرةً من هيئة الثعبان اختصروا له لفظًا من لفظه. فصل الثاء والقاف ث ق ب: الثقب: النفوذ، ومنه ثقب اللؤلؤ، وثقبت ثقبًا، مثل نقبت نقبًا وزنًا ومعنىً. قوله

стр. 243

تعالى: ﴿النجم الثاقب﴾ [الطارق:٣] أي المضيء. ومثله: ﴿شهابٌ ثاقبٌ﴾ [الصافات: ١٠] كأنه يثقب بضوئه وإنارته ما يقع عليه. والمثقب: الطريق في الجبل، كأنه ثقبٌ وهو المنفذ للحيوان. قال أبو عمرو: والصحيح أنه مثقبٌ. وثقبت الناقة أثقبها إثقابًا أي أدركتها حيث ثقبت الأبصار. ويقال: ثقبها أيضًا فثقبت تثقب ثقوبًا. وقال الحجاج في ابن عباس: «إن كان لمثقبًا». أي ثاقب العلم. ث ق ف: الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله. ومنه: رجلٌ ثقفٌ لثقفٌ، وثقفٌ لقفٌ. يقال: ثقفته أثقفته ثقفًا، وأثقفته إثقافًا أي أدركته إدراكًا بحذقٍ. وثقفته أي أدركته ببصري بحذقٍ، ثم تجوز به، فيستعمل في مجرد الإدراك، ومنه: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: ١٩١] وقوله: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ [الأنفال: ٥٧] من ذلك. وثقفت الرمح: قومته: فهو مثقفٌ. والثقاف ما يثقف به. وفي حديث الغار: «غلامٌ ثقفٌ لقفٌ» أي فطنٌ، وامرأة ثقافٌ. وعن بنت عبد المطلب أم حكيمٍ: «إني حصانٌ فما أكلم وثقافٌ فما أعلم» أي حاذقةٌ. ويروى صناعٌ. ث ق ل: الثقل: يقابل الخفة، فكل ما رجح غيره بوزنٍ أو مقدارٍ فهو أثقل منه، وأصله في الأجسام، ويستعمل في المعاني، نحو قوله: ﴿فهم من مغرمٍ مثقلون﴾ [الطور: ٤٠]، وأثقله الدين. والثقيل: غلب في الذم؛ يقولون: ثقيل الروح، وقد يمدح به بقرينة نحو قول الشاعر: [من الوافر]

стр. 244

٢٤٢ - تخف الأرض إذا مازلت عنها ... وتبقى ما بقيت بها ثقيلًا حللت بمستقر العز منها ... فتمنع جانبيها أن تميلا والخفيف والثقيل يقالان باعتبارين؛ أحدهما بالنظائر؛ فيقال: هذا ثقيلٌ بالنسبة إلى أقل منه، وخفيفٌ بالنسبة إلى أكثر منه. والثاني باعتبار طبع الشيء؛ فما كان بطبعه مائلًا إلى الهبوط كالتراب والحجر والمدر فثقيلٌ، وما كان بطبعه مائلًا إلى الصعود كالنار والدخان فخفيفٌ. قوله: ﴿انفروا خفافًا وثقالًا﴾ [التوبة: ٤١] أي أصحاء ومرضى. وقيل: موسرين ومعسرين. وقيل: شبابًا وشيوخًا. وقيل: نشاطًا وكسالى. وقيل: خفت بكم. قوله: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] قيل: ما فيها من الموتى أخرجهم الحشر وقيل: ما فيها من الكنوز، وفيه حديثٌ. وقوله: ﴿ثقلت في السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٨٧] قال القتيبي: أي خفيت، لأن ما خفي عليك يثقل. وقال ابن عرفة: ثقلت علمًا وموقعًا. قال الراغب: وقد يقال: ثقل القول إذا لم يطب سماعه، ولذلك قال في وصف القيامة: ﴿ثقلت في

стр. 245

السموات والأرض﴾. قوله: ﴿وإن تدع مثقلةٌ إلى حملها﴾ [فاطر: ١٨] أي نفسٌ مثقلةٌ بأوزارها ومآثمها. قوله: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣] أي ذنوبهم التي ثبطتهم عن اكتساب الثواب فهذه أثقالهم وأثقالًا معها وهي أغواؤهم غيرهم حين أضلوهم عن الحق، كما يقول تابعوهم: ﴿ربنا آتهم ضعفين من العذاب﴾ [الأحزاب: ٦٨]. قوله: ﴿إن سنلقي عليك قولًا ثقيلًا﴾ [المزمل: ٥] أي له قدرٌ وخطرٌ. يقال: ثقلت الشيء: إذا وازنته. وقيل: إن معناه أن أوامر الله ونواهيه وفرائضه لا يؤديها أحدٌ إلا بتكلفٍ ما يثقل. قوله: ﴿فلما أُثقلت﴾ [الأعراف: ١٨٩] كنايةٌ عن ظهور حملها، لأنها تثقل عن الحركة. وقيل: معناه صارت ذات ثقلٍ نحو: أثقلت الأرض. قوله: ﴿مثقال حبة﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ﴿مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠] أي زنة ذلك. والمثقال ما يوزن به. قال الشاعر: [من الطويل] ٢٤٣ - وكلا يوفيه الجزاء بمثقال وغلب في التعارف على قدرٍ مخصوص من الذهب لم يتغير جاهليةً ولا إسلامًا. قوله: ﴿اثاقلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: ٣٨] أي أخلدتم إليها. وقال البصريون: يقال: ثقلت إلى الأرض: اضطجعت عليها واطمأننت. قاثاقلتم: تفاعلتم من ذلك. وإنما أدغمت التاء في الثاء فسكنت، واجتلبت همزة وصلٍ، ومثله، ﴿ادارأتم﴾ [البقرة: ٧٢] الأصل تدارأتم كما حققناه في غير هذا. وقيل: لأن ميلانهم إلى أسفل كالحجر. وقوله: ﴿أيه الثقلان﴾ [الرحمن: ٣١] هما الإنس والجنٌ. قيل: سميا بذلك لتثقلهما الأرض. وقيل: لأن لهما قدرًا وخطرًا، وذلك لما فضلا به عن سائر الحيوان من

стр. 246

العقل والتمييز والتنال بالأيدي، ولاسيما بني آدم، لقوله: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ الآية [الإسراء: ٧٠] وقوله ﵊: «إني تاركٌ فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي» فيه وجهان أحدهما: أن لهما قدرًا عظيمًا ووزنًا خطيرًا. ولذلك سميت بيضة النعام ثقلان ... وقال ثعلبٌ: لأن أخذهما ثقيل والعمل بهما ثقيلٌ. قوله: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومن خفت موازينه﴾ [الأعراف: ٩] إشارةٌ إلى كثرة الخير والحسنات، وإلى قلتهما. والصحيح أن الأعمال توزن حقيقة بأن يجعلها القادر على كل شيء جزاء ما توزن فتثقل وتطيش. وقيل: هو عبارةٌ عن عدل الله وإنصافه، كما يعدل بالميزان من غير حيفٍ. وقد حققناه في «التفسير الكبير». فصل الثاء واللام ث ل ث: الثلاثة والثلاثون: عددان معلومان، والثلث والثلثان جزءان معلومان. قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣] أي اثنتين اثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا. على أن الواو بمعنى أو كما وقعت أو موقع الواو كما هو مقررٌ في موضعه. وقوله: ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ [فاطر: ١] كذلك الواو على بابها أو بمعنى أو. والظاهر أنها في الآيتين على بابها، وأن المعنى: لينكح بعضكم مثنى، وبعضكم ثلاث. وكذلك الملائكة بعضهم ذو مثنى وبعضهم ذو ثلاث. ومثنى وثلاث معدولون عن عدد مكرر. فمن ثم منع من الصرف. وزعم الظاهريون أنه يزوج بتسع لقوله: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾، وذلك لجهلهم باللغة إذ كان يقتضي الظاهر أنه يجوز التزوج على

стр. 247

زعمهم بثمان عشرة امرأة لما ذكرنا من أن أصله عددٌ مكرر وقد تكلمنا معهم في «القول الوجيز» وغيره. وقوله: ﴿ثلاث عورات لكم﴾ [النور: ٥٨] أي ثلاث أوقات عورات، وهي مفسرةٌ في قوله: ﴿من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء﴾ [النور: ٥٨] لأن الإنسان يلقي ثيابه من عليه هذه الأوقات، فيبدو منه ما يكره اطلاع غيره عليه. قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] أي أحد ثلاثةٍ آلهة. قال أبو منصور: وذلك أنه متى أضيف فاعلٌ من العدد إلى مماثله كان معناه أنه أحدهما، فإن أضيف إلى ما تحته نحو: رباع ثلاثةٍ معناه جعل الثلاثة أربعةً. ويجوز تنويه ونصب ما بعده. قوله في الحديث: «شر الناس الثالث» يعني الساعي بأخيه لأنه يهلك ثلاثةً: نفسه وأخاه وإمامه. وثلث القوم: أخد ثلث مالهم. وثلثهم: صار ثالثهم. إلا أنهم فرقوا بينهما في المخارج، فقالوا في الأول: يثلثهم بالضم، وفي الثاني يثلثهم بالكسر. وثلثت الشيء: جعلته أثلاثًأ. وأثلث القوم: صاروا ثلاثة. وأثلث الدراهم: جعلتها ثلاثة، فأثلثت هي. ورجلٌ مثلوثٌ: أخذ ثلث ماله. وحبلٌ مثلوثٌ: مفتولٌ على ثالث قوىً. وأثلث الفرس وأربع: إذا جاء في الحلبة ثالثًا ورابعًا. وناقةٌ ثلوثٌ: تحلب من ثلاثة أخلاف. العنب: أدرك ثلثاه. وأثلث البسر إذا بلغ الإرطاب ثلثيه. وثوبٌ ثلاثيٌ: أي ثلاثة وثلث أذرعٍ. والثلاثاء والأربعاء قيل: ألف التأنيث بدلٌ من تائه نحو حسنةٍ وحسناء، وخصا بهذين اليومين. ث ل ل: قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين﴾ [الواقعة: ١٣]

стр. 248

الثلة: الجماعة من الناس، وأصله من ثلة الغنم وهي جماعتها. ويقال لصوفها أيضًا: ثَلةٌ، وذلك بفتح الثاء بخلاف ثُلة الناس، فإنها بالضم فقط. فباعتبار الاجتماع قيل للجماعة من الناس: ثُلة، وكأنهم غايروا بين الجماعتين ليقع الفرق. قال: [من الرجز] ٢٤٤ - لو أن نوقًا لك أو جمالًا ... أو ثلةً من غنم إما لا وأثللث عرضه وثَللتُه فهو مُثَلٌّ ومَثْلولٌّ أي أسقطت منه ثُلةً. ورئي عمر ﵁ في المنام فسئل عن حاله فقال: «كاد يُثَلُ عرشي»، كنى بذلك عن هول المطلع. وإذا كان الحال كذا مع الفاروق فما ظنك بنا؟ قال القتيبي: العرض هنا إما كنايةٌ عن سرير الملك، وإما عن عرش الملك، وهو بيت ينصب من عيدان ويظلل، وأيهما كان فهدمه هلكةٌ لصاحبه. فكنى بذلك ﵁ عن شدة الأمر وتفاقمه. وقيل: ثللت عرشه: هدمته. وأثللته: أمرت بإصلاحه. فالهمزة فيه للقلب، أي أزلت ثله وثللت كذا: تناولت ثلة منه. والثلل: قصر الأسنان لسقوط ثلة منها. وأثل فوه. سقطت أسنانه: تثللت الركية: تهدمت، وفي الحديث: «لا حمى إلا في ثلاث: ثلة البئر»؛ قال أبو عبيد: هو أن يحفر في أرضٍ غير ملك لأحدٍ، فله من حواليها ما تلقي فيها ثلة البئر، أي ما يخرج من ترابها فصل الثاء والميم ث م د: قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ [فصلت: ٤١]، فثمود مشتق من الثمد، وهو الماء القليل الذي لا مادة له. وكان لهم ثمدٌ قسمه صالحٌ بينهم وبين الناقة كما هو مشهورٌ في القصة. وقيل: لاشتقاق له لأنه أعجميٌ؛ فعلى الأول يمتنع من الصرف اعتبارًا بتأنيث القبيلة، وعلى الثاني باعتبار العجمة. وقرئ بالصرف وعدمه متواترًا حسبما

стр. 249

بيناه في مواضعه من «العقد النضيد» وغيره وفي الحديث: «فافجر لهم الثمد» أي اجعله يتفجر كثرةً بعد قلةٍ. ورجلٌ مثمودٌ أي ثمدته النساء فقطعن مادة مائه لكثرة غشيانه لهن. ورجلٌ مثمودٌ أيضًا: إذا كثر عطاؤه حتى هد مادة ماله. ث م ر: الثمر: حمل الأشجار، واحده ثمرةٌ، ثم يجمع على ثمار، ثم يجمع ثمارٌ على ثمرٍ بضمتين؛ ثم يخفف جوازًا بتسكين ثانيه، ومن ثم قرئ: ﴿ليأكلوا من ثمره﴾ [يس: ٣٥] و ﴿انظروا إلى ثمره﴾ [الأنعام: ٩٩] بذلك، وكذا ﴿وأحيط بثمره﴾ [الكهف: ٤٢] فيه الخلاف حسبما بينا في مواضعه. وقيل: الثمر بضمتين هو المال، وبفتحتين هو حمل الشجر؛ يقال: ثمر الله مالك أي كثره. قال النابغة الذبياني: [من البسيط] ٢٤٥ - مهلا فداءٌ لك الأقوام كلهم ... وما أثمره من مالٍ ومن ولد فكان ذلك من الثمر لأن صاحب المال يتعهده ويصلحه كما يفعل صاحب الثمرة. ويقال لحفظ الشيء أيضًا: تثميرٌ. قال: [من البسيط] ٢٤٦ - لها أشارير من لحم تثمره ... من الثعالي ووخزٌ من أرانيها يريد من الثعالب وأرانبها، فأبدل الباء ياءً في اللفظتين. وقيل: الثمار والثمر بمعنى واحد ليس أحدهما جمعًا للآخر. وكل ما يقع صادرًا عن شيء يقال له: ثمرته؛ فثمرة

стр. 250

العلم العمل، وثمرة العمل النجاة من النار والفوز بالحسنى. والثميرة من اللبن ما تحلب من زبده تشبيهًا بالثمرة في هيئتها كتسميتهم عقدة طرف السوط ثمرة لذلك. وفي حديث ابن عباس: «فأخذ بثمرة لسانه» أي بطرفه، كما قيل في طرف السوط. ث م م: قال تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ [الإنسان: ٢٠] ثم: ظرف مكان وهو اسم إشارة للمكان البعيد حسًا أو حكمًا كما إذا قصد به التعظيم، أي وإذا رأيت في ذلك المكان العالي، ولا ينصرف بل يلزم النصب على الظرفية وبمعناه هنا وهناك. وقوله: ﴿مطاع ثم أمين﴾ التكوير: ٢١] إشارةٌ إلى رتبة جبريل وما هي عليه من علوها وارتفاعها وأنه لها مطاعٌ فيما يأمر غيره من الملائكة، أمينٌ على ما يتحمل من الوحي إلى أنبياء الله تعالى. قال الراغب: وثم إشارةٌ إلى المبتعد عن المكان، وهناك إلى المقترب، وهما ظرفان في الأصل. وقوله: ﴿وإذا رأيت ثم﴾ فهو في موضع المفعول. قلت: قوله: إشارةٌ إلى المبتعد ليس كما قال؛ إذا نصوا على أنه لا يشار به إلا للمكان. وهو قد جعل للمبتعد عن المكان. وقوله: إنه مفعولٌ ليس كذلك، لما قدمناه من أنه لا ينصرف. فأما إعراب الآية ففي الكتب المشار إليها غير ما مرةٍ. ثم: حرف عطفٍ يقتضي التراخي. وزعم قومٌ أنها لا ترتب مستدلين بقوله: ﴿ولقد
следующие страницы →