← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الواحدة حريثة. وقيل: الحرائث: الإٌبل ويروى حرائبكم بالموحدة، وهو المال الذي به قوام صاحبه. وقوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ [البقرة:٢٢٣] سماهن حرثاً على الاستعارة البليغة، فإنهن بمنزلة الأرض المنبغى منها طلوع البذر ونموه، وجعل النطف الملقاة من أصلاب الرجال في أرحامهن بمنزلة البذر، وهذا في غاية الفصاحة والبلاغة. وفي الحديث:"احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا" أي أجهد في تحصيل ما ينفعك. يقال؛ حرثت وأحرثت ثلاثياً ورباعياً. وتصور من الحرث معني التهيج فقيل: حرثت النار، ولما تهيج به محرث كمنجل. وحرث ناقته أي استعملها. وقال معاوية للأنصار:"ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: حرثناها يوم بدر". وقوله: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة:٢٠٥] قيل: أراد الزرع، وقيل: النساء، سمان حرثاً في قوله: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾، ويرشحه قوله: ﴿النسل﴾ نزلت في الأخنس بن شريقٍ مر بزرع فأحرقه وعقر دوابه. ح ر ج: الحرج: الضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ [الأعراف:٢] أي ضيق من القرآن. وأوصله من الحرج، والحرج والحراج وهو مجتمع ما بين الشيئين، فتصور منه الضيق. وقيل: هو الشجر المتلف، وفيه أيضا معني الضيق. وقول مجاهدٍ: أي شك تفسير باللازم، ولأن الشاك يضيق صدره بخلاف المتيقن فإنه ينفسح. وقوله: ﴿يجعل صدره ضيقاً حرجاٌ﴾ [الأنعام:١٢٥] قرئ بفتح الراء وكسرها، أي مبالغاً في الضيق. قال ابن عباس: الحرج: موضع الشجر الملتف، فكان

стр. 352

قلب الكافر لا تصل إليه المحكمة كما لا تصل الراعية إلي المكان الملتف شجرة. وما أنور هذا التفسير وأنعمه! قيل حرجا بكفره لأن الكفر لا يكاد تسكن إليه النفس، لكونه اعتقادا عن ظن. وقيل حرجا أي ضيقا بالإسلام، قاله الراغب: يعني أنه لما لم يسلم إسلاما جازما بل بترديد كإسلام المنافق ضاق به صدره. وقيل في معني قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ [الأعراف:٢] هو نهى على بابه. وقيل: هو حكم له بذلك نحو: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الانشراح: ١]، وقيل: هو دعاء وهو حسن أيضا. وتحرج: أي تجنب الحرج، نحو تحنث وتحوب أي جانب الحنث والحوب. ويقع الحرج بمعنى الإثم كقوله: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ [النور: ٦١] أي إثم. ويجوز أن يكون على بابه أي ليس على هؤلاء تضييق في تكليفهم بما كلف به غيرهم لأعذار خصوا بها، حسبما بيناه في (التفسير الكبير). ح ر د: ح ر ر: قوله تعالى: ﴿إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي معتقا، من قولك: حررت العبد أي جعلته حرا. فقيل: معناه معتقا من مهنة أبوية مخلصا لخدمة بيت بيت المقدس. وقيل: معتقا من عمل الدنيا لعمل الآخرة. والمعنى أنها جعلته بحيث لا ينتفع به الانتفاع الدنيوي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿بنين وحفدة﴾ [النحل: ٧٢] ﴿والمال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وهذا معنى قول الشعبي: مخلصا للعبادة، وقول مجاهد: خادما للبيعة، وقول جعفر: معتقا من أمر الدنيا. والحرية ضربان: ضرب لم يجر على صاحبها حكم الشي كقوله: ﴿الحر بالحر﴾ [البقرة: ١٧٨] وضرب لم تتملكه قواه الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية، وإلى العبودية التي تضاد ذلك أشار بقوله ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم)، وقال الشاعر: [من الطويل]

стр. 353

٣٣٧ - ورق ذوي الأطماع رق مخلد وقالوا: عبد الشهوة أذل من عبد الرق، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إني نذرت لك ما في بطني محررا﴾ أي لم تسترقه شهوات الدنيا، وقوله: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] أي جعلها حرة بأن تعتق. وحر الوجه: وسطه ما لم تسترقه الحاجة. وقوله: ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر: ٢١] هو شدة الحر واستيقاده ووهجه ليلا كان أو نهارا. والسموم لا يكون إلا نهارا، اشتقاقها من الحرارة وهي ضد البرودة. والحرارة نوعان: نوع عارض في الهواء من الأجسام المحمية بحرارة النار والشمس، ونوع عارض في البدن من الطبيعة حرارة المحموم. يقال: حر يومنا يحر حرا وحرارة، فهو حار وحر فهو محرور، وكذا حر الرجل. والحرور: الريح الحارة أيضا. استحر القيظ: اشتد حره. وقد استعير منه استحر القتل. قال عمر ﵁: (قد استحر القتل يا أهل اليمامة) وقال الشاعر: [من الرمل] ٣٣٨ - واستحر القتل في عبد الأشل يريد في بني عبد الأشهل والحرة: واحدة الحر. والحرة أيضا: حجارة سود من حرارة تتعرض فيها والحرر: يبس يعرض في الكبد من العطش. تجمع الأرض الحرة على حر وحرات وحرار: يبس يعرض في الكبد من العطش. تجمع الأرض الحرة على حر وحرات وحرار، وإحرون رفعا وإحرين نصبا وجرا كالزيدين. وقال أصحاب على يوم صفين، وقد زاد معاوية أصحابه خمس مئة: [من الرجز]

стр. 354

٣٣٩ - لا خمس إلا جندل الإحرين وفي مثل: (حرة تحت قرة). وقال على أو ابنه الحسن: (ول حارها من يتولى قارها) والحرير معروف، سمي بذلك لخصومة. الحر: الخالص. ح ر س: قال تعالى: ﴿ملئت حرسا شديدا﴾ [الجن: ٨] أي حفظا. والحرس يكون جمعا كالحراس. يقال: حارس وحرس نحو خادم وخدم، وحارس وحراس نحو ضارب وضراب. والاحتراس: التحف والمبالغة فيه. والحرس كالحرز يتقاربان معنى كتقاربهما لفظا، غلا أن الحرس في الأمكنة أكثر، والحرز في الأمتعة أكثر. (وحريسة الجبل): ما يحرس في الجبل بالليل. قال أبو، عبيدة: الحريسة: المحروسة، والحريسة: المسروقة يقال: حرس يحرس. وفي الحديث: (أن غلمة لحاطب احترسوا ناقة فانتحروها). وقال شمر: الاحتراس أخذ الشيء من المرعي. والشاة المسروقة من المرعي: حريسة. وفي الحديث: (لا قطع في حريسة الجبل) وهو يأكل الحرسات. وهو محترس أي سارق. وأنشد: [من الطويل]

стр. 355

٣٤٠ - لنا حلماء لا يشيب غلامنا ... غريبا ولا تودي إليه الحرائس قال الراغب: وأقدر أن ذل لفظ قد تصور من لفظ الحريسة لأنه جاء عن العرب في معنى السرقة. ح ر ص: قال الله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦] أي أشره الناس. والحرص: فرط الشهوة وفر الإرادة للشيء. يقال: حرص على كذا يحرص عليه إذا فرط في محبته وإمساكه، وقال تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم﴾ [النحل: ٣٧] أي أن تبالغ في طلبك لذلك تنبيها على وقور شفقته ﷺ . وفي الحديث: (يشيب المء وتشب فيه خصلتان؛ الحرص وطول الأمل) مثل، أصله من حرص القصار الثوب أي قشره بدقة يعني: بالغ فيه. والحارصة: إحدى الشجاج العشر، وهي ما تحرص الجلد أي تقشره، وقيل: تشقه، هذا منقول من: حرص القصار الثوب أي شقه. والحارصة والحريصة أيضا: سحابة تقشر الأرض أو تشقها بمطرها. ح ر ص: قوله تعالى: ﴿حتى تكون حرضا﴾ [يوسف: ٨٥] الحرض: المشفي على الهلاك. وقد أحرضه كذا إذا قربه للهلكة. قال الشاعر: [من البسيط] ٣٤١ - إني امرؤ لج بي هم فأحرضني ... حتى بليت، وحتى شفني السقم

стр. 356

وأصله من الحرض وهو الفساد؛ قال ابن عرفة: الحرض: الفساد يكون في البدن والمذهب والعقل. وقيل: هو في الأصل غير المعتد به وما لا خير فيه. ومن ذلك قيل للمضني حرض. ومنه الحرضة: وهو من لا يأكل إلا لحم النسر لنذالته. وقال قتادة: حتى تكون حرضا أي يهرم أو يموت، وفيه تفسير للف يلازمة، وقال الأزهري: مضني مدنفا، وهو حسن. وفي الحديث: (غفر لنا ربنا غير الأحراض) جمع حرض: قوم فسدت مذاهبهم، وقوم استوجبوا العقوبة لكبائر فعلوها. وقوله تعالى: ﴿وحرض المؤمنين﴾ [النساء: ٨٤] أي حثهم وحضهم. يقال: حرض على الأمر وحارض وواكب وأكب وواظب وواصب بمعني واحد. قال بعضهم: التحريض: الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه كأنه من حرضه أي أزال عنه الحرض نحو، قذيته أي أزلت عنه القذى. والإحراض: العصفر، مذكور في حديث الصدقة. ح ر ف: قال تعالى: ﴿زمن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] هذا قد فسره بما بعده من قوله: ﴿فإن أصابه خير اطمأن به﴾ [الحج: ١١] الآية. ونيره في تفسيره بما بعده: ﴿هلوعا إذا مسه﴾ [المعارج:١٩ - ٢٠] الآية، فكأنه قيل: يعبده على تزلزل لا على ثبوت واستقرار، وذلك أن حرف الشيء طرفه. ومنه حرف الجبل والسيف والسفينة، لأطرافها. والحرف في الكلام: طرف لأنه فضلة، أي لم يتوغل في عبادة ربه، وفي معناه

стр. 357

﴿مذبذبين بين ذلك﴾ [النساء: ١٤٣] الآية. والحروف في العربية عاملة ومهملة، مختصة ومشتركة، متبعة وغير متبعة، مشتركة في المعنى وغير مشتركة، مؤكدة وغير مؤكدة، حسبما بيناه في كتب العربية. وحروف الهجاء أطراف الكلم. والتحريف: إمالة الشيء عن جهته وصرفه، ومنه تحريف الكلم، كقوله تعالى: ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [النساء: ٤٦]، وقوله: ﴿ثم يحرفونه﴾ [البقرة:٧٥]، فقيل: تحريفهم له تبديل لف بلفظ آخر يغير معناه. وقيل: بل هو تحريف المعنى دون اللفظ؛ ويعزى لابن عباس حسة ما بيناه في كتب التفسير. يقال: انحرف وتحرف. والاحتراف: طلب حرفة للمكسب. والحرفة: الهيئة التي يلزمها في ذلك كالذبحة والجلسة. وقوله: ﴿إلا متحرفا لقتال﴾ [الأنفال: ١٦] أي مائلا إليه. وقيل: مستطردا يريد الكرة. وفي حديث أبي هريرة: (آمنت بمحرف القلوب) أي المزيغ لها والمزيل. ويل: معنى تحريف الكلام أي يجعل على حف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين، وهذا هو الذي يسمى الكلام الموجه؛ ومنه ما يحنجل اهلمدح والذم، ومنه قول بعضهم لاعور: [من مجزوء الرمل] ٣٤٢ - خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء والمحارف: اممحروم، أحارفة الخير ومال عنه. والمحارفة أيضا: المجازاة. وفي المثل: (لا تحارف أخاك بالسوء). أي لا تجازه. وفي الحديث أيضا: (إن الدو ليحارف على عمله بالخير والشر). قال هون الأعرابي: أحرف الرجل.

стр. 358

أيضا المقايسة. وفي حديث ابن مسعود: (موت المؤمن بعرق الجبين يبقي عليه بقية من الذنوب فيحارف عند الموت) أي يقايس بها (فتكون كفارة لذنوبه) والمحارفة: المقايسة بالمحراف، وهو الميل الذي تسبر به الجراحات. قال الهروي: والظاهر انه بمعنى المجازاة والمعنى عليه. والحريف: ما فيه حرارة ولدغ كأنه منحرف عن الحلاوة والمرارة أو عن الاعتدال. ومنه طعام حريف. وقوله ﵊: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) فيه كلام طويل أتقناه وضبطناه ولله الحمد في مقدمة (التفسير الكبير)، والأشهر عند اللغويين فيه أنها لغات. قال أبو عبيد: يعني لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن يقول: هذه اللغات السبع متفرقة في القرآن؛ فبعضها بلغة قريش، وبعضها بلغة هوازن، وبعضها بلغة هذيل، وبعضها بلغة اليمن، وبعضها بلغة تميم. ويؤيده قول ابن مسعود: سمعت القراء فوجدتهم متقابلين، فاقرؤوا كما علمتهم إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال وأقبل. وهذا قول أبي عبيد وثعلب. قلت: وهذا منسوخ إجماعا كما حققناه. وإنما ذكرته هنا بخصوص لئلا يغتر به من يطلع عليه، فإنه مشهور بين اللغويين. والناقة يقال لها حرف، فقيل: لعظماء تشبيها بحرف الجبل، وقيل لدقتها تشبيها بحرف الهجاء. قال كعب بن زهير في أحسن القصائد لكونها مدحه النبي صلي الله عليه وسلم: [من البسيط] ٣٤٢ - حرف أبوها أخوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل وقال آخر ملغزا في ناقة وراكبها: [من الطويل] ٣٤٤ - وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيره النقط

стр. 359

شبه الناقة بالنون لدقتها وطولها. وراء: اسم فاعل من رأى أي ضرب رئتها. ودال: اسم فاعل من دلا يدلو. قال: [من الرجز] ٣٤٥ - لا تضرباها وادلواها دلوا ويؤم: يقصد. والرسم: أثر المزار. والنقط: المطر. ح ر ق: قوله تعالى: ﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠]. قيل: الحريق: النار. يقال: أحرق كذا واحترق والحرق: ارتفاع حرارة في الشيء من غير لهب كحرق الثوب بالدق، وحرق الشيء إذا برد بالمبرد. وقوله تعالى: ﴿لنحرقنه﴾ [طه: ٩٧]. قيل: هو من التحريق بالنار، وقيل: من التحريق بالمبرد، لأنه كان ذهبا، ويؤيده قراءة (لنحرقنه)؛ يقال حرقة بالمحراق والمحراق أي برده. وعنه استعير: حرق نابه وحرق عليهم الأرم. وحرق الشعر: انتشر، وماء حراق: يحرق بملوحته. والإحراق: ارتفاع نار ذات لهب في الشيء، وعنه استعير: أحرقني بلومه: بالغ فيه. وفي الحديث: (شرب رسول الله ﷺ الماء المحرق من وجع الخاصرة)، والمحرق: هو المغلي بالحرق؛ والحرق: النار بعينها. وأنشد لرؤية: [من الرجز] ٣٤٦ - تكاد أيديها تهاوي بالزلق ... شدا شديدا مثل إضرام الحرق

стр. 360

وحرق النار: لهبها أيضا. وعن علي: (كذبتكم الحارقة)؛ هذه لفظة يغري بها، نحو: عليكم الحارقة؛ والحارقة: التي تغلبها شهوتها حتى تحرق على أنيابها، وقيل: هي الضيقة الملاقي. وقيل: هي تثبت للرجل على حارقها أي على شقها وجنبها. وقيل: هي النكاح نفسه، وهذا أقرب: فإن النكاح سنة وهو اللائق بكلام الإمام. وقوله: ﴿فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠] قيل: عذاب جهنم لكفرهم، وعذاب الحريق لإحراقهم المؤمنين. ح ر ك: قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك﴾ [القيامة: ١٦]. حركة اللسان عبارة عن النطق، كان يعاجل جبريل ﵇. فأمر بأن يسمع منه ثم يقرأ، كقوله: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾ [طه: ١١٤]. والحركة ضد السكون، وهي انتقال الجسم من حيز إلي حيز. وقد يعبر بها عن الاستحالة وعن الزيادة وعن النقصان؛ فيقال: تحرك كذا أي استحال أو زاد أو نقص؛ تصور الانتقال من حالة إلى حالة. ح ر م: الحرم: المنع، وكذا الحرم. وقرئ: ﴿وحرام على قرية﴾ ﴿وحرم﴾ [الأنبياء: ٩٥] أي ممنوع رجوعهم. والأشهر الحرم لكونها ممنوعا فيها القتال جاهلية

стр. 361

وإسلاما، وهي: (ذو القعدة، وذو الحجة، المحرم، ورجب مضر بين جمادي وشعبان) وكذا في الحديث وأما إضافته لمضر فلأنها اختصت بتحريمه. وقيده بما اكتنفه تحرزا من الشر. وقد حققنا هذا في (القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز). ويقابله الحل والحلال لأنه إطلاق. كما أن ذلك منع، ثم المنع إما بتسخير إلهي كقوله: ﴿وحرمنا عليه المواضع من قبل﴾ [القصص: ١٢]، وإما بمنع من جهة العقل، وإما بمنع من جهة الشرع، أو من جهة من يرتسم أمره، وإما بمنع بشري. قوله تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم﴾ [المائدة: ٢٦] هذا من جهة القهر بالتسخير الإلهي. وقوله: ﴿فقد حرم الله عليه الجنة﴾ [المائدة: ٧٢] هذا بالقهر. وقوله: ﴿وهو محرم عليكم إخراجهم﴾ [البقرة: ٨٥] أي في شرعكم. وقوله: ﴿لم تحرم ما أحل الله ل﴾ [التحريم: ٢] كان قد آلي من نسائه، وفيه تعليم لأمته أنه لا يجوز لأحد أن يحرم ولا يحلل من قبل نفسه بل بحكم الشرع. والبيت الحرام والمسجد الحرام لكونه حرم على الجبابرة ومنع منهم، أو لأنه حرم فيه أشياء وهي حلال في غيره كالاصطياد وقطع الأشجار ونحو ذلك. والشهر الحرام لمنع القتال فيه. وكانوا يسمون رجبا منصل الأسنة والأصم لأنه لم يسمع فيه قعقعة سلاح. وقوله: للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩] أي الممنوع من رزق وسع به على غيره. وفسره بعضهم بالكلب لا على أنه اسم له بل لحرمانه كثيرا. والحرم: جمع حرمة وهن النساء لامتناعهن. والمحرم من المرأة الممنوع من نكاحها. قوله: ﴿وأنتم حرم﴾ [المائدة: ١] جمع حرام؛ يقال: رجل حرام ومحرم. ومعنى (حرم) أحرمتم بالحج أو دخلتم الحرم؛ يقال: أحرم: أهل بحج أو عمرة أو دخل

стр. 362

الحرم. قوله ﴿ومن يعظم حرمات الله﴾ [الحج: ٣] أي شعائره ونسائكه الممنوعة من الإحلال بها والتفريط فيها. ورجل يحرم: يمنع أن يقع به شيء؛ قال زهير [من الطويل] ٣٤٧ - جعلن القنان عن يمين وحوله ... وكم بالقنان من محل ومحرم ويقال للصائم محرما لا متتاعه مما يجرح صومه، قال الراعي: [من الكامل] ٣٤٨ - قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا قال أبو عمرو: وصائما، وقال غيره: لم يحل من نفسه شيئا. والحرم والحرم: بمعنى الإحرام؛ وعن عائشة ﵂: (كنت أطيبه لحله وحرمه) وسوط محرم: لم ينعم دباغه؛ ففيه منع ما. والحرمة: الغلمة، ومنه: استحرمت الشاة غيره: اشتهت الفحل، فهو حرمي من غير تغيير، وفي الحديث: (إن فلانا كان حرمي رسول الله ﷺ ينبغي على هذا أن تقرأ بكسر الحاء وسكون الراء. ح ر و: قوله: ﴿فأولئك تحروا رشدا﴾ [الجن: ١٤]. التحري: الاجتهاد وبذل الطاقة في طلب الصواب. ومنه التحري في القبلة والأواني، وأصله من حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه، وتحراه كذلك. وحرى الشيء يحري أي نقص كأنه لزم حراه ولم يمتد. قال الشاعر: [من الكامل] ٣٤٩ - والمرء بعد تمامه يحري

стр. 363

وفي الحديث: (ما زال جسمه قبل وفاته ﵊ يحري) وكذلك: (ما زال جسم أبي بكر يحري حتى لحق به). قال أبو نخيلة العماني: [من الرجز] ٣٥٠ - ما زال مجنونا على است الدهر ... في بدن ينمي وعقل يحري ورماه الله بأفعى حارية ناقصة الجسم وهي أخبث، قال النابغة: [من الطويل] ٣٥١ - فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع والضئيلة: الناقة الجسم فصل الحاء والزاي ح ز ب: قال تعالى: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المائدة: ٥٣] الحزب: الجماعة فيها غلظ. وقيل للجند: حزب والجمع أحزاب. قال تعالى: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب﴾ [الأحزاب: ٢٢] أي الجماعات الكثيفة. وتحزبوا تجمعوا. والحزب: ما يوفه الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة. وفي الحديث: (طرأ على حزبي) وقوله: ﴿أولئك حزب الله﴾ بالمجادلة: ٢٢] أي جنده وأنصاره. والحزب أيضا: النوبة في ورد الماء. والحازب: ما نابك من شغل. وفي الحديث: (كان حزبه شيء فزع إلى الصلاة) أي نابه وطرأ. ح ز ن: الحزن والحزن نعتان كالعدم والعدم: خشونة في النفس لما يلحقها من الغم؛

стр. 364

يقال: حزن يحزن حزنا فهو حزين. وأحزنته وحزنته قيل: بمعنى، وقيل: أحزنته: جعلت له ما يحزن به. ويقال: أحزنته فهو محزون ولا يقال: محزن وإن كان الأصل كما جببته فهو مجبوب، وأصله من الأرض الحزنة أي الخشنة؛ يقال: أرض حزنة، وواد حزن ويضاده السهل. وقد حزن حزونة مثل سهل سهولة، ويضاد الحزن الفرح، وباعتبار الخشونة بالغم يقال: خشنت مصدره إذا حزنته. قوله: ﴿ولا تحزن﴾ [الحجر: ٨٨] ليس بنهي عن تحصيل الحزن لأن ذلك لا يدخل على الإنسان باختياره إنما المراد عن تعاطي أسبابه كما أشار إليه من قال: [من الطويل] ٣٥٢ - ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا وفيه حث على أن الإنسان ينبغي أن يوظب نفسه على ما عليه جبلة الدنيا، حتى إذا دهمه داهية من نوائبها لم يجزع لها لما عنده، ولهذا قال تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ [البقرة: ١٥٥] الآية لأن أحد الإنسان على غيره ونعيه أعظم من إعلامه. وعن بعضهم أنه نعى إليه أخوه فقال: سبقك بها غيرك. فقال المخبر: لم يعلم به أحد قبلي اقال: بلى قد أخبرتني بذلك. قوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقرئ ﴿لا يحزنك﴾ [المائدة: ٤١] من حزن وأحزن، وكذا كل مضارع إلا التي في الأنبياء حسبما بيناه في (العقد) وغيره. فصل الحاء والسين ح س ب: الحسبان: الظن، قال تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظا﴾ [الكهف:١٨]. وقد يجيء يقينا كقول الشاعر: [من الطويل]

стр. 365

٣٥٣ - حسبت التقى والمجد خير تجارة ... رباحا إذا ما المرء أصبح ناقلا أي علمت، لأن الظن لا يجدي في اعتقاد ذلك شيئا، وبالاعتبارين قرئ قوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون﴾ [المائدة: ٧١]، برفع الفعل ونصبه، وتحقيقه في غير هذا. وحسب ينصب مفعولين أصلهم المبتدأ والخبر، وأحكامهما محررة في غير هذا، ولها أخوات. والحساب: استعمال العدد والتقدير، ومنه قوله تعالى: ﴿والشمس والقمر حسبانا﴾ [الأنعام: ٩٦] أي يجريان بحساب وتقدير إلا مقدره أو من أطلعه من خلقه عليه، فلا يجاوزان ما قدر لهما من حركتهما. ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ [يس: ٤٠] قال ابن عرفة: عذابا، وقال الأصمعي: الحسبان: المرامي الصغار، ومنه قسي الحسبان وهي معروفة. قال: وقيل حسبانا أي عذاب حسبان من السماء، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. قلت: وهذا معنى قول الراغب. قيل: معناه نارا وعذابا، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسب عليه فيجازي بحسبه. وفي الحديث في الريح: (اللهم لا تجعلها عذابا ولا حسبانا). وقوله تعالى: ﴿فحاسبناها حسابا شديدا﴾ [الطلاق: ٨] أي أوقفناها على جميع أعمالها فلا تنكر منه شيئا، كما يقف المحاسب على ما يحاسب عليه. (ومن نوقش الحساب عذب) أي من استولى عليه لابد أن يؤاخذ.

стр. 366

وقوله: ﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [البقرة: ٢١٢] فيه أوجه، أحدها: لا يضيق عليه بل يعطيه عطاء من لا يحاسب، من قولهم: حاسبته إذا ضايقته. ثانيها: يعطيه أكثر مما يستحقه. والاستحقاق هنا مجاز. ثالثها: يعطيه ولا يأخذ منه خلاف حال أهل الدنيا. ورابعها: يعطيه ما لا يحصره البشر كثرة. خامسها: يعطيه أكثر مما يحاسبه. سادسها: يعطيه بحسب ما يعلمه من مصلحته لا على حسب حسابهم، وذلك نحو، ما نبه عليه بقوله: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر﴾ الآية [الزخرف: ٣٣]. سابعها: يعطي المؤمن ولا يحاسب عليه، لأن المؤمن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر ما يجب وكما يجب وفي وقت ما يجب، ولا ينفق إلا كذلك، ويحاسب نفسه فلا يحاسبه الله تعالى حسابا يضره. كما روى: (من حاسب نفسه في الدنيا لم يحاسبه الله يوم القيامة). ثامنها: يقابل الله المؤمنين يوم القيامة لا بقدر استحقاقهم بل بأكثر منه كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وعلى هذه الأوجه يجيء قوله تعالى: ﴿فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب﴾ [غافر: ٤٠]. ولا تعارض بيه قوله: ﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾ وبين قوله: ﴿عطاء حسابا﴾ [النبأ: ٣٦]. لأن معنى (حسابا) أي كافيا، وليس معناه تتضييقا ولا تقتيرا. وقوله: ﴿أو أمسك بغير حساب﴾ [ص: ٣٩] عبارة عن عدم الحجر في التصرف وإطلاق العبارة في البسط. وقيل: معناه: تصرف فيه تصرف من لا يحاسب أي تناول كما يجب على ما يجب. وقوله: ﴿بغير حساب﴾ يجوز تعلقه بقوله: ﴿عطاؤنا﴾ وتعلقه بفعل الأمر، والثاني أوضح. والحسيب بمعني المحاسب، نحو الحبيط والجليس، قال تعالى: ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤]. ثم يعبر به عن المكافئ بالحساب. قوله: ﴿وكفى

стр. 367

بالله حسيبا﴾ [النساء: ٦] أي محاسبا لهم لأنه لا يخفي عليه من أعمالهم شيء. وحسب: اسم بمعني كاف نحو ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي الله كافينا، ولذلك لا يتعرف بالإضافة في أخوات لها مذكورة في كتب العربية. ويختص بزيادة الباء إذا ابتدئ بها نحو: بحسبك زيد. قوله: ﴿وكفى بالله حسيبا﴾ أي رقيبا يحاسبهم على ما عملوا. وقوله: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ [الأنعام: ٥٢] قيل: معناه: ما عليك من عملهم، فسماه بالحساب الذي هو منتهى الأعمال. وقيل: معناه: ما عليك من كفايتهم بل الله يكفيهم وإياك، من قوله: ﴿عطاء حسابا﴾ أي كافيا نحو قولهم: حسبي كذا، وقيل: هو بمعنى قوله تعالى: ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥] وقولهم: احتسب ولده عند الله، أي اعتده عند الله. والحسب: فعل ما يحسب به عند الله. وفي الحديث: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا) أي معتدا أجره، وأصله افتعال من الحساب أو من الحسبان أي اعتقد به في حسابه وظنه. وقال الهروي: معناه طلبا لوجه الله تعالى ولثوابه. وعن عمر: (أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإنه من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته)؛ الحسبة: اسم من الاحتساب، وفلان يحتسب الأخبار، ويتحسبها أي يطلبها ويتوقعها. وفي الحديث: (إن المسلمين كانوا يتحسبون الصلاة فيجيئونها بلا داع) أي يتوخون وقتها ويطلبونه. وفي الحديث: (تنكح المرأة لميسمها وحسبها). قال الهروي: احتاج أهل العلم إلى معرفة الحسب لأنه مما يعتبر به مثل المرأة. فقال شمر: الحسب الفعال

стр. 368

والحسب للرجل ولآبائه مأخوذٌ من الحساب إذا حسبوا مناقبهم، وذلك أنهم إذا تفاخروا عد كل واحد منهم مناقبه ومآثر آبائه وحسبها؛ فالحسب: العد، الحسب: المعدود نحو: النقص والمنقوص والعد والمعدود. وللحسب معنى آخر وهو: عدد ذوي قرابته، سمي حسبًا لكثرة عدده. قال: ويبين ذلك الحديث: «لما قدم وفد هوازن يتكلمون في سبيهم قال لهم رسول الله ﷺ : اختاروا إحدى الطائفتين: إما المال وإما السبي. فقالوا: أما إذا خيرتنا بين المال والحسب فإنا نختار الحسب، فاختاروا أبناءهم ونساءهم». والحسبانة: الوسادة الصغيرة؛ حسبت الرجل: أجلسته عليها، وحسبوا ضيفهم: أكرموه، من ذلك. والحسب: الخلق ومنه الحديث: «كرم الرجل دينه وحسبه خلقه». أي أن خلقه بمنزلة حسبه من قرابته؛ فإن كان حسنًا زانه وإن كان سيئًا شانه. والمشهور أن حسب يرادف الظن في أحد وجهيها وهو الغالب. وقد أبدى الراغب بينهما فرقًا فقال. وقوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ [البقرة: ٢١٤] مصدره الحسبان، وهو أن يحكم لأحد النقيضين من غير أن يخطر الآخر بباله فيحسبه ويعقد عليه الأصبع ويكون بعرض أن يعتريه شكٌ. ويقاربه الظن لكن الظن أن يخطر النقيضين فيغلب أحدهما على الآخر. وقوله تعالى: ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٣] قيل: هو افتعالٌ من حسب بمعنى ظن، والمعنى من حيث لا يقدره ولا يظنه. وقيل: بل هو من حسب بمعنى العد، والمعنى: من حيث لم يكن في حسبانه. وقوله تعالى: ﴿حسبك الله ومن اتبعك﴾ [الأنفال: ٦٤] أي كافيك. يقال: أحسبني كذا: كفاني. وأحسبته: أعطيته عطاء حتى قال: حسبي، ومنه ﴿حسابًا﴾ [النبأ: ٣٦]. وفي قوله: ﴿ومن اتبعك﴾ أوجه؛ أحدها: أنه عطفٌ على الضمير المجرور أي وحسب من اتبعك، والبصري يمنع هذا. والثاني: أن تقديره: وفيمن اتبعك كفايةٌ إذا

стр. 369

وكان من قال بالوجهين الأولين فسر من هذا، لأنه قال: لا يلزم أن يكون المؤمنون كافين لرسول الله ﷺ ، وليس الأمر كذلك. وجواب هذا أن الله هو الذي جعل المؤمنين يكفونه أمر عدوه؛ فلا محذور في كونهم كافين ويكون في المعنى لقوله: ﴿هو الذي أيدك بنصر وبالمؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقد أتقنا ذلك في «الدر» وغيره. وقوله: ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ [الأسراء: ١٤] أي كفى بنفسك لنفسك محاسبًا. ح س د: قال تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق: ٥] قال ابن عرفة: الحسد أن يتمنى زوال نعمة أخيه وكونها له دونه، والغبط: أن يتمنى مثلها له من غير زوالها عنه. وقيل: الحسد تمني زوال النعمة، وربما يكون مع ذلك سعيٌ في إزالتها. وقال بان الأعرابي: الحسد مأخوذ من الحسد وهو القراد، والمعنى أنه يقشر القلب كما تقشر القراد الجلد وتمتص الدم. والحسد مذمومٌ والغبط محمودٌ، وكذلك جاء في الحديث: «المنافق يحسد والمؤمن يغبط». فأما قوله ﵊: «لا حسد إلا في اثنتين» فمجازٍ، والمعنى: لا حسد لا يضر، قاله ابن الأنباري. وقولهم: لا أعدم الله لك حاسدًا، كنايةٌ له بالنعمة إذ لا يحسد إلا ذو نعمةٍ. ح س ر: قوله تعالى: ﴿محسورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] أي منقطعًا بك، من قولهم: بعيرٌ حسيرٌ أي معيا قد انقطع عن الانبعاث لعيه وكلاله. وأصل الحسر: كشف اللبس عما عليه. حسر عن ذراعه، وحسر شعره. والحاسر: من لا درع عليه، ومنه حديث أبي عبيدة: «كان على الحسر»؛ الحسر جمع حاسرٍ. والحسرة المكنسة. وفلانٌ كريم المحسر كنايةٌ عن

стр. 370

المخبر. وناقةٌ حسيرٌ: انحسر عنها اللحم والقوة، والجمع حسرى قاله علقمة: [من الطويل] ٣٥٤ - بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ، وأما جلدها فصليب وبعيرٌ حاسرٌ لانحسار قواه أو لحمه. ويقال فيه: حاسرٌ اعتبارًا بأنه قد حسر بنفسه قواه، ومحسورًا باعتبار أن التعب قد حسره. وفي الحديث: «حسر أخي فرسًا له» ويقال: حسرت الدابة: أتعبت. وفي الحديث: «الحسير لا يعقر» يعني إذا تعبت الدابة وحسرت فلتركب ولا تعقر وفي حديث جابر: «فأخذت هذا فكسرته وحسرته» يعني غصنًا فكسرته وقشرته. وقولهم: حسرت الدابة أضنيتها بالتعب حتى كأنك جردتها من يدها وقواها. وقوله: ﴿ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسيرٌ﴾ [الملك: ٤] أي كليلٌ تعبان، وهو مجازٌ واستعارةٌ من الحيوان للحاسة، ثم يجوز أن يكون بمعنى حاسرٍ ومحسورٍ، بحسب المعنيين المتقدمين. وقوله: ﴿ولا يستحسرون﴾ [الأنبياء: ١٩] أي لا يكلون ولا ينقطعون عن العبادة، ولذلك عقبه بقوله: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٠]، يقال: حسر واستحسر بمعنى إذا أعيا. وقيل: معناه لا يملون. وفي الحديث: «ادعوا الله ولا تستحسروا» أي لا تملوا، وهو عندي راجع إلى معنى الانقطاع والإعياء. وقال الراغب: وقوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿ولا يستحسرون﴾ قلت: لأن في استفعل دلالة الطلب حقيقةً أو مجازًا، فنفى ذلك عنهم، ولو نفى عنهم مجرد

стр. 371

الفعل لم يكن فيه هذه المبالغة، فإن قولك: زيدٌ لا يستعطي أبلغ من قولك: لا يعطى أي تناول؛ فإنه لا يلزم من نفي التناول عنه أن لا يكون قد سأله، والحسرة من ذلك وهو أن الحسرة: الغم على ما فات والندم كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه أو انحسر عنه قواه من فرط الغم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه. وقيل: الحسرة: شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقدم به دابته، أي تنقطع عنه في السفر البعيد. وقوله تعالى: ﴿يا حسرة على العباد﴾ [يس: ٣٠] معناه: يا حسرةً هذا وقتك لا وقت يتحسر فيه عليهم غير هذا الوقت، وهو من أبلغ مجازات القرآن. وقوله: ﴿يا حسرتا﴾ [الزمر: ٥٦] أي يا حسرتي، فأبدل الياء ألفًا. وقال الأزهري: قد علم أن الحسرة لا تدعى ودعاؤها تنبيهٌ للمخاطبين. وقال ابن عرفة: أي يا حسرتهم على أنفسهم. ح س س: قوله تعالى: ﴿فتحسسوا﴾ [يوسف: ٨٧] أي تطلبوه بحواسكم، وتحسس في الخير وتجسس في الشر، وقد تقدم تقريره في مادة الجيم. وفي الحديث: «لا تحسسوا ولا تجسسوا»؛ قال الحربي: معنى الحرفين واحدٌ وهما التطلب بمعرفة، قال ابن الأنباري: إنما سبق أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين نحو: بعدًا وسحقًا. وقيل: التجسس: البحث عن عورات الناس، والتحسس: استماع حديثهم. قوله تعالى: ﴿إذا تحسونهم﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي تقتلونهم وتستأصلونهم.

стр. 372

ومنه: البرد محسةٌ للنبت أي مهلكٌ له وذاهبٌ به ومحرقٌ له. وأصله من الحاسة وهي القوة التي تدرك بها الأعراض الحسية. والحواس: المشاعر. يقال: حسست وحست وحسيت بقلب الثانية ياءً. وأحسست وأحست بحذف أحد السينين من فعل وأفعل. قال الشاعر: [من الوافر] ٣٥٥ - سوى أن العتاق من المطايا ... حسين به فهن إليه شوس فحسست على وجهين: أحدهما أصبته بحسي بمعنى عنته ورمقته. والثاني: أصبت حاسه نحو كبدته. وقيل: ولما كان ذلك قد يتولد منه القتل عبر به عن القتل. ومنه: جرادٌ محسوسٌ أي مطبوخٌ. ويقال: حسست بمعنى فهمت وعلمت، لكن لا يقال إلا فيما كان من جهة الحاسة. وأما أحسسته فحقيقته: أدركته بحاستي. قوله: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر﴾ [آل عمران: ٥٢] تنبيهٌ أنه قد ظهر منهم الكفر ظهورًا بان للحس فضلًا عن الفهم، وكذلك: ﴿فلما أحسوا بأسنا﴾ [الأنبياء: ١٢] وقال الهروي: ﴿فلما أحس﴾ أي علم، وأصله في اللغة أبصر ثم وضع موضع العلم والوجود. ومنه ﴿هل تحس منهم من أحدٍ﴾ [مريم: ٩٨] أي هل ترى؟ وهذا تفسيرٌ للفظ ببعض مدلولاته لأن البصر من جملة الحواس الخمس. وقد قدمنا أنه ما كان عن حاسة بصرٍ كانت أو غيره. وقوله: ﴿هل تحس منهم﴾ هل تجد بحاستك أحدًا منهم؟ وقوله تعالى: ﴿لا يسمعون حسيسها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] حركة لهبها. والحس والحسيس: الحركة. وفي الحديث: «كان في مسجد الخيف فسمع حس حية» أي حركتها، وهو أن تسمع ما يقرب منك ولا تراه. والحس: داءٌ يأخذ عند الولادة، وعن عمر أنه «مر بامرأةٍ قد ولدت فدعا لها بشربة من سويقٍ، وقال: اشربي هذا فإنه يقطع

стр. 373

الحس» وحس بمعنى أوه، ومنهم من ينونه، ومنه الحديث: «أصاب قدمه قدم رسول الله ﷺ ، فقال: حس» ومه كلامهم: فما قال: حس ولابس، وجئ به من حسك وبسك أي من حيث شئت. والحساس: سوء الخلق جيء به على بناء الأدوار والعلل كالزكام والسعال. ح س م: قال تعالى: ﴿وثمانية أيامٍ حسومًا﴾ [الحاقة: ٧] أي مذهبةً لأثرهم وقاطعةً لأعمارهم. وأصل الحسم إزالة أثر الشيء. يقال: قطعه فحسمه، وحسم الداء: إزالة أثره بالكي، وفي الحديث: «كوى سعدًا في أكحله ثم حسمه» أي قطع الدم بالكي. «وأتي بسارقٍ فقال: اقطعوه ثم احسموه». والمحسوم: الفطم لقطعه عن الرضاع وعن الغذاء. وسمي السيف حسامًا لقطعه الأشياء. هذا مقتضى هذا اللفظ، ومعنى الآية عليه واضحٌ. وقال ابن عرفة: معناه متتابعاتٌ. وقال الأزهريٌ: معناه متتابعة لم يقطع أولها عن آخرها كما تتابع الكي على المقطوع ليحسم دمه أي يقطعه. ثم قيل لكل شيء توبع: حاسمٌ وجمعه حسومٌ مثل شاهدٍ ومشهودٍ. وقال الليث أي شؤمًا ونحسًا، من الحسم أي يحسم عنهم كل خيرٍ. وقيل: دائمةً، وقيل: تفنيهم وتذهبهم، وكل هذا تفسيرٌ باللازم لا

стр. 374

بمقتضى اللفظ كما نهبنا عليه أول هذا الموضوع. وحسومٌ يجوز أن يكون مفردًا وأن يكون جمعًا كما تقدم، وقد حققناه في غير هذا. ح س ن: قوله تعالى: ﴿وحسن مآب﴾ [الرعد: ٢٩] الحسن هو الشيء المبهج من ينظر إليه، والمرغوب فيه، وذلك إما من جهة العقل أو الشرع أو الهوى أو الحس. وقوله: ﴿آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً﴾ [البقرة: ٢٠١] هي النعمة، سميت بذلك لأنها تبهج صاحبها ويرغب فيها، والسيئة تضادها، وهما من أسماء الأجناس المشتملة على أنواع، فيفسران في كل موضعٍ بما يليق به. فقوله: ﴿وإن تصبهم حسنةٌ يقولوا هذه من عند الله﴾ [النساء: ٧٨] أي حسبٌ وظفرٌ على عدو، وسعةٌ في المال، ﴿وإن تصبهم سيئةٌ﴾ [النساء: ٧٨]. وقد بينا مجيء إن مع الحسنة ومجيء إن مع السيئة في غير هذا الموضوع. ومثله: ﴿إن تصبك حسنةٌ تسؤهم﴾ [التوبة: ٥٠] ﴿وإن تصبكم سيئةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ﴿وإن تمسسكم حسنةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وقوله: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنةً﴾ [النحل: ١٢٢] أي لسان صدقٍ. وقوله ﴿ما أصابك من حسنة﴾ [النساء: ٧٩] أي من ثواب وزيادة زلفى. وقد فرقوا بين الحسنة والحسن والحسنى، فالحسن يقال في الأعيان والأحداث، وكذا الحسنة وصفًا، فلو صارت اسمًا فالمتعارف أنها في الأحداث. والحسنى لا يقال إلا في الأحداث دون الأعيان. والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر؛ يقال: رجلٌ حسنٌ وحسانٌ، امرأةٌ حسنةٌ وحسانةٌ. وأكثر ما ورد الحسنى في القرآن للمستحسن بالبصيرة.

стр. 375

قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ [يونس: ٢٦] أي أحسنوا عبادة ربهم بأن أتوا على نحو ما أمروا. والحسنى تأنيث الحسن وهي الجنة ولا شيء أحسن منها إلا الزيادة المذكورة بعدها؛ وفي التفسير: النظر إلى وجهه الكريم كما ثبت وصح. قوله: ﴿يأخذوا بأحسنها﴾ [الأعراف: ١٤٥] يجوز أن يريد ما أمرنا به من أن يترك الإنسان ما وجب له تكرمًا كمن وجب له القصاص فعفا، وكمن جنى عليه لئيم وقدر أن ينفذ غيظه فكظمه، وأن يريد بأحسنها، وكذا ﴿يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: ١٨]، وقيل: معناه الأبعد عن الشبه. ومنه: ﴿فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه﴾. وقوله: ﴿ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠] أي لا أحد أيقن حكمًا، فإن قيل: حكمه تعالى حسنٌ للموقن وغيره فلم خص الموقنين؟ قيل: القصد بذلك إلى ظهور حسنه والاطلاع عليه، وذلك إنما يظهر لمن أيقن بالله وزكى نفسه دون الجهل بالله وخفائه. ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥] قوله: ﴿هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ [التوبة: ٥٢] يعني الظفر بكم، أو الشهادة إن قتلنا، وأنث لأنه أراد الخصلتين. وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤] قيل: الحسنات جميع أفعال الخير. وقيل: هي هنا الصلوات الخمس تكفر ما بينها، وهو حسنٌ لموافقة الحديث في ذلك. وقوله: ﴿ويدرؤون بالحسنة السيئة﴾ [الرعد: ٢٢] أي يدفعون ما يرد عليهم من الكلام السيء بالكلام الحسن نحو: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قوله: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] تأنيث الأحسن؛ فهي مفردةٌ كقوله: ﴿من آياتنا الكبرى﴾ [طه: ٢٣]، ولو كان في غير القرآن لجاز الحسن كقوله: ﴿لإحدى الكبر﴾ [المدثر: ٣٥]، ومعنى الآية، أن المشركين كانوا يسمون آلهتهم بما يقرب من أسمائه تعالى فيقولون: اللات والعزى مقاربةٌ لله والعزيز، وهذا إلحادٌ في أسمائه. ونزل: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ [الإسراء: ١١٠] قوله: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ [العنكبوت: ٨] أي يحسن بهما حسنًا.

стр. 376

وقوله: ﴿للناس حسنًا﴾ [البقرة: ٨٣] أي ما فيه الحسن، وقرئ «حسنًا» أي كلامًا أو قولًا حسنًا فاكتفي بالنعت. ويجوز أن تكون القراءة كذلك لكن على حذف مضاف أي: قولًا ذا حسن، أو جعل القول معنى الحسن مبالغةً. وقوله: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ [التوبة: ١٠٠] باستقامة وسلوك طريقٍ درج عليها سلفهم الصالح. قوله: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾ [يوسف: ٣٦] أي ممن يحسن إلى خلق الله، روي أنه كان ينصر المظلوم ويعود المريض ويصبر المصاب. وقيل: «من المحسنين» لتعبير الرؤيا. قوله: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠] يقال باعتبارين؛ أحدهما: الإنعام على غيرك، تقول: أحسنت إلى فلان. والثاني: باعتبار إحسانه في فعل شيء وإتقانه نحو: علمت علمًا حسنًا، وعملت عملًا حسنًا فقد أحسنت في ذلك. فالآية تحتمل الأمرين أي ما جزاء من أنعم على خلقي إلا أن أنعم عليه في دار كرامتي بما ذكرت قبل ذلك وبعده، أو ما جزاء من أحسن في عبادتي وطاعتي فأداها على علمٍ منه وحسن عمل إلا أن أحسن إليه في الآخرة أو في الدارين؛ فإن كرمه واسعٌ. وما أحسن ما رمز إليه أمير المؤمنين بقوله: «الناس أبناء ما يحسنون»! أي أنهم منسوبون إلى ما يعلمونه من العلوم أو الإعمال الحسنة، فأما السيئة فإنها لا نسبة إليها كولد الزنا. إلا أن بعضهم فرق بين الإحسان والإنعام، قال: الإحسان أعم من الإنعام. وقوله: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] فالإحسان فوق العدل، وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي ما عليه ويأخذ أقل مما له؛ فالإحسانٌ زائدٌ عليه. فتحري العدل واجبٌ، وتحري الإحسان ندبٌ وتطوعٌ. قال: ولذلك عظم ثواب المحسنين فقال: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] وفي الحديث: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة» سمى

стр. 377

ما يتحراه الإنسان من أحسن الطرائق إحسانًا. وفي الحديث: ﴿ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله﴾ إلى آخره فجعله هذه الأعمال على وجهها إحسانًا هو إحسانٌ في الحقيقة إلى نفس العابد، فإن المعبود لا ينقصه طاعةٌ، كما لا تضره معصيةٌ. فصل الحاء والشين ح ش ر: قال تعالى: ﴿وحشرناهم﴾ [الكهف: ٤٧] أي جمعناهم. والحشر: الجمع، وقيل: الحشر: إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عند الحرب وغيرها. وفي الحديث: «النساء لا يعشرن ولا يحشرن» فيه قولان: أحدهما: لا يخرجن إلى الغزو، واختاره الهروي. والثاني: لا يحشرن إلى المصدق بل يأتي إليهن فيأخذ صدقاتهن، وهو ضعيفٌ، لأنهن والرجال في ذلك سواءٌ. ولا يقال الحشر إلا في الجماعة كقوله: ﴿حشر لسليمان جنوده﴾ [النمل: ١٧]، ولا يقال: حشرت زيدًا، قاله الراغب وليس بشيء لقوله: ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: رب لم حشرتني﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٥]. وسمي يوم القيامة يوم الحشر كما سمي يوم البعث والنشر والحشر، يقال في الأناسي وغيرهم كقوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير: ٥] ﴿وحشر لسليمان جنوده من الإنس والجن والطير﴾ [النمل: ١٧]. وقالوا: حشرت السنة مال بني فلان، أي أزالته عنهم. والحشر: الجلاء والإخراج، ومنه قوله تعالى: ﴿لأول الحشر﴾ [الحشر: ٢] قال القتيبي: هو الجلاء لأن بني النضير هم أول من أخرج عن ديارهم وأجلوا عنها. وقال الأزهري: هو أول حشر إلى الشام، ثم يحشر الناس إليها يوم

стр. 378

القيامة. وفي الحديث: «انقطعت الهجرة إلا من ثلاث: جهاد أو نية أو حشرٍ» أي لا هجرة إلا أن يجاهد، أو ينوي تغيير منكر إن لم يقدر على إزالته بيده، أو جلاء عن تلك الديار القائم بها المنكر. ورجلٌ حشر الأذنين أي في أذنيه انتشارٌ وحدةٌ. ح ش ي: وقوله تعالى: ﴿وقلن حاش لله﴾ [يوسف: ٣١] حاشا: حرف استثناء، ومثله خلا وعدا؛ تقول: قام القوم حاشا زيدٍ، وعدا زيدٍ؛ بجر زيدٍ ونصبه مع الثلاثة: إلا أن الأغلب حرفية حاشا وفعلية أخواتها. وقد ينصب بحاشا على أنها فعلٌ كقولهم: «غفر الله لي ولمن سمع دعائي حاشا الشيطان وابن الأصبغ» بنصب الشيطان وما عطف عليه. وأنشدوا: [من الوافر] ٣٥٦ - حشا رهط النبي فإن منهم ... بحورًا لا تكدرها الدلاء بنصب رهطٍ. وقد تجر بعدها كقوله: [من الوافر] ٣٥٧ - أبحنا حيهم قتلًا وأسرًا ... عدا الشمطاء والطفل الصغير والتزم سيبويه حرفية حاشا وفعلية عدا، والسماع يرد عليه. وليس للرد دليلٌ على فعليتها. يقول النابغة: [من البسيط] ٣٥٨ - ولا أحاشي من الأقوام من أحد لما بيناه في موضع آخر. وتدخل «ما» على: عدا وخلا فتلتزم فعليتها خلافًا

стр. 379

للجرمي. ولا تتصل بحاشا إلا في قليل، وأصلها من الحشى وهو الناحية. فمعنى: قاموا حاشا زيدًا أي جعلته في ناحيةٍ غير ناحيتهم، وتنون على أنها مصدرٌ. ويقال فيها حاش بحذف الألف الأخيرة، وحشى بحذف الوسطى، وقد قرئ بذلك كله، وحققنا الكلام في هذا الحرف في غير هذا الموضع. وأما عبارات أهل العلم في هذه الآية فقال المفسرون: معناه معاذا لله. وقال أبو بكر: أعزل فلانًا من وصف القوم بالحشى، أي بناحيةٍ، ولا أدخله في جملتهم. وقال الأزهري: هي حرف استثناءٍ، واشتقاقه من قولك: كنت في حشى فلانٍ، أي ناحيته. وحاشيت فلانًا. وحشيته: نحيته. قال: [من البسيط] ٣٥٩ - ولا أحاشي من الأقوام من أحد أي أنحي، ثم جعله، وإن كان بمنزلة الإسم، كسوى، وقال ابن عرفة: يقال: حاش لله: أي بعيدٌ من ذلك، ومنه: نزلت بحياش البلاد، أي بالبعد. قال الهروي: فجعله من باب الحاء والواو. قلت: يعني أن ذلك من قولهم: حاشه يحوشه: أي ضيق عليه حتى أمسكه من بعدٍ. ومنه: حش على الصيد: أي جابه من أطرافه البعيدة. والحشى: الربو. ورجلٌ حشيان وحشٍ، وامرأة حشياء وحشيةٌ: أي أصبهما ذلك. فصل الحاء والصاد ح ص ب: قوله تعالى: ﴿حصب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨]، الحصب ما يحصب به في النار، أي يلقى فيها، قاله أبو عبيد. وحصبته بكذا، أي رميته به. وقال قتادة: أي حطب جهنم، وبه قال عكرمة، إلا أنه قال: وهي لغة الحبشة. قال ابن عرفة: إن أراد أنها في الأصل كذا ثم تكلمت بها العرب واشتهرت في لغتها فذاك، وإلا فليس في القرآن إلا

стр. 380

عربي: وهذه مسألة خلاف مشهورةٌ. وقرئ بالضاد معجمةً وهي ما تهيج به النار. وقوله: ﴿إنا أرسلنا عليهم حاصبًا﴾ [القمر: ٣٤] هي الريح القوية التي تقلع الحصباء وهي صغار الحصى وكبارها. وقد يحصب بالبرد أيضًا، وأنشد للقطامي: [من الطويل] ٣٦٠ - تمر كمر الريح في كل غمرةٍ ... ويكتحل التالي بمورٍ وحاصب ومنه: «أمر بحصب المسجد» أي أن تجعل فيه الحصباء. والمحصب: موضع رمي الجمار، سمي لما فيه من الحصباء. والتحصيب: المبيت به. والحصبة بكسر العين بمعنى الحاصب. قال لبيد: [من الرجز] ٣٦١ - جرت عليها أن خوت من أهلها ... أذيالها كل عصوفٍ حصبه والحصبة والحصبة بكسر العين وسكونها بثرٌ يخرج في الجلد معروفٌ؛ يقال منه: حصب جلده بالكسر يحصب بالفتح. وفي مقتل عثمان «تحاصبوا في المسجد» أي تراموا بالحصباء. ح ص د: قوله تعالى: ﴿وحب الحصيد﴾ [ق: ٩] أي: حب الزرع الحصيد. والحصيد بمعنى المحصود، والمراد ما يقتات به كالحنطة والشعير والعدس والذرة. وأصل الحصد القطع للزرع، ومنه استعير في الاستئصال والإهلاك؛ يقال حصدهم السيف، وحصدهم الموت.

стр. 381

وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]، وحصاده فتح الفاء وكسرها، كالجِداد والجَداد أي إبان حصاده وصلاحيته لذلك. وقوله: ﴿فجعلناها حصيدًا﴾ [يونس: ٢٤] إشارة إلى أنه حصد في غير إبانه على سبيل الإفساد، أي استؤصل ما أنبت. وقوله: ﴿منها قائمٌ وحصيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] إشارةٌ إلى قوله: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾ [الأنعام: ٤٥] أي منها ما هو بادٍ باقيةٌ أعلامه، ومنها ما حصد وهلك ودثر، فلم يبق له عينٌ ولا أثرٌ؛ فاستعير الحصد لهلاكه. وقوله: ﴿حصيدًا خامدين﴾ [الأنبياء: ١٥] أي موتى هلكى من حصدهم بالسيف. وفي الحديث: «وهل يكب الناس على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» جمع حصيد، وهي الكلمة شبهها بما يحصد من الزرع لأنها تقتطع من كلام الإنسان. وحبلٍ محصدٌ، ودرعٌ حصداء، وشجرة حصداء، كل ذلك استعارةٌ. وفي الحديث: «نهى عن حصاد الليل» قيل: إما لمكان الهوام حتى لا يصيب الناس، وإما لأجل حرمان المساكين والفقراء. واستحصد القوم: تقوى بعضهم ببعض وأحصد الزرع: صار ذا حصاد. ح ص ر: قوله تعالى: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي مكانًا ضيقًا حاجزًا لهم، من حصرته أي ضيقت عليه ومنعته من التصرف. وقيل: الحصير: السجن لما فيه من الضيق فهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ. وسمي الحصير حصيرًا لكونه يحصر من يجلس عليه. والحصر في اصطلاح العلماء قصر الصفة على الموصوف والموصوف على الصفة نحو: ﴿لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، ﴿إنما الله إلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وعن الحسن في قوله: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا﴾ [الإسراء: ٨] أي مهادًا؛ قال

стр. 382

الراغب: كأنه جعله الحصير المرمول كقوله تعالى: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ [الأعراف: ٤١] وعلى هذا هو بمعنى الحصور، سمي بذلك لحصر طاقات بعضه على بعض وقول لبيدٍ: [من الكامل] ٣٦٢ - ومقامةٍ غلب الرقاب كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام الحصير: الملك، إما بمعنى محصورٍ، بمعنى أنه محجبٌ، وإما بمعنى حاصرٍ لأنه يمنع غيره أن يحصل إليه. وقوله: ﴿وسيدًا وحصورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] أي ممنوعًا من غشيان النساء، إما لعنة ونحوها، وإما لمنعه ذلك بقوته واجتهاده وفراغ قلبه من ذلك، وهذا هو الأليق بهذا المقام لدخوله في المجد، فإن الأمور المطبوع عليها قلما يمدح بها إذا اتصف بها، ولهذا فضل البشر على الملك، إذا قمع شهوته وخالف نفسه وغلب هواه. فحصورٌ يجوز أن يكون بمعنى مفعولٍ على الأول نحو: ركوبٍ وحلوبٍ، وبمعنى فاعلٍ على الثاني نحو: صبورٍ وشكورٍ. والحصور أيضًا والحصير: البخيل، سمي ذلك لمنعه المال، وأنشد لجريرٍ: [من الكامل] ٣٦٣ - ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصرًا بسرك يا أميم ضنينا وقوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] اضطربت أقوال أهل اللغة في أحصر وحصر هل هما بمعنى أو بينهما فرقٌ، وما ذلك الفرق؟ وقيل: أحصر في المنع الظاهر -كالعدو -والباطن، وحصر في الباطن فقط؛ فقيل: يقال: حصره المرض، وأحصره العدو. وقيل: حصرته: حبسته؛ وقال: ﴿واحصروهم﴾

стр. 383

[التوبة: ٥] أي احبسوهم، وقد حققنا هذا كله في «الدر المصون» و «القول الوجيز» بما يشفي قاصديه. والحاصل أن المادة تدل على المنع والتضييق، وعليه ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٧٣] وحاصرت العدو: ضايقته بالقتال. قوله: ﴿حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] أي ضاقت بقتالكم ذرعًا. والحصر: العي في الكلام والمنع منه. وأحصر الرجل وحصر: حبس عليه غائطه. ح ص ح ص: قوله تعالى: ﴿الآن حصحص الحق﴾ [يوسف: ٥١] أي ظهر وتبلج وذلك بانكشاف ما يغمره، وأصله من قولهم: رجلٌ أحصٌ، وامرأةٌ حصاء، وهو من ذهب شعره فانكشف ما تحته. وحصت الأرض حصةً: ذهب بناؤها فانكشف ما تحته. وحصه: قطعه، وذلك إما بالمباشرة نحو: حصصت ذنب الطائر، وإما بالحكم نحو: حصصت الخبر عنه، ومن الأول قوله: [من السريع]. ٣٦٤ - قد حصت البيضة رأسي فما ورجلٌ أحص: يقطع بشؤمه الخيرات عن الخلق. والحصة: القطعة من الجملة، وتستعمل استعمال النصيب، وعلى هذا فحص وحصحص مثل كف وكفكف ولم لملم. ولأهل العربية في هذا كلامٌ حققته في غيره هذا. وقال الأزهري: أصل ذلك من حصحصة البعير. قال: [من الطويل] ٣٦٥ - وحصحص في صم الحصى ثفناته ... ورام القيام ساعةً ثم صمما

стр. 384

وفي الحديث: «لأن أحصحص في يدي جمرتين أحب إلي من أن أحصحص كعبين» قال شمرٌ: الحصحصة تحريك الشيء وتقليبه في اليد. والحص: القص وأنشد لأبي طالب: [من الطويل] ٣٦٦ - بميزان قسطٍ لا يحص شعيرة ... له شاهدٌ من نفسه غير عامل وفي الحديث: «إذا سمع الشيطان الأذان أدبر وله حصاصٌ»، قال أبو عبيد: هو شدة العدو، وقيل: الضراط. وقال حمادٌ: سألت عاصما المقرئ راوي هذا الحديث: ما الحصاص؟ فقال: أما رأيت الحمار إذا صر بأذنيه ومصع بذنبه وعدا؟ فذلك الحصاص. ح ص ل: قوله تعالى: ﴿وحصل ما في الصدور﴾ [العاديات: ١٠] أي جمع. والتحصيل: الجمع، قيل: والتحصيل إخراج اللب من القشور وجمعه، كإخراج الذهب من حجر المعدن، والبر من التبن فقوله: ﴿وحصل ما في الصدور﴾ أي أظهر ما فيها وجمع كإظهار اللب من القشر وجمعه أو كإظهار الحاصل من الحساب، وقال الفراء: معناه بين وميز، ويقال للذي يفحص تراب المعدن عن الفضة والذهب: محصلٌ، وأنشد: [من الوافر] ٣٦٧ - ألا رجلًا جزاه الله خيرًا ... يدل على محصلةٍ تبيت

стр. 385

قيل: أراد به الفجور، وقيل غير ذلك. وحوصلة الطائر: ما يحصل فيه الغذاء، ويجمع؛ فواوه مزيدةٌ كواو كوثرٍ. وقيل: للحبالة: الحصل. وحصل إذا اشتكى بطنه عن أكلةٍ. ح ص ن: قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤] أي: وحرمت عليكم المحصنات ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، فإنهن يحللن لكم ومنه قول الفرزدق: [من الطويل] ٣٦٨ - وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالاً لمن يبني بها لم تطلق وأصل الإحصان المنع، ومنه الحصن لأنه يمتنع به، ويحصن أي امتنع في حصن أو ما يقاربه، فالمحصنات ممتنعاتٌ بأزواجهن. وقرئ «المحصنات» باسم فاعل واسم المفعول، إلا التي في رأس الحزب، فإن السبعة أجمعوا على اسم المفعول فيها لأن المعنى على ذلك كما حققنا في موضعه. قال ابن عرفة: الإحصان في كلام العرب: المنع، والمرأة تكون محصنةً بالإسلام، لأن الإسلام منعها مما أباحه الله تعالى، ومحصنة بالعفاف والحرية، محصنة بالتزويج. يقال: أحصن الرجل، فهو محصنٌ إذا تزوج ودخل بها، وأحصنت هي فهي محصنةٌ. ويجوز محصن ومحصنة. ومنه قوله: ﴿محصنين غير مسافحين﴾ [النساء: ٢٤] قلت: يعني أنه كان القياس أحصن الرجل والمرأة فهو محصنٌ ومحصنةٌ -بكسر الصاد -فقط لكونه اسم فاعل، إلا أنه شذ فتحته كما شذ في ألفج فهو ملفجٌ. وأما المرأة فيقال فيها محصنةٌ أي مجعولةٌ كالحصون.

стр. 386

ودرعٌ حصينةٌ لتحصينها البدن؛ قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوسٍ لكم لتحصنكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] قيل: عمل الدروع. وفرسٌ حصانٌ لتحصن راكبه به. وإليه أشار من قال: [من الكامل] ٣٦٩ - أن الحصون الخيل لا مدر القرى وامرأة حصانٌ: ممنعةٌ من الريب. وقال عاتكة: «إني حصانٌ فما أكلم وصناعٌ فما أعلم». الصناع ضد الخرقاء. وقال حسان في شأن أم المؤمنين عائشة ﵂: [من الطويل] ٣٧٠ - حصانٌ رزانٌ ما تزن بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ولقد صدق ﵁ أي مع كونها عفيفة لم تتكلم في أحد إلا بخير. يقال: فرسٌ حصانٌ: بين التحصن، وامرأةٌ حصانٌ: بينة التحصن، وبناءٌ حصينٌ: بين الحصانة. ويقال: امرأة حاصنٌ أيضًا -وجمع الحصان حصنٌ، والحاصن حواصن. وقرئ قوله: ﴿فإذا أحصن﴾ [النساء: ٢٥] على البناء للفاعل والمفعول، أي: فإذا تزوجن بأنفسهن، أو إذا زوجن. وامرأةٌ محصن بالكسر إذا تصور حصنها من نفسها، ومحصنٌ -بالفتح -إذا تصور حصنها من غيرها. وقوله: ﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] هن الحرائر هنا لا

стр. 387

غير، وقال الراغب: ﴿وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات﴾ [النساء: ٢٥] وقوله: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] قيل: «المحصنات»: المزوجات تصور أن زوجها أحصنها. والمحصنات بعد قوله ﴿حرمت﴾ [النساء: ٢٣] بالفتح لا غير؛ لأن اللاتي حرم التزويج بهن المزوجات دون العفائف، وفي سائر المواضع يحتمل الوجهين قلت: ما قاله حسنٌ، إلا أن فيه بحثًا لا يسعه هذا الموضع، على أنه قد قرأ الجميع بالوجهين على ما بيناه في غير هذا، فعليك بالالتفات إليه. ح ص و: قوله تعالى: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ [المجادلة: ٦] أي حصله وأحاط به علمًا ولم يضيعه ولم ينسه كما نسوه هم. والإحصاء هو تحصيل الشيء بالعدد، وذلك من لفظ الحصى، لأنهم كانوا يستعملونه فيه كاستعمالنا فيه الأصابع، وعلى ذلك ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٨] أي أحاط به وحصله إحاطة العاد منكم وتحصيله وذلك، على سبيل التنزل معهم على ما يفهمونه. قوله: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠]. أي لن تحصلوا أوقاته، وهو معنى قول الفراء: لن تعلموا مواقيت الليل. وقيل: الإحصاء: الإطاقة، ومنه ﴿أن لن تحصوه﴾ أي: تطيقوه. وقوله: ﴿استقيموا ولن تحصوا﴾ معناه: ولن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه هو أن الحق واحدٌ والباطل كثيرٌ، بل الحق بالإضافة إلى الباطل كالنقطة بالإضافة إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمى من الهدف، وإصابة ذلك شديدةٌ، وإلى ذلك أشار ﵊ -بقوله: «شيبتني هودٌ وأخواتها، قيل: وما شيبك منها؟ فقال: قوله:

стр. 388

﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]. قال الراغب: وهذا منه ﷺ لرفعه منصبه؛ فإنه كلما رفعت مرتبة المربوب ازداد خوفًا من ربه، وفيه تنبيه لنا. وقال أهل اللغة: لم تحصوا ثوابه. وقوله ﵊: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» أي من حصل معرفتها وآمن بها ولم يلحد فيها، عكس من قال فيهم: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والحصاة: واحدة الحصى، ويعبر بها عن العقل فيقال: له حصاة، وفي المثل: «فلان ذو حصاةٍ وأصاةٍ»، أظن أصاةً تابعًا كحس بس. والحصاة: زرابة اللسان. وفي بعض الروايات: «حصا ألسنتهم» بدل حصائد. فصل الحاء والضاد ح ض ب: قرئ شاذًا ﴿حضب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨] بضادٍ معجمةٍ، وقد تقدم أنه هو ما تهيج به النار وتوقد، ويقال لما تسعر به النار محضب، كمنجلٍ. ح ض ر الحضور: ضد الغيبة، قوله: ﴿حاضرة البحر﴾ [الأعراف: ١٦٣] يعني قربه، وقيل: مجاورته وهو قريب منه. وقوله: ﴿تجارةً حاضرةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي نقدًا. والظاهر أنها أعم من ذلك لأنها قوبل بها قوله: ﴿إلى أجلٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فرخص لهم

стр. 389

في عدم الكتب في التجارة الحاضرة حسبما بيناه في «الأحكام». وقوله: ﴿وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ [المؤمنون: ٩٨] كناية عن الجنون والمجنون. محتضر لأن الجن تحضره. والمحتضر: الميت والمشارف للموت لأن ملائكة القبض تحضره لقوله: ﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١]. وقيل: إشارة إلى قوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] وقوله: ﴿كل شربٍ محتضر﴾ [القمر: ٢٨] أي كل نصيب من الماء الذي قسمه الله تعالى بين ناقة ثمود وبينهم يحضره من هو في نوبته، كقوله: ﴿لها شرب ولكن شرب يومٍ معلومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] في قصةٍ مذكورة. وقوله: ﴿ما علمت من خيرٍ محضرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] أي شاهدًا معاينًا حاضرًا غير غائب. والمراد آثاره. وقيل: إن الأعمال تتجسد وتصير أجرامًا فتوضع في كفة الميزان كالنقود. وقوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ [النساء: ٨] أي وجدوا في وقتها فاجبروا خواطرهم ببعض شيءٍ. قيل: وأصل ذلك من الحضر ضد البدو. والحضارة والحضارة: السكون بالحضر، كالبداوة والبداوة؛ في السكون في البدو، ثم جعل ذلك اسمًا لشهادة مكانٍ أو إنسانٍ أو غيره. والحضر خص بما يحضر به الفرس إذا أريد جريه؛ يقال: أحضر الفرس. واستحضرته: طلبت ما عنده من الحضر. وفي الحديث: «فانطلقت محضرًا» أي مسرعًا. ويقال: أحضر: إذا عدا، واستحضر دابته: حملها على العدو. وحاضرته محاضرةً وحضارًا إذا حاججته، من الحضور؛ كان كل واحدٍ يحضر حجته، أو من الحضر نحو جاريته. والحضيرة: الجماعة من الناس يحضر بهم الغزو،

стр. 390

وعبر به عن حضور الماء، والمحضر: مصدر بمعنى الحضور. ح ض ض: قوله تعالى: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ [الحاقة: ٣٤]، الحض: الحث على الشيء وأصله التحريك، وقد فرق بينهما بأن الحض ليس فيها سير ولا سوق، والحث على ما كان فيه. ذلك من الحث على الحضيض وهو قرار الأرض ضد البقاع. فصل الحاء والطاء ح ط ب: الحطب ما يعد لإيقاد النار من الشجر ونحوه، ويكنى بذلك عن النميمة فيقال: فلان يحطب بفلانٍ أي يسعى به، وفلان يوقد بالحطب الجزل ويحمل الحطب، كناية عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤] قيل: فيها المعنيان فإنها كانت تنم وتسعى بين الناس بالفساد. وقيل: كانت تحمل حطبًا أو شوكًا وتطرحه في ممشى رسول الله ﷺ . فالأول مجاز والثاني حقيقة. وكني عن المخلط في كلامه بحاطب ليلٍ، لأن حاطب الليل يجمع في حبله كله ما وقعت عليه يده، وربما أصابه ما يكره، حية ونحوها، كذلك من أكثر في كلامه قد يتكلم بما فيه حتفه، فإذا صمت سلم. وناقة حاطبة: تأكل الحطب. ومكان حطب: كثير الحطب. ح ط ط: قوله تعالى: ﴿وقولو حطة﴾ [البقرة: ٥٨] قيل أمروا أن يقولوا هذا اللفظ بعينه
следующие страницы →