← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ودرعٌ حصينةٌ لتحصينها البدن؛ قال تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوسٍ لكم لتحصنكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] قيل: عمل الدروع. وفرسٌ حصانٌ لتحصن راكبه به. وإليه أشار من قال: [من الكامل] ٣٦٩ - أن الحصون الخيل لا مدر القرى وامرأة حصانٌ: ممنعةٌ من الريب. وقال عاتكة: «إني حصانٌ فما أكلم وصناعٌ فما أعلم». الصناع ضد الخرقاء. وقال حسان في شأن أم المؤمنين عائشة ﵂: [من الطويل] ٣٧٠ - حصانٌ رزانٌ ما تزن بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ولقد صدق ﵁ أي مع كونها عفيفة لم تتكلم في أحد إلا بخير. يقال: فرسٌ حصانٌ: بين التحصن، وامرأةٌ حصانٌ: بينة التحصن، وبناءٌ حصينٌ: بين الحصانة. ويقال: امرأة حاصنٌ أيضًا -وجمع الحصان حصنٌ، والحاصن حواصن. وقرئ قوله: ﴿فإذا أحصن﴾ [النساء: ٢٥] على البناء للفاعل والمفعول، أي: فإذا تزوجن بأنفسهن، أو إذا زوجن. وامرأةٌ محصن بالكسر إذا تصور حصنها من نفسها، ومحصنٌ -بالفتح -إذا تصور حصنها من غيرها. وقوله: ﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ [النساء: ٢٥] هن الحرائر هنا لا

стр. 387

غير، وقال الراغب: ﴿وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات﴾ [النساء: ٢٥] وقوله: ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات﴾ [النساء: ٢٥] قيل: «المحصنات»: المزوجات تصور أن زوجها أحصنها. والمحصنات بعد قوله ﴿حرمت﴾ [النساء: ٢٣] بالفتح لا غير؛ لأن اللاتي حرم التزويج بهن المزوجات دون العفائف، وفي سائر المواضع يحتمل الوجهين قلت: ما قاله حسنٌ، إلا أن فيه بحثًا لا يسعه هذا الموضع، على أنه قد قرأ الجميع بالوجهين على ما بيناه في غير هذا، فعليك بالالتفات إليه. ح ص و: قوله تعالى: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ [المجادلة: ٦] أي حصله وأحاط به علمًا ولم يضيعه ولم ينسه كما نسوه هم. والإحصاء هو تحصيل الشيء بالعدد، وذلك من لفظ الحصى، لأنهم كانوا يستعملونه فيه كاستعمالنا فيه الأصابع، وعلى ذلك ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٨] أي أحاط به وحصله إحاطة العاد منكم وتحصيله وذلك، على سبيل التنزل معهم على ما يفهمونه. قوله: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠]. أي لن تحصلوا أوقاته، وهو معنى قول الفراء: لن تعلموا مواقيت الليل. وقيل: الإحصاء: الإطاقة، ومنه ﴿أن لن تحصوه﴾ أي: تطيقوه. وقوله: ﴿استقيموا ولن تحصوا﴾ معناه: ولن تحصلوا ذلك، ووجه تعذر إحصائه هو أن الحق واحدٌ والباطل كثيرٌ، بل الحق بالإضافة إلى الباطل كالنقطة بالإضافة إلى سائر أجزاء الدائرة، وكالمرمى من الهدف، وإصابة ذلك شديدةٌ، وإلى ذلك أشار ﵊ -بقوله: «شيبتني هودٌ وأخواتها، قيل: وما شيبك منها؟ فقال: قوله:

стр. 388

﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]. قال الراغب: وهذا منه ﷺ لرفعه منصبه؛ فإنه كلما رفعت مرتبة المربوب ازداد خوفًا من ربه، وفيه تنبيه لنا. وقال أهل اللغة: لم تحصوا ثوابه. وقوله ﵊: «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» أي من حصل معرفتها وآمن بها ولم يلحد فيها، عكس من قال فيهم: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والحصاة: واحدة الحصى، ويعبر بها عن العقل فيقال: له حصاة، وفي المثل: «فلان ذو حصاةٍ وأصاةٍ»، أظن أصاةً تابعًا كحس بس. والحصاة: زرابة اللسان. وفي بعض الروايات: «حصا ألسنتهم» بدل حصائد. فصل الحاء والضاد ح ض ب: قرئ شاذًا ﴿حضب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨] بضادٍ معجمةٍ، وقد تقدم أنه هو ما تهيج به النار وتوقد، ويقال لما تسعر به النار محضب، كمنجلٍ. ح ض ر الحضور: ضد الغيبة، قوله: ﴿حاضرة البحر﴾ [الأعراف: ١٦٣] يعني قربه، وقيل: مجاورته وهو قريب منه. وقوله: ﴿تجارةً حاضرةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي نقدًا. والظاهر أنها أعم من ذلك لأنها قوبل بها قوله: ﴿إلى أجلٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فرخص لهم

стр. 389

في عدم الكتب في التجارة الحاضرة حسبما بيناه في «الأحكام». وقوله: ﴿وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾ [المؤمنون: ٩٨] كناية عن الجنون والمجنون. محتضر لأن الجن تحضره. والمحتضر: الميت والمشارف للموت لأن ملائكة القبض تحضره لقوله: ﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١]. وقيل: إشارة إلى قوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] وقوله: ﴿كل شربٍ محتضر﴾ [القمر: ٢٨] أي كل نصيب من الماء الذي قسمه الله تعالى بين ناقة ثمود وبينهم يحضره من هو في نوبته، كقوله: ﴿لها شرب ولكن شرب يومٍ معلومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] في قصةٍ مذكورة. وقوله: ﴿ما علمت من خيرٍ محضرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] أي شاهدًا معاينًا حاضرًا غير غائب. والمراد آثاره. وقيل: إن الأعمال تتجسد وتصير أجرامًا فتوضع في كفة الميزان كالنقود. وقوله: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ [النساء: ٨] أي وجدوا في وقتها فاجبروا خواطرهم ببعض شيءٍ. قيل: وأصل ذلك من الحضر ضد البدو. والحضارة والحضارة: السكون بالحضر، كالبداوة والبداوة؛ في السكون في البدو، ثم جعل ذلك اسمًا لشهادة مكانٍ أو إنسانٍ أو غيره. والحضر خص بما يحضر به الفرس إذا أريد جريه؛ يقال: أحضر الفرس. واستحضرته: طلبت ما عنده من الحضر. وفي الحديث: «فانطلقت محضرًا» أي مسرعًا. ويقال: أحضر: إذا عدا، واستحضر دابته: حملها على العدو. وحاضرته محاضرةً وحضارًا إذا حاججته، من الحضور؛ كان كل واحدٍ يحضر حجته، أو من الحضر نحو جاريته. والحضيرة: الجماعة من الناس يحضر بهم الغزو،

стр. 390

وعبر به عن حضور الماء، والمحضر: مصدر بمعنى الحضور. ح ض ض: قوله تعالى: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ [الحاقة: ٣٤]، الحض: الحث على الشيء وأصله التحريك، وقد فرق بينهما بأن الحض ليس فيها سير ولا سوق، والحث على ما كان فيه. ذلك من الحث على الحضيض وهو قرار الأرض ضد البقاع. فصل الحاء والطاء ح ط ب: الحطب ما يعد لإيقاد النار من الشجر ونحوه، ويكنى بذلك عن النميمة فيقال: فلان يحطب بفلانٍ أي يسعى به، وفلان يوقد بالحطب الجزل ويحمل الحطب، كناية عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤] قيل: فيها المعنيان فإنها كانت تنم وتسعى بين الناس بالفساد. وقيل: كانت تحمل حطبًا أو شوكًا وتطرحه في ممشى رسول الله ﷺ . فالأول مجاز والثاني حقيقة. وكني عن المخلط في كلامه بحاطب ليلٍ، لأن حاطب الليل يجمع في حبله كله ما وقعت عليه يده، وربما أصابه ما يكره، حية ونحوها، كذلك من أكثر في كلامه قد يتكلم بما فيه حتفه، فإذا صمت سلم. وناقة حاطبة: تأكل الحطب. ومكان حطب: كثير الحطب. ح ط ط: قوله تعالى: ﴿وقولو حطة﴾ [البقرة: ٥٨] قيل أمروا أن يقولوا هذا اللفظ بعينه

стр. 391

كما تعبدنا ربنا بألفاظٍ مخصوصةٍ، لا يقوم غيرها مقامها وإن وفي معناها كالتكبير والشهادة. وقيل: بل أمروا بأن يقولوا ذلك- وما في معناه- أي حط عنا ذنوبنا. فقالوا: حطى سهماثا أي حنطة حمراء، قاله السدي ومجاهد. والعامة على رفع حطة، وقرئ بنصبها، وتقرير القراءتين في غير هذا. وقيل: معناه قولوا صوابًا وأصل المادة من الحط وهو الإنزال من علو إلى أسفل نحو حططت الرحل عن الدابة. وجارية محطوطة المتنين أي مجدولة الخصر، ويعبر به عن النقصان؛ فيقال: حطني حطيطة أي نقص مما علي. ح ط م: قوله: ﴿ثم يجعله حطامًا﴾ [الزمر: ٢١] أي كسيرًا. وأصل الحطم تكسير الشيء وفته، وقوله: ﴿الحطمة﴾ [الهمزة: ٤] هي جهنم لأنه تحطم ما يرمى فيها. ورجل حطمة: أي أكول تشبيهًا بالنار كقوله: [من الرجز] ٣٧١ - كأنما في جوفه تنور والحطمة أيضًا والحطم: السائق للإبل أو لراعيها بعنفٍ، وفي الحديث: «شر الرعاء الحطمة» وتمثل الحجاج بقول الشاعر: [من الرجز] ٣٧٢ - هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواقٍ حطم ليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهر وضم فقال: حطمه يحطمه حطمًا، قال تعالى: ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾

стр. 392

[النمل: ١٨] والحطيم لأنه يحطم من قصده بسوءٍ كبكة تبك أعناق الجبابرة، وهو الحجر الذي تحت ميزاب الرحمة. وقال النضر: سمي لما رفع البيت ترك ذلك محطومًا أي منحطًا وتصور من الحطمة: شدة الغيظ فقيل: أقبل يتحطم علينا، أي يتوقد غيظًا. وفي الحديث قال لعلي: «أين درعك الحطيمة» قال شمر: هي الثقيلة العريضة، وقيل: هي التي تكسر السيوف، وقيل: منسوب إلى بطنٍ من عبد القيس يقال لهم بنو حطمة أو حطامة. والحطام: ما تكسر يبسًا، ثم قيل لكل ما تناهى في الكسر حطام، وقال الشاعر: [من الكامل] ٣٧٣ - لو كان حي قبلهن ظعائنًا ... حيى الحطيم وجوههن وزمزم نسب التحية إلى هذين المكانين مجازًا. فصل الحاء والظاء ح ظ ر: قوله تعالى: ﴿وما كان عطاء ربك محظورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أي ممنوعًا. والحظر: المنع، وأصله من جمع الشيء في حظيرةٍ والحظيرة ما يعملها الراعي ونحوه من القصب وقصار الشجر يحفظ بها نفسه وماشيته. ثم سمي كل منعٍ حظرًا وإن لم يكن يحظره، ومنه قوله: ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ [القمر: ٣١] أي المتخذ الحظيرة،

стр. 393

وهشيمه: ما تساقط من حظاره، والحظار: حائط الحظيرة. وفي حديث أكيدر: «ولا يحظر عليكم النبات» أي لا تمنعون من الزراعة حيث شئتم. والحظار والحظار- بفتح الحاء وكسرها. الأرض ذات الزراعة المحاط عليها. وجاء فلان بالحظ الرطب أي بالكذب المستشنع. ح ظ ظ: قال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا ذو حظ عظيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، الحظ: البخت، وهو الجد أيضًا. والحظ: النصيب المقدر. ورجل محظوظ: أي صاحب حظ. وقد حظظت- بفتح العين وكسرها- فأنت محظوظ صرت ذا حظٍّ. ويجمع على حظوظٍ وأحاظٍ وأحظٍّ. وكأن أحاظي جمع الجمع؛ قال الشاعر: [من الطويل] ٣٧٤ - وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظٍ قسمت وجدود جمع بينهما لما اختلف لفظهما، كقوله: ﴿صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]ـ وقوله: [من الوافر] ٣٧٥ - وألفى قولها كذبًا ومينا فصل الحاء والفاء ح ف د: قال تعالى: ﴿بنين وحفدة﴾ [النحل: ٧٢]؛ الحفدة جمع حافدٍ نحو بارٍ وبررة، والحافد: الخادم المسرع في الخدمة، وسواء كانوا أقارب أم أجانب، من أسرع في

стр. 394

خدمتك فقد حفدك، يحفدك، فهو حافدك. وقال المفسرون: هم الأسباط؛ يعنون أولاد الأولاد، وقال الآخرون: هم الأختان والأصهار، وكأنهم رأوا أن خدمة هؤلاء أصدق من خدمة غيرهم، فلذلك خصوهم بالمثال. قال الأصمعي: أصل الحفد مداركة الخطو، وقال غيره: أصله من سرعة الحركة. وفي الحديث: «وإليك نسعى ونحفد» أي نسرع في طاعتك كما تسرع الخدمة في خدمة مخدومهم. ورجل محفود: مخدوم، وفي صفته ﷺ : «محفود محشود» أي مخدوم في أصحابه معظم عندهم ﷺ ورضي عنهم وقال ابن عرفة: هم الأعوان. وقال مجاهد: هم الخدم من حفد يحفد: إذا أسرع؛ وأنشد لكثير عزة: [من الكامل] ٣٧٦ - حفد الولائد بينهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال ويقال: حفدت وأحفدت، وحافد وحفد نحو خادم وخدم، وأنشد: [من الطويل]: ٣٧٧ - فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مم يعد كثير وقال عمر وذكر له عثمان ﵄ في الخلافة فقال: «أخشى عليه حفده» أي عقوقه في مرضات أقاربه.

стр. 395

ح ف ر: قوله تعالى: ﴿أئنا لمردودون في الحافرة﴾ [النازعات: ١٠] هذا مثل لمن يرده من حيث جاء؛ يقال: رجع فلان في حافرته، وإلى حافرته: أي في الطريق التي جاء فيها، ثم عبر به عن الرجوع إلى الحالة الأولى؛ فقوله: ﴿في الحافرة﴾ أي أنحيا بعد أن نموت؟ إنكارًا منهم للبعث قال الشاعر: [من الوافر] ٣٧٨ - أحافرة على صلعٍ وشيب ... معاذ الله من سفهٍ وعار أي: أأرجع إلى حالة الصبا بعد أن شبت؟ وقيل: الحافرة: الأرض التي جعلت قبورهم، ومعناه أإنا لمردودون ونحن في القبور؟ ففي الحافرة على هذا موضع الحال، وقد حققناه. وقيل: هو من معنى قولهم: رجع الشيخ إلى حافرته، أي رجع إلى الهرم والضعف، لقوله: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠]، وقال ابن الأعرابي: أي في الدنيا كما كنا. وقال مجاهد: أي خلقًا جديدًا. وقال الهروي: أي إلى أمرنا الأول وهو الحياة، وهو راجع إلى الأصل المذكور أولًا وفي الحديث: «إن هذا الأمر لا يترك على حالته حتى يرد إلى حافرته» أي إلى تأسيسه الأول. وقوله: ﴿وكنتم على شفا حفرةٍ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي طرف مكانٍ محفورٍ. فحفرة كغرفةٍ؛ فعلة بمعنى مفعولة، وهي الحفيرة أيضًا، فعلية بمعنى مفعولة، فالتاء فيها شاذة كالنطيحة. والحفرة: التراب والمخرج منها كالنقض بمعنى منقوض. والمحفر والمحفار: ما يحفر به. وحافر الفرس لأنه يحفر الأرض بعدوه وقولهم: «النقد عند الحافرة» لما يباع نقدًا. وأصله من بيع الفرس، كان يقال: لا يزول حافره حتى ينقد

стр. 396

عنه. والحفر: تأكل الأسنان حفرها؛ حفر فوه يحفر حفرًا. وأحفر المهر للإثناء والإرباع أي: صار ثنيًا ورباع. ح ف ظ: قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] أي نمنعه من التبديل والتغيير والنقص. وأصل الحفظ: المنع للشيءٍ بتفقده ورعايته، ومنه حفظ الدرس، وهو منع ما تدرسه أن يشذ عنك. والحفظ تارةً لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه التفهم وأخرى لضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان، وأخرى لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذا حفظًا. ثم يستعمل في كل تفقدٍ وتعهدٍ ورعايةٍ. قوله تعالى: ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ [النساء: ٨٠] أي حافظًا يحفظ أعمالهم، كقولهم: ﴿وما أنت عليهم بوكيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿لست عليهم بمصيطرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وقوله: ﴿فالله خير حافظًا﴾ [يوسف: ٦٤] أي حفظه أبلغ من حفظ غيره لعلمه بما بطن وظهر إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ما من دابةٍ إلا هو آخذ بناصيتها﴾ [هو: ٥٦]. وقرى «حفظًا» نحو خير الحافظين، فحفيظًا: تمييز، وحافظًا: حال، وقيل غير ذلك كما حققناه في الكتب المشار إليها. وقوله: ﴿حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ [النساء: ٣٤] أي يحفظن غيبة أزواجهن فلا يوطئن فرشهن غيرهم، وذلك بسبب حفظ الله إياهن. وقرئ «الله» نصبًا على معنى: بسبب رعايتهن حق الله لا لرياءٍ وتصنعٍ منهن. قوله: ﴿والحافظين فروجهم﴾ [الأحزاب: ٣٥] و ﴿لفروجهم حافظون﴾

стр. 397

[المؤمنون: ٥] كناية عن العفة، وأصله: منع أنفسهم من الوطء الحرام. قوله: ﴿وعندنا كتاب حفيظ﴾ [ق: ٤] يجوز أن يكون بمعنى حافظٍ وهو الظاهر موافقةً لقوله: ﴿لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وأن يكون بمعنى محفوظٍ كما صرح به ﴿في لوح محفوظٍ﴾ [الأنعام: ٩٢] فيه تنبيه على أنهم يحفظونها بمراعاة أوقاتها وأركانها وشرائطها والتحرر مما يجمل بها من جهاده، وبعد من حديث النفس، كما أنها هي تحفظهم. وأشار إليه بقوله: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولا حفظ أبلغ من حفظ من يحفظك من ارتكاب هذين الفعلين القبيحين. والحفاظ والمحافظة كأن كلًا منهما يحفظ. والتحفظ: قلة الغفلة وتحقيقه تكلف الحفظ لضعف القوة الحافظة. ولما كانت تلك القوة من أسباب العقل توسعوا في تفسيره. والحفيظة: الغضب الحال على المحافظة، ثم قيل للغضب المجرد، فقالوا: أحفظه، أي أغضبه. وفي الحديث: «فبدرت مني كلمة أحفظته» ومثلها الحفظة أيضًا؛ يقال: حفيظة وحفظة. وأنشد للعجاج: [من الرجز] ٣٧٩ - جاري لا تستنكري عذيري ... وحفظة أكنها ضميري وقيل: الهمزة في أحفظ للسلب، والمعنى: أزال حفظ مودته ح ف ف: قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] أي محدقين به من جميع جهاته، وفيه تنبيه على كثرة خلقه وعظم ملكوته، وذلك أن عرشه أعظم المخلوقات، ومع ذلك خلق ملائكة يحفون بهذا الحرم العظيم المتزايد في العظمة.

стр. 398

وأصل ذلك من حف القوم بالمكان: أي صاروا في حفته، والأحفة: الجوانب، الواحد حفاف. وحفاف الجبل: جانباه. وفي الحديث: «أظل الله مكان البيت بغمامةٍ فكانت حفاف البيت» فالمعنى: ترى الملائكة مطبقين بحفافية. قال الشاعر: [من الطويل] ٣٨٠ - له لحظات في حفافي سريره وفي الحديث: «تحفة الملائكة بأجنحتها». وفلان في حففٍ من العيش: أي ضيقٍ، تصور أنه حصل في جانبٍ منه لا في وسطه، عكس قولهم: هو في واسطة العيش. ومنه قوله: «من حفنا أو رفنا فليقتصد» أي من يحفف علينا، كذا فسره الراغب، وفسره الهروي: من مدحنا فلا يغلون، قال: والحفة: الكرامة التامة. وحفيف الجناح والشجر: صوتهما؛ فهي حكاية صوته. والحف: آلة النساج؛ سميت بذلك لما يسمع من حفيفها عند حركتها. قوله: ﴿وحففناهما بنخلٍ﴾ [الكهف:٣٢] أي أطفناهما بنخلٍ فجعلناه مطفيًا بهما، وأحسن الجنان منظرًا ما كان كذلك. وفي الحديث: «حفوا الشوارب وأعفوا اللحى» هو من قولهم: حفت المرأة وجهها أي قشرته من الشعر. «وكان عمر أصلع له حفاف» أي شعر حول رأسه دون أعلاه. وفي الحديث «لم يشبع من طعامٍ إلا على حففٍ» أي ضيقٍ وفقر. وفي رواية أخرى «خففٍ» فالحفف أن يكون أكثر منه،

стр. 399

فالخفف أشد. ح ف ي: قوله تعالى: ﴿كأنك حفي عنها﴾ [الأعراف:١٨٧] من قولهم: فلان حفي بخبر فلان، أي معني بالسؤال عنه. وعن مجاهدٍ: كأنك استحفيت بالسؤال عنها حتى علمتها، أي أكثرت المسألة عنها. يقال: أخفى في سؤاله وألحف وألح، كله بمعنى. قال تعالى: ﴿إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا﴾ [محمد:٣٧] أي يبالغ في مسألتكم. ولما اعتبر معنى المبالغة قيل: فلان حفي بفلانٍ، أي مبالغ في بره. قال تعالى: ﴿إنه كان بي حفيًا﴾ [مريم:٤٧] أي مبالغًا في إيصال الخير إلي. وفي الحديث: «أن عجوزًا دخلت على عائشة فسألها، فأحفى» أي بالغ في برها. وعلى هذا فما حكي أن كيسان سأل ثعلبًا عن قوله: ﴿إنه كان بي حفيًا﴾ فقال: بارًا وصولًا فقال: قوله: ﴿كأنك حفي عنها﴾ فقال: معنى هذا غير معنى ذلك. والعرب تقول: فلان حفي بخبر فلانٍ، أي معني بالسؤال عنه يبعد صحته عنهما لظهور ذلك كما تقدم من أمر المبالغة، ذاك مبالغة في البر، وهذا مبالغة في السؤال. وقيل: الإحفاء في السؤال: التبرح في الإلحاح في المطالبة، أي في البحث عن تعرف الحال. وعلى الوجه الأول يقال: حفيت السؤال، وأحفيت فلانًا في السؤال، ومنه ﴿فيحفكم تبخلوا﴾. وأصل ذلك من أخفيت الدابة، أي جعلتها حافية، أي منسحجة الحافر، والبعير: جعلته منسحج الفرسن من المشي حتى يرق. وقد حفي حفًا وحفوة، ومنه: أحفيت الشارب: أخذته أخذًا متناهيًا. وأحفيت به وتحفيت: أي بالغت في إكرامه. والحفي أيضًا العالم بالشيء. والحافي أيضًا الحاكم، يقال: تحافينا، أي تحاكمنا.

стр. 400

فصل الحاء والقاف ح ق ب: قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقابًا﴾ [النبأ:٢٣] جمع حقبٍ، وحقب جمع حقبة، والحقبة ثمانون سنةً؛ فالأحقاب جمع الجمع. قال الراغب: والصحيحٍ أن الحقبة مدة من الزمان مبهمة. وقال الأزهري: الأحقاب جمع حقبٍ وهو ثمانون سنةً. وهذا صحيح نحو فعلٍ وأفعالٍ. وقوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾ [الكهف:٦٠] أي زمانًا طويلًا، قاله ابن عرفة. وفي الحديث: «لا رأي لحاقبٍ ولا حاقنٍ»؛ الحاقب: الذي يحتاج إلى الخلاء فلم يتبرز، مأخوذ من حقب البعير، حقبًا، إذا دنا الحقب من ثيلة حيفة البول. والحقب: حبل يشد على حقو البعير. والإحقاب: شد الحقيبة من خلف الراكب. واستحقبته وأحقبته بمعنى. وحمار أحقب: أي الدقيق الحقوين، وقيل: الأبيض الحقوين، والأنثى حقباء، وذلك في الحمر الوحشية. ح ق ف: قوله: ﴿إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾ [الأحقاف:٢١] هي جمع حقفٍ، وهو الكثيب من الرمل المائل؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٣٨١ - فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حبثٍ ذي حقافٍ عقنقل وقال الأزهري: الحقف: الرمل المستطيل. وقال الهروي: ما عظم واستدار. وكانت ديار عادٍ بالشحر في كثبان رمل. واحقوقف: أي انحنى ومال. واحقوقف الهلال. وفي الحديث: «أنه مر بظبيٍ حاقفٍ». قيل: معناه أنه نائم في حقفٍ، وقال ابن الأنباري:

стр. 401

أي نائم قد انحنى في نومه. وأنشد للعجاج: [من الرجز] ٣٨٢ - طي الليالي زلفًا فرلفا ... سماوة الهلال حتى احقوقفا أي كما تطوي الليالي سماوة الليالي وهي تحصه. والزلف: الساعات من الليل، جمع زلفةٍ. ح ق ق: قوله: ﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ [لقمان:٣٠]؛ الحق في الأصل: الثبوت، والشيء الثابت. يقال: حق الأمر يحق حقًا، فهو حق: أي ثبت واستقر. والحقيقة: فعيلة، من ذلك. وقيل: أصله المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه فيه على استقامةٍ، ويقال على أوجهٍ: أحدها: لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ومنه قيل في الباري تعالى: الله حق، نحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وفي معناه: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا﴾ إلى قوله ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ [يونس:٥] [الثالث] وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، كقولنا: اعتقاد فلانٍ في الموت والبعث والنار حق. قال تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾ [البقرة:١٢٢]. [الرابع] وللفعل والقول الواقعين بحسب ما

стр. 402

يجب على قدر ما يجب في الوقت الذي يجب، [كقولنا: فعلك حق وقولك حق، قال تعالى ﴿كذلك حقت كلمة ربك﴾ [يونس:٢٣]. وقوله تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم﴾ [المؤمنون:٧١]؛ يجوز أن يراد بالحق الباري تعالى، وأن يراد به الحكم الذي هو بحسب مقتضى الحكمة. وأحققت الشيء، إما بمعنى أثبته، وإما بمعنى حكمت بكونه حقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿ليحق الحق﴾ [الأنفال:٨] فهذا يحتمل الأمرين، وإحقاقه تعالى على ضربين: أحدهما بإظهار الأدلة والآيات وفي معناه: ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانًا مبينًا﴾ [النساء: ٩١]. والثاني بإكمال الشريعة وبثها، وفي معناه: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ [الصف:٨] قوله: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة:١ - ٢] فالحاقة: اسم فاعلٍ من حق يحق حقًا: أي ثبت، وعبر بها عن القيامة لثبوتها واستقرارها بالأدلة الواضحة، وقيل: لأنها يحق فيها الجزاء. وقال الفراء: لأن فيها حقائق الأمور. وقال غيره: لأنها تحق الكفار الذين حاقوا الأنبياء إنكارًا؛ يقال: حاققته فحققته: أي خاصمته فخصمته. وقيل: لأنها تحق كل إنسان بعمله من خيرٍ أو شرٍ. قوله: تعالى ﴿حقيق على أن لا أقول﴾ [الأعراف:١٠٥] قرئ علي بتشديد الياء بمعنى: واجب علي، وكذلك: ﴿فحق عليها القول﴾ [الإسراء:١٦] أي وجب. ومن قرأ «علي أن» فبمعنى أنا حقيق بالصدق، وفي ذلك كلام كثير أتقنته. والحق يجيء: الإلزام، كقوله: ﴿من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ [المائدة:١٠٧] أي لزمهم حق من حقوقهم بتلك اليمين الكاذبة، وقال: وإذا اشترى رجل من رجلٍ دارًا، فادعاها آخر وأقام البينة استحقها على المشتري، قال: والاستحقاق والاستيجاب قريبان من السواء. قوله: ﴿وكانا حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم:٤٧] أي واجب بطريق الوعد على

стр. 403

سبيل التفضل. وقد يراد بالحق أشياء فسر بها بحسب السياق كما نبهنا عليه أول هذا الموضوع، من ذلك ﴿وتكتمون الحق﴾ [آل عمران:٧١] قيل: هو مراد محمدٍ ﵊، وذلك ما عزوه من نعته. وقوله: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل﴾ [الأنبياء:١٨] قيل: الحق القرآن، والباطل الكفر. وقوله: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق﴾ [الحجر:٨]؛ بالأمر المقتضى. ويوضح ذلك: ﴿ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر﴾ [الأنعام:٨]. وقوله: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾ [ق:١٩] وقال الهروي: الحق، الموت؛ فعلى هذا يصير تقديره: وجاءت سكرة الموت بالموت. قلت: وفي قراءة أبي بكرٍ: ﴿وجاءت سكرة الحق بالموت﴾. وقال الشافعي في قوله ﵊: «ما حق امرئٍ مسلمٍ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» أي ما الأحزم. وفي الحديث: «جاء رجلان يحتقان» أي يختصمان. وفي حديث علي: «إذا بلغ النساءٍ نص الحقاق فالعصبة أولى» قيل: ما دامت الجارية صغيرة فأمها أولى بها، فإذا بلغت فالعصبة أولى بتحصينها وتزويجها. ونص الشيء: غايته، أي غاية البلوغ. والحقاق: المخاصمة؛ وهو أن يقول كل واحد من الخصمين: أنا أحق به منك. وروي «نص الحقائق» جمع حقيقة، والحقيقة فعلية، من الحق بمعنى فاعلٍ، والتاء فيها قياس، قال الليث: الحقيقة ما يصير إليه. حق الأمر وحققه. «هو حامي الحقيقة» إذا حمى ما يجب عليه أن يحميه، قال: [من الطويل] ٣٨٣ - أنا الفارس الحامي حقيقة والدي ... وآلي فما تحمي حقيقة آلكا

стр. 404

وقال الراغب: الحقيقة تستعمل تارة في الشيء الذي له ثبوت ووجود، كقوله ﵊ لحارثة: «يا حارثة إن لكل حقٍ حقيقة، فما حقيقة إيماننك» أي ما الذي ينشأ عن كون ما تدعيه حقًا؟ قال: وتارة تستعمل في الاعتقاد، كما تقدم، وتارة في العمل وفي القول؛ فلان لفعله حقيقة، إذا لم يكن مرائيًا فيه، ولقوله حقيقة، إذا لم يكن موجبًا ومتزيدًا. وتستعمل في ضده المتجوز والمتوسع والمتفسح. وقيل: الدنيا باطل والآخرة حقيقة، تنبيهًا على زوال هذه وبقاء تلك. وأما في عرف الفقهاء والمتكلمين فهي اللفظ المستعمل فيما يوضع له في أصل اللغة. والحق من الإبل: ما استحق أن يحمل عليه، والأنثى حقة والجمع حقاق وحقائق، نقله الهروي وهو غريب. وقيل: سمي حقًا لأن أمه استحقت الحمل من العام المقبل. والحق ما دخل في أربعةٍ. وأتت الناقة على حقها أي على الوقت الذي فيه من العام الماضي، وفي حديث عمرو أنه قال لمعاوية: «أتيتك من العراق، وإن أمرك كحق الكهول» أي كبيت العنكبوت، والحق جمع حقةٍ؛ يعني أمرك واهٍ بعد. فصل الحاء والكاف ح ك م: قوله تعالى: ﴿إن ربك حكيم عليم﴾ [الأنعام:٨٣] الحكيم ذو الحكمة والحكم، وأصل المادة على منع لا بعلاجٍ، ومنه حكمة الدابة تجعل عند فكها لتمنعها من الجماح. يقال: حكمت الدابة. منعتها بالحكمة، وأحكمتها: جعلت لها حكمة، وكذا حكمت السفينة وأحكمتها. وأنشد لجرير: [من الكامل]

стр. 405

٣٨٤ - أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا وفي الحديث: «في رأس كل عبدٍ حكمة فإن شاء أن يقدعه بها قدعه». والحكمة من ذلك لأنها تمنع من الجهل؛ قال تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩]. وأحكمته: أي منعته من الفساد. وعليه قوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود:١] وقال الأزهري: أحكمت آياته بالأمر والنهي والحلال والحرام، ثم فصلت بالوعد والوعيد، والحاكم من ذلك لأنه يمنع الظالم من ظلمه. قوله تعالى: ﴿سورة محكمة﴾ [محمد:٢٠] و ﴿آيات محكمات﴾ [آل عمران:٧] يعني غير منسوخة؛ منعت من النسخ لمصلحةٍ علمها تعالى للمكلفين. وقيل: المحكمات: ما لا تعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، قاله الراغب، وفيه نظر لأن هذا الوصف بعينه موجود في المتشابه الذي هو مقابل المحكم؛ فالقرآن إما محكم وإما متشابه، كما أخبر الرب ﵎، وكلا القسمين لا تعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، وقيل غير ذلك. قوله: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾ [البقرة:٢٦٩]. فالحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل. والحكمة من الله: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الناس: معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة﴾ [لقمان:١٢] ونبه على جملتها. بما وصف بها؛ فإذا قيل في الله: حكيم فمعناه بخلاف إذا وصف به غيره. ومن هذا الوجه قال: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين:٨] فإذا وصف به القرآن فلتضمنه معنى الحكمة نحو: ﴿ألر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس:١] وقيل: الحكيم: المحكم نحو: ﴿أحكمت

стр. 406

آياته﴾. قال الراغب: كلاهما صحيح لأنه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان جميعًا. والحكم مصدر حكم يحكم، ومعناه القضاء بالشيء أن يكون كذا أو ليس كذا سواء ألزمت ذلك غيره أو لم تلزمه. قال النابغة: [من البسيط] ٣٨٥ - واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمامٍ شراعٍ وارد الثمد وقيل معناه كن حكيمًا. ويقال: حاكم وحكام لمن يحكم بين الناس، والحكم: المتخصص بذلك. وقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾ [النساء:٣٥] ولم يقل: حاكمًا بينهما، إذ من شرط الحكمتين أن يتوليا الحكم لهم وعليهم حسبما يستصوبانه من غير رجوعٍ إليهم في ذلك. والحكم يقال للواحد والجمع، والفرق بين الحكم والحكمة أن الحكم أعم من الحكمة، فكل حكمة حكم، وليس كل حكمٍ حكمةً؛ فإن الحكم أن يقضي بشيءٍ على شيءٍ، فيقول: هو كذا، وليس بكذا. قال ﵊: «إن من الشعر لحكمة» أي قضية صادقةً، وذلك نحو قول لبيدٍ: [من الطويل] ٣٨٦ - ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ... وكل نعيمٍ لا محالة زائل وقال ﵊: «الصمت حكم وقليل فاعله» فهذا بمعنى الحكمة. وقوله: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ [الأحزاب:٣٤] قيل: جعله حكمة، وذلك إشارة إلى أبعاضها التي تختص بأولي العزم من الرسل، ويكون سائر الأنبياء تبعًا لهم في ذلك. وقوله ﴿يحكم بها النبيون﴾ [المائدة:٤٤] يجوز أن يكون من الحكم أو من الحكمة المختصة بالأنبياء. وقوله ﵊: «إن الجنة للمحكمين» قيل: هم المختصون بالحكمة، وقيل: هو قوم خيروا بين أن يقتلوا

стр. 407

مسلمين وبين أن يرتدوا، فاختاروا أن يقتلوا. وفي حديث آخر: «إن في الجنة كذا وكذا قصرًا لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو محكم» يروى بكسر الكاف، وهو المصنف من نفسه، وبفتحها، وهو من خير أن يقتل أو يرتد، فاختار القتل كما تقدم. وقوله: ﴿وآتيناه الحكم صبيًا﴾ [مريم:١٢]، ﴿فوهب لي رب حكمًا﴾ [الشعراء:٢١]. بمعنى حكمةٍ، نحو: نعم ونعمة. وقوله: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ [النحل:١٢٥] فالحكمة: النبوة، والموعظة: القرآن. وفي حديث النخعي: «حكم اليتيم كما تحكم ولدك» قال أبو عبيد: أي امنعه من الفساد كما تمنع ولدك. وقال أبو سعيد الضرير: حكمه في ماله إذا صلح، قال: ولا يكون حكم، أحكم لأنهما ضدان؛ قال الأزهري: القول ما قال أبو عبيدٍ، والعرب تقول: حكمت وأحكمت، بمعنى رددت ومنعت بمعنى، فليس أحكم وحكم ضدين. فصل الحاء واللام ح ل ف: الحلف: القسم، يقال: حلف على كذا يحلف حلفًا. أي أقسم عليه. قال تعالى: ﴿ويحلفون على الكذب﴾ [المجادلة:١٤] وقال تعالى: ﴿يحلفون بالله إنهم لمنكم﴾ [التوبة:٥٦] وقيل: الحلف في الأصل: العهد بين القوم، والمحالفة: المعاهدة. وقيل: الملازمة التي تكون بمعاهدة؛ ومن ذلك: فلان خلف كرمٍ، وحليف كرمٍ لما تصور فيه من الملازمة. والأحلاف: جمع حلفٍ. والحلف أصله اليمين الذي يأخذ بعضهم من بعضٍ بها العهد، ثم عبر به عن كل يمينٍ. وقوله: ﴿ولا تطع كل حلافٍ﴾ [القلم:١٠] أي مكثارٍ للحلف، ومنه عند بعضهم: ﴿ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم﴾ [البقرة:٢٤٤]. والمحالفة أن يحلف كل منهما للآخر، ثم جعلت عبارة عن مجرد

стр. 408

الملازمة، فقيل: فلانٌ حليف فلان وحلفه، وقال ﵊: "لا حلف في الإسلام". وهو حليف اللسان: أي حديده، تصور أنه حالف الكلام والفصاحة فلا يتباطآن عنه. وشيءٌ محلفٌ: أي يحمل علي الحلف لإعجابه في حسنه، وهو الغالب، أو في قبحه. وكميتٌ محلفٌ: إذا شك فيه الرأي، فيحلف بعضهم أنه كميتٌ، وبعضهم أنه أشقر. وفي الحديث: "أنه ﵊ حالف بين قريشٍ والأنصار". إن قيل: كيف يجمع بينه وبين قوله: "لا حلف في الإسلام" قيل: معناه هنا أنه آخي بينهم، وليس المراد ما كان متعارفًا من حلف الجاهلية. قال ابن الأعرابي: الأحلاف من القبائل ست: عبد الدار وجمح وسهمٌ ومخزومٌ وكعبٌ وعدي، فأخرجت بنو عبد الدار جفنةٌ مملوءةٌ طيبًا، فغمسوا أيديهم فيها، وحلفوا. وأخرج الآخرون جفنة دم، وغمسوا أيديهم فيها، وحلفوا، فسموا أولئك المطيبين، وسموا هؤلاء لعقة الدم. وكان رسول الله ﷺ من المطيبين. ح ل ق: قوله: ﴿محلقين رؤوسكم﴾ [الفتح: ٢٧]. الحلق: إزالة الشعر من أصله بالموسى ونحوها. قيل: وأصله من: حلقه يحلقه إذا قطع حلقه، وهو هذا العضو المعروف، ثم عبر الحلق عن قطع الشعر وجزه. ورأسٌ حليقٌ، ولحية حليقٌ. وقولهم في الدعاء: "عقري حلقي" أي أصابته مصيبةٌ تحلق النساء لها شعورهن. وقيل: بمعني قطع الله حلقه، وقال الأصمعي: يقال للأمر تعجب منه:

стр. 409

عقرى حلقى، وأنشد: [من الوافر] ٣٧٨ - ألا قومي أولو عقري وحلقي ... لما لاقي سلامان بن غنم. معناه: قومي أولو نساء قد عقرن وجوههن بخدشها، وحلقن شعورهن متسليات علي أزواجهن. وقال الليث: مشئومةٌ مؤذيةٌ. وقال ﵊ لعقبة: "عقري حلقي" هذا من باب تربت يداه، وقاتله الله ما أشعره لا يقصد به الدعاء، وإنما جري علي ألسنتهم من غير قصد لمدلوله، وهذا يشبه لغو اليمين في قولهم: لا والله، وبلي والله. والمحالق: أكسيةٌ خشنةٌ سميت بذلك لحلقها الشعر بخشونتها، وإحداها محلقٌ. والحلقة بسكون اللام تشبيهًا بالحلق في الهيئة. وجوز بعضهم فتح لامها، وأنكره الجمهور حتى قال بعضهم: لا أعرف الحلقة إلا الذين يحلقون، يعني أنها جمعٌ لحالقٍ، نحو كافرٍ وكفرةٍ. واعتبر فيها معني الدوران، فقيل: حلقة اليوم. ومنه قيل: حلق الطائر أي ارتفع ودار في طيرانه، وكذا حلق ببصره أي رفعه، وفي الحديث: "كان يصلي العصر والشمس بيضاء محلقةٌ" وقال شمر: لا أعرف التحليق إلا الارتفاع. والحلقة: السلاح، وقيل: الدروع فقط لأن فيه حلقاتٍ كثيرًة، ثم غلب علي مطلق السلاح. والحالق: الجبل المرتفع. وفي الحديث: "فهممت أن أطرح نفسي من حالقٍ". والحلقان، والمحلقن: البسر يبلغ الإرطاب ثلثيه، وله في الحديث ذكرٌ، وفيه

стр. 410

ونهى عن الحلق قبل الصلاة، والحلق! جمع حلقةٍ، نحو قصعةٍ وقصع، وبدرةٍ وةدرٍ، وأراد بالصلاة صلاة الجمعة. ح ل ل: كقوله تعالي: ﴿حلالًا طيبًا﴾ [المائدة: ٨٨] الحلال: المباح، وأصله من حل العقدة أحلها أي أزلت ما كانت ممنوعة به، فالحلال ما ارتفع عن تعاطيه الحظر، وعليه قوله تعالي: ﴿واحلل عقدًة من لساني﴾ [طه: ٢٧]، ولذلك قوبل بالحرثم لأن الحرام: الممنوع منه. ويعبر عن أهلنزول بالحلول، فيقال: حل بمكان كذا، وأصله أن النازل يحل إحلالًا، ثم جعل كل نزولٍ حلولًا وإن لم يكن فيه حل توسعًا. قال تعالي: ﴿أو تحل قريبًا من دارهم﴾ [الرعد: ٣١]. وأحله غيره: أنزله، قال تعالي: ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨]. والحلة: النازلون والمحلة: المنزل. ورجلٌ حلالٌ وحلٌ ومحلٌ: إذا خرج من إجرامه، أو من الحرم، نحو: حرام وحرم ومحرم في ضده. وقوله: ﴿وأنت حلٌ بهذا البلد﴾ [البلد: ٢] أي حلالٌ، لأنها أحلت له ساعًة من نهارٍ كما ثبت في الصحيح. وقوله: ﴿تحلة أيمانكم﴾ [التحريم: ٢] أي بين لكم ما تنحل به عقد أيمانكم من الكفارة. وفي الحديث: "لا يموت لأحدكم ثلاثةٌ من الأولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم" أي ما يحل به القسم، يريد قوله تعالي: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]، هذا تفسير أبي عبيدٍ، قوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾، واعترض عليه بأن

стр. 411

ليس قسماً، وأجيب بأن القسم قوله: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم: ٦٨] يعني: وهذا متصلٌ به، وقيل: بل القسم مقدرًا أي: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ ونظره بقوله: ﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾ [النساء: ٧٢]. وفي التنظير نظرٌ ليس هذا موضع تحقيقه. وفسره الراغب وغيره بأن معناه أي: قدر ما يقول الإنسان: إن شاء الله، وهو حسنٌ، وحينئذٍ يكون علي حذف مضاف أي لا تمسه النار إلا مقدار وقت تحله. وفي حديث زمزم: "هي لشاربها حلٌ وبلٌ"، فالحل: الحلال، والبل: المباح بلغة حمير، وقيل: إتباعٌ كحسٌ بس. والحليل والحليلة: الزوج والزوجة، إما بحل كل منهما إزاره لصاحبه، وإما بكونه حلالًا له غير حرامٍ عليه، وإما لنزوله معه. قال تعالي: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ [النساء: ٢٣]. والإحليل: مخرج البول لكونه محلول العقدة، ثم عبر به عن مجموع الذكر. ويعبر بالحلول عن الوجوب، قال تعالي: ﴿فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوي﴾ [طه: ٨١] أي من وجب فقد وجب، لأن الوجوب: السقوط، ففيه نزولٌ، وفيه: "أفضل الأعمال الحال المرتحل" قيل: هو أنه يعني إذا فرغ من ختم القرآن شرع في ابتدائه، وفي الحديث كلامٌ أتقناه في "العقد النضيد من شرح القصيد". والحلة: الرداء والإزار، لأنهما يحلان ويشدان. قال أبو عبيد: لا تكون الحلة إلا بهما، وفي الحديث: "رأي رجلًا وعليه حلةٌ وقد ائتزر بأحدهما وارتدى الأخرى".

стр. 412

وفي الحديث: "خير الكفن الحلة" قيل: هي من برود اليمن. ح ل م: قوله تعالي: ﴿لأواه حليم﴾ [التوبة: ١١٤] الحلم أصله ضبط النفس عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله تعالي فمعناه الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليه. وقوله: ﴿أم تأمرهم أحلامهم بهذا﴾ [الطور: ٣٢] قيل: عقولهم، والحلم: العقل، وفيه نظرٌ، إذ قد سمع إطلاقه مرادًا به العقل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومن ذلك قوله: [من البسيط] ٣٨٨ - لا عيب بالقوم من طولٍ ولا عظيمٍ ... جسم الجمال وأحلام العصافير. أي عقولها. يقال: حلم يحلم حلمًا، وحلمه العقل. وتحلم: إذا تكلف ذلك وتحلمت المرأة: ولدت أولادًا حلماء. قوله: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ [النور: ٥٩] أي زمن البلوغ. وسمي الحلم لكون صاحبه جديرًا بالحلم. وقوله: ﴿فبشرناه بغلامٍ حليمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] أي وجدت منه قوة الحلم. وحلم في نومه يحلم، بضمتين، وحلمًا بضمةٍ وسكونٍ، وحلمًا بضمةٍ وفتحةٍ، حكاه الراغب. وتحلم واحتلم، وحلمت به في نومي: أي رأيته في المنام. والحلمة: القراد الكبير، سميت بذلك لتصورها بصورة ذي الحلم لكثرة هدوها وأما حلمة الثدي فتشبيهًا بالحلمة من القراد في الهيئة [بدلالة] تسميتها بالقراد في قول

стр. 413

[من الطويل] ٣٨٩ - كأن قرادي زوره طبعتهما ... بطينٍ من الخولان كتاب أعجمي وحلم الجلد: وقعت فيه الحلمة. وحلم البعير: نزعت عنه الحلمة. ثم يقال: حلمت فلانًا: إذا داريته ليسكن وتتمكن منه عليك، من ذلك البقر إذا سكنته بإزالة القراد عنه. قوله: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ [هود: ٨٧] من باب قولهم في المخاصمة: أنت الحليم الكامل، يعنون السفيه، فهي من التهكم كقوله: ﴿ذق أنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]. وفي الحديث: "قضي في الأرنب بحلامٍ" الحلام: الجدي، وقيل: الحمل. ويقال فيه: حلان أيضًا بالميم والنون. وفيه: "من كل حالمٍ دينارٌ": أي المحتلم. والمراد من بلغ في سن الاحتلام أو احتلم. ح ل ي: قوله تعالي: ﴿حليًة تلبسونها﴾ [النحل: ١٤] الحلية: الزينة، وعين بذلك اللؤلؤ والمرجان، فإنهما يتزين بهما. وجمعهما حلي بالضم والكسر، فالكسر قياسٌ، والضم شاذٌ. ومثله: لحيةٌ ولحيٌ. قوله في آية أخري: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] وقوله: ﴿يحلون فيها﴾ [الكهف: ٣١] أي يزينون بالحلي. وقوله: ﴿من حليهم﴾ [الأعراف: ١٤٨]، الحلي جمع الحلي، وهو ما يزين به من الذهب. والأصل حلويٌ، بزنة فعولٍ، وأدغمت الواو في الياء بعد قلبها ياًء ويجوز "حلي" بكسر الحاء إتباعًا، وقد قرئ بالوجهين.

стр. 414

فصل الحاء والميم ح م أ: قوله تعالي: ﴿من حمأٍ مسنونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. الحمأ والحماة: الطين الأسود المنتن. وقوله: ﴿في عين حمئة﴾ [الكهف: ٨٦] أي ذات حمأة. يقال: حمأت البئر، وأحمأتها، ألقيت فيها الحمأة. وقرئ "حاميةٍ" بالياء. من حميت حمي بمعني الحرارة، وليست من هذه المادة. ولا منافاة بين القراءتين، فإنها جاز أن تكون جامعةٌ بين الوصفين، حارًة ذات طينٍ أسود. ويحكي أن معاوية قرأ "حاميًة" فقال ابن عباس: "حمئة"، فقال معاوية لابن عمر: كيف تقرؤها؟ قال: كقراءة أمير المؤمنين. فبعث معاوية إلي كعب فقال: أجدها تغرب في ماءٍ وطين. وكان هناك رجلٌ حاضرٌ فأنشد قول تبع: [من الطويل] ٣٩٠ - فرأي مغيب الشمس عند مآبها ... في عين ذي خلبٍ وثأطٍ حرمد. ح م د: الحمد: الثناء بجميل الأوصاف، ولا يكون إلا باللسان، سواءٌ علي نعمةٍ مسداةٍ، أم علي صفةٍ في المحمود قاصرة عليه بخلاف الشكر، فإنه لا يكون إلا علي نعمةٍ مسداةٍ، ويكون باللسان والجوارح والجنان، وأنشدوا: [من الطويل] ٣٩١ - أفادتكم النعماء مني ثلاثًة ... يدي ولساني والضمير المحجبا. فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ. وقيل: الحمد: الرضي. حمدته: أي رضيته،

стр. 415

قاله ابن عرفة. ومنه قوله: "إني أحمد إليكم غسل الأحليل" قال ابن شميلٍ: معناه أرضي لكم، فأقام إلي مقام اللام. وقيل: الحمد هو الشكر لقولهم: الحمد لله شكرًا. وفي الحديث: "الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدٌ لا يحمده"، قال الهروي: قال المشيخة من الصدر الأول: الشكر ثلاث منازل، شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله تعالي ولي النعم علي الحقيقة. قال الله تعالي: ﴿وما بكم من نعمةٍ فمن الله﴾ [النحل: ٥٣]. وشكر اللسان، وهو إظهار النعمة باللسان مع الذكر الدائم لله ، قال الله تعالي: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]. وشكر العمل، وهو آداب النفس بالطاعة، قال تعالي: ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ [سبأ: ١٣]. و ﴿الحمد لله﴾ [الفاتحة:١] وهو الحمد أي رأس الشكر، كما أن كلمة الإخلاص وهي: "لا إله إلا الله" رأس الإيمان. وقيل: الحمد: الثناء بالفضل، وهو أخص من المدح وأعم من الشكر، يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يكون منه وفيه بالتسخير، فقد مدح بطول القامة، كما مدح ببذل المال. والحمد يكون في الثاني دون الأول، والشكر لا يقال إلا في مقابلة نعمةٍ، فكل شكرٍ حمدٌ، وليس كل حمدٍ شكرًا. وكل حمدٍ مدحٌ، وليس كل مدح حمدًا. قوله: ﴿إنه حميدٌ مجيدٌ﴾ [هود: ٧٣] يجوز أن يكون بمعني فاعلٍ، وأن يكون بمعني مفعول، كما أنه يكون شاكرًا ومشكورًا، وذلك باعتبار رضاه عن خلقه. ومحمدٌ اسمٌ لنبينا صلي الله عليه وسلم لكثرة خصاله المحمودة، قال: [من الطويل] ٣٩٢ - إلي الماجد القرم الجواد المحمد وأحمد: أفعل تفضيلٍ، وهو اسمٌ له أيضًا، وقد سمي غيره بمحمدٍ، ولكنهم

стр. 416

أشخاصٌ قليلةٌ. لما سمع بعض الجاهلية في أسفارهم إلي بلاد الروم أنه خرج نبي اسمه محمد سمي جماعةٌ منهم بنبيهم بذلك. وأما أحمد فلم ينقل أنه تسمي به أحدٌ غيره. ولذلك قال عيسي ﵇: ﴿اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦] فبشر بالاسم الخاص. وقيل: إنما خص لفظ أحمد دون محمد تنبيهًا أنه كما وجد أحمد يوجد وهو محمودٌ في أقواله وأفعاله، وقيل: إنما خص بذلك تبيهًا أنه أحمد منه ومن الذين قبله. وقوله: ﴿محمد رسول الله﴾ [الفتح: ٢٩] لمحمدٍ، وإن كان من وجه إعلاءٌ له ففيه تنبيهٌ علي وصفه بذلك وتخصيصه بمعناه كما مضي ذلك قوله: ﴿إنا نبشرك بغلامٍ اسمه يحيي﴾ [مريم: ٧] علي معني الحياة. وقوله: ﴿نسبح بحمدك﴾ [البقرة: ٣٠] أي متلبسين بحمدك. وقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" أي وبحمدك أبتدي كما في "بسم الله". وقوله: "أحمد إليك الله" قيل: أنهي حمده إليك. فمن ثم تعدي بإلي. وقيل: بمعني معك الله، والأول أولي، وقد أتقنت هذه المسألة وكلام الناس فيها بما يعني عن التطويل هنا. ح م ر: قوله تعالي: ﴿كأنهم حمرٌ مستنفرةٌ﴾ [المدثر: ٥٠]. الحمر: جمع حمارٍ، ويجمع أيضٍا علي حميرٍ، قال تعالي: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها﴾ [النحل: ٨٠] وفي القلة علي أحمرةٍ. والمراد بالحمر هنا حمر الوحش، وصفهم بعظم القوة. وقوله تعالي: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾ [الجمعة:٥] شبه أحبار اليهود في جهلهم وعدم انتفاعهم بعلمهم، بالحمار الحامل لأسفار الكتب الذي لا ينتفع بشيءٍ

стр. 417

منها. وهو من أبلغ تشبيه، حيث شبههم بأبلد حيوانٍ مع مطابقة صورة التشبيه. وحمار قبان: دويبةٌ معروفةٌ. وحمارة القيظ: شدته. وفي الحديث: "كنا إذا أحمر البأس اتقينا برسول الله صلي الله عليه وسلم" يعبر بالحمر عن الشدة، ومنه "موتٌ أحمر" و"سنةٌ حمراء" وفيه "بعثت إلي الأسود والأحمر"، وقيل: العرب والعجم لأن ألوان العرب يغلب عليها الأدمة، وعلي ألوان العجم البياض والحمرة، وقيل: الجن والإنس. "وكان شريحٌ يرد الحمارة من الخيل"أي يعزل أصحاب الحمير من أصحاب الخيل. والأحمران: اللحم والخمر، وذلك باعتبار لونيهما، والأحامرة هما مع الزعفران. ومن ذلك قول الشاعر: [من الكامل] ٣٩٣ - إن الأحامرة الثلاثة أتلفت ... مالي، وكنت بهن قدمًا مولعا. الخمر واللحم السمين، وأطلي ... بالزعفران، فلا أزال مولعا. وقولهم: سنةٌ حمراءٌ: اعتبارًا لما يحدث في الجو من الحمرة، يقال: إن آفاق السماء تحمر أعوام الجدب. قال الشاعر: [من البسيط] ٣٩٤ - لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... صر الشتاء من الأمحال كالأدم. ووطاءةٌ حمراء: أي جديدةٌ، ودهماء: دراسةٌ. ح م ل: قوله تعالي: ﴿وتضع كل ذات حملٍ حملها﴾ [الحج:٢] يعني لشدة الهول تضع الحوامل. والحمل ما كان في نطن حيوانٍ من الأجنة أو علي رأس شجرة. وبالكسر ما كان علي ظهرٍ لقوله: ﴿وإن تدع مثقلةٌ إلي حملها لا يحمل منه شيءٌ﴾ [فاطر: ١٨].

стр. 418

وقوله: ﴿فالحاملات وقرا﴾ [الذاريات:٢] هي السحاب لحملها ما المطر. وقال الراغب: الحمل معنى واحد واعتبر في أشيا كثيرة فسوي بين لفظه في الفعل. وفرق بين كثير من مصادرها؛ يقال في الأثقال المحمولة في الظاهر كالشيء المحمول على الظهر: حمل، وفي الأثقال المحمولة في الظاهر كالشيء المحمول على الظهر: حمل، وفي الأثقال المحمولة في البطن حمل كالولد في البطن والماء في السحاب والثمر في الشجر تشبيهاً بحمل المرأة. يقال: حملت الثقل والرسالة والوزر حملاً، ومنه: ﴿وساء لهم يوم القيامة حملا﴾ [طه: ١٠١] بدليل قوله: ﴿وهم يحلون أوزارهم على ظهورهم إلا ساء ما يزرون﴾ [الأنعام: ٣١] وقوله: ﴿مثل الذين حملوا التوراة﴾ [الجمعة:٥] أي كلفوا حملها، أي القيام بحقها فلم يحملوها. ويقال: حملته كذا فتحمله، وحملته على كذا فتحمله واحتمله وحمله. قوله: ﴿فإنما عليه ما حمل﴾ [النور: ٥٤] أي البلاغ، ﴿وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤] من الإيمان به وبما جاء به. وقوله: ﴿حملت حملاً خفيفاً﴾ [الأعراف: ١٨٩] إشارة إلى الحبل، والأصل في ذلك الحمل على الظهر، فاستعير للحبل بدليل قولهم: وسقت الناقة إذا حملت. وأصل الوسق الحمل المحمول على ظهر البعير. وقوله: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] فالحمولة ما استحق أن تحمل عليه الأحمال، صغار الإبل. فالحمولة عليه كالركوبة لما يركب عليه. وقوله: ﴿إن تحمل عليه يلهث﴾ [الأعراف: ١٧٦] أي يطرده كما يطرد المقاتل مقاتله. والحمولة بضمتين لما يحمل. والحمل بفتحتين يعني المحمول، كالقبض بمعنى المقبوض، وخص بصغير الضأن لحمل أمه أياه، أو لعجزه فيحمل. والحميل: ما يحمله السيل والغريق تشبيهاً بالسيل والولد في البطن. والحميل: الكفيل، لتحمله الحق. وميراث الحميل لمن لا يتحقق نسبه والحميل للسحاب الكثير الماء لحمله إياه. و ﴿حمالة الحطب﴾ [المسد:٤] أي تمشي بالنميمة، وقد تقدم ذلك في

стр. 419

مادة "ح ط ب". قوله: ﴿فأبين أن يحملنها﴾ [الأحزاب: ٧٢] أي أداء الأمانة، فعبر عن ذلك بعدم الحمل، وكل من خان الأمانة فقد حملها، ومن ثم فقد حمل الإثم، بدليل قوله: ﴿وليحملن أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣]. وقوله: ﴿وحملها الإنسان﴾ [الأحزاب: ٧٢] أي الكافر والمنافق؛ حملا الأمانة، أي خانا ولم يطيعا، قاله الحسن، وتبعه الزجاج. وقوه: "كما تنبت الحبة في حميل السيل" قال الأصمعي: هو ما حمله السيل من حمأ وطينٍ؛ فإذا وقعت فيه الحبة نبتت في يوم وليلةٍ، وهي أسرع نابتةٍ نباتًا. فأخبر عن سرعة نباتهم. والحمالة: ما يتحمله الإنسان لإصلاح ذات البين من ديةٍ وغيرها. وقوله في ضغطة القبر: "تزول منها حمائله". قال الأصمعي: هي عروة أنثييه. ح م م: قوله: ﴿ولا صديق حميمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١]. هو القريب المشفق، وذلك لأنه يحتد حماية لأقاربه، وأصل ذلك من الماء الحميم. ويقال للماء الخارج من منبعه: حمة. وفي الحديث: "العالم كالحمة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء". ويقال للغرق: حميم على التشبيه. واستحم الفرس: عرق. والحمام: إما لأنه يعرق داخله، وإما لما فيه من الماء الحار.

стр. 420

نسمي المشفق حميمًا، تصورًا لحرارة مزاجه عند احتداده على أدنى شيء يصيب ذويه. وحامة الرجل: خاصته، ولذلك قوبلت بالعامة في قولهم: العامة والحامة. ويقال لحامة الرجل حزانته، أي الذين يحزنون له. واحتم لفلانٍ: احتد له، وهو أبلغ من اهتم. وأحم الشحم: أذابه، أي جعله كالحميم. وأحمت الحاجة: أي أهمت ولزمت، فهي محمة. ومنه الحديث: "إنا جئناك في غير محمةٍ"، وفي الحديث أيضًا: "عند حمة النهضات" أي شدتها. وحم كل شيءٍ: معظمه، وفي خطبة مسلمة "أن أقل الناس في الدنيا همًا أقلهم فيها حمًا". قال سفيان: أي متعة، ومنه تحميم المتعة. يقال: حمم المرأة: أي متعها. قوله: ﴿وظل من يحمومٍ﴾ [الواقعة:٤٣] هو يفعول، من معنى الحميم، وهو الحار. وقيل: هو دخان جهنم لشدة سواده. وتسميته بذلك إما لما فيه من فرط الحرارة كما فسره في قوله: ﴿لا باردٍ ولا كريمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] أو لما تصور فيه من الحممة، وهي الشديدة السواد مما حرق من الحطب وهو الفحم، الواحدة حممة، كما أن واحد الفحم فحمة، وإلى هذا المعنى أشار بقوله عنهم: ﴿من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ [الزمر: ١٦]. والموت: الحمام لأنه من حم الأمر: أي قدر. والحمى سميت بذلك لما فيها من الحرارة المفرطة، وعلى ذلك قوله ﵊: "الحمى من فيح جهنم"، وإما لما يعرض فيها من الحميم: أي العرق، وإما لكونها من أمارات الحمام لقولهم: "الحمى بريد الموت". وحمم الفرخ: أسود جلده من الريش. وحمم وجهه: أسود شعره. وأما حمحمة الفرس فحكاية صوتٍ، وليس من الأول في شيء.

стр. 421

ح م ي: قوله تعالى: ﴿يوم يحمى عليها﴾ [التوبة: ٣٥] أي يوقد عليها حتى تحمى أي تصير حارة؛ يقال: أحميت الحديدة أحميها إحماء. وحمي الشيء يحمى حميًا. فالحمي: الحرارة المتولدة من الجواهر المحمية كالنار والشمس والقوة الحارة في البدن. وقوله تعالى: ﴿في عينٍ حاميةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي حارةٍ، وقرى "حمئةٍ" وقد تقدم. وحميا الكأس: سورتها وشدتها. وعبر عن القوة الغضبية، إذا ثارت وكثرت، بالحمية؛ قال تعالى: ﴿في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾ [الفتح ٢٦]. وحميت على فلانٍ: غضبت عليه. وعبر به عن المنع فقيل: حمى المكان يحميه، ومنه: "لا حمى إلا لله ورسوله". وحميت أنفي محمية، وحميت القوس حمية. وقوله تعالى: ﴿ولا حامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] قيل: هو الفحل يضرب عشرة أبطنٍ؛ يقولون: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل. وأحماء المرأة: أقارب زوجها لأنهم حماة لها، الواحد حمي وحمو وحم وحمًا. والأشهر إعرابه بالحروف كأبٍ. وقال الشافعي في قوله ﷺ : "لا حمى إلا لله ورسوله" كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا أو بلدًا استعوى كلبًا فحمى لصاحبه مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره وهو يشارك غيره في المرعى، فقال ﵊: "لا حمى إلا لله" أي لخيل الجهاد وإبله التي تحمل عليها أثقال المجاهدين. فصل الحاء والنون ح ن ث قوله تعالى: ﴿يصرون على الحنث العظيم﴾ [الواقعة: ٤٦] فالحنث: اسم

стр. 422

للذنب، وهو هنا الكفر لأنه أعظم الآثام والذنوب. واليمين الغموس: هي الحنث. وحنث في يمينه: أي لم يف بها. وبلغ الحنث عبارة عن البلوغ، لأنه يؤاخذ الإنسان بالحنث عند بلوغه. وعبر عن التعبد بالتحنث، ومنه: "كان يتحنث بغار حراء" وأصله أن يتباعد من الإثم والذنب، نحو تحرج: أي جانب الحرج، فقيل: الحنث العظيم: اليمين الفاجرة. وقوله: "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث" أي لم يصلوا إلى حد يؤاخذون فيه بالحنث، وقد تقدم. وقال بعض أهل اللغة: الحنث في الأصل: العدل الثقيل، فعبر به عن الحنث تصويرًا لثقل الذنب. ح ن ج: قال تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ [الأحزاب: ١٠] جمع حنجرة، وهي رأس الغلصمة من خارجٍ. وذلك كناية عن شدة الخوف؛ فإن الخائف إذا تزايد خوفه تصاعدت أمعاؤه وقلبه إلى أن تكاد تبلغ حلقومه. ويقال: انتفخ منخره أيضًا بهذا المعنى. ح ن ذ: قوله تعالى: ﴿بعجلٍ حنيذ﴾ [هود: ٦٩] أي محنوذٍ، بمعنى مشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة يشوى عليها اللحم. وقيل: هو الشيء بين حجرين وذلك لتسيل عنه اللزوجة. وهو من حنذت الفرس أحنذه، إذا استحضرته شوطًا أو شوطين ثم ظاهرت عليه الجلال ليعرق. وحنذته الشمس، ولما كان متصورًا منه قلة الماء قيل: إذا سقيت الخمر فأحنذ، أي قلل فيها الماء. والحنيذ بمعنى محنوذٍ كجريجٍ، وفي الحديث: "أتي بضب محنوذٍ".

стр. 423

ح ن ف: قوله تعالى: ﴿حنيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] قال ابن عرفة: قد قيل: إن الحنف الاستقامة، وإنما قيل لمتمايل الرجل: أخف تفاؤلًا بالاستقامة. قال الأزهري: معنى الحنيفة في الإسلام: الميل إليه والثبات على عقيدةٍ. والحنف: إقبال إحدى القدمين على الأخرى؛ فالحنيف: الصحيح الميل إلى الإسلام، الثابت عليه. وقال أبو عبيدٍ: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم. وقال الراغب: الحنف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، وعن الاستقامة إلى الضلال. والحنيف: المائل إلى ذلك. قال تعالى: ﴿أمة قانتًا لله حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، وجمعه حنفاء. وتحنف فلان: تحرى طريقة الاستقامة. وكل من اختتن أو حج سمته العرب حنيفًا تنبيهًا أنه على ملة إبراهيم. فالحنف عنده مجرد الميل، إلا أنه غلب في الميل إلى الإسلام وإلى طريق الخير، وإلا فسد ما قاله. ح ن ك: قوله تعالى: ﴿لأحتنكن ذريته﴾ [الإسراء: ٦٢] عبارة عن تمكنه منهم بالوسوسة تمكن قائد الدابة الواضع اللجام في حنكها لتطيعه حيث يقودها. يقال: حنكت الدابة باللجام والرسن، نحو لألجمنه، ولأرسننه، أي لأضعن في حنكه اللجام والرسن. وقيل: هو من قولهم: احتنك الجراد الأرض: إذا استولى عليها بحنكه فاستأصلها أكلًا. فالمعنى: لأستولين عليهم استيلاء الجراد على الأرض. وحنكه الدهر: ابتلاه ببلايا جرب فيها غيره، كأنه أخذه بحنكه، كله بمعنى: هو ذو تجارب، ومجازه ما تقدم. وقال الأزهري: احتنك البعير الصليانة أي اقتلعها من أصلها. وحنكت الصبي وحنكته مخففًا ومثقلًا إذا مضغت نمرًا ونحوه ودلكت به حنكه. ويقال: هو أسود من

стр. 424

حنك الغراب، وهو منقاره، وحلك أيضًا، وهو ريشه. ح ن ن: قوله تعالى: ﴿وحنانًا من لدنا﴾ [مريم: ١٣] أي تحننا ورحمة، وفي حديث ورقة: "أنه كان يمر ببلالٍ وهو يعذب فيقول: لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا" أي لأترحمن عليه، وقيل: لأتمسح نه لبركته. والحنان: البركة والرزق. وحنانيك أي تحننًا بعد تحننٍ، نحو: لبيك وسعديك، لا يرد بهذه شفع الواحد. والحنان: بالتشديد، من صفات الباري تعالى، بمعنى الرحيم. وحننت إليه: أي ملت ميلًا شديدًا، قال: [من الطويل]. ٣٩٥ - حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معًا وأصل الحنين النزاع المتضمن للإشفاق. ومنه حنين الناقة والمرأة لولدها. وقد يكون مع ذلك صوت، ولذلك يعبر بالحنين عن الصوت الدال على النزاع والشفقة، أو متصورًا بصورته. قال الراغب: وعلى ذلك: حنين الجذع. قلت: حنين الجذع الذي كان يخطب ﵊ حنينه حقيقة حتى كان للمسجد ضجة. وقوس حنانة. وقيل: ما له حانة ولا آنة أي لا ناقة ولا شاة سمينة؛ وصفتا بذلك اعتبارًا لصوتيهما. قيل: ولما كان الحنين متضمنًا للإشفاق، والإشفاق لا ينفك عن الرحمة، عبر به عن الرحمة، كقوله: ﴿وحنانًا من لدنا﴾. وحنين: مكان معروف.

стр. 425

فصل الحاء والواو ح وب: قوله تعالى: ﴿إنه كان حوبًا كبيرًا﴾ [النساء: ٢] الحوب والحوب: الإثم. والحوبة كذلك، ومنه: "تقبل توبتي واغسل حويتي". وفي الحديث لمن استأذن في الجهاد: "ألك حوبة"؟ قيل: هي الأم، والصحيح: ألك من تأثم إن ضيعته من حرمة؟ وهي الحاجة أيضًا. ومنه الحديث: "إليك أرفع حوبتي". وقولهم: ألحق الله بهم الحوبة، أي المسكنة والحاجة. وحقيقتها: الحاجة الحاملة صاحبها على ارتكاب الإثم. وبات فلان بحوبة سوءٍ. والحوباء: هي النفس، وحقيقتها النفس المرتكبة للحوب، وهي الموصوفة بقوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف:٥٣]. وقال الفراء: الحوب بالضم للحجاز، وبالفتح لتميمٍ. والحوب: الوحشة أيضًا. ومنه: "إن طلاق أم أيوب لحوب". وقيل: الحوب: الإثم، والحوب: المصدر منه، وأصله من قولهم: حوب، لزجر الإبل. وفي الحديث: "كان إذا قدم من سفرٍ قال: آيبون تائبون لربنا حامدون حوبًا حوبًا" كأنه لما فرغ من كلامه زجر بعيره. فتسمية الإثم بالحوب لكونه مزجورًا عنه من قولهم: حاب حوبًا وحوبًا وحيابة. وأصله كما تقدم مأخوذ من زجر الإبل. ح وت: قوله تعالى: ﴿فالتقمه الحوت﴾ [الصافات: ١٤٢] الحوت: السمك العظيم، وهو
следующие страницы →