Полный текст (1 752 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ح م ي:
قوله تعالى: ﴿يوم يحمى عليها﴾ [التوبة: ٣٥] أي يوقد عليها حتى تحمى أي تصير حارة؛ يقال: أحميت الحديدة أحميها إحماء. وحمي الشيء يحمى حميًا. فالحمي: الحرارة المتولدة من الجواهر المحمية كالنار والشمس والقوة الحارة في البدن. وقوله تعالى: ﴿في عينٍ حاميةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] أي حارةٍ، وقرى "حمئةٍ" وقد تقدم.
وحميا الكأس: سورتها وشدتها. وعبر عن القوة الغضبية، إذا ثارت وكثرت، بالحمية؛ قال تعالى: ﴿في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية﴾ [الفتح ٢٦]. وحميت على فلانٍ: غضبت عليه. وعبر به عن المنع فقيل: حمى المكان يحميه، ومنه: "لا حمى إلا لله ورسوله". وحميت أنفي محمية، وحميت القوس حمية.
وقوله تعالى: ﴿ولا حامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] قيل: هو الفحل يضرب عشرة أبطنٍ؛ يقولون: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل.
وأحماء المرأة: أقارب زوجها لأنهم حماة لها، الواحد حمي وحمو وحم وحمًا. والأشهر إعرابه بالحروف كأبٍ.
وقال الشافعي في قوله ﷺ : "لا حمى إلا لله ورسوله" كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا أو بلدًا استعوى كلبًا فحمى لصاحبه مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره وهو يشارك غيره في المرعى، فقال ﵊: "لا حمى إلا لله" أي لخيل الجهاد وإبله التي تحمل عليها أثقال المجاهدين.
فصل الحاء والنون
ح ن ث
قوله تعالى: ﴿يصرون على الحنث العظيم﴾ [الواقعة: ٤٦] فالحنث: اسم
стр. 422
للذنب، وهو هنا الكفر لأنه أعظم الآثام والذنوب. واليمين الغموس: هي الحنث. وحنث في يمينه: أي لم يف بها. وبلغ الحنث عبارة عن البلوغ، لأنه يؤاخذ الإنسان بالحنث عند بلوغه. وعبر عن التعبد بالتحنث، ومنه: "كان يتحنث بغار حراء" وأصله أن يتباعد من الإثم والذنب، نحو تحرج: أي جانب الحرج، فقيل: الحنث العظيم: اليمين الفاجرة.
وقوله: "من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث" أي لم يصلوا إلى حد يؤاخذون فيه بالحنث، وقد تقدم. وقال بعض أهل اللغة: الحنث في الأصل: العدل الثقيل، فعبر به عن الحنث تصويرًا لثقل الذنب.
ح ن ج:
قال تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ [الأحزاب: ١٠] جمع حنجرة، وهي رأس الغلصمة من خارجٍ. وذلك كناية عن شدة الخوف؛ فإن الخائف إذا تزايد خوفه تصاعدت أمعاؤه وقلبه إلى أن تكاد تبلغ حلقومه. ويقال: انتفخ منخره أيضًا بهذا المعنى.
ح ن ذ:
قوله تعالى: ﴿بعجلٍ حنيذ﴾ [هود: ٦٩] أي محنوذٍ، بمعنى مشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة يشوى عليها اللحم. وقيل: هو الشيء بين حجرين وذلك لتسيل عنه اللزوجة. وهو من حنذت الفرس أحنذه، إذا استحضرته شوطًا أو شوطين ثم ظاهرت عليه الجلال ليعرق. وحنذته الشمس، ولما كان متصورًا منه قلة الماء قيل: إذا سقيت الخمر فأحنذ، أي قلل فيها الماء. والحنيذ بمعنى محنوذٍ كجريجٍ، وفي الحديث: "أتي بضب محنوذٍ".
стр. 423
ح ن ف:
قوله تعالى: ﴿حنيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] قال ابن عرفة: قد قيل: إن الحنف الاستقامة، وإنما قيل لمتمايل الرجل: أخف تفاؤلًا بالاستقامة. قال الأزهري: معنى الحنيفة في الإسلام: الميل إليه والثبات على عقيدةٍ.
والحنف: إقبال إحدى القدمين على الأخرى؛ فالحنيف: الصحيح الميل إلى الإسلام، الثابت عليه. وقال أبو عبيدٍ: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم.
وقال الراغب: الحنف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، وعن الاستقامة إلى الضلال. والحنيف: المائل إلى ذلك. قال تعالى: ﴿أمة قانتًا لله حنيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، وجمعه حنفاء. وتحنف فلان: تحرى طريقة الاستقامة. وكل من اختتن أو حج سمته العرب حنيفًا تنبيهًا أنه على ملة إبراهيم. فالحنف عنده مجرد الميل، إلا أنه غلب في الميل إلى الإسلام وإلى طريق الخير، وإلا فسد ما قاله.
ح ن ك:
قوله تعالى: ﴿لأحتنكن ذريته﴾ [الإسراء: ٦٢] عبارة عن تمكنه منهم بالوسوسة تمكن قائد الدابة الواضع اللجام في حنكها لتطيعه حيث يقودها. يقال: حنكت الدابة باللجام والرسن، نحو لألجمنه، ولأرسننه، أي لأضعن في حنكه اللجام والرسن. وقيل: هو من قولهم: احتنك الجراد الأرض: إذا استولى عليها بحنكه فاستأصلها أكلًا. فالمعنى: لأستولين عليهم استيلاء الجراد على الأرض.
وحنكه الدهر: ابتلاه ببلايا جرب فيها غيره، كأنه أخذه بحنكه، كله بمعنى: هو ذو تجارب، ومجازه ما تقدم.
وقال الأزهري: احتنك البعير الصليانة أي اقتلعها من أصلها. وحنكت الصبي وحنكته مخففًا ومثقلًا إذا مضغت نمرًا ونحوه ودلكت به حنكه. ويقال: هو أسود من
стр. 424
حنك الغراب، وهو منقاره، وحلك أيضًا، وهو ريشه.
ح ن ن:
قوله تعالى: ﴿وحنانًا من لدنا﴾ [مريم: ١٣] أي تحننا ورحمة، وفي حديث ورقة: "أنه كان يمر ببلالٍ وهو يعذب فيقول: لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا" أي لأترحمن عليه، وقيل: لأتمسح نه لبركته. والحنان: البركة والرزق. وحنانيك أي تحننًا بعد تحننٍ، نحو: لبيك وسعديك، لا يرد بهذه شفع الواحد.
والحنان: بالتشديد، من صفات الباري تعالى، بمعنى الرحيم. وحننت إليه: أي ملت ميلًا شديدًا، قال: [من الطويل].
٣٩٥ - حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معًا
وأصل الحنين النزاع المتضمن للإشفاق. ومنه حنين الناقة والمرأة لولدها. وقد يكون مع ذلك صوت، ولذلك يعبر بالحنين عن الصوت الدال على النزاع والشفقة، أو متصورًا بصورته. قال الراغب: وعلى ذلك: حنين الجذع. قلت: حنين الجذع الذي كان يخطب ﵊ حنينه حقيقة حتى كان للمسجد ضجة.
وقوس حنانة. وقيل: ما له حانة ولا آنة أي لا ناقة ولا شاة سمينة؛ وصفتا بذلك اعتبارًا لصوتيهما. قيل: ولما كان الحنين متضمنًا للإشفاق، والإشفاق لا ينفك عن الرحمة، عبر به عن الرحمة، كقوله: ﴿وحنانًا من لدنا﴾.
وحنين: مكان معروف.
стр. 425
فصل الحاء والواو
ح وب:
قوله تعالى: ﴿إنه كان حوبًا كبيرًا﴾ [النساء: ٢] الحوب والحوب: الإثم. والحوبة كذلك، ومنه: "تقبل توبتي واغسل حويتي". وفي الحديث لمن استأذن في الجهاد: "ألك حوبة"؟ قيل: هي الأم، والصحيح: ألك من تأثم إن ضيعته من حرمة؟ وهي الحاجة أيضًا. ومنه الحديث: "إليك أرفع حوبتي". وقولهم: ألحق الله بهم الحوبة، أي المسكنة والحاجة. وحقيقتها: الحاجة الحاملة صاحبها على ارتكاب الإثم. وبات فلان بحوبة سوءٍ.
والحوباء: هي النفس، وحقيقتها النفس المرتكبة للحوب، وهي الموصوفة بقوله: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾ [يوسف:٥٣]. وقال الفراء: الحوب بالضم للحجاز، وبالفتح لتميمٍ. والحوب: الوحشة أيضًا. ومنه: "إن طلاق أم أيوب لحوب". وقيل: الحوب: الإثم، والحوب: المصدر منه، وأصله من قولهم: حوب، لزجر الإبل. وفي الحديث: "كان إذا قدم من سفرٍ قال: آيبون تائبون لربنا حامدون حوبًا حوبًا" كأنه لما فرغ من كلامه زجر بعيره. فتسمية الإثم بالحوب لكونه مزجورًا عنه من قولهم: حاب حوبًا وحوبًا وحيابة. وأصله كما تقدم مأخوذ من زجر الإبل.
ح وت:
قوله تعالى: ﴿فالتقمه الحوت﴾ [الصافات: ١٤٢] الحوت: السمك العظيم، وهو
стр. 426
النون. والجمع حيتان، قال تعالى: ﴿تأتيهم حيتانهم﴾ [الأعراف: ١٦٣]. قال الفراء: العرب تجمع الحوت: أحوتة وأحواتًا في القليل، فإذا كثرت فهي الحيتان. قوله: إن أفعلة من جموع القلة لا يعرفه البصريون. واشتق من لفظ الحوت فقيل: حاوتني فلان محاوتة، أي راوغني مراوغة الحوت.
ح وج:
قوله تعالى: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة﴾ [الحشر:٩] الحاجة: الفقر إلى الشيء مع محبته، وجمعها حاج وحاجات وحوائج. وحاج يحوج: أي احتاج والحوجاء: الحاجة. والحاج أيضًا ضرب من الشوك، الواحدة حاجة. وفي الحديث: "انطلق إلى هذا الوادي فلا تدع حاجًا ولا حطبًا. وفيه: "ما تركت من حاجة ولا داجة" أي لم أترك شيئًا من المعاصي إلا ارتكبته. وداجة: إتباع. والحوائج جمع الحاجة على غير قياسٍ، وأصلها حائجة.
ح وذ:
قوله تعالى: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ [المجادلة: ١٩] أي استولى عليهم وغلبهم، وكذا: ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾ [النساء: ١٤١] وأصله من حاذ الإبل يحوذها، وحاذها يحوذها أي يسوقها سوقًا عنيفًا؛ وذلك أن يتبع السائق حاذي البعير، أي أدبار فخذيه لسوقها، فقوله: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ يجوز أن يكون من ذلك كما تقدم، وأن يكون من استحوذ العير على الأتان أي استولى على حاذيها أي جانبي ظهرها.
واستحوذ جاء على أصله، وهو شاذ قياسًا، فصح استعمالًا، والقياس استحاذ. وظاهر كلام الراغب أنه يسمع، ونحو قوله: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ اقتعده الشيطان وارتكبه. والأحوذي: الحاد المنكمش في أموره. وعن عائشة تصف عمر رضي
стр. 427
الله عنهما: "ما كان والله أحوذيًا نسيج وحده". وقيل: الأحوذي الخفيف الحاذق بالشيء من الحوذ، وهو السوق. وفي الحديث: "ليأتين على الناس زمان يغبط فيه الرجل بخفة الحاذ كما يغبط اليوم أبو العشرة"، والحاذ: خفة اللحم وقلة المال والعيال. والحاذ والحاد واحد، وهو ما تقع عليه اليد من متن الفرس.
والحوذان: نبت طيب الريح؛ قال النابغة الذبياني: [من الطويل].
٣٩٦ - وتنبت حوذانًا، وعوفًا منورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل.
ح ور:
قوله تعالى: ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ [الانشقاق: ١٤] أي يرجع ويبعث. =يقال: حار يحور حورًا: أي رجع. وفي الحديث: "نعوذ بك من الحور بعد الكور" أي نعوذ بالله من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها. والكور: الجماعة، من: كار عمامته إذا جمعها ولفها، وحارها إذا نقضها. وقيل: معناه: نعوذ بك من النقص بعد الزيادة. وقيل: من نقض أمورنا بعد صلاحها، كانتقاض العمامة بعد استقامتها. وروي بعد الكون" بالنون، من قولهم: حار بعد ما كان.
وقيل: الحور أصله التردد إما بالذات وإما بالفكر، ومنه: ﴿وقيل: الحور أصله التردد إما بالذات وإما بالفكر، ومنه: ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ أي لن يرد ولن يبعث، إشارة إلى قوله: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ [التغابن:٧]. وحار الماء في الغدير: تردد. وحار في أمره. ومنه المحور للعود الذي تجري عليه البكرة لتردده، وبهذا النظر قيل: سير السواني أبدًا لا ينقطع.
ومحارة الأذن لظاهرها المنقعر تشبيهًا بمحارة الماء لتردد الهواء بالصوت فيه كتردد الماء في المحارة. والقوم في حوارٍ: في ترددٍ. "ونعوذ بالله من الحوار بعد الكور" أي من
стр. 428
التردد في الأمر بعد المضي فيه، أو من نقصان وتردد في الحال بعد الزيادة فيها. وقيل: حار بعدما كان، قال الراغب، وهو حصن إلا قوله: وحار في الأمر وتحير؛ فإن هذا من مادة الياء لا الواو كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والحوار والمحاورة: المراجعة والمرادة في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وهو يحاوره﴾ [الكهف:٤٣]: أي يخاصمه لأن كلامه مما يرجع على مخاصمه كلامه ويرده إليه. وقوله: ﴿والله يسمع تحاوركما﴾ [المجادلة: ١]: أي ترادكما في الكلام. وكلمته فما رجع إلى حوار ولا حوير أي جوابًا. وما يعيش بأحور أي بعقلٍ. وعن علي ﵁: والله لا أرمم حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به" أي بجوابٍ. وقيل: أراد بالخيبة. وأصل الحور: الرجوع إلى النقص.
قوله تعالى: ﴿قال الحواريون﴾ [آل عمران: ٥٢] الحواريون: الأنصار، وغلب على أنصار الأنبياء. والحواريون الواردون في القرآن أخص من ذلك، وهم أنصار عيسى؛ قيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب، والمادة تدل على التبييض؛ يقال حورت الثوب: أي بيضت. وقيل لنساء الحاضرة: الحواريات، لبياض ألوانهن وثيابهن، قال أبو جلدة اليشكري: [من الطويل].
٣٩٧ - فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
والحور العين من ذلك، وهن من في أعينهن حوارٍ؛ قيل: بياض، وهو زي مستحسن. وأحورت عينه: أي صارت كذلك. والحور: جمع حوراء وأحور. والذي في
стр. 429
القرآن جمع حوراء فقط لقوله: ﴿مقصورات﴾ [الرحمن:٧٢]. ومنه الحواري وذلك لبياضه وتصفيته، قال بعضهم: سموا قصارين. ولم يكونوا قصارين؛ شبهوا بهم من حيث إنهم كانوا يطهرون نفوس الناس بإفادتهم الدين والعلم المشار إليه بقوله: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، فقيل لهم قصارين على التمثيل. وقيل: بل كانوا صيادين. وقيل: ليسوا صيادين حقيقة، وإنما ذلك على التمثيل لأنهم كانوا يصيدون نفوس الناس إلى الحق من الحيرة. وقال الأزهري: هم خلصان الأنبياء وتأويله: الذين أخلصوا ونقوا من كل عيبٍ، من الدقيق الحوارى، وهو المنقى الخالص.
وحواري الرجل: خاصته، وفي الحديث: "الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي" أي ناصري ومختص في من بين أصحابي. وفي آخر: "لكل نبي حواري وحواري الزبير" تشبيهاً بهم في النصرة حيث قال عيسى: ﴿من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ [آل عمران: ٥٢]. والرواية حوري بالفتح وذلك أنه خففت ياؤه ثم إضافة لياء المتكلم ولو روي بكسرها على أنه إضافة من غير حذف، وحذفت ياء المتكلم لالتقاء الساكنين نحو كرسي الخشب. ولما بلغه ﵊ قتل أبي جهل لعنه الله قال: "إن عهدي به في ركبتيه حوراء"؛ هي كية سميت حوراء لأنها يبيض موضعها. ومنه حور عين دابته: أي كواها. وفيه: "حور ﵇ أسعد بن زرارة بحديدةٍ". والمحور: ما يكوى به، كالمنجل.
ح وز:
قال تعالى: ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾ [الأنفال: ١٦] أي منضمًا إلى جماعةٍ أخرى،
стр. 430
من حازه يحوزه حوزًا، أي ضمه واستولى عليه. وقيل: معناه صار إلى حيز فئة. والحيز: الناحية. وحمى حوزة الإسلام: أي ناحيته. وقيل: الحيز: كل جمعٍ منضم بعضه إلى بعضٍ. وأصل متحيزٍ متحيوز، فوزنه متفيعل لا متفعل؛ إذ لو كان كذلك لقيل: متحوز، كتجوز.
وتحوزت الحية وتحيزت: أي اجتمعت وتلوت. والأحوزي: الذي حمى حوزته مشمرًا، وعبر به عن الخفيف السريع. ووصفت عائشة ﵂ فقالت: "إن كان والله لأحوزيًا". قال أبو عمرٍو: هو الخفيف. وقال الأصمعي: الحسن السياق، وفيه بعض النفار. ويروى: "أحوذيًا" بالذال. وقد تقدم.
"وما تحوز له عن فراشه" أي ما تنحى. والماخوز: المكان. وفي الحديث: "فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ما حوزنا". ذكره الهروي في هذه المادة وليس منها، قال: وقال بعضهم: هي من حزت الشيء إذا أحرزته. وقال الأزهري: لو كان منه لقيل محازنا أو محوزنا. وأحسبه بلغةٍ غير عربيةٍ. وقد أصاب الأزهري مقالته.
ح وط:
قوله تعالى: ﴿والله محيط بالكافرين﴾ [البقرة:١٩] ونحوه عبارة عن قدرته، وأنهم لا ينزلونه بمنزلة من أحاطت به الدار. وأصله في الأجرام، ويستعار في المعنى كقوله تعالى: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة: ٨١]. والإحاطة: المنع أيضًا، ومنه: ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦] أي إلا أن تمنعوا، ويعبر به عن الهلاك. ومنه قوله تعالى: ﴿وأحيط بثمره﴾ [الكهف: ٤٢] وأصله من إحاطة العدو.
وعن مجاهد في قوله ﴿والله محيط بالكافرين﴾ [البقرة: ١٩] أي جامعهم. ويقال: حاطة يحوطه حوطًا وحياطة وحيطة وحيطة. وقد تكملنا على كونه يتعدى بنفسه ثلاثيًا وبجر الحروف رباعيًا في غير هذا الموضوع.
стр. 431
وقوله: ﴿إن ربك أحاط بالناس﴾ [الإسراء:٦٠] أي: حافظهم وجامعهم لا يفوتونه. وقوله: ﴿أحاط بكل شيء علمًا﴾ [الطلاق:١٢] أي: أحاط علمه به فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وفي قوله ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة: ٨١] (وخطيئاته) فيه أبلغ استعارةٍ؛ وذلك أن العبد إذا ارتكب ذنبًا واستمر عليه استجره ذلك الذنب إلى ما هو أكبر منه، فلا يزال يرتقي حتى يطبع على قلبه فلا يمكنه أن يخرج عن تعاطيه.
والاحتياط: افتعال من الحوط، وهو استعمال الحياطة أي الحفظ. وإحاطة علمه تعالى بالأشياء هو أن يعلم وجودها وقدرها وجنسها وصفتها، وكيفيتها وغرضها المقصود بها ويإيجادها وما يكون منها، وهذا ليس إلا الله تعالى، ولذلك قال: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ [يونس: ٣٩] و ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾ [طه: ١١٠]. وحكايته تعالى عن الخضر ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا﴾ [الكهف: ٦٨] تنبيه على أن الصبر التام إنما يقع بعد إحاطة العلم بالشيء بفيض إلهي.
وقوله: ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ [يونس: ٢٢] أي هلكوا، وهو من إحاطة القدرة.
والحائط: الجدار، وأصله اسم فاعل من: حاط يحوط، فنسب إلى الجدار مجازًا. وقوله: ﴿عذاب يوم محيط﴾ [هود: ٨٤] قيل: هو يوم القيامة لأنه يجمع العالم كله لقوله تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس﴾ [هود: ١٠٣]. وأصل محيطٍ محوط؛ فأعل إعلال مقيم.
ح ول:
قوله تعالى: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤] قيل: معناه أنه يملك عليه قلبه فيصرفه كيف شاء، إشارة إلى وصفه تعالى بقوله ﵇: "يا مقلب القلوب"، وهو أن يلقى في قلب الإنسان ما يصرفه عن مراده لحكمةٍ تقتضي ذلك. وعن بعضهم: عرفت الله بنقض العزائم، وقيل: معناه أن يهلكه ويرده إلى أرذل العمر.
стр. 432
وأصل الحول: تغير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل: حال يحول حولًا واستحال: تهيأ لأن يحول. ويجيء استحال بمعنى صار. وفي الحديث: "فاستحالت غربًا"، وباعتبار الانفصال قيل: حال بيننا كذا، قال تعالى: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ [سبأ: ٥٤].
وحولت الشيء فتحول: أي غيرته؛ إما بالذات، وإما بالحكم والقول، ومنه: أحلته عليك بدين. ومنه: حولت الكتاب، أي نقلت مثله من غير تغييرٍ لصورة الأصل، كأحد معاني النسخ.
قوله: ﴿لا يبغون عنا حولًا﴾ [الكهف: ١٠٨] قيل: تحولًا وتحويلًا، أي لا يطلبون عنها زوالًا. يقال حال عن مكانه حولًا: عاد عودًا. وقيل: الحول: الحيلة. قال الهروي: فهو على هذا الوجه، أي لا يحتالون منزلًا عنها.
"ونهى أن يستنجى بعظمٍ حائل" أي متغيرٍ. إذا أتى عليه حول قيل: محيل.
والحال: الطين الأسود المتغير، ومنه حديث جبريل: "أخذ من حال البحر". والحال لما يختص به الإنسان وغيره من أموره المتغيرة في نفسه وجسمه وقنيانه.
وحالت الناقة تحول حيالًا: إذا لم تحمل لتغير عادتها، وفي الحديث: "والشاء عازب حيال".
والحول: السنة، اعتبارًا بانقلابها ودورانها ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها. وحالت السنة تحول حولًا؛ فالحول في الأصل مصدر. وحالت الدار: تغيرت، وأحالت أي مضى عليها حول، نحو أعامت وأشهرت. وأحال بمكان كذا: أقام به حولًا. والمحول: من أتى عليه الحول من الأطفال وغيرهم، فمن الأول قول امرؤ القيس: [من الطويل].
стр. 433
٣٩٨ - فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ ... فألهيتها عن ذي تمائم محول.
ومن الثاني قوله أيضًا: [من الطويل]
٣٩٩ - من القاصرات الطرف لو دب محول.
يقال إذا أتى عليه حول مما كان قبله.
والحول: ما للإنسان من القوة في حالة بالنسبة إلى تغيره في نفسه وقنيانه كما تقدم ومنه: "لا حول ولا قوة إلا بالله". وقيل: الحول: الحركة، وحال الشخص: أي تحرك، قاله أبو الهيثم؛ فالمعنى: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله. وعن الشافعي: "لا حول عن معصية الله إلا بتوفيق الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بإعانة الله". ويقال: حول وحيل، قال الليحاني: "يقال: إنه لشديد الحيل" أي القوة، ومنه في دعائه ﵊: "يا ذا الحيل الشديد". قال الهروي: هكذا أقرأنيه الأزهري، والمحدثون يروونه: الحبل، بالموحدة، قال: ولا معنى له. وقيل: الحول: الحيلة، والمعنى: لا حيلة في أمر الله ولا قوة تنجي منه إلا بمشيئة الله. قال أبو بكر: الحول: الحيلة؛ يقال: ما له حول وحيلة واحتيال ومحالة ومحتا ومحلة ومحال بمعنى واحد. وفي الحديث: "اللهم، بك أحاول وبك أصول"، وروي: "أحول وأصول"، أي أحمل على العدو.
والحول أيضًا ظرف مكانٍ. وبمعناه الحوال، قال: [من الزجر]
٤٠٠ - وأنا أمشي الدالى حوالكا
стр. 434
ويثنيان، فيقال فيهما: حوليه وحواليه، قال ﵊: "حوالينا ولا علينا"، ويجمع على أحوال، قال امرؤ القيس: [من الطويل].
٤٠١ - فقالت: سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي؟
وأصله أن حول الشيء جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه.
والحيلة والحويلة: ما يتوصل به إلى حالةٍ ما في خفيةٍ، وأكثر استعماله فيما في تعاطيه خبث، وقد يستعمل فيما فيه حكمة، قال الراغب: ولهذا قيل في وصفه تعالى: ﴿وهو شديد المحال﴾ [الرعد: ١٣] أي الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة. وعلى هذا النحو وصف المكر والكيد، لا على الوجه المذموم، تعالى الله عن القبيح.
قلت: ليس المحال من هذه المادة في شيء إنما هو من مادة م ح ل، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
والمحال: ما جمع فيه بين المتناقضين، وذلك يوجد في المقال، نحو أن يقال: جسم واحد في حيزين في حالة واحدة محال، وهو في الأصل اسم مفعول من أحلت الشيء أحيله: أي غيرته. واستحال يستحيل فهو مستحيل: أي صار محالًا.
والحولاء: لما يخرج مع الولد. "ولا أفعل ذلك ما أرزمت أم حائل" وهي لأنثى من ولد الناقة إذا تحولت عن حالة الاشتباه فبان أنها أنثى، ويقال للذكر بإزائها سقب. والحال: لغة الصفة التي عليها الموصوف، فهي أخص من الصفة وفي عبارة
стр. 435
المتكلمين: "الحال: كيفية سريعة الزوال نحو الحرارة الرطوبة، والبرودة واليبوسة المتعارضات". ويقال: حال وحالة، وتذكر وتؤنث مع التاء وعدمها. وفي عرف النحاة: ما انتصب من الأوصاف، أو ما جرى مجرى ذلك على تقدير: في حال كذا أو جواب كيف. ولها شروط مذكورة.
ح وو:
قوله: تعالى: ﴿والحوايا﴾ اختلف اللغويون في مدلولها، والتصريفيون في مفردها وكيفية تصريفها؛ فقال للغويون: الحةايا: المصارين وكل ما يحويه البطن فاجتمع واستدار. وقيل: هي الدودات في بطن الشاه. وقيل: هي المباعر. وأما مفردها فقيل: حوية، وأصله كساء يحوى أي يدار، ويجعل على سنام البعير ليمكن ركوبه، فيجوز أن يسمى المعي بذلك تشبيهًا به. وقيل: حوايا. جمع حاوية. وقيل: جمع حاوياء. وذكر ابن السكيت الثلاثة، وأنشد قول جريرٍ: [من الطويل].
٤٠٢ - كأن نقيق الحب في حاويائه ... نقيق الأفاعي أو نقيق العقارب
فإن كانت جمع حوية فوزنها فعائل، (نحو: ظريفة وظرائف، والأصل حواي. وإن كانت جمع حاوية أو حاوياء فوزنها فواعل، نحو: زاوية وزوايا) وقاصعاء وقواصع. والأصل: حواوٍ في الصورتين، وإنما قبلت الهمزة في حواي ياء. وكذا الواو في حواوٍ، وتلك الياء مفتوحة فقلبت الياء الأخيرة ألفًا فصار اللفظ كما ترى. وتقرير ذلك مستوفي في "الدار المصون" وغيره.
ح وي:
قوله تعالى: ﴿غثاء أحوى﴾ [الأعلى: ٥] أي أسود. والحوة: السواد. قال ذو الرمة: [من البسيط].
٤٠٣ - لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب.
стр. 436
وقيل: الأصل: "فجعله أحوى غثاء" أي شديد الخضرة، والغثاء ما يحمله السيل؛ وهو الدرين أيضًا، قال: [من الرجز].
٤٠٤ - وطال حبسي بالدرين الأسود
يقال: احووى الزرع يحووي احواوًا؛ نحو: ارعوى يرعوي ارعواء، ولا ثالث لهما، وحوى حوة؛ ورجل أحوى وامرأة حواء؛ وأمنا حواء، يجوز أن تكون سميت بذلك لحوة في لونها، كما سمي أبونا آدم لأدمة في لونه، كما قيل.
فصل الحاء والياء
ح ي ث:
حيث: ظرف مكان لا ينصرف غالبًا، وقد أعرب مفعولًا به في قوله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] ويجر بمن كقوله: ﴿من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] وفيها لغات؛ تثليث الثاء مع الياء والواو، ويقال: والألف: هو لازم الإضافة إلى الجملة الاسمية والفعلية، وإضافته للمفرد نادر في قولهم: [من الرجز].
٤٠٥ - أما ترى حيث سهيلٍ طالعًا
أو في ضرورةٍ، كقوله: [من الطويل].
٤٠٦ - حيث لي العمائم
стр. 437
ولوجوب إضافتها للجملة كان فتح أن بعدها خطأ. وزعم بعضهم أنها للتعليل كما يكون له من ظروف الزمان إذ. وزعم الأخفش أنها تكون زمانًا، وأنشد: [من المديد].
٤٠٧ - للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
وقد أشبعنا الكلام عليها في غير هذا.
ح ي د:
قوله تعالى: ﴿ذلك ما كنت منه تحيد﴾ [ق: ١٩] أي تميل: حاد عنه يحيد حيدًا وحيدًا. قال: [من الرجز].
٤٠٨ - قلت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجرًا
فالحيد: العدول عن الشيء والنفرة منه.
ح ي ر:
قوله تعالى: ﴿حيران﴾ [الأنعام: ٧١]: الحائر. والحيران: الذي لا يهتدي لأمره، وهو المتردد الفكر، المتشعب الرأي، يقال منه: حار يحار فهو حائر وحيران.
والحائر: الموضع الذي يتحير فيه الماء، وهو أن يمتلئ حتى يرى في ذاته حيرة. قال الهروي: وبه سمي الماء الذي لا منفذ له حائرًا، والجمع حوران. قلت: وفاعل وفعلان غريب جدًا، والظاهر أن الحائر مكان الماء لا نفس الماء كقوله: [من الرمل].
٤٠٩ - صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميلها تمل
وقال في حديث ابن عمر: "الرجل يطرق الفحل فيذهب حيري الدهر. فقال له رجل: ما حيري الدهر؟ قال: لا يحسب". وحيري بتشديد الياء وتخفيفها، وحير
стр. 438
بحذفها. وحاري الدهر: أبد الدهر. وأراد بقوله: "لا يحسب" لا يعرف حسابه لكثرته ودوامه على وجه الدهر.
ح ي ص:
قوله تعالى: ﴿ما لنا من محيص﴾ [إبراهيم:٢١] المحيص: المهرب والمعدل. يقال: حاص عن الحق أي مال عنه إلى شدة ومكروه، وأصله من قولهم: وقع في حيص بيص. وحيص بيص أي شدةٍ شديدةٍ. وتركت البلاد حيص بيص: أي منقلبة ظهرًا لبطنٍ، كناية عن اختلاف أهلها. وفي حديث أبي جبيرٍ: "وجعلتم الأرض عليه حيص بيص" أي ضيقة.
"وحاص المسلمون حيصة"، ومنه في حديث قيصر: "فحاصروا حيصة الحمر" أي جالوا جولة. يقال: حاص يحيص حيصًا ومحيصًا أي عدل عن ذلك وحاد عنه. وجاض- بالجيم والضاد المعجمة- بمعناه. وينشد للحماسي: [من الطويل].
٤١٠ - ولم ندركم جضنا من الموت جيضة ... كم العمر باقٍ والمدى متطاول.
يروى بالوجهين.
وأما الحوص: فهو خياطة الجلد، ومنه حصيت عين الصقر. والأحوص شاعر معروف، وليس هذا من هذه المادة، ولا المعنى في شيءٍ، وإن كان الراغب ذكره هنا.
стр. 439
ح ي ض:
قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] اختلف الناس في المحيض؛ هل هو اسم للدم أو لمكانه أو لزمانه أو لحدوثه، وهل مقيس أو شاذ؟ ومن جعله قياسًا استشهد بقول الآخر: [من الرجز].
٤١١ - إليك أشكو شدة المعيش ... ومر أعوامٍ نتفن ريشي.
ولابد من حذف مضافٍ أو أكثر على حسب المعنى أي عن حكم المحيض أو عن قربان موضع المحيض.
ويقال: حاضت تحيض حيضًا ومحيضًا ومحاضة، وقد أتقنا هذه المادة وتصريفها ومعناها وحكمها- بحمد الله- في كتبنا المشار إليها. وبعضهم يخلط مادة الحوض بهذه لتقاربها لفظًا ومعنى لما فيهما من معنى الاجتماع.
ح ي ف:
قوله تعالى: ﴿أن يحيف الله عليهم﴾ [النور: ٥٠] الحيف: الميل في الحكم والجنوح إلى أحد الجانبين، ويقال: تحيفت الشيء: أخذته من جميع جوانبه، والمعنى أم يخافون أن يحوف الله عليهم في الحكم.
ح ي ق:
قوله: ﴿وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ [هود:٨] أي حل ونزل، وأصابهم ما كانوا يستهزئون به مما جاءتهم به رسلهم. ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾.
стр. 440
[فاطر:٤٣] والأصل: يحقق، فأبدل أحد المضعفين حرف علةٍ. قاله الراغب وجعله نظير ﴿فأزلهما﴾ [البقرة: ٣٦] وأزالهما، وهذا ليس بجيد لما سيأتي في ﴿فأزلهما﴾. وقال ابن عرفة: حاق به الأمر أي لزمه ووجب عليه. وقال الأزهري: الحيق في اللغة: ما يشتمل على الإنسان من مكروهٍ فعله.
ح ي ن:
قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: ٢٥] الحين في أصل اللغة لمطلق الزمان قليلًا كان أو كثيرًا، والمراد به هنا على مدلوله الأصلي. قال: هو كالوقت يصلح لجميع الزمان طالت أم قصرت، والمعنى أنه ينتفع بها كل وقتٍ لا ينقطع نفعها البتة. وقيل: الحين: يوم القيامة. وقيل: انقضاء الأجل. وقوله تعالى: ﴿ومتاعًا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠] قيل: إلى يوم القيامة، وقيل: إلى انقضاء آجالهم.
وقوله: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حينٍ﴾ [ص:٨٨] أي نبأ محمد ﷺ ، وقيل: نبأ القرآن، وقيل: نبأ ما وعدتم به.
والحين: إما يوم القيامة، وإما مطلق الزمان. وقوله: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان:١] قيل: معناه ساعة، وقيل: أربعون سنة؛ والحاصل أن كل من فسر الحين بما ذكرته فإنما هو بحسب خاصة المكان لا أنه موضوع له بخصوصه.
وأحين بمكان كذا: أقام حينًا. وحانيته: أي عاملته حينًا حينًا. وحان حينه: قرب أوانه. وحينت الشيء: جعلت له حينًا، وفي الحديث: "حينوا نوقكم" أي احلبوها في وقتٍ معلومٍ.
стр. 441
ح ي و:
قوله تعالى: ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤] الحيوان في الأصل: مقر الحياة، ثم يقال باعتبارين: أحدهما ما له حاسة كالحيوانات الحساسة، والثاني ما له بقاء سرمدي، وهو ما وصفت به الآخرة في قوله: ﴿لهي الحيوان﴾، ونبه بحرفي التأكيد بأن الحيوان الحقيقي السرمدي الذي لا يفنى، لا ما يبقى مدة ثم يفنى.
وقيل: الحيوان ما فيه حياة، والموتان ما ليس فيه حياة. وقيل: الحيوان والحياة بمعنى واحدٍ، وهذا التفات إلى أن أصله حييان- بيائين- من حيي يحيا، فأبدلت الأخيرة واوًا، وقد أتقنًا هذا في فير هذا الموضع. وقيل: الحيوان: يقع على كل شيءٍ حي، ومعناه من صار إلى الآخرة أفلح ببقاء الأبد.
وحيوان: عين في الجنة.
ح ي ي:
قوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ [آل عمران: ١٨٥] سماها دنيا باعتبار الحياة في الدار الآخرة؛ فإنها عليا لأن هذه تنقطع وتيك لا تنقطع.
والحياة: ضد الموت، فكما يستعمل حقيقةً ومجازًا نحو: مات الإنسان وماتت الأرض. كذلك الحياة، نحو: أحيا الله فلانًا، وأحيا الأرض بعد موتها. ثم الحياة تستعمل على أضرب؛ الأول: للقوة النامية الموجودة في البنات والحيوان، قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠]، الثاني: القوة الحساسة، وبه سمي الحيوان حيوانًا، قال تعالى: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر:٢٢]، ﴿إن الذي أحياها لمحيي الموتى﴾ [فصلت: ٢٩] إشارة إلى القوة الحساسة. الثالث: للقوة الفاعلة العاقلة، قال تعالى: ﴿أومن كان ميتًا فأحييناه﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال الشاعر: [من الوافر].
стр. 442
٤١٢ - لقد أسمعت لو ناديت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي.
والرابع: عبارة عن ارتفاع الغم، وإليه أشار من قال: [من الخفيف].
٤١٣ - ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنما الميت ميت الأحياء.
إنما الميت من يعيش كئيبًا ... كاسفًا باله قليل الرجاء.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: [من الوافر]
٤١٤ - فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي.
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء.
ومنه قول تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] أي يتلذذون لما روي في الأخبار الكثيرة في أرواح الشهداء.
والخامس: الأخروية الأبدية، وذلك يتوصل إليها بالحياة التي هي العقل والعلم. وقوله: ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾ [الفجر: ٢٤] يعني به الحياة الأخروية الدائمة.
السادس: الحياة الموصوف بها الله ، فإذا قيل: "الله حي" معناه أنه الذي لا يصح عليه الموت، ولا يتصف بذلك أحد سواه.
قوله: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] يريد الحياة الفانية، ونكرها إيدانًا بقلتها، أي على أدنى ما تصدق عليه حياة، لقوله: ﴿وإذا لا تمتعون إلا قليلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]. يحكى أن بعض الأعراب مر بجدارٍ مائل فتلي عليه: ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذًا لا تمتعون إلا قليلًا﴾ فقال: ذلك القليل
стр. 443
الدنيوية.
وقوله" ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] كان يطلب منه أن يريه الحياة الأخروية المعراة عن الشوائب والآفات الدنيوية.
قوله: ﴿ومن أحياها فكانما أحيا الناس جميعًا﴾ [المائدة:٣٢] أي من أنقذها من الهلكة ونجاها منها، فكأنه أحيا الناس: الأنفس، لأنه يفعل مع جميعها كذلك، وعليه: ﴿أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي أعفو عن هذا وأقتل هذا.
قوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا﴾ [البقرة: ٢٦] أي لا يترك، واستحياء الله تعالى كراهته للشيء وتركه إياه، فقال تعالى ردًا على اليهود حين قالوا لما سمعوا ذكر الذباب والعنكبوت: ما يشبه هذا كلام الله! إن الله لا يترك ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة كالبعوضة، فأقل منها لما في ذلك من المصالح. وما أنكروه إلا عنادًا، وإلا فالتوراة محشوة من مثله. والاستحياء: تغير وانكسار يعتري المستحيي، والله تعالى منزه عن ذلك، فكان مجازه كما ذكرنا، والأكثر استحيا. وفيه أحييه استحيا، وأنشد: [من الطويل].
٤١٥ - إذت ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبتٍ في إناء من الورد
قوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩] يعني أنه إذا علم من يريد القتل أنه يقتص منه ارتدع عن القتل، فحصلت له حياة نفسه وحياة من كان يريد قتله. وكانوا يقتلون بالواحد العدد الكثير. وقصة جساسٍ بأخذه ثأر أخيه كليب مشهورة في العرب. فلما شرع القصاص أن يقتل الواحد بالواحد كان في ذلك حياة لمن لم يجن. وكانت العرب تقول: حرمنا حول هذا المعنى؛ القتل أنفى للقتل. وبين هذا وبين ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ بون ظاهر قد بيناه في غير هذا الموضوع.
والحيا- بالقصر- المطر لحياة الأرض بعد موتها به، وعليه: ﴿وجعلنا من الماء
стр. 444
كل شيء حي﴾ [الأنبياء:٣].
قوله: ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ [مريم:٧] نبه بذلك أنه سماه به، أي لم تمته الذنوب كما أماتت غيره كثيرًا من بني آدم، لا أنه كان يعرف بذلك فقط فإن هذا قليل الفائدة، قاله الراغب.
قوله: ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ [الروم: ١٩] قيل: يخرج الإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان، والبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة. وقيل: يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن. قوله: ﴿وإذا حييتم بتحية﴾ [النساء: ٨٦] الآية، التحية في الأصل مصدر حيًا يحيى أي دعا له بالحياة، وأصله الخير، فصار دعاء، فمعنى حياه الله: أي حصل له حياة، ثم جعلت التحية عبارة عن مطلق الدعاء وإن لم يكن لفظ الحياة. وغلبت التحية على سلام الناس عضهم على بعض. والتحيات في الصلاة من ذلك عن بعضهم كأنه قيل: التحيات الحقيقية لله تعالى وحده. وقيل: التحيات: الملك، ومنه حياه الله، أي ملكه. وقيل: معناه أبقاه الله. وإذا قيل: حياك الله، فمعناه أبقاك الله. وقيل: حياه بمعنى أحياه، وفعل وأفعل يتواردان؛ وقد قرئ ﴿ووصى﴾ [البقرة:١٣٢]، "وأوصى"، و ﴿أنزل﴾ [البقرة:٢٢] و"نزل". وقال تعالى: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم﴾ [الطارق: ١٧]. وقيل: التحيات هي التحية بمعنى السلام، والمعنى: السلام على الله، إلا أنه خص بهذا اللفظ دون قوله: السلام علينا وعلى عباد الله.
قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ [البقرة: ٤٩] أي يستبقوهن في قيد الحياة، أي يطلبون بقاءهن لمقابلته بقوله: ﴿يذبحون﴾ [البقرة: ٤٩]، وكانوا يذبحون ذكران الإسرائيليين ويبقون آباءهم خدمًا لشيء رآه فرعون وقالت به الكهنة والمنجمون.
стр. 445
والليث فسر "يستحيون": يطؤون، وجعله من يركبون حياهن وهو الفرج ليس بشيءٍ وفي الحديث: "إن الله يستحيي أن يعذب شيبة شابت في الإسلام" أي يترك، كما تقدم تقريره، وإلا، فالحياء الحقيقي غير لائقٍ بهذا المقام.
وحي هلًا وحيهلا وحيهل وحيهل بمعنى أقبل وعجل وهات. وحي وحدها، وهلا وهل وحدها، ثم ركبا وجعلا بمنزلة كلمةٍ واحدةٍ. وقد تفرد "حي"، ومنه: "حي على الصلاة" أي أقبلوا إليها. وفي الحديث: "إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر". أي فعجل بعمر، لأنه سيد الصالحين وفيه: "يسأل الرجل عن كل شيءٍ حتى حية أهله".
أي عن كل حي في منزله حتى الهرة، وإنما أنثه ذهابًا به إلى النفس، والله تعالى أعلم.
стр. 446
باب الخاء
فصل الخاء والباء
خ ب أ:
قوله تعالى: ﴿يخرج الخبء﴾ [النمل: ٢٥] الخبء: كل غائبٍ، وقيل: كل مدخرٍ مستورٍ، وقيل: المراد السر، وقيل: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات. وفي الحديث: "ابتغوا الرزق من خبء الأرض" أي بإثارتها للحرث والزراعة. وعن الزهري: قال لي عروة بن الزبير ﵁: ازرع، فإن العرب كانت تتمثل بهذا البيت: [من الطويل].
٤١٦ - تتبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب وترزقا.
وجارية مخبأة: أي مخدرة، وخبأة: أي تخبأ مرة وتظهر أخرى. والخباء: البيت لأنه تخبأ فيه الحرم. والخبأ: سمة موضعٍ خفي.
خ ب ت:
قوله تعالى: ﴿وبشر المخبتين﴾ [الحج: ٣٤] الإخبات: الاطمئنان، وأصله من الخبت وهو المكان المنخفض من الأرض كالغائط، ومنه قوله: [من الوافر].
٤١٧ - أفاطم لو شهدت ببطن خبتٍ ... وقد قيل الهزبر أخاك بشرا
وقوله: ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ [هود: ٢٣] أي اطمأنوا وسكنت نفوسهم إليه، ومنه: ﴿فتخبت له قلوبهم﴾ [الحج: ٥٤] ويعبر بذلك عن اللين والتواضع، ومنه:
стр. 447
﴿وبشر المخبتين﴾ [الحج: ٣٤] أي المتواضعين، وأصله من أخبت الرجل: إذا أتى الخبث أو قصده، وهو المكان المنخفض كما تقدم.
خ ب ث:
الخبث والخبيث: ما يكره رداءة وخساسة، وأصله الرديء الدخلة، الجاري مجرى خبث الحديد، وعليه قول الشاعر: [من الوافر]
٤١٨ - سبكناه ونحسبه لجينًا ... فابدي الكبر عن خبث الحديد.
والخبث يكون في المعقولات كما يكون في المحسوسات، وبذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال. ثم فسره المفسرون بحسب خصوص الأماكن مع صدقه عليها كما تقدم في نظائره.
قوله تعالى: ﴿كشجرة خبيثة﴾ [إبراهيم:٢٦]. فالكلمة الخبيثة كلمة الكفر، كما إن الكلمة الطيبة كلمة التوحيد. والشجرة الخبيثة قال ابن عباس: هي الحنظلة. وقيل: هي الخبوث. والأحسن أنها كل نبات مكروه مستردًا من جميع الشجر.
قوله: ﴿الخبيثات للخبيثين﴾ [النور:٢٦]. قيل: الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين المحبين شياع الفاحشة في الذين آمنوا. وقيل: النساء الخبيثات للرجال الخبيثين، كالزانيات للزواني. وقيل: الأفعال الخبيثات للفاعلين الخبيثين.
قوله: ﴿كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء: ٧٤]. أي إتيان الرجال، كما صرح به في غير موضع. قوله: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي الأشياء النجسة المستقذرة، كالدم والميتة ولحم الخنزير.
стр. 448
قوله: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ [الأنفال: ٣٧] أي العمل الفاسد من الصالح، وقيل: الكافر من المؤمن بدليل قوله: ﴿وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ [آل عمران: ١٧٩]. قوله: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء: ٢] أي الحرام بالحلال، وكانوا يأخذون الأجود من مال اليتيم، ويجعلون مكانه الأردأ كالسمين والهزيل.
قوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي رديء الثمر، وكانوا يأتون بالهثاكيل الحشف فيعلقونها في سواري المسجد يأكل منها الفقراء، فنهوا عن ذلك.
وقريب منه: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ [النحل: ٦٢].
والخبث والخبثة: الزنا. وقوله ﵊: "أعذ بك من الخبث والخبائث" رواه أبو بكر بسكون الباء وفسره بالكفر. وأبو الهيثم بضمها وفسره بأنه جمع خبيث وهم ذكران الشياطين. والخبائث: جمع خبيثة وهي إناثها. و "من أكل هاتين الخبيثتين" سماهما بذلك لكونهما مكروهي الطعم والريح. وفيه: "أعوذ بك من الخبيث المخبث". فالخبيث: ذو الخبث في نفسه، والمخبث: من له أعوان خبثاء يتقوى بهم، نحو قوي ومقو، فالقوى في نفسه، والمقوي: من كانت دابته قوية. وقيل: المخبث: من يعلم الناس الخبث، وقيل: من ينسب الناس إلى الخبث، وأنشد للكميت: [من الطويل].
٤١٩ - وطائفة قد أكفروني بحبكم ... وطائفة قالوا: مسيء ومذنب
أي نسبوني للكفر. وفيه: "لا يصلين وهو يدافع الأخبثين" أي الغائط والبول.
стр. 449
خ ب ر:
قوله تعالى: ﴿والله خبير﴾ [المجادلة: ١٣]. الخبير في صفاته تعالى بمعنى العالم ببواطن الأمور وظواهرها وبما كان منها وما يكون، والعالم بأخبار مخلوقاته لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض. وقيل: هي بمعنى مخبرٍ كقوله: ﴿قد نبأنا الله من أخباركم﴾ [التوبة: ٩٤]، وقوله: ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ [المائدة: ١٠٥]، وقوله: ﴿قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣] وأصله من الخبر وهو العلم بالمعلومات من جهة الخبر. ويقال: من أين خبرت هذا؟ وخبرته: بلونه خبرًا وخبرة. قال: ﴿وكيف تصبر على ما لم نحط به خبرًا﴾ [الكهف: ٦٨] قال: الخبرة: العلم ببواطن الأمور. والخبار: الأرض اللينة، والمخابرة من ذلك، وهي مزارعة الخبار أي الأرض بشيء معلوم. والخبير: الأكار؛ فكان ابن الأعرابي يقول: أصل المخابرة من خيبر لأنه ﵊ كان أقرها في يد أهلها على النصف، فقيل: خابرهم أي عاملهم في خيبر. والظاهر الأول. والمخابرة المنهي عنها أن يكون البذر من العامل. والمزارعة أن يكون البذر من المالك، وكلاهما منهي عنه، إلا المزارعة حين بياض النخل بشرطها.
والخبر: المزادة الصغيرة. وشبهت بها الناقة فسميت خبرًا. والخبرة: النصيب. قال عروة بن الورد: [من الطويل]
٤٢٠ - إذا ما جعلت الشاة للناس خبرة ... فشأنك إني ذاهب لشؤوني
قوله: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي سل عنه عالمًا. والخبير: النبات، وهو أيضًا الوبر. وفي الحديث: "تستحلب الخبير" أي نجز النبات بالمخلب، وهو المنجل من غير أسنان بمخلب الطائر صورة.
стр. 450
خ ب ز:
قوله تعالى: ﴿خبزًا﴾ [يوسف: ٣٦]. الخبز معروف، وهو ما يخبز من العجين. والخبزة: ما يجعل في الملة. يقال: أطعمنا خبز الملة، والخبز اتخاذه. وأختبزت: أمرت. والخبازة: صنعته. وقد استعير الخبز للسوق الشديد تشبيهًا بهيئة السائق بالخبز.
خ ب ط:
قوله تعالى: ﴿إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي يصرعه ويضربه، من خبط البعير بيده الأرض. والخبط باليدين، والرمح بالرجلين، والزبن بالركبتين، والخبط: الضرب على غير استواء كخبط البعير. وخبط عشواء: عبارة عن الإقدام على الأمور من غير تفكر في عواقبها. قال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
٤٢١ - رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته، ومن تخطيء يعمر فيهرم
ومر محكول برجلٍ نائم بعد العصر فركضه برجله وقال: لقد دفع عنك، إنها ساعة مخرجهم- يعني الجن- وفيها ينتشرون، وفيها تكون الخبتة. قال شمر: كان في لسانه لكنه، وإنما أراد الخبطة.
وخبط السمر أي ضربه بعصًا ليقع ورقه. وعبر بالخبط عن عسف السلطان فقيل: سلطان خبوط. وأختباط المعروف: تعسف بطلبه تشبهها بخبط الورق. قال علقمة: [من الطويل]
٤٢٢ - وفي كل حيٍ قد حبطت بنعمةٍ ... فحق لشأسٍ من نداك ذنوب
стр. 451
وكان شأس أخوه مأسورًا، فلما سمعه قال: نعم وأذنبه. فقوله: ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ قال الراغب: يصح أن يكون من خبط الشجر، وأن يكون من الأختباط الذي هو طلب المعروف، انتهى. وليس للثاني معنى لائق بذلك. وقال ﵊: "اللهم أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان من المس".
خ ب ل:
قوله تعالى: ﴿لا يألونكم خبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]. الخيال: الفساد الذي يلحق الإنسان فيورثه اضطرابًا يشبه الجنون، وهو أيضًا المرض المؤثر في الفكر والعقل.
يقال: خبل وخبل وخبال. وخبله فهو خابل ومخبول، وخبله فهو مخبل ومخبل. ومنه قول زهير: [من الطويل]
٤٣٢ - هنالك، إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يألوا يعطوا، وإن ييسروا يغلوا
أي أن يسألوا إفساد إبلهم في نحرها وأموالهم في المغارم أجابوا لذلك. وفي الحديث: "من أصيب بذمٍ أو خبلٍ" أي بجرحٍ يفسد العضو. والخبل: فساد الأعضاء، و "من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال" قيل: هي عصارة أهل النار. قال: أوس بن حجرٍ: [من الطويل]
٤٢٤ - تبدل حالًا بعد حالٍ عهدته ... تناوح جنان بهن وخبل
وأخبل في عقله أي أصيب بخبلٍ.
خ ب و:
قوله تعالى: ﴿كلما خبت﴾ [الإسراء: ٩٧] سكن لهيبها. يقال: خبت النار أي
стр. 452
أنطفأ لهيبها وسكن حرها كأنما تصور عليها خباء يسترها من رمادٍ ويغشيها. ومراد الآية أن عذابهم لا ينقطع ولا يخفف، وإن تصور في نارهم خبو زيدت سعيرًا وإيقادًا لقوله في موضع أخر ﴿لا يفتر عنهم﴾ [الزخرف: ٧٥]: لا يخفف عنهم. وإذا سكن لهب النار وهي حية قيل: خبت وباخت وخمدت، فإذا بطلت قيل: همدت، من همد الإنسان أي سكنت حركاته. وخبا المصباح يخبو: قل ضؤوه. قال: [من الخفيف]
٤٢٥ - وسطه كاليراع أو سرج المجدل ... يخبو طورًا وطورًا ينير
فصل الخاء والتاء
خ ت ر:
قوله تعالى: ﴿كل ختارٍ﴾ [لقمان: ٣٢]. الختار: الغدار، والختر في الأصل: الفساد في الغدر وغيره، قاله ابن عرفه. خطره الشراب: أفسد نفسه. وقال الراغب: الخطر: الغدر يختر فيه الإنسان أي بضعف ويسكر لاجتهاده فيه. وقال الأزهري: الخطر: أقبح الغدر، فهو أخص منه. فكل خترٍ غدر من غير عكسٍ.
خ ت م:
قوله تعالى: ﴿وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠] قرئ بفتح التاء وكسرها في السبع. فمعنى الكسر أنه ختم من تقدمه من الأنبياء والمرسلين. وقد شرح هذا بقوله ﵊: "لا نبي بعدي". ولما استقر له هذا الوصف قال فيه الشاعر": [من الكامل]
٤٢٦ - يا خاتم النبآء إنك مرسل
стр. 453
ومعنى المفتوح أنه جعل كالشيء الذي يختم به كالطابع والقالب، أي لما يطبع به ويقلب فيه. والمعنى أن الله تعالى ختم به الأنبياء والمرسلين كما يختم بالخاتم الذي هو آلة الختم. فالمكسور اسم فاعلٍ، والمفتوح اسم الآلة.
قوله: ﴿ختامه مسك﴾ [المطففين: ٢٦] أي يوجد في آخره طعم المسك ورائحته. وعن مجاهد: مزاجه مسك. وقال علقمة: خلطه. وقال ابن مسعود: عاقبته مسك. وقرئ "خاتمه" في السبع أي سؤره مطيب بالمسك. قال الراغب: وقول من قال: يختم بالمسك أي يطبع فليس بشيء لأن الشراب يجب أن يطيب في نفسه. فأما ختمه بالطيب فليس مما يفيده ولا ينفعه طيب خاتمه ما لم يطب في نفسه، وفيه نظر لأنه يجوز أن يجمع بين الوصفين.
وفي الخاتم أربع لغات: خاتم، خاتم، خاتام، خيتام.
قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] أي طبع. ومعنى الختم: التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء. والمعنى أنها لا تعقل ولا تعي خبرًا. والختم والطبع يقالان على وجهين: أحدهما أنهما مصدران لختم وطبع، وهو تأثير الشيء كنقش الخاتم والطابع. والثاني الأثر الحاصل على الشيء، ثم إنه يتجوز بذلك تارة عن الاستيثاق من الشيء والمنع منه اعتبارًا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب، نحو قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾. وتارة عن تحصيل أثر شيء اعتبارًا بالنقش الحاصل. وتارة يعتبر منه بلوغ الأمر. ومنه: ختمت القرآن، أي بلغت آخره.
стр. 454
وقيل في قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الإنسان إذا تناهي في أعتقادٍ باطلٍ أو ارتكاب محظورٍ ولا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي، فكأنما ختم بذلك على قلبه، وعليه: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم﴾ [النحل: ١٠٨]. ومثله استعارة الإغفال في قوله: ﴿أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ [الكهف: ٢٨]، واستعارة الكن في قوله: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ [الأنعام: ٢٥]، واستعارة القساوة في قوله: ﴿قلوبهم قاسية﴾ [المائدة: ١٣]. وقرئ: "قسيه".
وهل الختم مسئولٍ على الأسماع؛ فيكون الوقف على سمعهم، أو ليس مستوليًا عليها. وفي قراءة نصبها يجوز أن يستولي عليها حسبما بينا ذلك في "الدر" و "التفسير الكبير". وبينا هناك وجه جمع القلوب والأبصار وإفراد السمع. وهذه الآية من أعظم أي القرآن وأدلها على أن الله تعالى خالق كل شيءٍ من خيرٍ أو شر، نفعٍ أو خيرٍ، إيمانٍ أو كفرٍ.
ولما ضاق خناق المعتزلة بها تأولوها تأويلات ضعيفةً حسبما بيناه في موضعه، حتى قال الجبائي: " يجعل الله ختمًا على قلوب الكفار ليكون دلالة للملائكة على كفرهم فلا يدعون لهم" يعني أن الملائكة تستغفر للمؤمنين، وهذا تأويل سخيف قال الناس في رده، لأن هذا الختم إما أن يكون معقولًا؛ فالملائكة يستغنون عن ذلك باطلاعهم على خبث عقائدهم، أو محسوسًا فينبغي أن يدركه أهل الشرع.
وقوله: ﴿اليوم نختم على أفواههم﴾ [يس: ٦٥] عبارة عن منعهم الكلام، وهذا في وقتٍ غير وقتٍ أخر يتكلمون فيه وهو قوله: ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾ [النساء: ٤٢] لأن يوم القيامة متطاول مختلف الأمكنة والأزمنة.
стр. 455
فصل الخاء والدال
خ د د:
قوله تعالى: ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ [البروج: ٤]؛ شق مستطيل في الأرض غائض. يجمع على أخاديد. واصل ذلك من خدي الإنسان؛ وهما العضوان النائتان المكتنفان أنفه يمينًا وشمالًا. فالخد يستعار للأرض وغيرها كاستعارة الوجه.
وتخدد اللحم: زواله عن وجه الجسم. يقال: خددته فتخدد. ثم عبر بالمتخدد عن المنزل. والخداد: ميسم في الخد. وهؤلاء قوم حفروا حفائر، وأضرموها نارًا، فمن أظهر الإيمان القوه في تلك الأخاديد في قصةٍ استوفيناها في غير هذا.
خ د ع:
قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ [البقرة: ٩]. الخدع: من الخداع وهو الفساد.
وأنشدوا: [من الرمل]
٤٢٧ - طيب الريق إذا الريق خدع
ثم عبر به عن المكر والكيد لما فيهما من الفساد.
وقيل: الخدع: إنزال الغير عما هو بصدده بأمرٍ بيديه على خلافٍ يبطنه ومنه المخدع لموضعٍ خفي في البيت. والأخدعان. عرقان مستبطنان، سميا بذلك لحقائقهما.
قال: [من الطويل]
٤٢٨ - تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتًا واخدعا
فالخداع: إظهار خلاف ما يبطنه، ومنه: ﴿إن المنافقين يخادعون الله﴾ [النساء: ١٤٢] أي يخادعون رسوله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر. وقوله:
стр. 456
﴿يخادعون الله﴾ يريد يخادعون رسوله. وقد جعل مخادعة رسوله كمخادعته، وهو ممن لا يجوز عليه الخداع تنبيهًا على عظم من خادعوه. كما جعل مبايعته في قوله: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون﴾ [الفتح: ١٠]. وفي هذا تنبيه على أمرين: أحدهما الدلالة على فظاعة فعلهم، والثاني عظم قدر رسوله والمؤمنين. وقول أهل العربية إنه على حذف مضافٍ بالنسبة ظاهر في صرف الخداع عن الله، ولكن لو صرح بالمضاف لأتت الدلالة على الأمرين المذكورين. وقد قيل إنه لا حذف البتة. وإن القوم لجهلهم يزعمون أن الله ممن يصح خداعه تعالى الله عن ذلك.
وقوله: ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ [البقرة: ٩] أي ما يرجع وبال خداعهم إلا عليهم لا يتعداهم، ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾ [يونس: ٢٣]، ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ [فاطر: ٤٣].
وقرئ: "وما يخدعون" ولم يقرأ الأول في السبع إلا "يخدعون" كما بينا وجه ذلك فير غير هذا. وقيل: إن هذا من باب المقابلة، أي وهو يعاملهم بعقابه معاملة الخادع. وقولهم: "أخدع من ضب" أي أمكر، وذلك أن الضب يتخذ عقربًا على باب حجره تلدغ من يدخل يده حتى قالوا: إن العقرب بواب الضب وحاجبه، فقالوا ذلك لاعتقاد الخديعة فيه. وخدع الضب أي استتر في حجره. وطريق خادع وخدع كأنهم تصوروا خداعه لسالكه لما تاه فيه.
والمخدع: بيت في بيت؛ تصوروا أن بانيه جعله لمن رام تناول ما فيه. وخدع الريق: قل، تصوروا منه الخديعة، والأخدعان: تصور منهما الخداع لظهورهما تارة وخفائهما أخرى. وخدعته: قطعت أخدعه. وفي الحديث: "بين يدي الساعة سنون
стр. 457
خداعة" أي محتالة لتلونها بالجدب مرة والخصب أخرى. وفيه: "الحرب خدعة" أي حيلة، أي ينقضي أمرها بخدعة واحدةٍ. ونقل الهروي: أنه يقال: خدعة بضم. وعن الأصمعي في قول: "سنون خداعة" أي قليلة المطر، من خدعه ريقه أي قل. وقال غيره: أي يكثر مطرها ويقل ريعها.
خ د ن:
قوله تعالى: ﴿ولا متخذات أخدان﴾ [النساء: ٢٥]. الخدن والخدين: المصاحب. وأكثر ما يقال فيمن صاحبته بشهوة. وقوله:
٤٢٩ - خدين العلي
استعارة كقولهم: ينتسب للمكارم. ولكنه بمعنى المساحب لم يتعرف بالإضافة، نحو: مررت برجل خدنك وخدينك. ومراد الآية أنهم غير متخذات غير أزواجهن.
فصل الخاء والذال
خ ذ ل:
قوله تعالى: ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولًا﴾ [الفرقان: ٢٩] أي كثير الخذلان، لأنه مثال مبالفة. والخذلان: ترك النصر ممن يتوقع منه ذلك. وقوله: ﴿وإن يخذلكم﴾ أي يترك نصرتكم. وخذلت الوحشية ولدها: تركته وحده. وتخاذلت رجلاه: إذا لم تعيناه على المشي. قال الاعشى: [من الرمل]
٤٣٠ - بين مغلوب تليل خده ... وخذول الرجل من غير كسح
والمخذل في الجيش: من تحين المقابلة. ولهذا يخرج من الصف. ويقال: خذله
стр. 458
فهو خاذل وخذول، والجمع خذل. قال الشاعر: [من الطويل]
٤٣١ - وما خذل قومي فأخضع للعدى ... ولكن إذا أدعوهم فهم هم
فصل الخاء والراء
خ ر ب:
قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم﴾ [الحشر: ٢]. التخريب: نقض البناء وهدمه. يقال: خربه وأخربه. وقرئ "يخربون" و"يخربون". فتخريبهم بأيديهم لئلا يتنفع بها من بعدهم. وقيل: بل بإجلائهم عنها لما تسببوا في ذلك.
وخرب المكان يخرب خرابًا فهو خرب. والخارب: سارق الإبل. والخربة: أيضًا سرقة الإبل. قال الشاعر: [من الرجز]
٤٣٢ - والخارب اللص يحب الخاربا
وقيل: الخربة: التهمة. وفي الحديث: "ولا فأرًا بخربةٍ". والخرب: ذكر الحباري. قال: [من الرجز]
٤٣٣ - أبصر خربان فضاء فانكدر
والخربان جمع خرب. وقال الآخر: [من البسيط]
٤٣٤ - ولي ليطليه بالأسفر الخرب
والخربة: عروة المزادة وهي أذنها، وأصلها كل نقبة مستديرةٍ، والجمع خرب.
стр. 459
ومنه: تقليد الهدايا بخرب العرب، ونحوها. وقيل: الخربة: شق واسع في الآذان تصورًا أنه خرب أذنه. ومنه: رجل أخرب، وامراة خرباء. ثم شبه به الخربة في أذن المزادة.
خ ر ج:
قوله تعالى: ﴿ذلك يوم الخروج﴾ [ق: ٤٢] يريد يوم القيامة، وسمي بذلك لخروج العالم فيه لقوله: ﴿يخرجون من الأجداث﴾ [القمر: ٧]. قال أبو عبيدة: هو من أسماء يوم القيامة، وأنشد للعجاج: [من الرجز]
٤٣٥ - أليس يوم سمي الخروجا ... أعظم يوم دجة دجوجًا
وأصل الخروج: البروز من المقر سواء أكان دارًا أم بلدًا أم ثوبًا، وسواء كان بنفسه أو بأسبابه الخارجة عنه. وأكثر ما يكون الإخراج في الأعيان، ويقال في التكوين الذي هو من فعل الباري تعالى نحو: ﴿فأخرجنا به أزواجًا من نبات شتى﴾ [طه: ٥٣].
والتخريج: أكثر ما يقال في العلوم والصناعات. وقيل: لما يؤخذ من كراء الأرض والحيوان خرج وخراج. قال تعالى: ﴿أم تسألهم خرجًا فخراج ربك خير﴾ [المؤمنون: ٧٢].
وقوله: ﴿فهل نجعل لك خراجًا﴾ [الكهف: ٩٤] وقرئ "خرجًا" مكان "خراج". فزعم قوم أنهما بمعنى، وآخرون فرقوا، فقيل: الخراج: ما كان من كراء الأرض ونحوها. والخرج: ما كان مضروبًا على العبد. يقال: العبد يؤدي خرجه، والعامة تؤدي للأمرين الخراج، وقيل: الخرج أعم من الخراج، والخرج بإزاء الدخل. وقيل: إنما قال: ﴿فخراج ربك﴾ [المؤمنون: ٧٢] فأضاف الخراج إلى نفسه المقدسة تنبيهًا أنه هو
стр. 460
الذي ألزمه وأوجبه. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة ومال القئ ومال الجزية والغلة وما نقص من الفرائض والأموال.
والخرج: المصدر، والخرج أيضًا من الحساب، وجمعه خروج. وفي الحديث: "الخراج بالضمان" أي أن المشتري إذا اشترى عبدًا مثلًا واستعمله ثم وجد به عيبًا فله رده، وغلته تامة له، لأنه لو هلك هلك في ضمانه، فغلته مقابلة بضمانه وهي الخراج. قال معناه أبو عبيدة، وقال الراغب: أي ما يخرج من مال البائع بإزاء ما سقط عنه من الضمان، والأول أحسن.
والخارجي: ما خرج بذاته عن أحوال أقرانه. ويقال ذلك على سبيل المدح إذا خرج إلى منزله من هو أعلى، ولهذا يقال: فلان ليس بإنسان على طريق المدح كقوله: [من الطويل]
٤٣٦ - فلست بإنسي ولكن لملاك ... تنزل من جو السماء يصوب
وتارة على سبيل الذم كقوله: ﴿إن هم إلا كالأنعام﴾ [الفرقان: ٤٤]. والخرج لونان من بياض وسوادٍ ومنه: ظليم أخرج، ونعامة خرجاء، وأرض مخترجة، أي قطعة منها نابتة وأخرى غير نابتةٍ؛ فهي ذات لونين. والخوارج: غلب على من خرج عن طاعة الإمام.
خ ر د ل:
قوله تعالى: ﴿من خردل﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الخردل معروف واحدته خردلة، ويضرب بها المثل في القلة والتلاشي. قال تعالى: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردلٍ أتينا بها﴾ [لقمان: ١٥]. وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وتنبيه على عدله ﵎، وما أحسن ما جاء بذكر المثقال من حبة الخردل بعد ذكر الموازين. وفي الحديث: "ومنهم الخردل" قيل: هو المرمي المصروع. وقيل: المقطع بكلاليب
следующие страницы →