← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿يخادعون الله﴾ يريد يخادعون رسوله. وقد جعل مخادعة رسوله كمخادعته، وهو ممن لا يجوز عليه الخداع تنبيهًا على عظم من خادعوه. كما جعل مبايعته في قوله: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون﴾ [الفتح: ١٠]. وفي هذا تنبيه على أمرين: أحدهما الدلالة على فظاعة فعلهم، والثاني عظم قدر رسوله والمؤمنين. وقول أهل العربية إنه على حذف مضافٍ بالنسبة ظاهر في صرف الخداع عن الله، ولكن لو صرح بالمضاف لأتت الدلالة على الأمرين المذكورين. وقد قيل إنه لا حذف البتة. وإن القوم لجهلهم يزعمون أن الله ممن يصح خداعه تعالى الله عن ذلك. وقوله: ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ [البقرة: ٩] أي ما يرجع وبال خداعهم إلا عليهم لا يتعداهم، ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾ [يونس: ٢٣]، ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ [فاطر: ٤٣]. وقرئ: "وما يخدعون" ولم يقرأ الأول في السبع إلا "يخدعون" كما بينا وجه ذلك فير غير هذا. وقيل: إن هذا من باب المقابلة، أي وهو يعاملهم بعقابه معاملة الخادع. وقولهم: "أخدع من ضب" أي أمكر، وذلك أن الضب يتخذ عقربًا على باب حجره تلدغ من يدخل يده حتى قالوا: إن العقرب بواب الضب وحاجبه، فقالوا ذلك لاعتقاد الخديعة فيه. وخدع الضب أي استتر في حجره. وطريق خادع وخدع كأنهم تصوروا خداعه لسالكه لما تاه فيه. والمخدع: بيت في بيت؛ تصوروا أن بانيه جعله لمن رام تناول ما فيه. وخدع الريق: قل، تصوروا منه الخديعة، والأخدعان: تصور منهما الخداع لظهورهما تارة وخفائهما أخرى. وخدعته: قطعت أخدعه. وفي الحديث: "بين يدي الساعة سنون

стр. 457

خداعة" أي محتالة لتلونها بالجدب مرة والخصب أخرى. وفيه: "الحرب خدعة" أي حيلة، أي ينقضي أمرها بخدعة واحدةٍ. ونقل الهروي: أنه يقال: خدعة بضم. وعن الأصمعي في قول: "سنون خداعة" أي قليلة المطر، من خدعه ريقه أي قل. وقال غيره: أي يكثر مطرها ويقل ريعها. خ د ن: قوله تعالى: ﴿ولا متخذات أخدان﴾ [النساء: ٢٥]. الخدن والخدين: المصاحب. وأكثر ما يقال فيمن صاحبته بشهوة. وقوله: ٤٢٩ - خدين العلي استعارة كقولهم: ينتسب للمكارم. ولكنه بمعنى المساحب لم يتعرف بالإضافة، نحو: مررت برجل خدنك وخدينك. ومراد الآية أنهم غير متخذات غير أزواجهن. فصل الخاء والذال خ ذ ل: قوله تعالى: ﴿وكان الشيطان للإنسان خذولًا﴾ [الفرقان: ٢٩] أي كثير الخذلان، لأنه مثال مبالفة. والخذلان: ترك النصر ممن يتوقع منه ذلك. وقوله: ﴿وإن يخذلكم﴾ أي يترك نصرتكم. وخذلت الوحشية ولدها: تركته وحده. وتخاذلت رجلاه: إذا لم تعيناه على المشي. قال الاعشى: [من الرمل] ٤٣٠ - بين مغلوب تليل خده ... وخذول الرجل من غير كسح والمخذل في الجيش: من تحين المقابلة. ولهذا يخرج من الصف. ويقال: خذله

стр. 458

فهو خاذل وخذول، والجمع خذل. قال الشاعر: [من الطويل] ٤٣١ - وما خذل قومي فأخضع للعدى ... ولكن إذا أدعوهم فهم هم فصل الخاء والراء خ ر ب: قوله تعالى: ﴿يخربون بيوتهم﴾ [الحشر: ٢]. التخريب: نقض البناء وهدمه. يقال: خربه وأخربه. وقرئ "يخربون" و"يخربون". فتخريبهم بأيديهم لئلا يتنفع بها من بعدهم. وقيل: بل بإجلائهم عنها لما تسببوا في ذلك. وخرب المكان يخرب خرابًا فهو خرب. والخارب: سارق الإبل. والخربة: أيضًا سرقة الإبل. قال الشاعر: [من الرجز] ٤٣٢ - والخارب اللص يحب الخاربا وقيل: الخربة: التهمة. وفي الحديث: "ولا فأرًا بخربةٍ". والخرب: ذكر الحباري. قال: [من الرجز] ٤٣٣ - أبصر خربان فضاء فانكدر والخربان جمع خرب. وقال الآخر: [من البسيط] ٤٣٤ - ولي ليطليه بالأسفر الخرب والخربة: عروة المزادة وهي أذنها، وأصلها كل نقبة مستديرةٍ، والجمع خرب.

стр. 459

ومنه: تقليد الهدايا بخرب العرب، ونحوها. وقيل: الخربة: شق واسع في الآذان تصورًا أنه خرب أذنه. ومنه: رجل أخرب، وامراة خرباء. ثم شبه به الخربة في أذن المزادة. خ ر ج: قوله تعالى: ﴿ذلك يوم الخروج﴾ [ق: ٤٢] يريد يوم القيامة، وسمي بذلك لخروج العالم فيه لقوله: ﴿يخرجون من الأجداث﴾ [القمر: ٧]. قال أبو عبيدة: هو من أسماء يوم القيامة، وأنشد للعجاج: [من الرجز] ٤٣٥ - أليس يوم سمي الخروجا ... أعظم يوم دجة دجوجًا وأصل الخروج: البروز من المقر سواء أكان دارًا أم بلدًا أم ثوبًا، وسواء كان بنفسه أو بأسبابه الخارجة عنه. وأكثر ما يكون الإخراج في الأعيان، ويقال في التكوين الذي هو من فعل الباري تعالى نحو: ﴿فأخرجنا به أزواجًا من نبات شتى﴾ [طه: ٥٣]. والتخريج: أكثر ما يقال في العلوم والصناعات. وقيل: لما يؤخذ من كراء الأرض والحيوان خرج وخراج. قال تعالى: ﴿أم تسألهم خرجًا فخراج ربك خير﴾ [المؤمنون: ٧٢]. وقوله: ﴿فهل نجعل لك خراجًا﴾ [الكهف: ٩٤] وقرئ "خرجًا" مكان "خراج". فزعم قوم أنهما بمعنى، وآخرون فرقوا، فقيل: الخراج: ما كان من كراء الأرض ونحوها. والخرج: ما كان مضروبًا على العبد. يقال: العبد يؤدي خرجه، والعامة تؤدي للأمرين الخراج، وقيل: الخرج أعم من الخراج، والخرج بإزاء الدخل. وقيل: إنما قال: ﴿فخراج ربك﴾ [المؤمنون: ٧٢] فأضاف الخراج إلى نفسه المقدسة تنبيهًا أنه هو

стр. 460

الذي ألزمه وأوجبه. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة ومال القئ ومال الجزية والغلة وما نقص من الفرائض والأموال. والخرج: المصدر، والخرج أيضًا من الحساب، وجمعه خروج. وفي الحديث: "الخراج بالضمان" أي أن المشتري إذا اشترى عبدًا مثلًا واستعمله ثم وجد به عيبًا فله رده، وغلته تامة له، لأنه لو هلك هلك في ضمانه، فغلته مقابلة بضمانه وهي الخراج. قال معناه أبو عبيدة، وقال الراغب: أي ما يخرج من مال البائع بإزاء ما سقط عنه من الضمان، والأول أحسن. والخارجي: ما خرج بذاته عن أحوال أقرانه. ويقال ذلك على سبيل المدح إذا خرج إلى منزله من هو أعلى، ولهذا يقال: فلان ليس بإنسان على طريق المدح كقوله: [من الطويل] ٤٣٦ - فلست بإنسي ولكن لملاك ... تنزل من جو السماء يصوب وتارة على سبيل الذم كقوله: ﴿إن هم إلا كالأنعام﴾ [الفرقان: ٤٤]. والخرج لونان من بياض وسوادٍ ومنه: ظليم أخرج، ونعامة خرجاء، وأرض مخترجة، أي قطعة منها نابتة وأخرى غير نابتةٍ؛ فهي ذات لونين. والخوارج: غلب على من خرج عن طاعة الإمام. خ ر د ل: قوله تعالى: ﴿من خردل﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الخردل معروف واحدته خردلة، ويضرب بها المثل في القلة والتلاشي. قال تعالى: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردلٍ أتينا بها﴾ [لقمان: ١٥]. وهذا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. وتنبيه على عدله ﵎، وما أحسن ما جاء بذكر المثقال من حبة الخردل بعد ذكر الموازين. وفي الحديث: "ومنهم الخردل" قيل: هو المرمي المصروع. وقيل: المقطع بكلاليب

стр. 461

الصراط، من قولهم: لحم مخردل أي مقطع. قال كعب: [من البسيط] ٤٣٧ - يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ويقال: خردلته وخرذلته بالمهمة والمعجمة، والخردلة القطعة منه. فأما الخردل الحب فبالمهملة ليس إلا. خ ر ر: قوله: ﴿فكأنما خر من السماء﴾ [الحج: ٣١]. الخرور: السقوط من علو مكان يكون معه صوت غالبًا. والخرير للماء والهواء. قوله تعالى: ﴿يخرون للأذقان﴾ [الإسراء: ١٠٧]، ﴿خروا سجدًا وبكيًا﴾ [مريم: ٥٨]، ﴿خروا سجدًا وسبحوا﴾ [السجدة: ١٥]. إتيانه تعالى بذكر البكاء والتسبيح تنبيه على أن ذلك الصوت المصاحب للخرور إما بكاء من خشيته وإما تسبيح لربوبيته. وقوله: ﴿وخر موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿وخر راكعًا﴾ [ص: ٢٤] تنبيهًا على أنهما ﵉ كانا في حالة تقرب من الموت لهيبة الربوبية، فإن الخرير غلب في الهلكة. قال: [من الطويل] ٤٣٨ - فخر صريعًا لليدين وللفم وقد وقع الفرق في المادة فقيل: خر الحجر يخر بضم الخاء خرورًا، وخر الماء أو الميت يخر بكسر الخاء خريرًا. خ ر ص: قوله: ﴿يخرصون﴾ [الأنعام: ١١٦] أي يكذبون. ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠]، أي الكذابون. وأصله الحرز. ومنه "خرص النخل" وهو أن تحزر أن على رؤوس النخل كذا وسقًا من الرطب، وأنه يجئ منه كذا وسقًا من التمر. وكان عبد

стр. 462

الله بن رواحة خارص رسول الله ﷺ وذلك يختص بالنخل والكرم- فأطلق على الكذب لأنه من غير تحقيق ولا غلبة ظن، إلا أن الكذب قبيح، وهذا ليس بقبيح. يقال: خرص وتخرص واخترص أي افترى الكذب. وفي الحديث: "لما حثهن على الصدقة جعلت إحداهن تلقي الخاتم والخرص" وهو الحلقة الصغيرة من الحلي وخرصت الدابة: جمعت بين شفريها بخرص أي حلقة. خ ر ط: قوله: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ [القلم: ١٦]؛ الأنف. وإنما خصه بالذكر لأنه أظهر شيء في الوجه، والوجه أظهر شيء في الإنسان، أي يجعل له علامة قبيحة يعرف بها. والخرطوم في الأصل أنف الفيل، فذكر هنا تقبيحًا لصاحبه. وقيل: بل أصله في السباع كلها. وقال الفرزدق: [من البسيط] ٤٣٩ - يا ظمي ويحك إني ذو محافظةٍ ... أنمي إلى معشرٍ شم الخراطيم أي مرتفعي الآناف، يشير إلى عزمهم. والعرب تقول: بأنفه شمم أي تكبر، ولا يفعل ذلك إلا من له عز ومنعة. فلما كان هذا العضو يستعمل في معنى التعزز والتعظم كما وصفنا، جعل الله سمة ذل هذا الشخص على محل العز من غيره. والسمة: العلامة، والمعنى: مستلزمة عارًا لا ينمحي عنه أبدًا، نحو: جدعت أنفه؛ فإنه أشهر له، إذ لا يمكن إخفاؤه عادة. خ ر ق: قوله تعالى: ﴿وخرقوا له بنين وبنات بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٠] أي اخترقوا في ذلك وكذبوا. وأصل الخرق قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تدبر ولا تفكرٍ، وهو عكس الخلق. ويعبر بذلك عن الحمق وقلة الحلم وعدم القناعة. يقال: رجل أخرق،

стр. 463

وامرأة خرقاء وهي ضد صناع. قال ذو الرمة: [من الوافر] ٤٤٠ - تمام الحج أن تقف المطايا ... على الخرقاء واضعة اللثام وذلك أنه لما رأى مية أراد أن يتعلل بشيء ليكلمها فخرق دلوه ثم جاءها فقال: املئي لي دلوي. فقالت: أنا خرقاء لا صناع. فولى وعلى كتفه دلوه وقطعة حبلٍ. فقالت: يا ذا الرمة. والرمة: قطعة الحبل، فسمي بذلك، وأنشد قصيدته التي فيها هذا البيت. وبها شبهت الريح فقيل: ريح خرقاء. والخرق: الحمق. وفي الحديث: "ما كان الخرق في شيء إلا شأنه وما كان الرفق في شيء إلا زانه". واستعير منه المخرقة، وهو إظهار الخرق توصلًا إلى حيلة. والمخراق: شيء يلعب به كأنه يخرج لإظهار الشيء بخلافه. ومنه خرق الغزال يخرق: إذا لم يحسن العدو. وباعتبار القطع قيل: خرقت الثوب وخرقته. وخرقت المفازة، وهي خرقاء، وخرق وخريق وذلك مختص بالفلوات الواسعة؛ إما لإختراق الريح فيها، وإما لتخرقها في سعتها. وخص الخرق بمن يتخرق في السخاء. والخرق: ثقب الأذن. ومنه صبي أخرق وامرأة خرقاء أي مثقوبي الأذن. ومنه الحديث: "نهي أن يضحي بالشرقاء والخرقاء"؛ فالخرقاء: ما في أذنها ثقب مستدير. قوله: ﴿إنك لن تخرق الأرض﴾ [الإسراء: ٣٧] أي لن تثقبها بشدة وطئك. وقيل: لن تقطعها عرضًا وطولاً. وقوله: ﴿في السفينة خرقها﴾ [الكهف: ٧١] فالمراد نقبها. ويقال: خرق وخرق وتخرق واخترق، وخلق واختلق، وبشك وابتشك، وخرص وتخرص، كلها بمعنى افترى وكذب. وفي حديث فاطمة: "حين زوجها، فلما أصبحت

стр. 464

دعاها فجاءت خرقة من الحياء" أي خجلة، من قولهم: خرق الغزال خرقًا إذا تحير من الفرق. فصل الخاء والزاي خ ز ن: قوله تعالى: ﴿ولله خزائن السماوات والأرض﴾ [المنافقون: ٧]. الخزائن جمع خزانة، وهي موضع الخزن. والخزن: ستر الشيء وحفظه، ومنه: خازن المال. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٤٤١ - إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان يقال: خزنت المال أي سترته وغيبته. والخزانة في الأصل مصدر، وهي عمل الخازن، كالإمارة والولاية، ثم أطلقت على موضع الشيء المخزون فيه. وقيل في قوله: ﴿ولله خزائن السماوات﴾ إشارة إلى قدرته على ما يريد إيجاده. وقيل: إلى الحالة التي أشار إليها ﵇ بقوله: "فرغ ربك من أربع: الخلق، والخلق، والرزق، والأجل". وقوله: ﴿لا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ [الأنعام: ٥٠]، قيل: أراد مقدوراته التي تنفع الناس، لأن الخزن ضرب من النفع. وقيل: هو قوله للشيء: "كن". وقيل: جوده الواسع وقدرته. وقال ابن عرفة: ما خزنه فأسره. يقال للسر من الحديث: مختزن. وأنشد لابن مقبل: [من البسيط] ٤٤٢ - نازعت ألبابها لبي بمختزن ... من الأحاديث، حتى زدتني لينا وقال أبو بكر: معناه علم غيوب الله. وقيل للغيوب خزائن لاستتارها وخفائها. قوله: ﴿وما أنتم بخازنين﴾ [الحجر: ٢٢] قيل: بحافظين له بالشكر. وقيل: إشارة إلى قوله: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ إلى ﴿المنزلون﴾ [الواقعة: ٦٨] قيل: إشارة إلى

стр. 465

قوله: ﴿فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ [المؤمنون: ١٨] أي نحن الخازنون له لا أنتم. قوله: ﴿سألهم خزنتها﴾ [الملك: ٨]؛ جمع خازن نحو: خادم وخدم. سموا بذلك لأنهم يحفظون جهنم ومن يدخلها كقوله: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها﴾ [الحج: ٢٢]. كالحفظة كعنى وجمعًا. وخزن اللحم: إذا أنتن، وذلك أنه إذا ادخر وخزن حصل له نتن، فكني بذلك عن نتنه كراهية لذكر النتن. خ زي: قوله: ﴿ولا تخزني يوم يبعثون﴾ [الشعراء: ٨٧] أي لا تهني ولا تذلني. وقيل: لا تفضحني. وأصله من قولهم: خزي الرجل: لحقه انكسار إما من نفسه أو من غيره. فالأول هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية، يقال منه: رجل خزيان، وامراة خزياء، والجمع خزايا. وفي الحديث: "غير خزايا ولا نادمين". والثاني هو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزي، ونظيره ذل وهوان، فإن ذلك من نفس الإنسان. وقيل في المصدر الهون أيضًا. والهون بالفتح محمود وبالضم مذموم. ورجل خزي وأخزى، يجوز أن يكون من الخزي والخزاية. قوله تعالى: ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾ [التحريم: ٨] يحتمل أن يكون من الخزاية والخزي، والأول أقرب وقيل بالعكس. وقوله: ﴿من تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢]. قيل: الأولى أن يكون من الخزاية، وليس بشيء بل من الخزي؛ فقد أذللته وأهنته. قوله: ﴿ولا تخزون في ضيفي﴾ [هود: ٧٨] أي لا تفضحوني. فهو من الخزاية. وقيل: خزي أي لهم ذل وهوان. وقيل: فضيحة. وقوله: ﴿من قبل أن نذل ونخزى﴾ قيل:

стр. 466

نهون، والأولى أن يكون من الخزاية، لأن الذل يضم الهوان، وإما خزوته أخزوه بمعنى سسته فمادة أخرى ومعنى آخر. فصل الخاء والسين خ س أ: قوله تعالى: ﴿قردة خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥] أي أذلاء، والخاسئ: هو الصاغر القمئ. وقيل: مبعدين. يقال: أخسأته فخسئ أي أبعدته فابتعد. وخسأت الكلب أي زجرته. وقيل في قوله تعالى: ﴿اخسؤوا فيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] إنه يجوز أن يكون بمعنى ابعدوا، وأن يكون بمعنى انزجزوا كما يزجر الكلب. وقوله: ﴿ينقلب إليك البصر خاسئًا﴾ [الملك: ٤] أي مننكصًا عن مكانه. وقيل: مزدجرًا، وذلك بالمجاز ولذلك قال بعده ﴿وهو حسير﴾ أي كليل تعبان. وأما الخسا بمعنى الفرد فقيل: ألفه مجهول، وقيل: بل أصلها الخسأ فيكون من هذه المادة لأن الفرد فيه بعد عن غيره. خ س ر: الخسر والخسران: نقص رأس المال، وغالب استعماله في المجازات والمعاملات والقيمات؛ قال تعالى: ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ [الرحمن: ٩] أي لا تنقصوه، وتحروا طريق العدل كقوله: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقيل: هو إشارة إلى تعاطي ما لا يكون ميزانه به يوم القيامة خاسرًا، فيكون ممن قيل فيهم: ﴿ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم﴾ [الأعراف: ٩]. وقوله: ﴿خسروا﴾ شبههم بمن جعل نفسه سلعة تباع فخسرها، ولا خسران أكثر ممن عدم جميع رأس ماله. يقال: خسرته واخسرته إذا نقصته، قال تعالى: ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرونه﴾ [المطففين: ٣] أي ينقصون.

стр. 467

خ س ف: قوله تعالى: ﴿فخسفنا به﴾ [القصص: ٨١]. الخسف: الخرق: أي فخرقنا الأرض به وجعلناها به مخروقة كما يخرق بالوتد. يقال: خسفه الله وخسف به. وقيل: الخسف: سؤوخ الارض بما عليها. ومنه الخسيف: البئر المحفورة في حجارة يخرج منها ماء كثير. "وسأل العباس ﵁: ما عين الشعراء؟ فقال: امرؤ القيس سابقهم؛ خسف لهم عين الشعراء" فاستعار العين لذلك. وعن الحجاج وقد أمر رجلًا أن يحتفر بئرًا: "أأخسفت؟ " مكان الذل. قال القتيبي: أصله ان تربط الدابة على غير علف فاستعير للتذليل. وقيل: الخسف: النقصان، قاله الأصمعي في قول من ترك الجهاد: "سيم الخسف". وقيل: أصل ذلك من خسف القمر، كأنهم تصوروا فيه حينئذ مهانة وذلاً قال الشاعر: [من البسيط] ٤٤٣ - ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان: غير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد ويقال: خسف القمر وكشفت الشمس؛ فالخسوف له والكسوف لها. وقيل: الخسوف والكسوف فيهما، إلا أن الكسوف لذهاب بعض ضوئهما، والخسوف لذهابه كله. ولنا فيه كلام أطول من هذا. واعتبر من خسوف القمر ذهاب للضوء. يقال: خسفت عينه فهي خاسفة، إذا غارت، وأخذ ذلك من خسفت الأرض أشبه صورة ومعنى. فصل الخاء والشين خ ش ب: قوله تعالى: ﴿كأنهم خشب مسندة﴾ [المنافقون: ٤]. شبه المنافقين في قلة غنائهم بالخشب، ثم لم يكفه حتى جعلهم مسندة غير منتفع بها، لأن الخشب ينتفع به

стр. 468

في سقفٍ ونحوه وهو لا، بمنزلة خشبٍ مسندةٍ غير منتفعٍ به، بضم الشين وسكونها في السبع، وهما جمع خشبةٍ كما تقدم في: ثمرٍ وثمرٍ أنهما جمع ثمرةٍ. ويستعار الخشب لوقاحة الوجه وصلابته فيقول: وجهه خشب، كقولهم: وجهه كالصخر. قال: [من الكامل]. ٤٤٤ - والصخر هش عند وجهك في الصلابة وخشبت السيف، جعلته كالخشبة، واستعير ذلك للبعير الذي لم يروض؛ فيقال: جمل خشيب كما يقال: سيف خشيب أي حديث العهد بالصقال. والأخشبان: جبلان بمكة. وكل شيءٍ خشنٍ فهو أخشب اعتبارًا بقوة الخشب. وتخشبت الإبل: أكلت الخشب. وقال عمر: «واخشوشبوا» و «واخشوشبوا» بالنون أيضًا، كله بمعنى الخشوبة مطعمًا وملبسًا. خ ش ع: قوله تعالى: ﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون:٢] أي تائبون متذللون. والخشوع: الخضوع والتذلل. قال الليث: الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن والخشوع في القلب والبصر والصوت. قلت: ويشهد لذلك قوله: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء:٤]، ﴿أن تخشع قلوبهم﴾ [الحديد:١٦]، ﴿وخشعت الأصوات﴾ [طه:١٠٨] أي انخفضت. ﴿خشعًا أبصارهم﴾ [القمر:٧] أي ذلت من الخوف، كقوله: ﴿ينظرون من طرفٍ خفيٍ﴾

стр. 469

[الشورى: ٤٥]. قال الراغب: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد من الجوارح.! والضراعة أكثر ما تستعمل في القلب. ولذلكقيل فيما روي: «إذا ضرع القلب خشعت الجوارح». قلت: «وقد رأى ﵊ رجلًا بعبث في صلاته فقال: لو خشع قلب هذاخشعت جوارحه». قوله: ﴿ترى الأرض خاشعة﴾ [فصلت:٣٩] استعارة شبهها حين محلها بالدليل الساكن. ثم قال: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وريت﴾ [الحج:٥] وقال الراغب: تنبيهًا على تزعزعها ﴿إذا رجت الأرض﴾ [الواقعة:٤] و ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ [الزلزلة:١] ولا معنى لهذا هنا. وفي الحديث: «كانت الكعبة خشعةً فدحيت الأرض من تحتها». هي الجاثمة واللاطئة بالأرض. وأنشدوا لأبي زبيد: [من الخفيف] ٤٤٥ - جازعات إليهم، خشع الأو ... داة قوتًا، تسقى ضياح المديد خ ش ي: قوله تعالى: ﴿يخشون الناس﴾ [النساء:٧٧]. الخشية: أشد الخوف. وقيل: خوف يشوبه تعظيم المخوف منه وأكثر ما يكون ذلك عن علم ما يخشى منه، ولذلك خص به العلماء في قوله: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر:٢٨]، وقوله: ﴿وليخش الذين﴾ [النساء:٩] أي استشعروا خوفًا عن معرفةٍ. قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] أي لا تقتلوهم معتقدين لمخافة أن يلحقهم

стр. 470

إملاق. وقوله: ﴿لمن خشي العنت﴾ [النساء:٢٥] أي خاف خوفًا اقتضته معرفته بذلك من نفسه. فصل الخاء والصاد خ ص ص: قوله تعالى: ﴿ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر:٩] أي فقر. وأصله من خصائص البيت وهو فرجة عن المفسدة، فعبر عن الفقر بالخصاصة كما عبر عنه بالخلة. والخص: بيت من قصبٍ أو شجرٍ، وذلك لما يرى فيه من الخصاصة. قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال:٢٥]. والخاصة: ضد العامة، أي لا تخص الظالمين بل تعمهم وتعمكم. وخاصة الرجل: من يختص به. وقال ﵊: «أهل القرآن أهل الله وخاصته». وأصلها من التخصيص، وهو تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة وبمعناه التخصص والاختصاص والخصوصية، وذلك خلاف العموم والتعمم والتعميم. وأخصاء الرجل من يختصه بضرب من الكرامة. وفي الحديث: «بادروا بأعمالكم ستًا: الدجال وكذا وخويصة أحدكم» يعني الموت، تصغير خاصة. خ ص ف: قوله تعالى: ﴿يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [الأعراف:٢٢]. الخصف: تطبيق بعض جلود النعل على بعضٍ، فاستعير لفعلهما ذلك بورق الجنة على بدنهما لما زال عنهما لباسهما. قيل: هو ورق التين. وفي شعر العباس ﵁ يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : [من المنسرح]

стр. 471

٤٤٦ - من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودعٍ، حيث يخصف الورق يشير إلى أنه كان من حين كان أبوه آدم وأمه حواء في الجنة. وقيل: معنى الآية: يجعلان عليهما خصفة وهي الأوراق. ومنه قيل لجلال الثمر خصفة: وخصفت الخصفة: نسجتها. قلت: والخصفة: هي الحصير المفترس. و «كسا تبع الكعبة خصفًا فلم يقبله». الخصف: غلاظ جدًا. وعبر بالخصافة عن الرزانة فقيل: فلان خصيف العقل ضد سخيفه، والخصيف من الطعام. قيل: وحقيقته ما جعل من اللبن ونحوه من خصفةٍ فيتلون بلونها. خ ص م: قوله تعالى: ﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ [النحل:٤] أي شديد الخصومة أي كثيرها. والخصومة: المنازعة، وأصلها من خصم الآخر وغيره وهو ناحيته وجانبه، وذلك أن كلا من المتخاصمين يأخذ في ناحيةٍ وجانبٍ غير الذين أخذ به صاحبه. وفي الحديث: «نسيت الدنانير في خصم فراشي» أي جانبه. وقال سهل بن حنيفٍ يوم صفين: «هذا أمر لا يسد منه خصم إلا انفتح علينا منه خصم آخر» أي جانب. والخصم يقع للواحد المذكر ولضديهما؛ تقول: رجل خصم، ورجال خصوم، وامرأة خصم لأنه في الأصل مصدر، وقد يطابق وقوله: ﴿هذان خصمان﴾ [الحج:١٩] قيل: تأويله: فريقان خصمان. ولذلك قيل: ﴿اختصموا﴾ [الحج:١٩]. فهو نظير: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات:٩]. والخصم: المختص بالخصومة.

стр. 472

وقوله: ﴿وهو في الخصام غير مبينٍ﴾ [الزخرف:١٨]. الخصام: مصدر خاصمته أخاصمه خصامًا ومخاصمة. ويقع الخصام للواحد المذكر وغيره كالخصم، وأشار بذلك إلى أنهم نسبوا الإناث لله وهن غير مبيناتٍ في الخصام لعجزهن. وقلما خاصمت امرأة إلا وخصمت. والجمع أخصام وخصوم. قوله: ﴿وهم يخصمون﴾ [يس:٤٩] أي في أمر الدنيا، يعني أنها تأتيهم وهم مشغولون بمعايشهم كقوله: ﴿بغتةً﴾ [الأنعام:٣١]. وأصله يختصمون فأدغم. وفي الحرف قراءات وتصريف كثير أتقناه في غير هذا. فصل الخاء والضاد خ ض د: قوله تعالى: ﴿في سدرٍ مخضودٍ﴾ [الواقعة:٢٨]. قيل: هو الذي خضد من شوكة أو عري. يقال: خضدت الغصن من ورقة وشوكة إذا نحيتهما عنه. وقيل: خضد شوكة أي كسر. ومنه استعير: خضد عنق البعير أي كسر. يقال: خضدته أخضده خضدًا فانخضد انخضادًا فهو مخضود، وخضيد وخضد كلاهما بمعنى مخضود، وكقتيل ونقيض. وقيل: المخضود: الذي امتلأت أغصانه ثمرًا موضع الورق. والخضد أيضًا كثرة الأكل. «ورأى معاوية رجلًا يجيد الأكل فقال: إنه لمخضد». خ ض ر: قوله: ﴿فأخرجنا منه خضرًا﴾ [الأنعام:٩٩]. الخضر: الورق الأخضر، وكل شيءٍ ناعمٍ فهو خضر. ومنه استعير: «حلوة خضرة» أي غضة ناعمة طرية. والخضر أيضًا:

стр. 473

ضرب من الكلأ في قوله ﵊: «إلا أكلة الخضر». فالخضر: واحده خضرة، وهو ضرب من الجبنة، والجبنة من الكلا ما له أصل غامض في الأرض كالنصي والصليان. وخطب علي ﵁ في آخر عمره فقال: «اللهم سلط عليهم فتي ثقيفٍ الذيال الميال يلبس فروتها ويأكل خضرتها». قال شمر: يعني هنيئها وناعمها. والخضرة: أحد الألوان، وهي بين السواد والبياض، ولكن إلى السواد أقرب. ولذلك يعبر عن السواد بالخضرة وبالعكس. ومنه سواد العراق لكثرة شجرة الخضر. وقال تعالى: ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن:٦٤]. قيل: سوداوان بشدة ريهما، وهو أحسن من أن يقال: عبر عن الخضرة بالسواد. وكتيبة خضراء: لما عليها من الحديد الأسود الذي تغلب عليه خضرة. وقوله: ﴿ويلبسون ثيابًا خضرًا﴾ [الكهف:٣١]، جمع أخضر وخضراء، نحو حمرٍ صالح لأحمر وحمراء. «ونهى عن بيع المحاضرة» أي بيع البقول والتمر قبل أن يبدو صلاحها. خ ض ع: الخضوع: الانقياد والتذلل. ومنه قوله تعالى: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء:٤]. وخضع يكون لازمًا ومتعديًا؛ يقال: خضعته فخضع، أي قدته فانقاد. وقوله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول﴾ [الأحزاب:٣٢] أي لا تلنه. يقال: خضعت المرأة بكلامها، وخضع بكلامه: ألانته له وألانه لها. وخضعت اللحم: قطعته. وظليم أخضع: في عنقه تطامن. والخضوع كما تقدم يقارب الخشوع. وتقدم الفرق بينهما.

стр. 474

فصل الخاء والطاء خ ط أ: قوله تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطًا كبيرًا﴾ [الإسراء:٣١]. قال ابن عرفة: يقال: خطئ في دينه إذا أثم. ومنه الآية الكريمة. وأخطأ: إذا سلك سبيل خطأٍ عامدًا وغير عامدٍ. قال: ويقال: خطئ في معنى أخطأ، وأنشد لامرئ القيس: [من الرجز] ٤٤٧ - يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا وقال الأزهري: الخطيئة والخطء: الإثم ويقوم مقام الخطأ، وهو ضد الصواب، وفيه لغتان: القصر وهو الجيد، والمد وهو قليل. ويقال لمن أراد شيئًا ففعل آخر، ولمن فعل غير الصواب، أخطأ أيضًا. وقيل الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أنواع. أحدها: أن يريد غير ما يحسن إرادته فيفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به فاعله. ويقال منه: خطئ يخطأ خطأ وخطأة. والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد. ويقال منه: أخطأ إخطاء فهو مخطئ، وهذا مصيب في إرادته مخطئ في فعله، وإياه عني بقوله ﵊: «من اجتهد فأخطأ فله أجر». وقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». الثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويسبق منه فعله، فهذا عكس ما قبله من أنه مصيب في فعله مخطئ في إراداته. فهذا مذموم بقصده غير محمودٍ على فعله. وهذا المعنى هو الذي قصده من قال في شعره. [من الطويل] ٤٤٨ - أردت مساءتي فأجرت مسرتي ... وقد يحسن الإنسان من حيث لا يدري

стр. 475

وجملة الأمر أن من أراد شيئًا واتفق منه غيره يقال: أخطأ، وإن وقع منه كما أراد يقال: أصاب. وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراده إرادة لا تجمل: إنه أخطأ. ولهذا يقال: أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب، وأخطأ الخطأ. وهذه اللفظة مشتركة مترددة بين معانٍ كما ترى. فيجب على من يتحرى الحقائق أن يتأملها. قوله تعالى: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ [البقرة:٨١]. قيل: الخطيئة والسيئة تتقاربان، لكن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصودًا إليه في نفسه، بل يكون القصد سببًا يولد ذلك الفعل كمن رمى صيدًا فأصاب إنسانًا، أو شرب مسكرًا فجنى جنايةً في سكره. والسبب سببان، سبب كشرب المسكر وما يتولد من الخطأ عنه. وسبب غير متجاف عنه. قال تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، لكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب:٥] قوله: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثمًا﴾ [النساء:١١٢]. فالخطيئة هنا ما لا يكون قصدًا إلى فعله. وقوله: ﴿والمؤتفكات بالخاطئة﴾ [الحاقة:٩]. قيل: الخاطئة هنا مصدر على فاعلةٍ كالعافية، أي بالخطر العظيم، وقيل: وهو من شعر شاعر. والخطيئة يجوز ألا تكون مصدرًا فتكون نحو الغديرة بمعنى الغدر والنقيعة بمعنى النقع. والخاطئ المصيب للخطيئة. ومنه قوله تعالى: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ [الحاقة:٣٧]. وقوله: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾ [البقرة:٥٨]. من الذنوب التي تعمدوا فعلها. ويجمع على خطيئاتٍ أيضًا. وقد قرئ ﴿مما خطاياهم﴾ [نوح:٢٥] و «خطيئاتهم» وكذلك

стр. 476

﴿نغفر لكم خطاياكم﴾. ووزن خطايا فعائل لأن نظيرها من الصحيح صحيفة وصحايف. وقد أتقنا تصريفها وخلاف الناس فيها في موضعٍ يليق بها. خ ط ب: قوله تعالى: ﴿وفصل الخطاب﴾ [ص:٢٠] أي ما ينفصل به الأمر بين المتخاطبين في الخصام ونحوه، لأن كلًا من الخصمين يخاطب خصمه بما ينفعه. وأصل ذلك من الخطب. والخطب: الأمر العظيم الذي يحتاج فيه إلى تخاطب. ثم عبر به عن الأمر والشأن فيقال: ما خطبه؟ قال تعالى: ﴿ما خطبكن﴾ [يوسف:٥١]، وأصله مصدر يقال: خطب وخطاب وتخاطب ومخاطبة أي مراجعة خطابٍ بين القوم. ومنه الخطبة والخطبة، إلا أن الخطبة اختصت بخطابٍ ذي وعظٍ، والخطبة بخطاب ذي طلب امرأةٍ تنكح. والخطبة في الحقيقة اسم لهيئة الخاطب نحو الجلسة. ويقال من الخطبة: بخاطب وخطيب، ومن خطبة المرأة خاطب فقط. قال تعالى: ﴿فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة:٢٣٥]. فالخطبة من الرجل للمرأة، والاختطاب من وليها للرجل. وجاء في التفسير أن فصل الخطاب قوله: أما بعد، وهذا يرد قول من قال إن أول من تكلم بها قس بن ساعدة، ويمكن أن يجاب عنه بأن داود أتى بمعنى هذا اللفظ لأن لغته غير عربيةٍ، وقس أول من تكلم بهذا اللفظ فلا منافاة. خ ط ط: قوله تعالى: ﴿ولا تخطه بيمينك﴾ [العنكبوت:٤٨] أي لا تكتبه. والخط: الكتب لأنه ذو خطوطٍ. والخط: المد، والخط: كل ما له طول، وكل أرضٍ طويلةٍ فهي خط، نحو خط اليمن. وإليه تنسب الرماح، فيقال: رماح خطية، ورمح خطي. قال النابغة: [من الطويل]

стр. 477

٤٤٩ - وهل ينبت الخطي إلا رشيجة ... وتغرس إلا في منابتها النخل وفي حديث أم زرعٍ: «وأخذ خطيا». والأصل في ذلك أن السفن تجلب الرماح إلى سيف البحرين وما حوله من القرى، وهي تسمى بالخط لما قدمنا. فنسبت الرماح إليها. والخط: الطريق؛ ألزم هذا الخط. والخطيطة: الطريقة تجمع على خطائط، كطريقة وطرائق. والخطيطة أيضًا: أرض لم تمطر بين أرضين ممطرتين كالخط المنحرف. والخطة أيضًا: الحالة، استعارة من الطريقة، ومنه قول الشاعر: [من الطويل] ٤٥٠ - هما خطتا إما إسارٍ ومنةٍ ... وإما دمٍ والقتل بالحر أجدر أي هما حالتان، ويروى برفع إسارٍ وجره. وفيه بحث أتقناه في غير هذا الكتاب. والخط والخطة: ما اختطه الإنسان لنفسه وحصره. وفي الحديث «أنه ورث النساء خططهن دون الرجال»، وكان قد أعطى النساء خططًا يسكنها بالمدينة. وفي حديث معاوية بن الحكم: «أنه سأل النبي ﷺ عن الخط فقال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه علم مثل علمه». قال ابن عباس: هو الخط الذي يخط الحازي بمعنى المنجم وهو علم قد تركه الناس، فيأتي صاحبه إلى الحازي فيعطيه حلوانه فيقول: اقعد حتى أخط لك. قال: وبين يدي الحازي غلام معه ميل، فيأتي إلى أرضٍ رخوةٍ، فيخط الأستاذ فيها على عجل لئلا يلحقه العدد، ثم يمحوها على مهلٍ خطين خطين، فإن بقي منها خطان فهي علامة نجحٍ، وإن بقي واحد فهي علامة خيبةٍ ويسمى الأسحم. خ ط ف: قوله: ﴿يخطف أبصارهم﴾ [البقرة:٢٠]. الخطف: الأخذ بسرعةٍ. يقال:

стр. 478

خطفه يخطفه وخطفه يخطفه. وقرئ قوله تعالى: ﴿إلا من خطف الخطفة﴾ [الصافات: ١٠] بالوجهين في السبع. ولم يقرأ «يخطف» فيها إلا بالفتح. وأما في الشاذ فقد قرئ فيه بالوجهين. وفي هذا الحرف قراءاتٌ كثيرةٌ وتصريفٌ متسعٌ لا حاجة لنا ببيانه هنا. واختطفت الشيء وتخطفته. ومنه: ﴿ويتخطف الناس من حولهم﴾ [العنكبوت: ٦٧] أي بالنهب والإغارات واستلاب الأنفس والأموال في كل بدوٍ وحضرٍ بخلاف مكة ومخالفيها فإن أهلها آمنون من ذلك. والخطاف: الطائر، تصور أنه يخطف شيئاً في طيرانه. والخطاف أيضًا: الحديدة التي تدور عليها البكرة. وهو أيضًا ما يخرج به الدلو إذا وقع في الركية لما فيه من الاختطاف، والجمع خطاطيف. قال النابغة: [من الطويل] ٤٥١ - خطاطيف حجنٌ في حبالٍ متينةٍ ... تمد بها أيدٍ إليك نوازع وبازٍ مختطفٌ أي يختطف ما يصيده. والخطف: انجذاب شدة السير. وأخطف الحشا أي ضامره، كأن حشاه قد اختطف؛ يعبر به عن الخاصرة. وفي الحديث: «نهى عن الخطفة»؛ هي ما يختطفه الذئب من الشاة وهي حيةٌ كيدٍ، فلا يجوز أكلها. وفيه: «وجعلت له خطيفةً»؛ هي أن يذر دقيقٌ على لبنٍ فيعلقه الناس ويأخذونه بسرعة.

стр. 479

خ ط و: قوله تعالى: ﴿خطوات﴾ [البقرة: ١٦٨] قرئ خطوات بضمتين وضمة وسكون في السبع. وهي جمع خطوةٍ بالضم، وقرئ خطوات بفتحتين. فالخطوة: اسمٌ لما بين القدمين حال المشي، وبالفت: المرة. والمعنى: لا تسلكوا مسالكه ولا تخطوا طرائقه، فلا تذهبوا في طريق يدعوكم إليه، وهذا من أبلغ الاستعارات. جعل ما يوسوس به إليهم كطريقة طلب منهم سلوكها، وجعله دليلًا فيها وجعلهم واطئين عقبه كما تطأ المسافرة عقب الدليل الماهر بالمفازة، فلا تعدو خطوه. وهذا فائدة العدول عما لو قيل لاتبعوا الشيطان في أوامره. فصل الخاء والفاء خ ف ت: قوله تعالى: ﴿يتخافتون بينهم﴾ [طه: ١٠٣] أي يتسارون. وأصله من الخفوت، وهو ضعيف الصوت. قوله: ﴿ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠] أي لا تسرها فلا يسمعك من خلفك. وأصل الخفوت السكون. ومنه خفت الميت من ذلك. قوله: ﴿فانطلقوا وهم يتخافتون﴾ [القلم: ٢٣] أي يسر بعضهم إلى بعضٍ لئلا يسمعهم المساكين. وفي التفسير قصة مشهورة. وقال الشاعر: [من الطويل] ٤٥٢ - وشتان بين الخفت والمنطق الجهر وقول بعض المولدين: لم يبق نفس خافت.

стр. 480

خ ف ض: قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ [الإسراء: ٢٤] أي ألن لهما جناحك ومقالك. والخفض ضد الرفع. والخفض: اللين في السير. والخفض: الدعة. ومنه: خفض العيش. والخفض الصناعي ضد الرفع الصناعيٍّ وضمه لأنه كسرٌ أو جرٌّ على اصطلاحهم. وقوله: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ [الشعراء: ٢١٥]، كقوله: ﴿بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقوله: ﴿خافضةٌ رافعةٌ﴾ [الواقعة: ٣] أي تخفض قومًا إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة، وهذا حال يوم القيامة. وكأنه أشار إلى قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين [التين: ٥] عند بعضهم وليس ذلك. والخفض أيضًا الختان. والخاتن: خافضٌ. وفي الحديث: «إذا خفضت فأشمي» أي بقي بقيةً لطيفةً. خ ف ف: قوله تعالى: ﴿حملًا خفيفًا﴾ [الكهف: ١٨٩]. الخفيف بإزائه الثقيل. وقد تقدمت أقسام الثقيل والخفيف؛ يقال تارةً باعتبار التضايف فيقال: درهمٌ خفيفٌ وآخر ثقيلٌ، وتارةً باعتبار تضايف الزمان نحو: فرسٌ خفيفٌ وآخرٌ ثقيلٌ إذا كان عدو أحدهما أكثر من الآخر في زمانٍ واحدٍ، وتارةً باعتبار ما يستخفه الناس. وثقيلٌ فيما يستوجبه. فالخفة هنا مدحٌ والثقل ذمٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ [الأنفال: ٦٦]، ويقرب منه: ﴿حملت حملًا خفيفًا﴾. وتارةً خفيفٌ لمن فيه طيشٌ، وثقيلٌ لمن فيه رزانةٌ، وعليه قوله: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومن خفت موازينه﴾

стр. 481

[الأعراف: ٩]. فينعكس الحال فيكون الثقل مدحًا والخفة ذمًا. وتارةً خفيفًا باعتبار الجسم الذي يرجح إلى الأعلى كالهوادء والنار. وثقيلٌ باعتبار الجسم الذي يرجح إلى الأسفل كالماء والتراب، وتستعار الخفة والثقل لفصاحة النطق وعيه، ويوصف بهما اللسان فيقال: كلامه خفيفٌ أو ثقيلٌ، ولسانه خفيفٌ أو ثقيلٌ. والخفة هنا مدحٌ والثقل ذمٌ؛ يقال: خف يخف خفًا وخفةً، وخففته تخفيفًا، وتخفف تخففًا، واستخفه كأنه سأله الخفة. ومنه قوله تعالى: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ [الزخرف: ٥٤] أي سألهم الخفة وحملهم عليها فخفوا، أو فاستخفهم ولم يعبأ بشأنهم فيما أمرهم، لذلك لم يألوا عن طواعيته مع ادعائه لأعظم الأشياء. وقوله: ﴿ولا يستخفنك﴾ [الروم: ٦٠] أي ولا يحملنك على الخفة بأن يزيلوك عن اعتقادك بما يقولون إليك من الشبه والنهي وإن كان للذين لا يوقنون. فالمعنى النهي له عن تعاطي أسبابه، وهو تعليم لأمته صلى الله تعالى عليه وسلم في الحقيقة, واستخفه وأخفه الطرب بمعنى حمله الطرب على الخفة. قوله: ﴿تستخفونها يوم ظعنكم﴾ [النمل: ٨٠] أي يخف عليكم حملها. والمعنى تقصدون بذلك خفها. وقولهم: خفوا أي ارتحلوا عن منازلهم بخفةٍ. وعليه قول الشاعر: [من مجزوء الرمل] ٤٥٣ - علموني كيف أبكيـ ... ـهم إذا خف القطين والخف: الملبوس، سمي بذلك لخفته لكونه من جلدٍ وبه شبه خف البعير وخف النعامة ونحو ذلك. وهو في البهائم يقابل الخف. يقال: ذات الخف والافر. وفي الحديث: «إلا في خفٍ أو نصلٍ أو حافرٍ». خ ف ي: قوله تعالى: ﴿فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعينٍ﴾ [السجدة: ١٧].

стр. 482

الإخفاء: الستر والتغطية. يقال: خفي الشيء وأخفيته: استتر وسترته. والخفاء: ما يستر به كالغطاء، فيقال: أخفيته إذا أوليته خفاءً أي سترته. ومنه: ﴿أكاد أخفيها﴾ [طه: ١٥] أي أسترها، فلا يطلع عليها أحدٌ. وفي التفسير: «أكاد أخفيها من نفسي» مبالغةً. وخفيته: أزلت خفاه، إذا أظهرته. وعليه قرأ الحسن «أخفيها» بفتح الهمزة، وقال امرؤ القيس: [من المتقارب] ٤٥٤ - فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد وقال عبده بن الطبيب: [من البسيط] ٤٥٥ - يخفي التراب بأظلافٍ ثمانيةٍ ... في أربعٍ مسهن الأرض تحليل ومنه الحديث: «أو تختفوا بقلًا» أي تظهرونه. وروي «تتحفوا» أي تقتلعوا، من حفت المرأة شعر وجهها. و «تجتفئوا» بالجيم من: جفأت القدر زبدها: ألقته. و «خوافي الجناح» لأنها دون قوادمه. والخافية: الجن، وكذا الخافي لاستتارهم. قال الأعشى: [من البسيط] ٤٥٦ - يمشي ببيداء لا يمشي بها أحدٌ ... ولا يحس من الخافي بها أثر ويقابل الخفاء بالإبداء تارةً وبالإعلان أخرى. قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها﴾ [البقرة: ٢٧١] ﴿ويعلم ما تخفون وما تعلنون﴾ [النمل: ٢٥]. قوله: ﴿يعلم السر وأخفي﴾ [طه: ٧] أي وأخفى من السر- قيل: هو ما

стр. 483

يطرأ وجوده في ضمير صاحبه. وقيل: «أخفى» فعل أي وأخفى ذلك عن خلقه، ويقابل به الظهور أيضًا. قال الشاعر: [من البسيط] ٤٥٧ - لقد ظهرت فلا تخفى على أحدٍ ... إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا فصل الخاء واللام خ ل د: قوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ [الحشر: ١٧]. الخلد: قيل: هو المكث الطويل. وقيل: هو الذي لا نهاية له. وهو أشبه بقول المعتزلة لسابهم: «عليه تخليد أهل الكبائر»، وقد حققنا هذا في «الأحكام» و «التفسير». ولو اقتضى التأبيد لما جاء مع لفظ الأبد، وأجابوا عنه بإرادة التأكيد، والأصل عدمه. وأصل الخلود تبري الشيء من أعراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هي عليه. والعرب تصف بالخلود كل ما تباطأ تغيره وفساده. وكذلك وصفت الأيام بالخوالد لطول مكثها لا لدوام بقائها. وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ٤٥٨ - هل يعمن إلا سعيدٌ مخلدٌ ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال ويقولون لمن تباطأ شيبه: مخلدٌ. يقال: خلد يخلد خلودًا إذا بقي زمنًا. قال: [من الطويل] ٤٥٩ - فلو كان مجدًا يخلد الدهر واحدًا ... خلدت، ولكن ليس حي بخالد ودابةٌ مخلدةٌ: التي تخرج ثناياها وتبقى إلى أن تخرج رباعيتها. والخلد: اسم

стр. 484

للجزء الذي يبقى من الإنسان على حالته فلا يتغير ترعرعه ما دام الإنسان حيًا. قال الراغب: ثم استعير للمبقي دائمًا. يعني أن أصله المكث الطويل. والخلود في الجنة بقاء الأشياء التي عليها من غير أعراض فسادٍ تكون عليها. والخلد: الظن، ولذلك قالوا: وقع في خلدي كذا. وقوله تعالى: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ [الأعراف: ١٧٦] أي اطمأن وسكن إلى لذاتها، واطمأن إليها ظانًا أنه يخلد فيها. قوله تعالى: ﴿ولدن مخلدون﴾ [الواقعة: ١٧] مبقون كأهل الجنة. وحقيقته أنهم لا يتغيرون عن حالتهم التي هم عليها من الوصافة وسن الحداثة. وقيل: مفرطون، أي يكون في آذانهم القرطة، أي حلق من ذهبٍ وفضة. والجمع خلدةٌ والواحد خلدٌ، كما يقال: قرطٌ وقرطة. والإخلاد: البقية والحكم بها. ومنه: ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ أي حكم بذلك ظنًّا منه، كما تقدم. خ ل ص: قوله تعالى: ﴿إنه كان مخلصًا﴾ [مريم: ٥١]. الخلوص أصله التقصي من الشيء وعدم الشركة فيه. وقرئ «مخلصًا» بكسر اللام بمعنى أخلص نفسه وطاعته لله، وبفتحها بمعنى أن الله أخلصه واصطفاه. كقوله: ﴿إني اصطفيتك على الناس﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وكل ما في هذا القرآن من هذا اللفظ إذا لم يكن بعده «الدين» قرئ بالوجهين على هذين المعنيين نحو: ﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف ٢٤] بخلاف ﴿مخلصين له الدين﴾ [الأعراف: ٢٩] فإنه لا يليق به الفتح. وقيل: الخالص الصافي. وقال آخرون: الفرق بينهما أن الخالص ما زال عنه شوبه بعد أن كان والصافي أعم من ذلك. يقال: خلصته فخلص خلوصًا. قال الشاعر: [من الوافر] ٤٦٠ - خلاص الخمر من نسج الفدام

стр. 485

ويقال: خالصة وأخلصة، وكان التاء للمبالغة نحو رواية. قوله تعالى: ﴿خلصوا نجيًا﴾ [يوسف: ٨٠] أي انفردوا وتميزوا. وقوله: ﴿ونحن له مخلصون﴾ [البقرة: ١٣٩] راجع إلى ما قدمناه من أنه التبري من الشيء. فإخلاص المسلمين كونهم تبرؤوا مما يدعيه اليهود من التشبيه، والنصارى من التثليث. وقوله: ﴿إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار﴾ [ص: ٤٦] اخترناهم بخصلةٍ خلصناها لهم. وقرئ بإضافة خالصةٍ لذكرى وبعدمها في السبع. وقد بينا وجهي ذلك في «الدر» و «العقد» وغير ذلك. وقوله: ﴿أستخلصه لنفسي﴾ [يوسف: ٥٤] أي أختص به مصطفيًا له لا يشركني فيه غيري. والإخلاص: قصد المعبود وحده بالعبادة، كما قال: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. خ ل ط: قوله تعالى: ﴿خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئاً﴾ [التوبة: ١٠٢] أي فعلوا هذا تارةً وهذا أخرى. وأصل الخلط الجمع بين الشيئين فأكثر، سواء كانا مائعين أو جامدين، أو أحدهما جامدًا والآخر مائعًا. وهو أعم من المزج، فإنه يختص بالمائعات. قوله: ﴿فاختلط به نبات الأرض﴾ [يونس: ٢٤] من ذلك. والخليط: المجاور والشريك والصديق، ومنه: الخليط في الزكوات، والجمع خلطاء، قال تعالى: ﴿وإن كثيرًا من الخلطاء﴾ [ص: ٢٤]. ويقع الخليط للواحد فأكثر، قال الشاعر: [من البسيط] ٤٦١ - إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا وقال جرير: [من البسيط]

стр. 486

٤٦٢ - إن الخليط أجدوا البين يوم غدوا ... من دارة الجأب إذ أحداجهم زمر قوله تعالى: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي وإن تجامعوهم في النفقة والمأكل وغير ذلك، ﴿فلا عليكم﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وكانوا قد تحرجوا من ذلك حين نزل: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾ [الإسراء: ٣٤]، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا﴾ [النساء: ١٠]. وأخلط فلانٌ وخلط في كلامه إذا خلط صحيحه بفساده. وأخلط الفرس في جريه: قصر فيه، وفي حديث الإخلاط: «نهى أن يخلط الشريكان تنقيصًا للزكاة». خ ل ع: قوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك﴾ [طه: ١٢] أي نحهما، وذلك أنهما كانا من جلد حمارٍ ميتٍ لم يدبغ. وعن بعض المتصوفة أنه كنايةٌ عن التمكين كقولك: انزع ثوبك وخفك وشمر ذيلك. وأصل الخلع الإزالة والتنحية. وقولهم: خلع عليه، أي أعطاه ثوبًا. واستفيد معنى الإعطاء من هذه اللفظة لما وصلت بعلى لا عن بمجردها. والخليع: الثوب المخلوع. والخليع أيضًا من فيه مجانةٌ؛ كأنه خلع ثوب حيائه. ومنه قولهم: خلع رسنه على الاستعارة، فهو بمعنى فاعلٍ. وتخلع أي شرب مسكرًا لأنه يصير به خليعًا. خ ل ف: قوله تعالى: ﴿وما خلفهم﴾ [البقرة: ٢٥٥] خلف: ظرف مكان مثل وراء، وهما ضدا: أمام وقدام، وتصرفه قليل. وتخلف ضد تقدم وسلف. فالمتأخر لقصور منزلته يقال له خلف. قال تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ [الأعراف: ١٦٩]. وفرقوا بين الصالح والطالح بفتحةٍ فقالوا: خلف سوءٍ وخلف خيرٍ. ومنه قول العلماء: أجمع عليه السلف

стр. 487

والخلف. وقالوا: «سكت ألفًا ونطق خلفًا» أي رديئاً من الكلام. وفي الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله». قال الفراء: الخلف: من يجيء بعد، وأما الخلف فما أخذ لك بدلًا لا مما أخذ منك. وتخلف فلانٌ فلانًا: إذا تأخر عنه أو جاء بعد آخر أو قام مقامه. قال الراغب: ومصدره الخلافة. قلت: حق مصدر تخلف وخلف خلافةً وهو خالفٌ أي رديءٌ أحمق. ويقال لمن يخلف آخر فيسد مسده: خلف. والخلف: أن يجيء كل واحد موضع الآخر. قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً﴾ [الفرقان: ٦٢]. وأمرهم خلفةٌ أي يأتي بعضهم خلف بعضٍ. وأصابته خلفةٌ كنايةٌ عن مشي البطن. وخلف فلانٌ فلانًا: إذا قام بالأمر بعده أو معه. والخلافة: النيابة عن الغير لغيبته أو عجزه أو موته أو تشريف المستخلف، وعلى هذا الوجه الأخير استخلاف الله أولياءه في الأرض كما قال: ﴿ليستخلفنهم في الأرض﴾ [النور: ٥٥]، وقوله: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفةً﴾ [البقرة: ٣٠] قيل: هو بمعنى فاعلٍ لأنه خليفة الله تعالى تشريفًا له بذلك أو لأنه خلف من كان قبله من جنٍّ إن صح؛ فالتاء فيه قياسٌ. وقيل: بمعنى مفعولٍ لأن الله تعالى استخلفه في أرضه؛ فالتاء فيه ليست بقياسٍ. وقيل: كالنطيحة والذبيحة. وقوله: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ [الأنعام: ١٦٥] جمع خليفةٍ نحو ظرائف وطريفةٍ. وخلفاء الأرض هو جمع خليفةٍ على معنى التذكير لا على اللفظ. والظاهر أنه جمع خليفٍ نحو ظريفٍ وظرفاء. والمخالفة: أن يأخذ كل واحدٍ طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو فعله. قال تعالى: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾

стр. 488

[هود: ٨٨]. قال الأزهري: سألت أعرابيًا عن صاحبٍ لنا على الماء فقال- خالفني- أي ورد- وأنا صادرٌ. فالمعنى: لست أنهاكم عن شيءٍ وأدخل فيه. وقوله: ﴿وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] أي بعدك فتجوز بالمكان عن الزمان. وقرئ: «خلافك». وقوله: ﴿بمقعدهم خلاف رسول الله﴾ [التوبة: ٨١] قيل: بمعنى خلفهم كما تقدم. وقيل: بمعنى مخالفته، قاله الأزهري وجوزه الراغب أيضًا في قوله: ﴿لا يلبثون خلافك﴾ وهو بعيد. قوله: ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ﴾ [الفائدة: ٣٣] أي تقطع اليد من شق اليمين، والرجل من شق اليسار. وقوله: ﴿فرح المخلفون﴾ [التوبة: ٨١] أي المتروكون خلفه. قوله: ﴿مع الخوالف﴾ [التوبة: ٨٧] يعني النساء والصبيان والشيوخ العاجزين، ووصفهم بذلك توبيخًا حيث اتصفوا بصفة المعجز. والخالف: المتخلف لنقصانٍ أو قصورٍ كالمتخلف. قال تعالى: ﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾ [التوبة: ٨٣]. والخالفة: عمود الخيمة المتأخر، ويكنى بها عن المرأة المتأخرة عن المرتجلين. وجمعها خوالف. ومنه كما تقدم ﴿مع الخوالف﴾. ولا يجوز أن تكون الخوالف جمعًا لخالفٍ وهو الرجل غير النجيب لأن فاعل الوصف لا يجمع على فواعل في العقلاء إلا ما شذ، من قولهم: فارس وفوارس وناكس ونواكس. ووجدت الحي خلوفًا أي تخلفت نساؤهم عن رجالهم. ونقل أبو عبيد أنه يقال: حيٌ خلوفٌ بمعنى أنهم غيبٌ ظاعنون، ذكره في باب الأضداد. والخلف أيضًا حد الفأس الذي يكون إلى جهة الخلف. وهو ما تخلف من الأضلاع إلى ما يلي البطن. وشجر الخلاف كأنه سمي بذلك لأنه يخلف فيما يظن أو لأنه يخالف يخالف مخبره منظره.

стр. 489

وقوله ﵊: «لخلوف فم الصائم» يريد تغيره، يروى بضم الخاء وهو أشهر وبفتحها وهو مصدرٌ. يقال: خلف فوه يخلف خلوفًا إذا تغير. وسئل أمير المؤمنين عن قبلة الصائم فقال: «وما أربك إلى خلوف فيها» ومنه «نومة الصبح مخلفةٌ للفم». قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ [هو: ١١٨ - ١١٩]، قال ابن عباس: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا، وفريقًا لا يرحم فيختلف. وقوله: ﴿اخلفني في قومي﴾ [الأعراف: ١٤٢] أي كن خليفتي فيهم. ولما كان الاختلاف بين الناس في القول يقتضي التنازع والجدال عبر به عن المنازعة والمجادلة. قال تعالى: ﴿فاختلف الأحزاب من بينهم﴾ [مريم: ٣٧]. قوله: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب﴾ [البقرة: ١٧٦] يجوز أن يكون من الخلاف نحو: كفيت بمعنى اكتفيت. وقيل: لأنهم أتوا فيه بخلاف ما أنزل الله. وقوله: ﴿لاختلفتم في الميعاد﴾ [الأنفال: ٤٢] يجور أن يكون من الخلاف أو من الخلف، والخلف: المخالفة في الوعد. يقال: أوعدني فأخلفني. وفي صفة المنافق: «إذا وعد أخلف». قال تعالى: ﴿ما أخلفنا موعدك﴾ [طه: ٨٧]. وأخلفت فلانًا: وجدته مخلفًا نحو: أحمدته. والإخلاف: أن يسقى واحدٌ بعد آخر. وأخلف الشجر: اخضر بعد سقوط ورقه. وأخلف الله عليك أي أعطاك خلف ما ذهب منك. وأخلفه عليك أي كان لك منه خليفةٌ. وأخلف الجمل: إذا زاد على سن البزول؛ يقال له: مخلف عامٍ أو عامين، وبازل عامٍ أو عامين، وليس له بعد البزول والإخلاف سن إلا بما ذكر. والخليفى: الخلافة؛ قال

стр. 490

عمر ﵁ «لولا الخليفى لأذنت» أي لولا شغلي بها، لا أن الأذان ينقصه كما يظن بعض الجهلة. والخلافة بالفتح: الجهل؛ يقال: ما أبين الخلافة في وجهه! وقوله: ﴿موعدًا لن تخلفه﴾ [طه: ٩٧] قرئ بفتح اللام أي لابد أن تجده لأنه حق، وبكسرها أي لا تجده مخلفًا نحو: لن أحمده، أي لن أجده محمودًا. وقال ﵊ في الكعبة: «ولجعلت لها خلفين» أي بابين. قال ابن الأعرابي: الخلف: المربد والخلف: الظهر. خ ل ق: قوله تعالى: ﴿خلقكم﴾ [البقرة: ٢١] أي اخترعكم وأوجدكم. وأصل الخلق التقدير المستقيم. ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ كقوله: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [التغابن: ٣] ومثله: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ [البقرة: ١١٧]. وإذا كان بمعنى الإبداع فهو يختص بالباري تعالى، ولذلك فرق بينه وبين غيره في قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧]. ويستعمل في إيجاد شيءٍ من شيءٍ. قال تعالى: ﴿خلقكم من نفسٍ واحدةٍ﴾ [النساء: ١]. وهذا النوع قد يقدر بعض خلقه عليه، كما أقدر عيسى ﵇ على خلق الخفاش من مادة الطين في قوله: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾ [المادة: ١١٠]. والخلق لا يطلق في الإنسان إلا بأحد معنيين: أحدهما التقدير كقوله: [من الكامل]

стр. 491

٤٦٣ - ولأنت تفري ما خلقت، وبعـ ... ـض القوم يخلق، ثم لا يفري يقال: خلقت الأديم أي قدرته، ولا يطلق ذلك عليه إلا بقيد نحو: فلانٌ يخلق الأديم. ولا يقال: يخلق إلا وهو خالقٌ. والثاني بمعنى الاختلاق وهو الكذب، قال تعالى: ﴿وتخلقون إفكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]. يقال: خلق علي واختلق. وقوله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] استدل به على جواز إطلاق على غير الله أي أحسن المقدرين. وقال الراغب: أو يكون على تقدير ما يعتقدون من أن غيره يبدع، كأنه قيل: إن ثم مبدعين. فالله تعالى أحسنهم إبداعًا وإيجادًا كقوله: ﴿أم جعلوا الله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم﴾ [الرعد: ١٦]. قلت: وقد أجيب بهذا في قوله: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا﴾ [الفرقان: ٢٤] أي أنكم معتقدون أن الكفار لا يعذبون، فعلى سبيل التنزيل يكون: هؤلاء خيرٌ من هؤلاء. قوله: ﴿فليغيرن خلق الله﴾ [النساء: ١١٩] أي ما يفعلونه من تشويهه بنتف اللحى والخصى وما يجري مجراهما. وقيل: حكم الله. وعن الحسن ومجاهدٍ: دين الله. وقوله: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠] أي لما قضاه وقلده. وقيل: هو بمعنى النهي كقوله لا تبدلوا خلقه أي لا تغيروه، وقد تقدم. وقوله: ﴿إلا خلق الأولين﴾ [الشعراء: ١٣٧] أي اختلاقهم وكذبهم. وقرئ بضمتين أي كعادة الأولين. قال الراغب: وكل موضعٍ استعمل فيه الخلق في وصف

стр. 492

الكلام فالمراد به الكذب. ومن هذا الوجه امتنع كثيرٌ من الناس من إطلاقه لفظ الخلق على القرآن، قلت: هذا يشعر بأن لا مانع من إطلاق الخلق على القرآن إلا ذلك، وليس الأمر كذلك بل القرآن كلامه غير مخلوقٍ لأدلةٍ دللنا لها في غير هذا الموضوع كـ «القول الوجيز» و «التفسير الكبير». وزعم أبو الحسن البصري أنه لا يطلق على الل تعالى، وهو سهوٌ فاحشٌ لأن القرآن يكذبه، وقد ذكرنا له بعض اعتذارٍ في الكتب المشار إليها. والخلق مصدرٌ يراد به المخلوق كقوله: ﴿هذا خلق الله﴾ [لقمان: ١١] مثل: درهم ضرب الأمير. والخلق والخلق بمعنى كالشرب والشرب والصرم والصرم، إلا أن الخلق اختص بالهيئات والصور والأشكال المدركة بالبصر. والخلق بالسجايا والقوى المدركة بالبصيرة. وقيدده بعضهم بالنصيب الوافر من الخير، كقوله تعالى: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠]. ومنه: ﴿فاستمتعوا بخلاقهم﴾ [التوبة: ٦٩] أي انتفعوا به. وقولهم: هو خليقٌ بكذا أي حقيقٌ به، كأنه مخلوقٌ فيه. ونحوه: هو مجبولٌ على كذا، ومدعو إليه من جهة خلقه. ويقال: خلق الثوب وأخلق إذا بلى فهو خلقٌ ومخلقٌ وأخلاقٌ كرمةٍ. قال الراغب: «وتصورر من خلوقة الثوب الملامسة فقيل: جبلٌ أخلق، وصخرة خلقاء، وخلقت الشيء: ملسته. واخلولقت السحابة منه أو من قولهم: هو خليقٌ بكذا. قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿من مضغة مخلقةٍ وغير مخلقةٍ﴾ [الحج: ٥] فالمخلقة: الملساء التي لم يبدأ فيها خلقٌ ولا تخطيطٌ، وغير مخلقةٍ: هي التي بدأ فيها ذلك. وهذا موافقٌ لما قاله الراغب وصرح به الزمخشري إلا أن غيرهما لم يوافقهما. قال الفراء: مخلقة: تام الخلق، وغير مخلقةٍ: السقط. وقال ابن الأعرابي: مخلقةٌ: قد بدأ خلقه، وغير مخلقةٍ: لم يصور بعد. والخليقة: الخلق. ومنه: هم شر الخليقة. والخليقة أيضًا بمعنى الخلق. قال زهيرٌ: [من الطويل] ٤٦٤ - ومهما يكن عند امرئٍ من خليقةٍ ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم

стр. 493

وتخلق بكذا أي أظهر خلاف خلقه نحو تحلم أي تكلف الحلم. ومنه الحديث: «من تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله». ومنه قول الشاعر هو سالم ابن وابصة: [من البسيط] ٤٥٦ - يا أيها المتخلي غير شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق والخلوق: ضربٌ من الطيب، هو زعفرانٌ يفخلط به طيبٌ غيره. خ ل ل: قوله تعالى: ﴿خلال الديار﴾ [الإسراء: ٥] خلال الديار أي وسطها. والخلال: جمعٌ واحد خللٌ نحو جبل جبال، وجمل جمال. والخلل: الفرجة بين الشيئين. قال الشاعر: [من الوافر] ٤٦٦ - أرى خلل الرماد وميض جمرٍ قوله: ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ [التوبة: ٤٧] أي: وسعوا بينكم ووسطكم بالنميمة والإفساد. وقال الزجاج: لأسرعوا فيما يخل بكم. وقوله: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [النور: ٤٣] أي من وسطه وقدحه. والخلال أيضًا: مفردٌ، وهو ما تخلل به الأسنان وغيرها. يقال: خل سنه وخل ثوبه بالخلا يخله، ولسان الفصيل بالخلا ليمنعه من الرضاع. وفي الحديث «خللوا أصابعكم». والخلل في الأمر: الوهن فيه تشبيهًا بالفرجة الواقعة بين الشيئين. وخل لحمه يخل خلًّا وخلالًا: إذا صار فيه خللٌ بالهزال. قال الشاعر: [من الرمل] ٤٦٧ - إن جسمي بعد خالي لخل

стр. 494

والخل: سمي بذلك لتخلل الحموضة إياه. والخلة: ما يغطى به جفن السيف لكونه في خلالها. والخلة: الحاجة، وقيل: الفقر. وفي الحديث: «لا هم ولا هم ساد الخلة» أي اللهم جابر الحاجة. وأصلها من الاختلال العارض للنفس؛ إما لشهوتها بشيءٍ أو لحاجتها إليه. والخلة: المودة؛ قال تعالى: ﴿ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وذلك إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس فتؤثر فيه بأثير السهم في الرمية حين يخلها أي يشك فيها كخلال الثوب، وإما لفرط الحاجة إليها. والخلال بمعناها؛ قال تعالى: ﴿لا بيعٌ فيه ولا خلالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]. يقال: خاللته خلالًا ومخالةً وخلةً. وقال كعبٌ ﵁: [من البسيط] ٤٦٨ - ويلمها خلةً! لو أنها صدقت ... موعدها، أو لو ان النصح مقبول فأطلق الخلة على المرأة تجوزًا نحو: عدل. قوله: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي مخصصًا بمحبته. يقال: دعا فخلل وعمم، أي فخصص. والخليل في غير هذا قيل: لأن كلًّا من المتخالين يدخل في خلل الآخر ظاهرًا وباطنًا على التوسع، تصورًا أن كلًا منهما امتزج بالآخر لصدق تخالهما؛ فهو فعيلٌ بمعنى الفاعل أو المفعول. وقيل: سمي خليله لافتقاره وحاجته إليه؛ الافتقار المشار إليه بقوله: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص: ٢٤]. وعلى هذا قيل: اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك. وقيل: سمي خليلًا من الخلة. وهو المودة قال الراغب: واستعمالها فيه كاستعمال المحبة فيه، يعني أنه كما جاز أن تسند المحبة إلى الباري تعالى، فيوصف تارةً بأنه محبًّ لعبيده، وتارةً بأنه محبوبٌ لهم كقوله تعالى: ﴿يحبهم

стр. 495

ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] على معنىً يليق به فكذلك الخلة. وقال أبو القاسم البلخي: هو من الخلة لا من الخلة. ومن قاسه بالحبيب فقد أخطأ، لأن الله يجوز أن يحب عبده، لأن المحبة منه الثناء. ولا يجوز أن يخاله. قال الراغب: وهذا منه تشبيهٌ فإن الخلة من تخلل الود نفسه ومخالطته كما قال الشاعر: [من الخفيف] ٤٦٩ - قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلًا ولهذا يقال: تمازج روحانا، والمحبة: البلوغ بالود إلى حبة القلب من قولهم: حببته إذا أصبت حبة قلبه. ولكن إذا استعملت المحبة في الله فالمراد مجرد الاختيار وكذا الخلة، فإن جاز في أحد اللفظين جاز في الآخر؛ فأما أن يراد بالحب حبة القلب، وبالخلة التخلل فحاشا لله أن يراد فيه ذلك. وقوله: ﴿لا بيعٌ فيه ولا خلةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] أي لا يمكن في القيامة ابتياع حسنةٍ ولا اجتلابها بمودةً، وذلك إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. وقوله: ﴿لا بيع فيه ولا خلالٌ﴾ فقد قيل: هو مصدر من خاللت. وقيل: هو جمعٌ. يقال: خليلٌ وأخلةٌ وخلالٌ، والمعنى كالأول، وفي الحديث: «أتي بفصيلٍ مخلولٍ» قيل: مهزول، وقال شمر: جعل على أنفه خلالٌ لئلا يرضع. والمخلول: السمين. والهزيل يقال فيه: خلًّ ومختلًّ وهذا موافقٌ لما قدمناه. خ ل و: قوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ [البقرة: ١٤] أي انفردوا معهم. وإنما عدي بإلى لأنه ضمن بمعنى انتهى، كأنه قيل: انتهوا إليهم في خلاءٍ. وقال بعضهم: إلى بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]. وقيل: يقال: خلوت به أي انفردت أو استهزأت. فلما كان في اليابس أتي بإلى. وقال الهروي: خلوت به وإليه ومعه
следующие страницы →