Полный текст (1 752 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فصل الدال والراء
د ر ي:
مداراة الناس: أن تلاينهم ولا تنفرهم، وأصله من دريت الصيد: إذا أسرعت عنه بشيءٍ لترميه لئلا يفر. قيل: والدراية: المعرفة المدركة بضربٍ من الختل؛ يقال: دريته ودريت به نحو فطنته وشعرت به. وادري: افتعل، من ذلك. قال: [من الوافر]
٤٨٧ - وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
والدريئة: لما يتعلم عليه الطعن. والدريئة أيضًا: ناقة يرسلها الصائد ليتأنس بها الصيد فيرميه. والمدري لقرن الشاة والثور لما فيه من دفع من يعدو عليهما وقتله. ومنه استعير المدرى لعودٍ تصلح به الماشطة شعر العروس. قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٤٨٨ - غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل
المداري: جمع مدرى.
ولا تستعمل الدراية في الله تعالى، كما لا يجوز ذلك في العرفان، لما بيناه في غير هذا الكتاب، ولما سيأتي في مادة العين إن شاء الله تعالى. فأما قوله: [من الرجز]
٤٨٩ - لا هم لا أدري وأنت الداري
قال الراغب: فمن تعجرف أجلاف العرب. قلت: ومثله قول الآخر: [من الطويل]
٤٩٠ - فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا ... عشية آناء الديار وشامها
стр. 527
قيل: وكل موضعٍ ورد في القرآن بلفظ "وما أدراك" فإنه وقع بعده بيانه نحو:﴾ وما أدراك ماهيه، نار حاميةٍ ﴿[القارعة: ١٠ - ١١]. وكل موضع لفظ فيه "وما يدريك" لم يعقبه بذلك نحو:﴾ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴿[الشورى: ١٧].
فصل الدال والسين
د س ر:
قوله تعالى:﴾ وحملناه على ذات ألواحٍ وسرٍ ﴿[القمر: ١٣]؛ قيل: الدسر: المسامير، الواحد دسار. وقال الراغب: دسر، يقال: دسرت الشيء أي دفعته. وأصل الدسر: الدفع الشديد. ودسرت المسمار من ذلك. وقال عمرو بن أحمر: [من الرجز]
٤٩١ - ضربا هذا ذيك وطعنًا مدسرا
وفي حديث عمر ﵁: "فيدسر كما يدسر الجزور". وسئل ابن عباسٍ عن زكاة العنبر فقال: "شيء دسره البحر". وسأل الحجاج سنانًا - لعنه الله - قاتل الحسين ﵁ وأرضاه: "أنت قتلت الحسين؟ قال: نعم هبرته بالسيف هبرًا ودسرته بالرمح دسرًا" قيل: دفعته دفعًا عنيفًا، وقيل: سمرته به كما يسمر بالدسار.
وقال الحسن: الدسر: صدر السفينة لأنها تدسر الماء أي تدفعه بصدرها. وقيل: هي أضلاعها. وقيل: شرطها التي تشد بها كما تشد بالمسامير. وقيل: أصلها وطرفاها.
وقال الهروي: قيل: هي خرز السفينة، وقيل هي السفن أنفسها وليس بظاهرٍ.
стр. 528
د س س:
قوله تعالى:﴾ أم يدسه في التراب ﴿[النحل: ٥٩]. الدس: الإدخال في الشيء بنوعٍ من الإكراه، ويعبر به عن الإخفاء أيضًا. وقيل في المثل: "ليس الهناء بالدس". يقال دس البعير بالهناء.
قوله تعالى:﴾ وقد خاب من دساها ﴿[الشمس: ١٠] من ذلك، والأصل دسسها بمعنى أحملها وأخفاها عن حظها الوافر. وكل شيءٍ أخفيته وقللته فقد دسته، وهل الفاعل ضمير من؟ أي: من أخمل نفسه وتعاطى ما أخملها به، أو الله تعالى لأنه يفعل ما يشاء؟ قولان شهيران. وإنما أبدل من أحد الأمثال جزء لين تخفيفًا نحو: قضيت أظفاري: [من الرجز]
٤٩٢ - تقضي البازي إذا البازي كسر
فصل الدال والعين
د ع ع:
قوله تعالى:﴾ فذلك الذي يدع اليتيم ﴿[الماعون: ٢]، أي يدفعه في صدره بعنفٍ. والدع: الدفع الشديد، ومنه أيضًا:﴾ يوم يدعون إلى نار جهنم دعًا ﴿[الطور: ١٣]. قال الراغب: وأصله أن يقال للعاثر: دع دع، كما يقال له: لعًا. قلت: لو كان كما قال لقيل: يدعدعون ويدعدع، هذا من جهة اللفظ. وأما من جهة المعنى فلا يصح أيضًا.
د ع و:
قوله تعالى:﴾ دعوا الله ﴿[يونس: ٢٢]، أي استغاثوا به. قيل: والدعاء كالنداء
стр. 529
إلا أن النداء قد يقال إذا قيل: "يا" و "أيا"، وإن لم يضم معه اسم. والدعاء لا يكاد يقال إلا ومعه اسم المدعو نحو: يا فلان. وقد يقع كل منهما موقع الآخر، ويستعمل استعمال التسمية فيتعدى تعديتها لاثنين إلى ثانيها بجزء الجزء. قال الشاعر: [من الطويل]
٤٩٣ - دعتني أخاها أم عمروٍ ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الفعل ما لا يفعل الأخوان
قوله تعالى:﴾ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا ﴿[النور: ٦٣] قيل: يجوز أن يكون من معنى التسمية أي لا تخاطبوه باسمه فتقولون: يا محمد، كما يقول أحدكم للآخر، ولكن قولوا كما خاطبه الله تعالى بقوله:﴾ يا أيها النبي ﴿﴾ يا أيها الرسول ﴿. وقيل لا تدعوه برفع الصوت كما ترفعونه على بعضكم، فهو في معنى قوله:﴾ ولا تجهروا له بالقول ﴿[الحجرات: ٢].
وقيل: لا تجعلوه كواحدٍ منكم في الأمر والنهي إذا أمر أحدكم أجاب إن شاء، ولم يجب إن شاء. وكذا إذا نهي، يجب عليكم أمره ونهيه بدليل قوله:﴾ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ﴿[النور: ٦٣].
ويعبر به عن السؤال وعن الاستعانة، ومنه: "دعوا الله" أي سألوه حوائجهم واستعانوه عليها. قوله:﴾ ضل من تدعون إلا إياه ﴿[الإسراء: ٦٧] تنبيه على أنهم إذا دهمتهم شدة لم يلهجوا إلا باسمه، ولم يخطر ببالهم غيره مما كانوا يعبدونه في الرخاء من الأصنام ونحوها. قوله﴾ دعوا هنالك ثبورًا ﴿[الفرقان: ١٣] أي نادوا الهلاك واستغاثوا به؛ يقولون: يا هلاك هذا حينك. وهو مجاز وقيل قولهم: يا حسرتاه، والهفاه، ونحو ذلك. قوله:﴾ فما كان دعواهم ﴿[الأعراف: ٥] الدعوى بمعنى الأدعاء قاله الأزهري. ويكون بمعنى الدعاء؛ قال تعالى:﴾ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴿[يونس: ١٠]. قوله:﴾ له دعوة الحق ﴿[الرعد: ١٤] قيل: شهادة أن لا إله إلا الله. قوله:﴾ وادعوا شهداءكم ﴿[البقرة: ٢٣] أي استغيثوا بهم. قوله: ﴿وإن
стр. 530
تدع مثقلةً﴾ [فاطر: ١٨] أي إذا استغاثت نفس مثقلة بذنوبها نفسًا أخرى، كأمها وأبيها، إلى حمل ذنوبها لم تجب إلى ذلك. قوله:﴾ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴿[يونس: ١٠]. قال ابن عباسٍ: إذا اشتهى أهل الجنة شيئًا قالوا: سبحانك اللهم، فيجيئهم ما يشتهون. فإذا طعموا مما آتاهم الله تعالى قالوا: الحمد لله رب العالمين؛ وذلك قوله:﴾ وآخر دعواهم ﴿[يونس: ١٠] الآية.
قوله:﴾ ولهم ما يدعون ﴿[يس: ٥٧] أي يتمنون، يقال: ادع علي ما شئتٍ. وقوله:﴾ هذا الذي كنتم به تدعون ﴿[الملك: ٢٧] أي تتمنون محبته، استهزاًء. وهو معنى قول من قال: تستبطئون. قوله:﴾ تدعو من أدبر ﴿[المعارج: ١٧] قال ثعلب: تنادي الكافر باسمه، واستشهد بحديث ابن عباسٍ في ذلك وقال: يعذب بإجلاله. عن النضر بن شميل، عن الخليل قيل: إنه كان يعتقد أن جهنم لا تتكلم. وحكى الخليل عن أحد رجلين من العرب قال للآخر: دعاك الله، أي عذبك، وقيل: معناه أماتك ف لاحجة فيه.
وقيل: دعهم، فعلت الأفاعيل. والعرب تقول: دعانا غيث وقع بناحية كذا، أي كان سببًا في انتجاعنا؛ قال ذو الرمة: [من البسيط]
٤٩٤ - أمسى بوهبين مجتازًا لمرتعه ... من ذي الفوارس يدعو أنفه الريب
وقال أيضًا: [من الطويل]
٤٩٥ - دعت مية الأعداد واستبدلت بها ... خناطيل آجالٍ من العين خذل
وما دعاك إلى كذا، أي حملك عليه وجرك إليه.
стр. 531
قوله: ﴿أن دعوا للرحمن ولدًا﴾ [مريم: ٩١] أي جعلوا وسموا. قال ابن أحمر يصف عينه حين أصابها سهم: [من البسيط]
٤٩٦ - أهوى لها مشقصًا حشرًا فشبرقها ... قد كنت أدعو قذاها الإثمد القردا
أي أجعل وأسمي.
والدعاء: العبادة أيضًا؛ كذلك سماه رسول الله ﷺ ، ومنه قوله:﴾ لن ندعو من دونه إلهًا ﴿[الكهف: ١٤] أي لن نعبد،﴾ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴿[غافر: ٦٠] أي اعبدوني بدليل﴾ الذين يستكبرون عن عبادتي ﴿[غافر: ٦٠]﴾ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴿[مريم: ٤٨] أي تعبدون. قوله:﴾ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴿[الأحزاب: ٤]؛ الأدعياء جمع دعي: الذي تبناه رجل دعاه وابنه كقصة زيد بن حارثة لما تزوج رسول الله ﷺ امرأته زينب، فقال المشركون والمنافقون: كيف تزوج امرأة ابنه؟ فنفى الله ذلك عنه ﷺ .
وفي الحديث: إن الله بنى دارًا واتخذ مأدبًة ودعا الناس إليها، هو من الدعوة وهي الدعاء إلى الوليمة. وقال ﵊ للحالب: "دع داعي اللبن" هذا مثل، وذلك أنه أمر الذي يحلب أن يبقي في الضرع قليل بنٍ؛ فإنه إذا أبقى فيه ذلك استدعى ذلك القليل بقية اللبن في الضرع، وإذا استقصاه كله أبطأ في دره. فعبر عنه ﷺ بهذه العبارة اللطيفة والاستعارة البديعة.
قوله:﴾ يا موسى ادع لنا ربك ﴿[الأعراف: ١٣٤] أي سل. والدعاء قد يعبر به
стр. 532
عن الحث على قصد الشيء، وعليه قوله: [من الطويل]
٤٩٧ - دعاني إليها القلب أني أحبها
وقوله:﴾ ليس له دعوة في الدنيا ﴿[غافر: ٤٣] أي رفعة وتنويه عكس من قال في حقه:﴾ وتركنا عليه في الآخرين ﴿[الصافات: ٧٨] لما سأل ربه وقال:﴾ اجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين ﴿[الشعراء: ٨٤].
والدعوة: بالكسر مختصة بادعاء النسب، وهي الحالة التي عليها الإنسان من الدعوى. والدعوة: بالفتح بمعنى الدعاء والسؤال. والدعوة: بالضم الوليمة. والادعاء: أن يدعى شيئًا له. أو أنه من بني فلان كقوله: [من البسيط]
٤٩٨ - إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍ ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
والإدعاء في الحرب: الاعتزاء إليه من ذلك، ولذلك قيل: هو ابن الحرب، لمن يلازمها. والدعوة: الأذان، ومنه قوله تعالى:﴾ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴿[فصلت: ٣٣]. قالت عائشة: هم المؤذنون. وفي الحديث: "الخلافة في قريشٍ والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة" أي الأذان لأجل بلالٍ ﵁.
فصل الدال والفاء
د ف أ:
قوله تعالى:﴾ لكم فيها دفء ومنافع ﴿[النحل: ٥] الدفء: اسم لما يدفأ به من البرد، وأشار بذلك إلى ما يتخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها من الأخبية والجباب
стр. 533
والأكسية ونحوها مما يمنع من البرد. وعبر الراغب بالدفء عما يدفئ، فعلا بمعنى فاعلٍ، والأولى ما قدمته؛ فإن فعلاً كثر بمعنى المفعول نحو ذبحٍ وطحنٍ. وعن ابن عباسٍ: إن "الدفء" نسل كل دابةٍ.
وعن الأموي: الدفء عند العرب نتائج الإبل والانتفاع بها، وفي الحديث: "لنا من دفئهم وصرامهم" أي من إبلهم وغنمهم. قال الهروي: وقد سماها "دفء" لأنه يتخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها ما يدفأ به. وقد صرح الفراء بما قدمته فقال: والدفء ما يستدفأ بأصوافها. ويقال: دفئ الرجل فهو دفىن. وتدفأ بالمكان. ودفؤ الزمان فهو دفيء.
وفي الحديث: "أنه أتي باسيرٍ توعك، فقال: "أدفوه" يريد: ادفئوه، ففهموا عنه القتل فقتلوه. فوداه رسول الله ﷺ ، وذلك إنما قال: أدفوه بغير همز لأنه ليس من لغته الهمز، قال الهروي. ثم قال: ولو أراد القتل لقال دافوه أو دافوه، يقال: داففت الأسير ودافيته: أي أجهزت عليه.
والدفأ: الانحناء؛ يقال منه: رجل أدفأ وامرأة دفأى. وفي حديث الدجال. "فيه دفأ".
د ف ع:
قوله تعالى:﴾ ولولا دفع الله الناس ﴿[البقرة: ٢٥١] الدفع إن عدي بإلى فمعناه الإنالة، كقوله:﴾ فادفعوا إليهم أموالهم ﴿[النساء: ٦]. وإن عدي بعن فمعناه الحماية كقوله:﴾ إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴿[الحج: ٣٨]، قبوله: ﴿ما له من دافعٍ﴾
стр. 534
[الطور: ٨] أي مانعٍ وحامٍ. وقرئ: ﴿دفع الله ﴿و﴾ دفاع الله ﴿تنبيهًا على المبالغة في الدفع عن خلقه فأبرزه في صورة المفاعلة. والمدفع: ما يدفعه كل أحدٍ. والدفعة من المطر. والدفاع من السيل.
د ف ق:
قوله تعالى:﴾ ماءٍ دافقٍ ﴿[الطارق: ٦] يريد المني الذي يخلق منه الإنسان. والدفق: السيلان بسرعةٍ. ودافق: بمعنى دفقٍ كلا بنٍ وتامرٍ. وهذا أحسن من قول من يقول فاعلٍ بمعنى مفعولٍ كعكسه نحو:﴾ حجابًا مستورًا ﴿[الإسراء: ٤٥] أي ساترًا. واستعير من الدفق: نفر أدفق أي سريع. ومشوا دفقى أي مسرعين. وقال الراغب: مشوا دفقًا، والصواب الأول. وتدفق الماء يتدفق أي فاض من جوانب ما هو فيه.
فصل الدال والكاف
د كـ كـ:
قوله تعالى:﴾ إذا دكت الأرض ﴿[الفجر: ٢١] أي جعلت مستويًة لا أكمة فيها ولا جبل كقوله:﴾ لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا ﴿[طه: ١٠٧]. ومنه: ناقة دكاء أي لا سنام لها. قوله:﴾ دكًا دكًا ﴿[الفجر: ٢١] أي دكًا بعد دك. وقيل: الثاني تأكيد لفظي. قوله:﴾ جعله دكًا ﴿[الأعراف: ١٤٣] قرئ "دكًا" مقصورًا وممدودًا؛ فالأول إذا دك. والثاني: على معنى مثل ناقةٍ دكاء أي ملتصقًا بالأرض.
وقيل: الدك: الدق. دككته أي دققته. وقيل: الأرض السهلة يقال لها: دك. فقوله:﴾ دكت الأرض ﴿أي جعلت بمنزلة أرضٍ سهلةٍ لينةٍ بعد أن كانت ذات جبالٍ وأكامٍ. ومنه الدكان. والدكداك: الرملة اللينة. وأرض دكاء مسواة، وشبهت بها الناقة
стр. 535
التي لا سنام لها؛ فقيل: ناقة دكاء، وجمعها دك.
فصل الدال واللام
د ل ك:
قوله تعالى:﴾ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴿[الإسراء: ٧٨] الدلوك: الزوال، وهو ميلها عن الاستواء إلى الغروب قال الراغب: وهو من قولهم: دلكت الشمس: دفعتها بالراح. ومنه دلكت الشيء في الراحة. ودالكت الرجل: ماطلته. ومنه حديث الحسن، سئل "أيدالك الرجل أهل؟ " أي يماطلهم بالمهر. وكل مماطلٍ: مدالك.
والدلوك: ما دلكته من طيبٍ. وفي حديث عمر كتب إلى خالدٍ أنه "بلغني أنه أعد لك دلوك - يعني - عجن بتمرٍ". والدليك: "طعام يتخذ من الزبد والتمر لأنه يدلك باليد كقولهم: لبكته؛ قال الشاعر: [من الوافر]
٤٩٩ - إلى ردحٍ من الشيزى ملاءٍ ... لباب البر يلبك بالشهاد
وعن ابن عباس: دلوكها - يعني الشمس - زوالها وقت الأولى في هذه الآية. والدلك: العشي، قاله ثعلب. وأنشد لذي الرمة: [من الرجز]
٥٠٠ - وقد أرتنا حسنها ذات المسك ... تعرض الجوزاء في جنح الدلك
د ل ل:
قوله تعالى:﴾ ما دلهم على موته ﴿[سبأ: ١٤] أي عرفهم. وأصل الدلالة: ما يتوصل به إلى معرفة الشيء كدلالة اللفظ على معناه وكدلالة الإشارة والرمز والكتابة والعقود في الحساب. وسواء في ذلك قصد الدلالة من فاعلها أم لا. ومنه ﴿ما دلهم على
стр. 536
موته﴾ لأن الأرضة لم تقصد ذلك، ويرى الواحد حركة آخر فيستدل على حياته.
والدال: من حصل منه الدلالة؛ ويقال له دليل أيضًا والدليل: ما به الدلالة ونفس الدلالة أيضًا. وقد تطلق الدلالة أيضًا على الدال. والدلالة في الأصل مصدر وفي دالها الفتح والكسر كالولاية والأمارة.
وفي الحديث: "يخرجون - يعني أصحابه ﵊ من عنده أدلًة" جمع دليلٍ نحو: شحيحٍ وأشحة، يعني يدلون عليه غيرهم.
والدل: حسن الهيئة والحديث. ومنه: "يعجبني دلها". ومنه: هي تدل عليه أي تتجرأ عليه بسبب دلها. وتدللت عليه تتدلل. ولفلانٍ عليك دالة وتدلل وإدلال ودلال فهو مدل من ذلك.
د ل و:
قوله تعالى:﴾ فأدلى دلوه ﴿[يوسف: ١٩] أي أرسل الدلو. يقال: أدلى الدلو أي أرسلها فدلأها أي أخرجها ملأى. وقال الراغب: دلوت الدلو. يقال: إذا أرسلتها. وأدليتها: أخرجتها. وقيل يكون بمعنى أرسلتها. واستعير للتوصل إلى الشيء. قال الشاعر: [من الوافر]
٥٠١ - وليس الرزق عن طلبٍ حثيثٍ ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
وبهذا النحو: سمي الوسيلة المائح. قال الشاعر: [من الطويل]
٥٠٢ - ولي مائح قد يورد الناس قبله ... معل وأشطان الطوي كثير
والدلو العظيمة يقال لها: ذنوب إذا كانت ملأى ويقال لها: غرب أيضًا، ويعبر بها عن النصيب كقوله تعالى:﴾ فإن للذين ظلموا ذنوبًا ﴿[الذاريات: ٥٩]. ويجمع على
стр. 537
أدل في القلة ودلي في الكثرة والأصل: أدلو ودلو؛ فاعل كما ترى. ويجوز في دال دلي الضم والكسر نحو عصي. قوله:﴾ فدلاهما ﴿[الأعراف: ٢٢] أي أهبطهما من السماء إلى الأرض وأطمعهما. قال الأزهري: أصله أن يتدلى الرجل في البئر ليروى من عطشه فلا يجد فيها ماًء، فهذا تدليه بغرورٍ أي بخديعةٍ، ثم جعل هذا مثلاً في الدنو من كل شيءٍ لا يجدي نفعًا. وقيل: قربهما من المعصية بغرور إياهما. وقيل: الأصل فدللهما، من الدال والدالة: وهو الجرأة من تدلل المرأة كما تقدم قاله الهروي. قلت: فأبدلت اللام الأخيرة حرف علة لتوالى الأمثال نحو: تطيبت ودساها كما مر.
قوله:﴾ فتدلى ﴿[النجم: ٨] أي قرب. والتدلي والدنو متقاربان إلا أن التدلي من علو إلى سفلٍ، والدنو أعم. فمن جمع بينهما في قوله:﴾ دنا فتدلى ﴿فالمراد جبريلٍ. قوله:﴾ وتدلوا بها إلى الحكام ﴿[البقرة: ١٨٨] أي تقطعوها، وعبر عنها بالإدلاء تشبهًا بإرسال الدلو. وحذف النون يجوز أن يكون لكونه مجزومًا عطف على النهي، ألا ولا تدلوا. أو منصوبًا بعد واو مع جوابه أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، وقد حققناه في غير هذا. والمعنى لا تعطوا الحكام الرشوة ليغيروا حكم الله فإن حكمهم لا يحرم حلالاً ولا يحلل حرامًا. وقال عمر في استسقائه: "وقد دلونا به" أي بالعباس، أي توسلنا وهتفنا، وهو من الدلو. وفي الحديث: "الدوالي" هي جمع دالية وهي قنو البسر يعلق في البيت. والأصل: دالوت ودلوت الدابة.
قال الشاعر: [من الرجز]
٥٠٣ - لا تنزعاها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
فصل الدال والميم
د م ر:
قوله تعالى:﴾ ودمرنا ﴿[الأعراف: ١٣٧] أي أهلكنا. وأصل التدمير إدخال
стр. 538
الهلاك على المهلك. يقال: دمر القوم يدمرون دمورًا ودمارًا أي هلكوا بدخول الهلاك عليهم. يقال: دمر أي دخل، ومنه الحديث: "من اطلع في بيت قومٍ بغير إذنهم فقد دمر" أي دخل. ودمر ودمق واحدٌ، والتضعيف فيه للتعدية؛ قوله:﴾ دمر الله عليهم ﴿[محمد: ١٠] مفعوله مقدر أي دمر عليهم بلادهم وأهليهم.
د م ع:
قول تعالى:﴾ أعينهم تفيض من الدمع ﴿[المائدة: ٨٣] ما يسيل من الماء من العين عند بكاءٍ أو حزنٍ أو نحو ذلك. وقد بينًا فائدة قوله:﴾ من الدمع ﴿، ولم يقل: يفيض دمعها، في غير هذا الموضوع. والدمع أيضًا مصدر دمعت عينه تدمع دمعًا ودمعانًا. والدامعة أيضًا شجة يسيل منها دم قليل تشبيهًا بذلك. والجمع أدمع في القلة، ودموع في الكثرة. والمدمع: مكان الدمع، ويكون مصدرًا أيضًا كالمضرب والمقتل، والجمع مدامع. وثرى دامع: ندٍ. ودماع الكرم: ما يجري منه عند قطعه.
د م غ:
قوله تعالى:﴾ فيدمغه ﴿[الأنبياء: ١٨] أي فيبطله. وأصله من: دمغت الرجل أدمغه أي كسرت دماغه: أصبته، نحو ركبته وفأدته أي ضربت ركبته وفؤاده، فاستعير لذلك لإبطال الحق الباطل، ومنه: ححثه دامغة أي تكسر دماغ مخالفها. ومنه: الصجة الدامغة وهي التي تبلغ الدماغ. فالشجة! دامعة ودامغة - بالمهملة والمعجمة كما تقدم -. وقال علي ﵁ في صفته ﵊: "دامغ جيشات الأباطيل". يقال: دمغه يدمغه دمغًا.
د م د م:
قوله تعالى:﴾ فدمدم عليهم ربهم ﴿[الشمس: ١٤] أي أطبق عليهم العذاب.
стр. 539
وأصله دمم بثلاث ميماتٍ، فأبدل الوسطى من جنس الفاء نحو كفكف ولملم، الأصل كفف ولمم، وهذا رأي الكوفيين. يقال دممت على الشيء: أطبقت عليه. ودممت العز. فإذا كررت الإطباق قلت: دمدمت عليه. وناقة مدمومة: ألبسها الشحم، وبعير مدموم بالشحم. والدمام: ما يطلى به. والدممة: جحر اليربوع. وقيل: الدمدمة: الإهلاك والإزعاج. وقيل: حكاية صوت الهرة التي أخذتهم. ومنه دمدم في كلامه، ودمدمت الثوب. ودممته: طليته بصبغٍ. والدمام: ما يطلى به كما تقدم، وقال الفراء: الدمدمة والدمدام: الهلاك: والديمومة: المفازة.
د م م:
قوله تعالى:﴾ والدم ﴿[البقرة: ١٧٣]. والدم: معروف، وفي لامه قولان أشهرهما أنها بواوٍ بدليل دموي في النسب ودموين في التثنية. وقيل: دميان، وأنشد: [من الوافر]
٥٠٤ - فلو أنا على حجرٍ ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين
وقد يقصر كعصًا، وأنشد: [من الرمل]
٥٠٥ - غفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هي بعظامٍ ودما
وقد تشدد ميمه، وأنشد: [من البسيط]
٥٠٦ - أهان دمك فرغًا بعد عزته ... يا عمرو بغيك إضرارًا على الجسد
قوله:﴾ أو دمًا مسفوحًا ﴿[الأنعام: ١٤٥] أي مصبوبًا صرفًا، يجوز عما في العروق.
стр. 540
وفرس مدمي: أي شديد الشقرة تشبيهًا بلون الدم، أنشد: [من الطويل]
٥٠٧ - وكمتًا مدماًة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
وفي الحديث: "هذا سهم مدمى"، والمدمى من السهام ما رمي به مرًة بعد أخرى. وكل ما فيه سواد وحمرة فهو مدمى. وأما مادة دم ي فهي إحدى اللغتين في دم وقد تقدم القول فيه. والدمية: الصورة من المرمر أو الرخام، وأنشد: [من السريع]
٥٠٨ - ياد ميًة في مرمرٍ صورت ... أو طينًة في خمر عاطف
أحسن منها يوم قالت لنا ... والدمع من مقلتها واكف
لأنت أحلى من لذيذ الكرى ... ومن أمانٍ ناله خائف
وفي صفته ﵊: "كأن عنقه جيد دميةٍ".
فصل الدال والنون
د ن ر:
قوله تعالى:﴾ تأمنه بدينارٍ ﴿[آل عمران: ٧٥] والدينار معروف، وغلب على ما وزنه مشقال، وإن كان قد يطلق على الناقص عنه إذا كان بصورته. وأصله دنار بنونٍ مشددةٍ فاستثقل فأبدلت الأولى بحركةٍ تجانس حركة ما قبلها. ويدل على ذلك قولهم في الجمع دنانير، فعادت النون. ومثله قيراط وديوان، الأصل دوان وقراط، بدليل دواوين وقراريط، وأنشدني بعضهم: [من البسيط]
٥٠٩ - النار آخر دينارٍ نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما، ما لم يكن ورعًا، ... معذب القلب بين الهم والنار
قال الراغب: قيل: أصله بالفارسية دين آر أي الشريعة جاءت به.
стр. 541
د ن ي:
قوله تعالى:﴾ ثم دنا ﴿[النجم: ٨] أي قرب. يقال: دنا يدنو دنوًا. ويكون تارًة بالذات كقوله تعالى:﴾ قنوان دانية ﴿[الأنعام: ٩٩] أي قريبة التناول سهلته أو متدلية لثقلها بالثمرة. وتارًة بالحكم كقوله:﴾ دنا فتدلى ﴿أي جعلنا ذلك كنايًة عن قرب رحمته وإنعامه على عبده. ويجوز أن يكون ذلك بالذات إن جعلنا ضمير الفاعل لجبريل أو محمدٍ ﷺ . وقوله:﴾ أو أدنى ﴿[النجم: ٩] أي أردأ. وقيل: إنه مقلوب من أدون، من الدون وهو الرديء.
واعلم أن أدنى يطلق ويراد به الأصغر فيقابل بالأكبر نحو: ابنك أدنى منك. وتارًة يراد به الأقل فيقابل بالأكبر نحو:﴾ ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ﴿[المجادلة: ٧]. وتارًة يراد به الأرذل فيقابل بالخير نحو:﴾ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴿[البقرة: ٦١]. وتارًة يراد به الأول، ومن ذلك مقابلة مؤنثه بالآخرة نحو: الدنيا والآخرة ومنه:﴾ خسر الدنيا والآخرة ﴿[الحج: ١١]. وتارًة يراد به الأقرب فيقابل بالأقصى كقوله تعالى في مؤنثه:﴾ إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ﴿[الأنفال: ٤٢].
والدنيا: مؤنثة تجمع على الدنى نحو الكبر والفضل. ولا يستعمل إلا بأل غالبًا، وقد تحذف كقوله: [من الرجز]
٥١٠ - في سعى دنيا طالما قد مدت
وذلك لجريانها مجرى الجوامد. وقوله:﴾ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة ﴿[المائدة: ١٠٨] أي أقرب لتقريبهم لتحري العدالة في إقامة الشهادة. قوله:﴾ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ﴿[البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠] متناول للأحوال التي في النشأة
стр. 542
الأولى وما يكون في النشأة الآخرة. وخص الدنيء بالحقير القدر ويقابل به السيد. وتأنيت بين الأمرين. وأدنيت أحدهما من الآخر. وما روي: "إذا أكلتم فدنوا" أي فقربوا أكلكم مما يليكم. قوله:﴾ وجنى الجنتين دانٍ ﴿[الرحمن: ٥٤] أي قريب التناول قد تدلى لجانيه: قوله:﴾ في أدنى الأرض ﴿[الروم: ٣] أي أقربها إلى بلاد العرب. يريد أرض الشام. قوله:﴾ يدنين عليهن من جلابيبهن ﴿[الأحزاب: ٥٩] أي يقربنها للتغطية والتستر بها ليعرفن أنهن حرائر. قوله:﴾ إنا زينا السماء الدنيا ﴿[الصافات: ٦] أي القريبة من أهل الأرض. والدنيء كالدني وهو الخسيس.
فصل الدال والهاء
د هـ ر:
قوله تعالى:﴾ وما يهلكنا إلا الدهر ﴿[الجاثية: ٢٤] أي إلا مرور الزمان لا ما يقوله الأنبياء. وكان القوم أجهل من ذلك. والدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبتداه إلى انقضائه. قال الراغب: ومنه قوله تعالى:﴾ هل أتى على الإنسان حين من الدهر ﴿[الإنسان: ١]. وقد يعبر به عن المدة القليلة والكثيرة. ودهر فلانٍ: مدة حياته. واستعير للمدة الباقية مدة الحياة فقيل: ما دهري بكذا.
وحكي الخليلٍ: دهرت فلانًا نائبة دهرًا، أي نزلت به. فالدهر هنا مصدر. وفي معناه: دهدره دهدرًة، ودهر داهر ودهير. وقوله ﵊: "لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله" تأوله على ما قال أبو عبيد أن العرب كانت تنسب الحوادث إلى الدهر فيقولون: أهلكه الدهر، وأصابتهم قوارع الدهر. فأخبرهم النبي ﷺ أن الذي يفعل
стр. 543
ذلك بهم في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا سبوا الدهر معتقدين أنه فاعل ذلك فإنما سبوا الله تعالى. وقال آخرون: الدهر الثاني مصدر واقع موقع الفاعل. والتقدير: فالدهر أي مدبر الأمور ومصرفها، وموقع الحوادث في الدهر، ومفيض النعم فيها هو الله تعالى. والأول أولى.
د هـ ق:
قوله:﴾ وكأسًا دهاقًا ﴿[النبأ: ٣٤] أي ملأى؛ يقال: دهقت الكأس دهقًا ودهاقًا أي ملأتها. قاله الحسن، وقال مجاهد: متتابعًا، والأول أشهر. ويقال: أدهقته أيضًا فدهق.
د هـ م:
قوله تعالى:﴾ مدهامتان ﴿[الرحمن: ٦٤] أي خضراوان شديدتا الري، أي غلب عليهما لون السواد. والعرب تقول للشجر: السواد، لخضرتها. ومنه سواد العراق لاخضرار أشجاره. فيعبر بالدهمة عن الخضرة الكاملة اللون، كما يعبر بالخضرة عن الدهمة الناقصة اللون. يقال: ادهام الليل يدهام ادهيمامًا. فافعال أبلغ من افعل، وذلك أن احمار أبلغ من أحمر، وكأن زيادة الحرف زيادة في المعنى. وقد أتقنا هذا في مسألة الرحمن الرحيم في غير هذا الموضوع.
وقولهم: دهمه الأمر أي فاجأه بشدةٍ مظلمةٍ. والدهم: الغائلة، والدهيماء: الداهية.
د هـ ن:
قوله تعالى:﴾ وردًة كالدهان ﴿[الرحمن: ٣٧] قال الفراء: الدهان جمع دهنٍ شبهها في اختلاف ألوانها بالدهن في اختلاف ألوانه. وكذا قال الزجاج: تتلون من الفزع
стр. 544
كما تتلون الدهان المختلفة بدليل قوله تعالى:﴾ يوم تكون السماء كالمهل ﴿[المعارج: ٨] أي كالزيت المغلي. وقيل: الدهان: الأديم الشديد الحمرة. قال الفراء في قول الشاعر: [من الكامل]
٥١١ - ومخاصم قاومت في كبد ... مثل الدهان فكان لي العذر
الدهان: الطريق الأملس ههنا. وأما في القرآن فالأديم: الأحمر الصرف. قوله تعالى:﴾ أنتم مدهنون ﴿[الواقعة: ٨١] أي منافقون لا ينون، وقيل: مكذبون. وقوله:﴾ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴿[القلم: ٩]. أي تلاينهم فيلاينوك. وأصل ذلك من الدهن الذي يمسح به رأس الإنسان. فيقال: دهنته وأدهنته أي مسحته بالدهن. ثم جعل ذلك عبارًة عن الملاينة وترك المجادلة والمداراة، كما جعل التقريد: وهو نزع القراد عن البعير عبارًة عن ذلك. والمدهن: ما يجعل فيه الدهن، وهو أحد ما جاء من الآلة على مفعل كالمنخل والمسقط، وشبه به ما يستنقع فيه ماء قليل مما نقره في الجبل. فقيل: المداهن جمع مدهن. وفي الحديث: "وقد نشف المدهن". ومن لفظ الدهن استعير الدهين للناقة القليلة اللبن، فيجوز أن تكون بمعنى الفاعل، أي تعطي من اللبن قدر ما تدهن به لقلته. أو بمعنى مفعوله أي كأنها دهنت باللبن لقلته كما يدهن بالدهن، والثاني أقرب لعدم التاء. ودهن المطر الأرض إذا كان قليلاً من ذلك كالدهن يدهن به الرأس. قوله:﴾ تنبت بالدهن ﴿[المؤمنون: ٢٠] الدهن: الزيت، وكل ما كان من الأشياء الذميمة يسمي دهنًا كالشيرج. وجمعه أدهان أو دهان نحو: رمح ورماح وقرئ "تنبت" من أنبت ثلاثيًا على معنى تنبت. وفيها الدهن أي ما يعتصر منه الدهن وهو
стр. 545
الزيتون. و"تنبت" من أنبت رباعيًا على زيادة التاء، أي ذات الدهن أو على معنى ما تقدم من المصاحبة. ولتحقيقه موضع غير هذا.
فصل الدال والواو
د ود:
قوله:﴾ وقتل داود جالوت ﴿[البقرة: ٢٥١] اسم النبي وهو لا ينصرف للعلمية والعجمة والشخصية؛ وقصته مع جالوت مذكورة في غير هذا.
د ور:
قوله تعالى:﴾ تلك الدار الآخرة ﴿[القصص: ٨٣] هي المنزل سميت دارًا لدوران أهلها بها أو لدورانها هي على أهلها وإحاطتها بهم: وأصلها دؤر فأعلت. وجمعها: ديار وأدور وآذر بالقلب، ويؤنث فيقال: دارة. قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٥١٢ - ولا سيما يوم بدارة جلجل
وتطلق، ويراد بها البلد والضيع والدنيا كلها. ومنه: قبل دار الدنيا ودار الآخرة إشارةٌ إلى مقري النشأة الأولى والآخرة. وتطلق الدار على الجنة كقوله:﴾ لهم دار السلام ﴿[الأنعام: ١٢٧] وعلى النار قال تعالى:﴾ دار البوار ﴿[إبراهيم: ٢٨] أي الجحيم بدليل إبداله منها:﴾ جهنم يصلونها ﴿[إبراهيم: ٢٩]. وقوله:﴾ سأوريكم دار الفاسقين ﴿[الأعراف: ١٤٥] قيل: النار.
قوله:﴾ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا ﴿[نوح: ٢٦] أي من يدور ويمشي
стр. 546
وهو فيعال، وأصله ديوار فاعل، ولا يجوز أن يكون فعالاً لأنه كان يجب أن يقال: دوار كقوالٍ. وقد تقدم نحو هذا مبينًا. قوله:﴾ عليهم دائرة السوء ﴿[التوبة: ٩٨] أي جعل السوء عليهم بمنزلة الدارة المحيطة فلا انفكاك لهم منها. ويعبر بالدائرة عن الحادثة الفادحة؛ قال تعالى:﴾ ويتربص بكم الدوائر ﴿[التوبة: ٩٩] أي ينتظر أن تقع بكم المصائب. والدواري: الدهر لأنه يدور بالإنسان أي يتصرف فيه بحوادثه. وهو نسب شاذ لأنه من نسبة الشيء إلى صفته كأحمري قال: [من الرجز]
٥١٣ - أطربًا وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري
والدوار: صنم، لأنهم كانوا يدورون طبه. غلبت الدورة والدائرة في المكروه، كما غلبت الدولة في المحبوب.
والداري: العطار نسبةٍ للدار، وغلب عليه ذلك. وقيل: نسبًة لدارين؛ موضعٍ بالبحرين يجلب منه الطيب. فقيل: أكل عطارٍ داري وإن لم يكن من دارين؟
والداري أيضًا: من لزم داره ولم يركب الأسفار. وقوله ﵊: "إن الزمان قد استدار" أي تحول من حكم الشيء إلى حاله الأول تشبيهًا بدوران الدائر. قوله:﴾ تجارًة حاضرًة تديرونها بينكم ﴿[البقرة: ٢٨٢] أي تتداولونها ويتناولها بعضكم من بعضٍ والإشارة إلى بيع الحلول لا التأجيل.
د ول:
قوله تعالى:﴾ كي لا يكون دولًة ﴿[الحشر: ٧] أي شيئًا تتداولونه وتختصون به دون أهله. والدولة: اسم لما يتداول. والدولة: بالفتح مصدر. وقيل: الدولة بالضم في المال وبالفتح في الحرب والجاه. وقيل: هما بمعنًى واحدٍ قوله:﴾ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴿[آل عمران: ١٤٠] أي نجعل الدولة فيها لقومٍ وفي غيرها
стр. 547
لآخرين. ويقال: أدال الله فلانًا من فلانٍ أي جعل له عليه الدولة. وفلان مدال أي غالب ظافر. ودولة تجمع دولاً ودولاً ويجوز فيها دولات ودولات. قال: [من الرجز]
٥١٤ - عل صروف الدهر أو دولاتها ... تديلنا اللمة من لماتها
وأنشد الأزهري للخليل: [من البسيط]
٥١٥ - وفيت كل خليلٍ ودني ثمنًا ... إلا المؤمل دولاتي وأيامي
وقال الأزهري: الدولة اسم لكل ما يتداول من المال كالفيء. والدولة: الانتقال من حالة البؤس والضر إلى حال الغبطة والسرور.
د ر م:
قوله تعالى:﴾ وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم ﴿[المائدة: ١١٧] أي مدة دوامي فيهم. والدوام في الأصل: السكون يقال: دام الماء أي سكن وفي الحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" أي الساكن. وأدمت القدر ودومتها: سكنت غليانها بالماء. ومنه دام الشيء إذا امتد الزمان عليه. ويقال: دمت تدام، ودمت تدوم لغتان كمت تمات، ومت تموت. ودومت الشمس كبد السماء أي سكنت، وهي عبارة عن استوائها أو عن جريانها من دوم الطائر إذا حلق في الجو. قال الشاعر: [من البسيط]
٥١٦ - والشمس حيرى لها في الجو تدويم
واستدمت الشيء: تأنيت. والديمة: المطر الدائم أيامًا. والدوم: الظل الدائم. وقوله:﴾ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ﴿[هود: ١٠٨] قيل: ما شاء ربك دوامها. والعرب تضع هذه اللفظة موضع التأييد والدوام. وقال قتادة
стр. 548
والضحاك: الاستثناء لأهل الكبائر من المسلمين يخرجون من النار. وقال مقاتل: استثنى الموحدين. وقال الأزهري: استثنى أهل التوحيد الذين شقوا بدخول النار المدة التي أرادها الله تعالى ثم أخرجهم بشفاعة الأنبياء والأولياء. وقيل: المراد بالسماء والأرض سماء الجنة وأرضها، وبالاستثناء مدة إقامتهم في البرزخ وهذا أولى ما ذكر في الآية. وما ذكرته عن قتادة وغيره فمما نبهت عليه أول هذا الكتاب لا يعني تفسير اللفظ بغير ما وضع له، بل بما لزمه أو جعل كنايًة عنه. ولذلك ذكرته لبعده عن مدلول اللفظ. وفي الحديث: "كان عمله ديمًة" أي متواصلاً في سكونٍ. وقيل: دوم من الأضداد؛ دوم: سكن، ودوم الطائر: حلق ودار في طيرانه كما تقدم. وقيل: ليس كذلك بل دوم معناه صف جناحيه في طيرانه وسكنهما. والدوام: الدوار في الرأس. ودوامة الولد من ذلك لدورانها.
د ون:
قوله تعالى:﴾ من دونكم ﴿[آل عمران: ١١٨] أي من مكان غير مكان إخوانكم المسلمين. هذا حقيقة تفسير اللفظ؛ فإن دون ظرف مكانٍ ويعبر به عن المنزلة الدنية، فيقال: فلان دون عمر، أي تحته في المنزلة. وفسرت بمعنى غير، أي تتخذوا بطانًة من غيركم. وقد ينصرف كقوله: [من الطويل]
٥١٧ - وباشرت حد الموت والموت دونها
برفع النون. وقرئ﴾ ما دون ذلك ﴿[النساء: ٤٨] بالرفع. وأما دون بمعنى رديء فصفة من الصفات. ومنه ثوب دون. وقيل: هو مقلوب من الدنو. والأدون: الرديء كما تقدم. وقيل في قوله:﴾ لا تتخذوا بطانًة من دونكم ﴿أي ممن لم تبلغ منزلته منزلتكم في الديانة، وهذا قريب مما قدمته أولاً. وقيل: في القرابة. وقوله:﴾ ويغفر ما دون ذلك ﴿أي أقل منه، وهو راجع لما ذكرته. وقيل: ما سوى ذلك. قال الراغب:
стр. 549
والمعنى متلازمان. وقوله:﴾ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴿[المائدة: ١١٦] أي غير الله. وقيل: إلهين متوصلاً بهما إلى الله. قوله:﴾ ما لهم من دونه من ولي ﴿[الكهف: ٢٦] أي ليس لهم من يواليهم من دون أمر الله. قوله:﴾ وادعوا شهداءكم من دون الله ﴿[البقرة: ٢٣] أي لا تقولوا: الله يشهد لنا. وهو معنى قول من يقول: من غير الله أو سوى الله. وقد حققنا هذا في "الدر" و"التفسير الكبير" ولله الحمد، وغير ذلك.
ودونك: يقع للإغراء فينصب بها نحو: دونك العلم أي خذه، قال: [من الرجز]
٥١٨ - يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا
فصل الدال والياء
د ي ن:
قوله تعالى:﴾ مالك يوم الدين ﴿[الفاتحة: ٤] الدين يقع لمعانٍ شتى، منها: الجزاء وهو المراد هنا أي مالك يوم الجزاء. ومنه قول الحماسي: [من الهزج]
٥١٩ - ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
ومنه: كما تدين تدان وقيل: يوم الحساب، وقيل: الحكم، وقيل الطاعة؛ لأن كل طاعةٍ تظهر ذلك اليوم وكذا ضدها، وإما ذكر الطاعة تأنيساً. وفي الحديث: "على ديان هذه الأمة" أي حاكمها. وقال ذو الإصبع: [من البسيط]
٥٢٠ - لاه ابن عمك لا أفضلت في حسبٍ ... عني، ولا أنت دياني فتخزوني
стр. 550
والدين: الشريعة، والدين: الملة، لكن الدين يقال اعتباراً بالطاعة والانقياد للشريعة قوله:﴾ يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق ﴿[النور: ٢٥] أي جزاءهم أو حسابهم. قوله:﴾ وإن الدين لواقع ﴿[الذاريات: ٦] أي الجزاء أو الحكم أو الحساب. قوله:﴾ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴿[النور: ٢]﴾ أي في حكمه وشريعته. قوله: ﴿وله الدين واصباً ﴿[النحل: ٥٢] أي الطاعة. قوله:﴾ ولا يدينون دين الحق ﴿[التوبة: ٢٩] أي لا يطيعون ولا يعبدون. قوله:﴾ ألا لله الدين الخالص ﴿[الزمر: ٣] أي التوحيد. قوله:﴾ غير مدينين ﴿[الواقعة: ٨٦] أي مملوكين مدبرين، وقيل: مجزيين. قوله:﴾ أئنا لمدينون ﴿[الصافات: ٥٣] أي محاسبون أو مجزيون أو مسوسون. ومنه: ولا أنت دياني قوله:﴾ أفغير دين الله يبغون ﴿[آل عمران: ٨٣] يعني الإسلام بدليل قوله:﴾ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً ﴿[آل عمران: ٨٥]. قوله:﴾ لا إكراه في الدين ﴿[البقرة: ٢٥٦] أي في الطاعة؛ فإن ذلك لا يكون في الحقيقة إلا بالإخلاص، والإخلاص لا يتأتي فيه الإكراه. وقيل: هذا منسوخ، وقيل إنه مختص بأهل الكتاب الباذلين للجزية. قوله:﴾ لا تغلوا في دينكم ﴿[النساء: ١٤١] حث على إتباع دين محمد ﷺ الذي هو وسط الأديان لقوله:﴾ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴿[البقرة: ١٤٣] والمدينة: الأمة، والمدين: العبد. قال أبو زيدٍ: هو من دين فلان يدان إذا حمل على مكروهٍ، وقيل: هو من دنته أي جازيته بطاعته. قال: [من الطويل]
٥٢١ - ربت وربا في حجرها ابن مدينةٍ ... يظل على مسحاته يتركل
وجعل بعضهم المدينة من هذا الباب. والدين: ما التزمه الإنسان بسلفٍ ونحوه: يقال: دنت الرجل: أخذت منه دينًا، وآدنته (:جعلته دائنًا، وذلك بأن تعطيه دينًا. قال أبو عبيدة: دينته: أي أقرضته. ورجل مدين ومديون. ودنته أيضًا) استقرضت منه. قال الشاعر: [من الطويل]
٥٢٢ - ندين ويقضي الله عنا، وقد نرى ... مصارع قومٍ لا يدينون ضيعا
стр. 551
وأدنت مثل دنت، وأدنت مثل أقرضت. قوله:﴾ إذا تدانيتم بدينٍ ﴿[البقرة: ٢٨٢] أي تعاملتم بالدين، وهو السلف والسلم في قول ابن عباسٍ، قال: [من الرجز]
٥٢٣ - داينت أروى والديون تقضى ... فماطلت بعضاً وأدت بعضا
وأدنت الرجل وداينته: إذا بعت منه بأجلٍ، وأدنت منه: استدنت بأجلٍ. وفي الحديث: "الكيس من دان نفسه" أي ذللها، وقيل: حاسبها. وقول الفقهاء: تدين في خلقه أي يقلد ويترك دينه فإنه أخربه، ولكن يؤاخذ في الظاهر. والديان من صفات الله تعالى. ومنه: يا ديان يوم الدين. قيل: ويقال: دان واستدان وأدان: أخذ بالدين فإذا أعطى الدين قيل: أدان.
стр. 552
باب الذال
فصل الذال والهمزة
ذ أب:
قوله:﴾ أكله الذئب ﴿[يوسف: ١٤] هو حيوان معروف يجمع على أذئبٍ ذؤبانٍ وذئابٍ. وذئب فلان: وقع في غنمه ذئب، أوصار كالذئب في خبثه. وتذاءبت الريح: هبت من كل جانبٍ تشبيهاً بالذئب. وتبدل همزته ياًء باطرادٍ كثيرٍ. والذئبة من القتب: ما تحت ملتقى الحنوين تشبيهًا بالذئب في الهيئة. وأرض مذأبة: كثيرة الذؤبان. وتذاءبت الناقة: تشبهت لها بالذئب لتظار على ولدها.
ذ أم:
قوله تعالى:﴾ مذؤومًا ﴿[الأعراف: ١٨] أي مطرودًا. قال ابن عرفة: ذأمته حقرته وأبعدته. وقيل: ذأمته: عبته، بمعنىٍ ذممته. وفيه ثلاث لغاتٍ؛ يقال: ذأمته أذأمه ذأمًا، وذئمته أذئمه ذئمًا، وذممته أذم ذمًا بمعنىٍ واحدٍ. وهذا أولى من الوجهين قبله، لأن معنى الطرد والإبعاد مذموم في قوله:﴾ مدحورًا ﴿[الأعراف: ١٨]
فصل الذال والباء
ذ ب ب:
قوله تعالى:﴾ وإن يسلبهم الذباب شيئا ﴿[الحج: ٧٣] الذباب معروف ويجمع على ذبانٍ وواحدته ذبابة. قيل: كان المشركون يلطخون أصنامهم بالزعفران ونحوه فيجيء الذباب فيلحسه فلا يقدر على دفعه. ويقع الذباب على النحل والزنابير. قال الشاعر: [من الطويل]
٥٢٥ - فهذا أوان العرض حي ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
стр. 553
وذباب العين: إنسانها تشبيها بصورته، وقيل: لطيران شعاعه طيران الذباب. وذباب السيف تشبيهًا به في إيذائه. والمذبة: ما يطرد به، ثم استعير لمجرد الدفع.
وذب البعير: إذا دخل في أنفه ذباب. جعل بناؤه بناء الأدواء نحو زكم. وبعير مذبوب. وذب جسمه: هزل فصار كالذباب أو كذباب السيف. والذبذبة: حكاية صوت حركة الشيء المعلق، ثم استعير لكل اضطرابٍ وحركةٍ، ومنه قوله تعالى:﴾ مذبذبين بين ذلك ﴿[النساء: ١٤٣] أي مائلين تارًة إلى المؤمنين وأخرى إلى الكافرين. وقد فسر ذلك تعالى بما بعده في قوله تعالى:﴾ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴿. وذبينا إبلنا سوقًا بتذبذب. والذباب: الشؤم وفي الحديث: "أنه رأى رجلاً طويل الشعر، فقال: هذا ذباب" أي شؤم. وذبابي مأخوذ من ذلك.
ذ ب ح:
قوله تعالى:﴾ وفديناه بذبحٍ عظيمٍ ﴿[الصافات: ١٠٧] الذبح: فعل بمعنى مفعولٍ نحو الرعي والطحن بمعنى المرعي والمطحون. والمراد به كبش أرسله الله تعالى فداًء. قيل: هو الكبش الذي قربه هابيل، فرفع ورتع في الجنة إلى أن أخرج إلى إبراهيم. وأصل الذبح شق حلق الحيوانات. وذبحت فارة المسك: شققتها، تشبيهًا بذلك. وتسمى الأخاديد من السيل مذابح وقوله:﴾ يذبحون أبناءكم ﴿[التضعيف فيه للتكثير.
فصل الذال والخاء
ذ خ ر:
قوله تعالى:﴾ وما تدخرون ﴿[آل عمران: ٤٩] أي تخبثون يقال: ذخرت
стр. 554
الشيء أي خبأته. وأصله تذتخرون فأدغم بعد إبدال تاء الافتعال ذالاً، ثم إبدال الذال دالاً مهملة، نحو: ادكر، أصله اذتكر. يقال: دخرته وادخرته: أعددته للعقبى. وفي صفته ﵊: "كان لا يدخر شيئًا لغدٍ". والمذاخر: الجو والعروق المدخرة للطعام. قال الشاعر: [من الطويل]
٥٢٦ - فلما سقيناها العكيس تملأت ... مذاخرها وامتد رشحًا وريدها
والإذخر: نبت طيب الريح.
فصل الذال والراء
ذ ر ا:
قوله تعالى:﴾ يذرؤكم ﴿[الشورى: ١١] أي يكثركم بالتزويج؛ يقال: ذرأ الله الخلق. والذرء: إظهار الله ما أبرأه. يقال: ذرأ الله خلقه أي أظهر أشخاصهم، قال تعالى:﴾ ولقد ذرأنا لجهنم ﴿[الأعراف: ١٧٩] والذرأة: بياض الشيب واللحم. ومنه: ملح ذرآني، ورجل أذرأ، وامرأة ذرأى، وقد ذرئ شعره.
ذ ر ر:
قوله تعالى:﴾ مثال ذرةٍ ﴿[الزلزلة: ٧] الذرة: واحده ذر، وفيها قولان؛ أحدهما أنها النملة الصغيرة؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٥٢٧ - من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
والثاني أنها واحدة الهباء؛ وهو مارئي في شعاع الشمس من كوةٍ ونحوها، وإنما خوطب العباد بذلك لأنها أقل ما يتعارفونه من الأشياء القليلة، وإلا فالله تعالى لا يظلم
стр. 555
مثقاله، ولا أقل من ذلك. قوله:﴾ ذريتهم ﴿[الأعراف: ١٧٢] الذرية: أصل إطلاقها على الصغار، وقد يطلق على الآباء. فقوله:﴾ حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴿[يس: ٤١] قيل: الآباء، وقيل: الأبناء، وذلك إذا أريد بالفلك جنس السفن لا سفينة نوحٍ، ويقع على الواحد والجمع؛ قال تعالى:﴾ هب لي من لدنك ذريًة طيبًة ﴿[آل عمران: ٣٨] فوهب له يحيي. وفيها أقوال؛ أحدها أنها فعلية من الذر لأن الله استخرج الذرية من ظهر آدم كالذر حين أشهدهم على أنفسهم. والثاني أ، ها مهموزة الأصل اشتقاقًا من ذرأ الله الخلق. وقد تقدم فخففت والتزم تخفيفها. وقد تقدم أن العرب التزمت تخفيف ألفاظٍ: البرية والخطية والذرية في باب الياء. والثالث أنها ذروية فأدغمت. وقد تطلق التاء مع الصبيان، وفي الحديث: "لا تقتل ذرية ولا عسيفًا" وفسرها الهروي بالمأة خاصًة، والصواب الأول. وقد صرح بذلك في حديثٍ آخر. ولنا كلام فيها هو أطول من هذا.
ذ ر ع:
قوله:﴾ وضاق بهم ذرعًا ﴿[هود: ٧٧] أي طاقة ووسعًا. والعرب تقول في التهديد: اقصد بذرعك أي استقم بطاقتك. وفي الحديث: "فكسر ذلك في ذرعي". أي ثبطني عما أردته.
وقيل: أصل الكلمة من الذراع، والذراع من الحيوان معروف فإذا قالوا: هذا على حبل ذراعك كأنهم قالوا: هذا في يدك. فإذا قالوا: ضاق بكذا ذرعًا كأنهم قالوا: ضاق يدًا. والذراع: ما يذرع الثوب والأرض ونحوهما تشبيهًا بالعضو في المقدار. قال تعالى:﴾ ذرعها سبعون ذراعًا [[الحاقة: ٣٢] أي مقدارها. وذراع الأسد نجم تشبيهًا بذراع الحيوان. وذرعته: ضربت ذراعه نحو كبدته. وذرعت: مددت ذراعي. ومنه:
стр. 556
بعير ذريع، وفرس ذريع وذروع أي سريع المشي واسع الخطو. وفي صفته ﷺ : "أنه كان ذريع المشي" أي سريعه. وامرأة ذراع خفيفة اليد بالغزل. وفي الحديث: "خيركن أذرعكن". ومذرع: أبيض الذراع. وذرعه القيء: سبقه، من ذرعت الفرس أي سبقت سريعًا. وتذرعت المرأة الخوص، وتذرع في كلامه تشبيهًا بذلك نحو سفسف في كلامه، أصله من سفيف الخوص. وزق ذارع قيل: هو العظيم، وقيل: هو الصغير، فعلى الأول هو الذي بقي ذراعه، وعلى الثاني هو الذي فصل عنه ذراعه. والقتل الذريع: هو الكثير الواسع من ذلك. وفي الحديث: "وعليه جمازة ذرع منها يده" أي أخرجها. وذرع البعير يده، أي حركها. قال الشاعر: [من الطويل]
٥٢٨ - تؤمل أنفال الخميس وقد رأت ... أوائل خيلٍ لم يذرع بشيرها
ذ ر و:
قوله تعالى:﴾ تذروه الرياح ﴿[الكهف: ٤٥] أي ترفعه وتفرقه. أذرته الريح تذروه ذروًا، وذرته تذريه ذريًا، وأذرته تذريًة، لغات بمعنًى. وقيل: بل معنى أذرته: ألقته. يقال: أذريته عن فرسه: ألقيته من عليها. وأصل ذلك من الرفع. ومنه: ذروة الجبل وذروته: أعلاه. وأنا في ذرى فلانٍ أي في أعلى مكانٍ من جنابه. وذروة السنام تشبيهًا بذلك. ومنه الحديث: "يريد أن يذري منه" أي يرفع. وقوله تعالى:﴾ والذاريات ذروًا ﴿[الذاريات: ١] قال علي ﵁: هي الرياح، والتقدير: ورب الذاريات. ويحتمل أن يكون الله تعالى أقسم بها، وإن لم يجز لنا نحن ذلك. وقال الحسن: ينفض مذرويه، وقيل: هما طرفا الآليتين. قال: [من الوافر]
стр. 557
٥٢٩ - أحولي تنفض استك مذوريها ... لتقتلني فها أنا ذا عمارا
وقيل: هما طرفا كل شيءٍ. وقيل: هما طرفا القوس وجانبا الرأس، ولا يفردان بل هما تثنية مذرى تقديرًا، وللزوم التثنية ثنيا بالواو، وكان حقهما أن يثنيا بالياء لزيادة المفرد على الثلاثة، وهذا متقن في غير هذا.
فصل الذال والعين
ذ ع ن:
قوله تعالى:﴾ مذعنين ﴿[النور: ٤٩] أي منقادين. والإذعان: الانقياد. ومنه مذعان للسهلة الانقياد. وقيل: هو الإسراع في الطاعة. وقال الفراء: أي مطيعين غير مستكرهين. وهي معانٍ متقاربة.
فصل الذال والقاف
ذ ق ن:
قوله تعالى:﴾ فهي إلى الأذقان ﴿[يس: ٨]. الأذقان: جمع ذقنٍ. والذقن: ملتقى اللحيين وعليها تنبت اللحية. وذقنته ضربت ذقنه. وناقة ذقون: تستعين بذقنها في سيرها. ودلو ذقون ضخمة حائلة تشبيهًا بذلك. وقالت عائشة ﵂: "مات النبي ﵊ بين حاقنتي وذاقنتي". وقيل: هي الذقن، وقيل: هي طرف الحلقوم وهو أقرب لقولها في آخر: "بين سحري ونحري". فقولها: "نحري" يقوي الثاني. وذقن الرجل على يده أي وضع يده على ذقنه.
فصل الذال والكاف
ذ ك ر:
قوله تعالى:﴾ ولذكر الله أكبر ﴿[العنكبوت: ٤٥] قيل: هو التسبيح والتهليل
стр. 558
ونحوه. وقيل: بل هو الكلام في العلم كقولك: هذا حلال وهذا حرام. وقيل: معناه ولذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه. قوله تعالى:﴾ وإنه لذكر لك ولقومك ﴿[الزخرف: ٤٤] أي شرفك وشرفهم، وذلك أنه نزل بلغتهم، وتشريفه لك أكبر من حيث نزل عليك خصوصًا، ولذلك أفرده عنهم. وقوله:﴾ كتابًا فيه ذكركم ﴿[الأنبياء: ١٠] يجوز أن يكون من هذا أي فيه شرفكم على غيركم، ويجوز أن يراد بذكركم ما تذكرون به. والذكر تارًة يقال باعتبار هيئة للنفس بها يتمكن الإنسان من حفظ ما يقتنيه من المعارف؛ فهو كالحفظ؛ إلا أن الفرق بينهما أنه يقال باعتبار حضوره بالقلب وباللسان. ومنه قيل: الذكر ذاكران: ذكر بالقلب وذكر باللسان. وكل منهما على نوعين: ذكرٍ عن نسيان وذكرٍ لا عن نسيان بل يقال باعتبار إدامة الحفظ. وعلى هذه الأنواع مدار جميع الآيات، كما ستمر بك مفصلًة.
قوله:﴾ فاسألوا أهل الذكر ﴿[الأنبياء: ٧] أي أهل العلم من كل أمةٍ. وقيل: أهل القرآن. وقيل: أهل الكتب القديمة، يعني ممن آمن. قوله:﴾ قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولاً ﴿[الطلاق: ١٠ و ١١]. فالذكر هنا محمد ﷺ ، جعله نفس الذكر مبالغًة أو على حذف مضاف، وعبر عن البعث بالإنزال تشريفًا له فيكون رسولاً بدلاً من ذكر، أو قيل: الذكر هو وصفه ﵊ من حيث إنه مبشر به ومذكور في الكتب القديمة. وهذا كما جعلت الكلمة وصف عيسى من حيث إنه وجد بها من غير واسطة أبٍ كما هو المتعارف. وعلى هذا فـ"رسولاً" بدل أيضًا. وقيل: بل "رسولاً" نصب بنفس "ذكرًا" أي أنه ذكر "رسولاً" والمراد بشارة الكتب به. قوله:﴾ واذكروا الله في أيام معدوداتٍ ﴿[البقرة: ٢٠٣] هذا من الذكر اللساني، والمراد به التكبير في أيام التشريق والتهليل فيها وغير ذلك. قوله:﴾ فاذكروني ﴿[البقرة: ١٥٢] يحتمل ذلك، ويحتمل امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويؤيده:﴾ أذكركم ﴿أي برحمتي فهو من المقابلة كقوله:﴾ ومكروا ومكر الله ﴿[آل عمران: ٥٤] فاتفق اللفظ واختلف المعنى. قوله:﴾ والقرآن ذي الذكر ﴿[ص: ١] يجوز أن يراد التذكير فحذف زوائد المصدر، وأن يراد الشرف. قوله:
стр. 559
﴿أأنزل عليه الذكر﴾ [ص: ٨] القرآن لقوله:﴾ وهذا ذكر مبارك أنزلناه ﴿[الأنبياء: ٥٠]. قوله:﴾ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ﴿[الأنبياء: ١٠٥] هو الكتب القديمة. ويجوز أن يراد القرآن لأنه وإن تأخر إنزاله عن غيره فهو مقدم في الرتبة على غيره، من حيث إنه أشرفها، كما أن المنزل هو عليه أشرف من أنزل عليه كتاب. قوله:﴾ فإن الذكرى تنفع المؤمنين ﴿[الذاريات: ٥٥] ونظائر ذلك؛ الذكرى بمعنى التذكير. قوله:﴾ فما لهم عن التذكرة معرضين ﴿[المدثر: ٤٩] التذكرة ما يتذكر به الشيء. قيل: هو أعم من الدلالة والأمارة. قوله:﴾ فتذكر إحداهما الأخرى ﴿[البقرة: ٢٨٢] قيل: تذكرها بعد نسيانها، وقيل: تجعلها ذكرًا في الحكم. وفي الحرف قراءتان بيناهما، وما هو الصحيح في تأويلهما في غير هذا. وقد أبدى بعضهم معنى حسنًا في قوله:﴾ فاذكروني أذكركم ﴿[البقرة: ١٥٢] وفي قوله:﴾ اذكروا نعمتي ﴿[البقرة: ١٢٢] من حيث إنه فرق بينهما بين المذكورين فقال: خاطب أصحاب رسول الله ﷺ الذين حصل لهم فضل قوةٍ بمعرفته فقال: "فاذكروني" فأمرهم أن يتصوروا نعمته فيتوصلوا بها إلى معرفته. قوله:﴾ بخالصةٍ ذكرى الدار ﴿[ص: ٤٦] يجوز أن يراد أنهم يذكرون الناس بالدار الآخرة ويزهدونهم في الدنيا، ويجوز أن يراد أنهم يكثرون ذكر الآخرة لاهتمامهم بها واشتغالهم عن الدنيا، فلا يخطرونها ببالهم فضلاً عن ذكرها. قوله:﴾ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴿[مريم: ٢] أي أن ذكر ربك عبده برحمته، ويجوز أن يجعل الرحمة ذاكرًة له مجازًا عن إصابتها إياه كقولك: ذكرني السلطان، أي أصابني بخيرٍ وإن لم يلفظ باسمك. قوله:﴾ خذوا ما آتيناكم بقوةٍ واذكروا ما فيه ﴿[البقرة: ٦٣] أي ادرسوه وقيدوه بالحفظ واعملوا به لن من خالف شيئًا لم يذكره وإن ملأ به فاه. قوله:﴾ سمعنا فتى يذكرهم ﴿[الأنبياء: ٦٠] أي يعيبهم لقوله:﴾ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴿[الأنبياء: ٣٦] ومنه فلان يذكر الناس، إذا كان عيابًا. قوله:﴾ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ﴿[الفجر: ٢٣] أي يتوب وأنى له التوبة؟
والذكر ضد الأنثى كما قابل بينهما تعالى في قوله: ﴿الذكر والأنثى﴾
стр. 560
[النجم: ٤٥] ويعبر به عن الجليل الخطير. ومنه الحديث: "القرآن ذكر فذكروه" أي عظيم فعظموه. ويعبر به عن القوي الجلد. وفي الحديث: "هبلت أمه لقد أذكرت به" أي جاءت به ذكرًا قويًا. وجمعه ذكور وذكران. وكني بالذكر عن العضو المعروف. والمذكر: المرأة التي ولدت ذكرًا واحدًا. والمذكار: من عادتها أن تلد الذكور. وقال: [من البسيط]
٥٣٠ - قد تجزئ الحرة المذكار أحيانًا
ذ ك و:
قوله تعالى:﴾ إلا ما ذكيتم ﴿[المائدة: ٣] أي ذبحتم. والذكاة: هي الذبح الشرعي بقطع الحلقوم - وهو مجرى الطعام - والمري - وهو مجرى الماء. واختلف في اشتقاقها؛ فقيل: مأخوذ من ذكاة السن وبلوغ كل شيءٍ منتهاه. ومنه: أذكيت النار: أقمت اشتعالها. وقيل: الذكاة: الحياة. ومنه: ذكت النار تذكو أي خبت واتقدت، فيكون التضعيف في "ذكيتم" للسلب نحو قردته: أزلت قراده. وقيل الذكاة تطهير للحيوان وإباحة أكله منه. ومنه حديث علي ﵁: "ذكاة الأرض يبسها" يعني إذا أصابتها نجاسة فجفت طهرت. وقيل هي إخراج الحرارة الغريزية وذلك أن مادة (ذ ك و) تدل على الحرارة. وأصلها من قولهم: ذكت النار تذكو أي اتقدت. وذكيتها أنا أوقدتها تذكيًة. ومنه قيل للشمس ذكاء لحرارتها. قال: [من الكامل]
٥٣١ - ألقت ذكاء يمينها في كافر
وابن ذكاء: الصبح، قال: [من الرجز]
٥٣٢ - وابن ذكاء كامن في ستر
стр. 561
وذلك أنهم يتصورون الصبح ابنًا لها، وتارًة حاجبًا لها. وعبر عن حدة الفهم وسرعته بالذكاء من قولهم: فلان شعلة نارٍ، وذهنه يتوقد. فحقيقة تذكية الحيوان: إخراج الحرارة الغريزية. ويدل على هذا الاشتقاق قولهم في الميت: خامد وهامد، وفي النار الهامدة: ميتة. وذكى الرجل: أسن وحظي بالذكاء لكثرة رياضته وتجاربه. وبحسب هذا الاشتقاق لا يسمي الشيخ مذكيًا إلا إذا كان ذا تجارب ورياضاتٍ. ولما كانت التجارب والرياضات قلما تستعمل إلا في الشيوخ لطول عمرهم استعمل الذكاء فيهم، واستعمل في العتاق من الخيل المسان. وعلى هذا جرى قولهم: "جري المذكيات غلاب".
فصل الذال واللام
ذ ل ل
قوله تعالى:﴾ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴿[الإسراء: ٢٤] الذل بالضم ضد العز. والمعنى: تواضع لهما وكن لوالديك ذليلاً. وقيل: الذل ما كان عن قهرٍ؛ ذل يذل ذلاً. والمعنى: كن كالمقهور لهما. والذل بالكسر ضد الصعوبة وهو الطواعية والانقياد. وقيل هو ما لم يكن عن قهرٍ بل عن تأب وشماسٍ. وقد قرئ "جناح الذل" والمعنى: لن لهما ولا تصعب. يقال: الذل والقل، والذلة والقلة. وذلت الدابة تذل ذلاً فهي ذلول قوله:﴾ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴿[النحل: ٦٩] أي منقادة غير مستصعبةٍ. قوله:﴾ وذللت قطوفها تذليلاً ﴿[الإنسان: ٢٤] أي سهلت لمتناولها لدنوها بمنزلة الدابة المنقادة. فهذا من الذل. قوله:﴾ أذلةٍ على المؤمنين ﴿[المائدة: ٥٤] أي لينين سهلين على إخوانهم من المؤمنين، ولم يرد أنهم هينون عليهم ممتهنون عندهم بدليل مقابلته بقوله﴾ أعزةٍ على الكافرين ﴿أي يغالبونهم ويعادونهم كقوله:﴾ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴿[التوبة: ٧٣]. قوله:﴾ وذلة في الحياة الدنيا ﴿[الأعراف: ١٥٢] هي أمرهم بقتلهم أنفسهم. وقيل: هي أخذ الجزية. قوله﴾ ولم يكن له ولي من الذل ﴿[الإسراء: ١١١] أي لم يتخذ وليًا يحالفه ويعاونه لذلةٍ. وكانت العرب
стр. 562
تحالف بعضها بعضاً لتعتز به. قوله:﴾ وذللت قطوفها تذليلاً ﴿قال أبو بكرٍ: أصلحت وقربت، وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل]
٥٣٣ - وكشحٍ لطيفٍ كالجديل مخصرٍ ... وساق كأنبوب السقي المذلل
وقال ابن عرفة: مكنت فلم تمتنع على طالبٍ، يقال لكل مطيعٍ غير ممتنع: ذليل، من الناس، ومن غيرهم: ذلول. وفي الحديث: "رب عذقٍ مذللٍ لأبي الدحداح" قال الأزهري: تذليل العذوق: أنها إذا خرجت من كوافيرها التي تغطيها عمد إليها الآبر فيسهلها ويذللها بإخراجها من بين السلاء والجريد، فيسهل قطافها عند إيناعها. وقال مجاهد: معنى الآية: إن قام ارتفع إليه القطف، وإن قعد تدلى إليه. وهذا قريب المعنى من قوله:﴾ قطوفها دانية ﴿[الحاقة: ٢٣]. قولهم: الأمور تجري على أذلالها أي على مسالكها.
فصل الذال والميم
ذ م م:
قوله تعالى:﴾ ولا ذمًة ﴿[التوبة: ١٠] الذمة قيل: هي العهد. ومنه سمي المعاهد ذميًا لأنه أعطي العهد. وقال ابن عرفة: الذمة هي الضمان، ومنه: هو في ذمتي أي ضماني. وأهل الذمة من ذلك لأنهم أدخلوا في ضمان المسلمين. وقال أبو عبيدٍ: الذمة ما يتذمم منه. قلت: يعني أنها مشتقة من الذم، يعني أنه يذم الرجل على إضاعة ما يعاهدهم عليه أو يؤتمن، ومثلها الذمام والذمة والمذمة. والذم جمع ذمةٍ. وأنشد لأسامة ابن الحارث: [من الطويل]
٥٣٤ - يصيح بالأسحار من كل صارةٍ ... كما ناشد الذم الكفيل المعاهد
وقيل: الذمة: الأمان؛ ومنه الحديث: "ويسعي بذمتهم أدناهم" يعني أن أحد
стр. 563
المسلمين إذا أمن بعض الحربيين حتى يدخل بلاد جاز ذلك وحرم اغتياله، وإن كان المؤمن أدناهم. وقد أجاز عمر أمان عبدٍ على العسكر. والذم: اللوم ضد المدح، ومنه قوله تعالى:﴾ مذمومًا مدحورًا ﴿[الإسراء: ١٨] يقال: ذممته أذمه ذمًا، فأنا ذام وهو مذموم. وأذم بكذا أضاع ذمامه. وقولهم: أذهب عنهم مذمتهم أي أعطهم شيئًا لذمامهم. وبئر ذمة أي قليلة الماء. ورجل مذم: لا حراك به.
فصل الذال والنون
ذ ن ب:
قوله تعالى:﴾ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴿[آل عمران: ١٤٧] جمع ذنب وهو كل معصيةٍ صغيرة كانت أو كبيرًة. وأصله الأخذ بذنب الشيء؛ يقال فنبته، ثم استعملت في كل فعلٍ تستوخم عقباه، ولهذا سمي تبعًة اعتبارًا بما يحصل من عاقبته. والذنب من الدابة وغيرها معروف، ويعبر به عن المتأخر والشيء الرذل. قال: والأذناب: الأتباع وجئت في أذناب القوم. والذنوب: الدلو العظيمة الملأى؛ وإن لم تكن ملأى فهي دلو. وفي الأصل: دلو ذات ذنبٍ. ثم يعبر بها عن النصيب. ومنه قوله تعالى:﴾ فإن للذين ظلموا ذنوبًا ﴿[الذاريات: ٥٩]، وقال علقمة بن عبدة في حق أخيه شأسٍ: [من الطويلي
٥٣٥ - وفي كل حي قد خبطت بنعمةٍ ... فحق لشأسٍ من نداك ذنوب
ولما وصل شعره للملك الذي أسر أخاه قال: نعم وأذنبه. والذنوب أيضًا: توابيع المتن وهي لحمه: والأذناب: الأتباع، والرؤوس: الرؤساء المتبوعون. وذنب الرجل: تبعه. وفي الحديث: "كان لا يرى بالتذنوب أن يفتضح بأسًا"؛ التذنوب: البسرة التي يرى فيها الإرطاب من قبل ذنبه. ذنبت البسرة فهي مذنبة.
стр. 564
فصل الذال والهاء
ذ هـ ب:
الذهاب: المضي ويكون في الأعيان كقوله تعالى:﴾ وذا النون إذ ذهب مغاضبًا ﴿[الأنبياء: ٨٧]﴾ إني ذاهب إلى ربي ﴿[الصافات: ٩٩]. وفي المعاني كقوله تعالى:﴾ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴿[هود: ٧٤]. ويتعدى بالهمزة أو بالباء نحو:﴾ ذهب الله بنورهم ﴿[البقرة: ١٧]،﴾ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴿[الأحزاب: ٣٣]. وبين النحاة خلاف في التعديتين؛ هل هما بمعنى أو بينهما فرق؟ حققناه في غير هذا، ويعبر به عن الموت. ومنه قوله تعالى:﴾ فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ ﴿[فاطر: ٨] أي لا تهلكها تحسرًا عليهم إن لم يؤمنوا، وقد يعبر به عن الفوز بالشيء قوله تعالى:﴾ لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن ﴿[النساء: ١٩] أي لتفوزوا.
والذهب: معروف ويؤنث بالتاء فيقال: ذهبة، ويصغر على ذهيبةٍ. وكميت مذهب: علت حمرته صفرة فكأن عليه ذهبًا؛ قال: [من الطويل]
٥٣٦ - وكمتًا مدماةٍ كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
ورجل ذهب أي دهش حين رأى معدن الذهب. وفي الحديث: "كان ﵊ إذا أراد الغائط أبعد في المذهب" قال أبو عبيدة: يقال لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمرفق والمرحاض. والذهب أيضًا مكيال معروف باليمن، ويجمع على أذهاب ثم يجمع أذهاب على أذاهب ومنه حديث بعض الصحابة "أذاهب من بر وأذاهب من شعيرٍ".
ذ هـ ل:
قوله تعالى:﴾ تذهل كل مرضعةٍ ﴿[الحج: ٢] أي تدهش وتتحير. وقيل: تسلو. يقال: ذهلت عن الشيء أذهل ذهولاً فأنا ذاهل إذا انصرفت وتركته. وقيل:
стр. 565
الذهول: شغل يورث حزنًا ونسيانًا. وذهل: علم لشخصٍ تنسب إليه القبيلة المشهورة.
فصل الذال والواو
ذ ود:
قوله تعالى:﴾ تذودان ﴿[القصص: ٢٣] أي تطردان غنمهما عن غنم الناس لئلا تختلط بها. وقيل: وجوههما نظر الناس. يقال: ذدته أذوده ذودًا أي صرفته عني. وقيل: يكفان غنمهما حتى يفرغ الحوض من الوارد، وهو أظهر لقوله:﴾ حتى يصدر الرعاء ﴿والذود من الإبل ما بين الاثنين إلى التسع للإناث خاصًة دون الذكور. وفي الحديث: "ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة"، وقال الآخر: [من الرجز]
٥٣٧ - ذود صفايا بينها وبيني ... ما بين تسعٍ فإلى اثنتين
ذ وق:
قوله تعالى:﴾ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمًة ﴿[هود: ٩] أي أوصلناها إليه لا يتمكن به من ذوقها. وأصل الذوق وجود طعم الشيء بالفم. وأصله تناول ما يقل دون ما يكثر؛ يقال فيه: أكل. واختير من القرآن لفظ الذوق في العذاب لأنه وإن كان في العرف لما يقل فهو صالح. فاستعمل ليعم الأمرين. وقوله تعالى:﴾ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴿[النحل: ١١٢] فاستعمل الذوق مع اللباس من حيث إنه أراد به الاختبار أي جعلها بحيث تمارس الجوع والخوف، أي ابتلاها ما أخبرت من عقاب الجوع والخوف. وقيل: هو على تقدير كلامين أي أذاقها الجوع والخوف، وألبسها لباسهما، وفي الآية كلام أكثر من هذا. قوله:﴾ إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ﴿[الشورى: ٤٨] استعمل في
следующие страницы →