← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وذلك أنهم يتصورون الصبح ابنًا لها، وتارًة حاجبًا لها. وعبر عن حدة الفهم وسرعته بالذكاء من قولهم: فلان شعلة نارٍ، وذهنه يتوقد. فحقيقة تذكية الحيوان: إخراج الحرارة الغريزية. ويدل على هذا الاشتقاق قولهم في الميت: خامد وهامد، وفي النار الهامدة: ميتة. وذكى الرجل: أسن وحظي بالذكاء لكثرة رياضته وتجاربه. وبحسب هذا الاشتقاق لا يسمي الشيخ مذكيًا إلا إذا كان ذا تجارب ورياضاتٍ. ولما كانت التجارب والرياضات قلما تستعمل إلا في الشيوخ لطول عمرهم استعمل الذكاء فيهم، واستعمل في العتاق من الخيل المسان. وعلى هذا جرى قولهم: "جري المذكيات غلاب". فصل الذال واللام ذ ل ل قوله تعالى:﴾ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴿[الإسراء: ٢٤] الذل بالضم ضد العز. والمعنى: تواضع لهما وكن لوالديك ذليلاً. وقيل: الذل ما كان عن قهرٍ؛ ذل يذل ذلاً. والمعنى: كن كالمقهور لهما. والذل بالكسر ضد الصعوبة وهو الطواعية والانقياد. وقيل هو ما لم يكن عن قهرٍ بل عن تأب وشماسٍ. وقد قرئ "جناح الذل" والمعنى: لن لهما ولا تصعب. يقال: الذل والقل، والذلة والقلة. وذلت الدابة تذل ذلاً فهي ذلول قوله:﴾ فاسلكي سبل ربك ذللاً ﴿[النحل: ٦٩] أي منقادة غير مستصعبةٍ. قوله:﴾ وذللت قطوفها تذليلاً ﴿[الإنسان: ٢٤] أي سهلت لمتناولها لدنوها بمنزلة الدابة المنقادة. فهذا من الذل. قوله:﴾ أذلةٍ على المؤمنين ﴿[المائدة: ٥٤] أي لينين سهلين على إخوانهم من المؤمنين، ولم يرد أنهم هينون عليهم ممتهنون عندهم بدليل مقابلته بقوله﴾ أعزةٍ على الكافرين ﴿أي يغالبونهم ويعادونهم كقوله:﴾ جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴿[التوبة: ٧٣]. قوله:﴾ وذلة في الحياة الدنيا ﴿[الأعراف: ١٥٢] هي أمرهم بقتلهم أنفسهم. وقيل: هي أخذ الجزية. قوله﴾ ولم يكن له ولي من الذل ﴿[الإسراء: ١١١] أي لم يتخذ وليًا يحالفه ويعاونه لذلةٍ. وكانت العرب

стр. 562

تحالف بعضها بعضاً لتعتز به. قوله:﴾ وذللت قطوفها تذليلاً ﴿قال أبو بكرٍ: أصلحت وقربت، وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل] ٥٣٣ - وكشحٍ لطيفٍ كالجديل مخصرٍ ... وساق كأنبوب السقي المذلل وقال ابن عرفة: مكنت فلم تمتنع على طالبٍ، يقال لكل مطيعٍ غير ممتنع: ذليل، من الناس، ومن غيرهم: ذلول. وفي الحديث: "رب عذقٍ مذللٍ لأبي الدحداح" قال الأزهري: تذليل العذوق: أنها إذا خرجت من كوافيرها التي تغطيها عمد إليها الآبر فيسهلها ويذللها بإخراجها من بين السلاء والجريد، فيسهل قطافها عند إيناعها. وقال مجاهد: معنى الآية: إن قام ارتفع إليه القطف، وإن قعد تدلى إليه. وهذا قريب المعنى من قوله:﴾ قطوفها دانية ﴿[الحاقة: ٢٣]. قولهم: الأمور تجري على أذلالها أي على مسالكها. فصل الذال والميم ذ م م: قوله تعالى:﴾ ولا ذمًة ﴿[التوبة: ١٠] الذمة قيل: هي العهد. ومنه سمي المعاهد ذميًا لأنه أعطي العهد. وقال ابن عرفة: الذمة هي الضمان، ومنه: هو في ذمتي أي ضماني. وأهل الذمة من ذلك لأنهم أدخلوا في ضمان المسلمين. وقال أبو عبيدٍ: الذمة ما يتذمم منه. قلت: يعني أنها مشتقة من الذم، يعني أنه يذم الرجل على إضاعة ما يعاهدهم عليه أو يؤتمن، ومثلها الذمام والذمة والمذمة. والذم جمع ذمةٍ. وأنشد لأسامة ابن الحارث: [من الطويل] ٥٣٤ - يصيح بالأسحار من كل صارةٍ ... كما ناشد الذم الكفيل المعاهد وقيل: الذمة: الأمان؛ ومنه الحديث: "ويسعي بذمتهم أدناهم" يعني أن أحد

стр. 563

المسلمين إذا أمن بعض الحربيين حتى يدخل بلاد جاز ذلك وحرم اغتياله، وإن كان المؤمن أدناهم. وقد أجاز عمر أمان عبدٍ على العسكر. والذم: اللوم ضد المدح، ومنه قوله تعالى:﴾ مذمومًا مدحورًا ﴿[الإسراء: ١٨] يقال: ذممته أذمه ذمًا، فأنا ذام وهو مذموم. وأذم بكذا أضاع ذمامه. وقولهم: أذهب عنهم مذمتهم أي أعطهم شيئًا لذمامهم. وبئر ذمة أي قليلة الماء. ورجل مذم: لا حراك به. فصل الذال والنون ذ ن ب: قوله تعالى:﴾ ربنا اغفر لنا ذنوبنا ﴿[آل عمران: ١٤٧] جمع ذنب وهو كل معصيةٍ صغيرة كانت أو كبيرًة. وأصله الأخذ بذنب الشيء؛ يقال فنبته، ثم استعملت في كل فعلٍ تستوخم عقباه، ولهذا سمي تبعًة اعتبارًا بما يحصل من عاقبته. والذنب من الدابة وغيرها معروف، ويعبر به عن المتأخر والشيء الرذل. قال: والأذناب: الأتباع وجئت في أذناب القوم. والذنوب: الدلو العظيمة الملأى؛ وإن لم تكن ملأى فهي دلو. وفي الأصل: دلو ذات ذنبٍ. ثم يعبر بها عن النصيب. ومنه قوله تعالى:﴾ فإن للذين ظلموا ذنوبًا ﴿[الذاريات: ٥٩]، وقال علقمة بن عبدة في حق أخيه شأسٍ: [من الطويلي ٥٣٥ - وفي كل حي قد خبطت بنعمةٍ ... فحق لشأسٍ من نداك ذنوب ولما وصل شعره للملك الذي أسر أخاه قال: نعم وأذنبه. والذنوب أيضًا: توابيع المتن وهي لحمه: والأذناب: الأتباع، والرؤوس: الرؤساء المتبوعون. وذنب الرجل: تبعه. وفي الحديث: "كان لا يرى بالتذنوب أن يفتضح بأسًا"؛ التذنوب: البسرة التي يرى فيها الإرطاب من قبل ذنبه. ذنبت البسرة فهي مذنبة.

стр. 564

فصل الذال والهاء ذ هـ ب: الذهاب: المضي ويكون في الأعيان كقوله تعالى:﴾ وذا النون إذ ذهب مغاضبًا ﴿[الأنبياء: ٨٧]﴾ إني ذاهب إلى ربي ﴿[الصافات: ٩٩]. وفي المعاني كقوله تعالى:﴾ فلما ذهب عن إبراهيم الروع ﴿[هود: ٧٤]. ويتعدى بالهمزة أو بالباء نحو:﴾ ذهب الله بنورهم ﴿[البقرة: ١٧]،﴾ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴿[الأحزاب: ٣٣]. وبين النحاة خلاف في التعديتين؛ هل هما بمعنى أو بينهما فرق؟ حققناه في غير هذا، ويعبر به عن الموت. ومنه قوله تعالى:﴾ فلا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ ﴿[فاطر: ٨] أي لا تهلكها تحسرًا عليهم إن لم يؤمنوا، وقد يعبر به عن الفوز بالشيء قوله تعالى:﴾ لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن ﴿[النساء: ١٩] أي لتفوزوا. والذهب: معروف ويؤنث بالتاء فيقال: ذهبة، ويصغر على ذهيبةٍ. وكميت مذهب: علت حمرته صفرة فكأن عليه ذهبًا؛ قال: [من الطويل] ٥٣٦ - وكمتًا مدماةٍ كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب ورجل ذهب أي دهش حين رأى معدن الذهب. وفي الحديث: "كان ﵊ إذا أراد الغائط أبعد في المذهب" قال أبو عبيدة: يقال لموضع الغائط الخلاء والمذهب والمرفق والمرحاض. والذهب أيضًا مكيال معروف باليمن، ويجمع على أذهاب ثم يجمع أذهاب على أذاهب ومنه حديث بعض الصحابة "أذاهب من بر وأذاهب من شعيرٍ". ذ هـ ل: قوله تعالى:﴾ تذهل كل مرضعةٍ ﴿[الحج: ٢] أي تدهش وتتحير. وقيل: تسلو. يقال: ذهلت عن الشيء أذهل ذهولاً فأنا ذاهل إذا انصرفت وتركته. وقيل:

стр. 565

الذهول: شغل يورث حزنًا ونسيانًا. وذهل: علم لشخصٍ تنسب إليه القبيلة المشهورة. فصل الذال والواو ذ ود: قوله تعالى:﴾ تذودان ﴿[القصص: ٢٣] أي تطردان غنمهما عن غنم الناس لئلا تختلط بها. وقيل: وجوههما نظر الناس. يقال: ذدته أذوده ذودًا أي صرفته عني. وقيل: يكفان غنمهما حتى يفرغ الحوض من الوارد، وهو أظهر لقوله:﴾ حتى يصدر الرعاء ﴿والذود من الإبل ما بين الاثنين إلى التسع للإناث خاصًة دون الذكور. وفي الحديث: "ليس فيما دون خمس ذودٍ صدقة"، وقال الآخر: [من الرجز] ٥٣٧ - ذود صفايا بينها وبيني ... ما بين تسعٍ فإلى اثنتين ذ وق: قوله تعالى:﴾ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمًة ﴿[هود: ٩] أي أوصلناها إليه لا يتمكن به من ذوقها. وأصل الذوق وجود طعم الشيء بالفم. وأصله تناول ما يقل دون ما يكثر؛ يقال فيه: أكل. واختير من القرآن لفظ الذوق في العذاب لأنه وإن كان في العرف لما يقل فهو صالح. فاستعمل ليعم الأمرين. وقوله تعالى:﴾ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ﴿[النحل: ١١٢] فاستعمل الذوق مع اللباس من حيث إنه أراد به الاختبار أي جعلها بحيث تمارس الجوع والخوف، أي ابتلاها ما أخبرت من عقاب الجوع والخوف. وقيل: هو على تقدير كلامين أي أذاقها الجوع والخوف، وألبسها لباسهما، وفي الآية كلام أكثر من هذا. قوله:﴾ إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ﴿[الشورى: ٤٨] استعمل في

стр. 566

الرحمة الإذاقة وفي مقابلتها الإصابة في قوله:﴾ وإن تصبهم سيئة ﴿[الروم: ٣٦] تنبيهًا على أن الإنسان بأدنى ما يعطى من النعمة يبطر كقوله:﴾ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴿[العلق: ٦ و ٧]. وأكثر استعماله في العذاب. وقد جاء في الرحمة كما تقدم، والذواق: ما يذاق من طعامٍ وشرابٍ؛ فعال بمعنى مفعولٍ. وفي الحديث "لم يكن يذم ذواقًا" وفيه في صفة أصحابه ﵊: "لا يتفرقون إلا عن ذواقٍ" هذا كناية عما يتعلمون من العلم فإنه يقوم مقام الطعام والشراب؛ فإن العلم يحفظ أرواحهم كما يحفظ الطعام والشراب أبدان غيرهم. ويكنى بالذواق عن سرعة النكاح. وفي الحديث: "لم يكن الله ليحث الذواقين" أي السريعي النكاح السريعي الطلاق. قوله:﴾ فذاقت وبال أمرها ﴿[الطلاق: ٩] أي خبرت مكره، أو وصل إليها وصول المذاق. ذ وو: ذو بحذف اللام، وأصله: ذوي؛ لامه ياء لأن عينه واو. وباب طوى أكثر من باب قوي، وهو في كلامهم على ضربين؛ ضرب بمعنى صاحبٍ فيلازم الإضافة لفظًا ومعنى ولا يضاف إلا إلى اسم جنس ظاهرٍ. وشذت إضافته للعلم، نحو: ذي رعينٍ، ذي يزنٍ، ذي الكلاع، وكثر في أقبال حميرن ووجد في حجرٍ مكتوبٍ: "أنا الله ذو بكة". وشذت إضافته إلى المضمر في قولهم: "من مجزوء الرمل] ٥٣٨ - إنما يصطنع المعـ ... ـروف في الناس ذووه وقال الآخر: [من الوافر] ٥٣٩ - صبحنا الخزرجية مرهفات ... أبار ذوي أرومتها ذووها

стр. 567

ويعرب بالأحرف الثلاثة نيابًة عن الحركات، ويثنى ويجمع جمع السلامة فيقال: ذوا كذا رفعًا، وذوي كذا نصبًا وجرًا. وقد تقدم في قوله: ذووه وذووها وذوي أروممتها. ومؤنثه ذوات فإذا ثنيت فالأكثر رد المحذوف كقوله تعالى:﴾ ذواتا أفنانٍ ﴿[الرحمن: ٤٨]. وقد يقال: ذاتا على اللفظ. ومنه قوله: بين ذات العوج. وقول أهل الكلام وغيرهم: ذات الشيء يعنون بها نفسه وعينه فيقولون: ذاته كذا أي نفسه فيستعملونها مفردة ومضافة لظاهرٍ تارًة ومضمرٍ أخرى، وينكرونها مقطوعًة عن الإضافة ومعرفةٍ بأل فيقولون: ذاتك، وذات من الذوات، والذات. فيجرونها مجرى النفس، وكل ذلك ليس من كلام العرب؛ نص عليه الراغب. وأصل وضع "ذي" التوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس نحو: مررت برجلٍ ذي مالٍ وذي علمٍ. وقد شذ إفراده عن الإضافة بأن مجموعة جمع المذكر السالم في قول الكميت: [من الوافر] ٥٤٠ - وما أعني بقولي أسفليكم ... ولكني أريد به الذوينا الذوين: في البيت جمع ذي الواقع في أسماء ملوك حمير نحو ذي يزن وما ذكر معه. وفي الحديث في صفة المهدي: "قرشي يمان ليس نسبه من ذي ولا ذو" قال الهرومي: يقول: ليس نسبه نسب الأذواء - وهم ملوك حمير كذي رعين، وذي فاشين، وذي يزن - ثم أنشد بيت الكميت. قوله:﴾ وأصلحوا ذات بينكم ﴿[الأنفال: ١] أي صاحبة وصلتكم، وهي الحالة التي بينكم. وقوله:﴾ إنه عليم بذات الصدور ﴿[الأنفال: ٤٣] أي خفياتها. وضربٍ يكون بمعنى الذي وذلك في لغة طيء خاصًة، والأفصح فيها حينئذٍ أن تكون بلفظ ذو في الإفراد والتذكير وضدهما؛ رفعًا ونصبًا وجرًا، كقوله: [من الوافر] ٥٤١ - فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت

стр. 568

وقد تعرب كالتي بمعنى صاحبٍ، قال سحيم: [من الطويل] ٥٤٢ - فإما كرام موسرون أتيتهم ... فحسبي من ذو عندهم ما كفانيا وقد تثنى وتجمع وتؤنث فإذا جمعت جمع سلامةٍ فالأفصح بناؤه على الضم كقوله: [من الرجز] ٥٤٣ - جمعتها من أينقٍ سوابق ... ذوات ينهضن بغير سائق وقد ذكرها الهروي في مادة ذوي، وليس منه بالعكس كما قدمته. وذكر الراغب ذا اسم الإشارة في مادة "ذو" وسأتكلم عليه في مادة ... فإنه أليق به! لما ستعرفه، وليس من هذه المادة في القرآن إلا ذا اسم الإشارة على رأي بعض النحاة، وذلك أن الأسماء المتوغلة في البناء لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف، وإن ذكر بعض النحويين فيها شيئًا من ذلك فللتمرين. ومذهب البصريين أن ذا ثنائي الوضع لأنه مبني كالحرف. ومذهب الكوفيين أنه ثلاثي الوضع، وأن أصله "ذي ي" بدليل. تصغيرهم له على ذيا، والأصل ذييا فحذفت إحدى الياءين غير ياء التصغير وعوض منها الألف. وقيل: بل هي عوض من ضم أوله وفيه كلام طويل حققناه في غير هذا، لا غرض لنا في التطويل به هنا إذ لا تعلق له بالمعنى. وفيه لغة ذا، بالمد. ويقال في التوسط ذاك وفي البعد ذلك وآلك؛ فله ثلاث مراتب على المشهور عند النحاة، ومؤنثه ذي وذه، وتي وته، وتا وذات وتسكن هاء ذه وته، وتشبع وتختلس وتثنى ذات وتا وجمعهما أولى. وقد تقصر وتلحق هاء التنبيه جميعها إلا ما فيه لام البعد، والكاف حرف خطابٍ جارًة مجرى الاسم مطابقًة. ويكون ذا موصولاً مع ما أو من الاستفهامية بشرط ألا يلغى وألا يراد به الإشارة فالأحسن حينئذٍ جوابه بالرفع. وإذا أبدل منه وجب الرفع. وقرئ قوله:﴾ يسألونك ماذا ينفقون قل العفو ﴿[البقرة: ٢١٩] برفع العفو على أنه موصول، ونصبه على أنه غلب عليه الاستفهام. وأجمع في السبع على نصب "خيرًا" ورفع "أساطير" من قوله: ﴿ماذا أنزل

стр. 569

ربكم قالوا خيرًا﴾ [النحل: ٣٠]﴾ ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ﴿[النحل: ٢٤] ومن البدل قوله: [من الطويل] ٥٤٤ - ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى، أم ضلال وباطل؟ وقولهم: عما ذا يسأل هو على جعله مع ما بمنزلة اسمٍ واحدٍ، ولذلك يثبت ألف ما الاستفهامية مجرورًة لوقوعها حشوًا، وقول الآخر: ٥٤٥ - دعي ماذا علمت سأتقيه ... ولكن بالمغيب خبريني يجوز أن يكون "ماذا" كله بمنزلة الذي لئلا يلزم تعليق غير أفعال القلوب، وأن يكون ذا زائدًا وهو قبيح، وأن يكون مفعول دعي مضمرًا وهو الظاهر أي: دعي الأمور المعلومة. وما حينئذٍ استفهامية، ولا تعليق حينئذٍ من غير فعلٍ قلبي. قوله:﴾ ذلك الكتاب ﴿[البقرة: ٢] أشير إليه بما للبعيد تعظيمًا كقوله:﴾ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴿[يوسف: ٣٢]. وقيل: لأنه نزل من السماء إلى الأرض. وقيل: لأنه وعد به قبل إنزاله. وقول المفسرين هنا أشير إليه إشارة الغائب فيه مسامحة وإلا فلا يشار إلا لحاضرٍ أو ما في قوته لتحقق خبر المخبر به كقوله تعالى:﴾ ذلك يوم مجموع له الناس ﴿[هود: ١٠٣] يعني يوم القيامة.

стр. 570

باب الراء فصل الراء والهمزة ر أس: قوله تعالى:﴾ فتأكل الطير من رأسه ﴿[يوسف: ٤١] الرأس أعلى ما في الإنسان ولذلك عبر بها عن كل عالٍ فقيل: رأس الجبل. ويعبر بها عن أول الشيء، ومنه: رأس الحول. وقيل للسيد رأس القوم لذلك، ومنه رجل رئيس، ورأسه من ذلك. ويجمع الرأس على رؤوسٍ في الكثرة وأرؤسٍ في القلة. ورجل أرأس: عظيم الرأس، وهو الرؤاسي أيضًا: رئاس السيف: مقبضه. وشاة رأساء: سوداء الرأس: رأسته: أصبت رأسه، نحو كبدته: أصبت كبده. وفي الحديث: "إنه ﵊ كان يصيب من الرأس وهو صائم". ر أف: قوله تعالى:﴾ رؤوف رحيم ﴿[التوبة: ١١٧]. الرأفة: الرحمة، فعلى هذا يكون جمع بين اللفظين تأكيدًا. وحسن ذلك اختلاف اللفظين كقوله تعالى:﴾ صلوات من ربهم ورحمة ﴿[البقرة: ١٥٧]، وقوله: ٥٤٦ - وألفى قولها كذبًا ومينا [من الوافر] ٥٤٧ - وهند أتى من دونها النأي والبعد [من الطويل] وقيل: الرأفة أرق من الرحمة، فهي أخص، وعلى هذا فلا تكرار ولا تأكيد. يقال: رأف به يرأف رأفًة ورآفًة مثل كأبةٍ وكآبةٍ. ورؤف به أيضًا بزنة ظرف، فهو رؤوف. مثل حذرٍ ويقظ بزنة صبورٍ وشكور. وقد قرئ بذلك في المتواتر.

стр. 571

ر أو: قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴿[البقرة: ٢٤٣] أي لم ينته إلى علمك كقوله:﴾ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ﴿[آل عمران: ٢٣] والرؤية بمعنى العلم كثير. وقيل: معناه التعجب؛ عجب الله من فعل هؤلاء الخارجين. وقال سيبويه: سألته - يعني الخليل - عن قول الله تعالى:﴾ الم تر أن الله أنزل من السماء ماًء ﴿[الحج: ٦٣] فقال: هذا واجب معناه التنبيه كأنه قيل: ألم تسمع أنه أنزل الله من السماء ماًء فكان كذا وكذا؟ واعلم أن رأى لفظ مشترك بين معانٍ؛ رأى بمعنى أبصر، وبمعنى علم، وبمعنى ظن، وبمعنى حلم في المنام، وبمعنى ضرب رئته. وقد يتميز بعضها بالمصدر؛ فمصدر البصرية رؤية، والحلمية رؤيا، والرأي لغير ذلك. وقد يجيء في البصرية كقوله تعالى:﴾ رأي العين ﴿[آل عمران: ٢٣]. ولذلك أضافه للعين، فإن كان على خلاف الأصل. وقوله:﴾ أرأيتك هذا الذي كرمت علي ﴿[الإسراء: ٦٢] وقوله:﴾ أرأيتكم ﴿[الأنعام: ٤٠] ونحوه معناها في هذا كله معنى: أخبرني. ويلزم حينئذٍ فتح التاء مفردًة على كل حالٍ، استغناًء بمطابقة الكاف لما يراد بها من إفراد وتذكيرٍ وضديهما. ولذلك لا يعلق أخبرني؛ فإن لم يرد بها معنى أخبرني وجب مطابقة التاء لما يراد بها. وللنحويين في "أرأيتك" الإخبارية خلاف طويل بالنسبة إلى الفاعل ودلائل متعارضة تحقيقها في غير هذا ويفيد. "أرأيتك" بمعنى أخبرني معنى التنبيه والتي بمعنى العلم والظن. والحكم يتعدى في أحوالها الثلاثة إلى مفعولين، وفيما عدا ذلك يتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ. ويتعدى بالهمزة إلى مفعولٍ آخر هو فاعل في المعنى، فتعدى

стр. 572

المتعدية إلى اثنين قبل ذلك إلى ثلاثةٍ وهو نهاية تعدي الفعل كقوله تعالى:﴾ إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ﴿[الأنفال: ٤٣]. والمتعدية لواحدٍ يتعدى بها إلى اثنين. وقد يقلب رأى بتقديم لامه على عينه فيقال: راء، وأنشدوا: [من الطويل] ٥٤٨ - وكل خليلٍ راءني فهو قائل ... من آجلك: هذا هامة اليوم أو غد وتحذف عينه في الاستفهام نحو: أريتك وأريتكم وهي قراءة الكسائي. وقد قسم بعضهم الرؤية إلى أقسامٍ فقال: وذلك أضرب بحسب قوى النفس؛ الأول: بالحاسة وما يجري مجراها كقوله تعالى:﴾ وسيرى الله عملكم ورسوله ﴿[التوبة: ٩٤] هذا مما يجري مجرى الرؤية بالحاسة، فإن الحاسة لا تصح على الله تعالى. والثاني: بالوهم والتخيل نحو: رأيت أن زيدًا منطلق. والثالث: بالتفكر نحو:﴾ إني أرى ما لا ترون ﴿[الأنفال: ٤٨]. والرابع: بالعقل نحو:﴾ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴿[النجم: ١١]، وعلى ذلك حمل قوله:﴾ ولقد رآه نزلًة أخرى ﴿[النجم: ١٣]. قال: والرأي: اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، وعلى هذا قوله تعالى:﴾ يرونهم مثليهم رأي العين ﴿[آل عمران: ١٣] أي يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم. والروية والتروية: التفكر في الشيء، والإمالة بين خواطر النفس في تحصيل الرأي. وإذا عديت رأى بـ على دلت على التفكر المؤدي إلى الاعتبار كقوله تعالى:﴾ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴿[الفرقان: ٤٥]. قوله تعالى: ﴿فلما تراءى الجمعان﴾

стр. 573

[الشعراء: ٦١] أي تقابلا وتقاربا حتى صار كل واحدٍ يتمكن من رؤية الآخر. ومنه قوله ﵊: "لا تراءى ناراهما ومنازلهم". وقوله تعالى:﴾ وأرنا مناسكنا ﴿[البقرة: ١٢٨]. أي أعلمنا، ومنه قول حطائط بن يعفر: [من الطويل] ٥٤٩ - أريني جوادًا مات هزلاً لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلاً مخلدا أي أعلميني: قوله:﴾ أعنده علم الغيب فهو يرى ﴿[النجم: ٣٥] أي يعلم. وقال ابن عرفة: أي يرى ما غاب عنه. وقوله:﴾ ولو نشاء لأريناكهم ﴿[محمد: ٣٠] معناه عرفناكهم. ر أي: قوله:﴾ إذا رأتهم من مكانٍ بعيدٍ ﴿[الفرقان: ١٢] أي قابلتهم، من قولهم: منازلهم تتراءى أي تتقابل. قوله:﴾ بما أراك الله ﴿[النساء: ١٠٥] أي أعلمك وعرفك. والراية: العلامة المنصوبة للرؤية. ومع فلانٍ رئي من الجن. وأرأت الناقة فهي مرءٍ: أظهرت الحمل حتى يرى صدق حملها. قوله تعالى:﴾ رئاء الناس ﴿[البقرة: ٢٦٤] مصدر راءى بعمله. ومعنى الفاعل فيه أنه يريهم عمله ليروه ثناءهم عليه. والمرآة: مفعلة من الرؤية، هي آلة الرؤية المنعكسة. وهي ما ترى فيها صورة الأشياء، قال ابن عرفة: [من الطويل] ٥٥٠ - فغن لم تك المرآة أبدت وسامة ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم وجمعها المرايا. والأصل المرائي، ثم غلب الإعلال المشهور. قوله: ﴿أثاثًا

стр. 574

ورئيًا﴾ [مريم: ٧٤]. الرئي: المنظر والشارة؛ يقال: إنه لحسن الرئي أي الشارة، وقرئ ريًا بتشديد الياء فقيل: هو مهموز الأصل خفف. وقيل: هو من الري وهو من ذوات الواو من روي بالماء يروي به. وتقدم تفسير الأثاب في بابه، وانتصابهما تمييز. وأما الرئي فهو التابع من الجن لأنه يتراءى على شكل ما أراد. وفي الحديث: "فإذا رئي"؛ حية عظيمة. ويجوز كسر فائه إتباعًا. وأما الرئي بالكسر فقط فهو أن يريك ثوبًا حسنًا لتشتريه لحسنه. قال علقمة: [من الطويل] ٥٥١ - كميت كلون الأرجوان شريته ... لبيع الرداء في الصوان المكعب والرئة: العضو المعروف، وهي السحر أيضًا. ومنه قول لقمان بن عادٍ: "لا تملأ رئتي جنبي". يقول: لست بجبان تنتفخ رئتي من الفزع حتى تملأ جنبي. يقال: انتفخ سحره ويجمع رئون كجمع زيدٍ حكاه الراغب. ويخفف همزها بإبداله ياًء. وفي بعض الألغاز: [من البسيط] ٥٢٢ - إني رأيت عجيبًا في دياركم؛ ... شيخًا وجاريًة في بطن عصور! وجا قطع، وريًة مفعولة. ويقال في التورية: ما رأيت زيدًا أي ما أصبت رئته، نحو فأدته أي أصبت فؤاده. فصل الراء والباء ر ب ب: قوله تعالى:﴾ الحمد لله رب العالمين ﴿[الفاتحة: ٢] الرب: الملك والسيد

стр. 575

والمصلح والصاحب، وكلها معانٍ متقاربة. ولا يقال مطلقًا إلا للباري تعالى. فأما قوله: [من الخفيف] ٥٥٣ - فهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين، والبلاء بلاء فقول جاهلي لا يعتد به. ويقال: فلان رب الداء والشاء والبعير. ومنه:﴾ ارجع إلى ربك ﴿[يوسف: ٥٠]﴾ إنه ربي أحسن مثواي ﴿[يوسف: ٢٣]. ومنه: [من مجزوء الكامل] ٥٥٤ - فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير وقيل: عني بقوله:﴾ إنه ربي ﴿الباري تعالى، وهو الأليق بحاله. والرب في الأصل قيل: وصف، وقيل مصدرًا واقع موقع اسم الفاعل ربه يربه ربًا، ورباه يرببه تربيًة، ورببه يرببه تربيبًا، كله بمعنى أصلحه. وقال: "لأن يربني رجل من قريشٍ أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن". فإذا قيل إنه وصف فهل هو مقصور من رأب، نحو بر مقصور من نحو بار أو وصف على فعلٍ من غير حذفٍ، نحو صعبٍ وضخمٍ؟ خلاف مشهور. وكل موضعٍ ذكر فيه لفظ الرب فلمناسبة ذلك المقام؛ ألا ترى حسن موقعه في قوله:﴾ الحمد لله رب العالمين ﴿حيث نبههم على استحقاق الحمد له بكونه مصلحهم ومالكهم ومتولي مصالحهم. وكذا قوله:﴾ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ﴿[الأعراف: ٥٤]،﴾ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴿[النساء: ١] إلى غير ذلك من نظائره. وتجمع على أربابٍ كقوله تعالى:﴾ أأرباب متفرقون ﴿[يوسف: ٣٩]، وعلى ربوبٍ كقول الشاعر: [من الطويل] ٥٥٥ - وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني، فضعت، ربوب

стр. 576

وأديم مربوب أي مصلح؛ قال الشاعر: [من الطويل] ٥٥٦ - فإن كنت مني أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسمن رب له الأدم ويطلق على المعبود بغير حقٍ﴾ أأرباب متفرقون ﴿. وقول الآخر: [من الطويل] ٥٥٧ - أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب ولنا فيه كلام أطول من هذا. واختلف فيه؛ هل هو صفة ذاتٍ أم صفة فعلٍ. وفي حديث أشراط الساعة "أن تلد الأمة ربها أو ربتها" هو أن يكثر التسري فيولد الرجل أمته ولدًا فهو مولاها في المعنى. قوله:﴾ والربانيون ﴿جمع رباني منسوب إلى لفظ الرب بمعنى التربية، وذلك أن العلماء يربون العلم أي يصلحونه ويتعلمونه، ثم يربو به الناس فيعلمونهم كما تعلموا ويصلحونهم كما صلحوا هم به، وهم الذين يربون بصغار العلوم قبل كبارها؛ فهو من لفظ الربية ومعناها. ولما توفي الحبر البحر ابن عباسٍ ﵄ قال السيد محمد ابن الحنفية: "مات رباني هذه الأمة". وقوله:﴾ ولكن كونوا ربانيين ﴿[آل عمران: ٧٩] أي علماء حلماء يعلمون الناس ويربونهم كما علمكم غيركم ورباكم. ولذلك نبههم على ذلك حيث قال:﴾ بما كنتم ﴿وزيدت الألف والنون في النسب مبالغة كقولهم: لحياني وجباني في الكبير اللحية والجبة. وقوله:﴾ معه ربيون كثير ﴿[آل عمران: ١٤٦] جمع ربي وهو

стр. 577

العالم أيضا. قيل: هو نسبة إلى الرب غير في النسب نحو دهري، وقيل: منسوب إلى الربة وهي الجماعة وقيل: الرباني منسوب إلى ربان بني على فعلان من رب كما في عطشان من عطش. وقال ﵊: "أنا رباني هذه الأمة" ولا شك في ذلك بأي تفسير فسر الرباني. وقيل: الرباني أصله سرياني؛ قال الراغب: وأخلق بذلك فقلما يوجد في كلامهم. وقد اختار غير المختار، لأنا متى وجدنا لفظًا موافقًا للأصول اشتقاقًا ومعنًى، فأي معنًى إلى ادعاء السريانية فيه؟ وهذا كما قيل في الله والرحمن أنهما معربان. وهذه أقوال ضعيفة، وقد نبهنا عليها في أماكنها. والرباب: السحاب لأنه يرب النبات، منه سمي المطر درًا. وأربت السحابة: دامت. وحقيقته صارت ذات تربيةٍ وتصور فيها معنى الإقامة؛ يقال: أرب فلان بمكانه أي أقام، تشبيهًا بإقامة الرباب. والربابة: خريطة تجمع فيها قداح الميسر، والربابة تقال للعقد في موالاة الغير. واختص الراب والرابة بأحد الزوجين إذا تولى تربية الولد من زوجٍ كان قبل ذلك. واختص الربيب بذلك الولد؛ فعيل بمعنى مفعول. وشاة ربي أي حديثه عهدٍ بنتاجٍ. ولذلك نهي المصدق عن أخذها؛ يقال: شاة ربي: بينة الرباب. ويقال: ربابها بين أن تضع إلى أن يأتي عليها شهران وجمعها رباب بضم الراء. ورب: حرف تقليل. وقيل: اسم، ويكون للتكثير عند بعضهم كقول امرئ القيس: [من الطويل] ٥٥٨ - ويا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍ ... بآنسةٍ كأنها خط تمثال ومثله قوله: [من الطويل]

стр. 578

٥٥٩ - فيا رب مكروبٍ كررت وراءه ... وعانٍ فككت الغل عنه فقداني. ولا يليق بمقام التمدح القليل، وأجيب بأنها لتقليل النظر فيفيد التمدح. ولها أحكامٍ كثيرة ولغات عديدة حققناها ولله الحمد في غير هذا. ولا تجر إلا الفكرة غالبًا، وتدخل معها ما مزيدًة فتفكها ولا تكفها، وتليها الأفعال فتخلصها للمضي، فأما قوله:﴾ ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴿[الحجر: ٣] فكقوله:﴾ ونادى أصحاب الجنة ﴿[الأعراف: ٤٤] وقوله:﴾ أتى أمر الله ﴿[النحل: ١] لتحقق الخبر. وتؤنث بالتاء ساكنًة ومفتوحًة كما في ثم. ر ب ح: الربح: الزيادة على رأس المال. قوله تعالى:﴾ فما ربحت تجارتهم ﴿[البقرة: ١٦] من أبلغ المجاز حيث نسب الخسران إلى نفس البضاعة التي هي سبب في الربح والزيادة، ومن له أدنى ذوقٍ يفرق بين فصاحة وأبلغية "فما ربحت تجارتهم" وبين: فما ربحوا في تجارتهم، وهو ترشيح للمجاز الذي تقدم في قوله:﴾ اشتروا الضلالة بالهدى ﴿[البقرة: ١٦] ومثله في الإسناد المجازي﴾ فإذا عزم الأمر ﴿[محمد: ٢١]،﴾ والنهار مبصرًا ﴿[يونس: ٦٧]﴾ الناقة مبصرًة ﴿[الإسراء: ٥٩]، فجل رب العالمين المتكلم بهذا الكلام العظيم. ومن هذا قول الآخر: [من الوافر] ٥٦٠ - قروا أضيافهم ربحًا بيح. بح: اسم للقداح التي يستقسمون بها. وعندي أن الربح هنا اسًم لما يحصل من الربح نحو النقص؛ والمعنى قروا أضيافهم ما حصلوا منه الحمد الذي هو أعظم الربح.

стр. 579

وذلك كقول الآخر: [من الطويل] ٥٦١ - فأوسعني حمدًا وأوسعته قرًى ... فأرخص بحمدٍ كان كاسبه الأكل وفي الحديث: "ذلك مال رابح" كـ: لابنٍ وتامرٍ، أي ذو ربحٍ. ويروي رايح بالياء أي عائد الفائدة. ر ب ص: قوله تعالى:﴾ يتربصن ﴿[البقرة: ٢٢٨] أي ينتظرن. والتربص: الانتظار بالشيء. يقال: تربصت: يريد الموت أي انتظرته به. ولي ربصة بكذا أي تربص، والتربص: الانتظار بالشيء سلعًة كان أو غيرها من الأمور المنتظر زوالها أو حصولها. ومنه:﴾ نتربص به ريب المنون ﴿[الطور: ٣٠] أي نزول الموت والانتظار بالسلعة تارًة يكون لغلاء سعرها وهو الغالب وتارًة لغير ذلك. ر ب ط: قوله تعالى:﴾ وربطنا على قلوبهم ﴿[الكهف: ١٤] أي عقدنا عليها عقدًا اطمأنت به حتى لا تفرغ ولا تقلق كقلوب من بعدوا عن أهلهم وديارهم. ولا يرى أقلق من قلب الغريب لاسيما المتوحد. وقوله:﴾ لولا أن ربطنا على قلبها ﴿[القصص: ١٠]. وأصل الربط: العقد في الأعيان نحو ربطت الفرس أربطه، فاستعير في إلهام الطمأنينة والصبر على المكاره لحصول تقوية القلب وتشديده بتوفيق الله تعالى. وسمي المكان الذي يخص بإقامة حفظةٍ فيه رباطًا. والمرابطة: كالمحافظة؛ وهو ضربان: مرابطة في ثغور المسلمين، ومرابطة النفس فإنها كمن أقيم في ثغرٍ وفوض إليه مراعاته، فيحتاج أن يراعيه غير مخل به. وذلك كالمجاهدة. وفي الحديث من المرابطة

стр. 580

"انتظار الصلاة بعد الصلاة" وفلان رابط الجاش: إذا قوي قلبه. وقوله تعالى:﴾ وليربط على قلوبكم ﴿[الأنفال: ١١] إشارة إلى نحو قوله تعالى:﴾ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ﴿[الفتح: ٤] عكس من قال فيهم:﴾ وأفئدتهم هواء ﴿[إبراهيم: ٤٣] قوله:﴾ ورابطوا ﴿[آل عمران: ٢٠٠] فيه قولان أحدهما: أقيموا على جهاد عدوكم ورباط خيولكم. والثاني: ما قال ﵊ من "إسباغ الوضوء على المكاره وانتظار الصلاة ألا فذلكم الرباط". وقوله:﴾ ومن رباط الخيل ﴿[الأنفال: ٦٠] يعني ارتباطها وحبسها معدًة للقتال وقرأ عبد الله:﴾ ومن ربط الخيل ﴿فربط: جمع رباط نحو حمر وحمار. وقال الهروي: يقال رباط وأربطة ثم ربط، ظاهره أن ربطًا جمع أربطة، ولكن لا يريد ذلك لفساده صناعًة. وقال القتيبي: المرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم في ثغرٍ، وهؤلاء خيولهم في ثغرٍ. يعني: فالمفاعلة محققة في ذلك. وفرس ربيط أي مربوط. وفي الحديث: "إن ربيط بني إسرائيل" أي حكيمهم الذي ربط نفسه عن الدنيا والربيط أيضًا: رطب يصب عليه عسل ونحوه لئلا يجف. والرباط أيضًا: المواظبة على الشيء وما يربط به من حبلٍ ونحوه. ر ب ع: قوله تعالى:﴾ أربعين ليلًة ﴿[البقرة: ٥١] الأربعون ونحوها جارٍ مجرى جمع السلامة، وليس جمعًا صناعيًا لعدم سر ... مذكورة في غير هذا، ولفساد المعنى في عشرين وثلاثين. وقد يعرب إعراب جمع التكسير كقوله: [من الوافر]

стр. 581

٥٦٢ - وقد جاوزت حد الأربعينا. قوله:﴾ رباع ﴿[النساء: ٣] معدول عن عددٍ مكررٍ أي أربع أربع، ولذلك منع الصرف. والأربع هذا جرى مجرى الأوصاف من قولهم: مررت بنسوةٍ أربعٍ. ولا يعتد بذلك لعروضه، فلذلك صرف بخلاف: أبطح وأبرق، وإن جريا مجرى الجوامد. وربعت القوم أربعهم: كنت لهم رابعًا، وأخذت ربع أموالهم. وهو يمشي في قومه بالمرباع: أي يأخذ ربع ما يغنمون، وكانوا يفعلونه في الجاهلية. وقال ﵊ لعدي بن حاتمٍ: "وإنك تأكل المرباع وهو لا يحل لك في دينك". والربع: من أظماء الإبل والحمى. وأربع: إذا أورد إبله ربعًا. ورجل مربوع ومربع: أخذته حمى الربع. والمربوع أيضًا: الربعة، وهو بين الرجلين، ويستوي فيه الذكر والأنثى؛ يقال: رجل ربعة وامرأة ربعة ورجال ربعون ونساء ربعات - بفتح الباء - والقياس سكونها لأنها صفة. وقيل: فتحت جمعًا لقول بعضهم: ربعة بالفتح ومثلها لجبة. وربعت الحجر وارتبعته: شلته لأروز قواي. والحجر ربيعة. وربع زيد وارتبع: أقام في الربيع، ثم استعمل في كل إقامةٍ حتى سموا مكان الإقامة ربعًا وإن لم يكن في الربيع. والربيع: رابع فصول السنة. والأربعاء: رابع الأسبوع من يوم الأحد. والأربعاء: جمع ربيعٍ وهو النهر. وفي الحديث: "كانوا يكرون الأرض بما ينبت على الأربعاء" والتين. والربع أو الربعي: ما نتج في الربيع وهو المرباع أيضًا. ولما كان الربيع أولى وقت الولادة وأحمده استعير لكل ولدٍ يولد في

стр. 582

الشباب فقيل: [من الرجز] ٥٦٣ - أفلح من كان له ربعيون. وغيث مربع: يأتي في الربيع. ومنه في الاستسقاء: "اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مربعًا" وقيل: المربع المغني عن الارتياد. وقولهم: أربع على نفسك أي ارفق بها. وفي حديث التلبية: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم". وفي الحديث: "فعدل إلى الربيع". فيظهر منه الربيع: النهر كما تقدم. وقولهم: "اربع على ظلعك" يجوز أن يكون من الرفق وأن يكون من الإقامة. أي أقم على ظلعك. ويجوز أن يكون من ربع الحجر، أي تناوله على ظلعك. والرباعة: الرياسة وأصلها الجماعة، وذلك أن رئيس القوم من يجمعهم. وقيل: لأنه يأخذ مرباعهم. ومنه قوله: لا يقيم رباعة القوم غير فلانٍ. وفي الحديث: "إنهم أمة على رباعتهم". قال الفراء: أي على استقامتهم. وقيل: معناه على أمرهم الذي كانوا عليه. يقال: هم على رباعهم ورباعتهم بمعنى واحد. والرباعيتان من أسنان الإنسان: ما اكتنفا الثنايا. قال الراغب: سميتا بذلك لكون أربع أسنانٍ بينهما. واليربوع: هذه الفأرة المعروفة سميت بذلك لكون لجحرها أربعة أبوابٍ. وأرض مربعة: فيها يرابيع والربعة: الجونة لكونها في الأصل ذات أربع أرجلٍ، ولكونها ذات أربع طبقاتٍ. ر ب و: قوله تعالى:﴾ حرم الربا ﴿[البقرة: ٢٧٥]. الربا: في الأصل الزيادة؛ يقال:

стр. 583

يربو. ومنه: ﴿اهتزت وربت﴾ [الحج: ٥]. وقوله:﴾ ليربو في أموال الناس ﴿[الروم: ٣٩] ليزيد. وكانوا يستقرضون فإذا حل الأجل قال صاحب الدين: ... . في الأجل وزدني في الدين. وكانوا يسلفون القليل بالكثير. وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا اليد، وربا القرض. حسبما بيناه في "الأحكام" وفيه لغة: غارمًا بالميم والمد. قوله:﴾ وما أوتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ﴿[الروم: ٢٩] فهذا من الزيادة على رأس المال. والمعنى: ليكثر ويزيد فلا ينمو عند الله. وعليه قوله:﴾ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴿[البقرة: ٢٧٦]. والربا: من ذوات الواو وشذت إمالته قياسًا لا استعمالاً. وكتبت في المصحف بواوٍ بعدها ألف وتثنى عند البصريين بالألف وعند الكوفيين بالياء. وقوله:﴾ أن تكون أمة هي أربى من أمةٍ ﴿[النحل: ٩٢]. قال ابن عرفة: يقول: إذا كان بينكم وبين قومٍ عقد وحلف نقضتم ذلك وجعلتم مكانهم أمًة هي أكثر منهم عددًا. وقيل: معناه أن تكون أمة هي أغنى وأعلى من أمةٍ. وقوله:﴾ زيدًا رابيًا ﴿[الرعد: ١٧] أي طافيًا فوق الماء. والأفصح في الربا القصر، وقد تمد. وأنشدوا للأخطل: [من البسيط] ٥٦٤ - تعلو الهضاب وحلوا في أرومتها ... أهل الرباء وأهل الفخر إن فخروا والظاهر أن هذا وهم لأن البيت ينشد بفتح الراء والربا بفتح الراء هو الكثرة والرفعة. وفي كتابه ﵊ في صلح نجران: "أنه ليس عليهم ربية ولا دم"

стр. 584

قيل أصلها ربية من الربا كالحبية من الاحتباء. قوله:﴾ بربوة ﴿[البقرة: ٢٦٥] أي ما ارتفع من الأرض فزادت على ما حولها. وفيها لغات: ربوة بتثليث الراء وقرئ في المتواتر بالضم والفتح، ورباوة بتثليثها أيضًا، فهذه ست لغاتٍ. وفي الحديث: "الفردوس ربوة الجنة" أي أرفعها. قوله:﴾ أخذًة رابيًة ﴿[الحاقة: ١٠] أي زائدةٍ على الأخذات. وفي حديث عائشة: "مالك حشياء رابيةً" الحشياء والرابية بمعنًى واحدٍ وهي من أخذها الربو. والربو: الانبهار، سمي بذلك تصورًا لتصعده. ولذلك قيل: يتنفس الصعداء، لأنه يرتفع بصدره إلى جهة العلو. وقيل: رابية تربو فاعلها كأنها ربت بنفسها. ومنه:﴾ اهتزت وربت ﴿[الحج: ٣] وربيت الولد فربا من ذلك، لأنه زاد في ترعرعه، وقيل: أصله: ربيته بالتضعيف، فقلب من أحد الأمثال حرف علة تخفيفًا نحو: تظنيت، والأربيتان من ذلك لأنهما لحمان ناتئان في أصول الفخدين وأما الربيئة - وهو الطليعة - فمهموز، وليس من هذا الباب في شيءٍ. فصل الراء والتاء ر ت ع: قوله تعالى:﴾ يرتع ﴿[يوسف: ١٢] قيل يلهو، يقال: رتع يرتع من لها يلهو، قاله أبو عبيدٍ. وقال غيره: يسعى وينبسط. وقال ابن الأنباري: رتع فلان أي هو مخصب لا يعدم ما يريد. وقيل: يأكل أكلاً واسعًا. قال سويد: [من الرمل] ٥٦٥ - ويحييني إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمي رتع كنى بذلك عن الغيبة كقوله: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾.

стр. 585

[الحجرات: ١٢]. وفي حديث أم زرعٍ: "في شبعٍ وري ورتعٍ". أي تنعم. وفي دعاء الاستسقاء: "مربعًا مرتعًا". يقال: رتعت الإبل، وأرتعها الله أو ربها. أرتع دكانه: إذا خلاها والرتع: أصله لكل البهائم، ويستعار في الأناسي كما تقدم؛ يقال رتع يرتع رتوعًا، ورتعه يرتعه رتعًا، وأرتعه يرتعه إرتاعًا. والثلاثي قاصر ومتعد، وقع الفرق بينهما بالمصدر. ويقال: رتع ورتع ورتعه ورتعه بسكون التاء وفتحها. وقال الحجاج لمحبوسٍ: "سمنت" فقال: "أسمنتي القيد والرتعة" يعني سعة الخصب والعيش. ر ت ق: قوله تعالى:﴾ كانتا رتقًا ﴿[الأنبياء: ٣٠] أي متطابقًة منضمًة لا فرجة بينها ففتق هذه بالمطر وهذه بالنبات. هذا قول ابن عرفة. وقال الأزهري: كانت سماًء مرتقًة وأرضًا مرتقًة ففتق كلاً منهما. فجعلهما فتقًا كقوله تعالى:﴾ الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهن ﴿[الطلاق: ١٢]. وأصل الرتق: الضم والالتحام، ومنه امرأة رتقاء وهي المتضمة الشفرين. وفلان فاتق راتق أي عاقد حال. ر ت ل: قوله:﴾ ورتل القرآن ترتيلاً ﴿[المزمل: ٤] أي بين كلمه واحدًة بعد أخرى من قولهم: ثغر رتل: إذا كان بين الأسنان غير متراكبها، وهو المفلج الذي لا لصص فيه. وأصل الترتيل إرسال الكلمة من الفم بسهولة على اللسان. والرتل: اتساق الشيء وانتظامه على استقامةٍ وقوله:﴾ ورتلناه ترتيلاً ﴿[الفرقان: ٣٢] أي أنزلناه مرتلاً مبينًا. فصل الراء والجيم ر ج ج: قوله تعالى:﴾ إذا رجت الأرض رجًا ﴿[الواقعة: ٤] أي تزلزلت وتحركت

стр. 586

حركًة شديدًة كقوله: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ [الزلزلة: ١] والرج: تحريك الشيء وإزعاجه. وفي الحديث: "من ركب البحر إذا ارتج" أي اضطرب وهاج. وروي "أرتج" فإن حفظ فمعناه أغلق عن أن يركب، من الرتاج وهو الباب، وليس من هذه المادة. يقال: رجه فارتج. والرجرجة: الحركة والاضطراب وكتيبة رجراجة، وجارية. وفي الحديث: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس رجرجًة كرجرجة الماء الخبيث" قال أبو عبيدٍ: كلام العرب الرجرجة بكسر الرائين وهي بقية الماء في الحوض كدرة مختلطًة بطين لا ينتفع بها. وقال الحسن البصري في يزيد بن المهلب: "رجرجة من الناس" شمر: يعني رذالتهم. وقال الكلابي: هم الذين لا عقول لهم. ويقال أيضًا: رجراجة من الناس. وارتج كلامه: اضطرب وأرتج عليه. ر ج ز: قوله تعالى:﴾ والرجز فاهجر ﴿[المدثر: ٥] أي عبادة الأوثان وأصل الرجز: العذاب، والمعنى اهجر ما يؤدي إلى الرجز، والأمر وإن كان له في الصورة فهو لغيره في المعنى لأنه ﵊ لم يزل هاجرًا ذلك. أو المعنى: دم على ذلك، وأصله الاضطراب. ومنه: رجز البعير يرجز رجزًا فهو أرجز ورجز: تقارب خطوه واضطرب لضعفٍ فيه. وشبه به بحر الرجز لتقارب أجزائه في التقطيع. ورجز فلان وارتجز أي عمل رجزًا أو نشده والأرجوزة: اسم لتلك القصيدة، والجمع أراجيز. قال: [من البسيط] ٥٦٦ - أبالأراجيز يا بن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور

стр. 587

ورجل راجز ورجاز. وكان له ﵊ فرس تسمي المرتجز لحسن صهيله وحمحمته. قوله:﴾ عذاب من رجزٍ ﴿[سبأ: ٥] أي مزلزل مزعج. قوله:﴾ ويذهب عنكم رجز الشيطان ﴿[الأنفال: ١١] أي الشهوة المفضية إلى ذلك. وقيل: أراد به ما يدعو إليه من الكفر والبهتان والفساد. وقيل: وساوسه. وقوله:﴾ والرجز فاهجر ﴿قرئ بالكسر والضم؛ لغتان بمعنى واحدٍ وقيل: هو بالضم اسم صنمٍ قاله الحسن. وبالكسر العذاب. وقوله:﴾ ولما وقع عليهم الرجز ﴿[الأعراف: ١٣٤] يعني العذاب الفظيع. ر ج س: قوله تعالى:﴾ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ﴿[الأحزاب: ٣٣] الرجس: اسم لكل متقذرٍ ثم استعمل في الأفعال القبيحة. يقال: رجل رجس ورجال أرجاس. وهو على أربعة أوجهٍ: إما من حيث الطبع، وإما من حيث العقل، وإما من حيث الشرع، وإما من كل ذلك؛ كالميتة فإنها تعاف طبعًا وعقلاً وشرعًا. والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر. وقيل: من جهة العقل؛ وعليه نبه تعالى بقوله:﴾ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴿[البقرة: ٢١٩] لأن كل من يؤتي إثمه على نفعه قضى العقل بخبثه، نقله الراغب، وفيه نظر من حيث إن كبر الإثم لا يعلم إلا من جهة الشرع. فالعقل متوقف عليه غير مستقل. والكلام في استقلال العقل بذلك. وقال الأصمعي: الرجس: اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل، ورجس يرجس: إذا عمل عملاً قبيحًا. ومنه قوله تعالى:﴾ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ﴿وقيل: هو الشك. والرجس: العمل المؤدي إلى العذاب فيطلق ويراد به العذاب كقوله تعالى:﴾ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴿[يونس: ١٠٠] وقيل: أراد به اللعنة. وقيل: النتن. وقوله:﴾ إنما المشركون نجس ﴿[التوبة: ٢٨] يسهد له. قوله: ﴿فإنه

стр. 588

رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي مستقذر طبعًا وشرعًا، وذلك لأنه لا أقذر في الحيوان من الخنزير. والرجس والرجز بمعنى؛ وذلك أن الرجز، كما تقدم يدل على الحركة والاضطراب وكذلك الرجس. ومنه في حديث سطيح: "فارتجس إيوان كسرى" أي اضطرب وتحرك حركًة سمع لها صوت. وارتجس الرعد، وسمعت رجسه أي صوته. وبعير رجاس شديد الهدير، وغمام راجس وزجاس أي له رعد شديد. ر ج ع: قوله تعالى:﴾ إليه ترجعون ﴿[البقرة: ٢٨] أي تعودون. والرجوع في الأصل العود إلى مكانٍ منه البدو، وسواء كان مكانًا أو قولاً أو فعلاً. وسواء كان العود بذاته أو بجزءٍ من أجزائه أو بفعلٍ من أفعاله. ورجع يتعدى بنفسه؛ قال تعالى:﴾ فإن رجعك الله إلى طائفةٍ منهم ﴿[التوبة: ٨٣] ولذلك بنى للمفعول. وقيل: يجوز أن يكون قاصرًا بمعنى عاد كقوله:﴾ ثم إليه ترجعون ﴿في قراءة البناء للفاعل. وقيل: المفعول مقدر أي ترجعون أنفسكم، وليس بظاهر. قوله:﴾ لعلهم يرجعون ﴿[الأعراف: ١٦٨] أي يردون البضاعة لأنها مما اكتالوه وأنتم لا تأخذون شيئًا إلا بثمنه. وقيل: معناه يرجعون إلينا إذا علموا أن ما كيل لهم من الطعام لم يؤخذ له ثمن. ويدل له قوله:﴾ فلما رجعوا إلى أبيهم ﴿إلى قوله:﴾ يا أبانا ما نبغي ﴿[يوسف: ٦٥]. والرجع: الإعادة، ومنه قوله تعالى:﴾ إنه على رجعه لقادر ﴿[الطارق: ٨]. قيل أراد الإنسان، وقيل: أراد الماء، وأنه يرده إلى الصلب إذا شاء، والأول أظهر. وقوله:﴾ والسماء ذات الرجع ﴿[الطارق: ١١] هو المطر، سمي بذلك لأنه يرجع كل سنة فيتكرر. وقيل: ذات المطر بعد المطر، وهو بمعناه. والرجع أيضًا: الغدير، قال الهذلي يصف سيفًا: [من السريع] ٥٦٧ - أبيض كالرجع رسول إذا ... ما ثاخ في محتفلٍ يختلي

стр. 589

وقيل: لأنها ترجع إليها أعمال العباد لأن فيها اللوح المحفوظ، فمنه تأخذ الملائكة أعمال العباد، ثم ترجع إلى السماء. وقيل: لأن الملائكة ترجع إليها، وقيل: سمي المطر رجعًا لرد الهواء ما تناوله من الماء. قيل: وسمي الغدير رجعًا اعتبارًا بأنه من المطر أو لتردد أمواجه. قوله:﴾ وحرام على قريةٍ أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴿[الأنبياء: ٩٥] أي حرمنا عليهم أن يتوبوا ويرجعوا عن الذنب تنبيهًا أنه لا توبة بعد الموت. قوله:﴾ فناظرة بم يرجع المرسلون ﴿[النمل: ٣٥]، قيل: من الرجوع. وقيل: من رجع الجواب وقوله﴾ فانظر ماذا يرجعون ﴿[النمل: ٢٨] من رجع الجواب فقط. والرجعة بالكسر: الحشر بعد الموت، وفلان يؤمن بالرجعة. وبالفتحة مصدر رجع امرأته إلى نكاحه. ومصدر رجع إلى الدنيا بعد الممات. وليس لكلامه مرجوع أي جواب. ودابة لها مرجوع: يمكن بيعها بعد الاستعمال. وناقة راجع: إذا كانت لا تقبل ماء الفحل. والارتجاع: الاسترداد. وارتجع: إذا باع الذكور واشترى الإناث، فاعتبر فيه معنى الرجع تقديرًا وإن لم يحصل ذلك فيه عينًا. وفي الحديث: "أنه ﵊ رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فسأل المصدق عنها فقال: إني ارتجعتها بإبلٍ فكست" قال أبو عبيد: الارتجاع: أن يقدم بإبله مصرًا فيبيعها ثم يشتري بثمنها مثلها أو غيرها، فتلك الرجعة بالكسر. ولذلك وجب على الرجل في الزكاة فأخذ غيرها، فالمأخوذة الرجعة أيضًا لأنه ارتجعها من التي وجبت له. والترجيع: ترديد الصوت بالقراءة والغناء وتكرير قوله مرتين فأكثر. ومنه ترجيع الأذان. واسترجع: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي الحديث: "حمدك واسترجع". والرجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه والمكرر. والرجيع أيضًا: كناية عن العذرة، لأنه رجع عن حاله الأول بعد أن كان طعامًا. وفي الحديث "نهى أن يستنجى بالرجيع"

стр. 590

فهو بمعنى فاعلٍ أو مفعولٍ. ر ج ف: قوله:﴾ ترجف الراجفة ﴿[النازعات: ٦] أي تزلزل الزلزلة. وقيل: هي النفخة الأولى، و"الرادفة" الثانية. وأصل الرجف الحركة والاضطراب الشديد. رجفت الأرض والبحر رجفًا. وبحر رجاف. والإرجاف: إيقاع الرجفة. وقوله:﴾ والمرجفون في المدينة ﴿[الأحزاب: ٦٠] هم المنافقون كانوا يتخرصون أشياء ليرجفوا المؤمنين. وقوله:﴾ فأخذتهم الرجفة ﴿[الأعراف: ٧٨] قيل: الصيحة لأنها تزلزل قلوبهم. وفي آية أخرى:﴾ الصيحة ﴿[الحجر: ٧٣]. والأراجيف: جمع أرجوفة تقديرًا، وقيل: هو جمع الجمع؛ رجفة وأرجاف وأراجف. قوله:﴾ يوم ترجف الأرض والجبال ﴿[المزمل: ١٤] كقوله﴾ إذا زلزلت الأرض ﴿[الزلزلة: ١]﴾ وسيرت الجبال فكانت سرابًا ﴿[النبأ: ٢٠] ر ج ل: قوله تعالى:﴾ يأتوك رجالاً ﴿[الحج: ٢٧] الرجال جمع راجل نحو: صاحب وصحاب، ويدل عليه في مقابله:﴾ وعلى كل ضامرٍ ﴿[الحج: ٢٧] أي يأتوك مشاًة وركبانًا. وسمي راجلاً لأنه يمشي على رجليه. وقيل: جمع الراجل رجالة ورجل. وقوله:﴾ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴿[الإسراء: ٦٤] من ذلك. وقرئ بكسر الجيم وسكونها في المتواتر فمن كسر قيل: إنه أتى به مفردًا، والمراد به جمع وهو لغة في رجلٍ بمعنى راجلٍ نحو: حذرٍ وحذرٍ. قال الشاعر: [من البسيط] ٥٦٨ - أما أقاتل عن ديني على فرسي ... ولا كذا رجلاً إلا بأصحاب وقيل: رجل بمعنى راجل نحو: تعب وتاعب وحذر وحاذر. ومن سكن فيحتمل أن يكون مخففًا من هذه القراءة، وأن يكون مخففًا من رجلٍ المضموم بمعنى راجل،

стр. 591

وأن يكون اسم جمعٍ لراجل نحو ركبٍ لراكبٍ ورجلٍ رجلٍ أي قوي على المشي بالرجل وجمعه رجال. والرجل هو الذكر من بني آدم. ورجلة للمرأة المشبهة بالرجال، لغة قليلة. قال: [من المديد] ٥٦٩ - خرقوا جيب فاتهم ... لم يبالوا حرمة الرجلة ومنه الحديث: "كانت عائشة رجلة الرأي" أي كان رأيها رأي الرجال. ورجل بين الرجولة والرجولية. ومنه قوله تعالى:﴾ وقال رجل مؤمن من آل فرعون ﴿[غافر: ٢٨] أي بين الرجولة والجلادة. وفلان أرجل الرجلين. والرجل: هذا العضو المخصوص، والجمع أرجل. قال تعالى:﴾ وأرجلكم إلى الكعبين ﴿[المائدة: ٦] واشتق منها رجل وراجل للماشي كما تقدم. والأرجل: الأبيض الرجل من الفرس والعظيم الرجل. واستعير الرجل للقطعة من الجراد؛ وفي الحديث: "كأن نبلهم رجل جرادٍ" أي جماعة منها. والرجل: السراويل أيضًا لأنه محل الرجل فسمي باسمها. ولزمان الإنسان، يقال: كان ذلك على رجل فلانٍ أي على رأس زمانه. وفي حديث ابن المسيب: "ما أعلم نبيًا هلك على رجله من الجبابرة ما هلك على رجل موسى ﵇" أي على حياته ودهره. واستعير أيضًا لمسيل الماء، كما استعير له المذانب. والواحدة رجلة. والرجلة: البقلة الحمقاء سميت بذلك لأنها تنبت موضع القدم من الرجل. وارتجل الكلام أي قاله من غير رويةٍ وهو قائم على رجليه. وترجل: نزل على دابته على رجليه. وترجل النهار تشبيهًا بذلك لأن الشمس تنحط عن الحيطان كأنها ترجلت. ورجل شعره كأنه أنزله إلى حيث الرجل. والمرجل: القدر المنصوب كأنه منتصب على رجليه. وأرجلت الشاة: علفتها الرجلة. وأرجلت الفصيل: أرسلته مع أمه كأنك جعلت له بذلك رجلاً. وقال الثوري: "يكره للرجل أن يجمع بين امرأتين إذا كانت إحداهما رجلاً لم تحل له

стр. 592

الأخرى" أي إذا كانا من نسب. فسره القتيبي بأنه لا يجوز الجمع بين امرأتين لو قدرت إحداهما رجلاً حرمت عليه الأخرى كالأختين، والمرأة مع عمتها وخالتها، فلا يجوز الجمع بين الأختين، ولا بين المرأة وعمتها وخالتها لهذا الضابط. وقوله في النسب يجوز من المصاهرة. قال الهروي: ألا تراهم أجازوا للرجل أن يجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها؟ ر ج م: قوله تعالى:﴾ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿[النحل: ٩٨] بمعنى المرجوم الملعون المطرود وقيل: هو بمعنى راجمٍ لأنه يرجم غيره بالشر. وأصل الرجم: الرمي بالحجارة، وهي الرجام. ثم يستعار في الشتم والقتل أقبح قتلةٍ؛ قال تعالى:﴾ لئن لم تنته لأرجمنك ﴿[مريم: ٤٦] أي أقولن فيك قولاً سيئًا. وقيل: لأقتلنك شر قتلةٍ أو لأخرجنك أو لأطرحن عليك الحجارة. وقوله:﴾ لتكونن من المرجومين ﴿[الشعراء: ١١٦] يحتمل جميع ما ذكرناه. ويستعار للرمي بالظن والحدس قال تعالى:﴾ رجمًا بالغيب ﴿وقال زهير: [من الطويل] ٥٧٠ - وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمو ... وما هو ضربًا بالحديث المرجم والرجمة: أحجار القبر. ورجمت القبر: وضعت عليه الرجام، والجمع رجام. وقال عبد الله بن مغفلٍ لبنيه: "لا ترجموا قبري" أي لا تجعلوه رجامًا بل سووه. والمراجمة: المسابة الشديدة كالمقاذفة. والترجمان: تفعلان من ذلك، لأنه يرمي بكلام من يترجم عنه إلى غيره. وقيل: معنى لا ترجموا قبري، لا تتكلموا عنده بكلامٍ قبيحٍ ولا تنوحوا علي عنده.

стр. 593

ر ج و: وقوله تعالى: ﴿لا يرجون لقاءنا﴾ [يونس: ٧] أي لا يخافون. قال ثعلب. وأنشد لأبي ذؤيبٍ الهذلي: [من الطويل] ٥٧١ - إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوبٍ عواسل وشرح ابن عرفة هذا شرحًا حسنًا فقال: كل راجٍ مؤملٍ ما يرجوه، خائفٍ فواته، فللراجي حالتان؛ فإذا انفردت إحداهما - وهو الخوف - أتبعته العرب حرف نفي. وقوله:﴾ مالكم لا ترجون لله وقارًا ﴿[نوح: ١٣] أي لا تخافون. ثم قال: ووجه ذلك أن الرجاء والخوف يتلازمان. قال تعالى:﴾ وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ﴿[التوبة: ١٠٦] وأرجت الناقة: دنا نتاجها؛ وذلك لأنها جعلت لصاحبها فيها رجاًء لقرب نتاجها. والأرجوان: لون أحمر من ذلك لأنه يفرح بلونه تفريح الرجاء. وقيل: الأرجوان: الشديد الحمرة؛ فإذا كان دون ذلك فهو البهرمان. وفي الحديث عثمان أنه: "غطى وجهه - وهو محرم - بقطيفةٍ حمراء أرجوان" وقوله تعالى:﴾ والملك على أرجائها ﴿[الحاقة: ١٧] أي نواحيها؛ جمع رجا بالقصر. والرجا: الجانب والحافة. ومنه رجا البئر. وهو من ذوات الواو، ولقولهم رجوان فيكتب بالألف. وقال ابن عباسٍ في حق معاوية: "كان الناس يردون منه أرجاء وادٍ رحبٍ" وصفه بصفة سعة الخلق. فصل الراء والحاء ر ح ب: قوله تعالى:﴾ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت [[التوبة: ٢٥] أي اتسعت. والرحب: السعة. ومنه مكان رحب ورحيب ورحاب. ورحبة المسجد والدار،

стр. 594

لسعتها. واستعير ذلك في سعة الخلق فقيل: فلان رحب الصدر. كما استعير في ضده ضيق الصدر. ورحب: قاصر. فأما قولهم: رحبتكم الدار فلتضمنه معنى وسعتكم. وقوله تعالى:﴾ لا مرحبًا بهم ﴿[ص: ٥٩]، أي أتوا مكانًا مرحبًا أي واسعًا من قولهم: مرحبًا وأهلاً وسهلاً، تقديره: أتيت مكانًا رحبًا لا ضيقًا، وأهلا لا أجانب، وطريقًا سهلاً لا حزنًا. فهذه منصوبة بعاملٍ مقدرٍ لا يظهر. ولا يجوز أن يكون مرحبًا اسم لا لأنه مفرد منصوب. ولو كان اسمها لبني على الفتح. ر ح ق: قوله تعالى:﴾ يسقون من رحيقٍ ﴿[المطففين: ٢٥] الرحيق من أسماء الخمر. وقيل: الرحيق: كل شرابٍ لا غش فيه ولا كدر. ر ح ل: قوله تعالى:﴾ في رحالهم ﴿[يوسف: ٦٢] جمع رحل. والرحل: يطلق على ما يوضع على البعير عند ركوبه قال: [من البسيط] ٥٧٢ - يوم ارتحلت برحلي قبل بردعتي ... والعيش قاطعة ميلين في ميل والرحال أيضًا: المنازل، ومنه الحديث: "إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال" أي في الدور. ويعني أن المطر عذر في ترك الجماعة. والرحل أيضًا مصدر رحلت البعير أرحله أي جعلت عليه رحلاً. ويقال: أرحلته أيضًا. والارتحال: الانتقال. ورحل فلان: انتقل. وأصله أن المنتقل يرحل بعيره للنقلة، ثم عبر عن النقلة بذلك، وإن لم يكن فيه وضع رحلٍ. والرحلة: الارتحال. وراحله: عاونه على الرحلة. والراحلة: البعير الذي يصلح للارتحال. وفي الحديث: "الناس كأبلٍ مئةٍ لا تجد فيها راحلًة" أي لا تجد فيهم من ينتفع به انتفاع الراحلة. وفسره القتيبي بشيءٍ غلط فيه. والراحلة: الرحل. قال:

стр. 595

[من الكامل] ٥٧٣ - أزمان قومي والجماعة كالذي ... منع الرحالة أن تميل مميلا والمرحل: برد أو كساء فيه صور الرحال؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٥٧٤ - فقمت بها أمشي تجر وراءنا ... على إثرنا أذيال مرطٍ مرحل ويروي بالجيم، أي فيه صورهم. وفي حديث عائشة: "أنه خرج ذات غداةٍ وعليه مرط مرحل". وجمعه مراحل. ر ح م: قوله تعالى:﴾ الرحمن الرحيم ﴿قال ابن عباسٍ: "هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر" يعني أنهما يدلان على الرقة والانعطاف في أصل اللغة، ولكنهما بالنسبة إلى الله تعالى كناية عن إنعامه وإحسانه على خلقه. وقيل: إنما حديث ابن عباسٍ: "اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر" من الرقيق فغلط الراوي. والرحمة: مأخوذة من الرحم وذلك لأن الرحم منعطفة على ما فيها. والرحمن أبلغ من الرحيم، ولذلك قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. لأنه في الدنيا يرحم المؤمن والكافر لإنعامه بالرزق والإفضال عليهم مؤمنهم وكافرهم. وفي الآخرة رحمته مختصة بالمؤمنين. والرحمن مختص بالله تعالى، ولا التفات إلى تسمية الملعون مسيلمة الكذاب بالرحمان ولا إلى قول شاعره: [من البسيط] ٥٧٥ - وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا وأما رحيم فيطلق على غيره. قال تعالى في صفة نبيه بذلك: ﴿بالمؤمنين رؤوف

стр. 596

رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] لما لم يبلغ في المبالغة درجة الرحمن. وقيل: إنما جمع بينهما لأن مسليمة تسمى بالرحمان، وهذا فاسد لأن البسملة كانت قبل ظهور أمر مسيلمة. وقيل: هما بمعنًى واحدٍ كندمان ونديمٍ. وقيل: الرحمان معرب وأصله بالخاء المعجمة. ومنه قوله: والرحمة: صفة ذاتٍ إن أريد بها إرادة الخير، وصفة فعلٍ إن أريد بها الإحسان والتعطف على الخلق. قوله:﴾ وأولو الأرحام ﴿[الأنفال: ٧٥] أراد القرابات لأنهم يجمعهم رحم واحد. قوله:﴾ وأقرب رحمًا [[الكهف: ٨١] أي رحمًا. يقال: رحم ورحم ورحمة. ويعبر بالرحمة عن كل خيرٍ من رزقٍ وغيره كقوله:﴾ ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها ﴿[الإسراء: ٢٨]. وكقوله:﴾ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمًة [[هود: ٩] أي رزقًا. ويعبر بها عن الحياة والخصب كقوله:﴾ وإذا أذقنا الناس رحمًة من بعد ضراء مستهم ﴿[يونس: ٢١] أي حياًة بعد جدبٍ. قوله:﴾ هذا رحمة من ربي ﴿[الكهف: ٩٨] أي التمكين الذي مكنني فيه ربي خير. قوله:﴾ وما أرسلناك إلا رحمًة ﴿[الأنبياء: ١٠٧] أي عطفًا وصنعًا. قوله تعالى:﴾ ورحمتي وسعت كل شيءً فسأكتبها للذين يتقون ﴿[الأعراف: ١٥٦] أشار أولاً إلى أن رحمته في الدنيا تشمل الفريقين: الكافر والمؤمن، وأنها في الآخرة مختصة بالمؤمنين. قوله:﴾ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴿[النساء: ١] قرئ نصبًا على: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وجرا على أنها مقسم بها كقولهم: أنشدك بالله وبالرحم. ولنا فيه كلام طويل أتقناه في غير هذا. فصل الراء والخاء ر خ ا: قوله تعالى:﴾ رخاًء ﴿[ص: ٣٦] أي لينًة طيبًة. والرخاء: الواسع، ومنه الحديث:

стр. 597

"ليس كل الناس مرخًى - أي موسع - عليه" وأصل ذلك من الرخاوة. والرخو: ضد الصلب. ومنه: الحروف الرخوة ضد الشديدة حسبما بينا ذلك في "العقد النضيد" وغيره. وأرخيت الستر من ذلك. ومن إرخاء الستر استعير إرخاء سرحانٍ. وفرس مرخاء من خيلٍ مراخٍ لإرسال ذنبها إرسال الستر. فإن قلت: كيف يجمع بني هذه الآية وبين قوله:﴾ ولسليمان الريح عاصفًة ﴿[الأنبياء: ٨١] فالعصوف: الشدة، والرخاوة: اللين؟ فالجواب أنها في أول خروجها تكون شديدةٍ ثم تسلسل وتسترخي. أو أنها في تسييرها ما تحمله بمنزلة العاصفة لبعد مسافة مسيرها. وفي عدم إزعاج ما تحمله بمنزلة الرخاء. يعني أنها جامعة بين هذين المعنيين. فصل الراء والدال ر د أ: قوله تعالى:﴾ معي ردًأ ﴿[القصص: ٣٤] أي معينًا. والردء في الحقيقة: التابع لغيره معينًا له. والرديء كالردء، إلا أنه غلب استعماله في المتأخر المذموم. يقال: ردؤ يردؤ رداءًة فهو رديء. وقرأ نافع "ردًا" من غير همزٍ، فقيل: أصله الهمز ولكنه نقل حركة الهمزة كما نقل ابن كثيرٍ في القرآن دون غيره. وقيل: هو الزيادة من قولهم: ردأت الغم، يردئ على المئة، أي يزيد، ذكره الفراء. ردد: قوله تعالى:﴾ ولو ردوا لعادوا ﴿[الأنعام: ٢٨]. الرد: في الأصل: صرف الشيء بذاته أو بحالةٍ من أحواله عما هو عليه؛ فمن الأول قوله:﴾ ولو ردوا ﴿، ومن الثاني:﴾ يردوكم على أعقابكم ﴿[آل عمران: ١٤٩]. قوله:﴾ وإن يردك بخير فلا راد

стр. 598

لفضله﴾ [يونس: ١٠٧] أي لا دافع ولا مانع ولا صارف. وقيل في قوله:﴾ ولو ردوا لعادوا ﴿قولان أحدهما: ردهم إلى ما أشار إليه بقوله:﴾ منها خلقناكم وفيها نعيدكم [[طه: ٥٢]. والثاني: ردهم إلى الحياة المشار إليها بقوله:﴾ ومنها نخرجكم تارًة أخرى ﴿[طه: ٥٥]. قوله:﴾ فردوا أيديهم في أفواههم ﴿[إبراهيم: ٩] يجوز أن يكون المعنى: فرد الكفار أيديهم في أفواه أنفسهم غيظًا وحنقًا، كقوله:﴾ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴿[آل عمران: ١١٩] ومثله قول صخرٍ الهذلي: [من المتقارب] ٥٧٦ - قد افنى أنامله أزمه ... فأمسى يعض على الوظيفا وقيل: فعلوا ذلك إشارة إلى تسكيت الرسل كما يشير الرجل بإصبعه إلى فيه ليسكت من يخاطبه. وقيل: فرد الكفار أيدي الرسل في أفواه الرسل ليسكتوهم. وقيل: رد الكفار أيديهم في أفواه الرسل. وكله محتمل. وفي ذكر الرد تنبيه أنهم فعلوا ذلك مرًة بعد أخرى. وقوله:﴾ فارتد بصيرًا ﴿[يوسف: ٩٦] أي رجع وصار. قوله:﴾ يردونكم من بعد إيمانكم ﴿[البقرة: ١٠٩] [يوسف: ٩٦] أي رجع وصار. قوله:﴾ يردونكم من بعد إيمانكم ﴿[البقرة: ١٠٩] أي يرجعونكم ويصيرونكم إلى حالة الكفر بعد أن فارقتموه. والارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي كان فيه، إلا أن الردة اختصت بالكفر، والارتداد في الكفر وفي غيره. قال تعالى:﴾ من يرتد منكم عن دينه ﴿[المائدة: ٥٤]، وقوله تعالى:﴾ فارتدا على آثارهما قصصًا ﴿[الكهف: ٦٤] وقوله:﴾ ولا ترتدوا على أدباركم ﴿[المائدة: ٢١] أي إذا تحققتم أمرًا وعرفتم خبره فلا ترجعوا عنه. وفي الحديث: "البيعان يترادان" أي يرد كل واحدٍ منهما ما أخذ. ورد يتعدى لواحد إذا كان بمعنى صرف كما تقدم، وإلى اثنين إذا ضمن معنى صير كقوله: ٥٧٧ - رمي الحدثان نسوة آل سعدٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا

стр. 599

فرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا وأردت الناقة: ترددت إلى الماء. واسترد الشيء: استرجعه. والمتردد: القصير؛ ومنه الحديث: "ولا القصير المتردد" كأنه تردد بعض خلقه على بعضٍ. قال العجاج: [من الرجز] ٥٧٨ - كأن تحتي ذات شغبٍ سمحجا كالقوس ردت غير ما أن تعوجا ورد القاضي شهادته: لم يقبلها، وهو بمعنى صرفها. ومنه قول ذي الرمة: [من الطويل] ٥٧٩ - وقفنا فسلمنا فردت تحيًة ... علينا، ولم ترجع جواب المخاطب ورد الجواب: إذا أجاب عما سئل. وقول الشاعر: [من البسيط] ٥٨٠ - يا أم عمروٍ جزاك الله مغفرًة ... ردي على فؤادي كالذي كانا بمعنى أرجعيه علي. ر د ف: قوله تعالى:﴾ عسى أن يكون ردف لكم ﴿[النحل: ٧٢] أي دنا لكم وقرب. وردف كان من حقه التعدي بنفسه. يقال: ردفت زيدًا أي جئت بعده، وإنما عيد باللام لأنه ضمن معنى قرب ودنا. وقيل: اللام مزيدة للتأكيد، وفيه نظر؛ إذ لا تزاد مقويًة إلا حيث كان العالم فرعًا، كقوله تعالى:﴾ فعال لما يريد ﴿[هود: ١٠٧]، أو قدم المعمول كقوله تعالى:﴾ للرؤيا تعبرون ﴿[يوسف: ٤٣]. وفي غير ذلك ضرورة كقوله: [من الوافر]

стр. 600

٥٨١ - فلما أن تواقفنا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا والردف: التابع. وردف المرأة: عجيزتها. والترادف: التتابع. والرادف: المتأخر، والمردف: المتقدم الذي أردف غيره، ومنه قوله تعالى:﴾ بألفٍ من الملائكة مردفين ﴿[الأنفال: ٩] أي جائين بعد، فجعل ردف وأردف بمعنًى واحد، وأنشد: [من الوافر] ٥٨٢ - إذا الجوزاء أردفت الثريا وقال غيره: معناه مردفين ملائكًة أخرى. فعلى هذا يكونون ممدين بألفٍ من الملائكة. وقيل: عنى بالمردفين: المتقدمين للعسكر ليخلقوا في قلوب العدو الرعب. وقيل في قراءة الفتح: إن كل إنسانٍ أردف ملكًا؛ قاله الراغب وفيه نظر. وقرئ "مردفين" والأصل مرتدفين فأدغم. وقال الفراء في قراءة الكسر: متتابعين، وفي قراءة الفتح أي فعل الله ذلك بهم، أي أردفهم بغيرهم. يقال: ردفته وأردفته: أركبته خلفي. وأردفته: جئت بعده. فمعنىٍ "مردفين" - بالكسر - أي يأتون فرقًة فرقًة. وقال ابن الأعرابي: ردفته وأردفته بمعنًى، نحو: لحقه وألحقه. وهذا رأي أبي عبيدة كما قدمناه عنه. وحقيقة الإرداف: الإركاب على ردف الدابة. والرداف: مركب الردف. وأرداف الملوك وهي الردافة كالوزارة. ودابة لا ترادف ولا تردف - نقله الراغب - وقال الهروي: ولا تقل: لا تردف. ر د م: قوله تعالى:﴾ أجعل بينكم وبينهم ردمًا ﴿[الكهف: ٩٥] الردم: سد الثلمة ونحوها بالحجر ونحوه، وعنى بذلك السد. والردم يطلق على المردوم، كإطلاق الضرب
следующие страницы →