Полный текст (1 752 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
فصل الزاي والواو
ز وج:
قوله تعالى:﴾ وزوجناهم بحورٍ عينٍ ﴿[الدخان: ٥٤] أي قرناهم بهن. يقال: زوجته فلانًة أي أنكحته إياها، فإذا أدخلوا الباء فالمعنى قرنته بها. قال الهروي: ليس في الجنة تزويج فلذلك أدخل الباء في قوله:﴾ بحورٍ ﴿. قال الراغب: ولم يجيء في القرآن: وزوجناهم حورًا كما يقال: زوجناهم امرأًة تنبيهًا على أن ذلك لا يكون إلا على حسب المتعارف فيما بيننا من المناكحة.
قوله تعالى:﴾ ثمانية أزواجٍ ﴿[الزمر: ٦]. قيل: أراد: أفراد. والزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر، والإثنان زوجان؛ يقال: زوجا خف، وزوجنا نعلٍ؛ قاله الهروي وقال الراغب: يقال لكل من القرينين من الذكر والأنثى من الحيوانات المتزاوجة زوج، ولكل قرينين في غيرها كالخف والنعل، ولكل ما يقترن بالآخر مماثلاً له أو مضادًا: أزواج. قال تعالى:﴾ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴿[الأعراف: ١٩]. وزوجة لغة رديئة قلت: قد ورد ذلك في الحديث، فإن ثبت فلا رداءة. وادعى الفراء ثبوتها، وأنشد للفرزدق: [من الطويل]
٦٧٢ - وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... لساعٍ إلى سد السرى يستميلا
وجمع الزوج أزواج، والزوجة زوجات.
قوله تعالى:﴾ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴿[الصافات: ٢٢ ي أي أقرانهم المقتدين بهم في أفعالهم. وقيل: أشباههم وأشكالهم. وقوله:﴾ سبحان الذي خلق الأزواج كلها ﴿[يس: ٣٦] أي الأصناف. وكذا﴾ أزواجًا من نباتٍ شتى ﴿[طه: ٥٣]﴾ أو يزوجهم ﴿[الشورى: ٥٠] أي يصنفهم فيجعلهم أصنافًا.
стр. 667
قوله:﴾ ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين ﴿[الذاريات: ٤٩] تنبيه على أن الأشياء كلها مركبة من جوهرٍ وعرضٍ ومادةٍ وصورةٍ. وألا شيء من تركيب يقتضي كونه مصنوعًا وأنه لابد له من صانعٍ تنبيهًا أنه تعالى هو الفرد، ونبه به أيضًا "أن كل ما في العالم زوج من حيث أن له ضدًا ما ومثلاً ما وتركيبًا ما، بل لا ينفك بوجهٍ من تركيبٍ، فإنما ذكرنا هنا زوجين تنبيهًا أنه وإن لم يكن له ضد ولا مثل فإنه لا ينفك من تركيب صورةٍ ومادةٍ، وذلك زوجان".
قوله:﴾ وكنتم أزواجًا ثلاثًة ﴿[الواقعة: ٧] أي فرقًا متفاوتين، وقد فسرهم بقوله:﴾ فأصحاب ﴿[الواقعة: ٨] ... الآية.
قوله:﴾ أزواجًا من نباتٍ ﴿أي أنواعًا متشابهًة أو أصنافًا متفاوتًة كما تقدم. قوله:﴾ وإذا النفوس زوجت ﴿[التكوير: ٧] أي قرنت الأرواح بالأجساد، وقيل: قرنت بأعمالها كقوله:﴾ يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضرًا وما عملت من سوءٍ تود ﴿الآية [آل عمران: ٣٠]. وقيل: قرنت كل شيعةٍ بما شايعته، أي تابعته، إما في الجنة وإما في النار، والكل صحيح. وكل ما قرن بشيء فهو زوج وهما زوجان. وفي الحديث: "من أنفق زوجين في سبيل الله. قيل: وما زوجان؟ قال: فرسان أو عبدان أو بعيران من إبله".
ز ود:
قوله تعالى:﴾ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴿[البقرة: ١٩٧]. الزاد هو القوت المدخر الزائد على كفاية الوقت. والتزود: أخذ الزاد. وقوله:﴾ فإن خير الزاد التقوى ﴿من باب المقابلة نحو: [من الكامل]
٦٧٣ - قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبًة وقميصا
стр. 668
ومثله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]
والمزود: ما يجعل فيه الزاد. والمزادة: ما يجعل فيه الماء.
زور:
قوله تعالى: ﴿تزاور عن كهفهم﴾ [الكهف: ١٧] أي تميل، وقرئ: ﴿تزاور﴾ و ﴿تزور﴾ وفي الحرف قراءاتٌ. قال أبو الحسن: لا معنى لتزور ههنا لأن الازورار الانقباض. يقال: تزاور عنه، وازور عنه. يقال: رجلٌ أزور، وقوم زورٌ. وقيل للكذب زورٌ لميله عن وجه الصواب؛ قال تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]. سمي الصنم زورًا لأنه ميل به عن الحق.
الزور: الصدر، وزرت فلانًا أصله لقيته بزوري، كما تقول بصدري، أو قصدت زوره نحو وجهته. ورجلٌ زائرٌ ورجالٌ زورٌ، نحو مسافر وسفرٍ. ويقال: رجلٌ زورٌ. فيكون مصدرًا وصف به، نحو عدل وضيف.
والزور أيضًا: ميلٌ في الزور. والأزور: المائل الزور. وقوله: ﴿والذين لا يشهدون النور﴾ [الفرقان: ٧٢] أي لا يقولون غير الحق. وقيل: قول الشرك، والآية أعم. وقيل: لا يشهدون أعياد الكفرة كما نرى كثيرٌ من الجهلة يكثرون سواد اليهود والنصارى في أعيادهم، وينفقون نفقات ﴿فيسنفقونها ثم تكون عليهم حسرةً﴾ [الأنفال: ٣٦]
قوله: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: ١ و ٢] أي جاءكم الموت. وقال الشاعر؛ هو ساعدة بن جؤية: [من الوافر]
٦٧٤ - إذا ما زار مجنأة عليها ... ثقال الصخر والخشب القطيل
المجنأة: القبر. وكثر استعمال الزيارة كنايةٌ عن الموت، قال الشاعر: [من الطويل]
стр. 669
٦٧٥ - فما برحت أقدامنا في مكاننا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
وقد يعبر بالتزوير عن الإصلاح؛ قال عمر: «كنت زورت في نفسي مقالةً أقوم بها بين يدي أبي بكر». ومن كلام الحجاج: «رحم الله امرءًا زور نفسه» أي قومها. وكل ما كان صلاحًا لشيءٍ فهو زيارٌ له وزوار، ومنه زيار الدابة
وقوله ﵊: «المتشبع بما لا يملك كلابس ثوبي زورٍ» وفيه تفسيران: أحدهما أنه الذي لا يلبس ثياب الزهاد ويرى أنه زاهدٌ، والثاني أنه يصل بكمي قميصه كمين آخرين ليرى أنه لابسٌ قميصين فهو ساخرٌ من نفسه.
زول:
قوله تعالى: ﴿فأزلهما﴾ [البقرة: ٣٦] أي نحاهما، يقال: زال يزول زوالًا إذا فارق وطنه. يقال: أزلته وزولته، والزوال: يقال في شيء قد كان ثابتًا. وقولهم: زوال الشمس وإن لم يكن ثباتٌ بوجهٍ لاعتقادهم في الظهيرة أن لها ثباتًا في كبد السماء، ولهذا قيل: قام قائمٌ الظهيرة. والزائلة: كل ما لا يستقر، قال الشاعر: [من الطويل]
٦٧٦ - وكنت امرءًا أرمي الزوائل مرةً ... فأصبحت قد ودعت رمي الزوائل
عنى بذلك أنه كان في شبيبته يختل النساء ويصيبهن. وفي حديث قتادة: «أخذه العويل والزويل» أي القلق، يقال: زال زوالًا وزويلًا.
زوي:
قوله تعالى: ﴿وزيًا﴾ [مريم: ٧٤] قرأ ابن عباسٍ وغيره «أحسن أثاثًا وزيًا» بالزاي
стр. 670
والياء المشددة. والزي: هو البزة الحسنة والأدوات المجتمعة، مأخوذٌ من زوى كذا يزويه أي جمعه، لأن صاحب الزي يجمع ما يزينه. قال الشاعر: [من الطويل]
٦٧٧ - [فيا لقصي] ما زوى الله عنكم ... به من فعالٍ لا تجارى وسؤدد
وفي الحديث: «زويت لي الأرض» أي جمعت. وقال عمر لرسول الله ﷺ : «عجبت لما زوى الله عنك من الدنيا» أي جمع. وأصل زيا زويًا فأدغم كنظائر ذكرناها.
فصل الزاي والياء
ز ي ت:
قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١]. الزيتون: اسم جنسٍ واحده زيتونةٌ، كقمحٍ وقمحةٍ، والزيت عصارته، يقال: زات طعامه ورأسه، أي مسهما بالزيت. قوله: ﴿والتين والزيتون﴾ قيل: أقسم الله بهذين الجنسين، وقيل: بجبليهما اللذين ينبتان فيهما: طور زيتا وطور سينا. وازدات فلانٌ: أي ادهن بالزيت.
وقولهم: أرضٌ زتنةٌ: أي كثيرة الزيتون؛ يدل على أنه نونه أصلية وياءه زائدةٌ، لكنهم بوبوا عليه في مادة ز ي ت كما تقدم.
ز ي د:
قوله تعالى: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ [مريم: ٧٦]. الزيادة: ضم شيءٍ إلى ما عليه الشيء في نفسه، والمراد بزيادة الهدى زيادة أسبابه المقتضية لتقويته. وزاد يتعدى لواحدٍ ولاثنين، نحو: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ [البقرة: ١٠] وقد يكون لازمًا نحو:
стр. 671
زاد المال ومثله نقص. وزدته فازداد، والأصل ازتيد، فقلت وأعل.
قوله: ﴿ونزداد كيل بعيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] كان قبل المطاوعة متعديًا لاثنين فنقص بالمطاوعة واحدًا إذ الأصل: زادنا كيل بعيرٍ فازداد. وقال الراغب: ﴿ونزداد كيل بعيرٍ﴾ نحو ازددت فضلًا، أي ازداد فضلي، فهو من باب ﴿سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠]. أي أنه مسندٌ في المعنى للمنصوب، إذ الأصل: ازداد كيل بعيرٍ، وسفهت نفسه، وهذا تفسير معنى الإعراب. والزيادة قد تكون مذمومةً كالزيادة على الكفاية إذا كانت مطغيةً.
وقوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾ [يونس: ٢٦] هذه الزيادة كما صح في الأحاديث: النظر إلى وجه الله الكريم، قال الراغب: روي من طرق مختلفة أن هذه الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم إشارة إلى إنعامٍ وأحوالٍ لا يمكن تصورها في الدنيا. قلت: قوله: إشارةً إلى آخره؛ كالتأويل للأحاديث وليس كما قال بل هو على حقيقته نظرًا يليق بجلاله الكريم لا كالمعهود في الدنيا.
قوله: ﴿وزاده بسطةً في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧] أي زاده وأعطاه من العلم والجسم قدرًا زائدًا على ما أعطى أهل زمانه. قوله: ﴿وتقول هل من مزيد﴾ [ق: ٣٠] يجوز أن يكون استدعاءً للزيادة، ويجوز أن يكون تنبيهًا أنها قد امتلأت، وحصل فيها ما ذكر تعالى في قوله: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [هود: ١١٩]، ويقال: شرٌ زائدٌ وزيدٌ، كأنه وصف بالمصدر، قال الشاعر: [من البسيط]
٦٧٨ - وأنتم معشرٌ زيدٌ على مئةٍ ... فأجمعوا كيدكم كلًا فكيدوني
قال الراغب في هذه المادة: والزاد: المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت. والتزود: أخذ الزاد. وهذا منه بناءً على ما يفعله أهل اللغة من ذكرهم الاشتقاق الأكبر، وإلا فهذه من مادة ذوات الواو، وقد ذكرناها في بابها ولله الحمد.
стр. 672
ز ي غ:
قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾ [آل عمران: ٨] أي لا تملها عن الحق. والزيغ: الميل عن الاستقامة، والتزاوغ: التمايل، كذا في الشائع، والقياس التزايغ -بالياء -ورجلٌ زائغٌ، ورجالٌ زائغون، وزاغةٌ أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وإذ زاغت الأبصار﴾ [الأحزاب: ١٠] كنايةً عن شدة الخوف، وذلك أن الخائف لا يستقرٌ له بصرٌ. إشارةً إلى ما يداخلهم من الخوف حتى أظلمت أبصارهم. وقيل: إشارةً إلى معنى قولهم: ﴿يرونهم مثليهم رأي العين﴾ [آل عمران: ١٣]. ومثله في جانب النفي: ﴿ما زاغ البصر﴾ [النجم: ١٧] أي لم ير إلى ما هو حق في نفسه. قوله: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥] أي لما تعاطوا أسباب الضلال تركهم في ظلماتهم.
ز ي ل:
قوله تعالى: ﴿لو تزيلوا﴾ [الفتح: ٢٥] أي لو تميزوا، من قولهم: زلته أزيله أي ميزته. ومثله: ﴿فزيلنا بينهم﴾ [يونس: ٢٨] أي ميزنا بين أهل الأديان وشركائهم وفصلناهم.
وزايلت فلانًا أي فارقته. وجعله القتيبي من زال يزول، غلطه الهروي. والمصدر الزيل والزيال والتزيل. وقولهم: ما زال زيدٌ يفعل كذا أي أنه متصفٌ بذلك لم تفارقه هذه الصفة، وكذا أخواتها نحو ما انفك ومافتئ وما برح. ومن ثم كان نفيها إثباتًا، ولذلك لم يدخل إلا في خبرها، فأما قوله: [من الطويل]
٦٧٩ - حراجيج لم تنفك إلا مناخةً ... على الخسف أو نرمي بها بلدًا قفرا
стр. 673
فمؤولٌ على أنها التامة، ولنا فيها كلامٌ أطول من هذا. قال الراغب: ولا يصح أن يقال: ما زال زيدٌ إلا عالمًا، كما يقال: ما كان زيدٌ إلا منطلقًا، لأن زال يقتضي معنى النفي إذ هو ضد الإثبات، وما ولا يقتضيان النفي، والنفي إذا اجتمعا اقتضيا الإثبات، وصار قولهم: (ما زال) يجري مجرى (كان) في كونه إثباتًا، فكما لا يقال: كان زيدٌ إلا قائمًا لا يقال: ما زال زيدٌ إلا قائمًا.
ويقال: زاله يزيله زيلًا أي مازه، ومنهم من قال: إن زيل قاصرٌ فإذا تعديته ضعف كقوله: ﴿فزيلنا بينهم﴾. ومن ثم اختلف في نصب زوالها من قوله.
٦٨٠ - زال زوالها ....
فمن اعتقد تعديته نصبه على المفعول، ومن اعتقد قصوره نصبه على المصدر.
ز ي ن:
قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم﴾ [الأعراف: ٣١] الزينة هنا ما يواري العورة، وذلك أن الحمس، وهم قريشٌ، كانوا يطوفون عراةً ويقولون: لا نطوف في ثياب عضينا الله فيها. فأمروا بستر العورة. وقيل: هي أخذ ما يتزين به من ثياب وغيرها. وقال مجاهدٌ: ما وارى عوراتك ولو عباءة.
والزينة في الحقيقة: ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما ما يزينه في حالةٍ دون حالةٍ فهو من وجه شينٌ. والزينة بالقول المجمل: ثلاثٌ. زينةٌ نفسيةٌ كالعلم والاعتقادات الحسنة، وزينةٌ بدنيةٌ كالقوة وطول القامة، وزينةٌ خارجيةٌ كالمال والجاه. فقوله: ﴿وزينه في قلوبكم﴾ [الحجرات: ٧] وهو من الزينة النفسية. وقوله: ﴿من حرم زينة الله﴾ [الأعراف: ٣٢] أراد الزينة الخارجية. وقيل: هي الكرم المذكور في قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 674
وعليه قول الآخر: [من السريع]
٦٨١ - وزينة الإنسان حسن الأدب
وقوله ﴿فخرج على قومه في زينته﴾ [القصص: ٧٩] يريد الزينة الدنيوية من المال والقوة والجاه. وقد نسب الله تعالى التزيين تارةً إلى ذاته المقدسة سواءٌ كان ذلك المزين هدى أم غيره، قال تعالى: ﴿وزينه في قلوبكم﴾ وقال تعالى: ﴿زينا لهم أعمالهم﴾ [النمل: ٤] ولنا فيه كلامٌ مستوفى في «التفسير الكبير» مع المعتزلة. وتارةً إلى الشيطان، قال تعالى: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [العنكبوت: ٣٨] وتارةً إلى العازم من الإنس، قال تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم﴾ [الأنعام: ١٣٧] في قراءة من قرأه كذلك. وتارةً لم يسم فاعلها كقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] وقوله: ﴿وكذلك زين لكثيرٍ﴾ في قراءة من قرأه كذلك.
وقوله: ﴿وزينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [فصلت: ١٢]، وقوله: ﴿بزينة الكواكب﴾ [الصافات: ٦] فيه إشارةٌ بأن أحدها إلى الزينة التي يدركها الخاص والعام بحاسة البصر، وذلك من خلقها على هذه الأشكال البديعة والهيئات المختلفة. والثانية إلى الزينة التي يختص بمعرفتها الخاصة دون غيرهم من إحكامها وإتقانها وتسييرها في منازل لا يتعدى كل ما قدر له: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠] ثم تزيين الله الأشياء قد يكون بإبداعها وإيجادها مزينة في نفسها، أو بأن يزينها غيرها كتزيين البيت بأثاثه. وقد قرئ قوله: ﴿بزينة الكواكب﴾ على أوجه تلتفت إلى ما ذكرناه حسبما حققناه في «الدر» وغيره.
стр. 675
باب السين
فصل السين والهمزة
س أل:
قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١] أي تناشدون به وتتقاسمون. فتقول: أنشدك بالله وبالرحم. والسؤال: استدعاء معرفةٍ أو ما يؤدي إليها، واستدعاء مالٍ أو ما يؤدي إليه. فاستدعاء المعرفة جوابها باللسان، وتنوب عنه اليد، فاليد خليفةٌ عنه بالكتابة والإشارة، واستدعاء المال جوابه باليد، وينوب عنها اللسان بوعدٍ أو رد. وأما السؤال الوارد من الله تعالى فليس للاستعلام لأنه تعالى علام الغيوب، وإنما المراد به التقريع والتبكيت لقومٍ، أو الجحد كقوله تعالى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] المقصود تبكيت عبدة المسيح وأمه، وإظهار كذبهم على عيسى ومريم ﵉، وقوله: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] المقصود نفي ذلك عن كل أحد وإثباته للفسقة وقوله: ﴿وإذا المؤودة سئلت﴾ [التكوير: ٨] يقال: هذا تبكيت وتقريع لمن كان يئد ولده، ولهذا قرئ ﴿سألت﴾ مبنيًا للفاعل و «قتلت» مبنيًا للمفعول مضموم التاء للمتكلم.
ثم السؤال إن كان للتعرف تعدى لاثنين ثانيهما بنفسه تارةً وبحرف الجر أخرى. وهو «عن»، وتنوب عنها الباء نحو: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقوله: [من الطويل]
стр. 676
٦٨٢ - فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب
وبعن أكثر، كقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ [الإسراء: ٨٥]. وإن كان لاستدعاء مال تعدى بنفسه أو بمن. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ومن الثاني؛ ﴿واسألوا الله من فضله﴾ [النساء: ٣٢]. وغلب السائل على الفقير لقوله تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ١٠] ﴿للسائل والمحروم﴾ [الذاريات: ١٩]. ولا معارضة بين قوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] إذ يوم القيامة ذو مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر، أو يسألون سؤال تقريعٍ وتوبيخٍ لا سؤال تكرمةٍ.
قوله تعالى: ﴿وعدًا مسؤولًا﴾ [الفرقان: ١٦] إشارةٌ إلى قوله تعالى حكايةً عن الملائكة في دعائهم للمؤمنين: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ [غافر: ٨]. وقوله تعالى: ﴿سأل سائلٌ﴾ [المعارج: ١] أي دعا داعٍ، وذلك إشارةٌ إلى قوله حكايةً عن بعض الأشقياء: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية.
قوله تعالى: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ [البقرة: ١١٩] قرئ ﴿لا تسأل﴾ مبنيًا للمفعول على الخبر المنفي، أي إنما عليك أن تبلغ، وفي معناه: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿ما عليك من حسابهم من شيءٍ وما من حسابك عليهم من شيءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ﴿ولا تسأل﴾ على النهي وذلك لشدة الأمر، كقولك: لا تسأل عن فلانٍ، أي هو بحالةٍ لا يستطاع أن يسأل عنها، لما في جوابها من الفظاعة.
стр. 677
وقوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ [الزخرف: ٤٥] قيل: خوطب به ليلة الإسراء به، حيث صلى إمامًا بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل: معناه: سل أممهم والأول أوجه.
س أم:
قوله تعالى: ﴿لا يسأم الإنسان﴾ [فصلت: ٤٩] أي لا يمل، والسآمة: الملل، يقال: سئم زيدٌ فلانًا ومن فلانٍ. قال تعالى: ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾. وقال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
٦٨٣ - سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين عامًا -لا أبا لك -يسأم
وقيل: السآمة: الملالة مما يكثر لبثه فعلًا كان أو انفعالًا.
فصل السين والباء
س ب أ:
قوله تعالى: ﴿لقد كان لسبإ﴾ [سبأ: ١٥]. سبأ في الأصل: اسم رجلٍ من قحطان. وقيل: اسمه الأصلي عبد شمسٍ، وسبأ لقبٌ له لأنه أول من سبا، وفيه نظرٌ لأن المادتين مختلفتان، وولد له عشرة أولادٍ، تيامن ستةٌ وهم: جمعة وكنده والأزد ومجاشعة وخثعم وبجيلة. وتشأم أربعةٌ وهم: لخمٌ وجذامٌ وعاملة وغسان. ثم سميت به بلدٌ معروفة وصرف ليعرف أهلها. المثل لقصة استوفيناها في «التفسير»؛ فيقال: تفرقوا أيادي سبا، وأيدي سبا. وقيل: سمي به القبيلة أو الحي. ومن ثم قرئ في الصحيح بصرفه ومنعه؛
стр. 678
فمن الصرف قوله: [من البسيط]
٦٨٤ - الواردون وتيمٌ في ذرى سبإٍ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس
ومن المنع قول الآخر: [من المنسرح]
٦٨٥ - من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيلها العرما
والسبء: الخمرة، من سبأت الخمرة أي شربتها؛ قال حسان بن ثابت ﵁: [من الوافر]
٦٨٦ - كأن سبيئةً من بين رأسٍ ... يكون مزاجها عسلٌ وماء
س ب ب:
قوله تعالى: ﴿فليمدد بسبب﴾ [الحج: ١٥]. السبب في الأصل: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل ثم جعل عبارة عن كل شيء يتوصل به إلى غيره، عينًا كان أو معنىً. قوله: ﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ [ص: ١٠] إشارة ٌ إلى قوله: ﴿أم لهم سلمٌ يستمعون فيه﴾ [الطور: ٣٨]. وقوله: ﴿وآتيناه من كل شيءٍ سببًا فأتبع سببًا﴾ [الكهف: ٨٤ و ٨٥] إشارةٌ إلى ما متعه به من وجوه المعارف وأحوال الدنيا، وأنه اتبع سببًا واحدًا منها فبلغ به ما هو مشهورٌ عنه.
وقوله تعالى حكايةً عن فرعون: ﴿لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات﴾ [غافر: ٣٦ و ٣٧] أي الذرائع التي يتوصل بها مثلي إلى طلبته.
قوله: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦] أي الوصل والمودات. وسموا الثوب والخمار والعمامة سببًا لطولها تشبيهًا بالحبل في الامتداد والطول.
والسبب: الطريق. السبب: الباب أيضًا، وذلك لأنهما يتوصل بهما إلى ما بعدهما، وسمي الشتم الوجيع سبا لأنه يوصل إلى المشتوم أو يتوصل به إلى أذاه، قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله﴾ [الأنعام: ١٠٨] أي يتكلمون بما لا
стр. 679
يليق بجلاله لا أنهم يصرحون بسبه تعالى، إذ لم يتجاسر أحدٌ ولا يطاوعه طبعه ولا سجيته على ذلك، وقد يطلق على سبب السبه سبًا، ومنه: «لا يسب الرجل أباه. قيل: كيف يسب أباه؟ قال: يسب أبا الرجل، فيسب أباه». قال الشاعر: [من المتقارب]
٦٨٧ - وما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلامٌ فسب
بأبيض ذي شطبٍ قاطعٍ ... يقد العظام ويبري العصب
نبه بذلك على قول الآخر: [من الطويل]
٦٨٨ - ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقد أحسن من قال: [من الكامل]
٦٨٩ - ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمة قلت: لا يعنيني
والسبة: الشيء الذي يسب، قال الشاعر: [من البسيط]
٦٩٠ - إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
والسب: الكثير السب. قال الشاعر: [من الرمل]
٦٩١ - لا تسبني فلست بسبي
ويكني بالسبة عن الدبر كما كني بالسوءة عنه وعن القبل. والسبابة من الأصابع: ما يلي الإبهام؛ سميت بذلك لتحريكها والإشارة بها وقت المسابة، كما سموها مسبحةً
стр. 680
لتحريكها وقته. والسب أيضًا الثوب الرقيق. ومنه: «فإذا سب فيه دو خلة رطب» والسباب مصدر سابه، نحو قاتله قتالًا. وفي الحديث: «وسبابه فسوقٌ»
س ب ت:
قوله تعالى: ﴿وجعلنا نومكم سباتًا﴾ [النبأ: ٩] أي قطعًا لأعمالكم التي تزاولونها نهارًا، والمعنى: جعلناه راحةً لكم. أو لأنه تنقطع فيه حركاتكم فتسكنون. والسبات: السكون، ومنه يوم السبت لأنه يقال أنه تعالى قطع فيه بعض خلق الأرض، أو لأنه حرم على اليهود فيه العمل. يقال: أسبت: إذا دخل في السبت. وسبت يسبت إذا عظمه، ومنه قوله تعالى: ﴿يوم لا يسبتون﴾ [الأعراف: ١٦٣] أي لا يفعلون ما يجب في شرعهم في هذا اليوم.
وسبت رأسه: حلقه، ومنه: النعال السبتية لأنها يحلق شعرها بالدباغ، وفي الحديث: «يا صاحب السبتين اخلع سبتيك». وقيل: سميت بذلك لأنها لينت بالدباغ، ومنه: رطب منسبتة، أي لينة. والسبت: جلد البقر المدبوغ بالقرظ.
س ب ح:
قوله تعالى: ﴿فسبحان الله﴾ [الأنبياء: ٢٢]. سبحان: علم للتسبيح، ولذلك منع صرفه للعلمية وزيادة الألف والنون؛ فهو المعاني كعثمان في الأعيان، وعليه قوله: [من السريع]
٦٩٢ - أقول لما جاءني فخره: ... سبحان من علقمة الفاخر!
وأكثر استعماله مضافًا كما ترى، وقد يقطع عن الإضافة ممنوعًا: [من البسيط]
стр. 681
-وقبلنا سبح الجودي والجمد
وذلك لأنه يكره. فهو كقولك: رب عثمان العثمانين جاءني. وله أحكامٌ، ومعناه التنزيه فمعنى سبحان الله: تنزيهه عما لا يليق به، ويستعمل في التعجب، ومنه الحديث: «سبحان الله إن المؤمن لا ينجس». وأصل المادة للدلالة على البعد، ومنه السبح في الماء، وكذلك تسبيح الله لأن فيه إبعادًا له عما لا يليق به، مما كانت الكفرة الذين لا يقدرونه حق قدره ينسبونه إليه من الشرك والولد وغير ذلك.
والسبح: المر السريع في الماء أو الهواء، ويستعار ذلك للنجوم، قال تعالى: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وفي دؤوب العمل أيضًا قال تعالى: ﴿إن لك في النهار سبحًا طويلًا﴾ [المزمل: ٧] والتسبيح عامٌ في العبادة؛ قولية كانت أو فعلية أو منوية. وقيل في قوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ [الصافات: ١٤٣] أي القائلين: سبحانك، ويؤيده قوله: ﴿فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقيل: من المصلين. وقيل: من الناوين؛ إنه إذا تمكن من العبادة حين يخرج من بطن الحوت أن يسبح الله بقلبه ولسانه، ويذيب جوارحه في طاعته، والأولى أن يحمل على جميع ذلك، لأنه اللائق بحال ذي النون ﵇.
وقوله: ﴿ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ [القلم: ٢٨] أي تعبدونه وتشكرونه. وقيل: تقولون: إن شاء الله، يدل عليه قوله: ﴿ولا يستثنون﴾ [القلم: ١٨].
وقوله: ﴿فسبح بحمد ربك﴾ [الحجر: ٩٨] أي صل. وسميت الصلاة تسبيحًا لاشتمالها عليه. ومنه: «كان يسبح على راحلته». وقوله: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ [الروم: ١٧] الآية. قيل: معناه تصلون في هذه الأوقات. وقد استدل به على ذكر الصلوات الخمس. والسبوح والقدوس فعولٌ؛ من التسبيح ومن القدس
стр. 682
وهو الطهارة، وليس لنا فعول غيرهما، وقد يفتحان نحو: كلوب وسمور.
والسبحة للتسبيح، وهي أيضًا الخرزات المسبح بها؛ سميت بذلك لأنه يعد بها لفظه.
وقوله تعالى: ﴿والسابحات سبحًا﴾ [النازعات: ٣] قيل: هم الملائكة، يسرعون فيما يؤمرون به بين السماء والأرض. وقيل: هي أرواح المؤمنين، تنبيهٌ على سهولة خروجها عند الموت، أو جولانها في الملكوت عند النوم. وقيل: هي السفن لأنها تسبح في الماء. والسابقات: الخيل. وفي الحديث: «لأحرقت سبحات وجهه» أي نور وجهه.
وقوله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] أي بلسان الحال. وذلك هو الإذعان لربوبيته والطواعية لقدرته، كقوله: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ [الرعد: ١٥]. وقيل بلسان القال، ولكن أخفى الله تعالى عنا فهم ذلك. وإليه أشار بقوله: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. وهذا هو الظاهر؛ إذ لو لم يكن شيئًا يخفى عنا لما خاطبنا بذلك. فأما كونها مسبحةً بلسان الحال بالمعنى الذي قدمته عنهم فهذا تفقهٌ، فلابد من معنى زائد. وأما التسبيح الصادر من الجمادات كالحصى الصادر على يدي رسول الله ﷺ -معجزةً له فإن ذلك بلسان القال لا الحال، وإلا لم يظهر التفاوت بيه وبين غيره ﵊.
س ب ط:
قوله تعالى: ﴿والأسباط﴾ [البقرة: ١٣٦] جمع سبطٍ، وهم في بني إسرائيل كالقبائل في العرب. وأحسن منه ما قاله الأزهري: الأسباط في ولد إسحاق والقبائل في ولد إسماعيل؛ فعلوا ذلك تفرقة بين أولاد الآخرين، أعني إسحاق وإسماعيل. ولكن الأسباط إنما هم أولاد يعقوب بن إسحاق. واشتقاق ذلك من الامتداد والتفريع؛ لأن السبط ولد الولد، فكأن النسب امتد وانبسط وتفرع. يقال: شعرٌ سبطٌ ضد جعدٍ، وعظامه سبطٌ أي طويلةٌ. قال الشاعر: [من الطويل]
стр. 683
٦٩٣ - فجاءت به سبط العظام كأنما ... عمامته بين الرجال لواء
وقد سبط سبوطًا وسباطةً. والساباط: ما مد من دارٍ إلى أخرى، من ذلك. وسباطة الدار: ملقى زبالتها. لامتدادها. وفي الحديث: «فأتى سباطة قومٍ فبال» وقيل: اشتقوا من السبط؛ وهو الشجرة التي أصلها واحدٌ وأغصانها كثيرةٌ. وفي الحديث: «الحسين سبطٌ من الأسباط -أي أمةٌ من الأمم -في الجنة» واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أسباطًا أممًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] فترجم الأسباط بالأمم؛ فكل سبطٍ أمةٌ. وفي الحديث: «الحسن والحسين سبطا رسول الله ﷺ » أي طائفتان وقطعتان منه. وعن المبرد قال: سألت ابن الأعرابي عن الأسباط فقال: هم خاصة الولد.
وفي الحديث؛ في صفته ﵊: «ليس بالسبط ولا الجعد القطط». يقال: رجلٌ سبطٌ، وسَبْط، وسَبَطٌ. وقد سبط شعره سبوطةٌ، كقطط شعره قطوطةً.
س ب ع:
قوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرةً﴾ [التوبة: ٨٠] ليس المراد حصر العدد، بل المراد التكثير. والمعنى: إن استكثرت من الاستغفار لهؤلاء فلن يغفر الله لهم. قال الأزهري: أنا أرى هذه الآية من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد. وحكى أبو عمرٍو أن رجلًا أعطى أعرابيًا درهمًا فقال: سبع الله لك الأجر. أي ضعفه. قال الهروي: والعرب تضع التسبيع موضع التضعيف، وإن جاوز السبع، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مئة حبةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
стр. 684
والسبع: كل حيوان متقو. سمي بذلك لتمام قوته. وذلك أن السبع من الأعداد التامة. وسبع فلان فلانًا: اغتابه، كأنه أكل لحمه أكل السباع. والمسبع: موضع السباع.
والسبع: جزءٌ من سبعة أجزاء. والأسبوع: سبعة أيامٍ، جمعة أسابيع، ومثله السبع. والسبع في الورد كالخميس فيه. وقول ربيعة الهذلي: [من الكامل]
٦٩٤ - كأنه عبد لآل أبي ربيعة مسبع
قيل: معناه وقع في غنمه السبع، وقيل: المهمل من السباع. وكني بالمسبع عن الدعي الذي لا يعرف أبوه. وسبعت القوم: جعلتهم سبعة، أو أخذت سبع أموالهم، نحو ربعتهم وثلثتهم، بمعنييه. وقوله: ﴿ذرعها سبعون ذراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] من باب ﴿تستغفر لهم سبعين مرة﴾. وقوله ﴿وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا﴾ [النبأ: ١٢] عنى بالسبع المتطابقة.
قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢] قيل: في العدد. وفي الحديث ما يؤيد هذا من قوله: «طوقه من سبع أرضين» وقيل: مثلهن في الإتقان لا في العدد. ولذلك لم يجيء القرآن إلا بإفراد الأرض، والأول أوجه.
س ب غ:
قوله تعالى: ﴿وأسبع عليكم نعمه﴾ [لقمان: ٢٠] أي ألبسكم إياها وأتمها عليكم من قولهم: درعٌ سابغٌ، وقوله تعالى: ﴿أن اعمل سابغات﴾ [سبأ: ١١] إشارةٌ إلى ما علمه في قوله تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوسٍ لكم﴾ [الأنبياء: ٨٠] وأسبغ وضوءه: أتمه. ويسمع الدرع تسبغة. ومنه الحديث: «فتقع في ترقوته تحت تسبغة البيضة».
стр. 685
س ب ق:
قوله تعالى: ﴿فالسابقات سبقًا﴾ [النازعات: ٤٠] عنى بها الخيل العادية في الجهاد. وقيل: هم الملائكة، بأنهم يسبقون الجن باستماع الوحي. والسبق: أصله التقدم في السير، ثم يعبر بذلك عن التقدم إلى الأشياء أعيانًا كانت أو معاني.
قال تعالى: ﴿فاسبقوا الخيرات﴾ [البقرة: ١٤٨] وقوله تعالى: ﴿والسابقون السابقون، أولئك المقربون﴾ [الواقعة: ١٠ و ١١] أي المحرزون قصب السبق في الفضل. وقوله تعالى: ﴿وما نحن بمسبوقين﴾ [الواقعة: ٦٠] كنايةً عن عدم فوتهم لله تعالى، أي أنهم لا يعجزوننا. وقوله: ﴿ولقد سبقت كلمتنا﴾ [الصافات: ١٧١] وقوله: ﴿ولولا كلمةٌ سبقت﴾ [طه: ١٢٩] أي نفذت وتمت لقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ [الأنعام: ١١٥] وقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي بادروها، وافعلوا فعل الواردة الذين يطلب كل منهم التقدم إلى الماء ليحوزه لنفسه ومن يريد.
وقوله: ﴿وما كانوا سابقين﴾ [العنكبوت: ٣٩] أي فائتين، كقوله: ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ [الأنعام: ١٣٤] وقوله: ﴿يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦١] أي فاعلون فعل السابق غير المتباطئ. وقيل: اللام بمعنى إلى لقوله: ﴿أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٥] أي إليها. وقوله: ﴿إنا ذهبا نستبق﴾ [يوسف: ١٧] أي نتناضل بالسهام ونتراهن. وجعل السبق كنايةً عن ذلك.
قوله: ﴿واستبقا الباب﴾ [يوسف: ٢٥] أي بادر كل واحدٍ منهم نحو الباب. قوله: ﴿فاستبقوا الصراط﴾ [يس: ٦٦] أي جاوزوه وتركوه حتى ضلوا. وقوله: ﴿لا يسبقونه بالقول﴾ [الأنبياء: ٢٧] أي لا يتكلمون بغير إذنه. وقيل لا يقولون بغير علمه حتى يعلمهم.
س ب ل:
قوله تعالى: ﴿فجاجًا سبلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] السبل جمع سبيل: وهو الطريق،
стр. 686
ويذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] ويعبر به عن المذهب. ومنه: ﴿اتبعوا سبيلنا﴾ [العنكبوت: ١٢] أي طريقتنا في ديننا. قوله: ﴿وتقطعون السبيل﴾ [العنكبوت: ٢٩] أي طريق الولد، لأن القوم كانوا يأتون الذكران فيقل النسل.
قوله: ﴿وابن السبيل﴾ [الروم: ٣٨] هو المسافر: جعل ابن الطريق لملازمته إياه. قوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ [التوبة: ٦٠] قيل: هم المجاهدون. قومه: ﴿ثم السبيل يسره﴾ [عبس: ٢٠] قوله: ﴿ليس علينا في الأميين سبيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي دركٌ أي لا تطرق لهم علينا، فأموالهم حل لنا، كذا كانوا يعتقدون. قوله: ﴿فصدهم عن السبيل﴾ [النمل: ٢٤] أي طريق الهدى. وكذا قوله: ﴿ليصدونهم عن السبيل﴾ [الزخرف: ٣٧].
قوله: ﴿سبل السلام﴾ [المائدة: ١٦] أي طرق السلامة المؤمنة من العقوبة. وقيل: طرق الجنة، إما طرقها حقيقةً وإما الأسباب التي يتوصلون بها إلى الجنة من الأعمال الصالحة. ويقال: سابلٌ وسابلةٌ، وسبيلٌ سابلٌ، نحو: شعرٌ شاعرٌ. وأسبل الستر والذيل: أرخاه. وأسبل الزرع: صار ذا سنبلٍ. وبه استدل على زيادة نونه، وإن كانت القواعد التصريفية تأباه.
والمسبل: اسمٌ للقدح الخامس من سهام الميسر. وخص السبلة بشعر الشفة العليا لما فيها من التحدر قاله الراغب ونقله الهروي عن الأزهري. وفي الحديث: «إنه كان وافر السبلة»؛ هي الشعرات التي تحت اللحي الأسفل. وقيل: هي مقدم اللحية وما أسبل منها على الصدر. والسنبلة: لما يقع على الزرع والسبل: ما أسبلته من ثوب، نحو النشر: للشيء المنشور، وكالقبض بمعنى المقبوض، والرسل بمعنى المرسل.
стр. 687
فصل السين والتاء
س ت ر:
قوله: ﴿حجابًا مستورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] قيل: معناه ساترًا، فهو مفعولٌ بمعنى فاعل، وعكسه فاعلٌ بمعنى مفعولٍ نحو: ﴿ماء دافق﴾ [الطارق: ٦] أي مدفوق. والصحيح أن كلًا منهما على بابه كما حققناه في غير هذا الموضوع.
وأصل الستر: التغطية والإخفاء. والاستتار: الاستخفاء. والستر والسترة: ما يستتر به أي يغطى. والإستارة: بمعنى الستر أيضًا، ومنه الحديث: «أيما رجل أغلق دون امرأته بابًا وأرخى عليها إستارةً فقد تم صداقها» قال شمر: الإستارة من الستر، ولم أسمعه إلا في هذا الحديث. وقد جاءت الستارة والمستر في معنى الستر. وقد قالوا: أسوار للسوار، وإشرارة لما يشرر عليه الأقط.
فصل السين والجيم
س ج د:
قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات﴾ [الرعد: ١٥] أصل السجود الخضوع والتذلل وخص ذلك شرعًا بعبادة الله؛ فلا يجوز السجود لغير الله تعالى والملل مختلفةٌ في ذلك. فأما السجود، على سبيل العبادة، فلا يجوز في مثلة من الملل، وأما على سبيل التعظيم كسجود الملائكة لآدم، وإخوة يوسف لأخيهم، فهذا محل الخلاف. على أن من الناس من قال؛ إنما كان آدمٌ كالقبلة لهم، ثم السجود عام في الأناسي والحيوانات والجمادات، وهو نوعان: نوعٌ باختيارٍ، وليس ذلك إلا للإنسان وبه يثاب، كقوله: ﴿اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم﴾ [الحج: ٧٧] وقوله: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢].
ونوعٌ بستخيرٍ، وهو في الإنسان والحيوان وغيرهما، وعليه: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ وقوله: ﴿سجدا لله وهم داخرون﴾ [النحل: ٤٨]
стр. 688
وهو الدلالة الصامتة والناطقة المنبهة على كونها مخلوقةً، وأنها خلق فاعلٍ حكيمٍ متقنٍ. لها وقوله: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦] سجود تسخيرٍ. وقوله: ﴿ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون﴾ [النحل: ٤٨] فشمل السجودين: التسخيري والاختياري ويعبر به عن الصلاة لاشتمالها عليه. وعليه قوله: ﴿وأدبار السجود﴾ [ق: ٤٠] كما سميت سبحةً ودعاءً. وقالوا سبحة الدعاء، وسجود الضحى. قوله تعالى: ﴿وأن المساجد لله﴾ [الجن: ١٨] قيل: عنى مواضع السجود؛ واحدها مسجدٌ، بالكسر وقياسه الفتح، وقد خرج هو وأخواتٌ له مذكورةٌ في غير هذا عن القياس. وقيل: عني بها أعضاء السجود وهي سبعةٌ، وقيل: ثمانيةٌ؛ الجبهة، والأنف، واليدان، والرجلان، والركبتان. وفي الحديث: «أمرت أن أسجد على سبعة آراب» أي أعضاء، لأن كل عضوٍ منها إربٌ. ويؤيد الأول قوله ﵊: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» وقوله: ﴿وادخلوا الباب سجدًا﴾ [البقرة: ٥٨] أي متذللين. وقوله: ﴿ألا يسجدوا﴾ [النمل: ٢٥] قرئ على التحضض والاستفتاح؛ ﴿واسجدوا﴾ أمرًا، و ﴿تسجدوا﴾ منصوبًا بما قبله. ولنا فيه كلامٌ أتقناه في غير هذا، أن تأتي قراءة؛ الأمر إما تنبيهٌ وإما نداءٌ، والمنادى محذوفٌ كقوله: [من الطويل]
٦٩٥ - ألا يا اسلمي يا هند عند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر
في أبيات عديدة أنشدناها في غيره.
وقيل: أصل السجود الإمالة كقوله، زيد الخيل: [من الطويل]
стр. 689
٦٩٦ - بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجدًا للحوافر
وقول الآخر: [من الكامل]
٦٩٧ - وافى بها كدراهم الإسجاد
قيل: عنى بها دراهم عليه صورة ملكٍ يسجد له.
س ج ر:
قوله: ﴿والبحر المسجور﴾ [الطور: ٦] أي المملوء. وقيل: يملأ نارًا، ولذلك قال مجاهدٌ: الموقد. وقيل: السجر: تهيج النار. ومنه سجرت التنور. وأنشد: [من المتقارب]
٦٩٨ - إذا ساء طالع مسجورةً ... ترى حولها النبع والشوحطا
وقوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير: ٦]. قال الحسن: أضرمت نارًا. وقيل: غيضت مياهها، وإنما تكون كذلك لتسجير النار فيها. قوله: ﴿ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٢] أي يطرحون فيها فيملؤونها ومثله: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] وقولهم: سجرت الناقة، استعارةٌ نحو اشتعلت. ولذلك قولوا: السجير: وهو الذي يسجر في مودة خليله أي يحترق في مودته.
س ج ل:
قوله تعالى: ﴿حجارةً من سجيلٍ﴾ [هود: ٨٢] أي طينٌ وحجرٌ مختلطان؛ قيل: وهو فارسي عرب وأصله ... قيل. وقد بين ذلك بقوله في قصة لوطٍ: ﴿حجارةً من طينٍ مسمومةً﴾ [الذاريات: ٢٣ و ٢٤] وقوله: ﴿كطي السجل للكتب﴾
стр. 690
[الأنبياء: ١٠٤]؛ قيل: السجل: المكتوب فيه. والكتاب مصدرٌ أي، كما يطوي الرق الكتب. وقيل: هو ملكٌ يطوي كتب بني آدم ويحفظها. وقيل: هو اسم كاتبٍ من كتابه ﵊. وقيل: هو حجرٌ كان يكتب فيه، ثم سمي كل ما يكتب فيه سجلًا.
والسجل: الدلو العظيمة وسجلت الماء أي صببته فانسجل. ومن ثم استعير للإعطاء؛ قالوا: أسجلته أي أعطيته. والإسجال أيضًا: الإرسال. وسجل الكتاب أي أثبته وحققته والمساجلة: المساقاة بالسجل. ويعبر به عن المباراة والمفاضلة؛ قال الشاعر: [من الرمل]
٦٩٩ - من يساجلني يساجل ماجدًا
س ج ن:
﴿رب السجن أحب إلي﴾ [يوسف: ٣٣] السجن: موضع الحبس. وقرئ قوله تعالى: ﴿السجن﴾ بالكسر على أنه مكان الحبس، وبالفتح على أنه نفس الحبس.
قوله تعالى: ﴿لفي سجينٍ﴾ [المطففين: ٧] هو فعيلٌ من السجن. قيل: هو حجرٌ تحت الأرض السابعة مكتوبٌ فيه عمل الأشقياء، كما أن مقابله وهو عليون مكان كتب الأبرار. وقيل: هو اسمٌ لنار جهنم، وزيد لفظه تنبيهًا على زيادة معناه. وقيل: إن كل شيءٍ ذكره الله بقوله: ﴿وما أدراك﴾ [الحاقة: ٣] فسره، وكل ما ذكره بقوله: ﴿وما يدريك﴾ [الأحزاب: ٣٣] تركه مبهمًا. وفي هذا الموضع ذكر: ﴿وما أداك ما سجينٌ﴾ [المطففين: ٨] وكذا قوله: ﴿وما أدراك ما عليون﴾ [المطففين: ١٩] ثم فسر ﴿الكتاب﴾ لا السجين ولا العليين.
стр. 691
س ج و:
قوله تعالى: ﴿والليل إذا سجا﴾ [الضحى: ٢] أي سكن، وهو إشارةٌ إلى ما قيل: هدأت الأرجل، وعينٌ ساجيةٌ أي فاترة النظر. وسجا البحر سجوًا: سكنت أمواجه. ومنه استعير: تسجية الميت أي تغطيته. وقال الشاعر: [من الرجز]
٧٠٠ - يا حبذا القمراء والليل الساج
فصل السين والحاء
س ح ب:
قوله تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجههم﴾ [القمر: ٤٨]. السحب: الجر ومنه سحب ذيله، وسحبته على وجهه. وسمي السحاب سحابًا، إما لجره الماء أو لجرٌ الرياح له أو لانجراره في ممره. وفلانٌ يتسحب على فلانٍ، كقولهم: ينجر عليه، وذلك إذا تجرأ عليه.
والسحاب: الغيم سواءٌ كان فيه ماءٌ أو لم يكن. ولذلك قيل: سحابٌ جهامٌ. وقد يذكر السحاب، ويراد به الظل والظلمة على طريق التشبيه، كقوله تعالى: ﴿أو كظلمات في بحرٍ لجي يغشاه موجٌ من فوقه موجٌ من فوقه سحابٌ ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ﴾ [النور: ٤٠]
س ح ت:
قوله تعالى: ﴿أكالون للسحت﴾ السحت: الحرام، وما لا يحل تناوله، لأنه يسحت صاحبه أي ذهب بدينه ومروءته. وأشار بذلك إلى الرشا التي كان الأحبار يأخذونها ليحكموا لسلفهم وملوكهم بما يهوونه. وأصل السحت قشر الشيء باستئصال.
стр. 692
قال تعالى: ﴿فيسحتكم بعذابٍ﴾ [طه: ٦١] قرئ بضم الياء من أسلحته، وبفتحها من سحته، أي يهلككم هلاك استئصالٍ.
فالسحت: ما يلزم صاحبه العار، كأنه يقشر دينه ومروءته. وقال الفرزدق: [من الطويل]
١٠٧ - وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتًا أو مجلف
وقيل: سمي سحتًا لأنه يذهب البركة. وقيل: هو الذي لا خير فيه. وعندي أن هذه اختلافاتٌ في العبارة والمعنى واحدٌ. وفي الحديث: «لحم نبت من سحتٍ، النار أولى به» وقوله: «كسب الحجام سحتٌ» يريد أن يسحت المروءة لا الدين، ولذلك أذن له ﵊ في إعلافه الناضح وإطعامه الأرقاء. ولو كان محظورًا لم يأذن فيه بوجهٍ.
س ح ر:
قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٢] السحر على أضربٍ: ضربٍ بخداعٍ وتخييلات لا حقيقة لها، كما يفعله تعض المشعبذة من صرف الأبصار عن حقائق الأشياء كخفة يدٍ وسرعة صناعةٍ. قيل ومنه سحرة فرعون إذا جاء في التفسير أنهم جعلوا تحت العصي والحبال زئبقًا يمشيها. وعليه قوله تعالى: ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم﴾ [الأعراف: ١١٦] ولذلك قال: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] وضربٍ باستجلاب معاونة الشياطين بأعمال يفعلونها يتقربون بها إلى الشياطين. وعليه قوله تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاكٍ
стр. 693
أثيمٍ﴾ الآية [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]. وضربٍ يذهب إليه بعض الأغتام، ويزعمون أنهم يقلبون صور الحيوانات بعضها إلى بعضٍ، فيقلبون الإنسان حمارًا والحمار جاريةً حسناء ولا يثبته أهل التحقيق. وقد أتينا على تقسيمه واختلاف العلماء فيه على أتم كلامٍ في كتابنا «القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز». وقد يستعار السحر للكلام المنمق المزوق؛ فيقال: سحرني بكلامه. وأطلق ذلك على الكلام من حيث إنه يغير المعاني عن مقارها إلى مقر آخر، وهو ممدوحٌ في الأشياء الحسنة شرعًا، ومذمومٌ في غيرها. ومنه قوله ﵊: «إن من البيان لسحرًا» قيل: ومنه سموه ساحرًا، وما جاء به السحر لأنه يصرف الناس في زعمهم من دينهم إلى دينه بحسن كلامه، وإلا فما أبعده من السحر. وقد تصور من السحر تارةً حسنه نحو: «إن من البيان لسحرًا»، وتارةً دقة فعله حتى قالت الأطباء: الطبيعة ساحرةٌ والغذاء سحرٌ، من حيث إنه يدق ويلطف تأثيره. وعليه قوله تعالى: ﴿إنما أنت من المسحرين﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي ممن جعل له سحرٌ تنبيهًا أنه محتاجٌ إلى الغذاء كقوله: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام﴾ [الفرقان: ٧] وقال امرؤ القيس: [من الوافر]
٧٠٢ - أرانا موضعين لأمر غيبٍ ... ونسحر بالطعام وبالشراب
ونبه بذلك على أنه بشرٌ كقوله: ﴿إن أنتم إلا بشرٌ مثلنا﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقيل: ممن جعل له سحرٌ يتوصل بلطفه إلى ما يأتي به ويدعيه. وقوله: ﴿إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] يحتمل الوجهين.
قيل: وأصل السحر بالكسر مأخوذٌ من السحر بالفتح، وهو طرف الحلقوم والرئة. ومنه قول أم المؤمنين عائشة ﵂: «مات بين سحري ونحري» يعني النبي ﷺ . وقالوا: انتفخ سحره للجبان من الخور. وبعيرٌ سحيرٌ: عظيم السحر. والسحارة: ما يلقى عند الذبح ويرمى به. وبني على فعالة كبناء النفاية والسقاطة،
стр. 694
وذلك أن السحر يؤثر في المسحور فيكون بمنزلة من أصيب سحره.
وقوله تعالى ﴿بل نحن قومٌ مسحورون﴾ [الحجر: ١٥] أي مصروفون عن معرفتنا بالسحر. وقيل: معناه: إن منه ما يصرف قلوب السامعين إلى قبول ما يسمعون وإن كان غير حقٌ. وقيل: يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر سحره. وعليه قوله «فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطعه قطعةً من النار» قوله ﴿نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤]. السحر: أول النهار، وهو اختلاط الظلمة بضياء النهار، وأراد: سحرٌ من الأسحار، ولذلك صرفه. أما إذا أراد به من يومٍ بعينه فإنه يمنع من الصرف، نحو: أتيتك يوم الجمعة سحر. قالوا: وعليه منعه العدل وأشبه العلمية. وزعم صدر الأفاضل أنه مبني كأمس. ولنا فيه كلامٌ طويلٌ أتقناه في مواضع من تأليفنا.
والسحر: اختلاط ظلام آخر الليل بضياء أول النهار. ولقيته بأعلى السحرين، أي بغلسٍ. والمسحر: الخارج بالسحر. والسحور: المأكول وقت السحر. وبالضم: الفعل. ومثله التسحير. وفي الحديث: «تسحروا فإن السحور بركةٌ» الأحسن قراءته بالضم، أي في فعل ذلك.
س ح ق:
قوله تعالى: ﴿فسحقًا﴾ [الملك: ١١] أي بعدًا. يقال: أسحقه الله، أي بعده من رحمته. وقوله: ﴿في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١] أي بعيد العمق. ونخلةٌ سحوقٌ أي طويلةٌ، وذلك لبعد جناها على مجتنيها. وقيل: السحق: التفتيت. ومنه: سحقت الدواء فانسحق. والسحق أيضًا: البلاء، ومنه ثوبٌ سحقٌ أي بالٍ. وأسحق الثوب أي أخلق. وأسحق الضرع: ذهب لبنه، على التشبيه بالثوب البالي. وأسحقه الله أي جعله سحيقًا. وسحقه: جعله باليًا. ودمٌ منسحقٌ ومسحوقٌ على الاستعارة، كقولهم:
стр. 695
مذرورٌ. وجعل بعضهم إسحاق من هذه المادة، وهو مردودٌ بمنعه من الصرف.
س ح ل:
قوله تعالى: ﴿فليلقه اليم بالساحل﴾ [طه: ٣٩] أي شاطئ البحر. وهو من سحل الحديد أي برده وقشره، لأن المال يفعل به ذلك. قيل وعلى هذا فكان ينبغي أن تجيء مسحولًا، ولكنه جاء على حد قولهم: همٌ ناصبٌ. وقيل: بل هو على بابه، لأنه تصور منه أنه يسحل الماء أي يفرقه ويضيعه. والسحالة: البرادة. والسحيل: الحبل؛ قال زهير: [من الطويل]
٧٠٣ - لعمري لنعم السيدان وجدتما ... على كل حالٍ من سحيل ومبرم
والسحل: الثوب الأبيض من القطن الأبيض النقي. وفي الحديث: «أنه ﵊ كفن في ثلاثة أثواب سحولية» ويروى بضم السين على أنه جمع سحل. ويجمع أيضًا على سحل، نقله الهروي. وبفتحها على أنه منسوبٌ لسحولٍ: قرية باليمن. وفي حديث ابن عباس «أنه افتتح سورة فسحلها» أي قرأها، وذلك على التشبيه. ومنه أسحل في خطبته، أي قالها جمعًا. ومثله: يصب الكلام صبًا.
والمسحل: اللسان. ومنه قول علي كرم الله وجهه في بني أمية: «لا يزالون يطعنون في مسحل ضلالةٍ» وأصل ذلك أن السحال: نهيق الحمار؛ مأخوذٌ من سحل الحديد تشبيهًا لصولته بصوت سهل الحديد. وقيل للسانٍ جهير الصوت مسحلٌ، لما فيه ن القوة التي في نهيق الحمار، لا في الكراهة.
والمسحلان: حديدتان تكتنفان اللجام. وأنشد الهروي في المعنى: [من الكامل]
стр. 696
٧٠٤ - ترقى وتطعن في الجمام وتنتحي ... ورد الحمام إذا أجد حمامها
فصل السين والخاء
س خ ر:
قوله: ﴿وسخر لكم ما في السموات﴾ [الجاثية: ١٣] التسخير: التهيئة. وقيل: هو سياقة الشيء إلى الغرض المختص به. فهذا قوله: ﴿فاتخذتموهم سخريًا﴾ [المؤمنون: ١١٠] قرئ بالضم والكسر؛ فقيل: هما بمعنى. والمعنى أنكم تستهزئون بهم، يدل عليه ما بعده وهو قوله: ﴿وكنتم منهم تضحكون﴾. وقيل: تستخدمونهم وتستهزئون بهم. وقيل: المضموم من الخدمة، والمكسور من الهمز والسخرية، ولذلك لم يختلف السبعة في ضم ما في «الزخرف» [الزخرف: ٣٢]. ورجلٌ سخرةٌ: إذا كان يكثر السخرية بغيره، وسخرةٌ إذا كان يسخر منه، نحو ضُحْكة وضُحَكةَ.
قوله: ﴿والنجوم مسخرات﴾ [الأعراف: ٥٤] أي جاريةٌ لمنافعكم. قوله: ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ [الرعد: ٢] أي قهرهما. وفي ذلك تنبيهٌ على الردٌ على عبدة الكواكب والنيرين، إذ لو كانوا مما يصلح للعبادة لم يقهروا ويسخروا، وهو معنى حسنٌ بديعٌ. قوله: ﴿وإذا رأوا آية يستسخرون﴾ [الصافات: ١٤] أي يسخرون. فالاستفعال بمعنى المجرد، كقولك: عجب واستعجب وتعجب؛ كله بمعنى واحدٍ، وفيه كلامٌ ليس هذا موضعه.
وقوله: ﴿إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون﴾ [هود: ٣٨] أي نستجهلكم كما تستجهلون، أو يكون من باب المقابلة، فتكون السخرية حقيقةً فيهم.
стр. 697
والاستجهال ﵊ إذ لم ... أن يسخر من أحدٍ. ويقال: سخرت فلانًا بالتخفيف، أي تسخرته. وقوله: ﴿وإن كنت لمن الساخرين﴾ [الزمر: ٥٦] أي المستهزئين. وقوله: ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ [التوبة: ٧٩] على المقابلة كما تقدم، أو يجازيهم بسخرهم، وهو كقوله: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥]
س خ ط:
قوله تعالى: ﴿أن سخط الله عليهم﴾ [المائدة: ٨٠]. السَخْطُ والسُخْطُ: الغضب الشديد المقتضي للعقوبة. فهو من الباري تعالى إنزال عقوبته لمن سخط عليه نعوذ برضى الله من سخطه، وبمعافاته من عقوبته.
فضل السين والدال
س د د:
قوله تعالى: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا﴾ [يس: ٩] قرئ بالفتح والضم فيهما. وكذا ما جاء منه، فقيل: هما بمعنى. وقيل: المضموم ما كان من صنع الله، والمفتوح ما كان من صنعة الناس، وهو مردودٌ بما ذكرت من القراءتين؛ فإنه قرئ بالفتح في «يس» وهو من فعل الله، وبالضم في «الكهف» وهو من فعل الناس. والسد في الأصل مصدر سددت الشيء أسده: إذا جعلت في ما يتوصل إليه به مانعًا كسد الباب والثغر ونحو ذلك. واستعير ذلك في المعاني كقوله تعالى: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا﴾ كني بذلك عن مجلسهم وكفرهم، وإن من لم يبصرهم من عماهم، ولم يهدهم من ضلالهم لا يسأل عما يفعل. وقيل: إن المشركين أرادوا به مكروهًا. فمنعهم الله من ذلك وفي معناه: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]. وقيل: السد بالفتح: الجبل، وبالضم غيره. قال الأسود: [من الكامل]
٧٠٥ - ومن الحوادث، لا أبالك، أنني ... ضربت على الأرض بالأسداد
стр. 698
قوله تعالى: ﴿وليقولوا قولًا سديدًا﴾ [النساء: ٩] أي مستقيمًا من السداد، وهو ما يسد به من الخلل. وكل ما سددته من ثلمةٍ ونحوها فهو مسدودٌ، وما كان من المعاني والأقوال فهو مفتوحٌ وأنشد للعرجي: [من الوافر]
٧٠٦ - أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وقد جاء الكسر في موضع الفتح. ومنه الحديث: «حتى رضيت سدادًا من العيش» كذا رواه الهروي، ثم قال: وكل ما سددت به خللًا فهو سدادٌ، وبه سمي سداد الثغر، وسداد القارورة. ولم يذكر الفتح البتة في المعنيين المذكورين، بل ذكره وجعله بمعنى الوفق؛ قال: والوفق: المقدار، وجعل من ذلك حديث أبي بكر حيث سئل ﵊ عن الإزار فقال: «سدد وقارب». قال: قال شمر: سدد، من السداد وهو الوفق الذي لا يعاب ويعبر بالسد عن الباب، وجمعها سدد؛ وفي الحديث: «لا تفتح لهم السدد» وقيل: هي الستور مرخاةً على الأبواب.
س د ر:
قوله تعالى: ﴿في سدر مخضود﴾ [الواقعة: ٢٨] السدر: ورق شجرة النبق، وهو عند العرب منتفعٌ به في الاستظلال والتفيؤ، وقليل الغناء عندهم بالنسبة إلى أكله. فمن ثم حسن أن يجاء به في قلة الغناء؛ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وشيءٍ من سدرٍ﴾ [سبأ: ١٦] أو وصفه بأخس الصفات. والخَضْدُ والخَضَدُ قيل: نزع الشوك. وقيل: هو أن يبسق الغصن بالثمر من أوله إلى آخره. فالحاصل أنه على خلاف ما يعهدونه في الدنيا وقوله تعالى: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٦] هي سدرة المنتهى. جاء في
стр. 699
الحديث: «إن نبقها كقلال هجرٍ وورقها كآذان الفيلة» ونقل الراغب أنها الشجرة التي بويع النبي ﷺ -تحتها، فأنزل الله تعالى السكينة في قلوب المؤمنين. ولم أره لغيره. والسدر: التحير. والسادر: المتحير قال: [من الرمل]
٧٠٧ - سادرًا أحسب غيي رشدًا
وسدر شعره قال الراغب: هو مقلوبٌ عن دسر. وعندي أنه من غسله بالسدر.
س د س:
قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]. قيل: هي من أيامنا وهو الصحيح، لأنه أبلغ في القدرة. فإن قيل: اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وقيل: خلق ذلك وليس شمسٌ هناك فالجواب أنه فعل في مدة هذه مقدارها وهذا خطابٌ لما يفهمه الناس، وإلا فالباري تعالى إيجاده الأشياء بـ «كن». وقيل: ستةٌ من أيام الآخرة؛ كل يومٍ ألف سنةٍ، وهو ضعيفٌ جدًا.
وأصل ست سدس، فأبدلت السين الأخيرة تاءً كإبدالها في قولهم:
٧٠٨ - النات النات يريدون الناس الناس.
وقرئ به شاذًا فاجتمع متقاربان، فأدغمت الدال في التاء بعد قلبها بجنس ما بعدها. ويقال: سادسٌ وسادي، بإبدال السين ياءً. قال: [من الطويل]
٧٠٩ - ويعتدني إن لم يق الله ساديا
يريد: سادسًا. وسدست القوم: صرت سادسهم، وأخذت سدس أموالهم. وسدس
стр. 700
الشيء: جزءٌ من ستة أجزاء. وأما قولهم: فلانةٌ ست القوم، فلغةٌ مولدةٌ غير معروفة.
س د ي:
قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدىً﴾ [القيامة: ٣٦] أي مهملًا غير مأمورٍ ولا منهيٍّ. وكل شيءِ تركته وأهملته فهو سدىً. وفي الحديث: «إنه كتب ليهود تيماء: إن لهم الذمة وعليهم الجزية بلا عداء، النهار مدى والليل سدىً». السدى: التخلية. والمدى: الغاية. فالمراد أن لهم ذلك أبدًا وأسديت له نعمةً: كأنه أرسلها وأهملها فلم يمن بها عليه.
والسدى: سدى الثوب؛ بالفتح والقصر: ما ظهر من غزل الثوب، اللحمة: ما خفي. منه وقيل: بالعكس.
فصل السين والراء
س ر ب:
قوله تعالى: ﴿وساربٌ بالنهار﴾ [الرعد: ١٠]. السارب: الظاهر في الطريق، يعني السالك. والسرب: هو الطريق. يقال: خله في سربه أي طريقه. وروي أنه قال ﵊: «من أصبح آمنًا في سربه» بالفتح والكسر؛ فالفتح على أنه آمنٌ في مذهبه وطريقه، والكسر على أنه آمنٌ في نفسه.
وفلانٌ واسع السرب أي رخي البال. ومعنى الآية أنه تعالى مستوٍ عنده من هو مستخف في ظلمة الليل، ومن هو ظاهرٌ في ضياء النهار، لا تفاوت بينهما في علمه تعالى.
سرب الرجل يسرب سروبًا وسربًا: إذا مضى في طريقه لسفرٍ سهلٍ، وذلك السفر السربة، فإن كان مشقًا فهو السرباة. وسرب الماء يسرب سروبًا وسربًا، نحو مر مروًا مرًا قال ذو الرمة: [من البسيط]
٧١٠ - ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريةٍ سرب
стр. 701
وقوله تعالى: ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربًا﴾ [الكهف: ٦١] يعني الحوت وكان مملوحًا. والمعنى أنه ذهب في سربه وطريقه الذي في الماء بعدما مات وملحوه. ومروره معجزةٌ لموسى ﵇ وعلامة على طلبته. وفي حديث الاستنجاء: «حجران للصفحتين وحجرٌ للمسربة» هي المجرى؛ اتخذت بمجرى الماء عند سروبه. وقيل: أصل السرب الذهاب في انحدار. والسرب: المنحدر. وسرب الدمع: سال. وانسربت الحبة إلى جحرها. وقولهم في كناية الطلاق: «لا أنده سربك» أي لا أرد تلك الداهية في سربها؛ يروى بفتح السين وكسرها. وقالوا: ذعرت سربه إي إبله. وقيل: نساؤه. والسربة: القطعة من الخيل ما بين العشرة إلى العشرين.
والمسربة: ما تدلى من شعر الصدر. وقوله: ﴿كسرابٍ بقيعةٍ﴾ [النور: ٣٩]. السراب: ما لمع في المفازة كالماء، وذلك لانسرابه في مرأى العين. وكأن السراب لما لا حقيقة له كما قال تعالى: ﴿لم يجده شيئًا﴾ [النور: ٣٩] كما أن الشراب لما له حقيقةٌ وأنشدني بعضهم في التجانس والتضمين: [من الوافر]
٧١١ - ومن يرجو من الدنيا وفاءً ... كمن يرجو شرابًا من سراب
لها داعٍ ينادي كل يومٍ ... لدوا للموت وابنوا للخراب.
س ر ب ل:
قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ [النحل: ٨١] السرابيل: جمع سربال، وهو القميص من أي جنسٍ كان، ويطلق على الدرع. قال: ﴿وسرابيل تقيكم بأسكم﴾ والمعنى: تقي بعضكم من بأس بعضٍ. وقد يستعار في المعاني، كقولٍ لبيدٍ: [من البسيط]
٧١٢ - الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا
стр. 702
وقالوا: تسربل أي لبس السربال: وقال: أوس بن حجرٍ يصف درعًا: [من الطويل]
٧١٣ - تردد فيه ضوؤها وشعاعها ... فأحسن وأزين بامرئٍ أن تسربلا
س ر ج:
قوله تعالى: ﴿وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] وصفه تعالى بكونه سراجًا منيرًا لأنه ﵊ أضاءت الدنيا به وبشريعته بعد أن كانت مظلمةً بالكفر. والسراج هو الزاهر بفتيلةٍ ودهنٍ، ثم يعبر به عن كل مضيءٍ ثاقب. ولذلك وصف أضواء النيرات، وهي الشمس بأن سراجٌ، فقال: ﴿وجعل الشمس سراجًا﴾ [نوح: ١٦]
وأسرجت السراج: أوقدته. وسرجت الشيء: جعلته في الحسن كالسراج. وقال البيانيون في قول القائل: [من الرجز]
- وفاحمًا ومرسنًا مسرجا
أي له بريقٌ كبريق السراج. والمرسن: الأنف، وأصله في الإبل لموضع الرسن، فاستعير في الأناسي.
والسرج: رحالة الدابة، والسراج: صانعه، والجمع سروجٌ وأسرجٌ كفلوسٍ وأفلسٍ كثرةً وقلة.
س ر ح:
قوله تعالى: ﴿أو تسريحٌ بإحسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. أصل التسريح: الإرسال؛ يقال سرحت الإبل، أي أرسلتها في المرعى. وأصله أن ترعيه السَّرْحَ والسَّرْحُ سَرحُ البادية، الواحدة سرحةٌ. قال: [من الطويل]
٧١٤ - أبى الله إلا أن سرحة مالكٍ ... على كل أفنان العضاه تروق
ثم عبر به عن كل إرسالٍ في رعي ما. ثم جعل لمطلق الإرسال. ثم استعير في
стр. 703
الطلاق كاستعارة الطلاق للمرأة من إطلاق الإبل وهو تخليتها. وسرحت الإبل أي أرسلتها، قال تعالى: ﴿ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون﴾ [النحل: ٦]. واعتبر من لفظه المضي والسرعة؛ فقيل: ناقةٌ سرحٌ، ومضى سرحًا سهلًا.
س ر د:
قوله تعالى: ﴿وقدر في السرد﴾ [سبأ: ١١]. السرد في الأصل: نسج ما يخشن ويغلظ، كنسج الدروع وخرز الجلد. فقوله: ﴿وقدر في السرد﴾ أي ضيق نسيجها حتى لا يغلق بعضها من بعضٍ، فاستعار السرد لذلك. ويقال: سردٌ وزردٌ، وسرادٌ وزرادٌ نحو سراط وزراط.
والسرد: الثقب. وقيل: السرد: المتتابع. ومنه: سرد الأحاديث، أي تابع بعضها ببعضٍ. فالمعنى: تابع بين حلق الزرد كي تتناسق. ويقال للحلق: سردٌ ومعنى التقدير فيها أن لا تجعل المسامير دقاقًا فتغلق، ولا غلاظًا فتقصم.
س ر د ق:
قوله تعالى: ﴿أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩]. السرادق: الحجر يكون حول الفسطاط. وقيل: ما يمد فوق صحن الدار. وقيل: كل بيتٍ من كرسفٍ فهو سرادقٌ. وأنشد لرؤبة: [من الرجز]
٧١٥ - يا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود
وبيتٌ مسردقٌ، وأنشد: [من الطويل]
٧١٦ - هو المدخل النعمان بيتًا، سماؤه ... صدور الفيول بعض بيت مسردق
وكان أبرويز ملك الفرس قد قتل النعمان ملك العرب، أي أوطأه الفيلة. فالفيول جمع فيلٍ. وقيل: السرادق: كل ما أحاط بشيءٍ. ومنه قيل للحائط: سرادقٌ. والسرادق
стр. 704
فارسيٌ معربٌ، قال الراغب: وليس في كلامهم اسمٌ مفردٌ ثالثه ألفٌ وبعدها حرفان. وقيل: بيتٌ مسردقٌ: مجعولٌ على هيئة سرادق، انتهى. قلت: وليس كما قال، لقولهم: جلاجل وحلاحل؛ بالحاء والجيم. قال: [من الطويل]
٧١٧ - فيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ ... وبين النقاء أنت أم أم سالم؟
نعم، لو قال: مفتوح الأول لكان مستقيمًا نحو مساجد.
س ر ر:
قوله تعالى: ﴿على سررٍ متقابلين﴾ [الحجر: ٤٧]. السرر: جمع سرير، وهو ما يجلس عليه، مأخوذٌ من السرور، لأنه مجلس أولي النعمة. ويجمع على أسرةٍ. وفي الحديث: «ملوك على الأسرة». وسرير الميت؛ على التفاؤل بذلك، وكأنه حصل له بلقاء ربه سرورٌ لخروجه من السجن المشار إليه بقوله ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن».
قوله: ﴿فإنه يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧]. قيل: السر ما أضمرته في نفسك وأخفى منه ما ستفعله ولا يخطر ببالك. وقيل: السر ما تتكلم به في خفاء وأخفى منه ما أضمرته في نفسك ولم تتكلم به. والأول أبلغ. والسر هو الحديث المكتم في النفس والإسرار ضد الإعلان. ويستعمل في المعاني والأعيان. قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى﴾ [طه: ٦٢] أي كتموها. وقوله: ﴿وأسروا الندامة﴾ [يونس: ٥٤] قيل: كتموها تجلدًا، وقيل: أظهروها. قاله: أبو عبيدة، قال الراغب: بدلالة قوله: ﴿يا ليتنا نرد ولا نكذب﴾ [الأنعام: ٢٧] قال: وليس كذلك؛ فإن الندامة التي كتموها ليست إشارة إلى ما أظهروه. وقال الأزهري: ليس قول أبي عبيدة بشيءٍ، إنما يقال: ﴿أشروا﴾ بالشين، يعني بالمعجمة، أي أظهروا. وأسروا بالسين: أخفوا. وقال قطربٌ: أسرها كبراؤهم من أتباعهم قال ابن عرفة: لم يقل قطربٌ شيئًا، وحمل ذلك على حالتين؛ يعني
стр. 705
أنهم أظهروا ندامةً وأخفوا ندامةً، لأنهم لم يستطيعوا أن يظهروا كل ما في قلوبهم عجزًا عن ذلك. وصارت لهم الحالتان؛ حالة الإخفاء وحالة الإظهار. وأنشد لأبي دؤادٍ الإيادي: [من المتقارب]
٧١٨ - إذا ما يذفها شاربٌ ... أسر احتيالًا وأبدى احتيالا
ولم أدر وجه قول ابن عرفة في الردٌ على قطرب، قوله تعالى: ﴿تسرون إليهم بالمودة﴾ [الممتحنة: ١] يقال: أسررت إلى فلان حديثًا أو أصبت به إليه في خفيةٍ. والمعنى: تطلعونهم على ما تسرون من مودتهم. وقد فسر بأن معناه تظهرون. قال الراغب: وهذا صحيحٌ فإن الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسر، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره. فإذا قولهم: أسررت إلى فلانٍ يقتضي من وجه الإخفاء قلت وحينئذ فقوله تعالى: ﴿وأسروا الندامة﴾ محتملٌ لما قاله أبو عبيدة، فلا معنى لإنكاره عليه.
قوله: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ [الطارق: ٩] جمع سريرة، وهي أعمال العباد التي يسرونها، قال الشاعر: [من الطويل]
٧١٩ - سيبقى لها في مضمر الود والحشا ... سرائر حب يوم تبلى السرائر
ولما سمع الحسن هذا البيت قال: قاتله الله إن في ذلك اليوم لشغلًا. قوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدوهن سرًا﴾. [البقرة: ٢٣٥] قيل: السر: النكاح، كني به عنه من حيث إنه يخفى واستعير السر للخالص؛ فقيل: هو في سر الوادي، وفي سر قومه. وسرة البطن: ما يبقى؛ سميت بذلك لاستتارها بعكن البطن. والسُّرَرُ والسِّرَرُ والسُّرُّ: ما قطع منه. وفي الحديث: «إن السقط يجترهما -يعني والديه -بسرره حتى يدخلهما الجنة» وفي الحديث أيضًا: «تبرق أسارير وجهه» وأسرة وجهه وهي الغضون
следующие страницы →