Полный текст (1 752 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
قلوبهم﴾ [يونس: ٨٨] أي امنعها من الصرف والفهم عقوبةً لهم حيث تعاموا بعدما أبصروا، وضلوا بعدما تبين لهم طريق الهدى قوله: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [العاديات: ٨] أي لبخيل؛ والخير: المال ومنه: ﴿إن ترك خيرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] فسر بالمال، وقد تقدم. والمتشدد أيضًا: البخيل، ومنه قول طرفه: [من الطويل]
٧٨٦ - أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
وقيل: المعنى: وإنه لشديد حب الخير، أي حبه شديد وهو تفسير معنى قوله: ﴿وشددنا ملكه﴾ أي قويناه. قيل: إنه تداعى إليه رجلان فأوحي إليه بقتل أحدهما فقال الرجل: لم أجن جنايةً تقتضي قتلي! فقال بذلك أمرت. فقال الرجل: أما إني لم أقتل بهذه، بل لأني قتلت أباه غيلةً، فهيب من حينئذٍ وقيل: كان يحرس محرابه ثلاثون ألف مسلح، وكل ذلك بتقوية الله تعالى وقال الراغب: في قوله تعالى: ﴿لحب الخير لشديد﴾ إن شديدًا يجوز فيه أن يكون بمعنى مفعولٍ، كأنه شد كما يقال: غل عن الانفصال. وعلى هذا قالت اليهود: ﴿يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ [المائدة: ٦٤] ويجوز أن يكون بمعنى فاعلٍ كالمتشدد كأنه شد صرته وقال في قوله: ﴿حتى إذا بلغ أشده﴾ وفيه تنبيه أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله بعد ذلك وإليك نحا الشاعر، قال: [من الطويل]
٧٨٧ - إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يهوى حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى ... وإن جر أسباب الحياة له العمر
وشد فلا واشتد أسرع، كأنه مأخوذ من قولهم: اشتدت به الريح.
стр. 772
فصل الشين والراء
[ش ر ب]
قوله تعالى: ﴿فشربوا منه﴾ [البقرة: ٢٤٩] الشرب: تناول كل مائع بالفم من ماءٍ وغيره، قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [البقرة: ٩٣] أي تمكن حبه من قلوبهم تمكنًا بمنزلة من شرب ماء فدخل جوفه قوله تعالى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ [الواقعة: ٥٥] قرئ بالضم والفتح على أنهما مصدران لشربٍ وفيه لغة ثالثة «شرب» بالكسر. يقال: شربت الماء شربًا وشربا ﴿والمعروف أن المضموم مصدر والمفتوح جمع شاربٍ كقول النابغة الذبياني: [من البسيط]
٧٨٨ - كأنه خارجًا من جنب صفحته ... سفود شربٍ نسوه عند مفتأد
والمكسور: الحظ والنصيب؛ ومنه: ﴿هذه ناقلة لها شرب ولكم شرب يومٍ معلومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] والشراب: ما يشرب قوله تعالى: ﴿قد علم كل أناسٍ مشربهم﴾ [البقرة: ٦٠] الظاهر أنه مكان الشراب، ويضعف كونه زمانًا أو مصدرًا وجمعه مشارب. قال تعالى: ﴿ولهم فيها منافع ومشارب﴾ [يس: ٧٣] فهذا جمع مشرب، المراد به المصدر.
والشارب: الشعر الذي على الشفة العليا، وهو أيضًا عرق في باطن الحلق؛ سمي بذلك تصورًا بصورة فاعل الشراب. وقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ [أي تمكن حبه من قلوبهم تمكنًا بمنزلة من شرب ماءً فوصل إليه وخالطه وقيل: هو على حذف مضافٍ أي حب العجل. وأنشد للنابغة الجعدي: [من المتقارب]
٧٨٩ - فكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب؟
أي كخلالة ابن مرحب.
وقال ابن عرفة: يقال: أشرب قلبه محبة كذا، أي حل محل الشراب وقيل: هو من
стр. 773
قولهم: أشربت البعير أي شددت في عنقه حبلًا وأنشد: [من الوافر]
٧٩٠ - تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن، ولم يبلغ سرور
ولو قيل: حب العجل، لم يكن في بلاغة ما أنزل الله تعالى فإن في ذكر العجل تنبيهًا أنهم لفرط شغفهم به صارت صورة العجل في قلوبهم لا تنمحي وفي المثل: «أشربتني ما لم أشرب» أي ادعيت علي ما لم أفعل.
ش ر ح:
قوله تعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ [الزمر: ٢٢] أي بسط ووسع وهو عكس من قال فيه: ﴿يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وأصل الشرح: البسط والتوسعة. ومنه شرح الكلام لإيضاحه، وشرح اللحم لبسطه، وشرح الله صدور عباده، إنما هو بما يلقي فيها من أنوار الهداية ووفور النظر وشرح فلان جاريته، أي وطئها على قفاها وفي حديث ابن عباسٍ: «وكان هذا الحي من قريشٍ يشرحون النساء شرحًا» أي يبسطونهن وقت الجماع.
ش ر د:
قوله تعالى: ﴿فشرد بهم من خلفهم﴾ [الأنفال: ٥٧] أي اطرد من خلفهم طردًا بليغًا، وذلك إذا فعلت بهؤلاء فعلًا ينزجر به من رآهم فيشردون ويهربون كل مهرب؛ أي هم سبب في تشريد غيرهم ومنه نكلت بفلانٍ، أي منعت غيره بسبب، أي بسبب فعلي به فعلًا يردع غيره ومنه، شرد البعير، وشردته وأنا وقيل: شرد بهم. أي أسمع بهم وقيل: هي لغة قرشية قال شاعرهم: [من الوافر]
٧٩١ - أطوف في الأباطح كل يومٍ ... مخافة أن يشرد بي حكيم
стр. 774
وفي الحديث أنه ﵊ قال لخوات بن جبير: «ما فعل شرادك» قال الهروي: يعرض بقصته مع ذات النحيين، وهي معروفة وأراد به: لما فرغ شرد في الأرض وانفلت خوفًا يقال: شرد يشرد، فهو شارد وشرود وشراد. ورجل شريد، أي طريد.
ش ر ذ م:
قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء لشرذمة قليلون﴾ [الشعراء: ٥٤] الشرذمة: الجماعة المنقطعة، من قولهم: ثوب شراذم، أي متقطع.
ش ر ر:
قوله تعالى: ﴿إنها ترمي بشررٍ كالقصر﴾ [المرسلات: ٣٢] الشرر: قطع النار التي تتطاير منها الواحدة شررة وصف النار بأنها على خلاف ما يتعارفه الناس، وهو أن شررها بقدر القصور والشر: ما ينفر منه كل أحدٍ؛ وقد يكون دينيًا ودنيويًا والدنيوي مدرك لذوي العقول من غير توقف على غيره غالبًا. وأما الديني فلا يعلم غالبًا إلا بتوقف الرسال كآداب الجوارح في العبادات، والامتناع من ملاذ دنيويةٍ، وإن حصل بها تألم عاجل فإن بها خيرًا آجلًا.
وقوله ﵊: «والشر ليس إليك» أي لا يليق بالأدب نسبة ما يتعارفه الناس شرًا إليك. وقيل: لا يصعد إليك إلا الطيب من العمل دون الخبيث، ﴿إليه يصعد الكلم والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] وقد تقدم طرف من ذلك عند ذكر الخير ويقال: رجل شرير وشراني: متعاطٍ للشر. والجمع شرار قال تعالى: ﴿كنا نعدهم
стр. 775
من الأشرار﴾ [ص: ٦٢] وأشررته: نسبته إلى الشر وقيل: أشررن كذا، أي أظهرنه. وأنشد [من الطويل].
٧٩٢ - إذا قيل: أي الناس شر قبيلة ... أشرت كليب بالأكف الأصابعا
قال الراغب: فإن لم يكن في هذا إلا هذا البيت فإنه يحتمل أنها نسبت الأصابع بالإشارة إليه، فيكون من أشررته: إذا نسبته إلى الشر. يعني أنه إن لم يكن لهذا القول شاهد إلا الشعر، فإنه لا دلالة فيه، لاحتمال ما ذكره. وهو كما قاله. ويروى البيت:
٧٩٣ - أشارت كليبٍ بالأكف الأصابع
بجر كليبٍ ورفع الأصابع، على تقدم أشارت الأصابع إلى كليبٍ فحذف الجار وأبقى عمله، وهو شاذًّ كقول الآخر: [من الكامل]
٧٩٤ - حتى تبذخ فارتقى الإعلام
يريد: إلى الإعلام.
والشر بالضم خص بالأمر المكروه. وشرر النار: ما تطاير منها؛ سمي بذلك لما فيه من الشر. قوله تعالى: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير﴾ [الإسراء: ١١]، أي يدعو على نفسه وولده وماله حال ضجره، كما يدعو لهم بالخير فلا يعجل الله تعالى عليه لطفًا به. وقوله تعالى: ﴿أنتم شر مكانًا﴾ [يوسف: ٧٧] نسب الشر إلى مكانهم مبالغةً؛ إذ لا يحضر المكان الموصوف بالشر إلا شرير.
وفي الحديث: «يشرشر شدقه» أي يشقق. والمشهور في مادة الخير والشر إذا بني منها أفعل تفضيلٍ أن لا تثبت همزتها؛ فيقال: زيد خير من عمرو، وشر من بكرٍ.
стр. 776
وشذ ثبوتها فيهما كقوله: [من الرجز]
٧٩٥ - بلال خير الناس وابن الأخير
وقرئ شاذًا: ﴿سيعلمون غدًا من الكذاب الأشر﴾ [القمر: ٢٦]. وإذا بني منهما أفعل التعجب ثبتت الهمزة فيقال: ما أخيرك وما أشره! وقد شذ حذفها هنا في قولهم: ما خير اللبن للصحيح وما شره للمبطون. كما شذ ثبوتها هناك كما مثلته لك في الآية الكريمة والبيت.
ش ر ط:
قوله تعالى: ﴿فقد جاء أشراطها﴾ [محمد: ١٨] أي علاماتها، واحدها شرط. والشرط الصناعي والشرعي من ذلك، لأنه علامة لترتب الحكم عليه؛ ألا ترى إلى قولك: إن قمت أكرمتك؟ فالقيام علامة لوقوع الإكرام مرتبًا عليه. وقولك: إن دخلت الدار فأنت طالق، بأن دخول الدار علامة على وقوع الطلاق؟ وفي كلام الراغب ما يضاد ذلك؛ فإنه قال: والشرط: كل حكمٍ يتعلق بأمرٍ يقع بوقوعه. وذلك الأمر كالعلامة له. وهذا عكس ما قاله الناس، وعكس المعنى أيضًا.
وأشرط نفسه: جعل لها علامة تعرف بها قيل: والشرط من ذلك لأنهم جعلوا زيًا يعرفون به دون غيرهم. وقيل: لأنهم أراذل الناس ومنها: أشراط الإبل للرذال منها وفي الحديث، وقد ذكر الزكاة: «ولا الشرط اللئيمة» قيل: هي رذال الجمال كالدبر والهذيل قال أبو عبيدٍ: هي صغار الغنم وشرارها. واشتراط كذا، أي جعل له علامةً على ما يتفق مع غير عليه. وقد اشترط نفسه للهلكة: إذا عمل عملًا يكون علامةً على هلكته أو يكون فيه شرط للهلاك.
стр. 777
والشرائط جمع شريطةٍ لا شرطٍ وفي الحديث: «نهى عن شريطة الشيطان» قيل: ذبيحة لا تقطع فيها الأوداج، مأخوذ من شرط الحجام، لأن أهل الجاهلية كانوا يقطعون اليسير من حلقها، ويرتكونها حتى تموت. والشرط: أول طائفةٍ من الجيش يشهدون الوقعة ومنه حديث عبد الله: «وتشرط شرطة للموت لا يرجعون إلا غالبين».
ش ر ع:
قوله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها﴾ [الجاثية: ١٨] أي دينٍ وملةٍ؛ قاله الفراء وأصل الشرع: نهج الطريق الواضح نحو: شرعت له طريقًا. والشرع مصدر شرع، ثم استعير للطريق النهج فقيل: شرع وشريعة وشرعة وسنة. وقوله تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] إشارة إلى أمرين: أحدهما ما سخر الله تعالى عليه كل إنسانٍ من طريق يتحراه مما يعود على مصالح عباده وعمارة بلاده، المشار إليها بقوله: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ ليتخذ بعضهم بعضا سخريًا﴾ [الزخرف: ٣٢] الثاني ما قيض له من الدين وأمره ليتحراه اختيارًا مما تختلف فيه الشرائع ويعترضه النسخ ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتبعها﴾ وقال ابن عباس- ﵄: «الشريعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما وردت به السنة».
قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إشارة إلى الأصول التي تتساوى فيه الملل ولا يصح فيها النسخ كمعرفة الباري ونحوها مما دل عليه قوله: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر﴾ [النساء: ١٣٦] وقال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيهًا بشريعة الماء لأن من نزع فيها على الحقيقة المصدوقة روي وتطهر قال: وأعني بالرأي مما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله رويت بلا شربٍ. وبالتطهر ما قال تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب
стр. 778
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]
وشارعة الطريق: ما استقام منها، والجمع شوارع ومنه: أشرعت الريح قلعه وشرعته فهو مشرع ومشروع وشرعت السفينة: جعلت لها شراعًا، أي قلعًا لأنه يتقدمها ويمر بها في طريقها والشروع في الشيء: الأخذ فيه والدخول. ومنه قول النحاة: أفعال الشروع نحو: طفق، وجعل. ومنه: هم في هذا شرع واحد، أي سواء، كأنهم شرعوا فيه دفعةً وقولهم: شرعك من رجلٍ زيد، كقولك: حسبك، أي هو الذي يشرع في أمرك.
والشرع بالكسر: خص بما يشرع من الأوتار على العود وقيل: سميت الملة شريعةً وشرعةً لظهورها ومنه: ﴿شرع لكم من الدين﴾ [الشورى: ١٣] أي أظهر وقال ابن عرفة: الشرعة والشريعة: ما ظهر واستقام من المذاهب وقوله: ﴿إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣] وهو جمع شارعٍ، أي بادية خراطيمها لكل أحدٍ، وذلك أن الله تعالى ابتلى اليهود بتحريم الصيد يوم السبت وبإلهام السمكة بذلك، فكانت تظهر إلى أن يكاد الإنسان يقبضها، فإذا كان يوم الأحد فما بعده ذهبت حتى أعدوا حياضًا شارعة إلى البحر بجداول. وكانت الحيتان تدخل الجداول يوم السبت، فيصيدونها يوم السبت، فذلك اعتداؤهم في السبت، فمن ثم مسخوا قردةً وخنازير وقال الليث: حيتان شرع، رافعةً رؤوسها، كأنه أخذه من شراع السفينة وفي حديث علي ﵁ «أن قومًا سافر معهم رجل ففقد، فاتهمهم أهله بقتله فأتوا شريحًا فطلب أهل القتيل بالبينة فعجزوا فطلب أيمان المتهمين فبلغت عليًا ﵁ فأنشد: [من الرجز]
٧٩٦ - أوردها سعد وسعد مشتمل ... يا سعد لا ترد [إلى] دار الإبل
ثم قال: «إن أهون [السقي] التشريع» ففرق أولئك النفر فاعترفوا بقتله فقتلهم به يريد ﵁ أن شريحًا أخذ بالأهون ولم يستبرئ. كما أن التشريع، وهو إيراد الإبل الشريعة، أمر هين لا يحتاج أصحاب الإبل إلى نزع دلاءٍ ولا حوضٍ فجعل ذلك مثلًا
стр. 779
وما أحسن هذا وأبلغه!
ش ر ق:
قوله تعالى: ﴿بالعشي والإشراق﴾ [ص: ٢٨] الإشراق: مصدر أشرقت الشمس أي أضاءت يقال: شرقت الشمس شروقًا: طلعت. وأشرقت: أضاءت وشرقت- بالكسر- أخذت ودنت للغروب وقيل: شرق وأشرق بمعنىً واحدٍ والمراد وقت الإشراق وفي تفسير ابن عباسٍ أن المراد به صلاة الضحى، وكانت الجاهلية في موقفهم يقولون: «أشرق ثبير كيما نغير» أي ادخل في الشروق حتى ننفر وندفع وقولهم: «لا أفعل ذلك ماذر شارق» أي ما طلع نجم من جهة الشرق.
قوله تعالى: ﴿رب المشرق والمغرب﴾ [الشعراء: ٢٨] وفي موضعٍ آخر بلفظ التثنية [الرحمن: ١٧] وفي آخر بلفظ الجمع [المعارج: ٤٠] وذلك بحسب اختلاف الإرادات. قال بعضهم: حيث أتيا بلفظ الإفراد، يعني المشرق والمغرب، فالمراد بذلك ناحيتا الشرق والغرب. وحيث أتيا بلفظ التثنية فالمراد مطلعا الصيف والشتاء ومغربهما وحيث وردا بلفظ الجمع فالمراد مطلع كل يومٍ ومغربه؛ فيقال: إن للشمس ثلاث مئةٍ وستين كرةً في الفلك تطلع كل يومٍ من واحدة وكذا في جهة الغروب.
والمشرق والمغرب: اسما مكان الشروق والغروب، فكان قياسهما ضم العين، إلا أن السماع بخلافه، ولها أخوات ذكرناها في غير هذا قوله: ﴿مكانًا شرقيًا﴾ [مريم: ١٦] أي من ناحية المشرق. والمشرقة: المكان الذي يظهر للشرق. وشرقت اللحم: ألقيته في المشرقة، ومنه أيام التشريق والمشرق: مصلى العيد للقيام في الصلاة فيه وقت شروق الشمس وأحمر شرق: شديد الحمرة ولحم شرق: لا شحم فيه وثوب شرق بالصبغ.
стр. 780
قوله تعالى: ﴿لا شرقيةٍ ولا غربية﴾ [النور: ٣٥] أي لا تطلع عليها الشمس وقت شروقها أو وقت غروبها فقط، ولكنها شرقية غربية تصيبها الشمس بالغداة والعشي. وهو أنضر لها وأجود لزيتونها. قلت: وفي هذا دليل لقول الفقهاء في ذلك: والله لا كلمت زيدًا ولا عمرًا، إنه يمينان. ولو قال: وعمرًا، دون «لا» كانت يمينًا واحدةً. وفيه بحث من حيث قول النحاة: إن «لا» الثانية للتأكيد. وقد حققناه في غير هذا.
قوله: ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾ [الشعراء: ٦٠] أي داخلين في وقت الشروق وهو حال يحتمل أن تكون من الفاعل أو المفعول أو منهما وهو متلازم وإن قلنا: إنها حال من أحدهما لأن من أدرك وقت كيف أتت وهو «مشرقين» وفي الحديث: «نهى أن يضحي بالشرقاء» وهي المشقوقة الأذن. شرق أذنه يشرقها: شقها. والشرق: مصدر شرق بريقه؛ ومنه قول عدي بن زيدٍ: [من الرمل]
٧٩٧ - لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
والشرق أيضًا: الضوء، وهو أيضًا الشمس. وهو أيضًا الشق وعن المبرد: ما يرى من الضوء من شق الباب.
ش ر ك:
قوله تعالى: ﴿جعلا له شركاء﴾ [الأعراف: ١٩٠] قرئ شركاء وشركا فالشرك يقال بمعنى الشريك، وبمعنى النصيب وفي التفسير أن إبليس عيرهما حين سمياه عبد الحارث وكان عبد الله في قصة ذكروها لا تصح عن مثل أبوينا، وإن صحت فمن ذرتيهما، لا منهما وجمعه أشراك، وأنشد للبيدٍ: [من الوافر]
٧٩٨ - تطير عدائد الأشراك شفعًا ... ووترًا، والزعامة للغلام
стр. 781
ومن قرأ: ﴿شركاء﴾ أراد به جمع شريك وأصله الشركة. والمشاركة: خلط الملكين. وقيل: وهو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا؛ عينًا كان ذلك الشيء أو معنىً كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية، ومشاركة فرسٍ وفرسٍ في الكمتة والدهمة يقال: شركته وشاركته وتشاركته وتشاركوا واشتركوا. وأشركته في كذا؛ قال تعالى: ﴿وأشركه في أمري﴾ [طه: ٣٢] وفي الحديث: «اللهم أشركنا في دعاء الصالحين».
ثم الشرك ضربان: ضرب يجعل لله فيه شريك. وهذا- والعياذ بالله منه- وصفه تعالى بأنه ظلم عظيم والثاني الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور، وذلك كالرياء والنفاق المشار إليهما بقوله: ﴿جعلا له شركاء فيما أتاهما﴾ في أحد الأقوال وقوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: ١٠٦] وقال آخرون: معنى «مشركون» أي واقعون في شرك الدنيا، أي حبائلها ومن ثم قال ﵊: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا» ولفظ الشرك من الألفاظ المشتركة قوله: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠] الظاهر أنه الشرك المعروف وقيل: هو الرياء.
قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] قيل: هذا عام، قد خص بغير الرهبان والنساء والذراري. وقيل: لم يدخل أهل الكتابين والظاهر دخولهم لقولهم: ﴿عزيز ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] ﴿المسيح ابن الله﴾ إلا أن يؤدوا الجزية واحتج من أخرجهم بقوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾ [الحج: ١٧] وبقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾
стр. 782
[البينة: ١] فإفرادهم يدل على عدم تناولهم. فالجواب أنه إنما أفردهم بالذكر لإرادة عبدة الأوثان. وأما الشرك فاسم شامل للجميع عند الإطلاق قال ابن عمر- وقد سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية: فتلا قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة: ٢٢١] قال: ولا أعلم شركًا أشد من أن تقول: عيسى ربها. قوله تعالى: ﴿وما لهم فيهما من شركٍ﴾ [سبأ: ٢٢] أي من نصيبٍ وقيل: من شريك شركه في خلقها قوله: ﴿إني كفرت بما أشركتموني﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي بشرككم أيها التباع، كقوله: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ [فاطر: ١٤]
قوله: ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾ [الإسراء: ٦٤] أي شاركهم فيما أحل الله لهم فحرمه عليهم، نحو السوائب والبحائر والوصائل والحوامى وفي الأولاد بأن يزنوا وهذا أمر تهديد وابتلاءٍ وامتحانٍ لنا. وقال ابن عرفة: مشاركته في الأموال: اكتسابها من حرامٍ، وفي الأولاد خبث المناكح. قوله: ﴿أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] أعلمهم أن عذاب الآخرة خلاف عذاب الدنيا من حيث إن عذاب الدنيا إذا ابتلى به شخص فرأى غيره قد شاركه فيه خف عنه ذلك بعض شيءٍ بالتأسي، كما قالت الخنساء: [من الوافر]
٧٩٩ - ولولا كثرة الباكين حولي ... على موتاهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنهم بالتأسي
والشرك: الاشتراك في الأرض. ومنه: «أن معاذًا أجاز الشرك في أهل اليمن» ومنه قوله أم معبد: [من الطويل]
٨٠٠ - تشاركن هزلي مخهن قليل
стр. 783
أي عمهن الهزال.
ش ر و:
قوله تعالى: ﴿وشروه بثمنٍ بخسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قيل: معناه باعوه؛ على أن الضمير المرفوع لإخوة يوسف. وقيل: هو على بابه بمعنى اشتروه؛ على أن الضمير لأهل السيارة. وقال بعضهم: الشراء والبيع متلازمان؛ فالمشتري دافع الثمن وآخذ الثمن هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة تقاضٍ وسلعة فأما إذا كانت بيع سلعةٍ بسلعةٍ، صح أن يتصور كل واحدٍ منهما في موضع لآخر إلا أن شريت بمعنى بعت أكثر، وابتعت بمعنى اشتريت أكثر قال تعالى: ﴿وشروه﴾ أي باعوه. قال ويجوز الشراء والاشتراء في كل ما يحصل به شيء نحو: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [البقرة: ١٦].
قلت: هذا من الاستعارة التمثيلية أو التخييلية، ورشح ذلك بقوله: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ [البقرة: ١٦] وبالغ فيها حيث أسند عدم الرحب لنفس التجارة، والمراد بابها وقد حققنا هذا في غير هذا الموضع قوله: ﴿إنه الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله﴾ [التوبة: ١١١] فذكر الثمن وهو قوله: ﴿بأن لهم الجنة﴾ وقال الراغب: فذكر ما اشتري به وهو قوله: ﴿يقاتلون﴾ وفيه نظر واضح؛ إذ المشترى به على مجازٍ قوله: ﴿بأن لهم الجنة﴾ وأما ﴿يقاتلون﴾ فهو في الحقيقة المرادة بهذا الكلام المبيع، وقال الهروي: إن شريت من الأضداد؛ يعني أن يكون بمعنى بعت وبمعنى اشتريت.
قوله: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: ٢٠٧] أي يبيعها وفي الحديث: «كان لا يشاري ولا يماري» قيل: لا يشاري: لا يلاج وقال ابن عرفة: أصله لا يشارر من الشر، فأبدل وفي حديث أم زرعٍ: «وركب شريًا» أي فرسًا يستشري في عدوه أي يلج وشرى الرجل أي استشرى، أي جد في الشر ولج فيه وفي الشراء لغتان: المد والقصر، والأكثر أن تدخل الياء على ما هو ثمن، إن كان الثمن
стр. 784
والمثمن غير نقدٍ فإن كان أحدهما نقدًا فهو الثمن مطلقًا والشروى: المثل، ومنه قول علي ﵁: «ادفعوا شرواها من الغنم» أي مثلها وكان شريح يضمن القصار شروى الثوب أي مثله.
فصل الشين والطاء
ش ط ا:
قوله تعالى: ﴿أخرج شطأه﴾ [الفتح: ٢٩] قيل: فراخه، وهو أن ينبت في أصل الزرع ما هو أصغر منه. يقال: شطء وشطأ نحو: شمع وشمع، ونهر ونهر، وشعر وشعر، والجمع أشطاء. وقيل: شطء الزرع: أفراخه لما ينبت في شاطئيه أي جانبيه. وجانب كل شيءٍ شاطئه. ومنه قوله تعالى: ﴿من شاطئ الوادي الأيمن﴾ [القصص: ٣٠] أي من جانبه وناحيته. وشاطئ البحر: ساحله. وشاطأت فلانًا: ماشيته على الشط ويقال: أشطأ الزرع أي أنبت الشطء وصار ذا شطء، نحو أحصد.
ش ط ر:
قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] أي نحوه ووجهته وشطر الشيء: وجهته ونصفه وشاطرته شطارًا: ناصفته وشطر بصره أي نظر إليه وإلى آخر وشطر: أخذ شطرًا ومنه: الشاطر: لمن يتلصص لأنه يأخذ ناحيةً غير ناحية أهله وجمعه شطر وقيل: سمي شاطرًا لأنه يتباعد وقيل: هو المتباعد عن الحق وجمعه شطار وفلان حلب الدهر أشطره أي كثير التجربة. وأصله في الناقة، أن تحلب خلفين وتترك خلفين وناقة شطور: يبس خلفان من أخلافها وشاة شطور: أحد خلفيها أكبر من الآخر
стр. 785
ش ط ط:
قوله تعالى: ﴿شططًا﴾ [الكهف: ١٤] أي بعيدًا من الصواب في القول يقال: شطت دارنا، أي بعدت. وقيل: الشطط: الإفراط في البعد فكل شططٍ بعد من غير عكسٍ ثم عبر بالشطط عن الجور والعدول عن الصواب في القول والحكم ومنه: ﴿لقد قلنا إذًا شططًا﴾ [الكهف: ١٤] ﴿وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططًا﴾ [الجن: ٤] ومنه: شط النهر لأنه يبعد عن الماء قوله: ﴿ولا تشطط﴾ [ص: ٢٢] أي لا تبعد عن الحق ولا تجر. يقال: شط، وأشط، واشتط. وشط يكون لازمًا نحو: شطت الدار، تشط وتشط، ومتعديًا ومنه قول تميمٍ الداري:
«إنك لشاطي».
والشطة: بعد المسافة.
ش ط ن:
قوله تعالى: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان﴾ [النحل: ٩٨] الصحيح أنه مشتق من شطن يشطن: إذا بعد. ومنه قول النابغة: [من الخفيف]
٨٠١ - أيما شاطنٍ عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأكبال
وقال آخر: [من الوافر]
٨٠٢ - نأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين
وقالوا: تشيطن، أي فعل فعل الشياطين؛ فنونه أصلية وألفه مزيدة هذا قول الحذاق، وقد أوضحنا ذلك في غير هذا، وذلك لأنه بعد من رحمة الله تعالى لمخاصمة أمره وقيل: مشتق من شاط يشيط: إذا هاج واحترق ولا شك أن المعنيين موجودان فيه،
стр. 786
أعني البعد من الرحمة والاحتراق والهياج. إلا أن الاشتقاق يدل للأول نحو تشيطن يتشيطن وذكرنا أنه يترتب على القولين صرفه، وعدمه إذا سمي به وإن كان غالبهم يطلق ذلك.
والشيطان في الأصل مختص بالجن وقال أبو عبيدة: هو اسم بين الجن والإنس والحيوانات. واستدل له بقوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ [البقرة: ١٤] أي أصحابهم من الجن والإنس. وقوله: ﴿وابتعوا ما تتلوا الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] قيل: هم الجن وقيل: هم: مردة الفريقين. وقوله: ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥] أراد في القبح الذي يتصوره في ذهنه كل سامع هذا اللفظ والعرب تتصور الشيطان بأقبح صورةٍ والملك بأحسنها، وعليه: ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ [يوسف: ٣١] وقيل هي حيات لها رؤوس منكرة وأعراف بشعة. وقيل: هونبت معروف عندهم خبيث قبيح المنظر وعليه ما قدمته وأطلق لفظ الشيطان على [كل] صورةٍ ذميمةٍ وخلقٍ رديءٍ وعليه قوله ﷺ : «الحسد شيطان والغضب شيطان» وذلك لأنهما ينشأان منه وقال جرير ابن الخطفى: [من البسيط]
٨٠٣ - أيام يدعونيي الشيطان من غزلي ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانًا
سمى نفسه شيطانًا وذكر سبب ذلك وهو تغزله في النساء
فصل الشين والعين
ش ع ب:
قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل﴾ [الحجرات: ١٣] الشعوب جمع شعبٍ بالفتح وقال الفراء: الشعوب أكبر من القبائل وقال: ما تشعب من قبائل العرب وقد ذكرنا في باب القاف أن القبائل في العرب والشعوب في العجم. ومنه قيل الشعوبية لقومٍ يتعصبون للعجم ويفضلونهم على العرب. قال الهروي: الشعوبي الذي يصغر شأن العرب، ولا يرى لهم فضلًا على غيرهم. قيل لهم ذلك لأنهم يتأولون قوله: ﴿شعوبًا وقبائل﴾ أن
стр. 787
الشعوب من العجم كالقبائل من العرب.
قلت: يعني أن الله تعالى قسم العالم الإنسي قسمين من غير تفضيلٍ لأحدهما على الآخر ثم إنه قدم الشعوب لفظًا وهو قرينة ترجيحٍ. ويقال: إن أبا عبيدة معمر بن المثنى كان من هؤلاء، وأنا أحاشيه من ذلك. ويقال: إنه وضع كتابًا في مثالب العرب ويحكى أن الصاحب بن عبادٍ- وكان أعجميًا- يتعصب للعرب وأنه حضره رجل شعوبي وكان بديع الزمان حاضرًا، فتذاكروا عنده، فأنشد الشعوبي: [من الوافر]
٨٠٤ - غنينا بالطبول عن الطلول ... وعن عيسٍ عزافرةٍ دمول
فلست بتاركٍ إيوان كسرى ... لتوضح أو لحومل فالدخول
وضب في الفلا ساعٍ وذئبٍ ... بها يعوي وليثٍ وسط غيل
بأية رتبةٍ هم قد سموها ... على ذي الأصل والشرف الأصيل؟
إذا ذبحوا فذلك يوم عيدٍ ... وإن نحروا ففي عرسٍ جليل
أما لو لم يكن للفرس إلا ... نجار الصاحب العدل الجليل
لكان لهم بذلك خير فخرٍ ... وخيلهم بذلك خير خيل
فقال الصاحب بن عبادٍ لبديع الزمان: قم فأجب عن صاحبك وأنيسك. فارتجل وقال: [من الوافر]
٨٠٥ - أراك على شفا خطرٍ مهول ... لما أودعت رأسك من فضول
طلبت على مكارمنا دليلا ... متى احتاج النهار إلى دليل؟
متى قرع المابر فارسي ... متى عرف الأغر من الحجول؟
متى علقت وأنت بها زعيم ... أكف الفرس أطراف الخيول
فخرت بملء ماضٍ فيك فخرًا ... على قحطان والبيت الأصيل
فخرت بأن ماكولًا وليسا ... وذلك فخر ربات الحجول
تفاخرهن في خد أسيلٍ ... وفرعٍ في مفارقه أسيل
стр. 788
فقال الصاحب لذلك الشعوبي: كيف رأيت؟ فقال: لو سمعت بمثل هذا ما حذقت فقال له الصاحب: جائزتك جوارك، إن رأيتك في ملكي بعدها ضربت عنقك فشكر الله لابن عبادٍ هذا الصنيع، فإنه للإحسان غير مضيع.
وقيل: الشعب: القبيلة المتشعبة من حي واحدٍ. والشعب- بالكسر- من الوادي: ما اجتمع منه طرف وتفرق منه طرف. فإذا نظرت إليه من الجانب الذي يتفرق أخذت في وهمك واحدًا، وإذا نظرت إليه من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا فلذلك قيل: شعبت الشيء: جمعته، وشعبته: فرقته؛ فهو من الأضداد عند بعضهم وليس كذلك لما ذكرنا من القدر المشترك.
وشعيب إذا لم يكن اسمًا للنبي المعروف ﷺ فهو تصغير شعبٍ أو شعبٍ. وشعب الذي هو مصدر لشعبت الشيء. والشعيب: المزادة الخلقة المتشعبة. وقال شمر: الشعبة من كل شيء: القطعة والطائفة. وفي الحديث: «إذا جلس بين شعبها الأربع» قيل: هما اليدان والرجلان. وقيل: رجليها وشفريها. وفي حديث مسروقٍ: «أن رجلًا من الشعوب أسلم، فكانت تؤخذ منه الجزية» قال أبو عبيد: الشعوب هنا: العجم، وفي غيره جمع الشعب، وهو أكبر من القبيلة. وقال بعضهم لابن عباسٍ: ما هذه الفتيا التي شعبت الناس؟ - أي فرقتهم- فأنشد قول الشاعر: [من الكامل]
٨٠٦ - وإذا رأيت المرء يشعب أمره ... شعب العصا ويلج في الصعيان
وأم المؤمنين عائشة، لما وصفت أباها الصديق ﵄: قالت: «ويرأب شعب الأمة» أي يلائم بين كلمتها إذا تفرقت والمشعب: الطريقة والمذهب: قال الشاعر: [من الطويل]
٨٠٧ - ومالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب
стр. 789
ش ع ر:
قوله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ [المائدة: ٢] أي مناسك حجه، جمع شعيرة. والشعيرة. في الأصل: العلامة، فسميت مواضع الحج وأفعاله شعائر، لأنها علامات: واشتقاق ذلك من الشعور وهو العلم. قال ابن عرفة: شعائر الله آثاره وعلاماته قال: والعرب تقول: بيننا شعار، أي علامة تعرف بها البدنة أنها من الهدي وقال الأزهري: الشعائر: المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها. وقال الزجاج: الشعائر: كل ما كان من موقفٍ ومسعىً وذبح. وقيل: هي نفس البدن المهداة؛ سميت بذلك لأنها تشعر أي شعيرةٍ، أي بحديدةٍ تشعر بها.
قوله: ﴿عند المشعر الحرام﴾ [البقرة: ١٩٨] هو المسجد المعروف، سمي بذلك لأنه من علامات الحج، ومواضع الحج كلها [مشعر] إلا أن هذا الاسم غلب على هذا المكان بخصوصه. وأصل هذه المادة من شعر الإنسان. وبيانه أن تقول: شعرت زيدًا أي أصبت شعره. قالوا: ثم استعير: شعرت كذا، أي علمت علمًا في الدقة كإصابة الشعر. وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته ودقة معرفته. فالشعر في الأصل: اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري. وصار في التعارف اسمًا للموزون المقفى من الكلام، والشاعر للمختص بصناعته وقوله تعالى- حكايةً عن الكفار-: ﴿بل افتراه بل هو شاعر﴾ [الأنبياء: ٥].
حمل كثير من المفسرين علي أنهم رموه بكونه آتيًا بشعرٍ منظومٍ ومقفى حتى تأولوا ما جاء في القرآن من كل لفظٍ يشبه الموزون نحو: ﴿وجفانٍ كالجواب وقدورٍ راسياتٍ﴾ [سبأ: ١٣] وقال بعض المحصلين: لم يقصدوا هذا القصد فيما رموه به، وذلك أنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشعر. ولا يخفى ذلك على الأغتام من العجم فضلًا عن بلغاء العرب. وإنما رموه بالكذب، فإن الشعر يعبر به عن الكذب، والشاعر الكاذب حتى سموا الأدلة الكاذبة الشعرية قال تعالى في وصف عامة الشعراء: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ولأن الشعر مقر الكذب: قالوا:
стр. 790
أحسن الشعر أكذبه. وقال بعض الحكماء: لم يرمتدين صادق اللهجة ملفقًا في شعره.
قلت: ولهذا إن شعراء مفلقين كانوا في جاهليتهم لا يبارون، فلما أسلموا ضعف شعرهم كحسان ولبيد وغيرهما. وقد وطنه حسان من نفسه لذلك. والمشاعر: الحواس فقوله: ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ [الزمر: ٥٠] ونحوه، أي لا تدركونه بالحواس. ولو قال في كثيرٍ من المواضع التي قال فيها: ﴿لا يشعرون﴾، ﴿لا يعقلون﴾ لم يكن تجاوزًا إذ كان كثير مم لا يكون محسوسا قد لا يكون معقولًا
والشعار: الثوب يلي الجسد لمماسته الشعر والشعار أيضًا: ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب وفي الحديث: «كان شعارهم: أمت أمت» وكان شعار فلانٍ عمامةً سوداء وأشعره الحب نحو ألبسه. والأشعر: الطويل الشعر ما استدار منه وداهية شعراء كقولك: داهية وبراء.
والشعرى: نجم معروف، وتخصيصه بالذكر في قوله: ﴿وأنه هو رب الشعري﴾ [النجم: ٤٩] لأن خزاعة كانت تعبدها وهما شعريان: الشعرى العبور وهي المعبودة سميت بذلك لأنها عبرت المجرة وليس في السماء نجم يقطعها عرضًا غيره والأخرى الغميصاء، لأنها لا تتوقد توقد العبور وكان الذي سن عبادة الشعري رجل يقال له أبو كبشة فخالف سائر قريشٍ، ولذلك نسبه الكفار إلى النبي ﷺ في قولهم: «لقد أمر أمر ابن أبي كبشة» شبهوه به في مخالفته لهم، وشتان ما بينهما!
وفي الحديث: «أنه أعطى ابنته حقوه» وقال: «أشعرنها إياه أي إزاره واجعلنه شعارها» وفي وصف الأنصار: «الأنصار شعار والناس دثار» أي بمنزلة الشعار في القرب. وفيه أيضًا: «لما أراد قتل أبي بن خلفٍ تطاير الناس عنه تطاير الشعر عن
стр. 791
البعير الشعر جمع شعراء وهي ذبابة حمراء تؤذي البعير والحمار وقولهم: شعري بمعنى شعوري ولابد بعده من استفهامٍ، كقول بلالٍ ﵁: [من الطويل]
٨٠٨ - ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل؟
ولا خبر للبيت لفظًا، بل هو محذوف، والاستفهام معلق للشعور وساد مسد الخبر، فلذلك لا يذكر. وفي المسألة خلاف حققناه في موضعه. وقد يفصل الاستفهام من «شعري» بجملةٍ معترضةٍ، كقول أبي طالبٍ: [من الخفيف]
٨٠٩ - ليت شعري مسافر ابن أبي عمـ ... ـروٍ وليت يقولها المحزون
وفي الحديث «أنه ﵊ وأهدي إليه شعارير» هي صغار القثاء الواحدة شعرور وفي غير هذا بمعنى الشعر وهي الذباب كما تقدم. وقيل: الشعارير: ذباب البعير، والشعر: ذباب الكلاب.
ش ع ف:
قرأ بعضهم: ﴿شعفها﴾ [يوسف: ٣٠] بالعين المهملة، أي برح بها حبه. وقال الليث: مأخوذ من شعفةٍ وهو معلق النياط. وقيل: شعف القلب رأسه عند معلق النياط وشعفة الجبل: أعلاه. وفلان مشعوف بكذا، أي أصيب شعفة قلبه. وقيل: معناه غشي الحب قلبه من فوقه ومن تحته وفي حديث عذاب القبر: «أجلس غير فزعٍ ولا مشعوفٍ» الشعف: الفزع حتى يذهب بالقلب وفي الحديث: «أو رجل في شعفةٍ في غنيمةٍ له» هي أعلى الجبل. وفي صفة يأجوج ومأجوج: «صهب الشعاف» أي
стр. 792
حمر أطراف الشعور وشعفة كل شيءٍ أعلاه.
ش ع ل:
قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ [مريم: ٤] أي أسرع فيه الشيب إسراع النار في الحطب وهو من أبلغ الاستعارات. ولم يكتف بالاستعارة حتى أسند الاشتعال إلى الرأس، وأخرج الشيب تمييزًا مبالغةً في ذلك. والأصل: اشتعل الرأس وقيل: جهة التشبيه من حيث اللون، وليس بطائل. قيل: وأراد بالرأس رأسه ولحيته ولا دلالة على ذلك. ويقال: شعلت النار وأشعلتها. الشعيلة: الفتيلة؛ إذا كانت مشتعلةً أي موقدةً. وفي حديث: «فأصلح الشعيلة» كأنها فعيلة بمعنى مفعولة. ودخول التاء فيها شاذ كالنطيحة واشتعل فلان غضبًا، تشبيهًا باشتعال النار. وأشعلت الخيل في الغارة، أي هيجتها على الاستعارة.
فصل الشين والغين
ش غ ف:
قوله تعالى: ﴿قد شغفها حبًا﴾ [يوسف: ٣٠] أي أصاب شغاف قلبها وهو وسطه عن أبي علي، وقيل: باطنه عن الحسن، وهما متقاربان. وقيل: الشغاف: جليدة رقيقة تسمى غشاء القلب. قال ذو الرمة: [من الطويل]
٨١٠ - مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
وقال ابن عرفة: وهو حجاب القلب، يريد ما ذكرته. وذلك مثل قولهم: رأسه أي أصاب رأسه وكبده أي أصاب كبده ويقال له الشغف أيضا.
ش غ ل:
قوله تعالى: ﴿في شغلٍ فاكهون﴾ [يس: ٥٥] أي في تشاغلٍ عن أهليهم
стр. 793
المعذبين في النار ينسونهم فلا يذكرونهم وقيل: في اشتغالٍ باللذات عكس حال أهل الدنيا فإن شغلهم في كد الدنيا وتعبها ولا لذة منها إلا بعد مشقة السعي في تحصيلها.
والشغل والشغل- بالفتح والضم- هو العارض الذي يذهل الإنسان وقد شغل فهو مشغول ولا يقال: أشغل رباعيًا. وشغل شاغل مثل: شعر شاعر في المبالغة. وقولهم في المثل: «أشغل من ذات النحيين» شاذ لبناء أفعل من المبني للمفعول وبعضهم يراه مقيسا وفي حديث علي ﵁: «أنه خطب الناس على شغلة» هي البيدر. قال: ابن الأعرابي الشغلة والبيدر والكس واحد.
فصل الشين والفاء
ش ف ع:
قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ [الفجر: ٣] قيل: الشفع: يوم النحر من حيث إن له نظيرًا يليه والوتر: يوم عرفة، من حيث إنه ليس له نظير يليه. وقيل: الشفع: كل جمعٍ لأنهم خلقوا أزواجًا. والوتر: هو الخالق. وقيل: هما الأعداد. وقيل: آدم هو الوتر، وهو وزوجته الشفع. وقيل: الوتر آدم لا عن والد، والشفع ذريته وأصل الشف ضم شيء إلى مثله. ويقال للمشفوع شفع ومنه الشفاعة لأن فيها انضمامًا واحدً إلى آخر ناصرًا له. وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى رتبةً إلى من هو أدنى. ومنه: شفاعة يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] أي لا شفاعة فينتفع بها وقيل: توجد شفاعة غير نافعةٍ لأنه لا تكون شفاعة معتبرة إلا بالشرطين اللذين ذكرهما ﵎ في قوله: ﴿يومئذٍ لا تنفع الشافعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولًا﴾ [طه: ١٠٩] قوله: ﴿من يشفع شفاعةً حسنةً﴾ [النساء: ٨٥] أي من يزد عملًا إلى عملٍ وقيل: من انضم إلى غيره وعاونه وصار شفعًا له أو شفيعًا في فعل الخير أو الشر. فيقتدي به فصار كأنه شفع له، كما قال ﵊: «من سن سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها» الحديث.
стр. 794
قوله: ﴿يدبر الأمر ما من شفيعٍ إلا من بعد إذنه﴾ [يونس: ٣] أي يدبر الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر إلا أن يأذن للمدبرات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه قوله: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] قال ابن عرفة: أي ليس لها شافع فتنفعها شفاعته. وإنما نفى الله في هذه المواضع الشافع لا الشفاعة، ألا تراه يقوله: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وفي الحديث: «فأتاه بشاةٍ شافعٍ» أي معها ولدها، لأن كلامنهما يشفع للآخر. وقال الفراء: هي التي في بطنها ولد يتبعها آخر. وفي الحديث: «من حافظ على شفعة الضحى» أي ركعتيه. قال القتيبي: الشفع: الزوج، ولم أسمع به مؤنثًا إلا هنا.
والشفعة في الملك: أخذ أحد الشركاء نصيب الآخر ليضمه إلى نصيبه. وفي الحديث: «الشفعة على الرؤوس» أي تكون بين الشركاء على قدر رؤوسهم لا قدر سهامهم. وفيه أيضًا. «إذا وقعت الحدود فلا شفعة». واستشفعت بفلانٍ على فلانٍ، فتشفع لي إليه. وشفعه: أجاب شفاعته.
ش ف ق:
قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ [الإنشقاق: ١٦]. الشفق: اختلاط ضوء النهار بظلام الليل عند غروب الشمس. وهما شفقان: الأحمر والأبيض، والأحمر قبل الأبيض، وبضيائه يدخل وقت عشاء الآخرة. وفي الحديث: «صلى حين غاب الشفق». وقيل: الشفق: الحمرة التي في الغروب عند غيبوبة الشمس، وهي النداء، قوله: ﴿في أهلنا مشفقين﴾ [الطور: ٢٦] وقوله: ﴿مشفقون منها﴾ [الشورى: ١٨]. الإنشقاق: الخوف. وقال بعضهم: الإشفاق: عناية مختلطة بخوفٍ لأن المشفق يحب المشفق
стр. 795
عليه، ويخاف ما يلحقه. فإذا عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بعلى فمعنى العناية فيه أظهر.
ش ف و:
قوله تعالى: ﴿على شفا جرفٍ هارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]. الشفا من الشيء: طرفه. ومنه: شفا البئر، وشفا النهر، أي طرفهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وكنتم على شفا حفرةٍ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وتثنيته شفوان، فتكتب بالألف ولا تمال. والجمع شفاء.
وأشفى على كذا، أي أشرف عليه. ونقل الهروي: شفا على كذا، ثلاثيًا. ونقل عن القتيبي أنه لا يقال: أشفى، إلا في الشر. وفي الحديث: «فأشفوا على المرج» أي أشرفوا عليه. وفي آخر: «وقد أشفى على الموت». ويقال: أشفى على كذا وأشأف عليه، وأظنه مقلوبًا منه لقلته وكثرة أشفى.
فصل الشين والقاف
ش ق ق:
قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما﴾ [النساء: ٣٥] أي خلاف بينهما. وأصل الشقاق: العداوة والمخاصمة، لأن كل واحدٍ يكون شقًا أي ناحيةً غير شق الآخر. ومنه قوله تعالى: ﴿في عزةٍ وشقاقٍ﴾ [ص: ٢] أي خلافٍ. والمعنى: صاروا في جانبٍ وشقٍّ أخر غير شق أمر الله ونهيه. وقيل: هو مأخوذ من شق العصا بينك وبينه، وذلك أنهم كانوا إذا تقاطعوا شقوا عصًا نصفين؛ فأخذ كل واحدٍ شقا. ويقولون: لا نلتئم حتى تلتئم هذه العصا. فسميت كل عداوة شقاقًا باعتبار هذا الأصل.
قوله: ﴿شاقوا الله ورسوله﴾ [الأنفال: ١٣] أي صاروا في جانبٍ وناحيةٍ غير ناحية الله ورسوله، على معنى غير ناحية أمرهما ونهيهما. وأصل ذلك من الشق، وهو الخرق الواسع في الشيء. قوله: ﴿وانشق القمر﴾ [القمر: ١] المشهور أنه وجد ذلك
стр. 796
معجزةً له ﵊ بمشهدٍ عظيمٍ انشق نصفين وفضل بينهما جبل. وقيل: هو يأتي قرب يوم القيامة. وأتى بلفظ الماضي لتحققه كقوله: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]. وقيل: معناه: اتضح أمر محمد ﷺ وقد ادعى بعض الناس أن انشقاق القمر وقع بعد موته ﷺ بمدةٍ متطاولةٍ، وأن جمعًا كثيرًا شاهدوه ببلادهم، نقله الحليمي، ولا أظنه إلا وهمًا لما ثبت في الصحيح إن وقوع ذلك معجزة له ﵊. فلو جاز وقوعه مرةً أخرى لفات ذلك. قوله: ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ [التوبة: ٤٢] هي القطعة من الأرض؛ سميت بذلك للحاق المشقة في الوصول إليها. والشقة من الخروق: القطعة المنشقة نصفين، ومنه: طار فلان من الغضب شقاقًا. وطارت منه شقة، كقولك: تقطع غضبًا، قوله تعالى: ﴿لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس﴾ [النحل: ٧]. الشق: المشقة والانكسار الذي يلحق النفس والبدن، وذلك كاستعارة الانكسار لها، ويقال: المال بينهم شق شعرةٍ، وشق الأبلمة، أي مقسومًا على السواء. فالأبلمة: خوص المقل.
والأخ الشقيق: ما كان من الأبوين، كأنه شق أخيه وقطعة منه. قال الشاعر: [من الخفيف]
٨١١ - يا بن أمي ويا شقيق نفسي ... أنت خلفتني لدهرٍ شديد
وفلان شق نفسي وشقيقها، أي بعضها مبالغةً. قوله: ﴿وما أريد أن أشق عليك﴾ [القصص: ٢٧] أي أحملك مشقة. ومثله قوله ﵊: «لولا أن أشق على أمتي» يقال: شققت عليه- بالفتح- وشقيقة الرمل: ما يشقق منه. وشقائق النعمان: نبت معروف. والنعمان: الدم. والشقشقة: لهاة البعير لما فيها من الشق. وقال الليث: الشقشقة: لهاة الجمل العربي، ولا يكون ذلك إلا للعربي، يعظمها الله ويطيلها
стр. 797
حتى تخرج ذات .... ويقال: هي جلدة في حلقة ينفخ فيها فتنتفخ. ولا تكون إلا للعربي. ويروى لعلي ﵁: [من المتقارب]
٨١٢ - لسان كشقشقة الأرحبي ... أو كالحسام البتار الذكر
ويروى «كاليماني». وتقول العرب للخطيب الجهير الصوت البليغ: هو أهرت الشقشقة. وهريت الشدق. وأنشد لابن مقبلٍ يذكر قومًا بالخطابة: [من البسيط]
٨١٣ - عاد الأذلة في دارٍ وكان بها ... هرت الشقاشق ظلامون للجزر
وفي حديث عليٍ كرم الله وجهه: «إن كثيرًا من الخطب من شقائق الشيطان» ويقال: هذه شقوق، وبحافر الدابة شقاق، وفرس أشق: مائل إلى حد شقيه. والشقة: نصف الثوب، ثم أطلق على الثوب كله: شقه عرضًا.
ش ق و:
قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦]؛ الشقوة، والشقاوة، والشقاء: سوء الحظ، وهو ضد السعادة. يقال منه: شقي يشقى. فالشقوة كالردة، والشقاوة كالسعادة وزنًا لا معنىً، كما أن السعادة في الأصل نوعان: أخروية ودنيوية. ثم الدنيوية ثلاثة أضربٍ: سعادة نفسية، وبدنية، وخارجية، كذلك الشقاوة ثلاثة أضربٍ. وإلى الشقاوة الدنيوية أشار تعالى بقوله: ﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧] وإلى الشقاوة الأخروية أشار تعالى بقوله: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣]. وقيل: قد يعبر بالشقاوة عن التعب فيقال: شقيت في كذا. فالتعب أعم من الشقاوة؛ إذ كل تعبٍ شقاوة، وليس كل شقاوةٍ تعبًا. فقوله تعالى: ﴿فتشقى﴾ يجوز أن يراد التعب كما هو المعروف من كد الدنيا في
стр. 798
طلب معاشها.
قوله تعالى: ﴿ولم أكن بدعائك رب شقيًّا﴾ [مريم: ٤] أي لم تشقني بالرد من غير إجابةٍ. ويقال لكل من أدرك أمرًا سعى فيه: قد سعد به. ولكل من فاته: قد شقي به. فعلى ذلك جاءت الآية.
فصل الشين والكاف
ش ك ر:
قوله تعالى: ﴿واشكروا لي﴾ [البقرة: ١٥٢] قد تقدم في باب الحاء الكلام على نوعٍ من الشكر، والفرق بينه وبين الحمد عند الجمهور. وقال بعضهم: الشكر: تصور النعمة وإظهارها. ويضاده الكفر، وهو نسيان النعمة وسترها. ومن الأول قالوا: دابة شكور: مظهر بسمنه إسداء صاحبه إليه. وقيل: الشكر مقلوب من الكشر: وهو الكشف. ومنه: كشر عن أنيابة. وكاشره بالعداوة. وقيل: أصله: عين شكرى، أي ممتلئة. فالكشر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه.
ثم الشكر على ثلاثة أضربٍ: شكر بالقلب؛ وهو تصور النعمة من مسديها والاعتراف بها. وشكر باللسان؛ وهو الثناء على المنعم والبداءة عليه. وشكر بالجوارح؛ وهو مكافأة المنعم بقدر استحقاقه. وهذا النوع يستحيل من قيام العباد لله، ومنه الصلاة شكر لله. قال تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ [سبأ: ١٣] فشكرًا على هذا تمييز والتقدير على هذا: اعملوا ما تعملونه شكرًا لله تعالى: وقيل: شكرًا: مفعول لقوله: ﴿اعملوا﴾. وقيل: مفعول له، وإنما قال: اعملوا، ولم يقل: اشكروا، تنبيهًا على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب، واللسان، والجوارح، ومن ثم قال بعضهم: الشكر تصور النعمة بالجنان، وذكرها باللسان، والعمل لها بالأركان. وإلى الأنواع الثلاثة أشار الشاعر بقوله: [من الطويل]
٨١٤ - أفادتكم النعماء مني ثلاثةً: ... يدي ولساني والضمير المحجبا
стр. 799
قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٣] فيه تنبيه على أن توفية شكر الله تعالى صعب أو ممتنع. ولذلك لم يثن بالشكر على أوليائه إلا على اثنين: الأول خليله إبراهيم في قوله: ﴿شاكرًا لأنعمه﴾ [النحل: ١٢١]. الثاني: نوح في قوله: ﴿إنه كان عبدًا شكورًا﴾ [الإسراء: ٣]. وقيل: إنما قال تعال: ﴿الشكور﴾ بصيغة المبالغة دون «شاكر»، لأن الشاكرين غير قليلين. وأما المبالغون في الشكر فقليلون. ويحكى أن عمر ﵁ سمع رجلًا يقول في دعائه «اللهم اجعلني من عبادك القليل. فقال يا أخي ما هذا الدعاء؟ قال: يا أمير المؤمنين سمعت الله تعالى يقول: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ فأنا أطلب أن أكون من أولئك القليل. فقال: كل الناس أعلم من عمر».
قوله تعالى: ﴿والله شكور حليم﴾ [التغابن: ١٧] قيل: إذا وصف الله تعالى بكونه ﴿شكور حليم﴾ فمعناه إنعامه على عبيده، وجزاؤه بما أقاموه من العبادة. وقال ابن عرفة: يغفر السيئات ويشكر الحسنات، يعني بذلك مضاعفتها. ولذلك قال غيره: يعني بالشكور في صفاته أنه يذكر عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم جزاءه، قوله: ﴿لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ [الإنسان: ٩] قيل: هو جمع شكر. وقيل: مصدر وكذلك الكفور؛ قاله الأخفش. وشكر: يتعدى بنفسه تارةً وباللام أخرى في أخواتٍ له ذكرتها في غير هذا. واختلف النحويون؛ هل أحدهما أصل للآخر أو هما أصلان؟ تحقيقه في غير هذا. إلا أن الفراء جعل التعدي باللام أفصح.
قلت: ولذلك لم يرد في التنزيل إلا به. وفي حديث يأجوج ومأجوج: «وإن دواب الأرض تسمن وتشكر شكرًا من لحومهم» أي تمتلئ. يقال شكرت الشاة شكرًا: امتلأت لبنًا وسمنًا، فهي شكرى بزنة سكرى وناقة شكرة: ممتلئة الضرع. وفي المثل: «أشكر من بروقٍ» هو نبت يخضر بأدنى مطر. والشكير: فراخ تحصل في أصل الشجرة، وفي المثل: «في عضةٍ ما ينبتن شكيرها» ومنه حديث عمر: «وشكير كثير. قيل: يا أمير المؤمنين، وما الشكير؟ قال: ألم تر إلى الزرع إذا زكا ونبت في أصوله؟
стр. 800
فذلك الشكير». وقال الأزهري: إذا أراد بالشكير ذريةً صغارًا شبههم بالزرع، وهو تشبيه بديع. وقد شكرت الشجرة: كبر غصنها. والشكر: يكنى به عن فرج المرأة؛ ومنه يقول يحيى بن يعمر لرجلٍ طالبته امرأته بمهرها: «إن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلقها وتضهلها». قال المبرد: أراد بشكرها فرجها. وأنشد لأبي شهابٍ الهذلي: [من الطويل]
٨١٥ - صناع بإشفاها، حصان بشكرها ... جواد بقوت البطن والعرض وافر
ش ك س:
قوله تعالى: ﴿شركاء متشاكسون﴾ [الزمر: ٢٩] أي مختلفون متشاجرون. وأصله من: شكس خلقه: إذا ساء وضاق. وخلق شكس، أي ضيق. فالمعنى أنهم مختلفون يختصمون أبدًا، ولا يتفقون لشكاسة أخلاقهم. ويقال فيه التشاحن أيضًا.
ش ك ك:
قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك﴾ [يونس: ٩٤] الشك في الأصل: اعتدال النقيضين وتساويهما في النفس، وذلك إما لوجود أمارتين متساويتين، أو لعدم الأمارة فيهما. فقد يكون الشك في الشيء هل هو موجود أو غير موجودٍ؟ وربما كان في جنسه. من أي جنسٍ هو. وربما كان صفةٍ من صفاته. وربما كان في الغرض الذي من أصله وجد. قيل: والشك: ضرب من الجهل، وهو أخص منه؛ لأن الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأسًا؛ فكل شكٍّ جهل من غير عكسٍ. وأصل ذلك كله من: شككت الشيء أي خرقته. ومنه قول عنترة: [من الكامل]
٨١٦ - فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
فكأن الشك الخرق في الشيء، وكأنه بحيث لا يجد الرأي فيه مستقرًا يثبت فيه
стр. 801
ويعتمد عليه، ولذلك يعدى بفي، وإن كان أصله المتعدي بنفسه، لكنه لما تضمن معنى الخرق والغيبوبة في الشيء تعدى تعديتهما. وقيل: هو مستعار من الشك وهو لصوق العضد بالجنب، وذلك أن يتلاصق النقيضان، فلا يجد الرأي والفهم حينئذ لهما مدخلًا، لعدم تخلل ما بينهما. قيل: ويشهد لذلك قولهم: التبس الأمر واختلط وأشكل.
والشكة: السلاح، لأنه يشك به، أي يفصل. ثم قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك﴾ [يونس: ٩٤] الخطاب له في الصورة والمراد أمته. وإنما خوطب دونهم لأن العرب إنما تخاطب رئيس القوم. ومثله قوله: ﴿يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين﴾ [الأحزاب: ١] بدليل قوله: ﴿أن الله كان بما تعملون خبيرًا﴾ [الأحزاب: ٢] ولم يقل: بما تعمل. وفي الحديث: «أنا أولى بالشك من إبراهيم» تأويله- على ما قال الهروي وغيره- أنه قال ذلك تواضعًا منه ﵊. يعني: أنا لا أشك فكيف بإبراهيم؟ فهو نفي للشك عن إبراهيم بهذا الدليل. وإنما قال ذلك لأنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية قال قوم ممن سمعوها: شك إبراهيم فقال ﵊ ذلك.
ش ك ل:
قوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤] أي ناحيته ووجهته وطريقته ومنه: طريق ذو شواكل: إذا كان تتشعب منه طرق كثيرة. وقيل: على سجيته التي قيدته؛ فهو من شكلت الدابة، أي قيدتها بالشكال. ومنه استعير: شكلت الكتاب، أي قيدته بالضبط. ودابة بها شكال: إذا كان تحجيله بإحدى يديه وإحدى رجليه كهيئة الشكال، وذلك أن سلكان السجية قاهر للإنسان وهو في المعنى كقوله ﵊: «كل ميسر لما خلق له من شقي أو سعيد».
والأشكلة: الحاجة التي تقيد الإنسان. والإشكال في الأمر: التباسه، وهو استعارة من ذلك، كالاشتباه من الشبه. يقال: أشكل الأمر وشكل، أي اشتبه، لدخول شكل غيره عليك. واشتباهه عليك للماثلة. قوله: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ [ص: ٥٨] أي مثل
стр. 802
له في الهيئة وتعاطي الفعل؛ وذلك أن المشاكلة في الهيئة والصورة والقد في الجنسية والشبه والمثل في الكيفية، ويقال في الكمية. والشكل- بالكسر- قيل: هو الدليل، وهو في الحقيقة الأنس بين المتماثلين في الطريقة. ومن هذا قيل: الناس أشكال وألاف وأصل المشاكلة من الشكل، أي تقييد الدابة- كما تقدم تحقيقه. وقال قتادة: «على شاكتله» أي على جانبه وعلى ما ينوي. وقال ابن عرفة: على شاكلته: على خليقته ومذهبه. ويقال: ليس هذا من شكلي، أي من مذهبي. وكلها أقوال متقاربة. وفي صفته ﵊: «أشكل العينين». قال الهروي سمعت أبا بكرٍ أحمد بن إبراهيم بن مالكٍ الداري- وكتبه لي بخطه- قال: «سألت ثعلبًا عن الحديث فقال: كذا كانت عيناه، كان في عينيه سحرة» يقال: في عينيه سحرة: إذا كان فيه بياض وحمرة. وقال غيره: يقال: أشكل: إذا خالطه الدم. وقال أبو عبيدٍ: الشهلة: الحمرة في سواد العين، والشكلة: الحمرة في بياضها، وهو محمود، وأنشد قول الشاعر: [من الطويل]
٨١٧ - ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الخيل شكل عيونها
وفي مقتل عمر: «فخرج لهم النبيذ مشكلا» أي مختلطًا من جراحه. ومن ثم استعير: أشكل الأمر، أي اختلط. وفي الحديث: «أنه كره الشكال في الخيل» قيل: هو أن يكون تحجيله بإحدى يديه وإحدى رجليه- كما تقدم- وقال أبو عبيدةٍ: هو أن يكون ثلاث قوائمه محجلةً وواحدة مطلقةً؛ أخذ من الشكال الذي يشكل به الخيل؛ شبهه به. قال: لأن الشكال إنما يكون في ثلاث قوائم. كذا قاله، وفيه نظر؛ إذ الشكال إنما هو في اثنتين كما قاله الراغب وغيره.
ش ك و:
قوله تعالى: ﴿وتشتكي إلى الله﴾ [المجادلة: ١] يقال: شكيت واشتكيت
стр. 803
بمعنىً. والشكو والشكاية والشكاة والشكوى كلها بمعنى إظهار البث والحزن. ومنه قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بثي﴾ يوسف: ٣٦] أي لا أظهره إلا له. ويقال: أشكاه، أي جعل له شكوى، نحو: أمرضه. وأشكاه: إذا أزال شكايته؛ فهو من الأضداد. وفي الحديث: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في أكفنا وجباهنا فلم يشكنا» أي فلم يأمرنا بأن نتقي ذلك بأطراف ثيابنا. وقال الهروي: يريد أنهم شكوا إليه حر الشمس وما يصيب أقدامهم، فسألوه تأخيرها إلى وقت الإبراد قليلًا. «فلم يشكهم» أي فلم يجبهم، انتهى. وفيه نظر لأن الإبراد ثابت بالسنة المشهورة، فلم يبق إلا ما قدمته وفي الحديث: «ويكثرن الشكاة» أي الشكوى. وأنشد ابن الزبير: [من الطويل]
٨١٨ - وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
قال القتيبي: الشكاة: الذم العيب. وقال طرفة بن العبد: [من الطويل]
٨١٩ - بلا حدثٍ أحدثته وكمحدثٍ ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي
وأنشد الأصمعي:
٨٢٠ - لم يقذ عينه حثاث المحثث ... يشكو بعي، وهو البليغ الحدث
أي يعاب.
قيل: وأصل الشكو من فتح الشكوة؛ وهو سقاء صغير يجعل فيه الماء. فالمعنى: أظهر ما في شكوته. وهذا كقولهم: بثثت له ما في وطابي، ونفضت له ما في جرابي،
стр. 804
أي لم أكتمه من أمري شيئا. قوله تعالى: ﴿كمشكاةٍ﴾ [النور: ٣٥] أدخلها الراغب في هذه المادة بناءً منه على زيادة ميمها. والظاهر أنه اسم أعجمي، عربته العرب؛ يقال إنها بالهندية: الكوة غير النافذة. وإذا وضع فيها المصباح كان أضوأ لاجتماع ضوئه فيها، لكونها غير نافذةٍ. ولم يكتف بذلك حتى جعله في زجاجةٍ موصوفةٍ بما ذكر. وهو مثل قلب المؤمن.
فصل الشين والميم
ش م ت:
قوله تعالى: ﴿فلا تشمت بي الأعداء﴾ [الأعراف: ١٥٠]. الشماتة: إظهار الفرح ببليةٍ تصيب من يعاديك وتعاديه. قال الشاعر: [من الكامل]
٨٢١ - أشمت بي الأعداء حين هجرتني ... والموت دون شماتة الأعداء
وقيل في قوله تعالى ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦] هو شماتة الأعداء. ولذلك كان من دعائه ﷺ : «ولا تطع في عدوًا شامتًا» أي لا تفعل في ما يحب. يقال: شمت به يشمت فهو شامت. والتشميت: الدعاء للعاطس، كأنه دعاء له بإزالة الشماتة، فهو كالتمريض والتقذية في إزالة المرض والقذى. قيل: وأصله من الشوامت، وهي القوائم قال النابغة الذبياني: [من البسيط]
٨٢٢ - طوع الشوامت
والمعنى أن قوائم الفرس تنقلب فشلًا وكسلًا وعدوًا ووقوفًا. فالشماتة كذلك لأنها
стр. 805
تقلب قلب الحاسد في حالتيه: فرحه وحزنه. ونقل في تشميت العاطس الإعجام والإهمال؛ فبالشين على ما قدمته من الدعاء بإزالة ما يصيبه من الشماتة. وقيل: دعاء له بتثبيت شوامته، وهي قوائمه لما يحصل له من الانزعاج. وبالمهملة معناه الدعاء له بعوده إلى سمته، أي إلى حالته الأولى، وقصده الأول. قال أبو عبيدٍ: شمت العاطس وسمته: دعوت له، بالسين والشين. والشين يعني المعجمة أعلى اللغتين، وعكس ذلك أبو بكرٍ فقال: شمت فلانًا، وسمت عليه: إذا دعوت له بالخير. وكل داعٍ بخيرٍ مسمت ومشمت. قال ثعلب: الأصل فيهما السين من السمت، وهو القصد والهدي. وفي حديث فاطمة وعلي: «أنه ﵊ دعا لهما وشمت عليهما».
ش م خ:
قوله تعالى: ﴿رواسي شامخاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] أي عوالٍ مرتفعات. وفلان شمخ بأنفه. أي رفعه، يكنى بذلك عن التكبر نحو ثنى عطفه، وصعر خده، ولوى جيده. كل ذلك من أفعال المتكبرين. وأنشدني بعضهم في متكبر: [من السريع]
٨٢٣ - مر بنا مرتفعًا أنفه ... من شدة العجب وإفراطه
أستغفر الله ظلمت الفتى ... أظنه من نتن آباطه
ش م ز:
قوله تعالى: ﴿اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون﴾ [الزمر: ٤٥] الاشمئزاز: النفور. يقال: اشمأز فلان يشمئز اشمئزازًا فهو مشمئز، أي أنف واستنكف من ذلك الشيء. وروى أبو عبيدة عن أبي زيدٍ: اشمأزت: ذعرت. وظاهر كلام ابن الأعرابي وثعلبٍ أن الهمزة فيه مزيدة؛ فإنه نقل عنه أن الشمز نفور الشيء من الشيء يكرهه.
ش م س:
قوله تعالى: ﴿والشمس تجري﴾ [يس: ٣٨] الشمس هو هذا الكوكب النهاري
стр. 806
المضيء. ومن قال إنه يذكر ويؤنث بدليل قوله: ﴿هذا ربي﴾ [الأنعام: ٧٨] فقد وهم لأن التذكير إنما جاز مراعاةٍ لقوله ﴿كوكبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] لا لتأنيث لفظه. والشمس تطلق على القرص نفسه وعلى الضوء المنتشر عنه مجازًا. وشمس يومنا، وأشمس: صار ذا شمسٍ. وشمست الدابة تشمس شماسًا وشموسًا، إذا جمحت ولم تستقر، تشبيهًا بالشمس في عدم استقرارها. وتجمع الشمس على شموسٍ، وذلك باعتبار الأيام. كأنهم جعلوا لكل يومٍ شمسًا مجازًا، وإلا فالشمس شخص واحد فأنى له الجمع؟ وفي ذلك قمر وأقمار. وفي الحديث: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحدٍ» وفي ذلك لما مات ولده إبراهيم ﵊ كسفت الشمس، فقالوا: كسفت لموته. فقال ﵊ ذلك.
ش م ل:
قوله تعالى: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق: ١٧]. الشمال: هي اليد اليسرى المقابلة لليمين. والعرب تتشاءم بجهتها ويسمونها الشؤمى، ولذلك قال تعالى: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] عكس أهل السعادة الذين قال فيهم: ﴿وأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ [الحاقة: ١٩] ولذلك عبر بها عن القوة والتمكن. ومنه قوله تعالى: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ [الصافات: ٢٨] أي عن القوة والقهر. قول تعالى: ﴿يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل﴾ [النحل: ٤٨] الشمائل جمع شمالٍ، وإنما أفراد اليمين وجمع الشمال لأن هبوب الريح من جهتها أكثر، فتمايل الظل منه. والمراد به السجود أكثر.
ومن ملح كلام أمير المؤمنين علي ﵁: «إن أبا هذا- يعني الأشعث بن قيسٍ- كان ينسج الشمال باليمين». قلت: الشمال جمع شملة نحو جفنةٍ وجفانٍ. وفي الحديث: «نهى عن اشتمال الصماء» فسره الأصمعي بأن يشتمل ثوبًا حتى
стр. 807
يجلل به جسده، لا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يد. وقال أبو عبيدٍ: وأما الفقهاء فيفسرونها بأن يشتمل ثوبًا واحدًا ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه. قال الهروي: من فسره بهذا كرهت به إلى كراهة التكشف وإبداء العورة. ومن فسره تفسير أهل اللغة فإنه كره أن يتزمل به شاملًا جسده، مخافة أن يدفع منها إلى حالةٍ تسد نفسه فيهلك. وأحسن من هذا ما قاله بعضهم إنها سميت اشتمال الصماء، لأن الرجل يلتف بالثوب فيطرحه على ناصية الشمال، والصماء: التي لا منفذ لها. ومنه قارورة مصممة.
والشملة والمشمل: كساء يشتمل به. وقولهم: شمله كذا، أي عمه؛ استعارة من الاشتمال بالكساء ونحوه، لأنه يجمع من يحتوي عليه. ومنه استعير الشمل. وقيل: جمع الله شملك. وفي دعائه ﵊: «أسألك رحمةً تجمع بها شملي» أي اجتماعي. كذا فسره أهل العلم؛ قالوا: الشمل: الاجتماع وقيل للخليفة اشتمال، لاشتماله على الإنسان اشتماله الشمال على البدن.
والشمال- بالفتح-: أحد الرياح، لأنها تشمل بهبوبها. وترادفها الهمزة قبل ميمها تارةً وبعدها أخرى. قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٨٢٤ - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
وإنما قلنا بزيادتها لسقوطها في تصاريف الكلمة؛ قالوا: شملته الشمال. وماء مشمول، أي أصابته الشمال. قال كعب بن زهير (من قصيدةٍ بانت سعاد): [من البسيط]
٨٢٥ - شجت بذي شبمٍ من ماء محنيةٍ ... صافٍ بأبطح أضحى وهو مشمول
وإنما قيل لها شمال لأنها تهب من شمال الكعبة. وأشمل الرجل من الشمال كأجنب من الجنوب. وكني بالمشمل عن السيف كما كني عنه بالرداء. ومنه: جاء مشتملًا بسيفه، كقولهم: مرتديًا به، ومتدرعًا له. والشمول: من أسماء الخمر، لأنها
стр. 808
تشمل على العقل، كاشتمال الشملة. ومن قم قيل: خمر لمخامرته العقل، أو لتخمره إياه. والشملة: الناقة السريعة، مأخوذة من الريح الشمال، تشبيهًا بها في السرعة. وقول الشاعر: [من الكامل]
٨٢٦ - ولتعرفن خلائقًا مشمولةً ... ولتندمن، ولات ساعة مندم
قيل: مشمولةً طيبةً، كأنما هبت عليها الشمال. وتجمع على شمالاتٍ، وهو شاذ. وأنشدوا: من [مجزوء الرمل]
٨٢٧ - ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات
فصل الشين والنون
ش ن أ:
قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣]. الشانئ: المبغض. والأبتر: هو الذي لا عقب له. وكان كفار قريشٍ يقولون: إن محمدًا لا عقب له، فإذا مات انقطع ذكره. فرد الله تلك المقالة الشنعاء بأحسن كلام. ثم إنه جعل الخلق كلهم أولاده وأتباعه ومنسوبين إليه. وفي بعض القراءات: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أب لهم. ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحدٍ﴾ [الحزاب: ٤٠] لأن المراد هنا الأبوة الحقيقية المتصورة بها الولادة. ويقال: شنأه يشنؤه شنأ وشنآنا، وله مصادر كثيرة بينتها في «الدر» وغيره. وقد قرئ: ﴿شنآن قومٍ﴾ [المائدة: ٢] بفتح النون وسكونها، وهما مصدران. وقال بعضهم: من سكن أراد بغيض قومٍ، ومن ثقل
стр. 809
جعله مصدرًا. قلت: إنما قال ذلك لأن ﴿شنآن﴾ بالسكون ليس عندهم مصدرًا بل صفة. وقد قرأ بذلك عاصم وتجرأ عليه بعض الناس، فلا ينبغي له ذلك. قال ابن الأنباري قد أنكر هذا رجل من أهل البصرة يعرف بأبي حاتمٍ السجستاني معه تعد شديد وإقدام على الطعن في السلف. فحكيت ذلك لأحمد بن يحيى فقال: هذا من ضيق عطنه وقلة معرفته، أما سمعت قول ذي الرمة: [من الطويل]
٨٢٨ - فأقسم لا أدري أحولان عبرةٍ ... تجود بها العينان أحرى أم الصبر؟
قال: قلت: وإن كان مصدرًا ففيه الواو. فقال: فقد قالوا: وشكان ذا إهالةً. قلت: يعنون أن المصدر حقه أن يجيء مفتوح العين كالصوفان والنزوان والجولان. والصفة مسكنتها نحو غضبان وعطشان وسكران. فاستدل ثعلب بالبيت والشاهد. ومنه قوله: «أجولان» فسكن عينه مع كونه مصدرًا. فاعترض أبو بكرٍ بأن فيه الواو، يعني فقد يكون السكون لأجل حرف العلة. فأجابه بأنه قد سكن بعض الأسماء، وإن لم يكن عينه واوًا، نحو: وشكان في المثالين المذكورين. وهذه الآية قد حققتها بدلائلها في «الدر المصون» و «العقد النضيد»، فعليك بالالتفات إليها فيهما.
وتقول العرب: مشنوء من يشنؤك، أي مبغض من! يبغضك, وأزد شنوءة من ذلك. وفي حديث عائشة ﵂: «عليكم بالمشنيئة النافعة التلبينة». قال الهروي: يعني الحساء. وقولها «التلبين» تفسير لها، وهي مفعولة من شنئت. قلت: كيف تكون مفعولةً من شنئت؟ إذ لو كان كذلك لوجب أن يقال فيها مشنوءة مشروبة، لأن أحرفها صحيحة الهم إلا أن يقال: الهمزة تجري مجرى حروف العلة كثيرًا. وقال الرياشي: سألت الأصمعي عنها فقال: البغيضة.
стр. 810
فصل الشين والهاء
ش هـ ب:
قوله تعالى: ﴿فأتبعه شهاب ثاقب﴾ [الصافات: ١٠]. الشهاب: هو الشعلة المستوقدة الساطعة من النار أو العارض من الجو. ووصفه تارةً بكونه ثاقبًا، أي للأرض ولمن يلحقه، وتارةً بكونه مبينًا في قوله: ﴿فأتبعه شهاب مبين﴾ [الحجر: ١٨] بمعنى أنه أمر ظاهر لا يختص به واحد دون آخر. وتارةً يكون قبسًا في قوله: ﴿أو آتيكم بشهابٍ قبس﴾ [النمل: ٧] فمن نون «شهاب» فلأنه قبس، أي أخذ من النار. ومن أضافه فلأن الشهاب أعم من القبس. وقيل: هو من إضافة الشيء إلى نفسه نحو: مسجد الجامع، وهو رأي كوفي. وأصحابنا يتناولونه بما هو مذكور في مواضعه المشار إليها.
والشهبة: بياض مختلط بسوادٍ، تشبيهًا بالشهاب لاختلاط ضوئه بالدخان وكتيبة شهباء: اعتبارًا بسواد القوم وبياض الحديد.
ش هـ د:
قوله تعالى: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ [الأنعام: ٧٣]. الشهادة والشهود: حضور مع مشاهدةٍ. وذلك إما بالبصر، وإما بالبصيرة. والأول تتعلق به الأحكام الظاهرة، وأما الثاني فالشرع بالنسبة إلى الأحكام الظاهرة لم يعتبره. وقد يقال للحضور مفردًا، إلا أن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع الشهادة. وقد يقال للمحضر: مشهد، وللمرأة بحضرة زوجها: مشهد. وجمع المشهد مشاهد، ومنه مشاهد الحج، قال تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ [الحج: ٢٨] فمشاهده هي مواطنه الشريفة التي تحصرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل: هي مواضع المناسك.
قوله تعالى: ﴿ما شهدنا مهلك أهله﴾ [النمل: ٤٩] أي ما حضرنا. قوله: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [الفرقان: ٧٢] أي لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمهم وإرادتهم. والشهادة: قول صادر عن علمٍ حصل بمشاهدة بصرٍ أو بصيرةٍ. ومنه قوله عليه
следующие страницы →