← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المضيء. ومن قال إنه يذكر ويؤنث بدليل قوله: ﴿هذا ربي﴾ [الأنعام: ٧٨] فقد وهم لأن التذكير إنما جاز مراعاةٍ لقوله ﴿كوكبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] لا لتأنيث لفظه. والشمس تطلق على القرص نفسه وعلى الضوء المنتشر عنه مجازًا. وشمس يومنا، وأشمس: صار ذا شمسٍ. وشمست الدابة تشمس شماسًا وشموسًا، إذا جمحت ولم تستقر، تشبيهًا بالشمس في عدم استقرارها. وتجمع الشمس على شموسٍ، وذلك باعتبار الأيام. كأنهم جعلوا لكل يومٍ شمسًا مجازًا، وإلا فالشمس شخص واحد فأنى له الجمع؟ وفي ذلك قمر وأقمار. وفي الحديث: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحدٍ» وفي ذلك لما مات ولده إبراهيم ﵊ كسفت الشمس، فقالوا: كسفت لموته. فقال ﵊ ذلك. ش م ل: قوله تعالى: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ق: ١٧]. الشمال: هي اليد اليسرى المقابلة لليمين. والعرب تتشاءم بجهتها ويسمونها الشؤمى، ولذلك قال تعالى: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ [الحاقة: ٢٥] عكس أهل السعادة الذين قال فيهم: ﴿وأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ [الحاقة: ١٩] ولذلك عبر بها عن القوة والتمكن. ومنه قوله تعالى: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ [الصافات: ٢٨] أي عن القوة والقهر. قول تعالى: ﴿يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل﴾ [النحل: ٤٨] الشمائل جمع شمالٍ، وإنما أفراد اليمين وجمع الشمال لأن هبوب الريح من جهتها أكثر، فتمايل الظل منه. والمراد به السجود أكثر. ومن ملح كلام أمير المؤمنين علي ﵁: «إن أبا هذا- يعني الأشعث بن قيسٍ- كان ينسج الشمال باليمين». قلت: الشمال جمع شملة نحو جفنةٍ وجفانٍ. وفي الحديث: «نهى عن اشتمال الصماء» فسره الأصمعي بأن يشتمل ثوبًا حتى

стр. 807

يجلل به جسده، لا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يد. وقال أبو عبيدٍ: وأما الفقهاء فيفسرونها بأن يشتمل ثوبًا واحدًا ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه. قال الهروي: من فسره بهذا كرهت به إلى كراهة التكشف وإبداء العورة. ومن فسره تفسير أهل اللغة فإنه كره أن يتزمل به شاملًا جسده، مخافة أن يدفع منها إلى حالةٍ تسد نفسه فيهلك. وأحسن من هذا ما قاله بعضهم إنها سميت اشتمال الصماء، لأن الرجل يلتف بالثوب فيطرحه على ناصية الشمال، والصماء: التي لا منفذ لها. ومنه قارورة مصممة. والشملة والمشمل: كساء يشتمل به. وقولهم: شمله كذا، أي عمه؛ استعارة من الاشتمال بالكساء ونحوه، لأنه يجمع من يحتوي عليه. ومنه استعير الشمل. وقيل: جمع الله شملك. وفي دعائه ﵊: «أسألك رحمةً تجمع بها شملي» أي اجتماعي. كذا فسره أهل العلم؛ قالوا: الشمل: الاجتماع وقيل للخليفة اشتمال، لاشتماله على الإنسان اشتماله الشمال على البدن. والشمال- بالفتح-: أحد الرياح، لأنها تشمل بهبوبها. وترادفها الهمزة قبل ميمها تارةً وبعدها أخرى. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٨٢٤ - فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل وإنما قلنا بزيادتها لسقوطها في تصاريف الكلمة؛ قالوا: شملته الشمال. وماء مشمول، أي أصابته الشمال. قال كعب بن زهير (من قصيدةٍ بانت سعاد): [من البسيط] ٨٢٥ - شجت بذي شبمٍ من ماء محنيةٍ ... صافٍ بأبطح أضحى وهو مشمول وإنما قيل لها شمال لأنها تهب من شمال الكعبة. وأشمل الرجل من الشمال كأجنب من الجنوب. وكني بالمشمل عن السيف كما كني عنه بالرداء. ومنه: جاء مشتملًا بسيفه، كقولهم: مرتديًا به، ومتدرعًا له. والشمول: من أسماء الخمر، لأنها

стр. 808

تشمل على العقل، كاشتمال الشملة. ومن قم قيل: خمر لمخامرته العقل، أو لتخمره إياه. والشملة: الناقة السريعة، مأخوذة من الريح الشمال، تشبيهًا بها في السرعة. وقول الشاعر: [من الكامل] ٨٢٦ - ولتعرفن خلائقًا مشمولةً ... ولتندمن، ولات ساعة مندم قيل: مشمولةً طيبةً، كأنما هبت عليها الشمال. وتجمع على شمالاتٍ، وهو شاذ. وأنشدوا: من [مجزوء الرمل] ٨٢٧ - ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات فصل الشين والنون ش ن أ: قوله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر: ٣]. الشانئ: المبغض. والأبتر: هو الذي لا عقب له. وكان كفار قريشٍ يقولون: إن محمدًا لا عقب له، فإذا مات انقطع ذكره. فرد الله تلك المقالة الشنعاء بأحسن كلام. ثم إنه جعل الخلق كلهم أولاده وأتباعه ومنسوبين إليه. وفي بعض القراءات: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أب لهم. ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحدٍ﴾ [الحزاب: ٤٠] لأن المراد هنا الأبوة الحقيقية المتصورة بها الولادة. ويقال: شنأه يشنؤه شنأ وشنآنا، وله مصادر كثيرة بينتها في «الدر» وغيره. وقد قرئ: ﴿شنآن قومٍ﴾ [المائدة: ٢] بفتح النون وسكونها، وهما مصدران. وقال بعضهم: من سكن أراد بغيض قومٍ، ومن ثقل

стр. 809

جعله مصدرًا. قلت: إنما قال ذلك لأن ﴿شنآن﴾ بالسكون ليس عندهم مصدرًا بل صفة. وقد قرأ بذلك عاصم وتجرأ عليه بعض الناس، فلا ينبغي له ذلك. قال ابن الأنباري قد أنكر هذا رجل من أهل البصرة يعرف بأبي حاتمٍ السجستاني معه تعد شديد وإقدام على الطعن في السلف. فحكيت ذلك لأحمد بن يحيى فقال: هذا من ضيق عطنه وقلة معرفته، أما سمعت قول ذي الرمة: [من الطويل] ٨٢٨ - فأقسم لا أدري أحولان عبرةٍ ... تجود بها العينان أحرى أم الصبر؟ قال: قلت: وإن كان مصدرًا ففيه الواو. فقال: فقد قالوا: وشكان ذا إهالةً. قلت: يعنون أن المصدر حقه أن يجيء مفتوح العين كالصوفان والنزوان والجولان. والصفة مسكنتها نحو غضبان وعطشان وسكران. فاستدل ثعلب بالبيت والشاهد. ومنه قوله: «أجولان» فسكن عينه مع كونه مصدرًا. فاعترض أبو بكرٍ بأن فيه الواو، يعني فقد يكون السكون لأجل حرف العلة. فأجابه بأنه قد سكن بعض الأسماء، وإن لم يكن عينه واوًا، نحو: وشكان في المثالين المذكورين. وهذه الآية قد حققتها بدلائلها في «الدر المصون» و «العقد النضيد»، فعليك بالالتفات إليها فيهما. وتقول العرب: مشنوء من يشنؤك، أي مبغض من! يبغضك, وأزد شنوءة من ذلك. وفي حديث عائشة ﵂: «عليكم بالمشنيئة النافعة التلبينة». قال الهروي: يعني الحساء. وقولها «التلبين» تفسير لها، وهي مفعولة من شنئت. قلت: كيف تكون مفعولةً من شنئت؟ إذ لو كان كذلك لوجب أن يقال فيها مشنوءة مشروبة، لأن أحرفها صحيحة الهم إلا أن يقال: الهمزة تجري مجرى حروف العلة كثيرًا. وقال الرياشي: سألت الأصمعي عنها فقال: البغيضة.

стр. 810

فصل الشين والهاء ش هـ ب: قوله تعالى: ﴿فأتبعه شهاب ثاقب﴾ [الصافات: ١٠]. الشهاب: هو الشعلة المستوقدة الساطعة من النار أو العارض من الجو. ووصفه تارةً بكونه ثاقبًا، أي للأرض ولمن يلحقه، وتارةً بكونه مبينًا في قوله: ﴿فأتبعه شهاب مبين﴾ [الحجر: ١٨] بمعنى أنه أمر ظاهر لا يختص به واحد دون آخر. وتارةً يكون قبسًا في قوله: ﴿أو آتيكم بشهابٍ قبس﴾ [النمل: ٧] فمن نون «شهاب» فلأنه قبس، أي أخذ من النار. ومن أضافه فلأن الشهاب أعم من القبس. وقيل: هو من إضافة الشيء إلى نفسه نحو: مسجد الجامع، وهو رأي كوفي. وأصحابنا يتناولونه بما هو مذكور في مواضعه المشار إليها. والشهبة: بياض مختلط بسوادٍ، تشبيهًا بالشهاب لاختلاط ضوئه بالدخان وكتيبة شهباء: اعتبارًا بسواد القوم وبياض الحديد. ش هـ د: قوله تعالى: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ [الأنعام: ٧٣]. الشهادة والشهود: حضور مع مشاهدةٍ. وذلك إما بالبصر، وإما بالبصيرة. والأول تتعلق به الأحكام الظاهرة، وأما الثاني فالشرع بالنسبة إلى الأحكام الظاهرة لم يعتبره. وقد يقال للحضور مفردًا، إلا أن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع الشهادة. وقد يقال للمحضر: مشهد، وللمرأة بحضرة زوجها: مشهد. وجمع المشهد مشاهد، ومنه مشاهد الحج، قال تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ [الحج: ٢٨] فمشاهده هي مواطنه الشريفة التي تحصرها الملائكة والأبرار من الناس. وقيل: هي مواضع المناسك. قوله تعالى: ﴿ما شهدنا مهلك أهله﴾ [النمل: ٤٩] أي ما حضرنا. قوله: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ [الفرقان: ٧٢] أي لا يحضرونه بنفوسهم ولا بهمهم وإرادتهم. والشهادة: قول صادر عن علمٍ حصل بمشاهدة بصرٍ أو بصيرةٍ. ومنه قوله عليه

стр. 811

الصلاة والسلام: «إن رأيت الشمس طالعةً على مثل هذا فاشهد» ثم اتسع في ذلك فجازت في مواضع بغلبة الظن. بيانها في كتب الفقه. قوله تعالى: ﴿أشهدوا خلقهم﴾ [الزخرف: ١٩] أي بمشاهدة البصيرة، وقوله بعد ذلك: ﴿ستكتب شهادتهم ويسألونك﴾ تنبيه أن الشهادة تكون عن شهودٍ. قوله: ﴿لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون﴾ [آل عمران: ٧٠] أي تعلمون. قوله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض﴾ [الكهف: ٥١] أي ما جعلتهم ممن اطلعوا ببصيرتهم على خلقها. قوله: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ أي ما يغيب عن حواس الناس وبصائرهم وما يشهدونه بها. قوله تعالى: ﴿وشاهدٍ ومشهودٍ﴾ [البروج: ٣] قال علي كرم الله وجهه: «الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» وقيل: المشهود: يوم الجمعة. وقيل: يوم عرفة. وقيل: يوم القيامة. الشاهد: كل من يشهد. قوله: ﴿وذلك يوم مشهود﴾ [هود: ١٠٣] تنبيه أنه لابد من وقوعه. وقيل: لأنه يشهده أهل السماء والأرض. وقد روي عن النبي ﷺ منصوصًا ما فسر به أمير المؤمنين: روى الهروي بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد الأيام يوم الجمعة هو شاهد، ومشهود يوم عرفة». وقيل: الشاهد: نبينا محمد ﷺ ويؤيده قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أي شاهدًا على أمتك بالإبلاغ ولمن آمن بالتصديق. وقيل: معناه: مبينًا فإن الشاهد بيان كما سيأتي. قوله تعالى: ﴿ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر: ٥١] يعني الملائكة. وقيل: الأنبياء

стр. 812

والمؤمنون يشهدون على المكذبين بمحمدٍ ﷺ . وهو جمع شاهدٍ نحو صاحبٍ وأصحابٍ، وناصرٍ وأنصارٍ. قوله: ﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ [التوبة: ١٧] أي كل فرقةٍ تنسب إلى دين اليهود والنصارى المجوس سوى مشركي العرب؛ فإنهم كانوا يمتنعون من هذه الاسم. فجعل قبولهم لذلك شهادة على أنفسهم بالكفر. وقيل: لأنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: [من الرجز] ٨٢٩ - ألا شريك لك ألا شريك لك ... هو لك تملكه وما ملك قوله: ﴿ونزعنا من كل أمةٍ شهيدًا﴾ [القصص: ٢٥] أي اخترنا منهم نبيًا، وكل نبيٍّ شاهد على قومه. ثم «شهدت» يقال على ضربين: أحدهما جارٍ مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة. فيقول الشاهد: أشهد بكذا، ولا يكتفي بقوله: أعلم، بل لابد من لفظه بالشهادة. ولا يكتفي منه أيضًا بقوله: شهدت، أو أنا شاهد بكذا. بل لابد من قوله: أشهد، بلفظ المضارع. والثاني جارٍ مجرى التقسيم؛ فيقال: أشهد أن زيدًا منطلق. وعليه قوله: ﴿أن تشهد أربع شهاداتٍ بالله﴾ [النور: ٨] الآية. ويجري العلم في ذلك مجراه، فيجاب بما يجاب به القسم، كقول الشاعر: [من الكامل] ٨٣٠ - ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها وقال بعضهم: إذا قال: شهدت، ولم يقل: بالله أنه يكون قسمًا. وشهدت كذا: حضرته. وشهدت على كذا: أقمت عليه شهادتي. ومنه قوله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم﴾ [النور: ٢٤]، ﴿شهد عليهم سمعهم﴾ [فصلت: ٢٠]. وقد يعبر

стр. 813

بالشهادة عن الحكم نحو قوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [يوسف: ٢٦] في أحد القولين. وقد يعبر بها عن الإقرار بالشهادة كقوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم﴾ [النور: ٦]. وقوله: ﴿شاهدين على أنفسهم﴾ [التوبة: ١٧] ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ [الأعراف: ٣٧] أي أقروا. وقد يعبر بها عن البيان. ومنه عند بعضهم: مبينين لدينه، لأن الشاهد يبين ما يشهد به وعليه. وقيل: يتبين بشهادته ما يوجب حكم الحاكم. وقوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ [آل عمران: ١٨] يحتمل أن يراد بذلك الإعلام، أي أعلم الله. وأن يراد البيان أي يبين. وأن يراد الحكم أي حكم بذلك. وقال بعضهم: أن «شهد» هنا قد استعمل في معانٍ مختلفةٍ؛ فإما أن يكون ذلك من باب الاشتراك أو الحقيقة أو المجاز، وكلاهما مقول به. والاستدلال على ذلك في غير هذا. فشهادة الله تعالى بذلك إعلامه وبيانه وحكمه، وشهادة الملائكة ومن معهم إقرارهم بذلك كما بينا. وقد بين ذلك بعضهم في عبارةٍ حلوةٍ فقال: فشهادة الله بوحدانيته هي إيجاد ما يدل على وحدانيته في العالم وفي نفوسنا، وأنشد: [من المتقارب] ٨٣١ - أيا عجبًا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيءٍ له آية ... تدل على أنه واحد وقال بعض الحكماء إن الله تعالى لما شهد لنفسه كان شهادته أن أنطق خلقه بالشهادة له. قلت: فإن قيل: فقد أنكر أكثر العالم قلت: كلهم ناطقون بذلك إما بلسان القال وإما بلسان الحال، وإن وجد كفرهم وشركهم عنادًا، وأما شهادة الملائكة بذلك فهي إظهارهم أفعالًا يؤمرون بها، وهي المدلول عليها بقوله: ﴿فالمدبرات أمرًا﴾ [النازعات: ٥]، وأما شهادة أولي العلم فهي اطلاعهم على تلك الحكم وإقرارهم بذلك. وإنما خص أولي العلم لأنهم هم المعتبرون، وشهادتهم هي المعتبرة. وأما الجهال فمبعدون عنها. وعلى ذلك نبه بقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عبادته العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] وهؤلاء هم المعنيون بقوله: ﴿والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [النساء: ٦٩].

стр. 814

قوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفسٍ معها سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١] أي من يشهد له وعليه، وهم الحفظة الذين كانوا يكتبون أقواله وأفعاله ويحصونها عليه، وأما السائق فغيرهما. وقيل: أحدهما يسوقه. وليس المراد بالسائق والشهيد الواحد بل الجنس. قوله ﴿أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: ٣٧] أي يشهدون ما يسمعونه بقلوبهم على حد من قيل فيهم ﴿أولئك ينادون من مكانٍ بعيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي شاهدين. يقال: شاهد وشهيد. إلا أن صيغة فعيل أبلغ، والشهيد الشرعي بالنسبة إلى عدم غسله والصلاة عليه هو من قتل في حرب الكفار بسبب القتال. والشهيد في الأجر كالمبطون والغريق كما جاء في الحديث. إنما سموا كلهم شهداء لأن أرواحهم شهدت دار السلام، أي أحضرتها. وأما أرواح غيرهم فلا تحضرها إلى يوم البعث. قال الهروي: وعلى ذلك يؤول قوله تعالى: ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال أبو بكرٍ: لأن الله وملائكته شهود لهم بالخير. وقيل: سموا شهداء لأنهم ممن يستشهد يوم القيامة مع الأنبياء على الأمم. وقيل: سموا بذلك لحضور الملائكة إياهم، إشارة إلى ما قال تعالى ﴿تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا﴾ [فصلت: ٣٠]. وقيل: لأنهم يشهدون في تلك الحالة ما أعد الله لهم من النعيم. قلت: وقد حكى لي شيخ صالح من دمياط أيام رحلتي إليها- وقد زرت قبور الشهداء هناك في مكانٍ يقال له شطا- فقال- وقد أراني قبرًا حسنًا عليه بناء عظيم: هذا قبر شطا. قلت: وما شطا؟ قال: ابن ملكٍ من ملوك الفرنج، جاء مع أبيه وجيشه ليأخذوا ثغرنا. فلما التحم القتال قتل ناس من المسلمين، فدخل شطا في المعركة فوجد رجلًا من المسلمين يتشحط في دمه فوقف عليه فكشف له لإرادة الله إياه بالخير. فرأى حوريةً من الجنة تبتدره بكوزٍ من الماء. قال لها شطا: اسقني. فقالت: لست لك. فقالت

стр. 815

له أخرى أحسن منها: لو كنت مسلمًا وقتلت كنت لك. فترك صفهم وجاء لصف المسلمين، فابتدروه ليقتلوه فأشار إليهم فأمسكوا عنه حتى قص قصته. ثم لم يزل يقاتل قومه ويقاتلونه حتى قتل ﵀. فأخذ ودفن هناك. فمن ثم يزار. فهذا معنى قول من قال: إنهم يشاهدون في تلك الحالة ما أعد لهم. وقيل: لأنهم عند الله- أي عند حياته- كقوله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم﴾ [الحديد: ١٩] فبين جهة العندية. قوله تعالى: ﴿تبغونها عوجًا وأنتم شهداء﴾ [آل عمران: ٩٩] أي نبوة محمدٍ ﷺ قوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أي تحضره، وقيل: معناه أن صاحبه يشهد الشفاء والرحمة المشار إليهما بقوله: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء ٨٢] والتوفيق والسكينات والأرواح. قوله تعالى: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ [البقرة: ٢٣] قال ابن عباسٍ: معناه أعوانكم. وقال مجاهد: الذين يشهدون لكم. وقال بعض أهل العلم: معناه من يعتد بحضوره عكس من قيل في حقهم: [من البسيط] ٨٣٢ - مخلفون ويقضي الله أمرهم ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا وقيل: يجوز فيه جميع ما ذكر في معنى الشهادة. وكذا جوز في قوله: ﴿ونزعنا من كل أمةٍ شهيدًا﴾ [القصص: ٧٥]. قوله: ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾ [النساء: ٧٩] أي لا يفوت علمه شيء. وفيه إشارة إلى معنى ما تضمنه قوله تعالى: ﴿لا يخفى على الله منهم شيء﴾ [غافر: ١٦]. وقوله: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧]. قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ [هود: ١٧] أي حافظ ملك. وقيل: هو عبد الله. وفي حديث أبي أيوب: «لا صلاة بعد العصر حتى يرى الشاهد. قيل: يا أبا أيوب وما الشاهد؟ قال: النجم». وفسرها الفراء بأنها صلاة المغرب. قال: وهو اسمها. قال شمر: وهذا راجع إلى ما فسر أبو أيوب أنه النجم، كأنه يشهد على الليل. وقال أبو سعيدٍ: سميت صلاة الشاهد لاستواء المسافر والمقيم في أنها لا تقصر. قال الأزهري: والقول الأرجح هو الأول، ألا

стр. 816

ترى أن صلاة الفجر لا تقصر أيضًا؟ قوله: ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ [يوسف: ٨١] فالشهادة هنا هي الإخبار. قوله تعالى: ﴿وبنين شهودًا﴾ [المدثر: ١٣] أي حضورًا، فيه تنبيه على المروءة واستقرار الخاطر، وذلك أنه- لغناه- لا يحتاج في غيبته بيته إلى معاش سفرٍ ولا حضر، وأنه لا ينغص عليه غيبته فيقول: قد هلكوا، قد قتلتهم اللصوص؟ قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] أي من حضر ولم يكن مسافرًا. ولذلك فسر بعضهم: فمن شهد منكم الشهر في المصر، فالشهر نصب على الظرف أو على المفعولية. وقد حققنا هذا في غير هذا الكتاب، والتشهد: غلب عرفًا على التحيات. ش هـ ر: قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر﴾ أي شهر رمضان. فـ «أل» فيه للعهد الحسي لتقدم ذكره: ﴿فعصى فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٦]. وسمي الشهر شهرًا؛ قيل: لاشتهاره بإهلال الهلال، أو باعتباره جزءاً من اثني عشر جزءاً من دوران الشمس من نقطةٍ في الفلك الرابع إلى تلك النقطة. وقيل سمي شهرًا لشهرته، وقيل: سمي شهرًا باسم الهلال. والهلال إذا أهل سمي شهرًا. يقال: رأيت شهرًا أي هلالًا. ومنه الحديث: «صوموا الشهر وسره» وقال ذو الرمة: [من الطويل] ٨٣٣ - فأصبحت أجلي الطرف ما يستزيده ... يرى الشهر قبل الناس وهو نحيل ويعبر عن الرجل العالم بالشهر كأنه سمي بالمصدر مبالغةً؛ تقول: شهرت الشيء شهرا. وأنشد لأبي طالبٍ يمدح النبي ﷺ : [من الوافر] ٨٣٤ - فإني والضوباح كل يومٍ ... وما تتلو السفاسرة الشهور

стр. 817

قيل: الشهور: العلماء. والمشاهرة: المعاملة بالشهر كالمسانهة والمياومة. وأشهر فلان بالمكان: أقام به شهرًا. والشهرة: الفضيحة والشهرة أيضًا هي الاشتهار. وشهر فلان وأشهر، يقال ذلك في الخير والشر. ش هـ ق: قوله تعالى: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ [هود: ١٠٦] قيل: الزفير: أول نهيق الحمير، والشهيق: آخره. والمعنى أنهم جامعون في استغاثتهم بين هذين الوصفين المنكرين في أصواتهم. وأصله من الشهق، وهو طول الزفير، وهو رد النفس. والزفير مده. من قولهم: جبل شاهق، أي متناهٍ في الطول. وقال الربيع: الشهيق في الصدر والزفير في الحلق. وقال يعقوب: كل شيءٍ ارتفع فهو شهق. يقال شهق يشهق: إذا تنفس غالبًا. ش هـ و: قوله تعالى: ﴿واتبعوا الشهوات﴾ [مريم: ٥٩]. أصل الشهوة نزوع النفس إلى ما تريده وتحبه. وهي في الدنيا ضربان: صادقة وكاذبة. فالصادقة ما يختل البدن من دونه كشهوة الطعام عند الجوع. والكاذبة: ما لا يختل البدن بدونه. وقد يسمى الشيء المشتهى شهوة مبالغةً. وقد يقال للقوة التي بها الشيء شهوةً. فقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ [آل عمران: ١٤] يحتمل الشهوتين. وقوله: ﴿وابتعوا الشهوات﴾ قيل: هي الكاذبة، والشهوات المستغنى عنها. ورجل شهواني، مبالغة في النسب لذلك نحو: رقباني ولحياني والشهي فعيل بمعنى مفعول. فصل الشين والواو ش وب: قوله تعالى: ﴿ثم إن لهم عليها لشوبًا من حميمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]. الشوب في الأصل: الخلط ومنه شاب اللبن بالماء، أي خلط. قال الشاعر: [من البسيط]

стр. 818

٨٣٥ - تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا ومنه يسمى العسل شوبًا لكونه مختلطًا بالشمع، وفي المثل: "ما عنده شوب ولا روب" أي لا عسل ولا لبن. وفي الحديث: "لا شوب ولا روب" أي لا غش ولا تخليط في شراءٍ ولا بيع. وأصله من ذلك. ويقال: ما في كلامه شوبةٌ ولا روبةٌ. فالشوبة: الخديعة، والروبة: الحمضة الظاهرة. ويقال للمخلط في كلامه: هو يشوب ويروب. فمعنى الآية الكريمة: ثم إن لهم عليها لخلطًا ومزجًأ من حميم وأي حميم؟ ش ور: قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]. الشورى: الأمر الذي يشاور فيه. والمصدر المشاورة والتشاور والمشورة. قيل: والمشورة: استخراج رأي المستشار وما عنده. وأصل ذلك من: شرت العسل، أي استخرجته. ومنه شوار العروس لأنه يبدي ويظهر ويستخرج ما عند أهله، ويكنى به عن الفرج، وشورت به: فعلت ما خجله، كأنك أظهرت شواره. وقال ابن الأعرابي: الشورة -بالضم-: الجمال. والفتح: الخجل. وفي الحديث: "أن أبا بكرٍ ركب فرسًا يشوره" أي يعرضه ويستخرج ما عنده من الجري، وذلك المكان يقال له المشوار. وفي الحديث: "أن أبا طلحة كان يشور نفسه بين يدي رسول الله ﷺ " أي يعرضها على القتل. ويقال: شرت العسل وأشرته وشترته. وقال الشاعر: [من الطويل]. ٨٣٦ - ألذ من السلوى إذا ما نشورها ش وظ: قوله تعالى: ﴿شواظ من نارٍ ونحاس﴾ [الرحمن: ٣٥]. قيل: الشواظ: اللهب بلا

стр. 819

دخانٍ. والنحاس: الدخان. وفيه لغتان: "شواظ" بضم الفاء وكسرها وقد قرئ بهما، وقرئ أيضًا: "ونحاس" بالرفع والجر. وقد حققنا ذلك في "الدر" وغيره. ش وك: قوله تعالى: ﴿أن غير ذات الشوكة﴾ [الأنفال: ٧] الشوكة هنا السلاح. وقيده بعضهم فقال: السلاح التام. والشوكة أيضًا: القوة والسلطان. وأصل ذلك من الشوك، واحده شوكة، وهو مادق وصلب رأسه من النبات. ثم عبر به عن القوة والسلطان. والسلاح يقال فيه شوكة وشكة. ورجل شائك السلاح، وشاكي السلاح، وشاك السلاح. ويقال ذلك بفي أيضًا فيقال: شاك في السلاح. قيل: وشاكي السلاح مقلوب من شائكٍ، كهارٍ مقلوب من هائرٍ. قال زهير: [من الطويل]. ٨٣٧ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم وقيل: السلاح أجمع. وقول الفقهاء: مضن ولاه ذو الشوكة، يريدون ذا القهر والغلبة. وشوكة العقرب: إبرتها على التشبيه. وشجرة شائكة وشاكية. وشاكني الشوك: أصابني. وفي الحديث: "حتى يشاكها"، وقال الراجز: [من الرجز]. ٨٣٨ - حوكت على نيرين إذ تحاك ... تختبط الشوك ولا تشاك وشوك الفرخ: نبت عليه مثل الشوك. وشوك البعير: طالت أنيابه. وشوك ثدي؛ المرأة: نهد، كله على التشبيه.

стр. 820

ش وي: قوله تعالى: ﴿نزاعة للشوى﴾ [المعارج: ١٦] قيل: الشوى: الأطراف كاليد والرجل، الواحدة شواة. ورماه فأشواه، أي أصاب شواه ولم يصب مقتله. ومنه قيل للأمر الهين: شوى، من قول العرب: كل شيءٍ شوى ما سلم لك دينك. وأصله أن كل ما أصاب المضروب في أطرافه دون مقتله فهو هين سهل. وفي حديث مجاهد: " [كل] ما أصاب الصائم شوى إلا الغيبة" أي كل ما أصاب الصائم سهل لا يبطل صومه إلا الغيبة. وقيل: الشوى: جلود الرأس. والجلدة: شواة؛ أي تنزع أطرافهم وجلود رؤوسهم. نسأل الله بمنه أن يقينا عذاب النار بمحمد وآله. وشويت اللحم وأشويته. والشوي: ما يشوى. قال امرؤ القيس: [من الطويل] ٨٣٩ - فظل طهاة اللحم ما بين منضجٍ ... صفيف شواءٍ أو قديرٍ معجل فالشواء: ما شوي. والقدير: ما طبخ في القدور. وفي البيت بحث نحوي. فصل الشين والياء ش ي أ: قوله تعالى: ﴿كل شيءٍ هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]. الشيء عند العلماء هو الذي يصح أن يعلم ويخبر عنه. وعند كثير من المتكلمين هو اسم مشترك المعنى إذا استعمل في الله وفي غيره. يقع على الموجود والمعدوم. وعند بعض المتكلمين لا يقع إلا على الموجود دون المعدوم. وأما المستحيل فليس بشيء وفاقًا. قال الراغب: وأصله مصدر شاء. فإذا وصف الله تعالى به فمعناه شاء، وإذا وصف به غيره فمعناه المشيء به. قال: وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فهذا على العموم بلا مثنوية إذ كان الشيء هنا مصدرًأ في معنى المفعول. وقوله: ﴿قل أي شيءٍ أكبر شهادة﴾ [الأنعام: ١٩] هو بمعنى الفاعل.

стр. 821

والمشيئة عند أكثر المتكلمين كالإرادة سواء وعند آخرين هي غيرها فقال: إن المشيئة في أصلها: إيجاد الشيء وإصابته، وإن كان قد وقع العرف بأنهما سيان. فالمشيئة من الله تعالى إيجاده، ومن الناس الإصابة. وقال تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠] تنبيه أن مشيئتهم مرتبة على مشيئة الله، فلا فعل يستقل به العبد. وإذا كان الإرادة التي هي من مقدمات الفعل مرتبة على إرادة الله فالفعل بطريق الأولى فالمشيئة من الله متقضية وجود الشيء. ومن ثم قيل: ما شاء بطريق الأولى فالمشيئة من الله مقتضية وجود الشيء. ومن ثم قيل: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك الإرادة عندنا. ومن فرق بينهما كالراغب الإصبهاني، قال في المشيئة ما قدمته. وقال في الإرادة: والإرادة منه لا تقتضي وجود المراد لا محالة، ألا ترى أنه قال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿وما الله يريد ظلمًا للعباد﴾ [غافر: ٣١]. وقال: ومعلوم أنه قد تحصل من غير أن تتقدمها إرادة الله تعالى، فإن الإنسان قد يريد ألا يموت، ويأبى الله ذلك، ومشيئته لا تكون إلا بعد مشيئته لقوله: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ [التكوير: ٢٨] قال الكفار: الأمر إلينا؛ إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله تعالى: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾، انتهى كلامه وفيه نظر، إذ يؤدي إلى أن يريد الإنسان بدون إرادة الله تعالى. وإلى أن يقع في الوجود ما لا يريد. وهذا يقرب مما لا يليق ولا يجوز. وأما قوله: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ فالمعنى فيما فرضه وقرره علينا من أمر الإفطار لمن لا يقدر على الصوم يدل على ذلك سياق الكلام واتساقه. وأما قوله تعالى: ﴿وما الله يريد ظلمًا للعباد﴾. أي منه؛ يعني يريد أن لا يظلمهم. وهذا واقع، فإنه تعالى لا يظلم أحدًا ولا يريد ظلمه. وقال بعضهم: لولا أن الأمور كلها موقوفة على مشيئة الله تعالى، وأن أفعالنا معلقة بها وموقوفة عليها لما

стр. 822

أجمع على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا، نحو قوله: ﴿ستجدني إن شاء الله صابرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، وغير ذلك من الآي. ش ي ب: قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ [مريم: ٤] الشيب: ابيضاض الشعر من الكبر غالبًا. وقد يرد من مصائب الدنيا ما يعجل بياضه مع حداثة السن. وقد جاء في بعض التفاسير أن رجلاً بات شابًا فأصبح شائبًا. فقيل له، فقال: رأيت وكأن القيامة قد قامت ورأيت من أهوالها، فمن ثم شبت. ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿يومًا يجعل الولدان شيبًا﴾ [المزمل: ٦٧] وما أفصح هذا الكلام وأعذبه وأعجزه! حيث أتى بهذه اللفظة المقتضية للحنو على هذا الجنس، وأنه قد أصابه ما صيره شائبًا. ويحكى أن عيسى عليه وعلى نبينا وعلى سائر النبيين الصلاة والسلام والحواريين خرجوا ذات يوم سايحين، فتذاكروا السفينة فقالوا: يا روح الله، لو بعثت لنا من شاهدها فيخبرنا بها. فأتى بلا من التراب فضربه بعصًا كانت معه وقال: قم بإذن الله، فإذا رجل أشمط فقال: من أنت؟ قال: سام بن نوحٍ، فاستحكوه أمر السفينة فحكى، فقال له: أمت كذا؟ فقال: مت شابًا، ولكنه لما بعثتني حسبت أن القيامة قد قامت، فمن ثم شبت. وأنشد بعض ملوك المغرب: [من الطويل] ٨٤٠ - ومنكرةٍ شيبي لعرفان مولدي ... ترجع والأجفان ذات غروب فقلت: يسوق الشيب من قبل وقته ... زوال نعيم أو فراق حبيب وأنشدوا للعرب: [من الوافر] ٨٤١ - رمي الحدثان نسوة آل سعدٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا فرد شعورهن السهود بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا وأنشدني بعضهم لغيره: [من الطويل] ٨٤٢ - وقائلة: شبنا. فقلت: نعم شبنا ... ولكن في الدنيا الدنية أنشبنا فيا ليتنا لما تقضى زماننا ... خلصنا فأخلصنا ولكننا شبنا

стр. 823

ويقال: رجل أشيب، وامرأة شيباء، والجمع فيهما شيب، نحو: أحمر وحمراء وحمر. قال الشاعر: [من البسيط] ٨٤٣ - منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب وقد ذكرنا وجوه المبالغة في قوله: ﴿اشتعل الرأس شيبًا﴾ ولله الحمد. والأصل شيبا بضم الفاء، فكسرت لتصح الياء. وقد يكون إسراع الشيب من برودة المزاج ورطوبته. وكذلك اسودادًا شعور أهل الأقاليم الحارة دون غيرهم. قوله تعالى: ﴿ضعفًا وشيبةً﴾ [الروم: ٥٤] بمعنى الشيخوخة. وفي بعض التفاسير في قوله تعالى: ﴿وجاءكم النذير﴾ [فاطر: ٣٧] إنه الشيب. وقد تطيرت منه الناس تطيرًا كثيرًا وقالوا فيه ما لا يحصى حتى قال بعضهم: [من الخفيف] ٨٤٤ - لو رأى الله أن في الشيب خيرًا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا وقد أخطأ قائل ذلك. وحتى قال المتنبي: [من البسيط] ٨٤٥ - ضيف ألم برأسي غير محتشم ... السيف أحسن فعلاً منه باللمم ولذلك رغب الشارع فيه، وأزال النفرة منه. وسماه الله وقارًا فيما قاله لخليله إبراهيم ﵇ حتى قال: "يا رب زدني وقارًا". ويعبر به عن الشدة. وعلى ذلك قولهم: باتت المرأة بليلة شيباء، إذا اتفضت. وبليلةٍ حرة إذا لم تفتض. ثم قيل: باتوا بليلةٍ شيباء، أي في شدةٍ. ويوم أشيب، أي شديد. قال الشاعر: ٨٤٦ - ذا كواكب أشيبا ش ي خ: قوله تعالى: ﴿ثم لتكونوا شيوخًا﴾ [غافر: ٦٧] هو جمع شيخ. والشيخ: من

стр. 824

بلغ السن العالية وأن لم يشب. وبعضهم يقيده بالشيب. وقد شاخ يشيخ فهو شيخ بين الشيخوخة والشيخ والتشييخ. والشيخ يقابله عجوز. ولا يقال: شيخة إلا في لغيةٍ. قال الشاعر: [من الطويل] ٨٤٧ - وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيا وله جموع كثيرة منها ما هو جمع تكسيرٍ، ومنها ما هو اسم جمعٍ. فمن الأول: أشياخ وشيوخٍ وشيخان وشيخة، عند من يراها جمعًا. ومن الثاني: مشيخة وشيخة، عند من لا يرى فعلةً جمعًا. وشيخاء ومشيوخاء. ويجوز في فاء شيوخ الضم والكسر، وقد قرئ بهما كبيوتٍ وعيونٍ. واعلم أن الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين لا جتنانه، وجمعه أجنة، وقد تقدم في باب الجيم. فإذا ولد فهو صبي، إلى الفطام. ثم هو غلام، إلى سبعٍ. ثم يافع، إلى عشرٍ. ثم حزور، إلى خمس عشرة. ثم قمد، إلى خمسٍ وعشرين. ثم عنطنطًا، إلى ثلاثين؛ قال الشاعر: [من الطويل] ٨٤٨ - تذكر نعماه لدن أنت يافع ... إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر وقال الآخر في العنطنط: [من الطويل] ٨٤٩ - وبالمحض حتى آض جعدًا عنطنطا إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه ثم صمل، إلى الأربعين. ثم كهل، إلى الخمسين. ثم شيخ، إلى الثمانين. ثم هو هم بعد ذلك. وقال بعضهم: إذا ولد فهو وليد. فإن لم يستتم أسبوعًا فصديغ. وما دام يرضع فهو رضيع. ثم عند الفطام فطيم. فإن لم يرضع فجحوش. فإذا دب، فدارج. قال الشاعر: [من الرجز]

стр. 825

٨٥٠ - يارب بيضاء من العواهج ... أم صبي قد حبا أو دارج فإذا سقطت رواضعه، فمثغور، فإذا نبتت بعد الإسقاط فمثغور ومبغور فإذا جاوز العشر، فناشئ ومترعرع. فإذا قارب الاحتلام فيافع ومراهق. فإذا احتلم فحزور. قال: والغلام يطلق عليه في جميع أحواله بعد الولادة. فإذا اخضر شاربه وسال عذاره فباقل. وإذا صار ذا لحيةٍ ففتى وشارخ. فإذا كملت لحيته، فمجتمع. ثم وهو من الثلاثين إلى الأربعين شاب. ومن الأربعين إلى الستين كهل. وقال بعضهم: الغلام هو الفتى السن من الناس. وقال آخرون: من بقل عذاره، وإطلاقه على الطفل وعلى الكهل مجازًا. وسيأتي مزيد بيانٍ في بابي العين والكاف إن شاء الله. ش ي د: قوله تعالى: ﴿ولو كنتم في بروجٍ مشيدةٍ﴾ [النساء: ٧٨] أي مبنية بالشيد، وهو الجص. وقال ابن عرفة: الشيد: ما طلي على الحائط من جص وصاروجٍ وغير ذلك. فكأنها التي طلبت بالشيد. وقال ابن اليزيدي: البروج المشيدة: هي الحصون المجصصة. وقال مجاهد، في قوله تعالى: ﴿وقصرٍ مشيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] أي بالقصة، أي بالجص مطلي به. وقيل: المشيدة: المطولة البناء، المرتفعة. يقال: شاد بنيانه وشيده: إذا علاه. ويقال: أشاد بذكره، أي رفعه ونوه به قال الهروي: ولا يقال في هذا شاد ولا شيد. وفي الحديث: "أيما رجلٍ أشاد على امرئٍ مسلمٍ كلمةٍ هو منها بريء" أي رفع ذلك وأظهره. والإشادة: أيضًا: رفع الصوت. يقال: أشاد فلان صوته، وهو رفع في المعنى. ش ي ط: قوله تعالى: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان﴾ [النحل: ٩٨] قد تقدم أن في اشتقاقه قولان: أحدهما من شطن وهو الصحيح. والثاني شاط يشيط: إذا هاج واحترق. وإن

стр. 826

الاشتقاق يرده وإن كان معناه صحيحًا. وفي الحديث: "إذا اشتشاط السلطان تسلط الشيطان" أي إذا تحرق من شدة الغضب. ويقال: شيط الطباخ الرؤوس والأكارع: إذا أشعل فيها حتى يتشيط ما عليها من الشعر والصوف. وشاط السمن حتى كاد يحترق. وثم يعبر به عن الهلاك والإهلاك؛ فيقال: شاط دمه وأشاطه. وقال الأعشى: [من البسيط] ٨٥١ - وقد يشيط على أرماحنا البطل وفي الحديث: "أن فلانًا قاتل حتى شاط في رماح القوم". وشاط لحم الجزور: إذا قسمها. ومنه قول عمر ﵁: "إن أخوف ما أخاف عليكم أن يؤخذ الرجل المسلم البريء فيشاط لحمه كما تشاط الجزور". ش ي ع: قوله تعالى: ﴿في شيع الأولين﴾ [الحجر: ١٠] أي في فرقهم. وقيل: في أصحاب الأولين. وكل من فاق إنسانًا وتحزب له فهو له شيعة. وعليه قوله تعالى: ﴿وإن من شيعته لإبراهيم﴾ [الصافات: ٨٣] وجمعها شيع كقربة وقرب، وأشياع ومنه قوله تعالى: ﴿كما فعل بأشياعهم من قبل﴾ [سبأ: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿ولقد أهلكنا أشياعكم﴾ [القمر: ٥١] أي من شايعكم على الكفر، أي بايعكم عليه. يقال: شايعه على كذا، أي تابعه. وأصل الشياع: الانتشار والتقوية. ومنه: شاع الحديث، وأشاعه فلان، أي أذاعه ونشره. وشايعته: قويته، وذلك أن المتبع مقو للمتبوع. وشاع القوم: انتشروا وكثروا. وشيعت النار بالحطب. والشيعة: من يتقوى بهم الإنسان، وينشرون عنه أوامره ونواهيه. قوله تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] أي فرقًا متفرقة، كل فرقةٍ على حدةٍ، يعني: يعاقبكم بتفرقة كلمتكم. ويجوز أن يكون

стр. 827

"شيعًا" نفس الشيء المبلوس على الاستعارة، أي نجعل الفرق من غيركم شاملة لكم، فنسلطهم عليكم. ويرشحه: ﴿ويذيق بعضكم بأس بعضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]. قوله: ﴿وكانوا شيعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] أي فرقًا يتابع بعضهم بعضًا. وشيعته، وشايعته: اتبعته. وبقول العرب: شاعكم السلام. أي تبعكم. وأشاعكم الله السلام، أي أتبعكموه. وفي الحديث: "نهى عن التضحية بالمشيعة" بكسر الياء، هي التي تشيع الغنم، أي تتبعها عجفًا وهزالاً. وتشييع الجنائز: اتباعها. والمشيع -بفتح الياء- الشجاع؛ كأنه لإقدامه مشيع للقبر. وفي الحديث أن مريم دعت على الجراد فقالت: "اللهم شيعه بلا شياعٍ" بالكسر. قال ابن الأعرابي: بلا زمارةٍ وراعٍ. قال الأزهري: الشياع: الرعاء بالإبل لتنساق. وأكثر ما يفعل الراعي ذلك بالزمارة، فأطلق الشياع عليها. والشياع -بالفتح- الإشاعة، كأنه اسم مصدرٍ كالعطاء للإعطاء. والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه وآله.

стр. 828

باب الصاد فصل الصاد والباء ص ب أ: قوله تعالى: ﴿والصابئين﴾ [البقرة: ٦٢]. قيل: هم كانوا على دين نوحٍ ﵇ فخرجوا منه. وكل من خرج من دينٍ إلى آخر فقد صبأ، مأخوذ من صبأ ناب البعير: إذا خرج وطلع. وقيل: هم قوم عبدوا الملائكة. وقيل: عبدوا الكواكب. وقيل: هم نوع من النصارى، فخالفوهم في أصول دينهم، وقرأ العامة بالهمز، ونافع وحده بلا همز، فقيل: مخفف منه. وقيل: إنما قراءته من صبا يصبو: إذا مال. وهؤلاء قد مالوا إلى دينٍ غير دينهم. وروى أبو عبيدة عن ابن عباسٍ ﵄ إنكارها وأنه كان يقول: ما الصابئون، إنما هي الصابيون. ولا ترد بمثل هذه الحكاية قراءة متواترة. ص ب ب: قوله تعالى: ﴿أنا صببنا الماء صبًا﴾ [عبس: ٢٥]. الصب: السكب بسرعة وكثرةٍ. وقيل: الصب: إراقة المائعات من علو. يقال: صبه فانصب وتصبب. ومنه قولهم: تصبب زيد عرقًا. والصبيب: العرق، بمعنى مصبوبًا. وأنشد: [من الرجز] ٨٥٢ - هواجر تجتلب الصبيبا وقال أبو عمرو: والصبيب: الجليد. وأنشد لابن عباب: [من الطويل] ٨٥٣ - ولا كلب إلا والج أنفه استه ... وليس بها إلا صبًا وصبيبها قوله تعالى: ﴿فصب عليهم ربك سوط عذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] من باب الاستعارة البليغة؛ جعل السوط مما يصب إيذانًا بسرعة لحاقه بمن يقع به، وأنه في نزوله عليه كنزول

стр. 829

الشيء المصبوب. وأشياء أخر يطول الكتاب بذكرها، فلله در فصاحة القرآن، لا تنحصر وجوهها. ويقال: صب إلى كذا صبابةً بمعنى سالت نفسه محبةً نحو من يهواه. والصب: من به صبابة. وهو صب بكذا: مولع به. وفي الحديث: "كان يختضب بالصبيب" الصبيب هنا قال أبو عبيد: أظنه ماء ورق السمسم أو نحوه من نبات الأرض، ولون مائه أحمر يعلوه سواد. وفي غير هذا هو العرق كما تقدم. وقيل: الدم. والصبابة: البقية من الماء في الإناء. وفي الحديث: "إن الدنيا آدنت بصرم وولت حذاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء". الصبابة: البقية اليسيرة، وحذاء قال: معناها مسرعة. وقيل: الصبابة والصبة: ما من شأنها أن تصب، وتصاببت الإناء: شربت صبابته. وتصبصب: ذهبت صبابته. ص ب ح: قوله تعالى: ﴿فالمغيرات صبحًا﴾ [العاديات: ٣]. الصبح والصباح: أول النهار، وهو وقت احمرار الأفق بحاجب الشمس. قوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] أي ضوء النهار. والإصباح في الأصل: مصدر أصبح. فالمعنى: جاعل ذلك. وشبهه كالبيضة التي تفلق عن الشيء، كأن ضوء النهار كان محتجبًا في شيءٍ انفلق عنه. قوله: ﴿فساد صباح المنذرين﴾ [الصافات: ١٧٧] نسب الذم إلى صباحهم مبالغة في إساءتهم، كقوله: ساء يومه. فساء يجوز أن تكون الجارية مجرى بئس. فالمخصوص بالذم محذوف، أي صباحهم، والصبوح: الشراب أول النهار. والغبوق: آخره. يقال: صبحته، أي سقيته صبوحًا، مثل: عبقته. والصبحان: المصطبح. قوله تعالى: ﴿فيها مصباح﴾ [النور: ٣٥] المصباح هنا: السراج، وبه شبه النجم. ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [الملك: ٥]. وقيل: هي أعلام الكواكب. والمصباح أيضًا: مقر السراج. والمصباح أيضًا: ما يسقى منه، ومن الإبل: ما يبرك فلا

стр. 830

ينهض حتى يصبح. وصبحتهم ماء كذا: أتيتهم به صباحًا. والصبح: شدة حمرةٍ في الشعر تشبيهًا بالصباح أو المصباح. وصبح وجه فلانٍ: حسن، أخذًا من المصباح. والصباحة: الملاحة من ذلك. وقولهم: أصبح استطالة له. وعليه قول امرئ القيس: [من الطويل] ٨٥٤ - ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل وفي الحديث: "نهى عن الصبحة" هي النوم وقت ارتفاع النهار، لأنه وقت الذكر وطلب المعاش. وصبحت القوم -مخففًا ومثقلاً-: أغرت عليهم صباحًا. قال الشاعر: [من الوافر] ٨٥٥ - صبحنا الخزرجية مرهفاتٍ ... أبان ذوي أرومتها ذووها وقال الحماسي، في التشديد، وهو أنصف شعرٍ قيل: [من الطويل] ٨٥٦ - فلم أر مثل الحي حيًا مصبحًا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا ص ب ر: قوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر﴾ [الشورى: ٤٣]. الصبر في الأصل: الحبس. ومنه قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك﴾ [الكهف: ٢٨] أي احسبها. وقال قطري بن الفجاءة: [من الوافر] ٨٥٧ - فصبرا في مجال الموت صبرًا ... فما نيل الخلد بمستطاع أي احبس نفسك في موطن الحرب. فأقام المصدر مقام فعله، وكذا: ﴿اصبروا

стр. 831

وصابروا﴾ [آل عمران ٢٠٠] أي احبسوا أنفسكم عن شهواتها. فالصبر: حبس النفس عن الشهوات وعلى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات. وقيل: الصبر: الإمساك في ضيقٍ. صبرت الدابة: أمسكتها للعلف. فقال بعضهم: الصبر: حبس النفس عما يقتضيه العقل والشرع عما يقتضيان حبسها عنه. قال: فالصبر لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بسبب اختلاف مواقعه؛ فإن كان حبس النفس لمصيبةٍ سمي صبرًا لا غير، ويضاده: الجزع، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة﴾ [البقرة: ٥٤، ١٥٥] الآية، ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وإن كان في حربٍ سمي شجاعة، ويضاده: الجبن. وإن كان في نائبة مضجرةٍ سمي رحب الصدر، ويضاده: الضجر. وإن كان في إمساك كلامٍ سمي كتمانًا، ويضاده: المذل. وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرًا. ونبه عليه بقوله: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿والصابرين على ما أصابهم﴾ [الحج: ٣٥]. قوله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥] هو الصبر المتعارف. وقيل: هو الصوم. ومن ثم سمي رمضان شهر الصوم، لأنه فيه حبس النفس عن الملاذ الدنيوية من أكلٍ وشربٍ وجماعٍ، ولا سيما الأبرار الذين قال فيهم ﵊: "إنه يسلم من السب والغيبة حتى لم شتم أحدهم لا يرد بل يقول: إني امرؤ صائم" وقال ﵊: "صيام شهر الصبر وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ يذهب وحر الصدر". قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة: ١٧٥] أي ما أجرأهم على تعاطي أسباب دخول النار من المعاصي. قيل: هي لغة. يقال: هو أصبر على كذا منك. وما أصبره عليك! أي أجرأه. واحتج أبو عبيدٍ على كونه لغة في الجرأة بقول بعض العرب لخصمه: ما أصبرك على الله! أي ما أجرأك على اليمين! قال بعضهم: هذا تصور مجازٍ بصورة حقيقيةٍ، لأن ذلك معناه: ما أصبرك على إعداء الله! إذ اجترأت على ارتكاب ذلك. وإلى هذا يعود قول من قال: ما أبقاهم على النار! وقول من قال: ما أعملهم بعمل

стр. 832

أهل النار! وذلك أنه قد يوصف بالصبر من لا صبر له في الحقيقة اعتبارًا بحال الناظر إليه، أي من رآهم يقول: وإن لم يكونوا متصفين بالصبر، هذا صفة تعجبٍ فكيف ترد من الباري تعالى؟ فأجيب بأنه جاء باعتبار المخاطبين. ولنا فيه كلام أوسع من هذا. قوله تعالى: ﴿اصبروا وصابروا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] أي احبسوا أنفسكم على العبادة، وجاهدوا أهواءكم. قوله: ﴿واطبر لعبادته﴾ [مريم: ٦٥] أي تحمل الصبر بجهدك. قوله: ﴿يجزون الغرفة بما صبروا﴾ [الفرقان: ٧٥] أي بما تحملوه من الصبر في الوصول إلى مرضاته تعالى. قوله : ﴿فصبر جميل﴾ [يوسف: ١٨] أي امر صبرٍ. والأصل النصب علي المصدر ونيابة عن الفعل، إلا أن الرفع أبلغ لما قررناه في: ﴿قالوا سلامًا قال سلام﴾ [هود: ٦٩]. ولذلك أتى الشاعر بهذا الأصل على النصب في قوله: [من الرجز] ٨٥٨ - يشكو إلي جملي طول السرى ... صبرًا جميلاً فكلانا مبتلى ومعنى الآية: الحث على الصبر. والصبور: القادر على الصبر الذي له فيه ملكة. والصابر يقال إذا كان فيه ضرب من التكلف والمجاهدة؛ قاله الراغب وفيه نظر من حيث إن فعولاً وفعالاً مبالغة. وفعل لا يدل على التكلف، بل يدل عليه تفعل، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآياتٍ لكل صبارٍ شكورٍ﴾ [إبراهيم: ٥]. وقد يعبر عن الانتظار بالصبر لما كان حق الانتظار لا ينفك عن الصبر، بل هو نوع من الصبر؛ وعليه قوله تعالى: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾ [الطور: ٤٨] أي انتظر حكمه لك على الكفار الذين عاندوك. وقال المبرد: الصبر ثلاثة أنواعٍ: حبس، وإكراه، وجرأة. وحكي من كلامهم: أصبره الحاكم على اليمين، أي ألجأه إليها: وفي الحديث: "اقتلوا القاتل واصبروا الصابر"؛ وذلك أن رجلين قتلا رجلاً؛ أمسكه أحدهما وقتله الآخر، أي احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت كفعله به. كذا فسره الهروي. والحكم عندنا

стр. 833

ليس كذلك. وقيل: الصبر أن يحبس، أي يوقف وهو ينظر لنفسه فيقتل، وهو أشد القتلات. ولذلك نهى عن القتل صبرًا، أي تؤخذ ذاته فيرمى عرضًا. وقد قتل النبي ﷺ بعض الكفار صبرًا لمصلحةٍ، ومنهم النضر القائلة أخته قتيلة في شعرٍ: [من الكامل] ٨٥٩ - صبرًا يقاد إلى المنية متعبًا ..... ص ب ع: قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم﴾ [البقرة: ١٩] الأصابع جمع إصبع، هذا العضو المعروف. وفيه عشر لغاتٍ؛ تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، والعاشرة أصبوع. وصبعته: أصبت وهي مؤنثة. وعليه قوله: [من الرجز] ٨٦٠ - هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت ص ب غ: قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾ [البقرة: ١٣٨] أي دين الإسلام، استعار له هذا الاسم إشعارًا بأن الله تعالى هو الذي يفعل ذلك، وكما يفعل الصباغ في الثوب المصبوغ. وقصد تعالى بذلك المشاكلة، وذلك أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد غمسوه في ماء المعمودية، ويقولون: الآن صار نصرانيًا. ويقولون: قد انصبغ بالنصرانية. فقال تعالى ذلك مقابلةً لقولهم. ويقرب منه قول الآخر: [من الكامل]

стр. 834

٨٦١ - قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبةً وقميصا فعبر عن ملة الإسلام بالصبغة. وقيل: سميت الملة صبغةً لأن النصارى امتنعوا من تطهير أولادهم بالختان. وابتدعوا تطهيرهم بماءٍ أصفر يصبغون به أولادهم. يقال: صبغته أصبغه، بتثليث عين المضارع، صبغًا وصبغًا وصبغةً وصباغًا. قوله: ﴿وصبغ للآكلين﴾ [المؤمنون: ٢٠] يعني أن الزيت مصطبغ به للأكل يصبغ به مرةً. والصبغ والصباغ: ما يصبغ به، وذلك نحو: دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وقيل: ﴿صبغة الله﴾، أي ما أوجده في الناس من العقول المتميزين به عن البهائم كالفطرة في قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] قال الراغب فكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء المعمودية، يزعمون أن ذلك صبغة الله، فأنزل الله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾ [البقرة: ١٣٨]. ص ب و: قوله تعالى: ﴿أصب إليهن﴾ [يوسف: ٣٣] أي أمل. يقال: صبا يصبو: إذا مال نحو محبوبه. صبىً وصباء وصبوة. وقيل: صبا معناه: نزع واشتاق، وفعل فعل الصبيان. وأصباني فصبوت. والريح الصبا: المستقبل للقبلة؛ سميت بذلك لأن من هبت عليه صبا إلى وطنه ونزع إلى إلفه. وأنشد [من الطويل] ٨٦٢ - أل يا صبا نجدٍ متى همت من نجد؟ فقد زادني مسراك وجدًا على وجد وصابيت السيف: أغمدته مقلوبًا: وصابيت الرممح: أملته وهيأته للطعن. وفي الحديث: "رأى حسينًا يلعب مع صبوةٍ في السكة" أي صبية جمع صبي، وهما لغتان

стр. 835

نحو: عينان وعنوان، وقنيت وقنوت. وتصابى: رجع إلى فعل الصبيان. ص ب ي: قوله تعالى: ﴿نكلم من كان في المهد صبيًا﴾ [مريم: ٢٩] أي من لم يبلغ الحنث، وقد تقدم في مادة (ش ي خ) الكلام على ذلك مستوفىً، فأغنى عن إعادته. والظاهر أن لام صبي يجوز أن تكون واوًا وأن تكون ياءً لما قدمته في جمعه من قولهم: صبية وصبوة. فعلى الأول أصله صبوى، فأدغم بعد قلبه. فصل الصاد والحاء ص ح ب: قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة﴾ [البقرة: ٨٢] أصلها الاجتماع طال زمنها أو قصر. وقيل: الصاحب: الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا. قيل: لا فرق بين أن تكون المصاحبة بالبدن. وهو الأصل والأكثر، وبالعناية والهمة. قال الراغب: ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته. يقال لمالك الشيء: هو صاحبه. ويقال أيضًا: لمن يمتلك التصرف فيه قوله: ﴿إذ يقول لصاحبه﴾ [التوبة: ٤٠] القائل هو محمد ﷺ . ومن ثم قيل: من أنكر صحبة أبي بكرٍ فقد كفر لأنه أثبت له صاحبًا. وقام الإجماع على أنه لم يكن معه في الغار غير أبي بكرٍ. وقوله: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾ [المدثر: ٣١] فهذا معنى من يملك التصرف، أي ماجعلنا الموكلين بها المعذبين بها. فأصحاب النار يطلق على المعذبين والمعذبين. وقد يضاف الصاحب إلى مسوسه نحو صاحب الجيش، وإلى سائسه نحو صاحب الأمير. قيل: والمصاحبة والاصطحاب أبلغ من الاجتماع، لأجل أن المصاحبة تقتضي طول لبثه. فكل اصطحابٍ اجتماع من غير عكسٍ. قوله: ﴿أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]. سماه مصاحبةً تنبهةً أنكم صحبتموه وجربتموه وعرفتهم ظاهره وباطنه، ولم تجدوا به خبلاً ولا جنةً. والإصحاب للشيء: الانقياد له. وأما عند أهل الأصول فاختلفوا في الصحبة

стр. 836

بالنسبة إلى من يسمى صحابيًأ، والصحيح أنه من رآه مسلمًا وإن لم يرو عنه ولم تطل صحبته. ويقال: أصحب الرجل: إذا كبر ابنه وصحبه. وأصحب فلان فلانًا: جعل صاحبًا له. وعليه قوله تعالى: ﴿ولا هم منا يصبحون﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي لا يكون لهم من جهتنا من يصحبهم، وما يصحبهم من سكينةٍ وروحٍ وترفيقٍ ونحو ذلك مما يصحبه أولياهءه. وأديم مصحب: أصحب الشعر الذي عليه ولم يجز عنه. وقيل معنى قوله: ﴿ولا هم منا يصحبون﴾ أي لا يجاوزون. ومن صحبه الله لم يضره شيء. يقال: أصحبك الله، أي حفظك. ومنه الحديث: "اللهم أصحبنا بحبةٍ واقلبنا بذمةٍ" أي اصحبنا بحفظك في سفرنا واقلبنا بأمانك وعهدك إلى بلدنا. فعلى الأول: هو من أصحابٍ. وعلى الثاني: من صحب. وإلى الأول نحا المازني وفسره بمعنى المنع. وحكي: أصحبت الرجل: منعته. والصحابة مصدر صحبه. ويكون جمع صاحب أيضًا، قيل: ولا تجمع فاعل على فعالة إلا هذا الحرف. وفي الحديث: "إنكن صواحب يوسف" ويروى "صواحبات" جمع الجمع. وأنشدوا: [من الرجز] ٨٦٣ - فهن يعلكن حدائداتها حدائدات جمع حدائد، وحدائد جمع حديدةٍ، كذلك صواحبات جمع صواحب وصواحب جمع صاحبة. ص ح ف: قوله تعالى: ﴿يتلو صحفًا مطهرةً﴾ [البينة: ٢] الصحف جمع صحيفة. والصحيفة: التي يكتب فيها. وأصل الصحيفة: المبسوط من كل شيءٍ. ومنه صحيفة الوجه. والمصحف: هو الجامع للصحف المكتوبة. والجمع مصاحف. وغلب على ما كتب من القرآن. والتصحيف: قراءة المصحف وروايته على غير ما هو لاشتباه حروفه.

стр. 837

ثم اتسع فجعل كل تغيير لفطٍ بما يقرب منه تصحيفًأ. وقد وقع ذلك لجماعةٍ من العلماء، حتى يحكى أن حمادًا قرأ: ﴿بل الذين كفروا في عزةٍ﴾ [ص: ٢] ﴿أصيب من أشاء﴾ [الأعراف: ١٥٦] ﴿شأن يغنيه﴾ [عبس: ٣٧]، وفي ذلك تصانيف. وقوله: ﴿صحفًا مطهرة فيها كتب﴾ إشارة إلى ماتضمنه القرآن الكريم من الزيادة التي ليست في غيره من كتب الله تعالى. والصحفة: مثل قصعةٍ عريضةٍ؛ خاطبهم الله تعالى بما يألفون، فقال: ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهبٍ﴾ [الزخرف: ٧١]. فصل الصاد والخاء ص خ خ: قوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ [عبس: ٣٣] هي القيامة. سميت بذلك لأنها ذات أهوال. وأصله من صخ يصخ فهو صاخ، أي صاخ صياخًأ مقطعًا يقطع قلب سامعه. فالصيخ شدة صوت ذي النطق. فالصاخة هي التي تصخ الأسماع، أي تصمها حسبما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ [الأعراف: ٧٣]. ص خ ر: قوله تعالى: ﴿الذين جابوا الصخر بالواد﴾ [الفجر: ٩]. جابوا أي قطعوا. والصخر: الحجر الصلب، أشار إلى قوله تعالى: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]. وصخر: علم لرجلٍ مشهورٍ أخو الخنساء الذي تقول فيه: [من البسيط] ٦٨٤ - وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فصل الصاد والدال ص د د: قوله تعالى: ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٤٧] الصد: المنع، مأخوذ من

стр. 838

صد الجبل، وهو ما يحول بينك وبينه. ومنه الصديد: وهو ما حال بين اللحم والجلد من القيح، وعليه قوله تعالى: ﴿ويسقى من ماءٍ صديدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]. والصديد: قد يكون انصرافًا عن الشيء وامتناعًأ نحو قوله تعالى: ﴿يصدون عنك صدودًا﴾ [النساء: ١٦] وقد يكون صرفًا ومنعًا، نحو: ﴿فصدهم عن السبيل﴾ [النمل: ٤٢] الصد: الإعراض. ومنه قوله تعالى: ﴿إذا قومك منه يصدون﴾ [الزخرف: ٥٧] وقرئ بكسر الصاد أي يضجون؛ يقال: صد يصد أي ضج، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨]. قال الزبعرى: خصمت محمدًا ورب الكعبة، قد عبد املسيح وعزيز فنحن نرضى أن يكون إلهنا معهما. فضج القوم ولغطوا حتى نزل قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ [الأنبياء: ١٠١]. ويروى أنه ﵊ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك، لو أراد ذلك لقال: ومن تعبدون". وصد: يكون متعديًا للثاني بنفسه وبحرف الجر؛ ومن الأول قوله تعالى: ﴿وصدها ما كانت تعيد﴾ [النمل: ٤٣]. ومن الثاني قوله: ﴿إنهم ليصدونهم عن السبيل﴾ [الزخرف: ٣٧]، قوله: ﴿فأنت له تصدى﴾ [عبس: ٦] أي تتعرض. تصدى له: إذا تعرض. والصداد. بثلاث دالات، فأبدل آخرها ياء نحو تطبب، وقلل الشاعر: [من الوافر] ٨٦٥ - من المتصديات بغير سوءٍ ... تسيل إذا مشت سيل الحباب والأصل فيه الصدد وهو القرب والمؤاخرية. وكم ما قابلك فهو متصد ومتصدد. ص د ر: قوله تعالى: ﴿حتى يصدر الرعاء﴾ [القصص: ٢٣] أي ترجع من سقيهم غنمهم. وصدر: إذا تعدى بعن اقتضى معنى الانصراف؛ تقول: صدرت الإبل عن الماء صدرًا.

стр. 839

وقرئ "يصدر" أي يردون مواشيهم. قوله: ﴿يؤمئذٍ يصدر الناس أشتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أي يرجعون؛ يقال: صدر عن كذا: رجع عنه، وصدر إلى كذا: صار إليه. والوارد: الجائي. والصادر: المنصرف. قوله تعالى: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ [طه: ٥] لصدر: الجارحة، ثم استعير لمقدم الشيء كصدر القناة وصدر المجلس والكتاب والكلام. وصدره: أصاب صدره، نحو كبده، أو قصد قصده. ورجل مصدور: يشتكي صدره. والصدار: ثوب يغطي الصدر وذلك على بناء دثارٍ ولباس، ويقال له أيضًا الصدرة. فقوله تعالى: ﴿لكن تعمي القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦] إشارة إلى هذه الجوارح. قال بعض الحكماء: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العلم والعقل، نحو: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ [ق: ٣٧] وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك، وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب. وقوله: ﴿رب اشرح لي صدري﴾ سؤال لإصلاح قواه. وكذا قوله: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ [التوبة: ١٤]. إشارة إلى اشتفائهم، من قوله: ﴿فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦] أي العقول فيما بين سائر القوى، وليس بمهتدية. ص د ع: قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر: ٩٤] أي شق قلب من تأمره، يشير إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر صعب يكاد يشق، وقيل: شق جماعاتهم بالتوحيد. وقيل: اجهر بالقرآن. وقيل: أظهر. وقيل: احكم بالحق، واقصد بالأمر. وكلها متقاربة. وقال ابن عرفة: أراد فرق بين الحق والباطل. يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا. وعن ثعلب قال: قال أعرابي يحضر مجلس أبي عبد الله -وكان أبو عبد الله ربما يأخذ عنه-: "فاصدع بما تؤمر" أي اقصد. والعرب تقول: صدعت فلانًا: قصدته. وأصل الصدع الشق في الأجسام الصلبة. يقال: انصدع الحديد والزجاج، صدعته فانصدع، وصدعته فتصدع. وعنه استعير: صدع الأمر أي فصله. ومنه استعير الصداع: وهو شبه الاشتقاق في

стр. 840

الرأس من الوجع. ومنه قيل للفجر: صديع، وصدعت الفلاة: قطعتها. وتصدع القوم: تفرقوا. قوله: ﴿يومئذ يصدعون﴾ [الروم: ٤٣] أي يتفرقون: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧]. وصدعت الرداء: شققته. قوله: ﴿والأرض ذات الصدع﴾ [الطارق: ١٢] لأنها تشق بالنبات. وفي الحديث: "فإذا صدع من الدجال"؛ الصدع: الربعة من الرجال بين رجلين. ص د ف: قوله تعالى: ﴿يصدفون عن آياتنا﴾ [الأنعام: ١٥٧] أي يعرضون إعراضًا شديدًا. وأصله من صدفي الجبل وهما ناحيتاه. وفي الحديث: "كان إذا مر بصدف مائلٍ أسرع المشي"؛ قال أبو عبيد: الصدف والهدف: كل بناءٍ عظيمٍ مرتفعٍ. وقيل: هو مأخوذ من الصدف في رجل البعير، وهو الميل. وقيل: من الصلابة. ومنه: صدف الجبل لصلابته. وقيل: من الصدف الذي يخرج من البحر، يعني: في صلابته أيضًا. قوله: ﴿بين الصدفين﴾ [الكهف: ٩٦] أي ناحيتي الجبل، لأن كل جبلٍ يصادف -أي يقابل- الآخر. وقرئ بضمتين، وبضمةٍ وسكونٍ. وفتحتين. وهي لغات. ص د ق: قوله تعالى: ﴿واجعل لي لسان صدقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤] سأل ربه أن يجعله صالحًا بحيث إنه إذا أثنى عليه غيره كان صادقًا لا كاذبًا. ونحوه قول الشاعر: [من الطويل] ٨٦٦ - إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ فأنت كما نثني وفوق الذي نثنى

стр. 841

فالصدق والكذب يتقابلان، وهل بينهما واسطة أم لا؟ الجمهور أنه لا واسطة، وأثبتها الجاحظ. ودليل ذلك في غير هذا الموضوع، وأصلهما في القول ماضيًا كان أو مستقبلاً، وعدًا كان أو غيره. ولا يكونان بالقصد الأول إلا بالخير دون غيره من أصناف الكلام، ولذلك قال تعالى: ﴿ومن أصدق من الله حديثًا﴾ [النساء: ٨٧]. وقوله: ﴿إنه كان صادق الوعد﴾ [مريم: ٥٤]. وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كالاستفهام والأمر والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلاً حال زيد. وكذا إذا قال: واسني؛ فإن في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة. وإذا قال: لا تؤذني، ففي ضمنه أنه يؤذيه، قاله الراغب، وفيه نظر من حيث إن التصديق والتكذيب لم يردا على معنى الاستفهام وما بعده إنما وردا على ما هو لازم له، ولا كلام في ذلك فلم يصح أن يقال إنهما وردا على غير الخبر. واختلف الناس في الصدق؛ فقيل: هو مطابقة الخبر للمخبر عنه في نفس الأمر، وفي اعتقاد المخبر، وإليه نحا الراغب فقال: والصدق مطابقة القول المضم والمخبر عنه معًا. ومتى انخرط شرط من ذلك لم يكن صدقًا بل إما لا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارةً بالصدق، وتارةً بالكذب على نظرين مختلفين كقول الكافر دون اعتقادٍ: محمد رسول الله، فإن هذا يصح أن يقال: صدق لكون المخبر عنه كذلك، وأن يقال: كذب لمخالفة قوله ضميره: وللوجه الثاني إكذاب الله المنافقين حيث قالوا: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ [المنافقون: ١] فقال: ﴿والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١] أنتهى. وقد أجيب عنه بأن المعنى في تسميتها شهادة قوله: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ [الفتح: ٢٧] أي. حقق رؤيته. فهذا أصدق بالفعل وهو التحقيق. قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصد له﴾ [الزمر: ٣٣] أي حقق ما أورده قولاً بما تحراه؛ فعلاً، ويعبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا وباطنًا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به كقوله تعالى: ﴿في مقعد صدقٍ﴾ [القمر: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدقٍ﴾ [يونس: ٢]. وقوله تعالى: ﴿رب أدخلني مدخل صدقٍ

стр. 842

وأخرجني مخرج صدقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]. وقوله: ﴿واجعل لي لسان صدقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤]. ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال: صدق في القتال إذا وفي حقه وفعل ما يجب وكما يجب، وكذب في القتال عكسه. قوله: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم. قوله: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ [الأحزاب: ٨] أي ليسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله، تنبيًا أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل. وصدقت فلانًا: نسبته إلى الصدق. وأصدقته: وجدته صادقًا. ويقال: هما واحد، ويقالان فيهما جميعًا. ويستعمل التصديق في كل ما فيه تحقيق يقال: صدقني. قوله: ﴿وهذا كتاب مصدق لسانًا عربيًا﴾ [الأحقاف: ١٢] أي مصدق ما تقدم. و"لسانًا" نصب على الحال. وفي المثل "صدقني سن بكره" لم يكذبني فيما استخبرته. والصداقة صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان دون غيره. قوله تعالى: ﴿ولا صديقٍ حميمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] إشارة إلى نحو قوله: ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل، يقال للمتطوع به والزكاة للواجب. وقيل: يسمى الواجب صدقةً إذا تحرى صاحبها الصدق في فعله، فعليه قوله تعالى: ﴿خد من أموالهم صدقةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وهي الزكاة. يقال: صدق وتصدق، ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقه: تصدق به نحو قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] أي من تجافى عنه. قوله: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ [البقرة: ٢٨] فإنه أجرى ما يتسامح به للمعسرين مجرى صدقةٍ. ومنه ماروي عنه ﵊: "ما تأكله العافية صدقة". ومثله قوله تعالى:

стр. 843

﴿ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [النساء: ٩٢] سمى إعفاءهم صدقةً. قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلةً﴾ [النساء: ٤] أي مهورهن، مأخوذ من الصدقة، وفيه تنبيه على أن في إعطائه أجرًا كما في إعطاء الصدقة. وقد أثبت الشارع ذلك في النفقة الواجبة كقوله ﵊: "وحتى اللقمة تضعها في في امرأتك". يقال: صداق المرأة وصداقها وصدقتها. وقد أصدقتها، أي أعطيتها صداقًا وسميته لها. قوله تعالى: ﴿فأصدق وأكن﴾ [المنافقين: ١٠] من الصدقة. وقال الراغب: من الصدق أو الصدقة، وليس بذاك. قوله: ﴿إنه كان صديقًا﴾ [مريم: ٤١] أي بليغًا فيه. وهو من كثر منه الصدق وقيل: من لم يكذب قط. وقيل: من لم يتأت منه كذب لتعوده الصدق. وقيل: من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، وهذه هي درجة الأنبياء، ولذلك وصف بالصديقية خليله فقال: ﴿إنه كان صديقًا نبيًا﴾. وقال تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾ [النساء: ٦٩] فهم دون الأنبياء في الفضيلة، إذ لا فضيلة عندنا توازي النبوة خلافًا لقومٍ خالين من المتصوفة. قوله: ﴿وأمه صديقة﴾ [المائدة: ٧٥] قيل: لو كانت نبيةً لوصفها بها، إذ في مقام المدح نما يوصف بالأكمل. وصدق: يتعدى للثاني بنفسه بحر الجر مثل كذب. تقول: صدقته الحديث وفي الحديث. قال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾. قوله: ﴿إن المصدقين﴾ [الحديد: ١٨] قرئ بالتشديد من التصدق، والتخفيف من تصديقهم ما [جاء به]

стр. 844

رسولهم وكتابهم، ومن جملته الصدقة. والمصدق أيضًا: الذي يأخذ الصدقات كالعامل، ولس مرادًا هنا. ص د ي: قوله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. التصدية: التصويت بتصفيقٍ وغيره. ومنه الصدى: وهو ما يسمعه المصوت في الأماكن الخالية ذوات الأجرام الصلبة كالعمران والكهوف في الجبال والبيوت المكلسة. وقيل: الصدى: صوت يرجع من مكان صقيلٍ. والتصدية: كل صوتٍ يجري مجرى الصدى في أن لا غناء فيه. فقوله تعالى: ﴿إلا مكاء وتصدية﴾ أي غناء ما يوردونه غناء الصدى، ومكاء الطير. والتصدي: أن يقابل الشيء مقابلة الصدى، أي الصوت الراجع من الجبل. وقد مر أن أصله صدد. والصدي أيضًا ذكر [البوم والدماغ] أيضًا لكون الدماغ يتصور بصورة الصدى ولهذا سمي هامةً. وقولهم: أصم الله صداه: دعاء عليه بالخرس، لأن المعنى: لا جعل الله له صوتًا حتى لا يكون له صدى يرجع إليه بصوته. وقد يقال للعطش صدى. يقال: رجل صديان وامرأة صدياء وصديانة وصادية، وقد أنشدني شيخنا أثير الدين لبعضهم: [من الخفيف] ٨٦٧ - لا تفه ما حييت إلا بخيرٍ ... ليكون الجواب وقفًا لديكا قد سمعت الصدى وذاك جماد ... كل شيءٍ تقول رد عليكا وفي حديث ابن عباس: "كان يصادى منه غربه" أي تدارى. والمصاداة والمدالاة والمداصاة والمراداة والمرافاة والمداملة، كله بمعنى واحدٍ. وقال الخبيث الحجاج لأنس بن مالكٍ ﵁: "أصم الله صداك"، قد مر تفسيره. وقيل: هو

стр. 845

كناية عن الموت، لأنه إذا مات انقطع صوته. فصل الصاد والراء ص ر ح: قوله تعالى: ﴿إنه صرح ممرد﴾ [النمل: ٤٤]. الصرح في اللغة: القصر والبناء المشرف. ومنه قوله تعالى: ﴿فاجعل لي صرحًا﴾ [القصص: ٣٨]. وصرحة الدار: ساحتها. وهو مأخوذ من الصراحة، لأنه خالص مما يشوبه؛ فإن الصرح في الأصل بيت عالٍ مزوق. ولبن صريح: بين الصراحة والصروحة، أي خالص والكذب الصراح: الخالص من الصدق والتصريح ضد الكناية لأنه إظهار المعنى. وفلان صريح النسب، أي خالصه. قيل: أن سليمان اتخذ صرحًا من زجاجٍ وجعل تحته ماء، فلما رأته بلقيس حسبته ماء من عرش فوقه. وفي الشعر الذي في حديث أم معبد: [من الطويل] ٨٦٨ - دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلبت ... له بصريحٍ ضرة الشاة مزبد يقال: لبن صريح، أي لم يمذق بماءٍ. وصرحٍ بالشيء: كشفه. وفي المثل: "عاد تعريضك تصريحًا" وجاء فلان صراحًا، أي جهارًا. ص ر خ: قوله تعالى: ﴿فلا صريخ لهم﴾ [يس: ٤٣] أي لا مغيث يغيثهم. والصريخ يكون للمستغيث وللمغيث، وأنشد: [من الكامل] ٨٦٩ - قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع قوله تعالى: ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي. قوله: ﴿وهم يصطرخون فيها﴾ [فاطر: ٣٧] يستغيثون: يفتعلون من الصراخ، وهو التصويت بالاستغاثة. وفي حديث ابن عمر: "استصرخ على صفية استصراخ الحي على الميت"، وفي الحديث: "كان يقوم من الليل إذا سمع صوت الصارخ" قيل:
следующие страницы →