Полный текст (1 752 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
فالصدق والكذب يتقابلان، وهل بينهما واسطة أم لا؟ الجمهور أنه لا واسطة، وأثبتها الجاحظ. ودليل ذلك في غير هذا الموضوع، وأصلهما في القول ماضيًا كان أو مستقبلاً، وعدًا كان أو غيره. ولا يكونان بالقصد الأول إلا بالخير دون غيره من أصناف الكلام، ولذلك قال تعالى: ﴿ومن أصدق من الله حديثًا﴾ [النساء: ٨٧]. وقوله: ﴿إنه كان صادق الوعد﴾ [مريم: ٥٤]. وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كالاستفهام والأمر والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدار؟ فإن في ضمنه إخبارًا بكونه جاهلاً حال زيد. وكذا إذا قال: واسني؛ فإن في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة. وإذا قال: لا تؤذني، ففي ضمنه أنه يؤذيه، قاله الراغب، وفيه نظر من حيث إن التصديق والتكذيب لم يردا على معنى الاستفهام وما بعده إنما وردا على ما هو لازم له، ولا كلام في ذلك فلم يصح أن يقال إنهما وردا على غير الخبر.
واختلف الناس في الصدق؛ فقيل: هو مطابقة الخبر للمخبر عنه في نفس الأمر، وفي اعتقاد المخبر، وإليه نحا الراغب فقال: والصدق مطابقة القول المضم والمخبر عنه معًا. ومتى انخرط شرط من ذلك لم يكن صدقًا بل إما لا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارةً بالصدق، وتارةً بالكذب على نظرين مختلفين كقول الكافر دون اعتقادٍ: محمد رسول الله، فإن هذا يصح أن يقال: صدق لكون المخبر عنه كذلك، وأن يقال: كذب لمخالفة قوله ضميره: وللوجه الثاني إكذاب الله المنافقين حيث قالوا: ﴿نشهد إنك لرسول الله﴾ [المنافقون: ١] فقال: ﴿والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون: ١] أنتهى. وقد أجيب عنه بأن المعنى في تسميتها شهادة قوله: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق﴾ [الفتح: ٢٧] أي. حقق رؤيته. فهذا أصدق بالفعل وهو التحقيق. قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصد له﴾ [الزمر: ٣٣] أي حقق ما أورده قولاً بما تحراه؛ فعلاً، ويعبر عن كل فعل فاضل ظاهرًا وباطنًا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به كقوله تعالى: ﴿في مقعد صدقٍ﴾ [القمر: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿أن لهم قدم صدقٍ﴾ [يونس: ٢]. وقوله تعالى: ﴿رب أدخلني مدخل صدقٍ
стр. 842
وأخرجني مخرج صدقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]. وقوله: ﴿واجعل لي لسان صدقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤]. ويستعملان في أفعال الجوارح فيقال: صدق في القتال إذا وفي حقه وفعل ما يجب وكما يجب، وكذب في القتال عكسه. قوله: ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم. قوله: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾ [الأحزاب: ٨] أي ليسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله، تنبيًا أنه لا يكفي الاعتراف بالحق دون تحريه بالفعل. وصدقت فلانًا: نسبته إلى الصدق. وأصدقته: وجدته صادقًا. ويقال: هما واحد، ويقالان فيهما جميعًا. ويستعمل التصديق في كل ما فيه تحقيق يقال: صدقني. قوله: ﴿وهذا كتاب مصدق لسانًا عربيًا﴾ [الأحقاف: ١٢] أي مصدق ما تقدم. و"لسانًا" نصب على الحال. وفي المثل "صدقني سن بكره" لم يكذبني فيما استخبرته. والصداقة صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان دون غيره.
قوله تعالى: ﴿ولا صديقٍ حميمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] إشارة إلى نحو قوله: ﴿الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل، يقال للمتطوع به والزكاة للواجب. وقيل: يسمى الواجب صدقةً إذا تحرى صاحبها الصدق في فعله، فعليه قوله تعالى: ﴿خد من أموالهم صدقةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وهي الزكاة. يقال: صدق وتصدق، ويقال لما تجافى عنه الإنسان من حقه: تصدق به نحو قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ [المائدة: ٤٥] أي من تجافى عنه. قوله: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ [البقرة: ٢٨] فإنه أجرى ما يتسامح به للمعسرين مجرى صدقةٍ. ومنه ماروي عنه ﵊: "ما تأكله العافية صدقة". ومثله قوله تعالى:
стр. 843
﴿ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [النساء: ٩٢] سمى إعفاءهم صدقةً. قوله: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلةً﴾ [النساء: ٤] أي مهورهن، مأخوذ من الصدقة، وفيه تنبيه على أن في إعطائه أجرًا كما في إعطاء الصدقة. وقد أثبت الشارع ذلك في النفقة الواجبة كقوله ﵊: "وحتى اللقمة تضعها في في امرأتك".
يقال: صداق المرأة وصداقها وصدقتها. وقد أصدقتها، أي أعطيتها صداقًا وسميته لها. قوله تعالى: ﴿فأصدق وأكن﴾ [المنافقين: ١٠] من الصدقة. وقال الراغب: من الصدق أو الصدقة، وليس بذاك. قوله: ﴿إنه كان صديقًا﴾ [مريم: ٤١] أي بليغًا فيه. وهو من كثر منه الصدق وقيل: من لم يكذب قط. وقيل: من لم يتأت منه كذب لتعوده الصدق. وقيل: من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، وهذه هي درجة الأنبياء، ولذلك وصف بالصديقية خليله فقال: ﴿إنه كان صديقًا نبيًا﴾. وقال تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾ [النساء: ٦٩] فهم دون الأنبياء في الفضيلة، إذ لا فضيلة عندنا توازي النبوة خلافًا لقومٍ خالين من المتصوفة. قوله: ﴿وأمه صديقة﴾ [المائدة: ٧٥] قيل: لو كانت نبيةً لوصفها بها، إذ في مقام المدح نما يوصف بالأكمل.
وصدق: يتعدى للثاني بنفسه بحر الجر مثل كذب. تقول: صدقته الحديث وفي الحديث. قال تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾. قوله: ﴿إن المصدقين﴾ [الحديد: ١٨] قرئ بالتشديد من التصدق، والتخفيف من تصديقهم ما [جاء به]
стр. 844
رسولهم وكتابهم، ومن جملته الصدقة. والمصدق أيضًا: الذي يأخذ الصدقات كالعامل، ولس مرادًا هنا.
ص د ي:
قوله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. التصدية: التصويت بتصفيقٍ وغيره. ومنه الصدى: وهو ما يسمعه المصوت في الأماكن الخالية ذوات الأجرام الصلبة كالعمران والكهوف في الجبال والبيوت المكلسة. وقيل: الصدى: صوت يرجع من مكان صقيلٍ. والتصدية: كل صوتٍ يجري مجرى الصدى في أن لا غناء فيه. فقوله تعالى: ﴿إلا مكاء وتصدية﴾ أي غناء ما يوردونه غناء الصدى، ومكاء الطير. والتصدي: أن يقابل الشيء مقابلة الصدى، أي الصوت الراجع من الجبل. وقد مر أن أصله صدد.
والصدي أيضًا ذكر [البوم والدماغ] أيضًا لكون الدماغ يتصور بصورة الصدى ولهذا سمي هامةً. وقولهم: أصم الله صداه: دعاء عليه بالخرس، لأن المعنى: لا جعل الله له صوتًا حتى لا يكون له صدى يرجع إليه بصوته. وقد يقال للعطش صدى. يقال: رجل صديان وامرأة صدياء وصديانة وصادية، وقد أنشدني شيخنا أثير الدين لبعضهم: [من الخفيف]
٨٦٧ - لا تفه ما حييت إلا بخيرٍ ... ليكون الجواب وقفًا لديكا
قد سمعت الصدى وذاك جماد ... كل شيءٍ تقول رد عليكا
وفي حديث ابن عباس: "كان يصادى منه غربه" أي تدارى. والمصاداة والمدالاة والمداصاة والمراداة والمرافاة والمداملة، كله بمعنى واحدٍ. وقال الخبيث الحجاج لأنس بن مالكٍ ﵁: "أصم الله صداك"، قد مر تفسيره. وقيل: هو
стр. 845
كناية عن الموت، لأنه إذا مات انقطع صوته.
فصل الصاد والراء
ص ر ح:
قوله تعالى: ﴿إنه صرح ممرد﴾ [النمل: ٤٤]. الصرح في اللغة: القصر والبناء المشرف. ومنه قوله تعالى: ﴿فاجعل لي صرحًا﴾ [القصص: ٣٨]. وصرحة الدار: ساحتها. وهو مأخوذ من الصراحة، لأنه خالص مما يشوبه؛ فإن الصرح في الأصل بيت عالٍ مزوق. ولبن صريح: بين الصراحة والصروحة، أي خالص والكذب الصراح: الخالص من الصدق والتصريح ضد الكناية لأنه إظهار المعنى. وفلان صريح النسب، أي خالصه. قيل: أن سليمان اتخذ صرحًا من زجاجٍ وجعل تحته ماء، فلما رأته بلقيس حسبته ماء من عرش فوقه. وفي الشعر الذي في حديث أم معبد: [من الطويل]
٨٦٨ - دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلبت ... له بصريحٍ ضرة الشاة مزبد
يقال: لبن صريح، أي لم يمذق بماءٍ. وصرحٍ بالشيء: كشفه. وفي المثل: "عاد تعريضك تصريحًا" وجاء فلان صراحًا، أي جهارًا.
ص ر خ:
قوله تعالى: ﴿فلا صريخ لهم﴾ [يس: ٤٣] أي لا مغيث يغيثهم. والصريخ يكون للمستغيث وللمغيث، وأنشد: [من الكامل]
٨٦٩ - قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
قوله تعالى: ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثي. قوله: ﴿وهم يصطرخون فيها﴾ [فاطر: ٣٧] يستغيثون: يفتعلون من الصراخ، وهو التصويت بالاستغاثة. وفي حديث ابن عمر: "استصرخ على صفية استصراخ الحي على الميت"، وفي الحديث: "كان يقوم من الليل إذا سمع صوت الصارخ" قيل:
стр. 846
الصارخ لديك.
ص ر ر:
قوله تعالى: ﴿ريحٍ فيها صر﴾ [آل عمران: ١١٧] أي برد شديد، ومنه الحديث: "نهي عما قتله الصر من الجراد" أي البرد. وقوله: ﴿ريحٍ صرصرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي شديدة البرودة هي من الصر، وإنما كرر اللفظ دلالة على تكرار المعنى كما قالوا: صلصل في صل. قيل: وأصل ذلك من الصر وهو العقد المحكم. ومنه الإصرار على الذنب لأنه تعقد في الذنب ود عليه وامتناع من الإقلاع عنه. وأصله من الصر وهو الشد. ومنه صرة الدراهم لأنه يعقد عليها. والصرار: خرقة تشد على أطباء الناقة لئلا ترضع. قوله: ﴿فأقبلت امرأته في صرة﴾ [الذاريات: ٢٩] قيل: في جماعة من النساء، سميت صرةً لانضمام بعضهن إلى بعضٍ كأنهن جمعوا وصروا في وعاءٍ واحدٍ. وقيل: في صيحةٍ، يعني ولولة النساء لعادتهن. قيل: ومنه صرير الباب لصوته. والصرورة: من لم يتزوج، ومن لم يحج رجلاً كان أو امرأة. ومنه: "لا صرورة في الإسلام" بمعنى التبتل والترهب. وسمي الأسير مصرورًا لجمع يديه إلى عنقه.
ص ر ط:
قوله: ﴿الصراط﴾ قد تقدم الكلام عليه في باب السين لأنها أصلية والصاد بدل عنها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
ص ر ع:
قوله تعالى: ﴿فترى القوم فيها صرعى﴾ [الحاقة: ٧] جمع صريع، وهو من أصابه داء صرعه أي ألقاه. يقال: صرعته أصرعه صرعًا. قال الشاعر: [من الرجز]
٨٧٠ - يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
стр. 847
وفي المثل: "وقع المصطرعان عدلي عير". وصارعته فصرعته. وفي الحديث: "ما تعدون الصرعة فيكم؟ " هو الرجل الحليم في هذا الحديث وفي غيره هو الذي يصرع من قاومه. ويستوي فيه الواحد والجمع. يقال: رجل صرعة -بتحريك العين- وقوم صرعة. والصرعة: بفتح الفاء وسكون العين، حالة المصروع. والصراعة: حرفة المصارع كالخياطة. وقيل: أصل الصرع الطرح. وأصاب المجنون صرع لأنه يطرح غالبًا. وهما صرعان كقولهم: قرنان. ومصراعا الباب على التشبيه بالمتصارعين. وبمصراعي الباب شبه المصراعان من الشعر، ولذلك سمي بيتًا.
ص ر ف:
قوله تعالى: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون﴾ [الأعراف: ١٤٦] أي سأنحى وأعدل بهم عنها. يقال: صرفه عن كذا: إذا عدل به عنه ونحاه. وقيل: وأصل الصرف رد الشيء من حالة إلى حالة وإبدال غيره به. وقيل: هو التقليب والتحويل. ومنه قوله تعالى: ﴿وتصريف الرياح﴾ [البقرة: ١٦٤] أي تقليبها من جهة إلى أخرى تكون شمالاً فتصير جنوبًا ثم دبورًا ثم نكباء. وتصريف الدراهم من ذلك. والتصريف الاصطلاحي من ذلك لأنه يقلب اللفظ من بينةٍ إلى بينةٍ نحو: ضاربٍ ومضروبٍ وضرابٍ، كما هو محقق في موضعة. وصريف الباب والبكرة: أصواتهما عند حركتهما، وحقيقة ذلك أن هذا الصوت يظهر عند تصريفهما أي ترديدههما وتقليبهما وقال النابغة: [من البسيط]
٨٧١ - له صريف صريف القعو بالمسد
أي لبابها صوت كصوت البكرة على البئر. وقد بينّا وجه ذلك في شرح القصيدة متصرفًا في أحد الأقوال لأن فيه ما يشبه الصرف وهو التنوين. قوله تعالى: ﴿ثم انصرفوا﴾ -أي ذهبوا- ﴿صرف الله قلوبهم﴾ [التوبة: ١٢٧] يجوز أن يكون خبرًا أي فعل بهم ذلك فأخبر به، وأن يكون دعاء. قوله: ﴿فما تستطيعون صرفًا ولا نصرًا﴾
стр. 848
[الفرقان: ١٩] أي لا يقدرون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب أو أن يصرفوا أنفسهم عن النار أو أن يصرفوا الأمر من حالٍ إلى حالٍ في التعبير. وقيل: الصرف: الحيلة. وعن مكحولٍ في قوله ﵊: "لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً"؛ الصرف: التوبة، والعدل: الفدية: وقال غيره: الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة. قوله: ﴿ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ [الكهف: ٥٣] أي معدلاً. وأنشد لأبي كبيرٍ الهذلي: [من الكامل]
٨٧٢ - أزهير هل عن شيبةً من مصرف؟
قوله: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] أي أقبلنا بهم إليك وإلى الاستماع منك.
والصريف: اللبن إذا سكنت رغوته، كأنه صرف الرغوة عن نفسه أو صرفت عنه. وقيل: هو اللبن ساعة يحلب، كأنه صرف به عن الضرع. ومنه حديث الغار: "في رسلها وصريفها". ورجل صيرف وصيرفي وصراف: يعرف جيد الدراهم من رديئها. قال الشاعر. [من البسيط]
٨٧٣ - تنفي يداها الحصا في كل هاجرةٍ ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
أشبع في اللفظين أي الدراهم والصيارف؛ سمي بذلك لأنه يقلبها ويديرها ليعرفها. قوله تعالى: ﴿وكذلك نصرف الآيات﴾ [الأنعام: ١٠٥] أي نبينها تبيين من يقلب الشيء. هذا إن أريد بها آيات القرآن وإن أريد بها ما أرسله من الآيات والدلالات. فالتصريف على حاله أي يشيعها ويقلبها ويرددها بين الناس، إما بالمشاهدة وإما بالسماع ليرتدعوا. ويقال: عنز صارف كأنها صرفت إلى نفسها، يراد بها الحائل. والصرف:
стр. 849
صبغ أحمر خالص، فمن ثم سمي صرفًا؛ ويقال لكل خالصٍ عن غيره: صرف؛ كأنه صرف عما يشوبه. والصرفان: الرصاص، قيل: سمي بذلك كأنه صرف [عن] أن يبلغ قيمة الفضة. قالت الزباء: [من الرجز]
٨٧٤ - ما للجمال مشيها وئيدا؟ ... أجندلاً يحملن أم حديدا؟
٨٧٥ - أم صرفانًا باردًا شديدًا؟ ... أم الرجال جثمًا قعودا؟
ص ر م:
قوله تعالى: ﴿فأصبحت كالصريم﴾ [القلم: ٢٠]؛ قيل: كالليل، يعني أنها احترقت فاسودت فشبهت بالليل. قيل: وهو من الأضداد. وحققه بعضهم بأن كلا من الليل والنهار يتصرم من صاحبه، أي منسلخ؛ فكل منها صريم لذلك، ويقال لهما الأصرمان، لأن كلا منهما يتصرم من صاحبه. والأصرمان أيضًا الذئب والغراب لانصرامهما، أي انعزالهما عن الناس. وقيل: كالصريم، أي الذي صرم حمله، أي ذهب به. فهو فعيل بمعنى مفعول. والصرم والصرم -بالضم والفتح- القطيعة؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل]
٨٧٦ - أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وفي الحديث: "فتقول: هذه صرم" هو جمع الصريم، وهو ما قطع أذنه، أي قطع وصرم وصلم بمعنى واحد. وفيه أيضًا ... واحده وهو الصيرم بمعنى فتنةٍ قاطعةٍ وهو فيعل من الصرم. ومن ذلك الصارم وهو الماضي من السيف القاطع. وناقة مصرومة: لا لبن لها كأنها قطع ثديها فلا يخرج لبنها. أنشد: [من البسيط]
٨٧٧ - ورد جازرهم حرفًا مصرمة ... ولا كريم من الولدان مصبوح
стр. 850
والصريم أيضًا: قطعة منفردة من الرمال. ويقال الصريمة أيضًا؛ قال الشاعر: [من البسيط]
٨٧٨ - وبالصريمة منهم منزل خلق ... غافٍ تغير إلا النؤي والوتد
قوله: ﴿ليصرمنها﴾ [القلم: ١٧] أي ليقطعن ثمرها وليجذنه وقت الصباح. وفي التفسير قصة. وانصرمت السنة، وانصرم العمر وأصرم كناية عن سوء الحال.
فصل الصاد والطاء
ص ط ر:
قوله تعالى: ﴿لست عليهم بمصيطرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢ ي أي بوكيلٍ يصيطر عليه إذا توكل به. وكذا قوله: ﴿أم هم المصيطرون﴾ [الطور: ٣٧]. وأصله من السطر والتسطير وهو الكتابة، لأنها أصل الضبط، وأصله السين، وقد قرئ بهما. فقوله: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾ أي موكل بأن يكتب عليهم. ويثبت ما يقولونه. وقوله: ﴿أم هم المصيطرون﴾ أي هم الذين تولوا كتابة ما قدر قبل أن يخلق، إشارةً إلى قوله: ﴿إن ذلك في كتابٍ﴾ [الحج: ٧٠]. وقوله: ﴿في إمامٍ مبينٍ﴾ [سبا: ٣] وهذا قد تقدم في باب السين فأغنى عن إعادته، وظاهر كلام الراغب أنها أصلان؛ فإنه قال: سطر وصطر واحد، وليس كذلك بل السين الأصل.
فصل الصاد والعين
ص ع د:
قوله تعالى: ﴿إذ تصعدون﴾ [آل عمران: ١٥٣] الصعود: الذهاب في المكان
стр. 851
العالي. والصعود والحدور بالفتح أيضًا. قال الراغب: هما بالذات واحد وإنما يختلفان بحسب الاعتبار بمن يمر فيهما فمتى كان المار صاعدًا يقال لمكانه صعودًا، وإذا كان منحدرًا يقال لمكانه حدورًا. الصعد والصعود والصعيد في الأصل واحد، لكن الصعد والصعود يقالان للعقبة، ويستعار لكل شاق، قال تعالى: ﴿يسلكه عذابًا صعدًا﴾ [الجن: ١٧] أي شاقًا. وقوله: ﴿سأرهقه صعودًا﴾ [المدثر: ٧٤] أي عقبة كؤودًا. يروى أنه كما صعد أعلاها تقطعت يداه ورجلاه فيهرول منها إلى أسفلها، ثم تثبت يداه ورجلاه، ولا يزال يعذب بذلك، والصعيد يقال لوجه الأرض. وقيل: بل هو الغبار الصاعد من وجهها، ولذلك يشترط في التيمم أن يعلق بيده غبار. وأما الإصعاد فقد قيل: هو الإبعاد في الأرض سواء كان في صعود أو حدورٍ، وإن كان أصله من الصعود وهو الارتقاء نحو تعال، فإنه في الأصل الدعاء من مكانٍ مستقلٍ إلى مكانٍ عالٍ. ثم قيل في الجيل. وقيل: المراد مجرد الذهاب. وقيل: لم يقصد الإبعاد في الأرض. وإنما أشار إلى علوهم فيما تحروه وأتوه كقولهم: أبعدت في كذا، وارتقيت فيه كل مرتقى. فكأنه قال: إذا بعدتم في استشعار الخوف والاستمرار على الهزيمة. وقرئ: ﴿تصعدون﴾ -بضم التاء- على مجرد الذهاب -وبفتح التاء والعين- على معنى الارتقاء في الجبل والتوغل فيه فرارًا من العدو، الظاهر أن القراءتين بمعنى احدٍ على ما قدمناه.
قوله: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥] قرئ بالتثقيل والتخفيف، وهذا مثل لشدة الأمر وضيق العطن، كقولهم: يتنفس الصعداء إلى فوقٍ. واصل يصعد يتصعد فأدغم. قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] استعارة لما يصل من
стр. 852
العبد من الخيرات والبركات. وتصعد في كذا: شق علي. ومنه قول عمر ﵁: "ما تصعد لي أمر ما تصعدني خطبة النكاح". قوله: ﴿صعيدًا زلقًا﴾ [الكهف: ٤٠] الصعيد: الطريق لا ثبات به، وكذلك الرلق فهما كقوله: ﴿عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة: ١٥٧]. والظاهر أن الزلق: ما لا تثبت فيه الأقدام لما فيه من الوحل.
ص ع ر:
قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾ [لقمان: ١٨] أي لا تمل به تكبرًا عليهم. يقال: صعر خده ولوى جيده، وثنى عطفه، ونأى بجانبه أي تكبر. وقرئ: ﴿تصاعر﴾ وهما لغتان؛ صعر وصاعر: وأصله من الصعر، وهو ميل في العنق. وقيل: داء يصيب البعير في عنقه فيلتوي. ويقال فيه الصيد أيضًا، أي لا تلزم خدك الصعر. وفي الحديث: "يأتي على الناس زمان ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر أو معرض بوجهه تكبرً" يعني رذالة الناس. وفيه: "كل صعارٍ ملعون" أي كل ذي أبهةٍ وكبرٍ.
ص ع ق:
قوله تعالى: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ [النساء: ١٥٣] قيل: هي صوت الرعد الشديد الذي يصعق منه الإنسان، أي يغشى عليه. يقال: صعقتهم الصاعقة، وأصعقتهم فصعقوا وصعقوا. وقيل في الأصل مصدر على فاعله كالعاقبة. وقال بعض أهل اللغة: الصاعقة على ثلاثة أوجهٍ: الموت كقوله تعالى: ﴿فصعق من في السماوات﴾ [الزمر: ٦٨]. والعذاب كقوله تعالى: ﴿فقل أنذرتكم صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود﴾ [فصلت: ١٣]. قلت: وذلك أن عادًا أهمكت بالريح وثمود بالرجفة، فسمى ذلك
стр. 853
صاعقةً، والنار كقوله تعالى: ﴿ويرسل الصواعق﴾ [الرعد: ١٣]. قال الراغب: ما ذكره فهو أشياء متولدة من الصاعقة؛ فإن الصاعقة هي الصوت الشديد من الجو، ثم يكون منه نار فقط أو عذاب أو موت، وهي في ذاتها شيء واحد. وهذه تأثيرات منها. وقرئ: ﴿الصاعقة﴾ فقيل منها، وأنشد لابن أحمر: [من الطويل]
٨٧٩ - ألم تر أن المجرمين أصابهم ... صواقع لا بل هن فوق الصواعق
ونسبها الفراء لتميمٍ. فعلى هذا ليست مقلوبة. وقال الراغب: الصاعقة والصاقعة يتقاربان وهما الهدة الكبيرة، إلا أن الصقع في الأجسام الأرضية، والصعق في الأجسام العلوية. قال بعضهم: وجملة الصاعقة الصوت مع النار. وأنشد لبيد يرثي أخاه، وكان قد أصابته صاعقة فقتلته: [من المنسرح]
٨٨٠ - فجعني الرعد والصواعق بالـ ... ـفارس يوم الكريهة النجد
وقيل: هي كل عذاب مهلك. وقيل: هي الموت وإن اختلفت أسبابها من ريحٍ أو نارٍ أو صوتٍ أو غير ذلك. قوله: ﴿وخر موسى صعقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أي لحقته غشية بدليل: ﴿فلما أفاق﴾ [الأعراف: ١٤٣] وهو نوع من الإغماء، والإغماء جائز على الأنبياء لأنه من بعض الأمراض بخلاف الجنون.
فصل الصاد والغين
ص غ ر:
قوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩] أي أذلاء قماء. والصغار: الذلة. قال تعالى: ﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال الشافعي: معنى الصغار أن يعلو حكم الإسلام حكم الشرك. يقال: صغر صغارًا أي ذل، وصغر ضد كبر، فوقع الفرق بالمصدر. والصاغر: الراضي بالمنزلة الدنية. وعليه حمل قوله: ﴿وهم صاغرون﴾. والصغر والكبر من الأسماء المتضادة المقولة عند اعتبار بعضها ببعضٍ؛
стр. 854
فالشيء قد يكون صغيرًا في جنب شيءٍ وكبيرًا في جنب آخر. وقد يقال تارة باعتبار الزمان. فيقال: فلان صغير لمن قل زمان عمره، وفلان كبير لمن كبر وإن كان جرمه أقل تارةً باعتبار الجرم وتارةً باعتبار القدر والمنزلة.
قوله: ﴿وكل صغيرٍ وكبيرٍ مستطر﴾ [القمر: ٥٣]. وقوله: ﴿لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً﴾ [الكهف: ٤٩] ﴿ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾ [يونس: ٦١]. كل ذلك من القدر والمنزلة في الخير والشر من اعتبار بعضها ببعضٍ. وفي الحديث: "المرء بأصغريه، إن قال قال بجنان وإن تكلم تكلم ببيان عن القلب واللسان".
ص غ و:
قوله تعالى: ﴿ولتصغى إليه أفئدة﴾ [الأنعام: ١١٣] أي ولتميل إليه قلوب. والصغو: الميل: يقال صغت الشمس والنجوم صغوًا: مالت للغروب. وصغيت الإناء وأصغيته: أملته. وقد أصغيت إلى فلانٍ بسمعي [نحوه]. وحكي: صغوًا، وصغيت أيضًا وأصغيت أصغي. وصاغية الرجل: الذين يميلون إليه، ويكنى بذلك عن قلة الحظ؛ فيقال: فلان مصغي إناؤه. وقد يكنى به عن الهلاك أيضًا. وفي الحديث: "يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة" أي خاصته والمائلون إليه. وعين صغواء إلى كذا. أي مائلة. والصغي: ميل في الحنك والعين. وفيه أيضًا: "وكان يصغي لها الإناء" أي يميله. ويقال: صغى يصغى وصغى يصغي. فالمادة يجوز أن تكون من الواو ومن الياء لأنه قد سمع فيها الحرفان. وقد ذكر الراغب اللغتين، ولم يذكرهما الهروي إلا في مادة الياء.
فصل الصاد والفاء
ص ف ح:
قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنك الذكر صفحًا﴾ [الزخرف: ٥] أي إعراضًا، والمعنى
стр. 855
أفنعرض عنك إعراضًا فلا ندعوكم؟ يقال: صفحت عنه أي أعرضت، وأصله من أوليته صفحة وجهي وصفحة عنقي؛ لأن المعرض يولي المعرض عنه ذلك، لأن صفح الشيء وصفحته: عرضه، كصفحة السيف والوجه والحجر. وصفحت عنه، أي أعرضت عن ذنبه. والصفح: ترك التأنيب، وهو أبلغ من العفو؛ فقد يعفو الإنسان ولا يصفح. فصحفت عنه: أوليته مني صفحة جميلةً معرضًا عن ذنبه. ولقيت صفحته متجافيًا عنه، أو تجاوزت الصفحة التي أثبت فيه ذنبه من الكتاب إلى غيرها، من قولك: تصفحت الكتاب. فصفحًا مصدر من معنى "أفنضرب" أو بمعنى اسم الفاعل، ونصبه على الحال أي صافحين معرضين. والصفوح: هي التي تريك أحد صفحتي وجهها دلالاً وتحببًا. قال كثير: [من الطويل]
٨٨١ - صفوح فما تلقاك إلا بخيلةً ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت
قوله: ﴿فاصفح عنهم﴾ [الزخرف: ٨٩] أمر له بالمجاملة، وهذا ونحوه قيل: هو منسوخ. والظاهر أنه محكم لأن هذا خلقه ﵊. وأما القتال فذاك لأجل الإسلام، ولا تنافي بينهما حتى يقال: نسخ أحدهما الآخر. قوله: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ [الحجر: ٨٥] هو الإحسان إلى من أساء، وإلا فالصفح الذي يراد به ترك التأنيب والمعاقبة كافٍ في ذلك.
ص ف د:
قوله تعالى: ﴿مقرنين في الأصفاد﴾ [إبراهيم: ٤٩] هي القيود، الواحد صفد، ويقال: صفد وصفاد. وقيل: هي الأغلال. والصفد: العطية أيضًا، وذلك على تخييلهم أن النعمة قيد للمنعم عليه. ومن ثم قالوا: أنا مغلول أياديك، وأسير نعمتك. وقال علي ﵁: "غل يدٍ أنت مطلقها". إلا أنه يقال: صفدته وصفَّدته -مخففًا ومثقلاً- قيدته في الحديد وبالحديد. وأصفدته -بالألف-: بمعنى أعطيته. وأنشد للأعشى: [من الطويل]
٨٨٢ - وأصفدني على الزمانة قائدًا
стр. 856
وجمع الصفد أصفاد، قيل: وأصفد وصفد أيضًا. وفي الحديث: "إذا جاء شهر رمضان صفدت الشياطين" أي غلت.
ص ف ر:
قوله تعالى: ﴿بقرة صفراء﴾ [البقرة: ٦٩] هو تأنيث الأصفر. والصفرة: لون معروف. وقيل في قوله: ﴿جمالات صفر﴾ [المرسلات: ٣٣] وفي "الصفراء" إنه السواد، وأنشد للأعشى: [من الخفيف]
٨٨٣ - تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب
وحضرت يومًا درس الشيخ فأوردت البيت متعجبًا من استشهاد الزمخشري وغيره به على ذلك. وقلت: أليس من الزبيب ما هو أصفر؟ فقال: صدقت، ولكن الغالب في الزبيب السواد، حتى إن بعض البلاد لا يكون فيها إلا كذلك. وقوله: ﴿فاقع﴾ [البقرة: ٦٩] هذا تابع لا معنى له غير ذلك؛ يقال: أصفر فاقع، أي خالص، وأسود حالك وحائل، وأبيض يقق، وأحمر قانٍ، وأخضر ناصع، وأزرق حطباني، كل ذلك بمعنى الخلوص. وقال الراغب: الصفرة بين السواد والبياض، وهي إلى البياض أقرب، ولذلك قد يعبر عنها بالسواد. وقال الحسن: سوداء شديدة السواد. قال بعضهم: لا يقال في السواد: فاقع. قوله: ﴿كأنه جمالات صفر﴾ هو جمع أصفر [وليبيس البهمى] صفار. والصفير للصوت الكائن من الأشياء الخالية. قيل: ومن هذا صفر الإناء، أي خلا، إذا خلا سمع منه صفير من أجل الهواء، ثم صار متعارفًا في كل خالٍ من الأبنية وغيرها. وفي الحديث: "إن يدهما صفراء" أي فارغتين.
وفي الحديث: "لا صفر ولا هامة ولا عدوى" الصفر: تزعم العرب أنه حية في
стр. 857
البطن إذا حصلت جاع الإنسان، فإذا جاع آذته. نزعم أنها تعدي. والهامة تزعم العرب أن القتيل إذا قتل خرج منه طير يرفرف عليه ويقول: اسقوني اسقوني، حتى يؤخذ بثأره فيسكن. والعدوى: أن يصيب الإنسان مثلما بالمبتلى. فنفى الشارع ذلك كله، فإن المقادير بكف الإله. قال بعض الحكماء: سمي [خلو] الجوف والعروق من الغذاء صفرًا. ولما كانت تلك العروق الممتدة من الكبد إلى المعدة إذا لم تجد غذاءًا امتصت أجزار المعدة، اعتقدت جهلة العرب أن ذلك حية في البطن تعض الشراشيف، وعلى ذلك قال شاعرهم: [من البسيط]
٨٨٤ - ولا يعض على شرسوفه الصفر
وصفر: علم لشهرٍ، سمي بذلك لخلو بيوتهم من الزاد، والصفري من النتاج: ما يكون في ذلك الوقت. وقيل: صفر لما كانوا يفعلونه من النسيء؛ يؤخرون المحرم إلى صفر. وفي الحديث: "صفرة في سبيل الله" أي جوعة، من الخلو. وفي حديث أم زرعٍ: "صفر ردائها وملء كسائها وغيط جارتها" أي ضامرة البطن سمينة، إذ رأتها جارتها غاظها حسنها، وفي الأضاحي: "نهى عن المصفرة" والمصفرة أي المستأصلة الأذن لخلو صماخها من الأذن. وقيل: المهزولة، لصفرها من السمن وقيل لأبي جهلٍ: "يا مصفر استه" رماه بالأبنة. وقيل: يا مضرط نفسه، مأخوذ من الصفير، وهو صوت الضراط.
ص ف ف:
قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ [الفجر: ٢٢] الصف: جعل الشيء
стр. 858
على خط مستوٍ كالناس والأشجار، والمعنى صفًا بعد صف، فلا يراد به واحدًا أبدًا. ولهذا كان قول من قال: إن "صفا" الثاني تأكيد لفظي ساقط كما بيناه في غير هذا. قوله: ﴿وعرضوا على ربك صفًا﴾ [الكهف: ٤٨] أي صفًا واحدًا، ولا يتوارى منهم واحد خلف آخر، كقوله: ﴿يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء﴾ [غافر: ١٦]. قوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا﴾ [الصف: ٤] يحتمل أن يكون مصدرًا، وأن يكون بمعنى الصافين. وكذا قوله تعالى: ﴿ثم ائتوا صفًا﴾ [طه: ٦٤] أي صافين. ومعنى المصدرية أن يتناول الفعل قبله به كأنه قيل: يصطفون في القتال صفًا. وقيل: "ثم ائتوا صفًا" أي الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم. قال الأزهري: يقال: أتيت الصف. أي أتيت الصلاة. قال: ويجوز أن يكون: ثم ائتوا مصطفين، ليكون أنظم لكم وأشد لكم وأشد لهيبتكم.
قلت: لو أراد موضع الصلاة لقال للصف لأنه مكان معين. قوله: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفًا﴾ [النبأ: ٣٨] قيل: الروح بعينه يقف وحده، وتقف الملائكة كلهم أمامه فيساويهم ويسامتهم لعظم خلقه. وقيل: الروح جبريل نص عليه لشرفه. قوله تعالى: ﴿والصافات صفًا﴾ [الصافات: ١] قيل: هم الملائكة، وهذا هو الظاهر لقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وإنا لنحن الصافون﴾ [الصافات: ١٦٥] وذلك لاصطفافهم في عبادة الله من ركوعٍ وسجودٍ وتسبيحٍ وتقديسٍ. وقيل: هم المقاتلة في سبيله صفًا. وقيل: هم المصلون من المسلمين. وقيل: هي الطير لصف أجنحتها. قال تعالى: ﴿أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافاتٍ ويقبض﴾ [الملك: ١٩] أي وقابضاتٍ.
قوله: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ [الحج: ٣٦] أي مصطفةً، يعني بدن الهدي والضحية لأنه أعظم في القربة، وذلك أن تعقل وتصف فتنحر. كان ابن عمر يفعل ذلك، ومن ثم قرئ ﴿صوافن﴾ أي قائمة على ثلاثٍ، وسيأتي. وقرئ ﴿صوافي﴾ أي خاصةً لله لا كما كان المشركون يفعلون. والجمع صفوف. وفي
стр. 859
الحديث: "لتسون صفوفكم" يعني في الصلاة. والصفيف: اللحم المصفوف؛ إما لتقديده وإما لشيه. ومنه حديث ابن الزبير: "كان يتزود صفيف الوحش وهو محرم"، أي قديدها. وقال امرؤ القيس: [من الطويل]
٨٨٥ - فظل طهاة اللحم ما بين منضجٍ ... صفيف شواءٍ أو قديدٍ معجل
يقال: صففت اللحم أصفه صفًا، أي جعلته صفًا واحدًا. والصفة: ما يرفتع في جانب البيت، ومنه: أهل الصفة لناحيةٍ كانت في المسجد يأوى إليها المساكين. وصفة السرج تشبيهًا بها في الهيئة. والصفوف: الناقة التي تصف رجليها عند الحلب. وقيل: التي تكون بين محلبين. قوله: ﴿قاعًا صفصفًا﴾ [طه: ١٠٦] هو المستوي من الأرض؛ قيل: كأنه على صف واحدٍ. وقيل: هو الخالي المستوي من الأرض.
ص ف ن:
قوله تعالى: ﴿إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد﴾ [ص: ٣١] أي الخيل القائمات. يقال: صفن الفرس، أي قام. وأهل اللغة يقولون: أ، يثني الفرس إحدى يديه أو رجليه فيقف على ثلاثٍ، وهو أجود الخيل، وأنشد: [من الكامل]
٨٨٦ - ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا
وقيل: هو قيامها مطلقًا، ومنه الحديث: "قمنا خلفه صفونا" أي صافين أقدامنا. وفي حديثٍ آخر: "من سره أن يقف الناس له صفونا" أي مصطفين قيامًا. وقرئ "صوافن" وقد تقدم تفسيره. والصافن أيضًا: عرق في الصلب يجمع نياط القلب. وأصل الصفن الجمع بين شيئين ضامًا بعضهما إلى بعض، ومنه تقدم من صفون الناس
стр. 860
لجمعه قوائمه. ومنه الصفن -بضمن الصاد وفتحها- لخريطةٍ تكون مع الراكب فيها زاده وأداته. ومنه حديث عمر: "حتى يأتي الراعي حقه في صفنه". وصفن ثيابه: جمعها. والصفنة: السفرة المجموعة بخيطٍ.
ص ف و:
قوله تعالى: ﴿وأنهار من عسلٍ مصفى﴾ [محمد: ١٥] أي خالص مما يشوبه. والصفو: الخلوص، ومنه الاصطفاء افتعال من الصفو، وهو تناول صفو الشيء كالاختيار: تناول خيره، والاجتباء: تناول جبايته. وصفي الغنم: ما يصطفيه الإمام لنفسه فيخلص له. قال الشاعر: [من الوافر]
٨٨٧ - لك المرباع منها والصفايا
قوله: ﴿إن الصفا والمروة﴾ [البقرة: ١٥٨] هما موضعان معروفان بمكة، شرفها الله تعالى. وأصل الصفا الحجر الأملس؛ سمي بذلك لخلوصه مما يشوبه. ومثله الصفوان في قوله تعالى: ﴿كمثل صفوانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] الواحدة صفوانة. واليوم الصفوان: الصافي الشمس الشديد البرد. وأصفى الحافر: بلغ الصفا، كقولهم: أكدى أي بلغ كدية. قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس﴾ [الحج: ٧٥] قيل اصطفاؤه تعالى لبعض عباده قد يكون بإيجاده صافيًا من الشوب الموجود في غيره، وقد يكون باختياره وحكمه وإن لم يتعر ذلك من الأول. ويقال للناقة أو الشاة الغزيرة اللبن وللنخلة الكثيرة الحمل صفية. وبنو فلانٍ مصفون، أي لهم صفايا من ذلك.
قوله: ﴿اصطفى البنات على البنين﴾ [الصافات: ١٥٣] هذا إنكار عليهم قالوا: الملائكة بنات الله؛ يقول: اختار أخس النوعين عندكم وخصكم بأشرفها.
стр. 861
فصل الصاد والكاف
ص ك ك:
قوله تعالى: ﴿فصكت وجهها﴾ [الذاريات: ٢٩] أي لطمته. ويقال: إنه ضرب الوجه بأطراف الأصابع تفعله النساء. وفي الحديث: "كان يستظل بجفنة عبد الله بن جدعان صكة عمي". هذا اللفظ صار علمًا على الهاجرة وشدة القيظ في وسط النهار. ومنه: لقيته صكة عمي. وعمي تصغير أعمى ترخيمًا. والأصل في ذلك -والله أعلم- أن الإنسان في هذا الوقت يظلل على عينيه لينظر في الفلاة فيضع يده على جبهته، فكأنه صك وجهه وجعل قريبًا من الأعمى، ولذلك صغروه ولم يصغروه كاملاً بل محذوفًا منه منبهةً على ذلك.
فصل الصاد واللام
ص ل ب:
قوله تعالى: ﴿يخرج من بين الصلب والترائب﴾ [الطارق: ٧] يعني أن الماء الذي يخلق منه الإنسان هذا مقره صلب الرجل، وترائب المرأة وهي عظام صدرها، تنبيه على ذلك حتى لا يتكبر، فعكس أكثر الناس ذلك. ولولا الأنبياء ومن وفقه الله لقلب كل الناس. وأصل الصلب هو الشيء الشديد. والصلابة: الشدة. ومنه صلب الرجل وهو ظهره، ولقوته قالوا: ظاهره إذا عاونه كأنه ساعده بأقوى مافيه وأشده. قوله: ﴿الذين من أصلابكم﴾ [النساء: ٢٣] قيل: إنما قال ذلك تنبيهًا أن الولد جزء من والده. والصُّلْبُ والصَّلَبُ والصالب بمعنى واحدٍ؛ لغات ثلاث. قال العباس ﵁ يمدح رسول الله ﷺ : [من المنسرح]
٨٨٨ - تنقل من صالبٍ إلى رحمٍ ... إذا مضى علم بدا طبق
قيل: وسمي الظهر صلبًا لأنه يخرج منه ما يشبه الصليب وهو الودك، منه سمي المصلوب مصلوبًأ لما يسيل من ودكه عند صلبه. وأنشد لعلقمة بن عبدة يصف فلاة:
стр. 862
[من الطويل]
٨٨٩ - بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
وسمي المصلوب بذلك لأنه يشد صلبه على الخشب غالبًا. وفي الحديث: "لما دخل مكة أتاه أصحاب الصلب" هم قوم يجمعون العظام بعد أكل لحمها، فيطبخونها ليخرج صليبها فذلك هو الصلب والاصطلاب. وثوب مصلب: عليه صور الصليب، وهو الخشب الذي يصلب عليه. ومن ثم عظمت النصارى هذه الهيئة لأنهم يزعمون -وقد كذبوا- أن عيسى صلب عليه. والصالب من الحمى: ما يسيل ودك المحموم أو ما يكسر صلبه. وصلبت السنان: شحذته بالصلبية؛ وهي حجارة المسن، لصلابتها.
ص ل ح:
قوله تعالى: ﴿وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] أي المسلمين العاملين بما أمروا به ونهوا عنه. وزادوا على ذلك بنوافل. والصلاح ضده الفساد، ويختصان في غالب أحوال الاستعمال بالأفعال. وقد قوبل في التنزيل تارةً بالفساد وتارةً بالسيء. قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [البقرة: ١١]. وقال تعالى: ﴿خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] وإصلاح الله تعالى بعض عباده يكون تارةً بخلقه إياه كذلك، وأخرى بإزالة ما فيه من الفساد. وأخرى بالحكم له بذلك.
قوله: ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ [يونس: ٨١] لأن أعمالهم تضاد ذلك. قال الراغب: أي المفسد يضاد الله في فعله لأنه يفسد، والله تعالى يتحرى في جميع أفعاله الصلاح، فهو لا يصلح عمله. وفي عبارته غلظة. وقيل: لا يوفقهم لعمل الصلحاء. قوله: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨] غلب الصلح على المودة بين الناس وإزالة ما بينهم من الضغائن، والإصلاح فعل ذلك؛ قال تعالى: ﴿أو إصلاح بين الناس﴾ [النساء: ١١] والصلح في الفقه نوع من ذلك، لأن فيه إزالة خصومةٍ بترك بعض الحق. قوله: ﴿وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١] أي اجعلني منهم بأن أحشر في زمرتهم
стр. 863
لأنك تتولاهم، ومن توليته فلا سعادة له أعظم من ذلك. قوله: ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ [الأنبياء: ٩٠] أي خلقًا وخُلُقًا. وقيل: من العقر، ألا ترى قوله: ﴿وكانت امرأتي عاقرًا﴾ [مريم: ٥]. قوله: ﴿من عبادنا صالحين﴾ [التحريم: ١٠] وصفهما بأجمل الصفات لأن الصلاح يشمل أمور الدنيا والآخرة.
وصالح النبي المشهور من ذلك. وصلاح: علم لمكنى مبني على الكسر كحذام وقطام. وهذه لغة الحجاز، ولغة تميمٍ إعرابه غير منصرفٍ. وقد جمع بين اللغتين من قال: [من الوافر]
٨٩٠ - إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وقال الحارث بن أمية يذكر مكة، شرفها الله تعالى بهذا الاسم: [من الوافر]
٨٩١ - أبا مطرٍ هلم إلى صلاحٍ ... فتكفيك الندامى من قريش
وتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطرٍ هديت بخير عيش
وتكسن بلدةً عزت لقاحًا ... وتأمن أن يزورك رب جيش
قال الهروي: قرأت في شعر الدريدي في مفاخرةٍ: [من الكامل]
٨٩٢ - منا الذي بصلاح قام مؤذنًا ... لم يستكن لتهددٍ وتنمر
قال: يعني خبيب بن عدي. قلت: يشير إلى قتله وصلبه ﵁ حين قتله المشركون بمكة وصلبوه، شبهه بالمؤذن.
стр. 864
ص ل د:
قوله تعالى: ﴿فتركه صلدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي نقيًا. وأصله الحجر الصلب، وهو الذي لا ينبت شيئًا. ومنه: رأس صلد، أي لا ينبت شعرًا. وناقة صلود ومصلاد: قليلة اللبن. وفرس صلود: لا يعرق. وصلد الزند: لا يخرج ناره، وعود صلد: لا يقدح نارًا.
ص ل ص ل:
قوله تعالى: ﴿من صلصالٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. الصلصال: الطين اليابس الذي له صوت وصلصلة. وأصل الصلصلة، تردد الصوت من الشيء اليابس. ومنه: صل المسمار وصلصل. والصلصلة: بقية الماء أيضًا، سميت بذلك لحكاية صوت حركته في المزادة. وقيل: الصلصال: المنتن المتغير، من قولهم: صل اللحم، وصلل وأصل. والأصل صلال فأبدل الثانية من جنس فاء الكلمة تخفيفًا. وقد قرئ: ﴿أئذا صللنا في الأرض﴾ [السجدة: ١٠] بالمهملة، أي أنتنًا وتغيرنا. وفي الحديث: "كل ما ردت عليك قوسك ما لم تصل" أي تنتن، وقيل: الصلصال: ما لم يطبخ بالنار، فإذا طبخ فهو فخار.
ص ل و:
قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٣]. الصلاة لغوية وشرعية؛ فاللغوية: الدعاء؛ قال الأعشى: [من البسيط]
٨٩٣ - تقول بنتي، وقد قربت مرتحلاً ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... يومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال آخر: [من الطويل]
стр. 865
٨٩٤ - لها حارس لا يبرح الدهر ينهها ... وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
وأما الشرعية فذات الأركان المعلومة، وهي مشتقة من ذلك، لأنها مشتملة على الدعاء؛ وهذا عند من لم يثبت أسماء شرعية. وفي الحديث: "إذا دعي أحدكم إلى طعامٍ فليجب فإن كان صائمًا فليصل" أي ليدع. وقيل: هي مشتقة من الصلوين؛ عرقين: لأن المصلي يحركهما عند حركته فيها. ومنه المصلي في حلبة السباق، لأنه يضع رأسه عند صلوي السابق. قال الشاعر: [من البسيط]
٨٩٥ - إن ينتدب غاية يومًا لمكرمةٍ ... تلقى السوابق منا والمصلينا
ومن كلام علي ﵁: "سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكرٍ". وقيل: هي مشتقة من الصلاء، وهو النار لأنه إذا فعل هذه العبادة فقد درأ عن نفسه الصلاء، وهذا مردود بأن تلك مادة أخرى كما سيأتي. ويقال: الصلاة من الله تعالى لعبادة تزكية لهم وبركة عليهم. ومن الملائكة استغفار، ومن الناس الدعاء وهذه العبادة. وقد أتقنا الكلام على هذه المادة وما قيل فيها بأطول من هذا، وذكرنا شواهدها في "الدر".
قوله تعالى: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات﴾ [الحج: ٤٠] قيل: هي كنائس اليهود يصلون فيها. وقيل: هي الصلوات، وذلك على حذف مضافٍ أي مواضع صلواتٍ. قيل: وكل موضعٍ مدح الله تعالى فعل الصلاة أو حث عليه. وذكر ذلك [بلفظ] الإقامة تنبيهًا أن المقصود من فعلها توفية حقوقها وشرائطها لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا
стр. 866
روي أن المصلين كثير وأن المقيمين لها قليل. وقوله تعالى: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٥] أي غافلون عن استحضارها وإن كانوا فيها؛ فكم من مصل قلبه في معاشه وأذى الناس. وفي التفسير: ما تركوها وإنما أخروها عن وقتها. وكذا قوله: ﴿أضاعوا الصلاة﴾ [مريم: ٥٩] ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ [التوبة: ٥٤] تنبيهًا أن فعلهم لها بتكلفٍ لا عن طواعيةٍ وذلك لما كانوا يصلونه تقيةً واتقاءً لأنفسهم وذراريهم وأموالهم كفعل كثيرٍ من الناس إن فعلوا. قيل: ولم يقل المصلين إلا في المفرطين والمنافقين كقوله: ﴿فويل للمصلين﴾ [الماعون: ٤] ﴿لم نك من المصلين﴾ [المدثر: ٤٣] أي من الذين صلوا إخلاصًا لا نفاقًا. وقيل: من أتباع الأنبياء.
قوله: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١] تنبيه أنه لم يكن ممن يصلي، أي يأتي بهيئتها فضلاً عن إقامته لها. قوله: ﴿وقد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢]. ثم قال: ﴿على صلاتهم يحافظون﴾ [المعارج: ٣٤] ذكرهما بوصفين أحدهما أشرف من الآخر، وهو مخ العبادة الذي هو الخشوع، حتى جعله بعضهم شرطًا في صحتها. ورأى ﵊ رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه". ثم وصفهم بالمحافظة عليها ويدخل تحته أشياء كثيرة بيانها في غير هذا. قوله: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية﴾ [الأنفال: ٣٥] تنبيه على إبطال صلاتهم، وأن فعلهم ذلك لا اعتداد به، بل هم في ذلك كطيورٍ تمكو وتصدي. وقيل: لم يصلوا البتة وإنما جعلوا ذلك بدل صلاتهم كقوله: [من الوافر]
٨٩٦ - تحية بينهم ضرب وجيع
стр. 867
وقد مر مثله. ومثله قوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢].
ص ل ي:
قوله تعالى: ﴿لا يصلاها﴾ [الليل: ١٥] أي لا يدخلها ويلاقي صلاها، وهو حرها وإيقادها. يقال: صليت الشاة: شويتها، فهي مصلية. قال الخليل: صلي الكافر النار: قاسى حرها وقال: صلاة النار، وأصلاه أياها. والصلا -بالفتح- اتقاؤها وإضرامها. وبالكسر النار نفسها. وقيل: يقال في النار نفسها: صلا -بالفتح والكسر- إلا إذا فتحت قصرت، وإذا كسرت مددت. وقرئ قوله: ﴿وسيصلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠] من صلى -ثلاثيًا- وصلى -رباعيًا. وصليت العود بالنار: أدخلته فيها ليقوم. قوله: ﴿أولى بها صليًا﴾ [مريم: ٧٠] قيل هو جمع صالٍ. قوله: ﴿إلا من هو صال الجحيم﴾ [الصافات: ١٦٣] أي الداخل فيها. قال الشاعر: [من الخفيف]
٨٩٧ - لم أكن من جناتها علم اللـ ... ـه وإني لحرها اليوم صال
قوله: ﴿تصطلون﴾ [النمل: ٧] أي تستدفئون بالنار؛ تفتقلون من الصلا. قال الشاعر: [مجزوء الخفيف]
٨٩٨ - ما اصطلى النار مصطلي
فصل الصاد والميم
ص م ت:
قوله تعالى: ﴿أم أنتم صامتون﴾ [الأعراف: ١٩٣] أي ساكتون. يقال: صمت يصمت صمتًا: إذا لم يتكلم. وفي الحديث: "إن من الصمت لحكمة". وأصمت
стр. 868
المريض: اعتقل لسانه. وفي الحديث:)) دخلت عليه يوم أصمت)). وقد أصمت أمامه: أي اعتقل لسانه. وصمته الصبي: ما يسكت [به] كالسكتة. ومنه قيل للتمرة: صمته الصبيان، لأنهم إذا أعطوها سكتوا وصمتوا. وأصمته صمته: إذا قضيت حاجته، وذلك لأنه يسأل حاجته، فإذا قضيت سكت. فجعل ذلك كناية لأنه لازمها وقال الشاهر يذكر حمله: [من الزجر].
٨٩٩ - إنك لا تشكو إلي مصمت ... فصبر علي الحمل الثقيل أو مت.
والصموت: الكثير الصمت.
ص م د:
قوله تعالي: ﴿الله الصمد﴾ [الإخلاص: ٢] هو السند الذي يسند إليه في الأمور، أي يقصد. يقال صمد صمده أي قصد قصده معتمدًا عليه. وقيل: هو الذي ليس بأجوف. قال بعضهم: والذي ليس بأجوف شيئان أحدهما لكونه أدون من الإنسان كالجمادات، والثاني أعلي منه وهو الباري تعالي والملائكة. والقصد الأول بقوله: ﴿الله الصمد﴾ تنبيهٌ إنه بخلاف من أثبتوا له الإلوهية، وإليه أشار بقوله: ﴿وأمه صديقةٌ كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة: ٧٥] وقيل: الصمد: الدائم الباقي. وقيل: من انتهي إليه السؤدد. وفي حديث عمر: ((إياكم وتعلم الأنساب فوالذي نفس عمر بيده لو قلت لا يخرج من هذا الباب إلا صمدٌ لم يخرج إلا أقلكم)) أي من انتهي إليه السؤدد.
وقيل: الصمد: المرتفع الرتبة. ومنه بناءٌ مصمدٌ أس مرتفعٌ عالٍ. والصمد بسكون العين: ما شرف من الأرض وعلا.
ص م ع:
قوله تعالي: ﴿صوامع﴾ [الحج: ٤٠] جمع صومعة وهي متعبدات النصارى،
стр. 869
وكل بناءٍ متصمع الرأس، أي متلاصقة. ومنه رجلٌ أصمع أي لاصقةٌ أذنه برأسه. وقيل لصغير الأذن من الناس وغيرهم. ومن كلام علي ﵁: ((كأني برجلٍ أصلع أصمع)). وفي حديث ابن عباس: ((كان لا يري بأسًا أن يضحي بالصمعاء)).
ويقال: قلبٌ أصمع، أي قويٌ كالبناء مجتمعٌ، أي جري فيه عكس من قيل فيهم: ﴿وأفئدتهم﴾ [إبراهيم: ٤٣]. وكلابٌ صمع الكعوب أي قويةٌ ليست بأجوفها. قال النابغة: [من البسيط].
٩٠٠ - صمع الكعوب برياتٌ من الحرد.
والصمعاء: البهمي قبل أن تتفقأ لتضامنها.
ص م م:
قوله تعالي: ﴿صمٌ بكمٌ عميٌ﴾ [البقرة: ١٨] الصمم فقدان حاسة السمع، وبه شبه من لا يصغي إلي الحق ولا يقبله. والقوم- كانوا- سامعون ناطقون مبصرون، لكن لما لم يسمعوا القرآن ولم يقرؤوه ولم ينظروا في دلالاته جعلوا كذلك. وليتهم كانوا فاقدين لهذه الحواس خاصة إنما المصيبة في فقدان تلك البصائر. وأصل الصمم السد.
ومنه صممت القارورة: إذا شدت رأسها. ويشبه من لا صوت له بالصمم، فيقال: صم فلانٌ: إذا لم ينطق، كأنه من باب اللازم غالبًا. وفي المثل: ((صمت حصاةٌ بدمٍ)) أي أن الدم لو ألقي فيه حصاةٌ لم تسمع لها حركةٌ: ((واشتمال الصماء)) أن يلتف المصلي بالرداء ونحوه حتى لا يبقي له موضعٌ يخرج يده من، وقد نهي عنها. وتقدم
стр. 870
فيه وجهان.
وصمم في الأمر: مضي فيه. ومنه: الصمة للشجاع، لأنه يصمم علي الإقدام.
وقيل: لأنه يصم علي الإقدام. وقيل: لأنه يصم بالضربة. ودريد بن الصمة. وضربةٌ صماء، أي تصم من تقع به، أي ذات صممٍ. وقيل: ماضيةٌ. والصمان: أرضٌ غليظةٌ.
وعنه روي رجلٌ من بني العنبر بجملة الأصهب. وستأتي حكايته مستوفاةٌ في باب لحن القول إن شاء الله تعالي.
فصل الصاد والنون .
ص ن ع:
قوله تعالي: ﴿صنع الله﴾ [النمل: ٨٨] أي صنعته وخلقه. والصنع: إجادة الفعل، فكل صنعٍ فعلٌ وليس كل فعلٍ صنعًا. ولا يجوز نسبته إلي الحيوانات غير الآدميين ولا إلي الجمادات. وإن كان الفعل ينسب إليها تقول: فعل الحمار كذا، وفعل الحجر كذا، ولا تقول: صنعا. ولا يقال: صنعٌ إلا للحاذق المجيد. وامرأةٌ صناعٌ: تتقن ما تعمله، ضد الخرقاء. وقالت عاتكة بنت عبد المطلب: ((إني صناعٌ فلا أعلم وحصانٌ فلا أتكلم)).
والصنيعة: ما اصطنعته من خير. وكني بالمصانعة عن الرشوة. قوله: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾ [طه: ٤١]. قيل: الاصطناع: البالغة في إصلاح الشيء. قوله: ﴿ولتنصع علي عيني﴾ [طه: ٣٩] كنايةٌ عن تربيته إلي أن شب وبلغ أشده، وجعله بمنزلة الشيء المصنوع بمرتقاه ممن يصطنعه. فقوله: ﴿علي عيني﴾، أي علي حفظي لك وكلاءتي إياك، أي بمرأى مني ومسمعٍ، كقوله: ﴿إنني معكما أسمع وأري﴾ [طه: ٤٦] أي أحفظكما، وإلا فالباري تعالي يسمع ويري مع كل أحد. وعن بعض الحكماء: أن الله
стр. 871
تعالى إذا أحب عبدًا تفقده كما يتفقد الصديق صديقه.
قوله: ﴿وتتخذون مصانع﴾ [الشعراء: ١٢٩] قيل: هي مجاري الماء. وقيل: الأصناع، وأحدهما صنعٌ وقيل: المصانع: ما شيد من القصور وزخرف من الدور. والكل مراد، فإن القوم فعلوا كل ذلك. وفي الحديث: ((اصطنع رسول الله صلي الله عليه وسلم خاتمًا)) سأل أن يصنع له. والصنيعة: الإحسان، ومنه قيل: الصنيعة تذهب القطيعة. وقال الشاعر: [من الطويل].
٩٠١ - وإن امرؤ أسدي إلي صنيعةً ... وذكرنيها مرةً لبخيل.
قوله تعالي: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] جمع صنم وهو الجثة المتخذة من خشبٍ أو حجرٍ أو نحاسٍ، فتعبد متقربًا بها إلي الله تعالي. وقيل: كل ما عبد من دون الله فهو صنمٌ. وقيل: بل كل ما شغل عن الله، حتى قال بعض الحكماء: معلومٌ أن خليل الرحمن كان يعلم من الله مع تحققه بمعرفته واطلاعه علي حكمته لم يكن ممن يخاف أن يعود إلي عبادة الأصنام، فكأنه قال: اجنبني عما يشغلني عنك ويصرف وجهي إليه. قال ابن عرفة: كل ما اتخذ وله صورةٌ فهو صنمٌ، وإن لم يكن له صورةٌ فهو وثنٌ، وسيأتي إن شاء الله تعالي.
ص ن و:
قوله تعالي: ﴿صنوانٌ وغير صنوانٍ﴾ [الرعد: ٤] وهو أن يكون الأصل واحدًا وتتفرع منه النخلتان والثلاث فأكثر. وقيل: هو الغصن الخارج من أصل شجرةٍ. يقال: هما صنوا دوحةٍ. والظاهر اختصاص ذلك بالنخل والبقل. وفي الحديث: ((عم الرجل صنوا أبيه)) أي أن أصلهما واحدٌ. ومنه ((العباس صنوا أبي)) ويستوي المثنى والجمع
стр. 872
حالة الوقف في هذه اللفظة وفي قنوانٍ إذ يقال صنوانٌ وقنوانٌ، فإذا وصلت قلت: صنوان في التثنية وصنوانٌ في الجمع، هذا إذا رفعت المثني. فإذا نصبته أو جررته فلا اشتباه، وهذا من ملح علم الإعراب، ولا ثالث لهما. ويجمع الصنو أيضًا في القلة علي أصنةٍ، وفي الكثرة علي صنيً وصنيٌ.
فصل الصاد والهاء .
ص هـ ر:
قوله تعالي: ﴿فجعله نسبًا وصهرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] أي قريبًا من جهة النكاح.
والأصهار: أقارب الزوج أو الزوجة. ومنه حديث: ((كان يؤسس مسجد قباء فيصهر الحجر العظيم إلي بطنه)). أي يقربه. يقال: صهره وأصهره أي أقربه. وقال بعض أهل اللغة: الصهر: الختن. وأهل بيت المرأة يقال لهم الأصهار، وكذا قاله الخليل. وقال ابن الأعرابي: الأصهار: التحرم بجوازٍ أو نسبٍ أو تزوجٍ. يقال رجلٌ مصهرٌ: إذا كان له تحرم من ذلك. قاله تعالي: ﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ [الحج: ٢٠] أي يذاب.
والصهر: إذابة الشيء، والصهارة: ما ذاب منه. قال أعرابي: لأصهرنك بيميني مرة.
وصهرت الشحم: أذابته وصهرته. والصهر والهصر يتقاربان، يقال، هصرت الغصن، أي أذابته فكأنه مقلوبٌ من هصرت أي قربت ودنوت.
فصل الصاد والواو
ص وب:
قوله تعالي: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾ [النبأ: ٣٨] أي سدادًا من القول. والصواب: ضد الخطأ، قيل: وهو يقال علي وجهين: أحدهما باعتبار الشيء في نفسه. فيقال: هذا صوابٌ إذا كان مرضيًا محمودًا بحسب مقتضي الشرع والعقل، نحو قولهم: تحري العدل صوابٌ والكرم صوابٌ. والثاني يقال باعتبار الفاعل إذا أدرك المقصود بحسب ما يقصده. فيقال: أصاب كذا. أي وجد ما طلب. نحو أصابه
стр. 873
السهم وذلك علي أنواع. الأول أن يقصد ما يحسن مقصده فيفعله. وذلك هو الصواب التام الذي يحمد به. والثاني أن يقصد ما يحسن فعله فيتأتي منه غيره لتقديره بعد اجتهاده أنه صوابٌ، وذلك هو المراد بقوله صلي الله عليه وسلم: ((كل مجتهدٍ مصيبٌ))، وروي: ((المجتهد مصيبٌ فإن أخطأ فله أجرٌ)) كما ما روي: ((من اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ)). والثالث أن يقصد صوابًا فيتأتي منه خطأ لعارضٍ من خارجٍ نحو: من يقصد رمي صيدٍ فيصيب إنسانًا فهذا معذورٌ. والرابع أن يقصد ما يقبح فعله ولكن يقع خلاف ما يقصده فيقال: أخطأ في قصده وأصاب الذي قصده. والصوب الإصابة، ومنه: أصاب سهمه: إذا وقع في الغرض، فيقال: صابه وأصابه، نحو: جابه وأجابه.
قوله تعالي: ﴿أو كصيبٍ من السماء﴾ [البقرة: ١٩]. الصيب: المطر النازل بشدةٍ من مكانٍ، من صاب يصوب إذا نزل، قال الشاعر: [من الطويل].
٩٠٢ - ولست لإنسي ولكن لملاكٍ ... تنزل من جو السماء فيصوب.
وقال آخر: [من الكامل].
٩٠٣ - فسقي ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمةٌ تهمي.
قال بعضهم: جعل الصوب نزول المطر بقدر ما ينفع، وإليه أشار بقوله تعالي: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً بقدرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨] وقال: [من الكامل].
-فسقي ديارك غير مفسدها (البيت).
وقيل: الصيب: السحاب، وهو فعيل من صاب يصوب. والفراء يقول: إنه فعيلٌ، والأصل صويبٌ. وتحقيقه في غير هذا من كتبنا. قوله: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا
стр. 874
أصابتهم مصيبةٌ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]، النائبة، وأصلها في الرمية ثم اختصت بالنائبة الفادحة. وأصاب يستعمل في الخير والشر. قال تعالي: ﴿إن تصبك حسنةٌ تسؤهم وإن تصبك مصيبةٌ يقولوا﴾ [التوبة: ٥٠]. وقال بعضهم: الإصابة في الخير اعتبارًا بالصواب وهو المطر، وفي الشر اعتبارًا بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلي أصل واحدٍ.
قوله تعالي: ﴿حيث أصاب﴾ [ص: ٣٦] أي أراد. ويحكي أن رجلين من أهل اللغة [اختلفا] فيها فيخرجا يسألان عنها فلقيا رؤبة فقال لهم: أين تصيبان؟ فقالا: هذه بغيتنا ورجعا. وفي الحديث: ((من يرد الله به خيرًا يصيب به)) أي يبتليه بمصيبةٍ. يقال: مصيبةٌ ومصوبةٌ ومصابةٌ، والجمع مصائب ومصاوب، وهو الأصل. كما قالوا مناور في مناير.
ص وت:
قوله تعالي: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن﴾ [طه: ١٠٨] الصوت: ما يسمع من المصوت، ويؤنث. قال الشاعر: [من الطويل].
٩٠٤ - سائل بني أسدٍ ما هذه الأصوات؟
وقيل: هو الهواء المنضغط عن قرع جسمين، وهو نوعان: مجردٌ عن تنفسٍ بشيءٍ كالصوت الممتد، ومتنفسٌ بصوتٍ ما. ثم المتنفس ضربان: ضروري كما يكون من الجمادات والحيوانات، واختياري كما يكون من الإنسان وذلك ضربان: ضربٌ باليد كصوت العود ونحوه. وضربٌ بالفم. ثم الذي بالفم ضربان: نطقٌ وغير نطقٍ كصوت الناي. ثم النطق إما مفردٌ من الكلام وإما مركبٌ. قوله تعالي: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] أمرهم بالتأدب وأن يعلو كلامهم كلامه. وكان جلة الصحابة وأعزهم عنده بعدها كأبي بكرٍ وعمر لا يكلمونه إلا السرار وكآخر السرار. قيل:
стр. 875
وإنما خص الصوت دون النطق والكلام لأنه أعم منهما. وقيل: خصه لأن المكروه فعل الصوت فوق صوته لا رفع الكلام. قاله الراغب وفيه نظرٌ لأنه متى رفع كلامه رفع صوته، إذ لا يكون كلام إلا مع صوتٍ من غير عكس.
ورجلٌ صيتٌ: شديد الصوت، وأصله صيوت كميتٍ. وخص الصوت بالذكر الجميل وإن كان أصله انتشار الصوت بني علي فعيل فانقلبت الواو ياءً.
ص ور:
قوله تعالي: ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ [الأنعام: ٧٣] قيل: الصور: قرنٌ فيه أرواح العالم، فإذا نفخ فيه إسرافيل طارت كل روحٍ إلي جسدها فلبسته وقال الراغب: وهو مثل قرنٍ ينفخ فيه فيجعل [الله] ذلك سببًا لعود الصور والأرواح إلي أجسامها. وروي في الخبر ((أن الصور فيه صور الناس كلهم)) وقيل: الصور جمع صورةٍ ولكنه خفف إذ كان من حقه تحريك عنه نحو غرفة وغرف. ومن ثم قرئ شاذًا بتحريكهما. قوله تعالي: ﴿في أي صورةٍ﴾ [الانفطار: ٨]. الصورة: ما تنتق شبه الأعيان وتتميز بها عن غيرها. وذلك ضربان أحدهما محسوسٌ مدركٌ للخاصة والدهمة، بل يدركه كثيرٌ من الحيوان غير الناطق كصورة الإنسان والفرس والحمار بالمعاينة. والثاني معقولٌ تدركه الخاصة دون العامة كالصورة التي اختص [الإنسان بها] من العقل والرؤية، والمعاني التي خص بها شيءٌ بشيءٍ. وإلي الصورتين أشار تعالي بقوله: ﴿خلقناكم ثم صورناكم﴾ [الأعراف: ١١] وقوله: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ [غافر: ٦٤] ﴿يصوركم في الأرحام﴾ [آل عمران: ٦] ﴿في أي صورةٍ ما شاء ركبك﴾ [الانفطار: ٨]. وفي الحديث: ((إن الله خلق آدم علي صورته)) الهاء عائدةٌ علي آدم، أي على هيئته التي
стр. 876
عرفتموها بالسماع لا كما يتوهمه الأغتام ومن لا فهم له. وقيل: أراد بالصورة ما خص به الإنسان من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضله علي كثير من خلقه. قيل: وإضافته إليه علي سبيل الملك لا علي سبيل البعضية والتشبيه بل علي سبيل التشريف، كقوله تعالي: ﴿ناقة الله﴾ [الشمس: ١٣] وبيت الله.
قوله تعالي: ﴿فصرهن إليك﴾ [البقرة: ٢٦٠] بضم الصاد وكسرها فقيل: لغتان بمعني أملهن، يقال: صاره يصيره ويصوره: إذا أماله. وقال الأزهري: من ضم أراد أملهن، يقال: صور يصور: إذا مال: ومن قرأ بالكسر فيحتمل ما تقدم، وهو لغة فيه.
وقيل: بمعني قطعهن، فإن الأصل فيه صريت أصري أي قطعت، فقلبت. وقيل: أصرت أصير كما يقال: عنيت أعني وغثيت أغيث، وغثثت أغثي. قلت: وفي حكايته صور يصور نظرٌ من حيث إن مثله يجب إعلاله فيقال: صار يصار مثل خاف يخاف، إلا أن يكون السماع كذلك فيحفظ ولا يقاس عليه. ويكون مثل قولهم: أغيمت وأغيلت.
وقيل: من ضم أراد: قطعهن صورةٌ صورةً. وقال بعضهم: (صرهن) أي صح بهن.
وحكي الخليل أنه يقال: عصفورٌ صوارٌ وهو المجيب إذا دعي. وقرئ (فصرهن) بضم الفاء وتشديد العين، من الصروهو الشد. وقرئ كذلك لكنه بكسر الفاء من الصرير وهو الصوت، ومعناه: صح بهن. وفي الحرف كلامٌ أكثر من هذا، ذكرته في ((الدر)) وغيره.
ولا شك أن المادة تدل علي القطع والانفصال ومنه الصوار: قطيع البقر، والجمع صيرانٌ.
ومنه قول امرئ القيس: [من الطويل].
٩٠٥ - تري بعر الصيران في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل.
وذلك نحو الصرمة والقطعة والفرقة وسائر أسماء الجماعة المعتبر فيها معني القطع وقال أبو عبيدة: صرهن- بالضم-: قطعهن. واحتج بقول الخنساء: [من البسيط].
٩٠٦ - لظلت الشهب منها وهي تنصار.
стр. 877
أي تتصدع وتتقطع. وفي حديث مجاهد ((كره أن يصور شجرةً مثمرةً)) أراد قطعها أو إمالتها أنه يؤذيها. وفي حديث عكرمة: ((حملة العرش كلهم صورٌ)) أي جمع أصور وهو المائل العنق يعني من الهيبة.
ص وع:
قوله تعالي: ﴿نفقد صواع الملك﴾ [يوسف: ٧٢] هو الصاع الذي يكال به.
وفي التفسير: هو إناءٌ مستطيلٌ يشبه المكوك، كان يشرب فيه الملك يشبه الطاسة والطرجهارة. وعن الحسن: والصاع والساقية شيء واحد يذكر ويؤنث فقال: ﴿لمن جاء به﴾ [يوسف: ٧٢]، ﴿ثم استخرجها﴾ [يوسف: ٧٦] وذلك علي الذهاب به مذهب الصاع مرة والساقية أخري. وفي الحديث: ((صاع بر بصاع تمر)) والصاع المطين من الأرض وأنشد للمسيب بن علسٍ [من الكامل].
٩٠٧ - مرحت يداها للنجاء كأنما ... تكرر بكفي لاعبٍ في صاع.
وقيل: الصاع في البيت بمعني الأول وهو يلعب به مع كرةٍ. نقله الراغب.
وتصوع الشعر والنبت: هاج وتفرق، والكمي يصوع أقرانه، أي يفرقهم. وفي حديث لسمان: ((صوع به فرسه)). أي جمع به، من صوع الطائر رأسه، أي حركة حركةً شديدةً.
ص وغ:
قرئ في الشاذ ((صواغ)) بالعين المعجمة سمي بذلك ذهابًا إلي أنه مصوغٌ من
стр. 878
ذهب ويعبر بالصواغ عن الكذاب، يقال: صاغ قوله يصوغ صياغةً فهو صواغ، وذلك لأن الكاذب يحسن كلامه وينمقه ليروج كما أن الصائغ يحسن بصياغته الأشياء. ومنه حديث أبي هريرة وقد قيل: إنه خرج الدجال فقال: ((كذبةٌ كذبها الصواغون)) أي الكذابون.
ص وف:
قوله تعالي: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ [النحل: ٨٠] الأصواف: جمع صوفٍ واحدته صوفةٌ. وهو معروفٌ. قيل: عدد عليهم نعمه بما جعل لهم من الأنعام غير ما يأكلونه ويشربونه وينتفعون به في سيرهم وحمل أثقالهم ما يكون لهم لباسًا يقيهم الحر والبرد، وهو من الأنواع الثلاثة: الضأن والمعز والإبل، فالأصواف من الضأن وهو مختصٌ بها، والأوبار من الإبل وهو مختصٌ بها، والأشعار من المعز. ولم يذكر للبقر شعرٌ ينتفع به في ذلك. وقولهم: ((أخذ بصوفة قفاه)) كنايةٌ عن التمكن منه. وأرادوا شعره النابت في قفاه. فاستعاروا ذلك. وكبشٌ صافٍ وصائفٌ وأصواف: كثير الصوف. وصاف مقلوبٌ من صائفٍ كهارٍ من هائرٍ. قال الراغب والصوفة: قومٌ كانوا يخدمون الكعبة، فقيل: سموا بذلك لأنهم تشبكوا بها كتشبك الصوف بما يثبت عليه. والصوفان: نبتٌ أزغب.
قال: والصوفي قيل: منسوبٌ إلي لبسه الصوف. وقيل: منسوبٌ إلي الصوفة الذين كانوا يخدمون الكعبة لاشتغالهم بالعبادة، وقيل: منسوبٌ إلي الصوفان الذي هو نبتٌ، لاقتصارهم في الطعم علي ما يجري مجري الصوفان في قلة العناء في الغذاء.
ص وم:
قوله تعالي: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] مصدرٌ كالصوم وهو لغةً الإمساك مطلقًا سواءٌ كان الممسك عنه مطعمًا أو مشربًا أو كلامًا أو مشيًا، سواءٌ صدر ذلك من حيوانٍ أو غيره. ومنه: صامت الشمس: إذا بلعت كبد السماء، فلم تجر توهموا إمساكها عن السير. وصامت الفرس: أمسكت عن الجري أو العلف. وأنشد: [من البسيط].
стр. 879
٩٠٨ - خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج وأخري تعلك اللجما.
ومصام الفرس ومصامته: موقفه، ومنه قيل للريح إذا ركدت: صومٌ. وقيل في قوله تعالي: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم: ٢٦] أي إمساكًا بدليل قوله: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾. وأما الصوم شرعًا: فإمساك جميع النهار من طلوع الفجر إلي غروب الشمس بشرائط مذكورةٍ في غير هذا.
فصل الصاد والياء .
ص ي ب:
قوله تعالي: ﴿حيث أصاب﴾ [ص: ٣٦] قد أدخله الراغب في هذه المادة والظاهر أنه ذوات الواو. وقد تقدم تفسيره في مادة (ص وب) وانه بمعني أراد.
ص ي ح:
قوله تعالي: ﴿فأخذتهم الصيحة﴾ [الحج: ٨٣] هي الصوت الشديد، إما من ملك، كصيحة جبريل بأهل أنطاكية فماتوا وإليه الإشارة بقوله: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدةً﴾ [يس: ٢٩]. وإما من رعدٍ، وإما من ريحٍ، وإما من غير ذلك. قوله: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق﴾ [ق: ٤٢] أي النفخ في الصور. والظاهر أنها النداء من الملك للعالم: يا أيها الناس قوموا لرب العالمين فيسمعه كل أحد. وهذه عبارته عن النفخة الثانية. قال بعضهم: وأصله تشقيق الصوت من قولهم: انصاح الخشب والثوب: إذا انشق وسمع منه صوتٌ. وصيح الثوب كذلك. ويقال: بأرض زيدٍ شجرٌ قد صاح: عبارةٌ عن طوله أي من نفسه للناظر كما بينها من دل علي نفسه بصياحه. ولما كانت الصيحة تفزع سامعها عبر بها عن الفزع. ومنه قوله: ﴿فأخذتهم الصيحة مشرقين﴾ [الحجر: ٧٣] وصيح بفلانٍ أي فزع وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل].
стр. 880
٩٠٩ - فدع عنك نهبًا صيح في حجراته ... ولكن حديثًا ما حديث الرواحل.
ويقال: صاح فلانٌ في مال فلانٍ: إذا أهلكه.
ص ي د:
قوله تعالي: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾ [المائدة: ٩٥] أي الوحش المصيد، فعبر عنه بالمصدر نحو: درهمٌ ضرب الأمير. قال الهروي: هو اسم المصيد ما كان ممتنعًا ولم يكن له مالكٌ وكان حلالًا أكله. فإذا اجتمعت فيه هذه الحلال فهو صيدٌ. وقال الراغب: الصيد مصدر صاد وهو تناول ما يظفر به مما كان ممتنعًا، وفي الشرع تناول الحيوانات الممتنعة مما لم يكن مملوكًا. والمتناول منه ما كان حلالًا. قال: وقد سمي الصيد صيدًا بقوله: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما الصيد المنهي عنه المحرم فما كان مأكولًا، قال الراغب: الصيد في هذه المواضع مختصٌ بما يؤكل لحمه فيما قال الفقهاء بدلالة ما روي: ((خمسٌ يقتلوهن [المحرم] في الحل والحرم: الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والذئب)) والأصيد: من عنقه مائلٌ والجمع صيدٌ، وعبر عن المتكبر بما تقدم في الصعر. والصيدان: برام الأحجار، وأنشد: [من الطويل].
٩١٠ - وسودٍ من الصيدان فيها مذانب.
ويقال فيه صادٌ أيضًا، وأنشد: [من الطويل].
٩١١ - رأيت قدور الصاد حول بيوتنا.
следующие страницы →