← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

عرفتموها بالسماع لا كما يتوهمه الأغتام ومن لا فهم له. وقيل: أراد بالصورة ما خص به الإنسان من الهيئة المدركة بالبصر والبصيرة، وبها فضله علي كثير من خلقه. قيل: وإضافته إليه علي سبيل الملك لا علي سبيل البعضية والتشبيه بل علي سبيل التشريف، كقوله تعالي: ﴿ناقة الله﴾ [الشمس: ١٣] وبيت الله. قوله تعالي: ﴿فصرهن إليك﴾ [البقرة: ٢٦٠] بضم الصاد وكسرها فقيل: لغتان بمعني أملهن، يقال: صاره يصيره ويصوره: إذا أماله. وقال الأزهري: من ضم أراد أملهن، يقال: صور يصور: إذا مال: ومن قرأ بالكسر فيحتمل ما تقدم، وهو لغة فيه. وقيل: بمعني قطعهن، فإن الأصل فيه صريت أصري أي قطعت، فقلبت. وقيل: أصرت أصير كما يقال: عنيت أعني وغثيت أغيث، وغثثت أغثي. قلت: وفي حكايته صور يصور نظرٌ من حيث إن مثله يجب إعلاله فيقال: صار يصار مثل خاف يخاف، إلا أن يكون السماع كذلك فيحفظ ولا يقاس عليه. ويكون مثل قولهم: أغيمت وأغيلت. وقيل: من ضم أراد: قطعهن صورةٌ صورةً. وقال بعضهم: (صرهن) أي صح بهن. وحكي الخليل أنه يقال: عصفورٌ صوارٌ وهو المجيب إذا دعي. وقرئ (فصرهن) بضم الفاء وتشديد العين، من الصروهو الشد. وقرئ كذلك لكنه بكسر الفاء من الصرير وهو الصوت، ومعناه: صح بهن. وفي الحرف كلامٌ أكثر من هذا، ذكرته في ((الدر)) وغيره. ولا شك أن المادة تدل علي القطع والانفصال ومنه الصوار: قطيع البقر، والجمع صيرانٌ. ومنه قول امرئ القيس: [من الطويل]. ٩٠٥ - تري بعر الصيران في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل. وذلك نحو الصرمة والقطعة والفرقة وسائر أسماء الجماعة المعتبر فيها معني القطع وقال أبو عبيدة: صرهن- بالضم-: قطعهن. واحتج بقول الخنساء: [من البسيط]. ٩٠٦ - لظلت الشهب منها وهي تنصار.

стр. 877

أي تتصدع وتتقطع. وفي حديث مجاهد ((كره أن يصور شجرةً مثمرةً)) أراد قطعها أو إمالتها أنه يؤذيها. وفي حديث عكرمة: ((حملة العرش كلهم صورٌ)) أي جمع أصور وهو المائل العنق يعني من الهيبة. ص وع: قوله تعالي: ﴿نفقد صواع الملك﴾ [يوسف: ٧٢] هو الصاع الذي يكال به. وفي التفسير: هو إناءٌ مستطيلٌ يشبه المكوك، كان يشرب فيه الملك يشبه الطاسة والطرجهارة. وعن الحسن: والصاع والساقية شيء واحد يذكر ويؤنث فقال: ﴿لمن جاء به﴾ [يوسف: ٧٢]، ﴿ثم استخرجها﴾ [يوسف: ٧٦] وذلك علي الذهاب به مذهب الصاع مرة والساقية أخري. وفي الحديث: ((صاع بر بصاع تمر)) والصاع المطين من الأرض وأنشد للمسيب بن علسٍ [من الكامل]. ٩٠٧ - مرحت يداها للنجاء كأنما ... تكرر بكفي لاعبٍ في صاع. وقيل: الصاع في البيت بمعني الأول وهو يلعب به مع كرةٍ. نقله الراغب. وتصوع الشعر والنبت: هاج وتفرق، والكمي يصوع أقرانه، أي يفرقهم. وفي حديث لسمان: ((صوع به فرسه)). أي جمع به، من صوع الطائر رأسه، أي حركة حركةً شديدةً. ص وغ: قرئ في الشاذ ((صواغ)) بالعين المعجمة سمي بذلك ذهابًا إلي أنه مصوغٌ من

стр. 878

ذهب ويعبر بالصواغ عن الكذاب، يقال: صاغ قوله يصوغ صياغةً فهو صواغ، وذلك لأن الكاذب يحسن كلامه وينمقه ليروج كما أن الصائغ يحسن بصياغته الأشياء. ومنه حديث أبي هريرة وقد قيل: إنه خرج الدجال فقال: ((كذبةٌ كذبها الصواغون)) أي الكذابون. ص وف: قوله تعالي: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ [النحل: ٨٠] الأصواف: جمع صوفٍ واحدته صوفةٌ. وهو معروفٌ. قيل: عدد عليهم نعمه بما جعل لهم من الأنعام غير ما يأكلونه ويشربونه وينتفعون به في سيرهم وحمل أثقالهم ما يكون لهم لباسًا يقيهم الحر والبرد، وهو من الأنواع الثلاثة: الضأن والمعز والإبل، فالأصواف من الضأن وهو مختصٌ بها، والأوبار من الإبل وهو مختصٌ بها، والأشعار من المعز. ولم يذكر للبقر شعرٌ ينتفع به في ذلك. وقولهم: ((أخذ بصوفة قفاه)) كنايةٌ عن التمكن منه. وأرادوا شعره النابت في قفاه. فاستعاروا ذلك. وكبشٌ صافٍ وصائفٌ وأصواف: كثير الصوف. وصاف مقلوبٌ من صائفٍ كهارٍ من هائرٍ. قال الراغب والصوفة: قومٌ كانوا يخدمون الكعبة، فقيل: سموا بذلك لأنهم تشبكوا بها كتشبك الصوف بما يثبت عليه. والصوفان: نبتٌ أزغب. قال: والصوفي قيل: منسوبٌ إلي لبسه الصوف. وقيل: منسوبٌ إلي الصوفة الذين كانوا يخدمون الكعبة لاشتغالهم بالعبادة، وقيل: منسوبٌ إلي الصوفان الذي هو نبتٌ، لاقتصارهم في الطعم علي ما يجري مجري الصوفان في قلة العناء في الغذاء. ص وم: قوله تعالي: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] مصدرٌ كالصوم وهو لغةً الإمساك مطلقًا سواءٌ كان الممسك عنه مطعمًا أو مشربًا أو كلامًا أو مشيًا، سواءٌ صدر ذلك من حيوانٍ أو غيره. ومنه: صامت الشمس: إذا بلعت كبد السماء، فلم تجر توهموا إمساكها عن السير. وصامت الفرس: أمسكت عن الجري أو العلف. وأنشد: [من البسيط].

стр. 879

٩٠٨ - خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج وأخري تعلك اللجما. ومصام الفرس ومصامته: موقفه، ومنه قيل للريح إذا ركدت: صومٌ. وقيل في قوله تعالي: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريم: ٢٦] أي إمساكًا بدليل قوله: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾. وأما الصوم شرعًا: فإمساك جميع النهار من طلوع الفجر إلي غروب الشمس بشرائط مذكورةٍ في غير هذا. فصل الصاد والياء . ص ي ب: قوله تعالي: ﴿حيث أصاب﴾ [ص: ٣٦] قد أدخله الراغب في هذه المادة والظاهر أنه ذوات الواو. وقد تقدم تفسيره في مادة (ص وب) وانه بمعني أراد. ص ي ح: قوله تعالي: ﴿فأخذتهم الصيحة﴾ [الحج: ٨٣] هي الصوت الشديد، إما من ملك، كصيحة جبريل بأهل أنطاكية فماتوا وإليه الإشارة بقوله: ﴿إن كانت إلا صيحةً واحدةً﴾ [يس: ٢٩]. وإما من رعدٍ، وإما من ريحٍ، وإما من غير ذلك. قوله: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق﴾ [ق: ٤٢] أي النفخ في الصور. والظاهر أنها النداء من الملك للعالم: يا أيها الناس قوموا لرب العالمين فيسمعه كل أحد. وهذه عبارته عن النفخة الثانية. قال بعضهم: وأصله تشقيق الصوت من قولهم: انصاح الخشب والثوب: إذا انشق وسمع منه صوتٌ. وصيح الثوب كذلك. ويقال: بأرض زيدٍ شجرٌ قد صاح: عبارةٌ عن طوله أي من نفسه للناظر كما بينها من دل علي نفسه بصياحه. ولما كانت الصيحة تفزع سامعها عبر بها عن الفزع. ومنه قوله: ﴿فأخذتهم الصيحة مشرقين﴾ [الحجر: ٧٣] وصيح بفلانٍ أي فزع وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل].

стр. 880

٩٠٩ - فدع عنك نهبًا صيح في حجراته ... ولكن حديثًا ما حديث الرواحل. ويقال: صاح فلانٌ في مال فلانٍ: إذا أهلكه. ص ي د: قوله تعالي: ﴿لا تقتلوا الصيد﴾ [المائدة: ٩٥] أي الوحش المصيد، فعبر عنه بالمصدر نحو: درهمٌ ضرب الأمير. قال الهروي: هو اسم المصيد ما كان ممتنعًا ولم يكن له مالكٌ وكان حلالًا أكله. فإذا اجتمعت فيه هذه الحلال فهو صيدٌ. وقال الراغب: الصيد مصدر صاد وهو تناول ما يظفر به مما كان ممتنعًا، وفي الشرع تناول الحيوانات الممتنعة مما لم يكن مملوكًا. والمتناول منه ما كان حلالًا. قال: وقد سمي الصيد صيدًا بقوله: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما الصيد المنهي عنه المحرم فما كان مأكولًا، قال الراغب: الصيد في هذه المواضع مختصٌ بما يؤكل لحمه فيما قال الفقهاء بدلالة ما روي: ((خمسٌ يقتلوهن [المحرم] في الحل والحرم: الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والذئب)) والأصيد: من عنقه مائلٌ والجمع صيدٌ، وعبر عن المتكبر بما تقدم في الصعر. والصيدان: برام الأحجار، وأنشد: [من الطويل]. ٩١٠ - وسودٍ من الصيدان فيها مذانب. ويقال فيه صادٌ أيضًا، وأنشد: [من الطويل]. ٩١١ - رأيت قدور الصاد حول بيوتنا.

стр. 881

والصاد أيضًا بمعني الأصيد. وفي الحديث: ((كما يذاذ البعير الصاد)) قال ابن السكيت: هو داءٌ يصيب الإبل منه أنوفها وتسمو رؤوسها. ص ي ر: قوله تعالي: ﴿فصرهن إليك﴾ قدم تقدم أنه لغةٌ في صار يصور، بمعني الإمالة أو القطع. قيل: وأصله من الصير وهو الشق وفي الحديث: ((من اطلع من صير بابٍ)) أي من شقه. والشق والقطع يتقاربان. والصير أيضًا: الصحناة، وقد فسر به الحديث: ((أنه ﵊ مر بصيرٍ فذاق منه)) ولما قال المثني بن حارثة: ((إنا نزلنا بين الصيرين: اليمامة والسمامة. قال له رسول الله صلي الله عليه وسلم:)) ما هذان الصيران؟ مياه العرب ومياه كسري ((والصير [الماء] الذي يحضره الناس، صار القوم الماء: حضروه. وأنشد للأعشي: [من المتقارب]. ٩١٢ - وروض التناضب حتى تصيرا. وصار إلي كذا: انتهي إليه قوله تعالي: ﴿إليه المصير﴾ [غافر: ٣] كقوله: ﴿وأن إلي ربك المنتهي﴾ [النجم: ٤٢] ومنه: صر الباب لمصيره الذي ينتهي إليه في تنقله وتحركه. وصار من الأفعال الناقصة ككان يدل علي تحول الموصوف من صفةٍ إلي أخري، كقولك: صار الطين خزفًا. ومصدرها الصيرورة مثل الكينونة، والأصل صرورة وكنونة. وقد مر ذلك في باب الياء. ص ي ص: قوله تعالي: ﴿من صياصيهم﴾ [الأحزاب: ٢٦] هو جمع صيصة وهي الحصن. وكل ما يتحصن به ويمتنع فهو صيصةٌ. وبهذا الاعتبار قيل لقرن البقر صيصةٌ ولشوكة الديك التي في رجله بها صيصةٌ. وفي الحديث، وقد ذكر فتنةً، فقال:)) كأنها صياصي

стр. 882

بقرٍ ((شبهها به في الشدة وصعوبة الأمر، وقال أبو هريرة في أصحاب الدجال:)) شواربهم كالصياصي ((يعني في الطول كقرون البقر مما يوفرونها. ص ي ف: قوله تعالي: ﴿رحلة الشتاء والصيف﴾ [قريش: ٢] كانت قريشٌ يرحلون رحلتين واحدةً في الشتاء إلي اليمن وأخري في الصيف إلي الشام. ولعمري لقد أصابوا حيث جعلوا هذا الفصل الحار في هذا الإقليم البارد والعكس، فامتن الله عليهم بذلك بأن أمنهم في هاتين الرحلتين. والصيف هو الفصل المقابل للشتاء. وما قرب منه وهو الربيع. وإن كان ابن قتيبة غلط الناس فيه وسماه الخريف. وليس المراد فصل الشتاء وحده، وهو نزول الشمس في الجدي والدلو والحوت، ولا فصل الصيف وحده، وهو نزول الشمس الأسد والسرطان والسنبلة. وإنما المراد- والله أعلم- ما ذكرته. وصافوا: حصلوا في الصيف. وأصافوا: دخلوا فيه، والمطر الآتي فيه صيفي، كالآتي في الربيع ربعي. وفي الحديث: ((فصاف عنه)) أي عدل، من صاف السهم: إذا لم يصب الرمية.

стр. 883

باب الضاد فصل الضاد والهمزة . ض أن: قوله تعالي: ﴿من الضأن اثنين﴾ الضأن من الغنم معروفٌ يقابل المعز وهو جمع ضائنٍ مثل: تاجرٍ وتجرٍ، وصاحبٍ وصحبٍ. وقيل: الواحدة ضائنةٌ، وسيأتي له مزيد بيانٍ في باب الميم عند ذكر المعز. وأضأن الرجل: كثر ضأنه. فصل الضاد والباء. ض ب ح: قوله تعالي: ﴿والعاديات ضبحا﴾ هو خفة العدو. وقيل: هو كالضبع وهو مد الضبع في السير فكأنه أبدل من العين حاءً. وقيل: هو صوت أنفاس الفرس تشبيهًا بالضبح والضباح، وهو صوت الثعلب قيل: والضبح مختصٌ من الحيوان بجنسين: الفرس والثعلب وهو مشكلٌ بحكايةٍ مطولةٍ نختصرها أنه ابن عباسٍ سئل عن ذلك وهو في الحجر ففسرها بالخيل فقيل لعلي فدعاني وقال لي: ((تفتي الناس بما لا علم لك؟ والله إن كانت لأول غزوةٍ في الإسلام بدرٍ، ولم يكن معنا إلا فرسان)) العاديات: الإبل من عرفة إلي مزدلفة، ومن مزدلفة إلي مني. قال بعضهم: إن صح هذا فالضبح للإبل إستعارةٌ كاستعارة الحافر والمشافر للإنسان، وقد أوضحتها في ((الدر)) وقيل: أصله إحراق العود، شبه عدوها به لشبهها بالنار في حركتها وسرعتها. والمراد خيل الغزاة أقسم بها لشرفها. وقد سئل ابن عباسٍ عن ذلك فقال: هي الخيل، وحكاه، فقال: اح اح. وأنشد لعنترة: [من مجزءو الكامل]. ٩١٣ - والخيل تعلم حين تض ... بح في حياض الموت ضبحا.

стр. 884

قلت: وبهذا البيت يتضح ما قال ابن عباس. فصل الضاد والجيم . ض ج ع: قوله تعالي: ﴿تتجافي جنوبهم عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦] جمع مضجع، وهو موضع الاضطجاع أي النوم علي الجنب. وصفهم بكثرة العبادة ليلًا كقوله: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧]. قوله: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤] أي المرقد. ويقال: أضجعه يضجعه أي أماله. واضطجع أي افتعل فقلبت التاء طاءً لحرف الإطباق. وشذ إدغامه فقيل: الطجع وأنشد: [من الزجر]. ٩١٤ - لما رأي أن لا دعه ولا شبع ... مال إلي إرطاة حقفٍ فالطجع. وقال الأعشي: [من البسيط]. ٩١٥ - عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... يومًا فإن لجنب المرء مضطجعا. ويروي ملطجعا ومصطرعا. والضجيع بمعني المضاجع، كالخليط والجليس بمعني المخالط والمجالس والضجعة المرة، والضجعة الهيئة. فصل الضاد والحاء . ض ح ك: قوله تعالي: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤].

стр. 885

ضحكهم كنايةٌ عن السخرية والحقارة لهم، وذلك أنهم كانوا في الدنيا علي العكس، وشتان ما بين السخريتين. والضحك أصله انبساط الوجه وتكشر الأسنان لسرور النفس وانشراحها. ولظهور بعض الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان ضواحك، ثم استعير للسخرية المجردة كما تقدم. يقال: رجلٌ ضحكة- بفتح العين-: إذا أكثر الضحك من غيره وبسكونها لمن يضحك منه. وقد يستعمل في السرور المجرد ومنه قوله تعالي: ﴿مسفرةٌ ضاحكةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] واستعماله في الأناسي علي استعارة التخيل وهو في الحيوان أقرب. وأنشد: [من الرمل]. ٩١٦ - تضحك الضبع [لقتلي هذيلٍ] ... وتري الذئب لها يستهل. وذلك كنايةٌ عن قلة غنائهم، وأنهم ليسوا أبناء ضربٍ لأن الضبع والذئب اعتادا ألا كل منهم في المعركة وقد استعر ذلك في الجماد. وأنشد للأعشي: [من البسيط]. ٩١٧ - يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل. سمي تلألؤها ضحكًا. وضحك الغدير: تلألأ من امتلائه. وطريقٌ ضحوكٌ، أي واضحٌ ضد العبوس للطامس الأعلام، واستعير أيضا لمجرد التعجب لأنه مسببٌ عنه غالبًا. وهذا قصد من قال: الضحك مختصٌ بالإنسان. وأما بإسناده إلي الله تعالي في قوله ﵇: ((ضحك الله)) فاستعارةٌ لرضاه. قوله تعالي: ﴿فضحكت﴾ [هود: ٧١] هو علي بابه فعلت ذلك سرورًا بالولد وقيل: بل حاضت. قال بعضهم محققًا لذلك: وضحكها كان للتعجب، ويدل علي ذلك قوله تعالي: ﴿إن هذا لشيءٌ عجيبٌ﴾ [هود: ٧٢] وقول من قال: حاضت فليس ذلك تفسيرًا لقوله: ضحكت كما تصوره بعض المفسرين فقال ضحكت بمعني حاضت. وإنما ذكر ذلك تنصيصًا لحالها فإنه جعل ذلك

стр. 886

أمارةً لما بشرت به فحاضت في الوقت ليعلم أن حملها ليس منكًرًا إذا كانت المرأة ما دامت تحيض فإنها مظنة للحبل. قلت: الصائر لذلك مجاهد بن جبريل تلميذ ابن عباسٍ. وحكي: حاضت الأرنب وضحكت بمعني والأضحوكة كالأعجوبة. ض ح و: قوله تعالي: ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١] هو امتداد الشمس وقيل: امتداد النهار، وهما متلازمان. وقوله تعالي: ﴿وأخرج ضحاها﴾ [النازعات: ٢٩] ﴿والشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] أي ضوءها ونورها. و ﴿الضحى﴾ بضم مقصورٌ، قال الهروي وإذا فتحت مددت، وظاهره أنهما بمعني. والضحاء فوق الضحى. وقال الراغب: الضحاء كالغداء: وهو الطعام المأكول في وقت الضحى، كما أن الغداء الطعام المأكول وقت الغداة. ويقال: ليلة إضحيانةٌ وإضحيانٌ وضحيانةٌ وضحياء، أي مضيئةٌ كإضاءة الضحى. ويوم إضحيانٌ أيضًا وضحيانٌ: لا غيم فيه. قوله: ﴿وأن يحشر الناس ضحي﴾ [طه: ٥٩] إنما قال ذلك وثوقًا بنصر الله له، فوعدهم في وقتٍ ظاهرٍ لكل أحدٍ وهو وقت نشاطٍ أيضًا. والضحى مؤنثةٌ، يقال: ارتفعت الضحى، وكتابتها بالياء لأجل إمالتها وإمالتها لأجل تواليها. وتصغر علي الضحى، وكان حقها أن تؤنث كقديدة إلا أنها شذت شذوذ فويس وغريب في أخواتٍ له. قوله: ﴿ولا تضحي﴾ [طه: ١١٩] أي لا تبرز للضحى. وحقيقته أنه مصونٌ من الشمس وهو أمرٌ يبتغي عند العرب لحر بلادهم. والأضحية: ما يضحي به أي يذبح. وسميت بذلك شرعًا لذبحها وقت الضحى. قال بعضهم: تسميتها بذلك في الشرع لقوله ﵊: ((من ذبح قبل صلاتنا هذه فليعد)) والجمع أضاحٍ وضحية وضحايا وأضحاة وأضحي والضواحي: النواحي البارزة، الواحدة ضاحية وضاحية كل شيءٍ ناحيته البارزة.

стр. 887

فصل الضاد والدال . ض د د: قوله تعالي: ﴿ويكونون عليهم ضدا﴾ [مريم: ٧٢]. أي عنوانًا. يشير إلي أنهم عكست عليهم أغراضهم وذلك أنهم قالوا: إنما عبدناهم ليكونوا شفعاء لنا فما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفى، فجاءوا يوم القيامة لما رجوه منهم أكذبوهم. وكانت الأصنام وقودًا عليهم وهي الحجارة في قوله تعالي: ﴿وقوده الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] ومن علامة الضدين ألا يجتمعا، وقد يرتفعان كالسواد والبياض، والحركة والسكون. والنقيضان: ما لا يجتمعان ولا يرتفعان كالسلب والإيجاب. وقال بعضهم الضدان: الشيئان اللذان تحت جنس واحدٍ. وينافي كل واحدٍ منهما الآخر في أوصافه الخاصة وبينهما أبعد البعد كالسواد والبياض، والخير والشر. وما لم يكونا تحت جنسٍ واحدٍ لا يقال لهما الضدان كالحلاوة والحركة. قالوا: والضد هو أحد المتماثلات، فإن المتقابلين هما الشيئان المختلفان اللذان كل واحدٍ منهما قبالة الآخر، ولا يجتمعان في شيءٍ في وقتٍ واحدٍ، وذلك أربعة أشياء: الضدان، كالسواد والبياض، والمتضايفان كالضعف والنصف والوجود والعدم كالبصر والعمى والموجبة والسالبة في الأخبار، نحو: كل إنسانٍ ههنا وكثيرٌ من المتكلمين وأهل اللغة يجعلون ذلك من المضادات، ويقولون: الضدان: ما لا يصح اجتماعهما في محل واحدٍ. وقيل: الله تعالي لا ضد له ولا ند، لأن الند هو الاشتراك في الجوهر، والضد، وهو أن يتعاقب الشيئان المتنافيان علي جنس واحدٍ والله تعالي منزه عن أن يكون له جوهرٌ، فإذًا لا ضد له ولا ند. وقوله: ﴿ويكونون عليهم ضدًا﴾ وحده وإن كان خبرًا عن جمعٍ، لأن الأخفش حكي فيه أن يكون واحدًا وجمعًا. وقال الفراء: معناه عونًا فلذلك وحد. قلت: كأنه ينجو به نحو المصادر، والمصادر توحد في المشهور وأحسن ما فسرت به الآية: أي يكونون منافين لهم.

стр. 888

فصل الضاد والراء ض ر ب: قوله تعالي: ﴿أن اضرب بعصاك﴾ [الأعراف: ١٦٠]. الضرب: إيقاع جسمٍ علي جسمٍ قصدًا للتأليم والإيلام وقال بعضهم: الضرب: إيقاع شيءٍ علي شيءٍ، وهو أعم من الأول. قال: ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشيء باليد وبالعصا والسيف ونحوها. وضرب الأرض بالمطر وضرب الدرهم اعتبارًا بضربه بالمطرقة. قوله: ﴿لا يستطيعون ضربًا في الأرض﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي سفرًا وذهبًا، وذلك لأن المسافر كالضارب الأرض برجله. وضرب في الأرض أيضًا: أسرع، وأنشد: [من الطويل]. ٩١٨ - ولكن يجاب المستغيث، وخيلهم ... عليها كماةٌ بالمنية تضرب. أي تسرع ومنه قول علي ﵁: ((فإذا كان كذا ضرب يعسوب الدين بذنبه)) أي أسرع الذهاب، قاله الأزهري. وما أحسن هذه الاستعارة وأفصحها فلله دره، كم له من مثلها كرم الله وجهه. قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾ [البقرة: ٦١] أي أحاطت عليهم إحاطة القبة المضروبة علي شيءٍ فيها. وأصل ذلك من ضرب الخيمة لأن فيها ضرب أوتادها بالقدوم. قوله: ﴿فضربنا علي آذانهم﴾ [الكهف: ١١] أي أغبناهم. وأصله أن الرجل إذا ضرب علي أذنه حصل له غيبةٌ. قوله: ﴿أفنضرب عنكم الذكر﴾ [الزخرف: ٥] أي نمهلكم ونعرض عنكم وننحي عنكم ما يجب تعريفه إياكم. قوله: ﴿وضرب الله مثلا قرية﴾ [النحل: ١١٢] ونحوه فيه وجهان: أحدهما أن (ضرب) هنا أغني عن لفظ المثل خاصة ضرب [الجاري] مجري صير فنصبت مفعولين وصير الله قريةً حقها كيت وكيت مثلًا يعتبر من سمعه كسائر الأمثال. وسيأتي إن شاء الله تفسير المثل والثاني أنه لم يضمره ذلك، فقيل: إنه استعير من ضرب الدراهم، وذلك لأنه ذكر شيءٍ أثره يظهر في غيره وقال بعضهم: ﴿واضرب لهم مثلًا﴾ [يس: ١٣] أي اذكر.

стр. 889

ومثل. وعندي: من الضرب أي من المثل، وهذا الشيء علي أضربٍ أي علي أمثالٍ وأنواعٍ. وقال الأزهري في قوله: ﴿أفنضرب عنكم الذكر﴾: أصله أن الراكب إذا ركب دابًة فأراد أن يصرفها إلي جهةٍ، ضربها بعصًا ليعدلها عن جهتها إلي الجهة التي يريدها. فوضع الضرب موضع الصرف والعدل، وهو حسنٌ. والاضطراب: كثرة الذهاب في الجهات من الضرب في الأرض، وعبر به عن الأشياء المختلفة فقيل: حاله مضطربٌ أي مختلفٌ. والمضاربة: المقارضة لأنه يسافر غالبًا للربح. والمضربة: ما أكثر بالخياطة ضربه. والتضريب: حث علي الضرب في الأرض فضرب الفحل الناقة، علي التشبيه. ض ر ر: قوله تعالي: ﴿فلن يضروك شيئًا﴾ [المائدة: ٤٢] الضر والضر والضرر: سوء الحال، أما في النفس لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن لفقدان جارحة، وإما في حالةٍ ظاهرةٍ من قلة مالٍ وجاه. والضر ضد النفع. قوله: ﴿لن يضروكم إلا أذًي﴾ [آل عمران: ١١١] تنبيهٌ علي قلة مبالاتهم بهم، وأنهم لا ينالهم من ضررهم إلا هذا القدر اليسير والمقصود الأعظم وهو عليكم مضمونٌ لكم ومثله في المعني: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] قوله تعالي: ﴿يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه﴾ إلي قوله ﴿لمن ضره أقرب من نفعه﴾ [الحج: ١٢ - ١٣] فالأول يقتضي نفي الضرر، والثاني إثباته، وأجيب بأن الأول يعني به النفع والضر الحاصلان بالقصد والإرادة تنبيهًا أنه لا يقصد في ذلك ضرًا ولا نفعًا لكونه جمادًا. والثاني يعني به ما نشأ وتولد من عبادته إياه واستعانته به في مهماته ما لا يكون منه بقصده. قوله تعالي: ﴿مستهم البأساء والضراء﴾ [البقرة: ٢١٤] الضراء: الضر. وتقابل السراء بالنعماء وتقدم وجه الجمع بين البأساء وبينها في باب الباء. قوله تعالي: ﴿ولا يضار كاتبٌ ولا شهيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يجوز أن يكون مبنيًا للفاعل بمعني أنه نهي الكاتب والشهيد عن مضارة المكتوب له والمشهود له، بأن يكتب له ما لا يخلصه، وأن يؤخر الشاهد شهادته عند الحاجة إليها، وأن يكون مبنيًا للمفعول بمعني أنه لا ينبغي أن

стр. 890

يعطلا عن معاشهما حسبما بينا ذلك بيانًا شافيًا في ((القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز)) وحسبما أيضًا بينا القراءات الواردة في ذلك، الشاهدة بكلتا القراءتين في ((الدر)) وغيره. قوله: ﴿لا تضار والدةٌ بولدها﴾ [البقرة: ٢٣٣] هو كالذي قبله في احتمال الوجهين قد بينا الحكمين والقراءات أيضًا في الكتابين المشار إليهما. وقرئ هنا برفع الراء وهو خبرٌ في معني النهي، وبفتحها علي صراحة النهي. والضرير: غلب علي فاقد البصر، فعيل بمعني مفعول. والضرير أيضًا شاطئ والوادي تخيلًا أن الماء قد ضره. والضرير أيضًا: الضار. والضرة: غلبت علي المرأة المصاحبة لزوجةٍ أخري. وأصلها الفعلة من الضر تخيلًا أنها نفس الضرر الحاصل لصاحبتها منها. وبهذا النظر قال ﵊: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما في صحفتها)). والمتزوج بالضرة يقال له الضرار. وضرارٌ أيضًا علمٌ برجلٍ مشهورٍ وهو ضرار بن الأزور. ويقال: زوجٌ مضرٌ، أي ذو زوجين، قال: وامرأةٌ مضرٌ بغير تاء، أي لها ضرة من آخر صار ذا ضرة. قوله: ﴿فمن اضطر﴾ [البقرة: ١٧٣] أي ألجئ، افتعالٌ من الضر، فقلبت التاء طاء لوقوعها بعد حرف الإطباق. وقيل: هو حمل الإنسان علي ما يضره. وقيل: هو في العرف الحمل علي ما يكره، وذلك علي ضربين: أحدهما اضطرابٌ بسببٍ خارجٍ، كمن يضرب أو يهدد حتى ينقاد أو يؤخذ قهرًا، فيحمل علي ما يكرهه. وعليه قوله تعالي: ﴿ثم أضطره إلي عذاب النار﴾ [البقرة: ١٢٦]، والثاني بسبب داخل، وذلك إما بقهر قوةٍ لا يناله بدفعها هلاكٌ، كمن غلب عليه شهوة خمر أو قمار، وأما بقهر قوةٍ يناله بدفعها هلاك، كمن اشتد به الجوع، فاضطر إلي أكل ميتةٍ ونحوها. وقوله: ﴿فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] أي باغٍ ما حد له ولا عاد في زيادته علي سد رمقه أو شبعه، حسبما بينا ذلك في ((القول الوجيز)). قوله: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ [النمل: ٦٢] هو عام في كل أنواع الاضطرار. وقولهم:

стр. 891

الضروري هو نسبةٌ للضرورة، ويقال ذلك باعتبار ثلاثة أوجهٍ: أحدها ما يكون علي سبيل القسر كالغصن المحرك بريحٍ شديدةٍ. والثاني ما لا يحصل وجوده إلا به نحو الغذاء الضروري للإنسان في حفظ بدنه. والثالث يقال فيما لا يمكن أن يكون علي خلافه كقول المتكلمين: الحسم الواحد لا يجوز حصوله في مكانٍ واحدٍ في آنٍ واحدٍ بالضرورة. قوله تعالي: ﴿لا يضركم﴾ [آل عمران: ١٢٠] قرئ بضم الفاء وتشديد العين من الضر، وبكسر الفاء وسكون العين. يقال: ضره وضرا وضاره ضيرًا. ومنه قوله تعالي: ﴿لا ضير﴾ [الشعراء: ٥٠] وضاره يضوره، ثلاث لغاتٍ بمعني. وضاررته: خالفته وأنشد للنابغة: [من المتقارب]. ٩١٩ - وخصمي ضرارٍ ذوي تدرإ ... متى بات سلمها يشغبا. وفي بعض روايات حديث الرؤية ((لا تضارون في رؤيته)) أي لا تتخالفون. ض ر ع: ﴿إذا جاءهم بأسنا تضرعوا﴾ [الأنعام: ٤٣]. التضرع: التذلل والخضوع والاستكانة. وفي الحديث أنه قال في ولدي جعفرٍ: ((مالي أراهما ضارعين؟)) فالضارع: الذليل. وأنشد: [من الطويل]. ٩٢٠ - ليبك يزيد ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ مما تطيح الطوائح.

стр. 892

وقد ضرع ضراعةً وأنشد: [من الوافر]. ٩٢١ - أذاقكم الضراعة والهوانا. فهو ضارعٌ وضرعٌ. فالتضرع: إظهار الضراعة. ومنه قوله تعالي: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ [الأعراف: ٥٥] أي ذوي أو دعاء. قوله: ﴿إلا من ضريعٍ﴾ [الغاشية: ٦] قيل: هو نبتٌ أحمر منتن الريح يرمي به البحر. وقيل: هو الشبرق: نبتٌ بالحجاز ذو شوكٍ. وهو شبرقٌ ما دام رطبًا، فإذا يبث فهو ضريعٌ. وهذا تمثيلٌ لهم بما يكرهونه مطعمًا لدوابهم، وإلا فيا ليتهم يكتفي لهم بأكل ما هو أفظع وأشنع من ذلك. والمضارعة: المشابهة، مأخوذةٌ من ضرع الشاة لأن كلًا من الضرعين يشبه الآخر. ومن ثم قال النحوي: الفعل المضارع لأنه شابه الاسم في أشياء حررناها في غير هذا الوضع. والضريع أيضًا: الشاه العظيمة الضرع. وقد أضرعت: نزل اللبن من ضرعها لقرب نتاجها نحو ألبن: كثر لبنه. وضرع الحمل: تناول ضرع أمه. فصل الضاد والعين . ض ف ع: قوله تعالي: ﴿الذي خلقكم من ضعف﴾ [الروم: ٥٤] الضعف يقابل القوة. وغالب وردهما في الأجسام الحيوانية. وقرئ بضم الفاء وفتحها فقيل: لغتان، فقال الخليل بالضم في البدن وبالفتح في العقل والرأي، فقوله تعالي: ﴿خلقكم من ضعفٍ ثم جعل من بعد ضعفٍ قوةً ثم جعل من بعد قوةٍ ضعفًا وشيبةً﴾ [الروم: ٥٤] فهذه ثلاثة أضعاف كلٌ منها غير الآخر، وذلك أن الضعف الأول إشارةٌ إلي كونه من نطفةٍ أو ترابٍ. والثاني إلي كونه جنينًا. والثالث إلي ضعف الشيخوخة والهرم، وهو المشار إليه بقوله: ﴿أرذل العمر﴾ [النحل: ٧٠] ﴿أسفل سافلين﴾ [التين: ٥] ﴿ننكسه في الخلق﴾ [يس: ٦٨]. وأما القوتان فأولهما المجعولة للطفل من التحرك وهدايته لاستدعاء اللبن ودفع الأذى عن نفسه بالبكاء. والثانية من بعد البلوغ، ويدل علي كون كل واحدٍ من

стр. 893

المذكورات غير الآخر إعادته منكرًا إذ هو من قواعد اللغة أنه متى ذكرت نكرة وأريد أعادتها عرفت نحو ﴿فعصي فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٦] فإن نكرت عرفت به غير الأول. ومن ثم روي عن ابن عباسٍ، ويروي مرفوعًا أيضًا ((لن يغلب عسرٌ يسرين)) من هذه الحيثية التي ذكرناها والله أعلم. والجمع أضعافٌ. والضعيف: من كان به الضعف وجمعه ضعفاء، ومنه ﴿وله ذرية ضعفاء﴾ [البقرة: ٢٦٦] وضعافٌ منه: ﴿من خلفهم ذريةً ضعافًا﴾ [النساء: ٩]. وقوبل تارةً بالقوة وتارةً بالاستكبار، ومنه ﴿قال الذين استكبروا للذين استضعفوا﴾ [سبأ: ٣٢]. قوله: ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ [النساء: ٢٨] إشارةٌ إلي كثرة حاجاته التي استغني عنها الملأ الأعلى. قوله: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفًا﴾ [النساء: ٧٦] فضعفه إنما هو مع من وفقه من عباده الذين أشار إليهم بقوله تعالي: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. قوله تعالي: ﴿يضاعف لهم العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] أي مثلي عذاب غيرهم. قال الهروي: والضعف: المثل إلي ما زاد. نقل ابن عرفة عن أبي عبيدة أن الضعفين اثنان. قال: وهذا قولٌ لا أحبه لأنه قال في آيةٍ أخري: ﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ [الأحزاب: ٣١] فاعلم أن لها من هذا حظين ومن هذا حظين. وقد أتقن ذلك بعضهم فقال: الضعف من الأسماء المتضايقة التي يقتضي وجود أحدهما وجود الآخر كالنصف والزوج، وهو تركب قدرين متساويين، ويختص بالعدد، فإذا قيل: أضعفت الشيء وضعفته وضاعفته: ضممت إليه مثله فصاعدًا. قال: فالضعف مصدرٌ، والضعف

стр. 894

اسمٌ كالشيء والشيء. فضعف الشيء هو الذي يثنيه. ومتى أضيف إلي عددٍ اقتضي ذلك العدد مثله، نحو أن يقال: ضعف عشرةٍ وضعف مئةٍ، فذلك عشرون ومائتان بلا خوفٍ. قال الشاعر علي هذا: [من الطويل]. ٩٢٢ - جزيتك ضعف الود لما اشتكيته ... وما إن جزاك الضعف من أحدٍ قبلي. وإذا قيل: أعطه ضعفي واحدٍ اقتضي ذلك ومثليه، وذلك ثلاثةٌ، لأن معناه واحد واللذان يزاوجانه وذلك ثلاثةٌ. هذا إذا كان مضافًا، فإن لم يكن مضافًا فقلت: الضعفين فإن ذبك قد يجري مجري الزوجين في أن كل واحد منهما يزاوج الآخر فيقتضي ذلك اثنين لأن كل واحدٍ منهما يضاعف فلا يخرجان عن الاثنين بخلاف ما إذا أضيف الضعفان إلي واحدٍ فيثلثهما. وقال أبو بكر بإسناده عن هشام بن معاوية النحوي عن أبيه قال: العرب تتكلم بالضعف مثني فتقول: إن أعطيتني درهمًا فلك ضعفه. قوله: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾ [آل عمران: ١٣٠] قيل: أتي بالفظين علي التأكيد. وقيل: بل بالمضاعفة من الضعف- بالفتح- لا من الضعف- بالكسر- قيل: ومعناه ما يعدونه ضعفًا هو ضعفٌ أي نقصٌ كقوله: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قوله تعالي: ﴿فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾ [الأعراف: ٣٨]. سألوا أن يعذبهم عذابًا بضلالهم وعذابًا آخر بإضلالهم كما أشار بقوله تعالي: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملةً يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وقوله: ﴿لكلً ضعفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي لكل منهم ضعف ما لكم من العذاب، وقيل، أي لكلٍ منكم ومنهم ضعف ما بدا للآخر، فإن من العذاب ظاهرًا وباطنًا. وكل لا يدرك من الآخر إلا الظاهر دون الباطن فيقدر أن ليس له العذاب الباطن. قوله تعالي: ﴿إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٥﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات علي تقدير ركونك إلي ما استدعوك. وليس في هذا الخطاب غض منه ﵊ ولا نقصٌ من مرتبته ولا وعيدٌ له، وإنما ذكره

стр. 895

تعالى منةً عليه بالتثبيت بالنبوة. قوله: ﴿فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩] أي المتصدقون ابتغاء وجه الله تعالي، أولئك هم أصحاب التضعيف أي زيادة الحساب لأنهم يجازون بالحسنة عشرة أمثالها، ولا إضعاف أكثر من ذلك. يقال: أضعف الرجل فهو مضعفٌ، أي ذو أضعافٍ في الحسنات. قوله: ﴿فأولئك لهم جزاء الضعف﴾ [سبأ: ٣٧] قال ابن الأنباري: يريد جزاء المضاعفة فألزم التضعيف التوحيد لأن المصادر ليس سبيلها التثنية والجمع يزيدون مثله، وإفراده لا بأس به، إلا أن التثنية أحسن. قال أبو عبيدة: ضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وقوله: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠] يجعل إلي الشيء شيئان حتى يصير ثلاثةً. قلت: قد تقدم حكاية ابن عرفة عنه في ذلك. وقوله: إنه لا يحبه، أي لا يختاره لقوله: ﴿نؤتها أجرها مرتين﴾ [الأحزاب: ٣١] كما مر شرحه. وقال الأزهري: الضعف في كلام العرب: المثل إلي ما زاد وليس بمقصور علي مثلين فيكون ما قال أبو عبيدة صوابًا بل جائزٌ في كلام العرب أن نقول: هذا ضعفه، أي مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل وزيادةٌ غير محصورةٍ. ألا تري قوله تعالي: ﴿فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا﴾ لم يرد به مثلًا ولا مثلين ولكنه أراد بالضعف الأضعاف وأولي الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله لقوله تعالي: ﴿من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها﴾ [الأنعام: ١٢٠] فأقل الضعف محصورٌ وهو المثل وأكثره غير محصورٍ. وإنما أوسعت الكلام لاختلاف الناس فيه حتى اختلف الفقهاء في ما لو أوصي موصٍ لزيدٍ بضعف ما لابنه ماذا يعطي، ومذهبنا أن ضعف الشيء هو مثله، وضعفاه هو مثلاه، وهلم جرا.

стр. 896

فصل الضاد والغين . ض غ ث: قوله تعالي: ﴿وخذ بيدك ضغثًا﴾ [ص: ٤٤]. الضغث: قبضةٌ من حشيشٍ أو ريحانٍ أو قضبانٍ. وفي التفسير: أن أيوب ﵇ حلف ليضربن امرأته مئة سوطٍ، فأفتاه الله تعالي بأن يأخذ حزمة مئة فيضربها فيبر، علي ما أوضحناه في موضعه. وبذلك شبهت الأحلام المختلطة فقيل: ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف: ٢٤] أي أخلاطٌ مجتمعةٌ لا يدري ما تأويلها. وقولهم: ﴿أضغاث أحلامٍ﴾ حكمٌ منهم بذلك. ثم إنهم رجعوا وقالوا: يحتمل أن يكون أضغاثًا، فاعترفوا بعدم العلم بتأويلها حتى نفذ الله قدره. وقال مجاهدٌ: أهاويل الأحلام. وقال ابن اليزيدي: الضغث: ملء اليد من الحشيش، أي قبضة من أسلٍ فيها مئة قضيبٍ. والفعل الضغث- بالفتح- يعني المصدر. ويقال: ضغث الحشيش ضغثًا، أي حزمه حزمًا. فكان الضغث بمعني المضغوث كالريح. ومعني كلام أبي هريرة: ((لأن يمشي معي ضغثان من نارٍ أحب إلي [من] أن يسعي غلامي خلفي)). أي حزمتان من حطب نارٍ. ومن كلام الكلابي: ((الناس يضغثون أشياء علي غير وجهها. قيل: وما يضغثون؟ قال: يقولون الشيء حذاء الشيء، وليس به)) ض غ ن: قوله تعالي: ﴿ويخرج أضغانكم﴾ [محمد: ٣٧] أي أحقادكم، من: أضغن عليه فعله، أي حقد عليه. وقيده بعضهم فقال: هو الحقد الشديد، فهو أخص. ويقال فيه: ضغن وضغن. ومنه قولهم: دابةٌ ذات ضغنٍ: إذا عسر قودها. وفرسٌ ضاغنٌ: لم يعط ما عنده من العدو. وناقةٌ ذات ضغنٍ كذلك. وقناةٌ ضغينةٌ: عوجاء. كل ذلك على

стр. 897

الاستعارة. والإضغان: الاشتمال بالثوب والسلاح، كاشتمال المضاغن علي ضغنه. فصل الضاد واللام . ض ل ل: قوله تعالي: ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧] قيل: هم النصارى، ﴿والمغضوب عليهم﴾ [الفاتحة: ٧] هم اليهود، لقوله في حق النصارى: ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٧٧]. وفي حق اليهود: ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾ [المائدة: ٦٠]. والضلال في الأصل: إما العدول عن الطريق المستقيم وإما الغيبوبة والضياع، والأول يقابله الهداية، والثاني يقابله الوجدان. والضلال يقال لكل عدولٍ عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا، يسيرًا كان أو كثيرًا. قال بعضهم: لأن الطريق المستقيم الذي هو المرتضي صعب السلوك أو ممتنعٌ إلا علي من عصم الله تعالي. ومن ثم قال ﵊: ((استقيموا ولم تحصوا)). وقال تعالي: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠]. ولهذا روي أن بعض الصلحاء رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم في منامه فقال: ((يا رسول الله روي لنا أنك قلت: شيبتني هودٌ وأخوتها. فما الذي شيبك منها؟ فقال: قوله تعالي: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]. قال: وإذا كان الضلال ترك الطريق المستقيم سهوًا كان أو عمدًا، يسيرًا كان أو كبيرًا صح استعمال الضلال فيمن يوجد منه خطأ ما من غير قصد، قال هذا القائل: ولعل من ذلك نسب الضلال إلي مذكرٍ لا ينبغي ذكره هنا. قال: والكفار كذلك وإن كان بين الضلالين بون بعيد. قال: ألا تري أنه قال: ﴿ووجدك ضالًا فهدي﴾ [الضحى: ٧] أي غير مهتدٍ إلي ما سبق إليك من النبوة. ﴿قال فعلتها إذًا وأنا من الضالين﴾ [الشعراء: ٢٠]. وقال: ﴿إن أبانا لفي ضلال مبينٍ﴾ [يوسف: ٨] تنبيهًا أن

стр. 898

ذلك منهم سهوٌ. انتهي. ولا شك أن الله تعالي يقول في حق عباده ما شاء وليس لنا أن نقول ذلك إلا علي سبيل الحكاية لكلامه تعالي لا علي الإخبار. ألا تري- وإن كان بين القياسين بون- أن السلطان يدعو أكثر خواصه باسمه وينسب إليه بعض الأوصاف فيتحلي بذلك ويعظم به عند الناس، وليس لأحد الخواص ممن هو في رتبته فضلًا عمن هو أعلي بطنًا أن يخاطبه ببعض ذلك؟ وأما تفسير قوله: ﴿ووجدك ضلًا فهدي﴾ فحسنٌ جدًا، وهو الذي ينبغي أن لا يجوز غيره. ومثله ما قال الهروي: أي لا تعرف شريعة الإسلام فهداك لها، وهو مثل قوله تعالي: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]. قلت: ومثله قوله تعالي: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل: الضلال هنا: الضياع. يروي أنه ضل من جده وهو صغيرٌ في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهلٍ. وقيل: بل أضلته حليمة عند باب الكعبة فرده الله عليها. وهذا ونحوه لا بأس به. وأما ما يروي عن بعض المفسرين: كان علي دين قومه أربعين سنةٍ، فإن عني خلوهم من علم الشريعة التي طريقها السمع فمسلمٌ، وإن عني غير ذلك فبرأه الله من ذلك. وسمعت بعض أشايخي يقول: نمت ليلة مهتمًا بهذه الآية فرأيت في المنام كأن قائلًا يقول: مالك؟ فقصصت عليه أمري فقال: المراد ووجد أمتك ضلالًا فهداهم، فحذف المضاف للعلم كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] فسري عني فانتبهت من وقتي فلم أصبر إلي الصباح، فأوقدت المصباح فكتبته. وأما أمر موسي ﵇ فإن حال فعله ذلك كان حال صباه. فنعني بضلاله ما تقدم من أمر الشريعة، أي لم تكن وصلت إلي شريعةٍ بعد. وأما قول إخوة يوسف عن أبيهم ما قالوه. فإن كانوا غير أنبياء فذاك، وإن كانوا هم فيعنون في بعد عن عادة الناس في محبة أولادهم وغيبوبة الإضلال الذي هو مقابل الهداية. قوله تعالي: ﴿لا يضل ربي﴾ [طه: ٥٢] أي لا يغفل عنه. قوله: ﴿أن تضل إحداهما﴾ [البقرة: ٢٨٢] أي تنسي بدليل قوله: ﴿فتذكر إحداهما

стр. 899

الأخرى﴾. وقرئ: ﴿فتذكر﴾ بالتشديد فذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان. والضلال من وجه آخر ضربان: ضلالٌ في العلوم النظرية، كالضلال في معرفة الوحدانية ومعرفة النبوة المشار إليهما بقوله تعالي: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. أو ضلالٍ في العلوم العملية كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات. قوله: ﴿في العذاب والضلال البعيد﴾ [سبأ: ٨] أي في عقوبة الضلال البعيد. قوله: ﴿أئذا ضللنا في الأرض﴾ [السجدة: ١٠] أي غبنا، وهو كنايةٌ عن الموت واستحالة البدن. وقرئ بالمهملة وقد تقدم تفسيره. ويقال: أضللت اللبن في الماء. قوله: ﴿ألم يجعل كيدهم في تضليلٍ﴾ [الفيل: ٢] في تضييعٍ وبطلانٍ. قوله: ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٧٧] أي أضلوا غيرهم. والإضلال ضربان: أحدهما أن يكون بسببه الضلال، وذلك علي وجهين، إما أن يضل عنك الشيء كقولك: أضللت الدابة، أي ضلت عني. وإما أن يحكم بضلاله. فالضلال في هذين سببٌ للإضلال. والثاني أن يكون الأمر بالعكس، فيكون الإضلال سببًا للضلال، وهو أن يزين واحدٌ لآخر الباطل فيضل كقوله تعالي: ﴿لهمت طائفةٌ منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم﴾ [النساء: ١١٣] أي يتحررون أفعالًا يقصدون بها ضلالك، فلا يحصل من ذلك التحري إلا ما فيه ضلال أنفسهم. وإضلال الباري تعالي يقال باعتبارين: أحدهما أن يكون سببه الضلال، وهو أن يضل الإنسان فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلي طريق النار في الآخرة، وذلك الإضلال هو حقٌ وعدلٌ، فالحكم عن الضال بضلاله، والعدول به إلي النار عدلٌ. والثاني من إضلاله تعالي وضع جبلة الإنسان علي هيئة إذا راعي طريقًا محمودًا كان أو مذمومًا ألفه واستطابه ولزمه وتعذر صرفه وانصرافه عنه، ويصير ذلك كالطبع، ومن ثم قيل: العادة طبعٌ: [من المتقارب]. ٩٢٣ - يراد من القلب نسيانكم ... وتأبي الطباع على الناقل.

стр. 900

وهذه القوة في الإنسان فعلٌ إلهيٌ، قال الراغب: وإذا كان كذلك، وقد ذكر في غير هذا الموضع أن كل شيءٍ يكون سببًا في وقوع فعل تصح نسبة ذلك الفعل إليه. فيصح أن ينسب ضلال العبد إلي الله من هذا الوجه فيقال: أضله الله، لا علي الوجه الذي يتصوره الجهلة. قال: ولما قلناه جعل الإضلال المنسوب إلي نفسه للكافر والفاسق دون المؤمن بل نفي عن نفسه إضلال المؤمن فقال تعالي: ﴿وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم﴾ [التوبة: ١١٥] ﴿والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم﴾ [محمد: ٤] وقال في الكافر والفاسق: ﴿والذين كفروا فتعسًا لهم وأضل أعمالهم﴾ [محمد: ٨] ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦]. قال وعلي هذا النحو تقليب الأفئدة والأبصار في قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [الأنعام: ١١٠]. والختم علي القلب في قوله تعالي: ﴿ختم الله علي قلوبهم﴾ [البقرة: ٧] وزيادة المرض في قوله: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ [البقرة: ١٠]. قلت: مذهبه في ذلك مذهبٌ معتزليٌ، والحق أنه يجوز نسبة ذلك إلي الله حقيقة بمعني أنه خلق الإضلال في قلبه كما خلق الهداية في قلب قومٍ آخرين: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قوله: ﴿ربنا ليضلوا عن سبيلك﴾ [يونس: ٨٨] قيل: اللام للعاقبة كقوله: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا﴾ [القصص: ٨] وقول الشاعر: [من المتقارب]. ٩٢٤ - وللموت ما تلد الوالدات. وقول الآخر: [من الوافر].

стр. 901

٩٢٥ - لدوا للموت وابنوا للخراب. وضل ضلاله أي ما دام، نحو: شعرٌ شاعرٌ. وأنشد لجرير: [من الوافر]. -فقال الناس: ضل ضلال تيمٍ ... ألم يك فيهم رجلٌ رشيدٌ؟ فصل الضاد والميم . ض م ر: قوله تعالي: ﴿وعلي كل ضامرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، الفرس الخفيفة وكذا البعير، وذلك يكون من الأعمال لا من الهزل والضعف. يقال: ضمر ضمورًا فهو ضامرٌ، واضطمر يضطمر اضطمارًا فهو مضطمرٌ، وضمرته أنا. والمضمار: موضع يعد لسباق الخيل، وأصله الموضع الذي يضمر فيه. والمضمار أيضًا: وقت تضميرها، وتضميرها: أن تشد عليها سروجها ويجعل عليها جلالها، فتعرق تحتها، فيذهب رهلها. وفي حديث عمر بن عبد العزيز: ((كان ضمار المضمار)). قال أبو عبيدٍ: المال الغائب الذي لا يرجي. والضمير: ما ينطوي عليه القلب ويعسر الوقوف عليه لدقته. وقد تسمي القوة التي يحتفظ بها ذلك ضميرًا. والإضمار: الإخفاء. والضمير عند النحاة: ما افتقر إلي مفسرٍ له. وله أقسامٌ كثيرةٌ. والإضمار عندهم: حذف الشيء وإرادته، إلا أن الفرق بين الإضمار والحذف عندهم واضحٌ وإن اشتركا في عدم التلفظ. ض م م: قوله تعالي: ﴿واضمم إليك﴾ [القصص: ٣٢]. أصل الضم: الجمع بين شيئين فصاعدًا. والإضمامة: جماعةٌ من الناس أو من الكتب أو من الريحان. ومنه أسدٌ ضمضمٌ، أي يضم الأشياء إلي نفسه. وقيل: بل هو المجتمع الخلق. وفرسٌ سباق الأضاميم. إذا سبق جماعة أفراسٍ دفعة. وفي كتابه: ((فضرجوه بالأضاميم)) أي بجماهير الحجارة،

стр. 902

وهي حجارتها. والتضريج: التدمية من الإضريج وهو الخز الأحمر. وفي حديث الرؤية: ((لا تضامون)) مخفف الميم، أي لا يظلم بعضكم، من الضيم، ومثقلها من التضام، أي لا يزاحم بعضكم بعضًا فيريه إياه لظهوره. ومرت رواية أخري في مادة (ض ر ر) والله أعلم. فصل الضاد والنون . ض ن ك: قوله تعالي: ﴿فإن له معيشةً ضنكًا﴾ [طه: ١٢٤]. الضنك: الضيق. وقد ضنك عيشة ً ضنكًا فهو ضنيكٌ. ومن ذلك: امرأةٌ ضناكٌ ورجلٌ ضناكٌ: لمن اكتنز لحمه تصورًا لضيقه واكتنازه. والضناك: الزكام، لضيق المنخرين، والمزكوم مضنوك. وفي الحديث: ((شاةٌ لا مقورة الألياط ولا ضناكٌ)). الألياط، مر تفسيره في مادة (ل وط). وضناكٌ: مكتنزةٌ، كما عرفته. ض ن ن: قوله تعالي: ﴿وما هو علي الغيب بضنين﴾ [التكوير: ٢٤] أي بخيلٍ، من الضنة وهي البخل. يقال: ضن يضن بفتحهما في المضارع، لأن الماضي مكسورها بدليل قول الشاعر: [من البسيط]. ٩٢٦ - أني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا. لما فك اضطرارًا صرح بأصل الفعل. وهذا فكٌ شاذٌ كقولهم: مشت الدابة ألا وألل السقاء، في أخوان لهما. ويقال أيضًا: ضنن- بالفتح- فالمضارع مضموم العين،

стр. 903

على هذا حكاه الراغب. وقيل: الضنة: البخل بالشيء النفيس، فهو أخص. وفلانٌ علق مضنةٍ، مضنة بالفتح والكسر. والمعني أنه ﵊: ليس ببخيلٍ فيما يوحي إليه بل يبلغ جميع ما أنزل إليه امتثالًا لقوله تعالي: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧]. وفلانٌ ضني من بين أصحابي، أي هو ممن أبخل به لعزته ونفاسته. وقد ضننت به صنًا وضنانةً. وفي الحديث: ((إن لله ضنائن من خلقه يحييهم في عافيةٍ ويميتهم في عافية)) أي خصائص. وقرئ ((بظنين)) بالمسألة. وسيأتي في باب الظاء إن شاء الله تعالي. فصل الضاد والهاء . ض هـ ا: قوله تعالي: ﴿يضاهون قول الذين كفروا من قبل﴾ [التوبة: ٣٠] قرأ عاصم: ﴿يضاهئون﴾ بالهمز من ضاهأت فلانًا: شابهته. والمضاهأة: المشابهة. وامرأة ضهياء: لا تحيض كأنها تشبه الرجال في ذلك، والجمع ضهي نحو حمراء وحمر، ويقال: ضهيٌ من غير مد. وقيل: المضاهأة: المشاكلة، وهو قريبٌ مما تقدم. وقال ابن عرفة: المضاهأة: معارضة الفعل بمثله. قال قتادة: ضاهت النصارى اليهود فقالوا: الميسح ابن الله كقول أولئك: عزيرٌ ابن الله، تعالي الله عن ذلك. وقرئ ﴿يضاهون﴾ غير مهموزٍ فقيل: لغةٌ فيه. وقيل: أصله الهمز فخفف، وقد حققناه في ((الدر)) وغيره. وفي الحديث: ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون خلق الله)) أي المصورون.

стр. 904

فصل الضاد والواو . ض وا: قوله تعالي: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾ [البقرة: ٢٠]. الضوء: ما انتشر من الأجسام النيرة، يقال: ضاءت النار وأضاءت وغيرها. وقيل: ضاء وأضاء لغتان بمعني واحدٍ، وأنشد: من الطويل]. ٩٢٧ - أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبة. فقيل: متعد نصب دجى. وقيل: نصبه علي الظرف. وسمي الله كتبه المنزلة ضياءً من حيث إنها تنير وتبصر من اهتدي بها. ويقال: ضوءٌ وضوء- بالفتح والضم- وضاء يضوء، وأضاء يضئ. قال تعالي: ﴿يكاد زيتها يضئ﴾ [النور: ٣٥]، قال ابن عرفة: هذا مثلٌ ضربه الله لرسوله ﵊، يقول: يكاد منظره وإن لم يتل قرآنًا وأنشد في المعني عبد الله بن رواحة: [من البسيط]. ٩٢٨ - لو لم يكن فيه آياتٌ مبينةٌ ... كانت بديهته تنبيك بالخبر. وفي الحديث: ((لا تستضيئوا بنار أهل الشرك)) أي لا تستشيروهم. وقوله تعالي: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧] ولم يقل بضيائهم وإن كان أخص، إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. فكان نفي الأعم أبلغ. وقد حققت هذا في ((الدر)) و ((البحر الزاخر)). وقرئ ((بضئائهم)) بهمزتين، وهو مقلوبٌ من ضياءٍ بصناعةٍ تصريفيةٍ حققناها في غير هذا الموضوع. ض ور: قوله تعالي: ﴿لا يضركم﴾ [المائدة: ١٠٥] وقرئ بضم الضاد وتخفيف الراء

стр. 905

من: ضاره يضوره، أي ضاره يضيره. وفي الحديث: ((دخل علي امرأةٍ وهي تتضور من شدة الحمي)) أي تظهر الضير الذي بها وتضطرب، تفعلٌ من الضور بمعني الضير والضر. وقيل: التضور: التضعف، من قولهم: رجلٌ ضورةٌ وامرأةٌ ضورةٌ. فصل الضاد والياء . ض ي ر: قوله تعالي: ﴿قالوا لا ضير﴾ [الشعراء: ٥٠]، الضير بمعني الضر والضرر والضور. يقال: لا ضير ولا ضر ولا ضرر ولا ضور ولا ضارورة، كله بمعني واحدٍ، وقد تقدم. ض ي ز: قوله تعالي: ﴿تلك إذًا قسمةٌ ضيزي﴾ [النجم: ٢٢] أي ناقصةٌ، وقيل: جائزةٌ. يقال: ضازه يضيزه أي جار عليه في القسمة، وأصلها ضيزي فقلبت الضمة كسرةً، وإنما قيل ذلك إذ ليس في كلامهم فعلي صفةً بل فعلي. وقرأ ابن كثيرٍ ((ضئزي)) فقيل: قراءة الجماعة مخففةٌ منها، وقيل: لغتان، ضازه يضازه. وقد أتقنا هذا في ((الدر)) و ((العقد)) والحمد لله. ض ي ع: قوله تعالي: ﴿أنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا﴾ [الكهف: ٣٠]. يقال: ضاع الشيء يضيع ضياعًا: إذا فقد ولم يعلم موضعه، واستعمل في الإبطال كالإضلال فيقال: أضاع عمله وضيعه. وقيل لبلدة الرجل التي يأخذ غلتها ضيعته، باعتبار إذا لم يتفقدها ضاعت. وجمعها ضياعٌ. وتضيع الريح: هبت هبوبًا كأنها ضيعت ما هبت عليه. وأما التضوع ففوح الرائحة، وليس من هذا. وقال الهروي: ضيعة الرجل: ما يكون منه معاشه من صناعةٍ أو غلةٍ. ونقل عن شمرٍ أنه يدخل في ذلك الحرفة والتجارة. ويقال:

стр. 906

ما ضيعتك؟ فيقال: كذا. وفي الحديث: ((أفسد الله ضيعته)) وفيه أيضًا: ((من ترك ضياعًا)) وهو مصدرٌ وقع موقع الوصف، أي ضائعًا، وأن كسر صار جمع ضائع نحو جائع وجياع. قوله: ﴿أضاعوا الصلاة﴾ [مريم: ٥٩] قيل: أخروها عن وقتها المحدود لها شرعًا، فكيف بمن ترك؟ ويدخل في ذلك من لم يحافظ علي شروطها. وربما يدخل من لم يواظب علي سننها. ض ي ف: قوله تعالي: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم﴾ [الذاريات: ٢٤] سماهم ضيفًا وهم ملائكةٌ، يقال إنهم جبريل وميكائيل وملك الموت، لأنهم أتوه في صورة الضيف، والمضيف الذي يأتي زائدًا مع الضيف من غير استدعاءٍ وهو الطفيلي، وزادوا فيه النون منبهةً علي ذلك. وأصل الضيف مصدرٌ بمعني الميل. يقال: ضعفت إلي كذا وأضفته وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل]. ٩٢٩ - فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلي كل حاري [قشيبٍ مشطب]. ومنه الإضافة النحوية، لأن فيها إمالة أحد الاسمين إلي الآخر علي المجاز. وضافت الشمس للغروب: مالت وتضيفت. ومنه الحديث: ((نهي عن الصلاة إذا تضيفت الشمس)). أي مالت. وضاف السهم عن الهدف، فسمي الضيف ضيفًا لميله إلي من ينزل به. وصارت الضيافة متعارفة في القري. ووحد الضيف لأنه مصدرٌ، وقد جمع فقيل: أضيافٌ وضيوفٌ وضيفانٌ. يقال: أضفته وضفته بمعني واحدٍ. وقيل: ضيفته: أنزلته منزلة الأضياف. قال تعالي: ﴿فأبوا أن يضيفوهما﴾ [الكهف: ٧٧]. وقد فعل اللئام

стр. 907

الأمرين بنبي الله ووليه. وأضاف من الأمر: أشفق منه أيضًا. وضاف لغةٌ فيه. وجاء اثنان لعلي ﵁ فقالا: ((أتيناك مضافين)) ففهم عنهما فأمنهما. والمضوفة: الأمر الذي يشفق منه. فإن كان أضاف بمعني أشفق منه فتلك مادة أخري. ض ي ق: قوله تعالي: ﴿ولا تك في ضيقٍ مما يمكرون﴾ [النحل: ١٢٧]. الضيق والضيق- بالفتح والكسر- ضد السعة. وغلب استعمال الضيقة في الفقر والبخل والغم ونحو ذلك. وقال ابن عرفة: ضاق الرجل: بخل، وأضاق: افتقر، كأنه صار ذا ضيقةٍ. ونقل الراغب أنه يقال في الفقر ضاق وأضاق فهو مضيقٌ، واستعمل ذلك. كما أنهم استعملوا الوسع في ضده، قال تعالي: ﴿وضاق بهم ذرعًا﴾ [هود: ٧٧] كنايةٌ. عن غمه ﵊ بما يلاقي من قومه بسببهم. قوله: ﴿وضائقٌ به صدرك﴾ [هود: ١٢] عدل عن ضيقٍ إلي ضائقٍ دلالةً علي حدوث ذلك وتجدده لإثباته واستقراره. قوله: ﴿ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ [التوبة: ١١٨] من أبلغ كلامٍ مرشحٍ، صور أن الأرض كلها صارت مجالًا لهم ومع ذلك أحسوا بضيقها، ثم لم يكتف بذلك حتى رشحه بقوله: ﴿بما رحبت﴾ يعني ما رحبها وسعتها. قوله: ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ [التوبة: ١١٨] مثلٌ في شدة الخناق وسد طريق الفرج، جعل أنفسهم شيئًا يوصف بالسعة والضيق تمثيلًا، قوله: ﴿يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقرئ مخفف الياء كميتٍ وميتٍ إشارةً إلي ضيق النفس المذكور. وجعله حرجًا مبالغةً في ذلك، عكس من وصفه بأن شرح له صدره. والمراد التعميمة والتحير علي من أراد إضلاله والتبصرة والدلالة لمن أراد هدايته. ولا دليل أوضح منه علي مذهب أهل السنة كما بيناه في غير ذلك. وقال ابن السكيت: الضيق والضيق بمعني واحدٍ كما تقدم. وعن الفراء: المفتوح ما ضاق عنه صدرك، والمكسور الذي

стр. 908

يتسع ويضيق كالدار والثوب. وقوله: ﴿وضاق بهم ذرعًا﴾ أصله من ذرع الناقة. وهو خطوها. فإذا أعيت قيل: ضاق ذرعها ومذارعها: قوائمها. فجعل مثلًا لمن ضاق صدره وعجز وقلت حيلته. وذرعًا تمييزٌ محمولٌ من الفاعلية إذ الأصل: ضاق ذرعه. قوله: ﴿ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن﴾ [الطلاق: ٦] يشمل التضييق في النفقة وفي المعاشرة وأي ضيقٍ أضيق منهما؟.

стр. 909

باب الطاء فصل الطاء والباء ط ب ع: قوله تعالى: ﴿بل طبع الله عليها﴾ [النساء: ١٥٥] قد تقدم في مادة الجيم أن ذلك حقيقة عند بعضهم مجاز عند آخرين، وهل هو من مجاز التخييل أو التمثيل. وقد فسر كثير من الناس الطبع بالختم وليس كذلك؛ فإن الطبع أن تصور الشيء بصورة ما كطبع الدراهم بالسكة. قال بعضهم: هو أعم من الختم وأخص من النقش والطابع والخاتم -بالفتح- ما يطبع به ويختم كالقالب لما يقلب فيه -وبالكسر- هو الفاعل لذلك لأنه اسم فاعل. وقد قيل للطابع بالفتح طابع بالكسر نسبة للفعل لدلالته نحو: سيف قاطع. والطبيعة: السجية التي طبع عليها الإنسان تصويراً أنه نقش ذلك فيه. ومنه الحديث: ((طبع يوم طبع كافر)) وهو كالفطرة. وقيل للسجية طبيعة من حيث إن النفس تنتقش بصورة ما؛ إما من حيث الخلقة وإما من حيث العادة وهو فيما ينتقش به حيث الخلقة أغلب. وطبيعة النار: ما سخره الله تعالى فيها من الإحراق، وطبيعة الداء والدواء: ما سخره الله فيهما من السقم. والطباع بمعنى الطبيعة أيضًا، ومنه قول المتبني: [من المتقارب] ٩٣٠ - وتأبى الطباع على الناقل وقيل: الطباع: ما ركب عليه الإنسان من المأكل والمشرب وسائر الأخلاق التي لا تزايله. قيل: والطباع مؤنثة فيقال: طباعه حسنة، وطباعك كريمة لأنه بمعنى الطبيعة فأنث. وطبعت المكيال: ملأته، لكون الملء كالعلامة المانعة من تناول ما فيه. والطبع المطبوع، أي المملوء. وقال أبو بكر: أصل الطبع من الوسخ والدنس يغشيان السيف. ويقال: طبع يطبع طبعا، فاستعير لما يوسخ ويدنس من الآثام وفعل القبائح، وفي

стр. 910

الحديث: ((نعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع)). وعن مجاهد: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من ذلك كله، إلا أن الهروي قال: وكان الصدر الأول يرون الطبع هو الرين. قلت: يرون موافقة قوله تعالى: ﴿بل ران على قلوبهم﴾ [المطففين: ١٤] ﴿أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾ [المائدة: ٤١]. وكان المعنى أن الله جعل عليها صدأ كصدإ الحديد ووسخًا كوسخ الثوب منع بصيرتها من إبصار الهدى، ولله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم في عباده بما يريد. ط ب ق: قوله تعالى: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ [الانشقاق: ١٩] أي حالا بعد حال. والمعنى: يترقى منزلا عن منزل، وذلك إشارة إلى أحوال الإنسان من ترقيه في أحوال كثيرة في الدنيا الآخرة. أما في الدنيا فالإشارة إليها بقوله تعالى: ﴿خلقكم من تراب ثم من نطفة﴾ [غافر: ٦٧] إلى بلوغ الأشد وإناطة التكليف. وأما في الآخرة فالموت والإحياء للبعث، والبعث والنشور والحساب ومقاساة الأهوال وجواز الصراط وحضور الميزان إلى حين الاستقرار في إحدى الدارين. قيل: سميت الحال طبقا لأنها تملأ القلوب أو تشارف ذلك، ومنه الحديث: ((اللهم اسقنا غيثًا طبقًا)) أي تملأ الأرض مطرًا. وكل شيء علا شيئًا فهو طبق للأسفل. وقيل: المعنى لتركبن السماء حالا بعد حال كالمُهل، وفي حال كالفراش، وفي حال كالدهان وفيه نظر لأنه قُرئ ((لتركبن)) بفتح الباء وضمها على خطاب الواحد والجماعة. وفُسرت قراءة الفتح بأنها خطاب لرسوله ﵊ وأنه وعده بالإسراء أو بترقيه إلى المراتب العلية، وكل قد وقع. وقال ابن عرفة: الطبق: العالم، ومنه قول العباس بن عبد المطلب ﵁: ((إذا مضى عالم بدا طبق)) أي إذا ذهب قرن جاء آخر، سموا طبقًا لأنهم طبقوا الأرض. وفي حديث أم زرع: ((زوجي عياياء طباقاء)) أي أطبق عليه الحمق، وأطبق عنه الكلام أو أموره. قوله: ﴿سبع سماوات طباقًا﴾ [الملك: ٣] أي متطابقة بعضها فوق بعض، وكل منها طبق لما تحته.

стр. 911

والمطابقة من الأسماء المتضايقة؛ هو أن تجعل الشيء فوق أخر بقدر. ومنه قولهم: طابقت النعل، ساويت بينها، وأنشد: [من الطويل] ٩٣١ - إذا لاوذ الظل القصير بخفه ... وكان طباق الظل أو قال زائدا والطباق في اصطلاح أهل البديع ذكر الضدين، ولهذا يسمونه التضاد كقوله: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا﴾ [النجم: ٤٣ و ٤٤] ﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨]، وقيل: قيد يستعمل الطباق في الشيء الذي يكون فوق الآخر تارًة، وفيما يوافق غيره تارًة كسائر الأسماء الموضوعة لمعنيين. ثم يستعمل في أحدهما دون الآخر كالكاس والراوية ونحوهما. وطابقته على كذا: وافقته عليه؛ كأنك جئت طبقه. ومنه: أطبقوا وتطابقوا على كذا، أي أجمعوا. والجواب مطابق للسؤال: موافق له على قدره كمطابقة النعلين. والمطابقة: المشي كمشي المقيد. ويقال لكل ما يوضع عليه المأكول من فاكهة وغيرها، ولما يوضع على رأس الشيء: طبق، ولكل فقرة من فقرات الظهر: طبق. ومنه الحديث: ((ويصير ظهر المنافق طبقًأ واحدًا)). ويقال للواحدة طبقة. وطبق الليل والنهار: ساعاتهما المطابقة. وأطبقت الباب: أغلقته. ومنه رجل طباقاء وقد تقدم. وطبقته بالسيف: أصبت طبقه. وطبق المفضل: أصابه ولم يخطئه. ومنه استعير للإصابة في الجواب. منه قول ابن عباس لأبي هريرة ((حيث سأله فأفتاه: طبقت)). ومنه قيل لأعضاء الشاة طوابق، واحدها طابق. وفي المثل: ((وافق شن طبقه)) قيل: قبيلتان متكافئتان في الحرب. وقيل: رجل وامرأة في حكاية مشهورة. وطبقات الناس: رتبهم، ومنه قول الفقهاء: الطبقة السفلى والطبقة العليا؛ يعنون من في درجٍة واحدٍة. فصل الطاء والحاء ط ح و: قوله تعالى: ﴿والأرض وما طحاها﴾ [الشمس: ٦] أي بسطها. والطحو:

стр. 912

التوسيع. وطحا به الأمر: اتسع به في المداهنة. وأنشد لعلقمة بن عبدة: [من الطويل]. ٩٣٢ - طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب فصل الطاء والراء ط ر ح: قوله تعالى: ﴿أو أطرحوه أرضًا﴾ [يوسف: ٩]. الطرح: الإلقاء والإبعاد: والطروح: المكان البعيد، يقال: رأيته من طرٍح، أي من بعد. ويكون الإطراح غالبًا إلقاء الشيء غير معتد به. والطرح: المطروح أيضًأ نحو عدٍل وصوٍم. و ((أرضًا)) نصب على الظرف في أي أرٍض كانت. ط ر د: قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ [الأنعام: ٥٢]. الطرد: الإبعاد أيضًا، وقيل: هو الإبعاد مع الإزعاج على سبيل الاستخفاف. يقال: طردته وطردته وأطردته فهو مطرود ومطرد ومطرد. والصيد المطر يقال فيه: طرد وطريدة. ومطاردة الأقران: مدافعة بعضهم بعضًا. والمطر: ما يطرد به كالمنجل. واطراد الشيء متابعة بعضه بعضًا كأن كل بعض يطرد الآخر فيتبعه. ومنه قول العلماء: هذا مطرد، أي منقاس ولا يتوقف به على مكان ولا مسألة بعينها. وفي كلام أهل الكلام: الحد شرط الاطراد والانعكاس والطرد والعكس؛ فالطرد هو عبارة عن كونه مانعًا لغير المحدود أن يدخل فيه كأنه طرد غير المحدود. والعكس عبارة عن كونه جامعًا لأفراد المحدود. فقولك مثلا في حد الإنسان: الإنسان حيوان ماش: غير مطرود حيوان كاتب بالفعل غير منعكس. وفي حديث قتادة: ((يتوضأ الرجل بالماء الطرد)) هو الذي تخوضه الدواب لأنها تطرد فيه أي تتابع. وقيل: لأنها يدفع بعضها بعضًا. وفي الحديث: ((لا بأس بالسباق ما لم تطرده ويطردك)). الإطراد: أن تقول: إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلي عليك من

стр. 913

غير تحلل. ط ر ف: قوله تعالى: ﴿قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠] أي قبل أن يرتد إليك جفنك عند فتح عينك يقال: طرف يطرف: إذا فعل ذلك. وقال الفراء. معناه قبل أن يأتيك الشيء من مد بصرك. وقيل: بمقدار ما يبلغ إلى نهاية نظره، والأول أبلغ. قوله: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ [الرحمن: ٥٦] أي فاترات الطرف، وهو صفة مدح في الأعين. وقيل: قصرت أبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. والطرف: الجفن، وهو أيضًا تحريك [الجفن] للنظر إذ كان تحريك الجفن يلازمه الطرف. وطرف فلان: أصيب طرفه. قوله: ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: ٤١] أي من نواحيها، وذلك عبارة عن فتوح بلاد الشرك على عهد رسول الله ﷺ . وقيل: فتوح البلاد بعده. وفي ذلك دلالة على نبوته لصدق ما وعد به. والطرف: الناحية، وقيل: هو كناية عن موت العلماء، الواحد طرف بالكسر وسكون الراء. وقيل: يقال فيه طرف أيضًا. والأشراف يسمون الأطراف، كذا قال الهروي، وفي العرف العكس، وطرف الإنسان: جوارحه كاليدين والرجلين. والظاهر أن قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ عبارة عن أخذ الناس بالموت، وأن لا أحد يبقى كقوله تعالى: ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ [ق: ٤] قوله تعالى: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا﴾ [آل عمران: ١٢٧] أي جماعة منهم. وقيل فيهم ذلك من حيث إن تنقيص طرف الشيء يتوصل به إلى توهينه وإزالته، ومن ثم قيل: ((ننقصها من أطرافها)). قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤]، قيل هما صلاة الفجر والعصر. وأطراف النهار: ساعاته وأزمنته، كأطراف المكان لنواحيه. والطراف: بيت من الأدم من ذلك، لأنه يؤخذ طرفه. قال طرفة بن العبد: [من الطويل] ٩٣٣ - رأيت بني غبراء لا ينكرونني ** وأهل هذاك الطراف الممدد

стр. 914

وناقة طرفة: ترعى أطراف المرعى، والمرعى: طريف. وطريف: علم لرجل مشهور، وهو أبو رجل من الخوارج، قالت الفارعة ترثيه: [من الطويل] ٩٣٤ - أيا شجر الخابور مالك مورقًأ؟ ** كأنك لم تجزع على ابن طريف ومطرف الخز: ثوب منه، والجمع مطارف. قالت امرأة روح بن زنباع تهجوه: [من الطويل] ٩٣٥ - بكى الخز من روح وأنكر جلده ** وعجت عجيجًا من جذام المطارف ومال طريف: تشبيهًا بأطراف المرعى؛ يقال في خياره. ومنه طرف العراق. ورجل طريف: لا يثبت على امرأة. والطرف للفرس الكريم وللرجل الشريف. وتحقيقه أنه لحسنه يطرف، أي ينظر إليه. فالطرف بمعنى المطروف كالذبح بمعنى المذبوح. وبهذا المعنى قيل هو قيد النواظر، أي إذا رآه ناظر قتصر عليه فقيده مجازًا. وفي المثل: ((لا يدري أي طرفيه أطول)) قيل: طرفاه نسب أبيه ونسب أمه. يقال: هو كريم الطرفين، أي من جهة الآباء والأمهات. وقيل: طرفاه: ذكره ولسانه. وفسر قولهم: كريم الطرفين بعفة الفرج واللسان. ومنه قول قبيصة: ((ما رأيت أقطع طرفًا من عمرو)) يريد أدأب لسانًا منه. ومن كلام زياٍد: ((إن الدنيا قد طرفت أعينكم)) أي طمحت بأبصاركم إليها وشغلتكم عن الآخرة. وقال الأصمعي: امرأة مطروفة: طرفها حب المال أي أصاب طرفها حب المال؛ فهي تنظر إلى كل من أشرف عليها. وقيل: معناه صرفتكم، أي صرفت أعينكم عن

стр. 915

النظر في عواقبها. يقال: طرفت فلاتًا عن كذا، أي صرفته عنه. وأنشد: [من السريع] ٩٣٦ - إنك والله لذو ملة ... يطرفك الأدنى عن الأبعد ط ر ق: قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١] الطارق: النجم أي نجم كان. سمي طارقًا لأنه يرى ليلا. وكل من أتى ليلا أو رئي فيه سمي طارقًا. ومنه الحديث: ((نهى المسافر أن يأتي أهله طروقًا)) أي ليلاً. وفيه: ((إلا طارقًا يطرق بخير يارحمان)) وأصله أن الطارق هو السالك للطريق سمي طارقًا لأنه يطرق الأرض والسبيل برجله، أي يضربها بها عند سيره. ومن ثم سميت السبيل طريقًا، أي مطروقة بالأرجل، إلا أنه خص في العرف بالآتي ليلا فقالوا: طرق أهله طروقًا. وقول هند: [مجزوء الرجز] ٩٣٧ - نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق - إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق قيل: عنت بذلك أن أباها كالنجم في الشرف وعلو المنزلة. والطوارق: الحوادث الآتية ليلا. وطرق فلان: أصيب ليلا. قال الشاعر: [من الطويل] ٩٣٨ - كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر﴾ [طه: ٧٧]. الطريق: السبيل الذي يطرق بالأرض، أي يضرب بها. وعنه استعير لكل مسلك يسلكه الإنسان من الأفعال
следующие страницы →