← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والمطابقة من الأسماء المتضايقة؛ هو أن تجعل الشيء فوق أخر بقدر. ومنه قولهم: طابقت النعل، ساويت بينها، وأنشد: [من الطويل] ٩٣١ - إذا لاوذ الظل القصير بخفه ... وكان طباق الظل أو قال زائدا والطباق في اصطلاح أهل البديع ذكر الضدين، ولهذا يسمونه التضاد كقوله: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا﴾ [النجم: ٤٣ و ٤٤] ﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨]، وقيل: قيد يستعمل الطباق في الشيء الذي يكون فوق الآخر تارًة، وفيما يوافق غيره تارًة كسائر الأسماء الموضوعة لمعنيين. ثم يستعمل في أحدهما دون الآخر كالكاس والراوية ونحوهما. وطابقته على كذا: وافقته عليه؛ كأنك جئت طبقه. ومنه: أطبقوا وتطابقوا على كذا، أي أجمعوا. والجواب مطابق للسؤال: موافق له على قدره كمطابقة النعلين. والمطابقة: المشي كمشي المقيد. ويقال لكل ما يوضع عليه المأكول من فاكهة وغيرها، ولما يوضع على رأس الشيء: طبق، ولكل فقرة من فقرات الظهر: طبق. ومنه الحديث: ((ويصير ظهر المنافق طبقًأ واحدًا)). ويقال للواحدة طبقة. وطبق الليل والنهار: ساعاتهما المطابقة. وأطبقت الباب: أغلقته. ومنه رجل طباقاء وقد تقدم. وطبقته بالسيف: أصبت طبقه. وطبق المفضل: أصابه ولم يخطئه. ومنه استعير للإصابة في الجواب. منه قول ابن عباس لأبي هريرة ((حيث سأله فأفتاه: طبقت)). ومنه قيل لأعضاء الشاة طوابق، واحدها طابق. وفي المثل: ((وافق شن طبقه)) قيل: قبيلتان متكافئتان في الحرب. وقيل: رجل وامرأة في حكاية مشهورة. وطبقات الناس: رتبهم، ومنه قول الفقهاء: الطبقة السفلى والطبقة العليا؛ يعنون من في درجٍة واحدٍة. فصل الطاء والحاء ط ح و: قوله تعالى: ﴿والأرض وما طحاها﴾ [الشمس: ٦] أي بسطها. والطحو:

стр. 912

التوسيع. وطحا به الأمر: اتسع به في المداهنة. وأنشد لعلقمة بن عبدة: [من الطويل]. ٩٣٢ - طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب فصل الطاء والراء ط ر ح: قوله تعالى: ﴿أو أطرحوه أرضًا﴾ [يوسف: ٩]. الطرح: الإلقاء والإبعاد: والطروح: المكان البعيد، يقال: رأيته من طرٍح، أي من بعد. ويكون الإطراح غالبًا إلقاء الشيء غير معتد به. والطرح: المطروح أيضًأ نحو عدٍل وصوٍم. و ((أرضًا)) نصب على الظرف في أي أرٍض كانت. ط ر د: قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ [الأنعام: ٥٢]. الطرد: الإبعاد أيضًا، وقيل: هو الإبعاد مع الإزعاج على سبيل الاستخفاف. يقال: طردته وطردته وأطردته فهو مطرود ومطرد ومطرد. والصيد المطر يقال فيه: طرد وطريدة. ومطاردة الأقران: مدافعة بعضهم بعضًا. والمطر: ما يطرد به كالمنجل. واطراد الشيء متابعة بعضه بعضًا كأن كل بعض يطرد الآخر فيتبعه. ومنه قول العلماء: هذا مطرد، أي منقاس ولا يتوقف به على مكان ولا مسألة بعينها. وفي كلام أهل الكلام: الحد شرط الاطراد والانعكاس والطرد والعكس؛ فالطرد هو عبارة عن كونه مانعًا لغير المحدود أن يدخل فيه كأنه طرد غير المحدود. والعكس عبارة عن كونه جامعًا لأفراد المحدود. فقولك مثلا في حد الإنسان: الإنسان حيوان ماش: غير مطرود حيوان كاتب بالفعل غير منعكس. وفي حديث قتادة: ((يتوضأ الرجل بالماء الطرد)) هو الذي تخوضه الدواب لأنها تطرد فيه أي تتابع. وقيل: لأنها يدفع بعضها بعضًا. وفي الحديث: ((لا بأس بالسباق ما لم تطرده ويطردك)). الإطراد: أن تقول: إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلي عليك من

стр. 913

غير تحلل. ط ر ف: قوله تعالى: ﴿قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ [النمل: ٤٠] أي قبل أن يرتد إليك جفنك عند فتح عينك يقال: طرف يطرف: إذا فعل ذلك. وقال الفراء. معناه قبل أن يأتيك الشيء من مد بصرك. وقيل: بمقدار ما يبلغ إلى نهاية نظره، والأول أبلغ. قوله: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾ [الرحمن: ٥٦] أي فاترات الطرف، وهو صفة مدح في الأعين. وقيل: قصرت أبصارهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم. والطرف: الجفن، وهو أيضًا تحريك [الجفن] للنظر إذ كان تحريك الجفن يلازمه الطرف. وطرف فلان: أصيب طرفه. قوله: ﴿أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾ [الرعد: ٤١] أي من نواحيها، وذلك عبارة عن فتوح بلاد الشرك على عهد رسول الله ﷺ . وقيل: فتوح البلاد بعده. وفي ذلك دلالة على نبوته لصدق ما وعد به. والطرف: الناحية، وقيل: هو كناية عن موت العلماء، الواحد طرف بالكسر وسكون الراء. وقيل: يقال فيه طرف أيضًا. والأشراف يسمون الأطراف، كذا قال الهروي، وفي العرف العكس، وطرف الإنسان: جوارحه كاليدين والرجلين. والظاهر أن قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ عبارة عن أخذ الناس بالموت، وأن لا أحد يبقى كقوله تعالى: ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ [ق: ٤] قوله تعالى: ﴿ليقطع طرفًا من الذين كفروا﴾ [آل عمران: ١٢٧] أي جماعة منهم. وقيل فيهم ذلك من حيث إن تنقيص طرف الشيء يتوصل به إلى توهينه وإزالته، ومن ثم قيل: ((ننقصها من أطرافها)). قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤]، قيل هما صلاة الفجر والعصر. وأطراف النهار: ساعاته وأزمنته، كأطراف المكان لنواحيه. والطراف: بيت من الأدم من ذلك، لأنه يؤخذ طرفه. قال طرفة بن العبد: [من الطويل] ٩٣٣ - رأيت بني غبراء لا ينكرونني ** وأهل هذاك الطراف الممدد

стр. 914

وناقة طرفة: ترعى أطراف المرعى، والمرعى: طريف. وطريف: علم لرجل مشهور، وهو أبو رجل من الخوارج، قالت الفارعة ترثيه: [من الطويل] ٩٣٤ - أيا شجر الخابور مالك مورقًأ؟ ** كأنك لم تجزع على ابن طريف ومطرف الخز: ثوب منه، والجمع مطارف. قالت امرأة روح بن زنباع تهجوه: [من الطويل] ٩٣٥ - بكى الخز من روح وأنكر جلده ** وعجت عجيجًا من جذام المطارف ومال طريف: تشبيهًا بأطراف المرعى؛ يقال في خياره. ومنه طرف العراق. ورجل طريف: لا يثبت على امرأة. والطرف للفرس الكريم وللرجل الشريف. وتحقيقه أنه لحسنه يطرف، أي ينظر إليه. فالطرف بمعنى المطروف كالذبح بمعنى المذبوح. وبهذا المعنى قيل هو قيد النواظر، أي إذا رآه ناظر قتصر عليه فقيده مجازًا. وفي المثل: ((لا يدري أي طرفيه أطول)) قيل: طرفاه نسب أبيه ونسب أمه. يقال: هو كريم الطرفين، أي من جهة الآباء والأمهات. وقيل: طرفاه: ذكره ولسانه. وفسر قولهم: كريم الطرفين بعفة الفرج واللسان. ومنه قول قبيصة: ((ما رأيت أقطع طرفًا من عمرو)) يريد أدأب لسانًا منه. ومن كلام زياٍد: ((إن الدنيا قد طرفت أعينكم)) أي طمحت بأبصاركم إليها وشغلتكم عن الآخرة. وقال الأصمعي: امرأة مطروفة: طرفها حب المال أي أصاب طرفها حب المال؛ فهي تنظر إلى كل من أشرف عليها. وقيل: معناه صرفتكم، أي صرفت أعينكم عن

стр. 915

النظر في عواقبها. يقال: طرفت فلاتًا عن كذا، أي صرفته عنه. وأنشد: [من السريع] ٩٣٦ - إنك والله لذو ملة ... يطرفك الأدنى عن الأبعد ط ر ق: قوله تعالى: ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١] الطارق: النجم أي نجم كان. سمي طارقًا لأنه يرى ليلا. وكل من أتى ليلا أو رئي فيه سمي طارقًا. ومنه الحديث: ((نهى المسافر أن يأتي أهله طروقًا)) أي ليلاً. وفيه: ((إلا طارقًا يطرق بخير يارحمان)) وأصله أن الطارق هو السالك للطريق سمي طارقًا لأنه يطرق الأرض والسبيل برجله، أي يضربها بها عند سيره. ومن ثم سميت السبيل طريقًا، أي مطروقة بالأرجل، إلا أنه خص في العرف بالآتي ليلا فقالوا: طرق أهله طروقًا. وقول هند: [مجزوء الرجز] ٩٣٧ - نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق - إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق قيل: عنت بذلك أن أباها كالنجم في الشرف وعلو المنزلة. والطوارق: الحوادث الآتية ليلا. وطرق فلان: أصيب ليلا. قال الشاعر: [من الطويل] ٩٣٨ - كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل قوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر﴾ [طه: ٧٧]. الطريق: السبيل الذي يطرق بالأرض، أي يضرب بها. وعنه استعير لكل مسلك يسلكه الإنسان من الأفعال

стр. 916

محمودًا كان أو مذمومًا؛ فيقال: طريق الخير كذا، وطريق الشر كذا. والطرق في الأصل كالضرب لكنه أخص من حيث إنه ضرب توقع كطرق الحديد بالمطرقة. والضرب: تماس جسمين حسبما بيناه في بابه. ثم يتوسع في الطرق توسعهم في الضرب. وعنه استعير طرق الحصى للتكهن؛ قال الشاعر: [من الطويل] ٩٣٩ - لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرت الطير ما الله صانع ومنه الحديث: ((الطيرة والعيافة والطرق من الجبت)). وفسر أبو عبيدة الطرق بأن يخط الكاهن بإصبعين ثم بإصبع ثم يقول: ابني عيان أسرعا البيان. وقد مر تفسير هذا. واستعير الطرق للماء الكدر الذي تخوضه الدواب لأنها طرقته بأرجلها، ويقال: له ريق وطرق، ومنه حديث إبراهيم: ((الوضوء بالطرق أحب إلى من التيمم)) وأنشد: [من الوافر] ٩٤٠ - لقد زاد الحياة إلى حبًا ... بناتي إنهن من الضعاف - أحاذر أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن طرقًا بعد صاف ويروى: رنقًا. وباعتبار الضرب قالوا: طرق الفحل الناقة، كما قالوا: ضربها. ومنه طروقة الفحل. وكني بالطروقة عن المرأة. وأطرق فلان: أغضى، كأن عينه صارت طارفة للأرض أي ضاربة لها. وباعتبار الطريق قيل: جاءت الإبل متطارقة، أي في طريق واحد، وتطرق إليه:

стр. 917

توسل من الطريق. وطرقت أي جعلت له طريقًا. ورجل مطروق: فيه استرخاء ولين، وأصله من قولهم: طرق فلان، أي أصابته حادثة لينته لأصحابه، لا أنه مطروق من قولهم: ناقة مطروقة، تشبيهًا بها في الذلة. قوله تعالى: ﴿فوقكم سبع طرائق﴾ [المؤمنون: ١٧] جمع طريقة؛ سميت السماء طريقة لأنها متطارقة بعضها فوق بعض من قولهم: طارقت بين نعلين. طارقت النعل: جعلته طبقات. وطارقت بين الدرعين. وطراق الخوافي، أي يركب بعضها بعضًا. والطريقة: النخل سمي بذلك لشبهه بالطريق في الامتداد. قوله تعالى: ﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ [طه: ٦٣] قال الأخفش: بدينكم وسنتكم، وقال الفراء: هي الرجال؛ يقال: هؤلاء طريقة قومهم وتطورة قومهم. قلت: تسميتهم مجازًا لأن استعمال الطريقة في السنة والاقتداء مجاز، واستعمال ذلك في الأشراف مجاز ثان لا بأس به. وفي الحديث: ((كان يصبح جنبًا من غير طروقة، أي من غير زوجة. ومن كلام عمر:)) البيضة منسوبة إلى طرقها)) أي إلى فحلها؛ عبر عن الفحل بالمصدر كرجل عدل. وأنشد للراعي: [من الكامل] ٩٤١ - كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا قال الهروي: يجوز أماتهن نصبًا على خبر كان، ويجوز نجائب نصبًا وأماتهن رفعًا اسمًا لكان. وطرقهن فحيلا أي وكان طرقهن فحيلا. قلت: ما ذكره من نصب أماتهن لا يستقيم معناه، إذ ليس المقصود أن يخبر عن نجائب هذهين الرجلين بأنهن أماتهن إلا على وجه التشبيه. أي مثل أماتهن. ولا يتكاذب الخبر والمخبر عنه، وليس التشبيه مقصودًا. وإعراب البيت أن يكون نجائب رفعًا بكان، وأماتهن بدلا منهن، وطرقهن عطف، والمراد به الأب. وفحيلا خبر عن المتعاطفين. المعنى على ذلك، والتقدير: كانت أمات هذه النجائب وآباؤها فحيلا، أي منسوب لفحل كريم. وتجويزه نصب النجائب مردود بما رد به نصب أماتهن، ولسنا الآن بصدد تحقيق إعراب، فلنعد إلى ما نحن بصدده.

стр. 918

وأمات جمع أم؛ يقال في العقلاء أمهات وفي غيرهم أمات. هذا هو الغالب، وقد يعكس. وفي الحديث: ((كأن وجوههم المجان المطرقة)) أي الترسة التي أطرقت بالعقب، أي ألبست به، من طارقت النعل. كذا فسره الهروي وغيره: يقول: من دقها وطرقها بالمطرقة. وهو أقرب للتشبيه بوجوه الترس. والترسة تكون حديدًا. ط ر ي: قوله تعالى: ﴿تأكلون لحمًا طريًا﴾ [فاطر: ١٢] أي غضا جديدًا من الطراوة، وهي ضد اليبس. يقال: طريت كذا. وقد طري فهو مطري. ومنه المطراة من الثياب. والإطراء: هو تجاوز الحد في المدح والكذب فيه، وهو من ذلك لأن فيه تجديدًا لمدح وذكره. وفي الحديث: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى)) يعني لا تجعلوني إلها ولا ابنا لله كما فعل أولئك الضلال. ومن هذا يؤخذ: إنما نمدحه بكل شيء خلا مسامعنا ﷺ وسمعت بعض الصلحاء يقول: ارفع عنه مقام الإلهية وقل ما شئت فيه من المدح. وما أحسن قول صاحب البردة الشهير بالبوصيري ﵀: [من البسيط] ٩٤٢ - دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم وقيل: سمي المدح إطراء لأنه يطر لأوجه الممدوح. وقيل: الطريء من طرأ كذا: إذا طلع وهجم؛ فأصله الهمز فخفف، لأن الطارئ شيء جديد، وقد أدخل الراغب لفظ (ط ر ي) في مادة الياء، والهروي ذكر لفظة الإطراء فيها. الصواب ذكرهما فيما ترجمته. فصل الطاء والعين ط ع م: قوله تعالى: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ [الحاقة: ٣٤] أي إطعامه.

стр. 919

والطعام: ما يتناول [من] الغذاء. واختص في عرف الشرع بالبر فيما روى أبو سعيد ﵁ ((أن النبي ﷺ أمر بصدقة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير)). والطعم: [ما] يتناول [من] الغذاء، أو يتغذى به أيضًا. قوله: ﴿ومن لم يطعمه﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي لم يدقه. والذوق يكون في المأكول والمشوب. وفي الحديث عن زمزم: ((طعام طعم)) أي تشبع من شربها كما يشبع بالطعام. قال النضر: يقال: هذا طعام يطعم من آكله، أي يشبع آكله. وهذا لا يطعم آكله، أي لا يشبع. وقيل: الطعم مختص بالمأكولات وأجابوا عن الآية بأنه تعالى إنما قال: ﴿لم يطعمه﴾ تنبيهًا أنه محظور عليه تناوله إلا غرفة من طعام، كما أنه محظور عليه أن يشربه إلا غرفة فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضغ ولو قال: ومن لم يشربه، كان يقتضي جواز تناوله إذا كان في طعام. فلما قال: ((ومن لم يطعمه)) بين أنه لا يجوز تناوله على كل حال إلا بقدر المستثنى، وهو الغرفة باليد. وأجابوا عن الحديث بأنه ﵊ إنما قال ذلك لأنه قام مقام الطعام، فنبه أنه يغذي بخلاف سائر المياه. قوله: ﴿فإذا طعمتم﴾ [الأحزاب: ٥٣]. أي أكلتم الطعام وفي قوله تعالى: ﴿أو أطعم في يوم﴾ [البلد: ١٤] أي أعطى الطعام وجعله له. وقرئ: ((إطعام)) على المصدرية نسقًا على ﴿فك رقبة﴾ بالرفع؛ فإن القراءتين متلازمتان. قوله: ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾ [الإنسان: ٨] أي على حبهم للطعام. وهذا كقوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحشر: ٩] قيل: نزلت في فاطمة الزهراء وبعلها أمير المؤمنين وولديها سيدي شباب أهل الجنة في قصة طويلة ذكرتها في التفسير. واستعير الإطعام والاستطعام لرد الكلام والجواب؛ وفي الحديث: ((إذا استطعمكم الإمام فأطعموه)) أي إذا أرتج على إمام الصلاة في قراءته فردوا عليه غلطه أو وقفته. وطعم فهو طاعم: أكل الطعام، ويكون بمعنى حسن الطعام أيضًا. يقال: هو

стр. 920

طاعم، أي حسن الحال، ويعبر به أيضًا عن العاجز الذي يطعمه غيره. وقال الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر: [من البسيط] ٩٤٣ - دع المكارم لا تقصد لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي أي ذو الطعام والكسوة من غيرك لك. وقد شكا آل الزبرقان الحطيئة لعمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: لا أرى بما قاله بأسًا: أنت الطاعم الكاسي. فقيل: اسأل ابن الفريعة- يعني حسانًا- فقال: هجاه وسلح عليه. فحبسه عمر في أهوية. وكان عمر رضى الله عنه أعرف الناس بمواقع الكلام، وإنما قصد إخماد فتنه وإشاعة قوله. وكان رأيه أن يحمل الكلام على أحسن محامله ما وجد إليه سبيلًا، وهذا يدل على إتساع علمه بالكلام وتوجهاته رضى الله عنه، وإلا فكيف يخفى عليه ذلك مع قوله في صدره: ((دع المكارم))؟ ورجل مطعام: كثير الإطعام. ومطعم: كثير الطعم. ومطعوم: مرزوق؛ قال علقمة بن عبدة: [من البسيط] ٩٤٤ - ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجهه والمحروم محروم والطعمة: الشيء المعد للطعم، وقدر الشيء المطعم كالغرفة. والطعمة المرة، والطعمة الهيئة، ويعبر بها عن الكسب أيضًا. ومنه: هو طيب الطعمة أو خبيثها. وفي حديث أبي بكر: ((إن الله إذا أطعم نبيا طعمة)) أي رزقًا وحكمًا بدليل قوله بعد ذلك: ((ثم قبضه جعلها للذي يكون بعده)). وفي حديث الحسن: ((القتال على ثلاثة- فذكر اثنتين ثم قال: -وعلى هذه الطعمة)) أي المال. والطعام لغة: كل ما يطعم، أي يؤكل أو يشرب إن حملناه على الذوق؛ قال تعالى: ﴿كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿ويطعمون الطعام﴾ [الإنسان: ٨] ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦]. وإما شرعًا فقد تقدم، وفيه بحث

стр. 921

كقوله في المصراة: ((وصاعًا من طعام لا سمراء)) أي من تمر لا حنطة؛ فالتمر عند الشرع طعام. قلت: ويمكن أن يكون من قلب الدليل، وإن قوله: ((لا سمراء)) أي لا حنطة، فلولا تبادر الفهم إلى إختصاص الطعام بها لما أخرجها. وفي الحديث: ((طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة)) أي شبع الواحد ويؤيده ما قال عمر في تفسير عام الرمادة: ((لقد هممت أن أنزل على أهل كل بيٍت عددهم فإن الرجل لا يهلك على نصف بطنه)). ط ع ن: قوله تعالى: ﴿وطعنوا في دينكم﴾ [التوبة: ١٢] أي عابوه وثلبوه، وهو استعارة من طعنك بالرمح ونحوه. يقال: طعن يطعن، بالضم. وأنشد لامرئ القيس: [من الطويل] ٩٤٥ - وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال فاستعير ذلك للكلام فيقال: طعن في نسبه. ومكن الحاكم الخصم من الطعن في الشاهد. وبعضهم فرق في المضارع بين الطعنين فقال: يطعن بالرمح- بالضم- وفي النسب- بالفتح-، وليس يثبت. وتطاعنوا واطعنوا؛ افتعال منه فأبدلت التاء طاء. وفي الحديث: ((فناء أمتي بالطعن والطاعون)) قيل: هو فساد الماء أو الهواء ولذلك يعم فناؤه. وعام الطاعون معلوم. وقيل: عبر بالطعن عن الفتن فإنها إذا قامت تطاعنوا. فصل الطاء والغين ط غ و: قوله تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم﴾ [البقرة: ١٥] أي في ضلالهم. وأصل الطغيان مجاوزة الحد في كل شيء، وغلب في تزايد العصيان. قال تعالى: ﴿إنا لما طغى الماء﴾ [الحاقة:١١] أي تزايد على حده. ﴿فأهلكوا بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥] أي

стр. 922

بطغيانهم، فهي مصدر كالعاقبة. وقال الراغب: ﴿فأهلكوا بالطاغية﴾ إشارة إلى الطوفان المعبر عنه بقوله: ﴿إنا لما طغى الماء﴾، وفيه نظر من حيث إن المهلك بالطاغية غير المهلك بالطوفان، وهو واضح إلا أن يريد فيه مجرد الاستعارة. قوله تعالى: ﴿وقوم نوحٍ من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى﴾ [النجم: ٥٢] تنبيه أنهم كانوا أشد طغيانًا، ومع ذلك لم ينجهم من طغيانهم. قوله: ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦] أي يتزايد في طغيانه إذا كثر ماله. قوله: ﴿ربنا ما أطغيته﴾ [ق: ٢٧] أي ماحصلته له. قوله: ﴿كذبت ثمود بطغواها﴾ [الشمس:١١] أي بطغيانها؛ فهو مصدر كالدعوى والبلوى. وفيه تنبيه أنهم لم يصدقوا إذ خوفهم بعقوبة طغيانهم. قوله: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] أي لم يتجاوز حده وقصده. قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٦] قيل: الطاغوت: الصنم. وقيل: كل ما عبد من دون الله، وليس هذا تفسيرًا لموضوع اللفظ بل أطلق عليه مبالغة. وأصل الطاغوت مصدر بني على فعلوت مبالغة كالملكوت والرغبوت. وأصله طغووت أو طغيوت فقلبت الكلمة بأن أخرت عينها إلى موضع لامها ولامها إلى موضع عينها، فصارت طغيوتًا أو طيغوتًا، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلبت الفاء؛ فوزنه بعد القلب فلعوت. وقيل: هو فعلوت، وتحقيقه في غير هذا؛ فلامه واو أو ياء بدليل قولهم: طغوت وطغيت طغوانًا وطغيانًا، ولغة القرآن الياء؛ قال تعالى: ﴿فما يزيدهم إلا طغيانًا كبيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠]. ويكون واحدًا ويكون جمعًا، ويذكر ويؤنث؛ قال تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ [البقرة: ٢٥٧] فأخبر عن جمعٍ. وقال تعالى: ﴿والذين اجتبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾ [الزمر: ١٧] فأنث، وفي موضعٍ آخر: ﴿وقد

стр. 923

أمروا أن يكفروا به﴾ [النساء: ٦٠] فذكر؛ قوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ [النساء: ٦٠] قيل: هو كعب بن الأشرف، وفي التفسير قصته، وهذا من جنس ما تقدم من تفسيرهم له بالصنم. فصل الطاء والفاء ط ف أ: قوله تعالى: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾ [التوبة: ٣٢] أي ليذهبوا دين الله، وهو استعارة من: أطفأت النار، أي أخمدتها فطفئت. وقد طفئت فهي طافئة ومطفأة. وقال في موضعٍ: ﴿ليطفئوا﴾ [الصف: ٨]، والفرق بين الموضعين أن قوله: ﴿أن يطفئوا﴾ يقصدون إطفاء نور الله تعالى، و ﴿ليطفئوا﴾ أي يقصدون أمرًا يتوصلون به إلى إطفاء نور الله. كذا قاله الراغب، وفيه نظر لأن قوله: ﴿ليطفئوا﴾ بتقدير: لأن يطفئوا، و ﴿أن يطفئوا﴾ نتقدير: لأن يطفئوا أيضًا؛ فإن أن بعد لام كي ولام الجر يطرد حذفها مع أن، وتحقيقه في غير هذا. ط ف ف: قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾ [المطففين: ١] هم الذين ينقصون المكيال والميزان. قيل لهم ذلك لأنهم لا يكادون يبخسون الناس إلا الشيء اليسير، وهو الطفيف. وأصله من طفا الماء وهو جانبه. وقيل: من الطفافة وهو ما لا يعتد به. وفي الحديث: ((كلكم بنو آدم طف الصاع)) أي قريب من بعض، لأن طف الصاع قريب من ملئه.

стр. 924

ط ف ق: قوله تعالى ﴿وطفقا يخصفان عليهما﴾ [الأعراف: ٢٢] أي شرعا، وهي من أفعال الشروع ترفع الاسم وتنصب الخبر كعسى. ولا يقترن خبرها بأن لتنافيهما. يقال: طفق يفعل كذا- بفتح الفاء وكسرها- وطفق وطبق- بالباء والحركتين- بمعنى واحد. قيل: ولا تستعمل أفعال الشروع إلا في الإثبات دون النفي؛ فلا يقال: ما طفق يفعل كذا. وقوله: ﴿فطفق مسحًا بالسوق والأعناق﴾ [ص: ٣٣]. أي أخذ يمسح سوقها وأعناقها بالسيف أو بيده. وتفسير أبي عبيدة: ما زال يفعل كذا تفسير للمعنى دون اللفظ. ط ف ل: قوله تعالى: ﴿ثم يخرجكم طفلًا﴾ [الحج:٥] قيل: الطفل: يكون واحدًا وجمعًا، ومنه هذه الآية وأجيب بأن التقدير: يخرج كل واحد منكم طفلًا. واستشهد بقوله: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا﴾ [النور:٣١] فوصفه بالجمع، وأجيب بعموم ال. قيل: والطفل يطلق على الصبي من حين يولد إلى حين يحتلم؛ قال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ [النور: ٥٩] قيل لهم ذلك باعتبار ما كانوا كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى﴾ [النساء: ٢] وقد تقدم في مادة (ص ب ي) الكلام على ذلك مستوفى. ويقال طفل للرجل والمرأة، وقد يؤنث كقول الشاعر: [من الكامل] ٩٤٦ - ولقد لهوت بطفلةٍ ماليةٍ ... بلهاء تطلعني على أسرارها وقيل: الراوية بطفلة بفتح الطاء- يقال: امرأة طفلة أي ناعمة، وأصل ذلك من الطفل؛ فإنه يقال للصبي طفلًا ما دام ناعمًا. فباعتبار النعومة يقال لها طفلة. وقد طفلت طفولة وطفالة. والطفل: اصفرار الشمس، وأنشد: [من الرمل] ٩٤٧ - وعلى الأرض غيايات الطفل

стр. 925

وطفلت الشمس: همت بالؤود. ومنه: الطفيلي؛ يقال طفل: إذا أتى طعامًا غير مدعو إليه، من طفل النهار، وهو إثباته في ذلك الوقت. وقيل: الطفيلي نسبة إلى رجل يقال له طفيل العرائس، وكان معروفًا بحضور الدعوات. وفي حديث الاستسقاء: ((وقد شغلت أم الصبي عن الطفل)) هو كقولهم: ((في أمر لا ينادى وليده)) أي لشدة الأمر اشتعلت أم الطفل عنه، وأين هذا من قوله تعالى: ﴿تذهل كل مرضعة عما أرضعت﴾ [الحج: ٢] فصل الطاء واللام ط ل ب: قوله تعالى: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] الأصل في ذلك أن الكفار كانت تطلي أصنامها بالزعفران وغيره، فيجيء الذباب يلحسه، فضرب الله ذلك مثلًا لضعفهم فقال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله﴾ إلى أن قال: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئًا﴾ [الحج: ٧٣]. ﴿ضعف الطالب﴾ وهو الأصنام، ﴿والمطلوب﴾ وهو الذباب. وحمل الآية على أعم من ذلك أظهر. وأصل الطلب الفحص عن وجود الشيء عينًا كأن ذلك الشيء أو معنى. وأطلبته: أسعفته بما طلب. وإذا أحوجته إلى الطلب: وجدته كذلك. وأطلب الكلا، أي تباعد حتى صار بحيث أن يطلب، وحقيقته صار ذا طلب، نحو أحصد الزرع. قال: ((لم أر كاليوم مطلوبًا ولا طالبا)) والطلبة: هي الشيء المقصود بالطلب، ومنه ظفر فلان بطلبته. ط ل ح: قوله تعالى: ﴿وطلح منضود﴾ [الواقعة: ٢٩]. قيل: الطلح: الموز، والمنضود:

стр. 926

المتراكب بعضه على بعض. وعن علي: ((أنه كان يقرأ (وطلع) - بالعين- ويقول: ما الطلح؟)) وهذا لا ينبغي أن يصح عن مثله. وقيل: الطلح: شجر عظيم بالبادية كالسمر ونحوه، إلا أنه تعالى وصفه بخلاف صفته الدنيوية، فذكر أنه نضد بالثمرة من أوله إلى آخره. وقيل: هو شجر حسن اللون لخضرته، له رفيف ونور طيب، فخوطبوا ووعدوا بما يحبون وذلك لكثرة ظله، وهم يحبون الظل، ولذلك وعدوا به في مواضع. والواحد طلحة. وإبل طلاحي: منسوب إلى الطلح لأكله منه. وإبل طلحة: مشتكية من أكله. والطلح والطليح: المهزول المجهود. ومنه: ناقة طليح أسفار. والطلاح منه، وهو مقابل الصلاح. ط ل ع: قوله تعالى: ﴿ونخل طلعها هضيم﴾ [الشعراء: ١٤٨] الطلع: ما ينشق عنه الجف أول ما يبدو، ثم هو بلح. والهضيم: الخفيف، وهو أحسن له. وسيأتي إن شاء الله تعالى؛ سمي بذلك لطلوعه من الكفرى. قوله: ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات: ٦٥] يجوز أن يكون ذلك حقيقة، وأن الله خلق شجرة لها طلع بشيع المنظر، فقيل ذلك لأنهم أنفر شيء من الجن، كما أنهم آنس شيء بالملك خطبوا بذلك حقيقة. وقد كثر في الحديث والأخبار رؤية الجن، فيجوز أن يكونوا رأوها على تلك الهيئة المخيفة. وبلغني في ذلك وقوع مثله ولو لواحد لا لكل فرد من الناس. ومن طالع أخبار العرب عرف من ذلك شيئًا كثيرًا. وقيل ذلك على سبيل الاستعارة التخييلية، والأول هو الحق. قوله تعالى: ﴿حتى مطلع الفجر﴾ [القدر: ٥] أي إلى طلوع الفجر، فهو مصدر؛ قرئ بفتح اللام وهو القياس وله أخوات وردت بالكسر والفتح، والفتح القياس

стр. 927

كالمشرق والمغرب والمنبت. وطلعت الشمس طلوعًا: بدت تشبيهًا بإنسان قد أشرف من علو؛ يقال: طلع علينا واطلع؛ قال تعالى: ﴿فاطلع فرآه﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿أطلع إلى إله موسى﴾ [القصص: ٣٨] وهو افتعال من الطلوع. واستطلعت رأيه: استشرته، كأنك سألت رأيه الطلوع عليك، وطليعة القوم: عينهم الذي يتقدمهم. وطلاع الأرض: ملؤها. وفي الحديث: (طلاع الأرض ذهبًا). وطلاع الأرض: ملء الأرض منها. ومنه: قوس طلاع، أي تملأ الكف. قوله: ﴿تطلع على الأفئدة﴾ أي تشرف على القلوب استشراف من يطلع على الشيء. والمراد بها أنها تصل إلى أرق شيء فيهم. نسأل الله العافية. ط ل ق: قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ [البقرة: ٢٢٩]. الطلاق لغة: التخلية من الوثاق. يقال: أطلقت البعير من عقاله، وأطلقت لك من مالي كذا: خليت عنه. وأما شرعًا فهو حل عقدة النكاح، بقول صريح أو كناية من زوج بشروط مذكورة في موضعها، وفيه معناه اللغوي أيضًا لأنه تخلية للمرأة من وثاق الزوج. ويقال: طلقت المرأة فهي مطلقة وطالق، ويقال للحلال طلق، أي أنه غير مقيد على أحد شرعًا. والمطلق يقابل المقيد لغة وعرفًا. قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهذا عام في الرجعيات والبائنات. قوله: ﴿وبعولتهم﴾ [البقرة: ٢٢٨] خاص بالرجعيات. وله مخصصات أخر استوفيناها في (القول الوجيز). قوله: ﴿فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أي فإن طلقها الزوج الثاني. وانطلق فلان: مر مرورًا مخلى عنه. ويستعار التطليق لفراق الألم. وأنشد النابغة: [من الطويل] ٩٤٨ - يسهد من ليل التمام سليمها ... تطلقه طورًا وطورًا تراجع

стр. 928

يعني الحية التي ذكرها قبل ذلك في قوله: [من الطويل] ٩٤٩ - فبت كأني ساورتني ضئيلة وعدا الفرس طلقًا أو طلقين اعتبارًا بتخلية سبيله. وإطلاق اليد: عبارة عن سخائها كقولهم في العكس: يده مغلولة، وغلت يده. وفلان طلق المحيا، وطلق الوجه وطليقة: عن حسن خلقه. كقوله: [من الطويل] ٩٥٠ - عدس ما لعباد عليك إمارة ... غدوت وهذا تحملين طليق والطليق أيضًا ضد الأسير، وفي المثل: ((هان على الطليق ما لقي الأسير)). ط ل ل: قوله تعالى: ﴿فإن لم يصبها وابل فطل﴾ [البقرة: ٢٦٥] الطل: المطر اليسير كالندى، وهو الطش أيضًا. وأطلت الأرض فهي مطلولة: أصابها طل. ومنه: طل دم فلان: إذا هدر كأنه غير معتد به وصار أثره كأنه طل. ومنه في الحديث: ((ومثل ذلك يطل)) ويروى: بطل بين البطلان. وفي حديث آخر: ((فطلها رسول الله ﷺ ) أي أبطلها. يقال: طل دمه؛ فهو مطلول. وأطله الله. ولا يقال: طل دمه، مبنيًا للفاعل، وجوزه الكسائي. وفي حديث يحيى بن يعمر: ((أنشأت وتطلها)) أي تسعى في بطلان حقها من طلول الدم. ويكون طل متعديًا بهذا المعنى؛ يقال: طل فلان غريمه. ولما كان الطلول يستعمل في الشيء القليل قيل لأثر الدار: طلل. وأنشد: [من مجزوء الوافر]

стр. 929

٩٥١ - لمية موحشًا طلل ... يلوح كأنه خلل وقال امرؤ القيس: [من الطويل] ٩٥٢ - لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان وطلل الرجل أيضًا لشخصه المترائي. وقولهم: أطل فلان: معناه أشرف بطله، أي بشخصه. فصل الطاء والميم ط م ث: قوله تعالى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٥٦]. الطمث في الأصل: دم الحيض ودم الافتضاض ثم تجوز به نفس الافتضاض. فيقال: طمث فلان فلانة، أي أصابها فأدماها. وقد يقال ذلك وإن لم يكن ثم دم. وقيل للحائض طامث. وطمثت المرأة، بفتح العين وكسرها: حاضت. وطمثت: افتضت. وقرئ: ﴿لم يطمثهن﴾ بكسر العين وضمها وهما لغتان. وقرئ شاذًا بفتح العين. وقيل: الطمث: المس. وأنشد للفرذدق: [من الوافر] ٩٥٣ - دفعن إلي لم يطمثن فبلي ... وهن أصح من بيض النعام وقال ابن عرفة: لم يطمثن: لم يمسهن رجل ولا حبل. ط م س: قوله تعالى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ [يونس: ٨٨] أي أهلكها. وفي

стр. 930

التفسير أنه جعل منكرهم حجارة وهو المسخ في الحقيقة. وأصل الطمس محو الأثر، ومنه طمس الأثر، وطسم مقلوبة. وطريق طامس: إذا لم يبق فيه أثر ولا علم. وأنشد لكعب بن زهير: [من البسيط] ٩٥٤ - عرضتها طامس الأعلام مجهول قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾ [النساء: ٤٧] أي نجعلها مثل أقفائها لا عين ولا فم ولا أنف كالقردة. ومنه قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم﴾ [يس: ٦٦] أي محونا أثرها وأزلنا ضوءها كما يزال الأثر. وقيل: ﴿من قبل أن نطمس وجوهًا﴾؛ ذلك في الدنيا بأن نجعل الشعر على وجوهكم فيكسوها، فتصير وجوهكم كوجوه القردة، وقد وقع ذلك لأسلافهم. وقيل: معناه: نردهم من الهداية إلى الضلالة كقوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقيل: عنى بالوجوه الرؤساء والأكابر، أي نجعل رؤساءهم أسافل وأذنابًا كقول الأفوه الأودي: [من البسيط] ٩٥٥ - فالأذناب أكتاد وذلك أعظم أسباب البوار. ومثله: ((وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)). وقيل ذلك إشارة إلى ما يفعل بهم في الآخرة. وقيل: الطمس: استئثار أثر الشيء. ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا النجوم طمست﴾ [المرسلات: ٨]. ومنه طمست الريح آثار القوم.

стр. 931

ط م ع: قوله تعالى: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ [الأعراف: ٤٦]. الطمع: نزوع الشيء إلى الشيء شهوة له. وطمع في كذا طمعًا وطماعية فهو طامع وطمع. ولما كان أكثر الطمع من جهة الهوى قيل: الطمع طبع ثانٍ. والطمع يدنس الإهاب. وقولهم: الطمع ذل، يعنون أن الطامع في معروف رجل يذل له. ومن ثم قيل: اليأس غنى. ط م أن: قوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] أي تسكن وتستقر. قيل: والاطمئنان: سكون بعد انزعاج، وفي ذلك تنبيه على أن أكثر العبادة تكسب اطمئنان النفس المشار إليه بقوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ [البقرة: ٢٦]. يقال: اطمأن يطمئن اطمئنانًا وطمأنينة. ووزن اطمأن افعلل كالاقشعرار والقشعريرة. وقيل: أصله طأمن، والهمزة قبل الميم، فقلبت الكلمة. وقيل: بل هما أصلان متقاربان لفظًا ومعنى. قوله: ﴿يأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: ٢٧] أي الساكنة لما علمت من رضى ربها عنها بامتثال أمره واجتناب نهيه. والأنفس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة. وأعلاها الثالثة وأدناها الأولى. وقد حققنا هذا فيما تقدم. قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ ولم يقل ذلك عن شك. ولكن أحب أن يكون من أهل مقام من أنس بالرؤية وحظي بمشاهدة أفعاله تعالى وغير ذلك. قوله: ﴿فإذا اطمأننتم﴾ [النساء: ١٠٣] أي سكنتم بعد خوفكم وقلق قلوبكم من القتال الذي تذهب معه الألباب. ط م م: قوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الطامة﴾ [النازعات: ٣٤] هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء، أي تغلب على كل شيء. وقيل: هي الصيحة الكبرى، أي التي يبعث بها الناس وهي النفخة الثانية. وأصله من الطم وهو الغلبة على الشيء. ومنه قيل

стр. 932

للبحر: طم وطم. ومنه: الطم والرم. وطم البحر: زخر. وفي الحيث، في صفة قريش: (ليس فيهم طمطمانية حمير). يقال: طمطم في كلامه، أي لم يفهمه لغرابته أو لكنته. ويقال للعجم طماطم. ورجل أعجمي: طمطمي، وإنما قال ذلك في حمير لأنهم يأتون في لغتهم بألفاظ منكورة غير معروفة، فشبهها بلغة العجم. وفي الحديث أيضًا في حق أبي طالب: ((هو في ضحضاح ولولاي لكان في الطمطام)) أي وسط النار، كذا فسر. وفيه أيضًا: ((ما من طامة إلا وفوقها طامة)) أي ما من داهية إلا وفوقها أكبر منها. وقد طم الماء ركية بني فلان، أي علاها. فصل الطاء والهاء ط هـ ر: قوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي﴾ [البقرة: ١٢٥] أي من المعاصي والأفعال المحرمة. وقد كان ذلك إلى أن حدث في أمر قريش ما حدث من وضع الأصنام حوله، وعبادتها دون الله تعالى فيه، ووضع الأنصاب فيه؛ حجارة يذبح عليها لآلهتهم فيقع الدم والفرث، إلى أن بعث الله نبيه محمدًا ﷺ ، فعاد الحق إلى نصابه وأحيا ملة أبويه إبراهيم وإسماعيل ﷺ . وقيل: هو حث على تطهير القلب من محبة غير الله تعالى؛ قاله الراغب في قوله: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾ [الفتح: ٤] أنتهى. وعجبت منه كيف لم يذكر غير ذلك وهذا لا يشبه كلام علماء الظاهر وكيف يعمل بقوله: ﴿للطائفين والقائمين والركع السجود﴾؟ [البقرة: ١٢٥] على أن الصوفية أولوا جميع ذلك. والطهارة: النظافة والمبالغة فيها. يقال: طهرت المرأة تطهر -بفتح العين في الماضي -ونقل طهرت -بالضم -قال بعضهم: والفتح أقيس، لأنه خلاف طمثت،

стр. 933

ولأنه يقال: طاهر مثل قائمة وقائم. ثم الطهارة ضربان: طهارة جسم وطهارة نفس، قال الراغب: وقد حمل عليه عامة الآيات. قلت: الظاهر من الآيات الواردة في ذلك إنما هي في طهارة الجسم لأن ذلك يتعبد به ظاهرًا. والطهارة شرعًا: رفع حدث وإزالة نجس، أو ما في معنى ذلك كالاستنجاء بغير الماء والتيمم، وعليه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] أي بالماء أو ما يقوم مقامه من التراب، كما نصت الآية بعدها عليه. قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإذا انقطع دمهن أيضًا. وقد قرئ: ﴿حتى يطهرن﴾ بالتشديد. وقد أوضحنا مذاهب الناس في هذه المسألة في ((القول الوجيز)). وذكرنا استدلال كل طريق وما يرد عليه وما يجاب عنه والحمد لله. قوله: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي المزيلين للنجاسات، المتحرين في الطهارات لأن الطهارة أس العبادة. وقيل: التاركين للذنب، العاملين للصلاح. قوله: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ [التوبة: ١٠٨] قيل: نزلت في أهل قباء، وقد سألهم ﵊ عن ذلك، فقالوا: ((لأنا نتبع الحجر الماء)) أي إذا استنجوا جمعوا بين الماء والحجر وهو الأفضل، ولابد من تقديم الحجر، وإلا فلا فائدة. وقيل: عنى تطهير النفس. قوله: ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾ [آل عمران: ٥٥] أي مخرجك من زمرتهم، وأنزهك أن تفعل فعلهم. قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] قيل: من كان على الطهارتين الكبرى والصغرى وقيل: عنى الملائكة. وقيل: معناه لا يبلغ حقائقه ومعرفته إلا من يطهر نفسه وينقى من درن

стр. 934

الفساد. قوله: ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾ [البقرة: ٢٥] أي من درن الدنيا وأوساخها مما عليه نساء الدنيا من الحيض ونحوه. وقيل من الأخلاق السيئة، والكل مطلوب. و ((مطهرة)) جاءت على لغة النساء طهرت: ولو قيل: ((مطهرات)) لكان على لغة ((طهرن)). قوله: ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ [الأعراف: ٨٢] أي من أفعالنا، قالوا ذلك على سبيل التهكم لما سمعوا. قوله: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ [هود: ٧٨]. قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]؛ الطهور بمعنى المطهر: قال الراغب: وذلك لا يصح من حيث اللفظ لأن فعولًا لا يبنى على أفعل وفعل، وإنما يبنى من فعل، يعنى أن فعولًا مثال مبالغة. وأمثلة المبالغة الخمسة لا تبنى إلا من الثلاثي في الغالب، وإلا فالسماع قد ورد في قولهم: أدرك فهو دراك. وقد اعترض بعضهم أيضًا على الشافعي بأنه كان يقتضي أن يتكرر التطهير به، وهو لا يقول بذلك. وأيضًا فإن الطهور قد ورد مرادًا به المبالغة في النظافة. قال تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فإن فيه تنبيهًا على أنه بخلاف قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ [إبراهيم: ١٦]. وأنشد: [من الطويل] ٩٥٦ - عذاب الثنايا ريقهن طهور وهذا لا تطهير فيه لغيره، فكذا ﴿ماء طهورًا﴾ وقد فصلنا في هذه الاعتراضات كلها في غير هذا الموضوع. والطهور تارة يكون مصدرًا وهو مسموع كالوضوء والوقود والولوع. وقد يكون اسمًا لما يتطهر به. وقد يكون وصفًا كهذه الآية. وقيل: إن ذلك اقتضى التطهير من حيث المعنى، وذلك أن الطاهر ضربان: ضرب لا تتعداه الطهارة كالثوب فإنه طاهر غير مطهر به. وضرب يتعداه، فيجعل غيره طاهرًا به فوصف الله الماء بأنه طهور، تنبيه على هذا المعنى.

стр. 935

فصل الطاء والواو ط ود: قوله تعالى ﴿كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦٣] الطود: الجبل، ويجمع أطواد. وبه يشبه الرجل الشجاع والرجل العظيم الخلق والمترغل في العلم، فيقال: فلان طود في كذا، نحو قولهم: هو جبل علم، وفي اعلم. ووصفه بالعظم لكونه فيما بين الأطواد عظيًا، لا لكونه عظيما فيما بين سائر الجبال، كذا قال الراغب. ط ور: قوله تعالى: ﴿والطور﴾ [الطور: ١] قيل: هو اسم لكل جبل وقيل لجبل مخصوص. وقيل: هو جبل بالأرض. والظاهر أنه في الأصل اسم لكل جبل بدليل تخصيصه بالإضافة في قوله: ﴿وطور سنين﴾ [التين: ٢] وقوله ﴿تخرج من طور سيناء﴾ [المؤمنون]. وتكون أل هنا للعهد، وذلك الطور المضاف إلى سينين أو سيناء يجوز أن يكون للجنس: أقسم بهذا الجنس. قوله تعالى: ﴿خلقانكم من تراب قم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة﴾ [الحج: ٥]. وقيل: هو إشارة إلى اختلاف خلقهم وخلقكم. وقيل: إشارة إلى قوله: ﴿واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ [الروم: ٢٢] والتقدير: خلقكم طورا بعد طور. ويقال: فعل كذا طورا بعد طور، أي تارة بعد أخرى. والطور والطوار للدار: ما امتد معها من بنائها، ثم استعير ذلك لمجاورة الإنسان قدره، فيقال: عدا فلان طوره، أي حده، وقال سطيح الكاهن: [من البسيط] ٩٥٧ - فإن ذا الدهر أطوار دهارير أي أحوال مختلفة تارة ملك وتارة هلك، وتارة غني وتارة فقير. أطوار: أحوال، أي

стр. 936

متطورين، ويجوز أن ينصب مصدرًًا أي خلقا ذا أطوار. ط وع: قوله تعالى: ﴿فطوعت له نفسه﴾ [المائدة: ٣٠] أي سهلت وزينت. وقيل: تابعت. وعن مجاهد: شجعته. وقيل: أعانته، وكله متقاربة. وطوعت وطاوعت واحد، وهما أبلغ من أطاعت. والطواعية والطاعة: الانقياد للأمر ضد العصيان. يقال: طاع يطوع طوعًا، وأطاع يطيع طاعة، والقياس إطاعة، ولكنه على حذف الزوائد، كقولهم: أعطى عطاًء، و ﴿أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويقال: هو اسم مصدر كسبحان اسم للتسبيح. والطوع أيضا الانقياد، ويضاده الكرة؛ قال تعالى ﴿ائتيا طوعا أو كرها﴾ [فصلت: ١١] ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرها﴾ [الرعد: ١٥]. ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. قال بعضهم: والطاعة مثله، لكنه أكثر ما يقال في الائتمار فيما أمر والارتسام فيما رسم. قوله تعالى: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة﴾ [المائدة: ١١٢] قرئ بإسناد الفعل إلى الرب؛ فقال بعضهم: إنه السائلين ليسوا بمؤمنين. وقيل: بل كانوا مؤمنين، وأجيب عنهم بأجوبة أحدها أنهم لم يقصدوا قصد القدرة، وإنما قصدوا هل تقضي الحكمة أن يفعل ذلك؟ الثاني أن يستطيع بمعنى يطيع؛ يقال: استطاع وأطاع بمعنى واحد. والمعنى: هل يستطيع أن يجيب سؤالنا فيما نسأله كقوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: ١٨] أي يجاب، وإنهم قالوا ذلك قبل أن تقوى معرفتهم بالله تعالى. والمؤمن قد يجهل بعض الصفات العلية حتى يعلمها. ولذلك اختلف المسلمون في بعض الصفات العلية نفيًا وإثباتًا. وقرئ بإسناد الفعل إلى المخاطب ونصب الرب، وهي واضحة أي على تقدير سؤالك ربك نحو: هل يستطيع يا فلان الأمير أن يعطيني؟ قوله تعالى: ﴿طاعة وقول معروف﴾ [محمد: ٢١]، أي ليكن منكم طاعة.

стр. 937

وقيل: تقديره طاعة وقول معروف أمثل بكم. وسوغ الابتداء بالنكرة العطف عليها. وقيل: الأصل أطيعوا، ثم أبدل من الفعل مصدر منصوب نحو: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤] ثم رفع خبر المبتدأ محذوف مبالغة، أي أمركم طاعة كقوله: ﴿فصبر جميل﴾ [يوسف: ١٨] وقد صرح الشاعر بما قدرناه من المبتدأ في قوله: [من الطويل] ٩٥٨ - فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود قوله تعالى: ﴿مطاع ثم أمين﴾ [التكوير: ٨١]؛ مطاع اسم مفعول من أطعته فهو مطاع. ومعناه إن كان المراد به جبريل أنه مطاع الأمر فيما يأمر به عن الله في ذلك المكان العالي لملائكة ربه كخاصة الملك إذا أمروا بعض الخدم. وإن كان المراد به نبينا ﷺ فالمعنى مطاع فيما يسأله ربه ويدعوه به ويقويه. قوله في حديث الشفاعة: ((ارفع رأسك وقل تسمع واسأل تعط واشفع تشفع)) وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا﴾ [البقرة: ١٨٤] أي تنفل بالطاعة مما لا يفترض. وأصل التطوع تكلف الطاعة. غلب في العرف على التطوع بما لا يلزم من العبادات. ومنه الحديث: ((المتطوع أمير نفسه)). قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قد فسر النبي ﷺ الاستطاعة بوجود الزاد والراحلة وأمن الطريق. والاستطاعة نوعان: استطاعة بنفسه واستطاعة بغيره كما هو مشروح في غير هذا حسبما بيناه في ((القول الوجيز)). والاستطاعة: استفعال من الطوع فأفعلت بالحذف وعوض منه بالتاء كالاستقامة. قال بعضهم في تفسيرها: وذلك وجود ما يصير به الفعل متأنيًا. قال: وهو عند المحققين اسم المعاني التي بها يتمكن الإنسان مما يريده من إحداث الفعل، وهي أربعة أشياء: بنية مخصوصة للفاعل، وتصور للفعل، ومادة قابلة

стр. 938

لتأثيره، وآلة إن كان الفعل إليًا كالكتابة؛ فإن الكاتب محتاج إلى هذه الأربعة في إيجاده للكتابة ولذلك يقال: فلان غير مستطيع للكتابة إذا فقد واحدًا من هذه الأربعة فصاعدًا. ويضاده العجز وهو أن لا يجد أحد هذه الأربعة فصاعدًا، ومتى وجد هذه الأربعة كلها فمستطيع مطلقًا، ومتى فقدها فعاجز مطلقًا، وجد بعضها دون بعض فمستطيع من وجه عاجز من وجه. ولأن يوصف بالعجز أولى. والاستطاعة أخص من القدرة، وقال بعضهم: الاستطاعة الإمكان، والإمكان إزالة الموانع، وقوله: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ فإنه يحتاج إلى هذه الأربعة، وقد مر تفسيره ﵊ لها. قال الراغب: قوله ﵊: ((الاستطاعة الزاد والراحلة)) فإنه بيان لما يحتاج إليه من الآلة، وخصه بالذكر دون الآخر إذ كان معلومًا من العقل، ومقتضى الشرع أن التكليف بدون تلك الأخر لا يصح. قلت: ويظهر جواب آخر وهو أنه ﵊ إنما ذكر معظم الأشياء وهو هذان المذكوران وغيرهما كالتابع لهما: قوله: ﴿لو استطعنا لخرجنا معكم﴾ [التوبة:٤٢] فالإشارة إلى عدم الآلة من المال والظهر. قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا ولو حرصتم﴾ [النساء: ١٢٩] قيل: إنه قد يقال: فلان لا يستطيع كذا لما يصعب عليه فعله لعدم الرياضة، وذلك يرجع إلى افتقاده الآلة أو عدم التصور. وقد يصح معه التكليف، ولا بصير به الإنسان معذورًا، ومثله قوله: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ [الكهف: ٦٧]. قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ [الأعراف: ١٣٣] قيل: هو السيل المغرق.

стр. 939

وعن عائشة عن النبي ﷺ أنه فسره بالموت. قال بعضهم: الطوفان من كل شيء: ما كان مطبقا بالجماعة كالموت الجارف والغرق الشامل والقتل الذريع. وقال آخرون: الطوفان: كل حادثة تحيط بالإنسان. وصار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة لأجل أن الحادثة التي نالت قوم نوح ﵊ كانت ماء. قوله تعالى: ﴿إذا مسهم طائفة من الشيطان تذكروا﴾ [الأعراف: ٢٠١] الطائف في الأصل اسم فاعل من اسم طاف يطوف حول الشيء: إذا دار من جميع جوانبه وأحاط به. فيقال: طاف يطوف طوفًا وطوافًا. ومنه الطواف حول الكعبة لقوله: ﴿أن طهرا بيتي للطائفيين﴾ [البقرة: ١٢٥] ثم استعير للطائف من الجن والخيال والحوادث تخيلا أن كلاً من هذه الأشياء قد طاف بالإنسان من جميع جهاته. وأحاط به إحاطة من يطوف به. فالطائف: من يدور حول الشيء يريد اقتناصه وأخذه. وقرئ ((طيف)) وهو خيال الشيء وصورته المترائية له في المنام واليقظة. وقيل: الطيف: الجنون. وقال ابن عرفة: الطيف والطائف يرجعان إلى معنى واحد. وأنشد: [من الطويل] ٩٥٩ - فو الله ما أدري أطائفة جنة ... * تأوبني، أم لم يجد أحد وجدي وقال مجاهد: طائف غضب، وقال أبو عبيدة: ما طاف به من وسوسته. وقال أبو منصور: أصل الطيف الجنون. وقيل: الغضب طيف لتغير عقل الغضبان. وقيل: أصل طيف طيف كميت وميت. قيل: بل هما مادتان: طاف يطوف ويطيف، فطيف منه لا من يطوف. قوله: ﴿فطاف عليها طائف من ربك﴾ [القلم: ١٩] إشارة إلى ما أرسله عليها من نار أو ريح. قوله تعالى: ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور: ٥٨] عبارة عن

стр. 940

الخدم. قال أبو الهيثم: الطواف: الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، وجمعه طوافون. وبهذا الاعتبار قال في الهرة: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). قوله تعالى ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ [النور: ٢] ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ [التوبة: ١٢٢]. الطائفة في الأصل الجماعة من الناس والقطعة من الشيء. وقال بعضهم: تأويله: نفس طائفة. وقال آخرون: قد يقع على واحد صاعدًا، فهي إذا أريد بها الجمع فجمع طائف، وإذا أريد بها الواحد فيصح أن يكون جمعا، وكني به عن الواحد. ويصح أن يكون كراوية وعلامة. ولكن غالب الاستعمال، وهو الحقيقة، أنها من أسماء الجموع كالفرقة والجماعة. والطوف كناية عن العذرة وعن الحدث. وفي الحديث: ((لا يصل أحدكم وهو يدافع الطوف)). ويقال: أطاف أطيافًا: إذا قضى حاجته. والطوفة: نجو الصبي قبل أن يطعن العقي. وطائف القوس: ما يلي أبهرها. ط وق: قوله تعالى: ﴿سيطوقون ما بخلوا به﴾ [آل عمران: ١٨٠] أي يجعل لهم بمنزلة الطوق في أعناقهم، يعذبون به كالغل، وهذا حقيقة. وفي الحديث: ((طوق من سبع أرضين)). ومثل له: ((ماله شجاع أقرع فيطوق به)) وأصل الطوق يجعل العنق خلقه كطوق الحمامة، أو صنعة كطوق الذهب. ثم يجعل عبارة عن الأشياء اللازمة فيقال: طوقني فلان منته ونعمته، أي جعلها بمنزلة طوق في عنقي. وفي المثل: ((ضب عمرو عن الطوق)) هو عمرو ابن أخت جذيمة كان له طوق من ذهب، فلما اختطف وعاد لخاله في حكاية طويلة جيء بالطوق فضاق عنه. فقال جذيمة: شب عمرو عن

стр. 941

الطوق، فصارت مثلاً لمن كبر عن شيء. قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ [البقرة: ١٨٤] أي يقدرون عليه، من أن أطاق كذا يطيقه إطاقة. وطاقة كطاعة من أطاع. وقرئ: ﴿يطوقونه﴾ من الطوق وهو القدرة. وقرئ: ﴿يطيقونه﴾ وفي الحرف قراءات توجيهها فيما هو أليق بها من هذا قوله: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قيل: الطاقة: اسم لما يقدر الإنسان أن يفعله بمشقة، وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء. فمعنى الآية: لا تحملنا ما يصعب علينا مزاولته. وليس معناه: لا تحملنا ما لا قدرة لنا به، وذلك لأنه تعالى قد يحمل الإنسان ما يصعب عليه، كما قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ [الشرح: ٢] أي خففنا عنك العبادات الصعبة التي في تركها الوزر؛ قال الراغب وهو حسن، وينفعنا هذا في مسألة تكليف ما لا يطاق؛ وهو أن بعضهم استدل بها على جوازها، وتفسيره: وضع الوزر بتخفيف العبادة أيضا حسن؛ فإن النبي ﷺ لم يكن وزر بالمعنى المتعارف. وقيل في تفسير: ((ما لا طاقة لنا به)): إنها شماتة الأعداء. وأنشدوا: [من الكامل] ٩٦٠ - أشمت بي الأعداء حين هجرتني ... * والموت دون شماتة الأعداء ط ول: قوله تعالى: ﴿أولو الطول﴾ [التوبة: ٨٦] أي الغني. يقال: لفلان طول. أي غني. وقيل: المن والفضل. قد وصف الباري تعالى بقوله: ﴿ذي الطول﴾ [غافر: ٣]

стр. 942

أي هو صاحب المن والفضل والغنى على الحقيقة. ولذلك عقبة بقوله: ﴿لا إله إلا هو إليه المصر﴾ [غافر: ٣]؛ إشارة لقوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ [الحديد: ٧]. وأصله من الطول دون القصر، ويستعمل في الأعيان والأعراض كالزمان؛ فيقال: زمن طويل؛ قال تعالى: ﴿فطال عليهم الأمد﴾ [الحديد]. ورجل طويل وطوال. والجميع طوال وطيال وهو شاذ. وأنشدوا: [من الطويل] ٩٦١ - تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أشداء الرجال طيالها ... وطوال الدهر لمدته الطويلة؛ كقوله: [من الطويل] ٩٦٢ - طوال الدهر عشت بغير ليلي ... وأي الدهر كنت لها خليلا؟ ومن ذلك الطول لحبل الدابة أنشد لطرفة: [من الطويل] ٩٦٣ - لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخي وثنياه باليد قوله تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ [البقرة: ٢٤٧]. هو فالوت. قالوا: واشتقاقه من الطول؛ يروى أنه كان سقاء أو دباغا طوالا جسيما في قصة مشهورو، فسمي طالوت لطوله. ويؤيده قوله تعالى: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وهذا لا يصح لأنه اسم أعجمي. والاشتقاق لا يدخل فيه. وكونه كان طويلا واسمه طالوت فمن الاتفاق. ط وي: قوله تعالى: ﴿طوي﴾ [طه: ١٢] قرئ منونًا وغير منون، بتأويل المكان أو

стр. 943

البقعة. قيل: هو اسم الوادي الذي حصل وقيل: جعل ذلك إشارة إلى حالة حصلت له على طريق الاجتباء، فكأنه قال: طوي عنك مسافة لو احتيج أن ينالها في الاجتهاد لبعد ذلك. وقيل: هو اسم أرض. وقيل: طوي: هو النداء مرتين. وقيل: هو مصدر طويت. قال الراغب: فيصرف، ويفتح أوله ويكسر نحو ثني وثني. قال: ومعناه: ناديته مرتين. وقيل: المقدس مرتين. وعن قطرب: هو اسم ساعة من الليل. والمعنى؛ قدس لك ساعة من الليل، أو إنك بالوادي المقدس ليلا. وقيل: هو اسم أعجمي، ومن ثم منع. وقد قرئ بجميع ما ذكرته. وتحقيقه في ((الدرر)) و ((العقد)). قوله: ﴿يوم نطوي السماء﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. الطي: لف الشيء بعض على بعض كطي الدرج. وقد مضي في باب السين تفسير طي السماء كذلك، ويعبر بالطي عن مضي العمر. وأنشد [من الرجز] ٩٦٤ - [ناٍج] طواه الأين مما وجفا ... طي الليالي زلفا فرزلفا وقال آخر: [من الوافر] ٩٦٥ - طوتك خطوب دهرك بعد نشر قوله تعالى: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] يجوز أن تكون بمعنى طي السجل وأن تكون بمعنى المضي. والمعنى أنها مهلكات كما أخبر عنها بقوله تعالى: ﴿يوم تمور السماوات مورا﴾ [الطور: ٩]. والطي أصله طوي فأدغم. وفي الحديث ((يا محمد اعمد لطيتك)) أي لقصدك. يقال: رجع لطيته، بتشديد الياء وتخفيفها.

стр. 944

فصل الطاء والياء ط ي ب: قوله تعالى: ﴿سلام عليكم طبتم﴾ [الزمر: ٧٣] قال الفراء: زكوتم. قال ابن عرفة: حقيقته صلحتم للجنة لأن الذنوب والمعاصي مخابث؛ فإذا أراد الله تعالى دخولهم الجنة غفر لهم تلك الذنوب فذهبت عنهم تلك المخابث والأرجاس. وتقول العرب: طاب لي هذا: فارقته المكاره، وطاب له العيش. وينشد قول الشاعر: [من الوافر] ٩٦٦ - تحربت الجبابر بعد حجٍر*وطاب لها الخوزنق والدير أي فارقها ما تكرهه في هذين الموضعين. قيل: وأصل الطيب ما تستلذه الحواس. والطعام الطيب شرعا ما كان متناولا من حيث ما يجوز، وبقدر ما يجوز، ومن المكان الذي يجوز، فإنه متى كان كذلك كان طيبا عاجلا ((أو آجله لا يستوخم، وإلا فإنه [وإن] كان طيبًا عجلًا)) لم يطب آجلًا. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧] وهذا هو المراد بقوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]. بقوله: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ [المائدة: ٥] قيل: الذبائح. والطيب عند أهل السنة المستلذ، وعند المعتزلة الحلال، ويرد عليم لزوم التكرار في قوله: ﴿حلالا طيبا﴾ [البقرة: ١٦٨]. قوله: ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ [الأنفال: ٢٦] قيل: عني الغنائم. قوله: ﴿والطيبات للطيبين﴾ [النور: ٢٦] قيل: المراد الأزواج الطيبات للرجال [الطيبين]، أي العفائف للعفيفين. وقيل: الطيبات من الكلام للطيبين من الرجال، أي لا يقولون فحشا. والطيب المطيب بمعنى الطاهر. ومنه قول علي ﵁ لما التمس من النبي ﷺ ما يلتمس من الميت فلم يجده: ((طبت حيًا وميتًا)). وقيل: الأعمال الطيبات موفق لها الطيبون، تنبيها أن الأعمال الطيبة تكون من الطيبين كما روى: ((المؤمن أطيب من عمله والكافر أخبث من عمله)).

стр. 945

قوله: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ [النساء: ٢] أي الأعمال السيئة بالأعمال الصالحة. وقيل: إنهم كانوا يأخذون شاة هزيلة يضعونها في مال اليتيم ويأخذون بدلها سمينة. وقيل: كانوا يعمدون إلى رذالة التمر وغيره فيتصدقون به ويبقون لأنفسهم الطيب كقوله: ﴿ولا تيمموا أخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قوله: ﴿ومساكن طيبة﴾ [التوبة:٧٢] أي مطهرة مما عليه مساكن الدنيا من خوف الخراب وطرق العدو وغير ذلك. ومثل ذلك: ﴿بلدة طيبة ورب غفور﴾ [سبأ: ١٥] فإن بلادهم كانت حصينة قليلة الوحش والهوام فلا يشكروا هذه النعمة. وقيل: إشارة إلى الجنة وجوار رب العزة. قوله: ﴿والبلد الطيب﴾ [الأعراف: ٥٨] يريد: الكريم المنبت الزكي. قوله: ﴿صعدا طيبا﴾ [النساء: ٤٣] أي طاهرا لا نجاسة فيه، ومن ذلك سموا الاستنجاء استطابه لأنه تحصيل للطيب وهو الطهارة. وفي ((التحيات والصلوات الطيبات)) أي من الكلام مصروفات لله تعالى كالتسبيح والتقديس ونحو ذلك. وفي الحديث: ((نهي أن يستطيب الرجل بيمينه)) أي يستنجي. وقد مر تفسيره. وفي الحديث: ((نهي أن تسمى المدينة يثرب لأن الثرب هو الفساد، وأمر أن تسمى طيبة وطابة لطيبتها)) لقوله في حديث آخر: إن المدينة طيبة تنفي خبثها. والطابة أيضا: العصير، لطيبه، ومنه أنه ((سئل طاووس عن الطابة تطبخ على النصف)). وفي حديث المولد: ((المطيبين الأحلاف)) أي الذين غمسوا أيديهم في الطيب ليحلفوا إيمانا مؤكدة، وهم في قريش خمس قبائل: بنو عبد الدار، وجمح، وسهم، ومخزوم، وعدى بن كعب في قصة طويلة، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر من المطيبين وعمر من الأحلاف. وفي المثل: ((ذهب من الأطيبان)) قيل: النوم والأكل. وقيل: الأكل والنكاح.

стр. 946

قوله تعالى: ﴿طوبي لهم﴾ [الرعد: ٢٩] هي من الطيب، وإنما قلبت التاء واوًا لانضمام ما قبلها، وهما لغتان في كل صفة على فعلى عينها معتلة نحو طيبي وطوبي، وقد قرئ بهما. ورجل كوسي وكيسي، وصيفي وصوفي. وقيل: ((هي شجرة في الجنة)) فذكر من صفاتها أنه ليس بيت في الجنة إلا وفيه غصن من أغصانها، وإن الراكب المجد يسير في ظلها خمس مئة عام. وأحوال الآخرة لا تدخل تحت العقل. وقيل: بل هي إشارة إلى كل مستطاب في الجنة من غني بلا فقر، وبقاء بلا فناء، وشباب بلا هرم، وري بلا ظمأ، وشبع بلا جوع. وهذا كله واقع والله أعلم بما أراد. قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] هو ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة الملهوف، وإعانة المظلوم، كقوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ [النساء: ١١٤]. ط ي ر: قوله تعالى: ﴿فيكون طيرا﴾ [آل عمران: ٤٩] وقرئ ﴿طائرا﴾؛ وقيل: الطير جمع طائر نحو راكب وركب، وصاحب وصحب. والطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء. طار يطير طيرانا. قيل: لم يخلق من الطير غير الخفاش. وكان يطير ثم يقع ميتا لا ينسل. قوله: ﴿وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣] أي عمله الذي طار عنه من خير وشر. قوله: ﴿يطيروا بموسى ومن معه﴾ [الأعراف: ١٣١] أي يتشاءموا به. وأصله أن الرجل منهم كان إذا أراد أمرا نفر الطير؛ فإن أخذ الطير يمينا تفاءلوا به، وإن أخذ يسارًا تشاءموا به. فأصل ((يطيروا)) يتطيروا أي يتفعلوا ذلك. ويقال لطائر اليمين السانح وللآخر البارح. وفي حديث: ((أقروا الطير في وكناتها)) هو نهيهم عن ذلك.

стр. 947

قوله: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾ [الأعراف: ١٣١] أي ما قد أعد الله لهم من سوء الجزاء، وهو شؤمهم لسوء صنيعهم. وقيل: طائر الإنسان: ما قدر له في علم الله تعالى، وطار له. يقال: أطرت كذا وطيرته: قدرت وقسمته. ومنه ((أطرت بين نسائي)) أي قسمت، فكان لكل منهن طائر، أي حفظ ونصيب، قوله: ﴿كان شره مستطيرا﴾، والكاذب وهو أي منتشرًا فاشيًا من أطار النجم: إذا انتشر. وقال الحماسي: [من البسيط] ٩٦٧ - قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانًا وقال ابن عرفة: مستطيرًا: مستطيلًا، وأنشد قول الأعشى. وقال غيره: مستطيرًا: فاشيا فشو الصبح المستطير. والفجر المستطيرلا المستطيل باللام: الذي شبهه ﵊ بذنب السرحان، وهو الذئب. قال بعضهم يقال: فجر مستطير وغبار مستطار خولف بين بنائهما فتصور الفجر بصورة الفاعل، والغبار بصورة المفعول. وفرس مطار أي سريع. ويقال ذلك للحديد الفؤاد. وقولهم: ((خذ ما تطاير من شعر رأسك)) أي ما انتشر حتى كأنه طار. ط ي ن: قوله تعالى: ﴿وخلقته من طين﴾ [الأعراف: ١٢]. الطين: التراب الذي عجن بالماء. قيل: وقد يسمى بذلك وإن زالت عنه قوة الماء. ويقال: طنت الكتاب أطينه طينًا، فهو طين نحو: بعت أبيعه بيعا فهو مبيع، والأصل مطيون، مفعول كمبيوع. وفي الحديث: ((ما من نفس فيها مثقال نملة من خير إلا طين عليها طينًا)) أي جبل عليها يوم القيامة. يقال: طانه الله على طينك، وطامه أيضًا. قيل: ((طينًا)) هنا مصدر على فعل نحو حان حينًا.

стр. 948

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الظاء فصل الظاء والعين ظ ع ن: قوله تعالى:﴾ يوم ظعنكم ﴿[النحل: ٨٠] الظعن: الارتحال. يقال: ظعن يظعن ظعنًا وظعنًا - بالسكون والفتح، وقد قرئ بهما - لغتان، فهو ظاعن، أي رحل وشخص. والظعينة: اسم للهودج ما كانت المرأة فيه، وإلا فهو هودج ومحمل. وقد توسع فيه فأطلق على المرأة وحدها ظعينًة، وإن لم تكن في هودجً. والجمع ظعائن. وقولهم: منا ظعن ومن أقام، تقديره: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، فحذف الموصوف. فصل الظاء والفاء ظ ف ر: قوله تعالى:﴾ من بعد أظفركم عليهم ﴿[الفتح: ١٤]. الإظفار: النصرة. والظفر: الفوز والانتصار. يقال: ظفر فلان بطلبته، وأظفرته بها. ولتضمنه معنى النصر عدي بعلي. وأصله من الظفر؛ فإن قوله ظفر بكذا، معناه أنشب ظفره في الشيء أي علق به فتمكن منه. يقال: ظفرت فلانًا - مشددًا - أي أنشبت ظفري فيه، عبارًة عن تمكنك منه. قوله:﴾ ذي ظفر ﴿[الأنعام: ١٤٦]؛ الظفر: يقال في الإنسان وفي غيره، وإن كان له اسم خاص في غير الإنسان. ألا ترى أن ظفر الإبل يقال لها المياسم، وظفر السباع يقا لها البراثن، وظفر الطير يقال لها المخالب؟ وأنشد لزهير بن أبي سلمى: [من الطويل] ٩٦٨ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ ... له لبد أظفاره لم تقلم ويعبر به أيضًا عن السلاح. ظفر وظفر وأظفور، والجمع أظفار وأظافير. وفلان ظفر، أي طويل الظفر. وفي الحديث: "وعلى عينيه - أي الدجال - ظفرة

стр. 949

غليظة" قال الأصمعي: الظفرة: لحمة تنبت عند المآق. وأنشد: [من الرجز] ٩٦٩ - بعينها من البكاء ظفره ... حل ابنها في السجن وسط الكفره وقال الراغب: الظفرة: جليدة تغشى البصر، تشبيهًا بالظفر في الصلابة. وقد ظفرت عينه: أصابها ذلك. وقيل: "إن الظفر كان لباس آدم وحواء ﵉ في الجنة". فلما وقع ما وقع نزع عنهما كما قال الله تعالى، وأبقى الله منه هذه البقية على رؤوس الأصابع ليتذكر بها ما وقع منهما، فبقيت في ذريتهما تلك البقية، والله أعلم. فصل الظاء واللام ظ ل ل: قوله تعالى:﴾ في ظلالٍ وعيونٍ ﴿الظلال جمع ظل، وهو ضد الصبح البارز للشمس، وهو أعم من الفيء؛ فإنه يقال: ظل الليل، وظل الحر. ولا يقال في الحر إلا بعد الزوال لأنه يفيء من جهة المغرب إلى جهة المشرق. والفيء: الرجوع. ومنه:﴾ حتى تفيء إلى أمر الله ﴿[المرسلات: ٤١] ولذلك غلط ابن السكيت الناس في تسميتهم الظل مطلقًا فيئًا. ويقال لكل موضعٍ لم تصل إليه الشمس: ظل. ولا يقال له في قوله تعالى:﴾ يتفيؤوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدًا لله ﴿[النحل: ٤٨] أي أفياؤه يدل على وحدانية الله وينبئ عن حكمته. قوله:﴾ وظلالهم بالغدو والآصال ﴿[الرعد: ١٥]. قال الحسن: "أما ظلك فيسجد الله وأما أنت فتكفر به".وقد يعبر بالظل عن الإحسان، فيقال: أنا ظلك، وعن العز والمنازعة، وبه فسر قوله تعالى:﴾ إن المتقين في ظلال وعيون وفواكة﴾

стр. 950

[المرسلات: ٤١ - ٤٢]. وظلله الله وأظله: حرسه ومنعه. قال بعضهم: "وظلالهم"، أي أشخاصهم. والظل: يعرف به عن الشخص، قال ذلك بعض اللغويين مستدلاً بقول الشاعر: [من البسيط] ٩٧٠ - لما نزلنا رقعنا ظل أخبيةٍ قال: وليس ينصبون الظل الذي هو الفيء وإنما ينصبون الأخبية. وبقول الآخر: [من الطويل] ٩٧١ - تتبع أفياء الظلال عشيًة أي أفياء الشخوص. قال الراغب: وليس في هذا دلالة فإن قوله: "رفعنا ظل أخبيةٍ" معناه رفعنا الأخبية فرفعنا بها ظلها، فكأنه يرفع الظل. وأما قوله: "أفياء الظلال" فالظلال عام والفئ خاص. وقوله: "أفياء الظلال" من إضافة الشيء إلى جنسه. قوله تعالى:﴾ وندخلهم ظلا ظليلاً ﴿[النساء: ٥٧] أي كنيفًا مانعًا من الحر، ومما يؤذي أذاه من الغم والضيق. وقيل: هو كناية عن غضارة العيش. وقال ابن عرفة: أي دائمًا طيبًا. يقال: إنه لفي عيشٍ ظليلٍ، أي طيبٍ، قال جرير: [من الكامل] ٩٧٢ - ولقد تساعفنا الديار، وعيشنا ... لو دام ذاك بما نحب، ظليل قوله تعالى:﴾ وظل ممدودٍ ﴿[الواقعة: ٣٠] أي دائمٍ لا تنسخه الشمس. والجنة كلها ظل لا شمس فيها؛ كما قال العباس بن عبد المطلب ﵁ يمدحه ﵊: [من المنسرح]. ٩٧٣ - من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودعٍ حيث يخصف الورق يشير إلى أنه كان ﵊ طيبًا في صلب آدم ﵊.
следующие страницы →