← Тафсир

Тафсир · id 17829

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

السمين الحلبي

Полный текст (1 752 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قوله تعالى: ﴿طوبي لهم﴾ [الرعد: ٢٩] هي من الطيب، وإنما قلبت التاء واوًا لانضمام ما قبلها، وهما لغتان في كل صفة على فعلى عينها معتلة نحو طيبي وطوبي، وقد قرئ بهما. ورجل كوسي وكيسي، وصيفي وصوفي. وقيل: ((هي شجرة في الجنة)) فذكر من صفاتها أنه ليس بيت في الجنة إلا وفيه غصن من أغصانها، وإن الراكب المجد يسير في ظلها خمس مئة عام. وأحوال الآخرة لا تدخل تحت العقل. وقيل: بل هي إشارة إلى كل مستطاب في الجنة من غني بلا فقر، وبقاء بلا فناء، وشباب بلا هرم، وري بلا ظمأ، وشبع بلا جوع. وهذا كله واقع والله أعلم بما أراد. قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] هو ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة الملهوف، وإعانة المظلوم، كقوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ [النساء: ١١٤]. ط ي ر: قوله تعالى: ﴿فيكون طيرا﴾ [آل عمران: ٤٩] وقرئ ﴿طائرا﴾؛ وقيل: الطير جمع طائر نحو راكب وركب، وصاحب وصحب. والطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء. طار يطير طيرانا. قيل: لم يخلق من الطير غير الخفاش. وكان يطير ثم يقع ميتا لا ينسل. قوله: ﴿وكل إنسان الزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣] أي عمله الذي طار عنه من خير وشر. قوله: ﴿يطيروا بموسى ومن معه﴾ [الأعراف: ١٣١] أي يتشاءموا به. وأصله أن الرجل منهم كان إذا أراد أمرا نفر الطير؛ فإن أخذ الطير يمينا تفاءلوا به، وإن أخذ يسارًا تشاءموا به. فأصل ((يطيروا)) يتطيروا أي يتفعلوا ذلك. ويقال لطائر اليمين السانح وللآخر البارح. وفي حديث: ((أقروا الطير في وكناتها)) هو نهيهم عن ذلك.

стр. 947

قوله: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾ [الأعراف: ١٣١] أي ما قد أعد الله لهم من سوء الجزاء، وهو شؤمهم لسوء صنيعهم. وقيل: طائر الإنسان: ما قدر له في علم الله تعالى، وطار له. يقال: أطرت كذا وطيرته: قدرت وقسمته. ومنه ((أطرت بين نسائي)) أي قسمت، فكان لكل منهن طائر، أي حفظ ونصيب، قوله: ﴿كان شره مستطيرا﴾، والكاذب وهو أي منتشرًا فاشيًا من أطار النجم: إذا انتشر. وقال الحماسي: [من البسيط] ٩٦٧ - قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانًا وقال ابن عرفة: مستطيرًا: مستطيلًا، وأنشد قول الأعشى. وقال غيره: مستطيرًا: فاشيا فشو الصبح المستطير. والفجر المستطيرلا المستطيل باللام: الذي شبهه ﵊ بذنب السرحان، وهو الذئب. قال بعضهم يقال: فجر مستطير وغبار مستطار خولف بين بنائهما فتصور الفجر بصورة الفاعل، والغبار بصورة المفعول. وفرس مطار أي سريع. ويقال ذلك للحديد الفؤاد. وقولهم: ((خذ ما تطاير من شعر رأسك)) أي ما انتشر حتى كأنه طار. ط ي ن: قوله تعالى: ﴿وخلقته من طين﴾ [الأعراف: ١٢]. الطين: التراب الذي عجن بالماء. قيل: وقد يسمى بذلك وإن زالت عنه قوة الماء. ويقال: طنت الكتاب أطينه طينًا، فهو طين نحو: بعت أبيعه بيعا فهو مبيع، والأصل مطيون، مفعول كمبيوع. وفي الحديث: ((ما من نفس فيها مثقال نملة من خير إلا طين عليها طينًا)) أي جبل عليها يوم القيامة. يقال: طانه الله على طينك، وطامه أيضًا. قيل: ((طينًا)) هنا مصدر على فعل نحو حان حينًا.

стр. 948

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب الظاء فصل الظاء والعين ظ ع ن: قوله تعالى:﴾ يوم ظعنكم ﴿[النحل: ٨٠] الظعن: الارتحال. يقال: ظعن يظعن ظعنًا وظعنًا - بالسكون والفتح، وقد قرئ بهما - لغتان، فهو ظاعن، أي رحل وشخص. والظعينة: اسم للهودج ما كانت المرأة فيه، وإلا فهو هودج ومحمل. وقد توسع فيه فأطلق على المرأة وحدها ظعينًة، وإن لم تكن في هودجً. والجمع ظعائن. وقولهم: منا ظعن ومن أقام، تقديره: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، فحذف الموصوف. فصل الظاء والفاء ظ ف ر: قوله تعالى:﴾ من بعد أظفركم عليهم ﴿[الفتح: ١٤]. الإظفار: النصرة. والظفر: الفوز والانتصار. يقال: ظفر فلان بطلبته، وأظفرته بها. ولتضمنه معنى النصر عدي بعلي. وأصله من الظفر؛ فإن قوله ظفر بكذا، معناه أنشب ظفره في الشيء أي علق به فتمكن منه. يقال: ظفرت فلانًا - مشددًا - أي أنشبت ظفري فيه، عبارًة عن تمكنك منه. قوله:﴾ ذي ظفر ﴿[الأنعام: ١٤٦]؛ الظفر: يقال في الإنسان وفي غيره، وإن كان له اسم خاص في غير الإنسان. ألا ترى أن ظفر الإبل يقال لها المياسم، وظفر السباع يقا لها البراثن، وظفر الطير يقال لها المخالب؟ وأنشد لزهير بن أبي سلمى: [من الطويل] ٩٦٨ - لدى أسدٍ شاكي السلاح مقذفٍ ... له لبد أظفاره لم تقلم ويعبر به أيضًا عن السلاح. ظفر وظفر وأظفور، والجمع أظفار وأظافير. وفلان ظفر، أي طويل الظفر. وفي الحديث: "وعلى عينيه - أي الدجال - ظفرة

стр. 949

غليظة" قال الأصمعي: الظفرة: لحمة تنبت عند المآق. وأنشد: [من الرجز] ٩٦٩ - بعينها من البكاء ظفره ... حل ابنها في السجن وسط الكفره وقال الراغب: الظفرة: جليدة تغشى البصر، تشبيهًا بالظفر في الصلابة. وقد ظفرت عينه: أصابها ذلك. وقيل: "إن الظفر كان لباس آدم وحواء ﵉ في الجنة". فلما وقع ما وقع نزع عنهما كما قال الله تعالى، وأبقى الله منه هذه البقية على رؤوس الأصابع ليتذكر بها ما وقع منهما، فبقيت في ذريتهما تلك البقية، والله أعلم. فصل الظاء واللام ظ ل ل: قوله تعالى:﴾ في ظلالٍ وعيونٍ ﴿الظلال جمع ظل، وهو ضد الصبح البارز للشمس، وهو أعم من الفيء؛ فإنه يقال: ظل الليل، وظل الحر. ولا يقال في الحر إلا بعد الزوال لأنه يفيء من جهة المغرب إلى جهة المشرق. والفيء: الرجوع. ومنه:﴾ حتى تفيء إلى أمر الله ﴿[المرسلات: ٤١] ولذلك غلط ابن السكيت الناس في تسميتهم الظل مطلقًا فيئًا. ويقال لكل موضعٍ لم تصل إليه الشمس: ظل. ولا يقال له في قوله تعالى:﴾ يتفيؤوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدًا لله ﴿[النحل: ٤٨] أي أفياؤه يدل على وحدانية الله وينبئ عن حكمته. قوله:﴾ وظلالهم بالغدو والآصال ﴿[الرعد: ١٥]. قال الحسن: "أما ظلك فيسجد الله وأما أنت فتكفر به".وقد يعبر بالظل عن الإحسان، فيقال: أنا ظلك، وعن العز والمنازعة، وبه فسر قوله تعالى:﴾ إن المتقين في ظلال وعيون وفواكة﴾

стр. 950

[المرسلات: ٤١ - ٤٢]. وظلله الله وأظله: حرسه ومنعه. قال بعضهم: "وظلالهم"، أي أشخاصهم. والظل: يعرف به عن الشخص، قال ذلك بعض اللغويين مستدلاً بقول الشاعر: [من البسيط] ٩٧٠ - لما نزلنا رقعنا ظل أخبيةٍ قال: وليس ينصبون الظل الذي هو الفيء وإنما ينصبون الأخبية. وبقول الآخر: [من الطويل] ٩٧١ - تتبع أفياء الظلال عشيًة أي أفياء الشخوص. قال الراغب: وليس في هذا دلالة فإن قوله: "رفعنا ظل أخبيةٍ" معناه رفعنا الأخبية فرفعنا بها ظلها، فكأنه يرفع الظل. وأما قوله: "أفياء الظلال" فالظلال عام والفئ خاص. وقوله: "أفياء الظلال" من إضافة الشيء إلى جنسه. قوله تعالى:﴾ وندخلهم ظلا ظليلاً ﴿[النساء: ٥٧] أي كنيفًا مانعًا من الحر، ومما يؤذي أذاه من الغم والضيق. وقيل: هو كناية عن غضارة العيش. وقال ابن عرفة: أي دائمًا طيبًا. يقال: إنه لفي عيشٍ ظليلٍ، أي طيبٍ، قال جرير: [من الكامل] ٩٧٢ - ولقد تساعفنا الديار، وعيشنا ... لو دام ذاك بما نحب، ظليل قوله تعالى:﴾ وظل ممدودٍ ﴿[الواقعة: ٣٠] أي دائمٍ لا تنسخه الشمس. والجنة كلها ظل لا شمس فيها؛ كما قال العباس بن عبد المطلب ﵁ يمدحه ﵊: [من المنسرح]. ٩٧٣ - من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودعٍ حيث يخصف الورق يشير إلى أنه كان ﵊ طيبًا في صلب آدم ﵊.

стр. 951

وقال أبو بكرٍ: "ظل الجنة سترها والكينونة في دارها" وإلا فالشمس إنما تتعارف في الدنيا، هي معيار الظل باعتبار غيبوبتها وحجبها عن ذلك المكان الذي يوجد فيه الظل ولا شمس في الجنة. قوله تعالى:﴾ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴿[الفرقان: ٤٥] هذه الآية من أشكل الآي في فهمها، وأحسن ما قيل فيها: إن معنى "مد الظل" أن جعله يبسط ويمشي وينتقل في الأمكنة التي كانت مشمولًة بالشمس، فينتفع به العالم انتفاعًا مشاهدًا في أبدانهم وزروعهم وثمارهم. ولو بقيت الشمس متسلطًة عليهم لأحرقت كل ذلك، وكذا لو لم تطلع عليهم لفسدوا أيضًا. قوله تعالى:﴾ ولو شاء لجعله ساكنًا ﴿[الفرقان: ٤٥] أي لاصقًا بأصل كل شاخصٍ مطل لم ينبسط ولم ينتقل عن أصل ذلك الشاخص من بناءٍ أو جيلٍ أو شجرٍ، فلم ينتفع به ذلك العالم فيما ذكر، قسمي الله تعالى ابنساطه وانتقاله الانتقال المعهود امتدادًا وتحركًا، وعدم ذلك سكونًا. قوله:﴾ ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً ﴿معناه أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في المسير العجيب الذي لا يدخل تحت العقول على أحوال الظل في كونه ثابتًا في مكانٍ، وزائلاً عن آخر، ومتسعًا منبسطًا ولاصقًا متقلصًا، فيثبتون حاجاتهم على حسب ما يريدون. قوله:﴾ ثم قبضناه إلينا ﴿معناه: ننسخه بضحى الشمس بأن نطلقها فيسطع نورها أي شعاعها على تلك الأمكنة بالسير الذي قدرناه فيذهب .. قوله:﴾ قبضًا يسيرًا ﴿أي على مهلٍ وتأنٍ. ولو قبض الظل ونسخ دفعًة واحدًة لتعطلت منافع الناس وفسدت معايشهم ونباتهم وشجرهم بالشمس والظل معًا، فسبحان الحكيم الذي تاهت عقول الحكماء في حكمته. وإنما شرحت ألفاظ الآية، وإن المقصود الظل لأنه لا يفهم معناها إلا بمجموع كلماتها. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قوله تعالى:﴾ إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴿[البقرة: ٢١٠] أي عذابه وأمره، وأما ذاته المقدسة فمنزهة عن الانتقال والحركة. وهي إما جمع ظلة: قطعة من السحاب لأنها تظل من تحتها. وقرئ﴾ ظلال ﴿، وهو جمع ظل أيضًا نحو غلبة وغلاب، وحفرةٍ وحفارٍ. وإما جمع ظل المراد به الشخص عند من يرى ذلك، وقد تقدم الاستدلال

стр. 952

به والجواب عنه. قوله:﴾ موج كالظلل ﴿[لقمان: ٣٢] فقيل: هي شيء يشبه الظلمة، وبها شبهت الموجة. والأولى أن تكون على بابها، والتشبيه بها واضح لما فيها من التراكم والتلاحق. قوله:﴾ هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ﴿[يس: ٥٦] قرئ "ظلال" جمع ظل. وقيل: جمع ظلة نحو برمة وبرام، وقد تقدم. وقرئ "ظلل" جمع ظلة، يعني على التشبيه بما هم من الظل بمن أظلته سحابة، فصارت عليه ظلة. ثم لم يكتف بذلك حتى جعلها ظللاً متراكمة مبالغًة في الوصف. وحكي في ظلل - بضمتين - فقيل: يجوز أن يكون جمع ظلالٍ ظللٍ، فهو جمع الجمع، وهذا مردود بقاعدة تصريفيةٍ؛ وهو أن فعالاً وفعالاً إن كانا مضاعفين أو معتلي اللام لزمها الجمع على أفعلةٍ نحو زمام وأزمة. وقد يقال: لما ورد في لسانهم كما يشهد بذلك مساغ القول. وقد قالوا: عنان وعنن وحجاج وحجج. وكان الذي حمل هذا القائل - والله أعلم - على القول بذلك مع شذوذه أن هذا اللفظ قد ورد في صفة أهل النار بقوله لهم:﴾ من فوقهم ظلل ﴿[الزمر: ١٦] جعل أطباق النار - أعاذنا الله منها - ظللاً لمن فيها وبئس الظل. فقوله:﴾ لهم من فوقهم ظلل ﴿ظاهر؛ فإن الظلة ما علا فأظل. وأما قوله:﴾ ومن تحتهم ظلل ﴿فباعتبار من تحتهم من المعذبين في الطبقة التي تحتهم، فبالنسبة إلى من فوق هي كالأرض، وإلى من تحت ظلة، وهذا كسقفين؛ فإن الذي تحت يقال فيه ظلة، وغير ظلة بالنسبة والإضافة، وهذا كقوله تعالى في المعنى:﴾ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴿. قوله:﴾ عذاب يوم الظلة ﴿[الشعراء: ١٨٩] هي سحابة أنشأها الله تعالى كان فيها عذاب مدين؛ قيل: أصابهم ذلك اليوم حر عظيم إلى أن كادوا يهلكون، فأرسل الله ظلًة كثيفًة، أي سحابًة متراكمًة، فهرعوا إليها يستجيرون بها من الحر، فلما تكاملوا تحتها أطبقت عليهم بعذابها، فلم ير يوم مثله. وحكى الفراء: أظل يومنا، أي صار ذا ظل وهو السحاب. قوله تعالى:﴾ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعبٍ لا ظليلٍ﴾

стр. 953

المرسلات: [٣٠ - ٣١] سماه ظلاً تهكمًا بهم أو في الصورة من حيث إنه متراكب لا شمس فيه. ثم لما وصفه بوصفين بكونه ظلاً وبكونه [ساترًا] نفى عنه هذين الوصفين؛ فقال: ليس بظليلٍ على ما يتعارفونه، ونفى عنه فائدة الظل المتعارف، وهو أن من شأنه أن يغني من لهب النار وحرها. ويجوز أن يكون المعنى أن الظل، وإن كنتم تعهدونه يغني من الحر فهذا لا يغني من اللهب. قال الراغب: قوله:﴾ لا ظليلٍ ﴿أي لا يفيد فائدة الظل في كونه واقيًا من الحر. قلنا: هذا قد أفاد ولا يغني من اللهب. وأيضًا لو كان فائدة قوله:﴾ لا ظليلٍ ﴿ذلك لم يكن لقوله بعد، ولا يعني فائدًة لأنه إذا لم يق الحر علم أنه لا يغني من اللهب من باب الأولى والأحرى. وقوله:﴾ ظلت عليه عاكفًا ﴿[طه:٩٧] أصلها ظللت، وإنما حذفت اللام الأولى للتضعيف والكسر، وفيه وفيما أشبهه ثلاث لغاتٍ: ظللت على الأصل، وظلت بالحذف مع بقاء الفاء على حركتها، وظلت بكسرها منبهًة على حركة المحذوف، وإن كانوا قد حذفوا أحد المثلين في المضاعف وإن لم يكن كسر نحو: أحست في أحسست، وهمت في هممت، وحلت في حللت. فلأن يحذفوا فيما فيه ذلك وحركة ثقيلة أولى. ومنه قول الشاعر: [من الوافر] ٩٧٤ - سوى أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوش يريد: أحسن. على أنه قد زعم بعضهم أنه جاء ذلك مع الفتح، وجعل منه:﴾ وقرن في بيوتكن ﴿[الأحزاب: ٣٣] وليس كذلك حسبما بيناه في "الدر" و"العقد" وغيرهما. وأصل ظل الدلالة على اتصاف اسمها بمعنى خبرها نهارًا كدلالة بات على اتصافه به ليلاً. تقول: ظل زيد يقرأ، أي اتصف بالقراءة نهارًا. وبات يصلي، اتصف بها ليلاً، قال الشاعر: [من السريع].

стр. 954

٩٧٥ - أظل أرعى وأبيت المحن ... الموت من بعض الحياة أهون وهي من أخوات كان ترفع اسمًا وتنصب خبرًا، وتكون تامًة إذا أريد بها الإقامة. وتكون بمعنى صار فتدل على الانتقال من حالٍ إلى آخرٍ كقوله تعالى:﴾ ظل وجهه مسودًا ﴿[النحل: ٥٨]، إذ ليس المراد اتصافه بذلك نهارًا فقط. وقيل إنما ذكر وقت النهار لأنه أوضح، وهو الذي تظهر فيه. المخبآت. والعرب تقول: الليل ساتر للويل. وفي الحديث: "السلطان ظل الله في أرضه" قيل: ستره ووقايته. وقيل: خاصته. وقيل: المراد العزة والمنعة، وأنشد: [من الطويل]. ٩٧٦ - فلو كنت مولى العز أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلم ظ ل م: قوله تعالى:﴾ لا ظلم اليوم ﴿[غافر: ١٧] أي أنه تعالى يظهر عدله في ذلك اليوم لكل أحدٍ، وإن كان نفي الظلم عنه ثابتًا في غير اليوم أيضًا، ولكنه فيه أظهر لأنه يوم مجموع له الناس فيشاهد عدله تعالى جميع الخلائق، فلا يجازي بالسيئة إلا مثلها. وأما الحسنات فيضاعفها ويعفو عن سيئات بعض العباد، ولا عدل أتم من ذلك. ولما كان التوحيد عند الله بمكانٍ لا يوازي كان الجزاء عليه كذلك. ولما كان الشرك عنده تعالى أيضًا في باب المعاصي بمكانٍ لا يوازي كان الجزاء كذلك، ولو عذب الكافر بكل عذابٍ لم يواز كفره ولم يساوه لعظم ما أتى به. فنسأل الله العظيم أن يتوفانا مسلمين كما أمرنا به. والظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصانٍ أو بزيادةٍ وإما بعدولٍ عن وقته أو مكانه. ومن ثم قالوا: ظلم السقاء: إذا تناوله في غير وقته أو مكانه، ويقال لذلك اللبن: ظليم. وقيل: هو أظلم من الحية؛ وذلك أن الحية تأتي الحجر فتغتصبها من أرباها. قال الشاعر: [من الرجز] ٩٧٧ - وأنت كالأفعى التي لا تحتفر ... ثم تجيء حاذرًا فتنجحر ويقال: ظلم الأرض: إذا حفرها ولم تكن محلا للحفر، وتسمي المظلومة. قال

стр. 955

النابعة: [من البسيط] ٩٧٨ - إلا الأواري لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والتراب الخارج منها ظليمً. وقيل: الظلم: التصرف في ملك الغير من غير إذنه. وقد ظلمني، أي تصرف في ملكي بغير إذني، ومن ثم انتفى الظلم عن الباري تعالى من كل وجهةٍ وعلى كل وجهٍ. فله أن ينعم العاصي ويعذب الطائع. وليس ذلك ظلمًا إذ الأشياء كلها ملك له تعالى. وقيل: الظلم مجاوزة الحد الذي يجري مجرى نقطة الدائرة. ويقال فيما يقل ويكثر من التجاوز. ولهذا يقال في الذنب الصغير والذنب الكبير: ظلم. قال الراغب: ولذلك قيل لآدم ﵊ في تعديه: ظالم، ولإبليس: ظالم، وإن كان بين الظلمين بون بعيد. قلت: أما التباين بين ما ذكره فمسلم، ولكن وصفه آدم بذلك جراءة لا تجوز، فنبهت عليها لذلك. وقال بعض الحكماء: الظلم أنواع: الأول: بين العبد وربه وأعظمه الشرك والكفر والنفاق. ومن ثم قال الله تعالى:﴾ إن الشرك لظلم عظيم ﴿[لقمان: ١٣]، وإياه قصد بقوله:﴾ ألا لعنة الله على الظالمين ﴿[هود: ١٨]. والثاني: ظلم بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله تعالى:﴾ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ﴿[الشورى: ٤٢]. والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله تعالى:﴾ فمنهم ظالم لنفسه ﴿[فاطر: ٣٢]. وقوله:﴾ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴿[البقرة: ٣٥] أي لأنفسهم. قال: وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس فإن الإنسان أول ما يهم بالظلم قد ظلم نفسه، فإذًا الظالم أبدًا يبتدئ بنفسه في الظلم، ولهذا قال في غير موضعٍ:﴾ وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ﴿[آل عمران: ١١٧] قلت: وفي قوله:﴾ فتكونا من الظالمين ﴿فائدة حسنة وهو أنه تعالى علم أنهما يصيبان ما يصيبان فلقنهما الاعتذار. فمن ثم قالا:﴾ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴿[الأعراف: ٢٣] فتأيد أن الظلم في قوله:﴾ من الظالمين ﴿أي لأنفسكما. ثم إن الظلم المتوسط - وهو ظلم

стр. 956

العباد - أصعب الثلاثة من وجهٍ وهو الافتقار إلى الخروج من مظلمة ذلك الإنسان؛ إما برد ما غصبه وإما بإعلامه بما اغتابه وثلبه. وفي هذا من الصعوبة كما هو معروف عند كل أحدٍ بخلاف النوعين الآخرين؛ فإنهما لمجرد الندم والإقلاع والعزم على عدم العود يحصل الغرض وينتفى الظلم. قوله:﴾ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴿[الأنعام: ٨٢] أي بشركٍ لأنه هو الظلم المؤثر في الإيمان. ولما سمعها الصحابة تبادر فهمهم إلى مطلق الظلم فضجوا فقال ﵊: "ذلكم الشرك" وتلا قوله تعالى:﴾ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ﴿[لقمان: ١٣] فسكتوا. قوله:﴾ ولم تظلم منه شيئًا ﴿[الكهف: ٣٣] أي لم تنقص. قوله تعالى:﴾ وما ربك بظلام للعبيد ﴿[فصلت: ٤٦]. قال بعضهم: لا يلزم من نفيه الأخص نفي الأعم، والله تعالى منتفٍ عنه الظلم على العموم. وظلام صيغة مبالغةٍ، ومثاله إذا قلت: ليس زيد بظالم، معناه أنه لم يلبتس بشيءٍ من الظلم قليله وكثيره. وإذا قلت: ليس بظلامٍ فإنما نفيت كثرة الظلم. ولا يلزم منه مطلق الظلم، والجواب عنه أن ظلامًا هنا ليس مثال مبالغةٍ وإنما معناه النسب، أي ليس بذي ظلمٍ كقولهم: لبان ونبال، أي صاحب لبنٍ ونبل. وقيل: إنما أتى به على صيغة المبالغة بالنسبة إلى ذكر ما بعده من الجمع. فلما تكرر المتعلق وتعدد حسن أن يتكرر الفعل الذي نفي عنه تعلقه، والأول أحسن. قوله:﴾ إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ﴿[النجم: ٥٢] تنبيه أن الظلم لا يغني شيئًا؛ فإن قوم نوحٍ مع كونهم كانوا اظلم من هؤلاء لم يغن عنهم ظلمهم شيئًا بل كان وبالاً عليهم. قوله تعالى:﴾ وما الله يريد ظلمًا للعباد ﴿[غافر: ٣١] أي لا يريد أن يظلمهمٍ. وأما ظلمهم لبعضهم بعضًا فهو واقع وليس المراد نفي إرادته. وقد مضى هذا مستوفى. وقال في موضع آخر:﴾ وما أنا بظلامٍ للعبيد ﴿[ق: ٢٩] فنفى الظلم عن ذاته المقدسة من غير تعرضٍ للإرادة، لأن المقام هنا يقتضي نفي ذلك. قيل: والظلم يرد أيضًا بمعنى العدول ومنه:﴾ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ﴿[النمل: ٥٢] أي بعدولهم عن الحق. ولا شك أن ذلك لازم للظلم، بأي تفسير فسر. ويرد أيضًا بمعنى النقصان كقوله

стр. 957

تعالى: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴿[البقرة: ٥٧] أي ما نقصوا ملكنا شيئًا، وإنما نقصوا أنفسهم حظها. ويرد بمعنى المنع؛ حكى أبو بكرٍ: ما ظلمك أن تفعل كذا؟ أي ما منعك. وفي حديث أم سلمة "أن أبا بكرٍ وعمر [ثلما] هذا الأمر فلم يظلماه" أي لم يضعاه في غير، موضعه. وقيل: لم يعدلا به عن الحق. وقيل: لم ينقصاه. وقيل: لم يمنعاه، وكله مراد. والحق أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وما ذكر فلوازم. والظليم: ذكر النعام، والجمع ظلمان. وقيل: سمي بذلك لاعتقاد العرب أنه مظلوم بصلم أذنيه، وإياه قصد الشاعر بقوله: [من السريع] ٩٧٩ - [فصرت] كالهيق غدا يبتغي ... قرنًا فلم يرجع بأذنين الهيق هو الظليم. يعني أنه ذهب يطلب له قرنًا كبقر الوحش فذهبت أذناه. وهو في هذا المعنى كقولهم: من طلب الزيادة وقع في النقص. وقد تقدم أن الظليم نوع من اللبن، ونوع من التراب. والظلم: ماء الأسنان. وقيل: بريقها؛ قال كعب رضي الله تعالى عنه: [من البسيط] ٩٨٠ - تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول وفي الحديث: "إذا أتيتم على مظلومٍ فأغذوا السير" قيل أراد به البلد الذي لا رعي فيه ولا أصابه غيث. قوله تعالى:﴾ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴿[البقرة: ٢٥٧] عنى بالظلمات هنا الكفر، وبالنور الإيمان. وهو من أحسن الاستعارات لهذين الضدين. وأصل الظلمة عدم النور، وهما متقابلان؛ قال الله تعالى:﴾ وجعل الظلمات والنور ﴿[الأنعام: ١] ثم يعبر بالظلمة عن الشرك والجهل والفسق، كما عبر عن أضدادها بالنور.

стр. 958

قوله: ﴿كمن مثله في الظلمات ﴿[الأنعام: ٦] أي كمن هو أعمى. قوله:﴾ في ظلمات ثلاثٍ ﴿[الزمر: ٦] أي ظلمة البطن والرحم والمشيمة. قوله:﴾ فنادى في الظلمات ﴿[الأنبياء: ٨٧] قيل: ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، وظلمات الليل. قوله:﴾ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴿[الأنعام: ٦٣] عبر عن النجاة من المخاوف، والتيه في الليل المتراكم بالظلمات، ولا شك أنه أمر عظيم. وقيل: أراد بذلك شدائدهما عن غير نظرٍ إلى ليلٍ أو نهارٍ. يقولون: هذا مظلم، أي شديد. ويوم ذو كواكب قال: [من الخفيف] ٩٨١ - وتريه النجوم تجري بالظهر وقال آخر: [من الوافر] ٩٨٢ - بيومٍ ذي كواكب أشفعاه قوله:﴾ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴿[إبراهيم: ١] أي من ظلمات الكفر وما كانت عليه قريش من عبادة الأوثان وذبح النسائك في البيت المعظم إلى دينك القويم، وما جئت به عن ربك من الحق الأبلج. قوله:﴾ فإذا هم مظلمون ﴿[يس: ٣٧] أي داخلون في الظلام، كقوله:﴾ لتمرون عليهم مصبحين ﴿[الصافات: ١٣٧]. قوله تعالى:﴾ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ﴿[البقرة: ١٥٠] فيه أقوال أقربها: إلا أن يقولوا ظلمًا وباطلاً، لقوله: مالك عندي حق إلا أن تظلم: إلا أن تقول الباطل. فصل الظاء والميم ظ م أ: قوله تعالى:﴾ يحسبه الظمآن ماًء ﴿[النور: ٣٩] الظمآن: العطشان، ومنه:

стр. 959

رجل ظمآن وامرأة ظمأى. يقال: ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن. قال تعالى:﴾ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ﴿[طه: ١١٨ - ١٩٩] نفى عنه أولاً الجوع والعري، ثم ثانيًا العطش والحر. وما أحسن ما جاء على هذا النسق حسبما بيناه في غير هذا! قيل: وأصله من الظمء - بالكسر - وهو ما بين الشربين. ومنه: أظماء الإبل، هي جمع الظمأ. فالظمأ ما يحصل من الظمء من العطش. فصل الظاء والنون ظ ن ن: قوله تعالى:﴾ وما هو على الغيب بظنين ﴿[التكوير: ٢٤] أي بمتهم، أي أنه صادق في نفس الأمر ولا عبرة بمن عائد واتهم. وقد تقدم أنه قرئ "بضنينٍ" ومر تفسيره. والظن إذا كان بمعنى التهمة تعدى لواحدٍ. والظن: ترجح أحد الطرفين على الآخر نفيًا وإثباتًا. وقد يعبر به عن اليقين والعلم كما يعبر بالعلم عنه مجازًا. قال الراغب: الظن ما يحصل عن أمارةٍ فإذا قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جداً لم يتجاوز حد الوهم. قوله:﴾ ألا يظن أولئك ﴿[المطففين: ٤] تنبيه أن أمارات البعث ظاهرة، وذلك نهاية في ذمهم. قوله تعالى:﴾ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴿[البقرة: ٤٦] أي يتيقنون؛ إذ لا يناسب حالهم وصفهم بظن ذلك حقيقًة. وقيل: هو على بابه بتقدير مضافٍ، أي ثواب ربهم، وهو أمر مظنونً إذ لا يقطعون لأنفسهم بالثواب، وفيه نظر لأن قوله بعد:﴾ وأنهم إليه راجعون ﴿يعكر عليه وأجيب بأنه يحمل مع المقدر على الظن الحقيقي مع قوله:﴾ وأنهم إليه راجعون ﴿على اليقين. واعترض بلزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز. وأجيب بالتزامه. قوله:﴾ وظن أهلها أنهم قادرون عليها ﴿[يونس: ٢٤] تنبيه أنهم صاروا في حكم العالمين لفرط طمعهم وأملهم. قوله:﴾ وظن أنه الفراق ﴿[القيامة: ٢٨] أي علم.

стр. 960

وقيل: على، لأنه بعد في شك. قوله:﴾ وظن داود أنما فتناه ﴿[ص: ٢٤] أي علم. قوله:﴾ إن نظن إلا ظنًا ﴿[الجاثية: ٣٢] إنما أكدوا لئلا يتوهم عنهم أنهم تجوزوا بالظن عن العلم. قوله:﴾ فظن أن لن نقدر عليه ﴿[الأنبياء: ٨٧] قال بعضهم: إن:﴾ لن نقدر عليه ﴿كقوله:﴾ فنقدر عليه رزقه ﴿[الفجر: ١٦] ومن قدر عليه رزقه فلينفق. وقوله:﴾ وقدر في السرد ﴿[سبأ: ١١]. وعن معاوية أنه أرسل إلى ابن عباس فسأله وقال: كيف يظن نبي الله ذلك؟ فأجابه بما ذكر. قوله:﴾ وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴿[القصص: ٣٩] قيل: إنه استعمل فيه أن المستعمل مع الظن الذي هو العلم تنبيها أنهم اعتقدوا ذلك اعتقادهم للشيء المتيقن وإن لم يكن ذلك متيقنًا. وكان قائل هذا قد قدم أن الظن إذا قوي أو تصور بصورة القوي استعمل معه أن المشدودة وأن المخففة منها، ومتى ضعف استعمل معه أن المختصة بالمعدومين من القول والفعل. قلت: ذكر النحاة أن أن المخففة لا تقع إلا بعد أفعال اليقين، وأن أن الناصبة لا تقع إلا بعد أفعال الشك، ومتى وقع فعل محتمل للأمرين جاز أن تكون المخففة إن جعلت ذلك الفعل ظنًا، وينصب الفعل بعدها. وقد قرئ بالوجهين قوله تعالى:﴾ وحسبوا ألا تكون فتنة ﴿[المائدة: ٧١] وأجمعوا على النصب في قوله:﴾ أحسب الناس أن يتركوا ﴿[العنكبوت: ٣] وعلى الرفع في قوله:﴾ ألا يرجع إليهم قولاً [[طه: ٨٩]. قوله:﴾ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴿[آل عمران: ١٥٤] تنبيه أن هؤلاء المنافقين هم في حزب الكفار حيث شبه ظنهم بظن الجاهلية. قوله:﴾ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ﴿[الحشر: ٢] أي اعتقدوا اعتقادًا كانوا منه في حكم المستيقنين. قوله:﴾ الظانين بالله ظن السوء ﴿[الفتح: ٦] قيل: هو مفسر بما بعده من قوله:﴾ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدًا ﴿[الفتح: ١٢] بدليل قوله تعالى بعده:﴾ وظننتم ظن السوء ﴿. قوله:﴾ إن يتبعون إلا الظن ﴿[الأنعام: ١١٦]﴾ إن الظن لا يغني من الحق شيئًا ﴿[يونس: ٣٦]. أصل الظن مذموم إلا ما استثناه الشارع كما هو مبين في مواضعه. قوله: ﴿اجتنبوا

стр. 961

كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ﴿[الحجرات: ١٢]. أمروا باجتناب الكثير منه حتى لا يصادفوا ذلك البعض منه الذي عسى أن يقع فيه إثم. وأفهم أن بعضه ليس بإثم وهو ما أذن بالعمل به. قال بعضهم: إنما جاز استعمال كل من الظن والعلم في موضع الآخر لعلاقة أن كلا منهما فيه رجحان أحد الطرفين إما جزمًا - وهو العلم - وأما ترددًا - وهو الظن. فمن استعمال العلم بمعنى الظن قوله تعالى:﴾ فإن علمتوهن مؤمنات ﴿[الممتحنة: ١٠] إذ ليس الوقوف على الاعتقادات يقينًا. ومن استعمال العكس قوله تعالى:﴾ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴿وقد تقدم. وأنشدوا قول الشاعر، هو "دريد": [من الطويل] ٩٨٣ - فقلت لهم: ظنوا بألفي مدججٍ ... سراتهم في الفارسي المسرد أي أيقنوا بهم، لأن المقام يقتضي ذلك. فصل الظاء والهاء ظ هـ ر: قوله تعالى:﴾ وإن تظاهرا عليه ﴿[التحريم: ٤] أي تعاونا. يقال: ظاهرته أي عاونته. قال تعالى:﴾ وأنزل الذين ظاهروهم ﴿[الأحزاب: ٢٦] أي عاونوهم. وأصل ذلك من الظهر الذي هو الجارحة، لأن المعاون يساعد صاحبه بجوارحه وأقواها ظهره. ثم جعل عبارة عن كل معاونةٍ وإن كانت بغير الظهر حتى باللسان. قوله:﴾ وكان الكافر على ربه ظهيرًا ﴿[الفرقان: ٥٥] أي معينًا، يعني أنه بمنزلة المعين للشيطان على الرحمن من حيث طاعته له وعصيانه لربه. وقيل: إن معناه هين أي وكان هينًا عليه. قال أبو عبيدة: الظهر: المظهور به، أي هينًا على ربه كالشيء الذي خلفته من قولك: ظهرت بكذا أي خلفته. قوله:﴾ واتخذتموه وراءكم ظهريًا ﴿[صور: ٩٢] أي غير معتد به ولا ملتفتٍ إليه، وهو ما تجعله بظهرك فتنساه، وأصله من قولهم: بعير ظهري، أي معد للركوب.

стр. 962

قوله: ﴿الذين يظهرون ﴿و﴾ يظاهرون ﴿[المجادلة: ٢] أي يشبهون [ظهور] أزواجهم بظهر أمهاتهم، فيقولون: "أنت علي كظهر أمي" وكان طلاقًا في الجاهلية فغير الشارع حكمه، ثم اتسع الفقهاء فيه فقالوا: أن يشبه زوجته بعضوٍ من أعضاء محارمه الإناث بتفصيل مذكور في كتب الفقه. وقد سماه الله تعالى:﴾ منكرًا من القول وزورًا ﴿[المجادلة: ٢] وأوجب به الكفارة العظمة التي نص عليها. والظهور: ضد الخفاء؛ قال تعالى:﴾ وظهر أمر الله ﴿[التوبة: ٤٨] أي بدا ما وعد الله به رسوله والمؤمنين من النصر، وفشا دين الإسلام. وأصل ذلك من حصول الشيء على وجه الأرض، وضده بطن أي حصل في بطنان الأرض فخفي، ثم صار مستعملاً في كل بارزٍ للبصر والبصيرة. وقوله تعالى:﴾ يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا ﴿[الروم: ٧] أي يعلمون الأمور الدنيوية دون الأخروية. ثم إنهم لا يعلمون من تلك الأمور إلا ظاهرها دون باطنها. لو علموا ذلك لاتضح لهم الحق وبان ضده. وقولهم: علم الظاهر وعلم الباطن، يشيرون بهما إلى المعارف الجلية والمعارف الخفية وقد يشيرون بهما إلى العلوم الدنيوية والأخروية. قوله:﴾ ظهر الفساد في البر والبحر ﴿[الروم: ٤١] أي بدا وفشا، أي ولم يتكتمه لكثرة مخالطتهم إياه. وقيل: ظهوره في البر أن قتل قابيل هابيل، وفي البحر أن غصب الجلندي سفينة المساكين، وهذا مثال من الأمثلة. قوله:﴾ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرًة وباطنًة ﴿[لقمان: ٢٠] قيل: عنى بالظاهرة ما تقفون عليها من صحة الأبدان وإدامة الأبصار وتقوية البطش والسعي وإدرار الأرزاق السماوية والأرضية، والباطنة ما لا يوقف عليها، وكم في الإنسان من نعمةٍ لا يعرفها، بل ولا تخطر بباله. قوله:﴾ فما استطاعوا أن يظهروه ﴿[الكهف: ٩٧] أي يعلوه؛ يعني السد؛ يقال: ظهر عليه وظهره أي علاه، كأنه ركب ظهره. قال النابغة الجعدي:

стр. 963

[من الطويل] ٩٨٤ - بلغنا السماء مجدنا وعلاءنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا أي مصعدًا. ولما قال الشاميون لابن الزبير: يا بن ذات النطاقين، قال: إيهٍ والإله، ثم أنشد: [من الطويل] - وتلك شكاة ظاهر عنك عارها قلت: قد تمثل رضي الله بيت أبي ذؤيب الهذلي، وهو: ٩٨٥ - وعيرها الواصون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها أي عالٍ ومرتفع عنك لا يعلق بك. والأجلاف إنما عيروه بشيءٍ كان فيه فخره لأن أمه أسماء ﵂ لما هاجر رسول الله ﷺ وصحبه صاحبه أبوها أرادوا تعليق سفرةٍ كانت معهم فيها بعض زادٍ فلم يجدوا حبلاً، وكان على رأسها نطاق تتقنع به فشرطته نصفين تقنعت بأحدهما وأعطتهم الآخر، فيا لها من منقبةٍ فاز بها آل أبي بكرٍ وأولاد الزبير. وقد قالها الخبيث الحجاج لما صلب فلذة كبدها قال: يا بن ذات النطاقين. فقال: لو عرفتم ما شأن ذات النطاقين! فمن ثم قال عبد الله لأهل الشام ما قال، وأوقع إنشاده هذا العجز من البليغ. قوله تعالى:﴾ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرًة ﴿[سبأ: ١٨] الظاهر أنه أراد بظهورها رؤية المسافرين إياها ونزولهم بها ذهابا وإيابًا. وقيل: هو مثل لأحوال من تقدمهم من أهل القرى. وهذا تذكير لأهل مكة؛ فإنهم كانوا يمرون في سيرهم إلى الشام بقرى ثمود ولوطٍ، فنبههم على الاعتبار بها كما نبه أهل سبأ على ذلك. قوله:﴾ فلا يظهر على غيبه أحدًا ﴿[الجن: ٢٦] أي لا يطلع. قوله:﴾ ليظهره على الدين كله ﴿[التوبة: ٣٣] يجوز أن يكون من الغلبة والمعاونة، أي ليعليه على الدين كله ويغلبه أيضًا، وأن يكون من البروز وعدم الخفاء. قوله تعالى: ﴿وحين تظهرون﴾

стр. 964

[الروم: ١٨] أي تدخلون في الظهيرة؛ وهي وسط النهار وشدة الحر. وقيل: تصلون الظهر. ويقال: أظهر وأصبح وأمسى: دخل في هذه الأوقات. وقد جمعت الآية الكريمة بين ذلك كله في قوله تعالى:﴾ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴿[الروم: ١٧]﴾ وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا ﴿الآية: [الروم: ١٨]. قوله:﴾ الذي أنقض ظهرك ﴿[الشرح: ٣] قيل: الظهر هنا استعارة. والوزر المشار إليه: العبء الذي حصل له من تحمل النبوة، لا الذنوب حاشا لله. وذلك أن أمر النبوة ثقيل جدًا يعجز عنه البشر من حيث هو بشر لولا التأييد الإلهي والفيض الرباني حتى أطاقها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال تعالى:﴾ الم نشرح لك صدرك ﴿[الشرح: ١] أي وسعناه لتلقي الوحي، وألقينا عنك أعباء النبوة حتى أطقت حملها. ومعنى انقاض الظهر أن يثقل بالحمل حتى يسمع له نقيض - وهو الصوت المنضغط من التقاء الفقارات وتراكبها إذا حمل عليها شيء ثقيل. وفي الحديث: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنًى" أي ظهور سعةٍ وفضلٍ. قال معمر: قلت لأيوب: ما ظهر غنًى؟ قال: عن فضل عيالٍ. وفي حديث أبي موسى: "أنه كساني ثوبين: ظهرانيا ومعقدًا". قيل: منسوب إلى ظهران؛ قريةٍ بالبحرين. وقيل: بل مر الظهران. والمعقد: برد من برود هجر.

стр. 965

باب العين فصل العين والباء ع ب أ: قوله تعالى:﴾ قل ما يعبأ بكم ربي ﴿[الفرقان: ٧٧] أي لا يرى لكم قدرًا ولا وزنًا. يقال: ما عبأت به، أي لم أقدره ولم أبال به﴾ لولا دعاؤكم ﴿[الفرقان: ٧٧] وتضرعكم. وأصله من العبء وهو الثقل. وقيل: من عبأت الطيب: هيأته. يقال: عبأت الجيش وعبأته. والمعنى ما يبقيكم. فيجوز أن تكونا لغتين، وأن يكون عبيت، تخفيفًا. قال مجاهد: ما تفعل؟ قال أبو إسحاق: أي وزنٍ لكم عنده لولا توحيدكم؟ وفي الحديث: "عبية الجاهلية" بضم العين وكسرها؛ قيل: ما هي مدخرة في أنفسهم من حمية الجاهلية: قيل: من العبء. وقيل: من العب وهو النور. وأصله عبو فحذف منه كدمٍ. ع ب ث: قوله تعالى:﴾ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا ﴿[المؤمنون: ١١٥] العبث: أن يخلط بعمله لعبًا، من قولهم: عبثت الأقط، أي خلطته فهو معبوث وعبيث. ومنه العوبثاني، لطعامٍ مختلطٍ من سويقٍ وتمرٍ. ع ب د: قوله تعالى:﴾ إياك نعبد ﴿[الفاتحة: ٥] أي نذل ونخضع. والعبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ لأنها غاية التذلل. ولا تليق إلا بمن له غاية الإفضال كالباري تعالى.

стр. 966

والعبد أعم من العابد إذ يقال: عبد زيدٍ ولا يقال: عابده. قال بعضهم: عباد الله وعبيد الناس. فيقع الفرق في الجمع. ونقضه بعضهم بقوله:﴾ وما أنا بظلامٍ للعبيد ﴿[ق: ٢٩]. وللعبد جموع كثيرة. عباد وعبيد وأعبد وعبدان وعبدان وعبداء وعبد وأعابد ومعبوداء ومعبودي وعبدون ومعبدة. وقال الراغب: وجمع العبد الذي هو مسترق عبيد، وقيل: عبدى. وجمع العبد الذي هو العابد عباد. قال: العب العباد. ولهذا قال:﴾ وما أنا بظلام للعبيد ﴿، فنبه أنه لا يظلم من تخصص بعبادته ومن انتسب إلى غيره من الذين تسموا بعبد الشمس وعبد اللات. ثم العبد يقال على أنواع: الأول: عبد بحكم الشارع، وهو ما يجوز بيعه وشراؤه من الآدميين. ومنه قوله تعالى:﴾ والعبد بالعبد ﴿[البقرة: ١٧٨] يعني الذي في الرق. والثاني: ما يكون عبدًا بالإبداع والاختراع وهذا لا يكون إلا لله تعالى إذ هو موجد الأشياء كلها. وإلى هذا النوع أشار بقوله تعالى:﴾ إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبدًا ﴿[مريم: ٩٣]. والثالث: ما يكون عبدًا بخدمته وعبادته واشتغاله بمولاه. وإليه أشار بقوله:﴾ واذكر عبدنا أيوب ﴿[ص: ٤١]﴾ سبحان الذي أسرى بعبده ﴿[الإسراء: ١]﴾ فوجدا عبدًا من عبادنا ﴿[الكهف: ٦٥] وهذه هي إضافة التشريف. ومنه قول الشاعر: [من السريع] ٩٨٦ - لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي الرابع: ما هو عبد للدنيا وأعراضها الفانية، وهو الحريص عليها المتهالك على حبها كقوله تعالى:﴾ ولتجدنهم أحرص الناس على حياةٍ ﴿[البقرة: ٩٦] وإياه قصد النبي ﷺ بقوله: "تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة". قال الراغب: وعلى هذا النوع

стр. 967

يصح أن يقال: ليس كل إنسانٍ عبدًا لله تعالى؛ فإن العبد على هذا المعنى العابد، لكن العبد أبلغ من العابد. قلت: فيما قاله نظر من حيث الصناعة اللفظية، والناس كلهم عباد الله تعالى، بل الأشياء كلها كذلك؛ بعضها بالتسخير فقط وبعضها به وبالاختيار. والعبادة على نوعين: نوعٍ بالتسخير، وهو الذي يكون عابدًا بشهادة حاله وإن تأبى في الصورة كقوله تعالى:﴾ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا ﴿[الرعد: ١٥]. ونوع بالاختيار وهي العبادة التي أمر الله بها الخلق وكلفهم بها في قوله تعالى:﴾ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴿[البقرة: ٢١]. قوله:﴾ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴿[الذاريات: ٥٦] أي ليوحدون، ولم أخلقهم احتياجًا إليهم بدليل قوله:﴾ ما أريد منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمون ﴿[الذاريات: ٥٧] وليس المعنى أنه خلقهم مريدًا منهم ذلك إذ لو كان كذلك لم يتخلف عن عبادته منهم أحد لئلا يلزم تخلف مراده. وأنت ترى أكثرهم غير عابديه:﴾ وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ﴿[يوسف: ١٠٣]. ويقال: طريق معبد، أي مذلل بالوطء؛ قال طرفة بن العبد: [من الطويل] ٩٨٧ - [تباري عتاقًا ناجياتٍ] وأتبعت ... [وظيفًا] وظيفًا فوق مورٍ معبد قوله:﴾ أن عبدت بني إسرائيل ﴿[الشعراء: ٢٢] أي اتخذتهم عبيدًا وخولاً. وقيل: ذللتهم ذلة العبيد. وقيل: كلفتهم الأعمال الشاقة التي تكلف مثلها العبدان. وأنشد: [من البسيط] ٩٨٨ - علام يعبدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان؟ يقال: أعبدته مثل عبدته. ع ب ر: قوله تعالى:﴾ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴿[الحشر: ٢] أي اتعظوا بهؤلاء فإن العاقل من اتعظ بغيره؛ ومن ثمة قيل: ولا تجعلنا موعظًة. ومن ثم قال تعالى: ﴿فجعلناها

стр. 968

نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظًة ﴿[البقرة: ٦٦] أي جعلنا تلك الأمة موعظًة يتعظ بها المتقدمون وهم من يسمع أن قومًا سيأتون يفعلون كذا فيبتلون بكذا. والمتأخرون وهم من بلغهم خبرهم. والاعتبار افتعال من العبور وهو المجاوزة؛ يقال: عبرت النهر: قطعته وجزته من أحد جانبيه إلى الآخر. ومن ثم استدل بها مثبتو القياس: فإن القياس عبور من أصلٍ إلى فرعٍ بعلةٍ جامعةٍ. وأصل العير تجاوز من حالٍ إلى حالٍ. قيل: والعبور مختص بتجاوز الماء إما بسباحةٍ أو بسفينةٍ أو بعيرٍ أو قنطرةٍ. ومنه عبر النهر لجانبه بحيث يعبر إليه أو منه. واشتق منه: عبر العين للدمع. والعبرة كالدمعة. وفلان [عابر سبيلٍ، قال تعالى]﴾ إلا عابري سبيلٍ ﴿[النساء: ٤٣] أي جائزي طريقٍ في المسجد. ومنه: ناقة عبر الهواجر، أي تعبرها لجلادتها وصبرها بمعنى عائدةٍ. ومن ثم قال النحاة: إن الإضافة غير مختصةٍ. وعبر القوم: ماتوا؛ نظرًا إلى أنهم جاوزوا هذه الدنيا وقنطرتها والعبارة مختصة بالكلام لأنه عابر في الهواء من لسان المتكلم إلى سمع السامع. والعبرة: الدلالة بالشيء على مثله وحقيقتها الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهدٍ. ولهذا خصت بالخواص، نحو:﴾ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ﴿[آل عمران: ١٣]،﴾ لعبرًة لمن يخشى ﴿[النازعات: ٢٦]. والتعبير مختص بتفسير الأحلام والرؤيا لأن فيه عبورًا من ظاهر الرؤيا إلى باطنها. وقيل: لأنه يجر بما يؤول إليه أمرها؛ مأخوذ من: عبر النهر. إلا أنه لم يسمع في المصدر إلا التعبير ولم يسمع في الفعل غالبًا إلا التخفيف. يقال: عبرت الرؤيا أعبرها تعبيرًا، فأنا عابر. فجاء المصدر على غير القياس، وهو غير الغالب لأن الغالب أن تحذف زوائد المصدر لا الفعل نحو: أعطى عطاًء، وأنبت نابتًا، واغتسل غسلاً، وتوضأ وضوءًا. على أنه ورد مشددًا موافقًا لمصدره؛ قال الشاعر: [من السريع] ٩٨٩ - رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا لولا أن التخفيف لغة التنزيل، قال تعالى: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾

стр. 969

[يوسف: ٤٣]. وهذه اللام مزيدة في المفعول زيدت تقويًة للعامل وسماها أبو منصور لام التعقيب؛ قال: لأنها عقبت الإضافة وهو اصطلاح غريب جدًا. قيل: والتعبير أخص من التأويل؛ فإن التأويل يقال فيه وفي غيره. قلت وكذا هو أخص من التفسير أيضًا. والعبري، خص بما ينبت على عبر النهر. وشط معبر: ترك عليه العبري. والشعري: العبور، سميت بذلك لأنها تعبر المجرة، وهما شعريان، وقد تقدم ذلك في باب الشين. وفي حديث أم زرع: "وعبر جارتها" قيل: إن ضرتها إذا رأتها وحسنها أصابها ما يعبر عينها، أي يبكيها. وقيل: ترى من عقبها ما تعتبر به. وفي الحديث أيضًا: "لطخت بعبيرٍ" هو نوع من الطيب؛ قال أبو عبيدة: هو عند أهل الجاهلية الزعفران. قلت: وفيه نظر، لأن في هذا الحديث تعبيرًا اللهم إلا أن يكون قد طرأ حرف آخر. ع ب س: قوله تعالى:﴾ عبس وتولى ﴿[عبس: ١] أي قطب وجهه. والعبوس: قطوب الوجه لضيق الصدر. وسببها أن ابن أم مكتومٍ جاءه ﵊ بعدها: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" وفي هذا رفع للنبي ﷺ ؛ فإن عتاب السيد لعبده تشريف فكيف من رب الأرباب؟ ولله أن يعاتب أنبياءه بما شاء ونحن نقوله تلاوًة لا إخبارًا. واستعير العبوس للزمان - كما استعير له الشدة والصعوبة - في قوله تعالى:﴾ يومًا عبوسًا ﴿[الإنسان: ١٠]. وباعتبار معناه قيل: العبس لما يبس من البعر على هلب الذنب، أي شعره، ومنه قولهم: عبس الوسخ على وجهه. وفي الحديث: "أنه نظر إلى غبل بني فلان وقد عبست في أبوالها"، قيل: ولا يكون ذلك إلا لكثرة شحمها ورعيها فتجف أبعارها وأبوالها على أفخاذها. وفي حديث شريحٍ: "كان يرد بالعبس" يعني يرد الرقيق بالبول في الفراش، إذا كان شيئًا كثيرًا. وهذا استعارة لأن أصله في الإبل كما تقدم. قال بعضهم:

стр. 970

نسب العبوس إلى اليوم لوقوع عبوس الوجوه فيه كقوله:﴾ في يومٍ عاصفٍ ﴿[إبراهيم: ١٨] لوقوع العصف فيه، وهو حسن. ع ب ق ر: قوله تعالى:﴾ وعبقري حسانٍ ﴿[الرحمن: ٧٦] قال الفراء: الطنافس [الثخان] وقال مجاهد: من الديباج وقال أبو عبيدة: هي البسط كلها. والعبقري عندهم: كل شيءٍ مستغربٍ فائقٍ؛ وتزعم العرب أن عبقر قرية تسكنها الجن يصنعون بها صنائع عجيبًة؛ فكل ما استغربوه واستعظموه نسبوه إلى تلك القرية؛ فيقولون؛ عبقري. وقال ﵊ في حديث المنام عن عمر: "فلم أر عبقريًا يفري فريه". قال أبو عبيدة: قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال: يقال: هذا عبقري قومٍ، كقولك: سيد قومٍ وكبيرهم وقويهم ونحو ذلك. والجمع عباقري، وقد قرئ بذلك. وقيل: عبقري جمع عبقرية، يعني اسم جنس. وقيل: هي البسط التي فيها صور وتماثيل، ووصفها بالجمع يدل على أنها اسم جنسٍ. فصل العين والتاء ع ت ب: قوله تعالى:﴾ وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ﴿[فصلت: ٢٤] أي وإن يستقيلوا ربهم بردهم إلى الدنيا مما هم فيه من العذاب لم يقلهم. يقال: عتب عليه يعتب: إذا وجد عليه، فإذا فاوضه فيما عتب عليه قيل: عاتبه فإذا رجع إلى [مسرته] فقد أعتب. والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. ومن أمثالهم: "لك العتبى بأن لا رضيت" قال الهروي: يضرب مثلاً للرجل يعاتب صاحبه في أمرٍ

стр. 971

نقمه عليه، فيعارضه بخلاف ما يرضيه. وفي هذا التفسير نظر لأنه ورد في الحديث: "لك العتبى حتى ترضى" أي لك العتب علي حتى ترضى فيه. وقرئ:﴾ وإن يستعتبوا ﴿بالبناء للمفعول "فما هم من المعتبين - اسم فاعل" أي إن أقالهم وردهم إلى الدنيا عادوا، وإلا خبث ما كانوا ولم يعملوا بطاعته كقوله:﴾ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴿[الإنعام: ٢٨]. قال بعضهم: وأصل ذلك كله من العتب وهو كل مكانٍ نابٍ بنازله. ومنه قيل للمرقاة ولأسكفة الباب عتبة، وكني بها عن المرأة فيما روى أن إبراهيم ﵇ قال لمرأة إسماعيل: قولي لزوجك: غير عتبة بابك. فاستعير العتب والمعتبة لغلظةٍ يجدها الإنسان في نفسه على غيره وبحسبه. قيل: خثنت بصدر فلانٍ، ووجد في صدره غلظًة. ومنه قيل: حمل فلان على عتبةٍ صعبةٍ، أي حالة شاقة. ومنه قولهم: أعتبت فلانًا، أي أبرزت له الغلظة التي وجدت له في الصدر. وأعتبت فلانًا: حملته على العتب. وأعتبته: أزلت عتبه نحو أسكته. ومنه قوله:﴾ فما هم من المعتبين ﴿أي من المزال عتابهم. والاستعتاب: أن يطلب من الإنسان أن يذكر عتبه ليعتب. يقال: استعتبت فلانًا، قال تعالى:﴾ زإن يستعتبوا ﴿وقال أيضًا:﴾ ولا هم يستعتبون ﴿[النحل: ٨٤]. قال: ويقال أيضًا: لك العتبى، وهو إزالة ما لأجله يعتب، وبينهم أعتوبة، أي ما يعاتبون به. ويقال: عتبت عتبانًا: إذا مشيت على رجلٍ مشي المرتقي درجًة، ومنه استعير: عتبت الدابة تعتب وتعتب: مشت على ثلاث قوائم ورفعت الرابعة. ويروى عنت من العنت وهو المشقة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: "أولئك لا يعاتبون" لعظم ذنبهم. ع ت د: قوله تعالى:﴾ أعتدنا للظالمين نارًا [[الكهف: ٢٩] أي أحضرنا. ومنه قوله تعالى:﴾ هذا ما لدي عتيد ﴿[ق: ٢٣] أي حاضر ومحضر، يعني أنه مكتوب محصى

стр. 972

محضر. وقيل: العتيد: المعتد، وأصله من العتاد وهو ادخار الشيء قبل الحاجة [إليه]. ومنه:﴾ رقيب عتيد ﴿[ق: ١٨] أي يعتد أعمال العباد. وقيل:﴾ أعتدنا ﴿أعددنا، فأبدل من إحدى الدالين تاء. وفرس عتد وعتيد: حاضر للعدو. والعتود من أولاد المعز، وجمعه أعتدة وعدان بالإدغام. وقيل: العتاد: الثابت اللازم. فمعنى "أعتدنا" أي أثبتنا وحصلنا وجعلناه أمرًا مستقرًا. وفي صفته ﵊: "لكل حالٍ عنده عتاد" أي عتدة. وقيل: أعتدة، فهو عتيد بمعنى أحكمته فهو حكيم. وفي الحديث: "أن خالدًا جعل رقيقه وأعتده حبسًا في سبيل الله" هو جمع عتادٍ أيضًا، وهو ما جعله الرجل عدًة من السلاح والجمع أعتدة. ع ت ق: قوله تعالى:﴾ وليطوفوا بالبيت العتيق ﴿[الحج: ٢٩] قيل: سمي بذلك لأنه معتق من الجبارين، لم يقصده جبار إلا قصم. وقيل: لأنه معتق من الطوفان. وقيل: لأنه مقدم، يدل على ذلك قوله تعالى:﴾ إن أول بيتٍ وضع للناس ﴿[آل عمران: ٩٦] وأصله التقدم في الزمان أو المكان أو الرتبة. ومن ثم قيل للقديم: عتيق. ولكل من خلا من رق ملكٍ: عتيق. والعاتق: ما بين المنكبين، وذلك لارتفاعه على سائر الجسد. والعاتق أيضًا: الجارية التي عنست، وذلك لأنها كأنها عتقت عن الزواج تخيلاً أن المتزوجة في رق الزواج. وقيل: هي حين تدرك. وفي الحديث: "خرجت أم كلثومٍ وهي عاتق فقبل هجرتها" فسر بالبلوغ. وعتق الفرس: تقدم بسبقه. وعتق مني يمين، أي سبقت. وأنشد لأوس بن حجرٍ: [من الوافر] ٩٩٠ - علي ألية عتقت قديمًا ... فليس لها، وإن طلبت، مرام

стр. 973

ع ت ل: قوله تعالى:﴾ خذوه فاعتلوه ﴿[الدخان: ٤٧] أي احملوه بعنفٍ وسوقوه سوقًا شديدًا. والعتل: الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهرٍ كعتل البعير ونحوه. وقيل: معناه ادفعوه دفعًا بعنفٍ. قوله:﴾ عتل بعد ذلك زنيمٍ ﴿[القلم: ١٣]. العتل: هو الشديد الخصومة الجافي الضريبة اللئيم. وقال ابن عرفة: هو الفظ الغليظ الذي لا ينقاد لخير. وقيل: هو الجافي الغليظ. وقيل: الأكول المنوع، لأنه يعتل الماء عتلاً. ع ت و: قوله تعالى:﴾ وعتوا عتوًا كبيرًا ﴿[الفرقان: ٢١] العتو: أشد الفساد. وأصله النبو عن طاعة الآمر. يقال: عتا يعتو عتوًا وعتيًا. وقيل: العتو: المبالغة في ركوب المعاصي والتمرد فيها، والعاتي من اتصف بذلك فلم تنفع فيه موعظة ولم ينجع فيه إنذار. قوله:﴾ بريحٍ صرصر عاتيةٍ ﴿[الحاقة: ٦] أي متجاوزة حدها الأول. وكل أمرٍ شديدٍ؛ قوله:﴾ وقد بلغت من الكبر عتيًا ﴿[مريم: ٨] أي حالًة لا سبيل إلى إصلاحها بالنسبة لضعفي ومداواته إلى رياضته. وهي الحالة المشار إليها بقول الشاعر: [من الكامل] ٩٩١ - ومن العناء رياضة الهرم وقيل: عتيًا طويلاً. يقال: ليل عاتٍ، أي طويل. وأنشد لجريرٍ: [من الوافر] ٩٩٢ - وحط المنقري بهما فحطت ... على أم القفا والليل عات وكل من انتهى شبابه يقال فيه: عتا عتوًا وعتيًا وعتيًا، وعتا عتوًا وعتيًا، وحسا حسوًا وحسيًا وحسًا كله بمعنى يبس جلده، وهو كناية عن طول العمر لأن ذلك يلازمه.

стр. 974

قوله: ﴿أيهم أشد على الرحمن عتيًا﴾ [مريم: ٦٩] الظاهر أنه مصدر. وقيل: هو جمع عاتٍ، وفيه نظر من حيث الإعراب والمعنى وبيانهما في غير هذا، إلا أن الجمع الإعلال وفي المصدر التصحيح. يقال: عتا زيد عتوًا. والقوم عتي. والقوم عتي ويجوز العكس. فصل العين والثاء ع ث ر: قوله تعالى:﴾ فإن عثر ﴿[المائدة: ١٠٧] أي طلع. يقال: عثرت على فلانٍ، أي اطلعت عليه. وأعثرت عثرًا عليه، أي أطلعته. قال تعالى:﴾ وكذلك أعثرنا عليهم ﴿[الكهف: ٢١] أي أطلعنا الناس عليهم ليتعظوا بهم. وأصل ذلك من عثر الرجل يعثر عثارًا وعثورًا، أي سقط من شيءٍ يصيب رجله، ثم تجوز به عن الإطلاع، كأن المطلع عثر على حقيقة ذلك الأمر وصادفه برجله. فقوله:﴾ أعثرنا عليهم ﴿أي أوقفناهم عليهم من غير أن يطلبوا ذلك. والعاثور: الهلكة، والجمع العواثير. ومنه الحديث "من بغى قريشًا العواثير كبه الله على منخريه"، ويروى العاثر وهو حبالة الصائد. وأنشد لأبي وجزة: [من البسيط] ٩٩٣ - عانٍ تعلقه من حب غانيةٍ ... قذافةٍ عاثرٍ في الكعب مقصور وذلك أن الحبالة يعثر فيها من علق بها. والعاثور أصله ما يحتفر من سية النهر يسقى به البعل من النخل، لأنه أيضًا نخل العثار، ومنه: وقع فلان في عاثور شر وعافور شر ويقال: جد عاثر أي حظ ناقص، وأنشد: [من الطويل] ٩٩٤ - كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر ع ث ر: قوله تعالى:﴾ وما تعثوا في الأرض مفسدين ﴿[البقرة: ٦٠] قال الهروي: أي لا

стр. 975

تفسدوا فيها. يقال: عثت تعثى لغة الحجاز في عاث يعيث عيثًا، أي أفسد. قلت: وعلى هذا فقوله:﴾ مفسدين ﴿حال مؤكدة. وظاهر كلامه أنه ليس مقلوبًا منه. قال الراغب: والعثي والعيث يتقاربان، نحو جذب وجبذ، إلا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسًا، والعثي فيما يدرك حكمًا. يقال: عثي يعثى عثيًا. وعلى هذا قوله:﴾ ولا تعثوا في الأرض ﴿، وعثا يعثو عثورًا. قلت: وعلى هذا فيكون عتا بالمثناة والمثلثة بمعنى واحدٍ. والأعثى: هو الأحمق الثقيل. وهو أيضًا لون يضرب إلى السواد. فصل العين والجيم ع ج ب: قوله تعالى:﴾ وإن تعجب فعجب قولهم ﴿[الرعد: ٥]. العجب والتعجب: حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء. وقال بعضهم: التعجب زيادة في وصف الفاعل خفي سببها، وخرج بها المتعجب منه عن نظائره. وعلى هذا فلا يسند إلى الباري تعالى لاستحالة ذلك عليه تعالى، فإن ورد ما ظاهره خلاف ذلك وجب تأويله كقوله:﴾ فما أصبرهم على النار ﴿[البقرة: ١٧٥]،﴾ أسمع بهم وأبصر ﴿[مريم: ٣٨]،﴾ بل عجبت ﴿[الصافات: ١٢] في قراءة ضم التاء على معنى حال هؤلاء حال من يقال فيه ذلك. وقد ورد في الحديث: "عجب ربكم" من كذا، وهو مؤول على معنى يليق بجلاله. قال بعضهم: كما أسند إليه المجيء والإتيان بمعنى يليق به لا على ما نتعارفه. وقيل: قوله: "عجبت" إنه مستعار بمعنى أنكرت كقوله تعالى:﴾ أتعجبين من أمر الله [[هود: ٧٣] قاله الراغب، وفيه نظر. وقيل: معنى "عجب ربكم" عظم ذلك عنده وكبر. وقيل: معناه أثاب ورضي كقوله:﴾ ويمكرون ويمكر الله ﴿[الأنفال: ٣٠] يعني سمى جزاءه عجبًا تنبيه أنهم قد عهدوا مثل ذلك قبل. قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبًا﴾

стр. 976

[الكهف: ٩] معناه ليس ذلك في نهاية العجب؛ فإن في آياتنا ما هو أعجب منهم. قوله تعالى:﴾ إنا سمعنا قرآنًا عجبًا [[الجن: ١] لأنه لم يعهدوا مثله،﴾ وإن تعجب فعجب قولهم ﴿أي هذا محل التعجب وهو إنكارهم البعث مع ظهور دلائله وسطوع براهينه، من نصب الأدلة الظاهرة كخلق السماوات والأرض، وما أوجد فيهما من بديع الصنعة والمخلوقات. ع ج ز: قوله تعالى:﴾ كأنهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ ﴿[الحاقة: ٧]. الأعجاز جمع عجزٍ وهو في الأصل مؤخر الإنسان ثم شبه مؤخر غيره به. وقوله:﴾ يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ﴿[المائدة: ٣١] أي قصرت ولم أقدر. فحقيقة العجز التأخر عن الشيء وحصوله عن عجز الأمر أي مؤخره. كما ذكر في الدبر ثم عبر به في العرف عن الصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة. وقوله:﴾ والذين سعوا في آياتنا معاجزين ﴿[الحج: ٥١] وقرئ "معجزين". يقال: عاجزته وأعجزته: جعلته عاجزًا. وقيل:﴾ معاجزين ﴿معناه ظانين مقدرين أنهم يعجزوننا لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نشور، فلا يكون ثواب وعقاب، وهو في المعنى كقوله:﴾ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴿[العنكبوت: ٤]. وقيل: معاجزين للأنبياء وأولياء الله تعالى يمانعونهم ويقاتلونهم ليصدوهم عن أمر الله. وقيل: معناه معاندين. وقيل: سابقين، أي يظنون أنهم يفوتوننا. و"معجزين" ينسبون من تبع رسول الله ﷺ إلى العجز، وهو كقولك: جهلته أي نسبته إلى الجهل. وقيل مثبطين، أي مانعين الناس من إتباعه ﷺ ، وهو كقوله في المعنى:﴾ الذين يصدون عن سبيل الله ﴿[الأعراف: ٤٥]. والعجوز: نظير الشيخ لعجزها عن كثيرٍ من الأمور. وفي حديث علي ﵁: "لنا حق إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى" كنى

стр. 977

بذلك عن حصول المشقة، لأن ركوب الأعجاز في غاية المشقة، لاسيما مع طول السير في الليل. وقيل: بل ضربه مثلاً لتقدم غيره عليه وتأخيره عن الحق الواجب. ع ج ف: قوله تعالى:﴾ يأكلهن سبع عجاف ﴿[يوسف: ٤٣] أي مهازيل، وهو جمع أعجف وعجفاء، وهو الدقيق من الهزال. وأصله من قولهم: نصل أعجف، أي دقيق. وأعجف الرجل: صادف مواشيه أو صارت عجافًا. وعجفت نفسي عن فلانٍ وعن الطعام، أي نبت. وليس فعال قياسًا لأفعل فعلاء ولا فعلاء أفعل، ولكن جمع فاعلٍ فعال لمقارنته بسمانٍ. ومقتضاه أنه إذا لم يقترن بسمانٍ فلن يجمع على فعالٍ كما قالوا في أحدٍ ما قدم وما حدث في أخواتٍ له. وفي الحديث: "أعنزًا عجافًا" من غير مقارنة ما يناسبه. ع ج ل: قوله تعالى:﴾ أعجلتم أمر ربكم ﴿[الأعراف: ١٥٠] أي سبقتموه، وهو كقوله:﴾ وما أعجلك عن وقومك ﴿[طه: ٨٣] أي كيف سبقتهم؟ يقال: أعجلني فعجلت له، واستعجلته: تقدمته فحملته على العجلة. وأصل العجلة: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومًة في عامة القرآن، حتى قيل: العجلة من الشيطان. قوله:﴾ وعجلت إليك رب لترضى ﴿[طه: ٨٤] أي مما خص من الذم فإنها وإن كانت عجلًة لكنها محمودة، إذ المقصود بها رضي ربه. والمراغب هنا عبارة؛ قال: فذكر أن عجلته، وإن كانت مذمومًة. فالذي دعا إليها أمر محمود وهو رضي الله. وهذا إنما ذكرته تنبيهًا على خطابه في ذلك إذ لا يصدر من الأنبياء ما يذم عليه البتة. قوله تعالى:﴾ خلق الإنسان من عجلٍ ﴿[الأنبياء: ٣٧] تنبيهًا أن طبعه العجلة بمنزلة من خلق من الشيء فكأن العجلة مادته. وأصله: نبه به أنه لا يتعرى من ذلك البتة، فإنها إحدى القوى التي ركب عليها. وقد قال بعضهم: العجل: الطين بلغة بعضهم، وأنشد: [من البسيط]

стр. 978

٩٩٥ - والنخل ينبت بين الطين والعجل ولا يبعد عن الصنع. قوله:﴾ من كان يريد العاجلة ﴿[الإسراء: ١٨] يريد الدنيا، فإنها حاضرة بالنسبة على الآخرة، فإنها وإن كانت حق اليقين إلا أنها آجلة. قوله:﴾ عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ﴿[الإسراء: ١٨] لم نعطه طلبته بل الذي نعجله ما نشاء لا ما يتمناه. ثم أخبر أنه ليس كل متمن أيضًا نعطيه ما يشاء، بل أردنا ذلك له. رب رضنا بما قسمت لنا، ولا تجعلنا من الذين يريدون العاجلة. والعجالة: ما يتعجل أكله الضيف كاللهنة، وقد عجلتهم ولهنتهم. والعجلة: الإداوة الصغيرة للتعجيل بها عند الحاجة إليها. والعجلة: خشبة معترضة على البئر، وما يحمل على الثيران أيضًا، قيل لهما ذلك ليس مرهما. والعجل: ولد البقرة، قيل: سمى ذلك لتصور عجلته التي تعدم منه إذا صار ثورًا. وبقرة معجل: لها عجل، من أعجلت صارت ذات عجلٍ. والعجلة أيضًا من النخل نحو النقير منه كأنه يتعجل به الخمر. قوله:﴾ ولو يعجل الله للناس الشر ﴿[يونس: ٨] الآية أي أنهم يدعون على أنفسهم بالشر كما يدعون لها بالخير. فلو عجل لهم من الشر ما يستعجلونه بدعائهم مثل استعجالهم الخير لهلكوا، وقيل: لو أخذهم فعجل لهم العقوبة كاستعجالهم بالخير لفرع من الأمر فهلكوا. ع ج م: قوله تعالى:﴾ ولو نزلناه على بعض الأعجمين ﴿[الشعراء: ١٩٨]. الأعجم: من في لسانه عجمة عربيًا كان أو أعجميًا، والأعجمي منسوب إليه، والنسب إلى الصفات لا ينقاس نحو أحمري (منسوب إلى أحمر) وقد ورد ذلك. وأنشد: [من الرجز] ٩٩٦ - أطربًا وأنت قنسري ... والدهر بالإنسان دواري وأما "الأعجمين" في الآية فجمع أعجم لا أعجمي وإنما جاز ذلك لأنه ليس أفعل فعلاء. والأعجمي إلى العجم فصيحًا كان أو غير فصيحٍ. والعجمة خلاف الإبانة. والإعجام: الإبهام، وهو أيضًا إزالة الإبهام. ومنه أعجمت الكتاب، أي أزلت عجمته

стр. 979

بالنقط والضبط. واستعجمت الدار: بان عنها أهلها ولم يبق بها من يبين جوابًا. ومن ثم قيل: خرجت عن بلادٍ تنطق، كنايًة عن عمارتها بقطانها. وقال النابغة: [من البسيط] ٩٩٧ - وقفت فيها أصيلالاً أسائلها ... عيت جوابًا وما بالربع من أحد والعجم: الجيل المعروف مقابل العرب من أي جنسٍ كان، وغلب في العرف على أبناء فارس. والعجماء: البهيمة لأنها لا تبين عن نفسها. وفي الحديث: "جرح العجماء جبار" و"صلاة النهار عجماء" أي لا قراءة يجهر بها فيها. وحروف المعجم هي المعروفة من ألفٍ إلى ياءٍ؛ روي عن الخليل أنها هي الحروف المقطعة لأنها أعجمية، وفسر بعضهم ذلك أن الحروف المجردة لا تدل على ما تدل عليه الحروف الموصولة بعضها ببعضٍ. ومنه باب معجم، أي مبهم. ومنه العجم للنوي، وقيل: إما لأنه [أدخل] في الفم في حال العض عليه، وإما بما أخفي من أجزائه بضغط المضغ. وفلان صلب المعجم، أي شديد عند المختبر. وقد نص بعضهم على أن النوى يقال فيه العجم، بتحريك الجيم. وبعضهم نص على سكونها. وقيل: هو بالسكون العض على العجم بالفتح. وفي الحديث: "ما كنا نتعاجم أن ملكًا ينطق على لسان عمر" أي نكني ونوري: وكل من لم يفصح عن شيءٍ فقد أعجمه. وفي حديث أم سلمة: "نهانا أن نعجم النوى طبخًا" أي ننضجه. قوله:﴾ أأعجمي وعربي ﴿[فصلت: ٤٤] أي أرسول أعجمي ولسان عربي؟ وقيل بالعكس. فصل العين والدال ع د د: قوله تعالى:﴾ إنما نعد لهم عدا ﴿[مريم: ٨٤] أي نحصي عليهم كل شيءٍ، وعن

стр. 980

ابن عباسٍ: نعد أنفاسهم. والعدد في الأصل: آحاد مركبة. وقيل: هو تركيب الآحاد، وهما متقاربان. والعدد: آحاد وعشرات ومئون وألوف، هذه أصوله. وباعتبار أنواعه مفرد ومركب ومضاف ومعطوف. وقد بينت جميع ذلك في النحو. والعد: ضم الأعداد. فالعد هو المصدر، والعدد هو المعدود نحو نقضه نقضًا فهو نقض، وقبضه قبضًا. قوله:﴾ وأحصى كل شيءٍ عددًا ﴿[الجن: ٢٨] قيل: معناه عد كل شيءٍ عددا. فعلى هذا هو المصدر، وقيل: بل هو بمعنى المعدود، فيكون حالاً. قوله تعالى:﴾ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا ﴿[الكهف: ١١] أي ذوات عددٍ. ونبه بذكر العدد على كثرتها، قاله الراغب وفيه نظر لأنه قيل: يذكر للتقليل لأن القليل يعد والكثير لا يعد. ومنه قوله تعالى:﴾ دراهم معدودةٍ ﴿[يوسف: ٢٠] ومحصور للقليل مقابلة لما لا يحصى كثرًة نحو المشار إليه بقوله:﴾ بغير حسابٍ ﴿[البقرة: ٢١٢]، وعلى ذلك قوله:﴾ لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودًة ﴿[البقرة: ٨٠] أي قليلًة، لأنهم قالوا: نعذب بعدد الأيام التي عبدنا فيها العجل. ويقال على الضد من ذلك: جيش عديد، أي كثير، وهم ذو عددٍ، أي بحيث ألا يعدوا كثرًة. ويقال في القليل: هم شيء غير معدودٍ. قال: وقوله:﴾ في الكهف سنين عددًا ﴿يحتمل الأمرين. قلت: احتماله للقلة بعيد جدًا. قوله:﴾ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدًة ﴿[التوبة: ٤٦] أي من سلاحٍ وكراعٍ ونفقةٍ وزادٍ. وأصل العدة: الشيء المعد المدخر، أي شيء كثير يعد من مالٍ وسلاحٍ وغيرهما. قوله تعالى:﴾ فاسأل العادين [[المؤمنون: ١١٣] أي الحاسبين. وقيل: أصحاب العدد وهما سواء. وقيل: هم الملائكة يعدون عليهم أنفاسهم. والعدة: الشيء المعدود كقوله تعالى:﴾ فعدة من أيام أخر ﴿[البقرة: ١٨٤] لوصفها بقوله:﴾ من أيامٍ ﴿.وتكون بمعنى العدد كقوله تعالى:﴾ وما جعلنا عدتهم إلا فتنًة ﴿[المدثر: ٣١] أي عددهم. قوله تعالى:

стр. 981

﴿فعدتهن﴾ [الطلاق: ٤] أي عدة المرأة تربصها مدًة معلومًة تعد عدًا، فبانقضائها تحل للأزواج. قوله:﴾ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ﴿[الأنفال: ١٨٥] أي اجعلوه معدًا لهم عند الحاجة إليه ومدخرًا. والإعداد من العدد كالإسقاء من السقي؛ فأعددت لك كذا: جعلته بحيث تتناوله حين حاجتك إليه وتعده. قوله:﴾ ولتكملوا العدة ﴿[البقرة: ١٨٥] أي العدد. قوله:﴾ في أيامٍ معدودات ﴿[البقرة: ٢٠٣] المشهور أنها أيام التشريق، والمعلومات العشر قبلها. وقيل: يوم النحر ويومان يليانه؛ فيوم النحر من المعلومات والمعدودات عند هؤلاء. وقد بينا هذا في "القول الوجيز". قوله:﴾ الذي جمع مالاً وعدده ﴿[الهمزة: ٢] قرى مشددًا أي جعله عدًة للدهر، "وعدده" بالتخفيف، أي ذوي عددٍ فالهاء للهمزة. وفي الحديث: "إنما أقطعته الماء العد" أي الدائم الذي لا انقطاع لعدده. وقوله: "ما زالت أكلة خيبر تعادني"؛ يعاودني ألم سمها في أوقاتٍ معدودةٍ. وعدان الشيء: زمانه. والعداد كذلك يقال: به عداد من الجنون، أي يعاوده في أوقاتٍ معدودةٍ. وفي الحديث: "إذا تكاملت العدتان قامت الساعة"، قال القتيبي: الذي عندي فيه أنه إذا تكاملت عدة أهل الجنة وأهل النار قامت القيامة. وقال غيره: هو إشارة لقوله:﴾ إنما نعد لهم عدًا ﴿[مريم: ٨٤] يعني أنهم إذا استوفوا المعدود لهم قامت القيامة. ع د س: قوله تعالى:﴾ وعدسها ﴿[البقرة: ٦١] العدس: الحب المعروف، وبه شبهت بثرة أو قرحة تطلع على ظاهر الجسد في الهيئة فيقال: أخذته عدسة. وعدس: زجر للبغل، وقد يقال لغيره. قال الشاعر: [من الطويل] ٩٩٨ - عدس ما لعبادٍ عليك إمارة

стр. 982

واشتق منه فعل فقيل: عدس في الأرض، فهو عدوس. ع د ل: قوله تعالى:﴾ أو عدل ذلك صيامًا ﴿[المائدة: ٩٥] أي مثله ومساويه. قيل: العدل والعدل يتقاران. ولكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام وكالآية المتقدمة. والعدل هو التقسيط على سواءٍ. وعلى هذا روي عن النبي ﷺ : "بالعدل قامت السماوات والأرض" تنبيهًا أنه [لو] كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدًا على الآخر أو ناقصًا عنه على مقتضى الحكمة الربانية، لم يكن العالم منتظمًا ولتطابقت السماوات والأرض. وقال البصريون: العدل والعدل لغتان بمعنى المثل. وقال أبو بكرٍ: العدل: ما عادل الشيء من جنسه، وبالفتح ما عادله من غير جنسه، يقال: عندي من الدراهم عدل دراهمك ومن الثياب عدل دراهمك بالفتح. ثم العدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأوقات منسوخًا، ولا يوصف بالاعتداء بوجهٍ، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، وكف الأذى عمن كف أذاه عنك. والثاني مقيد بالشرع ويتطرق إليه النسخ في بعض الأزمنة كأروش الجنايات والقصاص وأخذ مال المرتد. ومن ثم قال تعالى:﴾ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴿[البقرة: ١٩٤]﴾ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴿[الشورى: ٤٠] فسمي بذلك سيئًة واعتداًء. وهذا النحو هو المعنى بقوله تعالى:﴾ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴿[النحل: ٩٠]؛ فالعدل هنا: المساواة في المكافأة إن خيرًا فخيرن وإن شرا فشر. والإحسان أن يقابل بالخير مثله وزيادة، والشر بأقل منه. والعدل: العدالة أيضًا، وهي في الرجل لفظ يقتضي معنى المساواة وكذلك المعدلة. وقوله تعالى:﴾ وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم ﴿[الطلاق: ٢] أي عدالةٍ، ويوصف به الواحد المذكر

стр. 983

وضداهما المبالغة نحو: رجل عدل ورجال عدل. قال الشاعر: [من الطويل]. ٩٩٩ - فهم رضًا وهم عدل وكذا الوصف لسائر المصادر، والمطابقة قليلة. وفي مثل قوله:﴾ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴿[النساء: ١٢٩] إشارة إلى ما جبل عليه الآدمي من الميل؛ فإن الإنسان وإن أمكنه أن يسوي بينهن في النفقة والكسوة والمنزل والمبيت والوطء ولين الكلمة وغير ذلك، فلن يستطيع أن يسوي بينهن في المحبة، ولهذا كان ﵊ يقول: "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" إشارة إلى ما ذكرنا من المعنيين. قوله:﴾ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدًة ﴿[النساء: ٣] إشارة إلى العدل الذي هو القسم والنفقة. قوله:﴾ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴿[الأنعام: ١] أي يجعلون له عديلاً، فصار كقوله:﴾ هم به مشركون ﴿[النحل: ١٠٠] وقيل: يعدلون بأفعاله عنه، وينسبونها إلى غيره كقوله: مطرنا بنوء كذا. ولهذا حكى ﷺ عن ربه: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب" الحديث وقيل: يعدلون بعبادتهم عنه إلى من لا يستحق عبادة. بل أن يكون عابدًا. ومن طريف ما يحكي أن الخبيث الحجاج بن يوسف الثقفي استحضر الحبر الشهيد سعيد بن جبيرٍ تلميذ ابن عباس فقال له: ما تقول في؟ قال: وما أقول: أنت قاسط عادل. فأعجب الجماعة بقوله، فقال الحجاج الخبيث: ما تظنون؟ قالوا: مدحك بالقسط والعدل. فقال: بل بالجور والكفر؛ ثم تلا لهم:﴾ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا ﴿[الجن: ١٥]﴾ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴿[الأنعام: ١] ففهمها الخبيث أخزاه الله تعالى. قوله:﴾ أو عدل ذلك صيامًا ﴿أي ما يعادل من الطعام الصيام. والفداء يطلق عليه عدل نظرًا إلى المساواة. وقوله ﵊: "لا يقبل الله منها صرفًا ولا

стр. 984

عدلاً" قيل: العدل كناية عن الفريضة، والصرف النافلة وهي الزيادة على ذلك، فهما كالعدل والإحسان على ما مر. ومعنى "لا يقبل منها": لا يكون له خير يقبل منه. وقال النضر: الصرف: التوبة قوله تعالى:﴾ بل هم قوم يعدلون ﴿[النمل: ٦٠] يصح أن يكون من الشرك، وأن يكون من العدول عن الحق عدولاً يقال: عدل يعدل: إذا تحرى الحق وعدولاً إذا مال عن وجه الصواب وهو في الأصل مطلق الميل. قوله:﴾ الذي خلقك فسواك فعدلك ﴿[الانفطار: ٧] قرئ مشددًا، من التعديل، أي لم يجعل إحدى يديك ورجليك أطول، ولا إحدى عينيك وأذنيك أكبر لأنه كان مما يستبشع، ومخففًا أي عدل بك من الكفر إلى الإيمان؛ قاله ابن الأعرابي، وفيه نظر لأن الخطاب عام للكافر والمؤمن، والظاهر أنهما لغتان بمعنى التسوية. يقال: عدلته فاعتدل، أي قومته فاستقام، وعدلته فتعدل، قوله:﴾ تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴿[النساء: ١٣٥] أي فرارًا من إقامة الشهادة. فالمعنى أن تعدلوا عن إقامتها لمن تؤدونها له أو عليه. وقيل؛ المعنى: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، نحو: لا تتبعه لترضي الله، أي أنهاك عنه لترضي الله. وعادل بين الأمرين: نظر أيهما أرجح. وعادل الأمر: ارتبك فيه فلا يدري أي طرفيه يتبع. والأيام المعتدلة: عبارة عن طيبها لاعتدالها. ع د ن: قوله تعالى:﴾ جنات عدنٍ ﴿[الرعد: ٢٣] العدن: الإقامة والثبوت. يقال: عدن بمكان كذا، أي أقام به. ومنه المعدن لثبوت الجواهر واستقرارها فيه. وقال ﵊: "المعدن جبار" أي هدره. وقيل: عدن: علم لمكانٍ بعينه في الجنة. ع د و: قوله تعالى:﴾ فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ ﴿[البقرة: ١٧٣] أي ولا متجاوز ما حد له. يقال: عدا يعدو عدوًا وعدوانًا: إذا تجاوز ما حد له. قال تعالى:﴾ فيسبوا الله عدوًا بغير علمٍ ﴿[الأنعام: ١٠٨] أي ظلمًا. وأصل العدو: التجاوز ومنافاة الالتئام؛

стр. 985

فتارًة يعتبر بالقلب فيقال العداوة والمعاداة، وتارًة بالمشي فيقال له العدو، وتارًة في الإخلال بالعدالة فيقال له العدوان والعدو، وتارًة بأجزاء المقر فيقال له العدواء. يقال مكان ذو عدواء: غير متلائم الأجزاء، وأصله الأرض الغليظة يقال لها عدواء، وبعضهم يقولها بسكون الدال؛ فمن المعاداة يقال: رجل عدو وقوم عدو. وقال تعالى:﴾ هم العدو ﴿[المنافقون: ٤]. وقد يجمع فيقال: عدى وأعداء. وقيل العدى بالكسر يطلق على الأجانب، وأما العدى - بالضم - فالأعداء. وفي حديث عمر: "كان يبرح قومه ويبعث العدى" يعني الأجانب. والعدو على ضربين: أحدهما بقصدٍ من المعادي نحو:﴾ فإن كان من قومٍ عدو لكم ﴿[النساء: ٩٢]. والثاني لا بقصده بل بأن تعرض له حالة يتأذى بما يكون من العدو، نحو قوله: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ﴿[الشعراء: ٧٧]. والاعتداء: مجاوزة الحد والظلم؛ افتعال من العدو. ومنه قوله تعالى:﴾ ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ﴿[البقرة: ٢٣١]. قوله تعالى:﴾ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ﴿[البقرة: ٦٥]. قيل: إنهم حفروا حياضًا فإذا طلعت الحيتان فيها يوم السبت صادوها يوم الأحد فهو اعتداء منهم. وقيل: هو أخذهم الحيتان على جهة الاستحلال. قوله:﴾ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴿[البقرة: ١٩٤] الآية أي قابلوه بحسب اعتدائه وتجاوزوا إليه بحسب تجاوزه من العدوان المحظور ابتداًء. وقوله:﴾ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿[المائدة: ٢] هو من العدوان الذي على سبيل المجازاة. وقال النحاة: الفعل متعد قاصر؛ تصوروا في الناصب لمفعوله مجاوزته له وفي غيره المقصور عنه؛ قوله تعالى:﴾ إذ أنتم بالعدوة الدنيا [[الأنفال: ٤٢] الآية. العدوة: هي الجانب، كأنه متجاوز للقرب. قوله:﴾ ولا تعد عيناك عنهم ﴿[الكهف: ٢٨] أي لا تتجاوز، هو في اللفظ نهى عن العين وفي المعنى
следующие страницы →