Полный текст (1 752 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
﴿فعدتهن﴾ [الطلاق: ٤] أي عدة المرأة تربصها مدًة معلومًة تعد عدًا، فبانقضائها تحل للأزواج.
قوله:﴾ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ﴿[الأنفال: ١٨٥] أي اجعلوه معدًا لهم عند الحاجة إليه ومدخرًا. والإعداد من العدد كالإسقاء من السقي؛ فأعددت لك كذا: جعلته بحيث تتناوله حين حاجتك إليه وتعده. قوله:﴾ ولتكملوا العدة ﴿[البقرة: ١٨٥] أي العدد. قوله:﴾ في أيامٍ معدودات ﴿[البقرة: ٢٠٣] المشهور أنها أيام التشريق، والمعلومات العشر قبلها. وقيل: يوم النحر ويومان يليانه؛ فيوم النحر من المعلومات والمعدودات عند هؤلاء. وقد بينا هذا في "القول الوجيز". قوله:﴾ الذي جمع مالاً وعدده ﴿[الهمزة: ٢] قرى مشددًا أي جعله عدًة للدهر، "وعدده" بالتخفيف، أي ذوي عددٍ فالهاء للهمزة. وفي الحديث: "إنما أقطعته الماء العد" أي الدائم الذي لا انقطاع لعدده. وقوله: "ما زالت أكلة خيبر تعادني"؛ يعاودني ألم سمها في أوقاتٍ معدودةٍ. وعدان الشيء: زمانه. والعداد كذلك يقال: به عداد من الجنون، أي يعاوده في أوقاتٍ معدودةٍ. وفي الحديث: "إذا تكاملت العدتان قامت الساعة"، قال القتيبي: الذي عندي فيه أنه إذا تكاملت عدة أهل الجنة وأهل النار قامت القيامة. وقال غيره: هو إشارة لقوله:﴾ إنما نعد لهم عدًا ﴿[مريم: ٨٤] يعني أنهم إذا استوفوا المعدود لهم قامت القيامة.
ع د س:
قوله تعالى:﴾ وعدسها ﴿[البقرة: ٦١] العدس: الحب المعروف، وبه شبهت بثرة أو قرحة تطلع على ظاهر الجسد في الهيئة فيقال: أخذته عدسة. وعدس: زجر للبغل، وقد يقال لغيره. قال الشاعر: [من الطويل]
٩٩٨ - عدس ما لعبادٍ عليك إمارة
стр. 982
واشتق منه فعل فقيل: عدس في الأرض، فهو عدوس.
ع د ل:
قوله تعالى:﴾ أو عدل ذلك صيامًا ﴿[المائدة: ٩٥] أي مثله ومساويه. قيل: العدل والعدل يتقاران. ولكن العدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام وكالآية المتقدمة. والعدل هو التقسيط على سواءٍ. وعلى هذا روي عن النبي ﷺ : "بالعدل قامت السماوات والأرض"
تنبيهًا أنه [لو] كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائدًا على الآخر أو ناقصًا عنه على مقتضى الحكمة الربانية، لم يكن العالم منتظمًا ولتطابقت السماوات والأرض. وقال البصريون: العدل والعدل لغتان بمعنى المثل. وقال أبو بكرٍ: العدل: ما عادل الشيء من جنسه، وبالفتح ما عادله من غير جنسه، يقال: عندي من الدراهم عدل دراهمك ومن الثياب عدل دراهمك بالفتح.
ثم العدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأوقات منسوخًا، ولا يوصف بالاعتداء بوجهٍ، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، وكف الأذى عمن كف أذاه عنك. والثاني مقيد بالشرع ويتطرق إليه النسخ في بعض الأزمنة كأروش الجنايات والقصاص وأخذ مال المرتد. ومن ثم قال تعالى:﴾ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴿[البقرة: ١٩٤]﴾ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴿[الشورى: ٤٠] فسمي بذلك سيئًة واعتداًء. وهذا النحو هو المعنى بقوله تعالى:﴾ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴿[النحل: ٩٠]؛ فالعدل هنا: المساواة في المكافأة إن خيرًا فخيرن وإن شرا فشر. والإحسان أن يقابل بالخير مثله وزيادة، والشر بأقل منه. والعدل: العدالة أيضًا، وهي في الرجل لفظ يقتضي معنى المساواة وكذلك المعدلة. وقوله تعالى:﴾ وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم ﴿[الطلاق: ٢] أي عدالةٍ، ويوصف به الواحد المذكر
стр. 983
وضداهما المبالغة نحو: رجل عدل ورجال عدل. قال الشاعر: [من الطويل].
٩٩٩ - فهم رضًا وهم عدل
وكذا الوصف لسائر المصادر، والمطابقة قليلة. وفي مثل قوله:﴾ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴿[النساء: ١٢٩] إشارة إلى ما جبل عليه الآدمي من الميل؛ فإن الإنسان وإن أمكنه أن يسوي بينهن في النفقة والكسوة والمنزل والمبيت والوطء ولين الكلمة وغير ذلك، فلن يستطيع أن يسوي بينهن في المحبة، ولهذا كان ﵊ يقول: "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" إشارة إلى ما ذكرنا من المعنيين. قوله:﴾ فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدًة ﴿[النساء: ٣] إشارة إلى العدل الذي هو القسم والنفقة. قوله:﴾ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴿[الأنعام: ١] أي يجعلون له عديلاً، فصار كقوله:﴾ هم به مشركون ﴿[النحل: ١٠٠] وقيل: يعدلون بأفعاله عنه، وينسبونها إلى غيره كقوله: مطرنا بنوء كذا. ولهذا حكى ﷺ عن ربه: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب" الحديث وقيل: يعدلون بعبادتهم عنه إلى من لا يستحق عبادة. بل أن يكون عابدًا.
ومن طريف ما يحكي أن الخبيث الحجاج بن يوسف الثقفي استحضر الحبر الشهيد سعيد بن جبيرٍ تلميذ ابن عباس فقال له: ما تقول في؟ قال: وما أقول: أنت قاسط عادل. فأعجب الجماعة بقوله، فقال الحجاج الخبيث: ما تظنون؟ قالوا: مدحك بالقسط والعدل. فقال: بل بالجور والكفر؛ ثم تلا لهم:﴾ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا ﴿[الجن: ١٥]﴾ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ﴿[الأنعام: ١] ففهمها الخبيث أخزاه الله تعالى.
قوله:﴾ أو عدل ذلك صيامًا ﴿أي ما يعادل من الطعام الصيام. والفداء يطلق عليه عدل نظرًا إلى المساواة. وقوله ﵊: "لا يقبل الله منها صرفًا ولا
стр. 984
عدلاً" قيل: العدل كناية عن الفريضة، والصرف النافلة وهي الزيادة على ذلك، فهما كالعدل والإحسان على ما مر. ومعنى "لا يقبل منها": لا يكون له خير يقبل منه. وقال النضر: الصرف: التوبة قوله تعالى:﴾ بل هم قوم يعدلون ﴿[النمل: ٦٠] يصح أن يكون من الشرك، وأن يكون من العدول عن الحق عدولاً يقال: عدل يعدل: إذا تحرى الحق وعدولاً إذا مال عن وجه الصواب وهو في الأصل مطلق الميل. قوله:﴾ الذي خلقك فسواك فعدلك ﴿[الانفطار: ٧] قرئ مشددًا، من التعديل، أي لم يجعل إحدى يديك ورجليك أطول، ولا إحدى عينيك وأذنيك أكبر لأنه كان مما يستبشع، ومخففًا أي عدل بك من الكفر إلى الإيمان؛ قاله ابن الأعرابي، وفيه نظر لأن الخطاب عام للكافر والمؤمن، والظاهر أنهما لغتان بمعنى التسوية. يقال: عدلته فاعتدل، أي قومته فاستقام، وعدلته فتعدل، قوله:﴾ تتبعوا الهوى أن تعدلوا ﴿[النساء: ١٣٥] أي فرارًا من إقامة الشهادة. فالمعنى أن تعدلوا عن إقامتها لمن تؤدونها له أو عليه. وقيل؛ المعنى: لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، نحو: لا تتبعه لترضي الله، أي أنهاك عنه لترضي الله.
وعادل بين الأمرين: نظر أيهما أرجح. وعادل الأمر: ارتبك فيه فلا يدري أي طرفيه يتبع. والأيام المعتدلة: عبارة عن طيبها لاعتدالها.
ع د ن:
قوله تعالى:﴾ جنات عدنٍ ﴿[الرعد: ٢٣] العدن: الإقامة والثبوت. يقال: عدن بمكان كذا، أي أقام به. ومنه المعدن لثبوت الجواهر واستقرارها فيه. وقال ﵊: "المعدن جبار" أي هدره. وقيل: عدن: علم لمكانٍ بعينه في الجنة.
ع د و:
قوله تعالى:﴾ فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ ﴿[البقرة: ١٧٣] أي ولا متجاوز ما حد له. يقال: عدا يعدو عدوًا وعدوانًا: إذا تجاوز ما حد له. قال تعالى:﴾ فيسبوا الله عدوًا بغير علمٍ ﴿[الأنعام: ١٠٨] أي ظلمًا. وأصل العدو: التجاوز ومنافاة الالتئام؛
стр. 985
فتارًة يعتبر بالقلب فيقال العداوة والمعاداة، وتارًة بالمشي فيقال له العدو، وتارًة في الإخلال بالعدالة فيقال له العدوان والعدو، وتارًة بأجزاء المقر فيقال له العدواء. يقال مكان ذو عدواء: غير متلائم الأجزاء، وأصله الأرض الغليظة يقال لها عدواء، وبعضهم يقولها بسكون الدال؛ فمن المعاداة يقال: رجل عدو وقوم عدو. وقال تعالى:﴾ هم العدو ﴿[المنافقون: ٤]. وقد يجمع فيقال: عدى وأعداء. وقيل العدى بالكسر يطلق على الأجانب، وأما العدى - بالضم - فالأعداء. وفي حديث عمر: "كان يبرح قومه ويبعث العدى" يعني الأجانب.
والعدو على ضربين: أحدهما بقصدٍ من المعادي نحو:﴾ فإن كان من قومٍ عدو لكم ﴿[النساء: ٩٢]. والثاني لا بقصده بل بأن تعرض له حالة يتأذى بما يكون من العدو، نحو قوله: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ﴿[الشعراء: ٧٧]. والاعتداء: مجاوزة الحد والظلم؛ افتعال من العدو. ومنه قوله تعالى:﴾ ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا ﴿[البقرة: ٢٣١]. قوله تعالى:﴾ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ﴿[البقرة: ٦٥]. قيل: إنهم حفروا حياضًا فإذا طلعت الحيتان فيها يوم السبت صادوها يوم الأحد فهو اعتداء منهم. وقيل: هو أخذهم الحيتان على جهة الاستحلال. قوله:﴾ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴿[البقرة: ١٩٤] الآية أي قابلوه بحسب اعتدائه وتجاوزوا إليه بحسب تجاوزه من العدوان المحظور ابتداًء.
وقوله:﴾ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴿[المائدة: ٢] هو من العدوان الذي على سبيل المجازاة. وقال النحاة: الفعل متعد قاصر؛ تصوروا في الناصب لمفعوله مجاوزته له وفي غيره المقصور عنه؛ قوله تعالى:﴾ إذ أنتم بالعدوة الدنيا [[الأنفال: ٤٢] الآية. العدوة: هي الجانب، كأنه متجاوز للقرب. قوله:﴾ ولا تعد عيناك عنهم ﴿[الكهف: ٢٨] أي لا تتجاوز، هو في اللفظ نهى عن العين وفي المعنى
стр. 986
لصاحبها، وهذا تأدب لأمته. وقال أمير المؤمنين يوم الجمل لبعض أصحابه وقد تخلف عنهم يوم الجمل: "ما عدا مما بدا؟ ". قال المبرد: معناه: ما الذي ظهر منك من التخلف بعدما ظهر منك من الطاعة؟ وقيل: معناه: ما صرفك وشغلك عما كان بدا لنا من نصرتك؟ وقيل: معناه: ما بدا لك مني فصرفك عهي؟
قوله تعالى:﴾ والعاديات ﴿[العاديات: ١] قيل: هي الخيل. وقيل: الإبل، وقد مضى ذلك مشروحًا، وتقدمت حكاية عن ابن عباسٍ في قوله:﴾ ضبحًا ﴿في باب الضاد. قوله:﴾ فأولئك هم العادون ﴿[المؤمنون: ٧] أي المتجاوزون ما حد لهم. وفي الحديث: "لا عدوى" هو أن يكون [ببعيرٍ] أو بإنسانٍ به جذام أو برص، فتتقى المؤاكلة معه، فنفاها الشرع. ولهذا قال في موضعٍ آخر: "فمن أعدى الأول؟ " وفي حديث أبي ذر: " [تعدو] في الشجر" أي ترعى العدوة، وهي الخلة. وفي الحديث أيضًا: "السلطان ذو عدوانٍ وذو بدوان وذو بدراءٍ. والعدوان: سرعة الملال والانصراف، والبدوان: أن يبدو له كل يومٍ رأي جديد. والعدوان: السريع العدو؛ قال امرؤ القيس: [من الطويل]
١٠٠٠ - كتيس ظباء الحلب العدوان
ويقال: عادى الحمار يعادي بمعنى عدا يعدو؛ وقال امرؤ القيس: [من الطويل
فعادى عداًء بين ثور ونعجةٍ ... وكان عداء الوحش مني على بال
وفي حديث حذيفة: "أنه خرج وقد طم رأسه فقال: إن تحت كل شعرةٍ لم يصبها الماء جنابًة فمن ثم عاديت رأسي" قيل: استأصله الماء إلى أصول شعره وعن
стр. 987
عبيدة: رفعت شعري عند الغسل. وعاديت الوسادة: ثنيتها، وعاديت الشيء: باعدته. وفي الحديث: "في المسجد تعادٍ" أي أمكنة مختلفة. وعاد رجلك. أي جافها. وفي حديث عمر ﵁: "أتي بسطيحتين فيهما نبيذ فشرب من إحداهما وعدى عن الأخرى" أي تركها من قولهم: عد عن كذا. قال النابغة: [من البسيط]
١٠٠١ - فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانةٍ أجد
وعن عمر بن عبد العزيز: "أنه أتي برجلٍ قد اختلس طوقًا فلم ير قطعه وقال: تلك عادية الظهر" العادية: من العدوان، والتاء فيه للمبالغة كراوية. والظهر ما ظهر من الحلي كالطوق ونحوه. قوله:﴾ فلا عدوان إلا على الظالمين ﴿[البقرة: ١٩٣] ليس حقيقة الخبر، بل معناه: لا تعتدوا إلا على من ظلمكم وليس بخبرٍ، لأن العدوان كثيرًا ما يقع على غير الظالمين. أو أنه بيان للحكم بمعنى أنه لا يحكم بالعدوان إلا عليهم. وقولهم: قام القوم ما عدا زيدًا وعدا زيدًا، من المجاوزة. ولذلك قال النحاة: تقديره: قاموا عدا القيام زيدًا، ومعناه معنى إلا زيدًا. ولنا فيه كلام أتقناه في النحو.
فصل العين والذال
ع ذ ب:
﴾ ولهم عذاب أليمً ﴿[البقرة: ١٧٤]: الإيجاع الشديد، وأصله من المنع، وسميت العقوبة والإيلام عذابًا باعتبار منعها من معاودة ما عوقب عليه، ومنه الماء العذب لأنه يعذب العطش، أي يمنعه. وقيل: هو من قولهم: عذب الرجل إذا ترك المأكل فهو عاذب وعذوب. فكان التعذيب في الأصل حمل الإنسان على أن يعذب أي يجوع ويسهر. وقيل: بل هو من العذب وهو الخلو بمعنى أن عذبته للسلب، أي أزلت عذوبة حياته نحو مرضته.
وقيل: هو من ضربته بعذبة السوط، وهي عقدة طرفه. وقيل: هي من قولهم: ماء
стр. 988
عذب إذا كان فيه قذى وكدر. فقولهم عذبته بمنزلة كدرت عيشه وزلقت حياته.
وأعذب يكون قاصرًا ومتعديًا؛ يقال: أعذبت وأعذبت زيدًا، أي امتنعت ومنعت. ومن لاك علي ﵁ لسريةٍ بعثها: "أعذبوا عن ذكر النساء فإن ذلك يكسركم عن الغزو" ولما كان للعذاب أسباب فقد فسره المفسرون في كل موطنٍ بما يليق به فقالوا في قوله تعالى:﴾ إما العذاب وإما الساعة ﴿[مريم: ٧٥] أن العذاب ما وعدوا به من نصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم قتلاً وأسرًا، وفي قوله:﴾ ولقد أخذناهم بالعذاب ﴿[المؤمنون: ٧٦] أي بالمجاعة، وفي قوله:﴾ حتى إذا فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب ﴿[المؤمنون: ٧٧] هو القتل بالسيف، وفي قوله:﴾ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴿[الأنفال: ٣٣] أي عذاب استئصالٍ، وفي قوله:﴾ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴿[الأنفال: ٣٤] أي بالسيف: تخالفت الأسباب والموت واحد.
ع ذ ر:
قوله تعالى:﴾ لا تعتذروا ﴿[التوبة: ٦٦]. وأصل العذر ما يتحراه الإنسان من محو جنايته. يقال: عذر وعذر نحو عسرٍ وعسرٍ. ثم العذر قيل: على ثلاثة أضربٍ: أحدها أن يقول: لم أفعل، قاله الراغب وفيه نظر لأن أهل العرف لا يعدونه عذرًا بل هذا إنكار. والثاني أن يقول: فعلت كذا، فيخرج بذلك عن كونه مذنبًا. والثالث أن يقول: فعلت ولا أعود. قال: وهذا الثالث هو التوبة؛ فكل توبةٍ عذر وليس كل عذرٍ توبةٍ. ومنه قوله تعالى:﴾ وجاء المعذرون من الأعراب ﴿[التوبة: ٩٠] وقرئ "المعذرون" أي الآتون بالعذر. وعن ابن عباسٍ: "لعن المعذرين ورحم المعذرين" وقال بعضهم:
стр. 989
المعذر المقصر والمعذر المبالغ الذي ليس له. والمعتذر يقال فيمن له عذر وفيمن لا عذر له. ومنه قول عمر بن عبد العزيز لمن اعتذر إليه: "عذرتك غير معتذرٍ" أي دون أن تعتذر، لأن المعتذر يكون محقًا وغير محق. قلت: وهذه التفرقة إنما تصح على قولنا: إن "المعذرون" من عذر بالتضعيف، إلا أن الجمهور على أن أصله "المعتذرون".
قوله:﴾ قالوا معذرة ﴿[الأعراف: ١٦٤] مصدر أي نعتذر معذرة، وقرئ بالرفع، أي صرنا معذرة، كقوله:﴾ وقولا حطة ﴿[البقرة: ٥٨] رفعًا ونصبًا، كأنه قيل: أطلب منه أن يعذرني. وأعذر فلان: أتى بما صار به معذورًا. يقال: قد أعذر من أنذر.
قالوا: وأصل الكلمة من العذرة: وهي الشيء النجس. ومنه قيل لقلفة الرجل والمرأة عذرة. يقال: عذرت الصبي: طهرته وأزلت عذرته. وكذلك أعذرت فلانًا، أي أزلت نجاسة ذنبه بالعفو عنه نحو: غفرت له: سترت ذنبه. وسموا جلدة البكارة عذرة تشبيهًا بعذرتها التي هي القلفة. ومنه قيل: عذرتها كناية عن افتضاضها، وهو كرأستها أي أصبت رأسها. ولذلك قيل للعارض في حلق الصبي عذرة. فقيل: عذر الصبي: أصابه ذلك. قال الشاعر: [من الكامل]
١٠٠٢ - غمز الطبيب نغانغ المعذور
ويقال: اعتذرت المياه: انقطعت. واعتذرت المنازل: درست على التشبيه بالمعتذر الذي يندرس ذنبه بإبراز عذره. والعاذرة: المستحاضة لما بها من النجاسة. والعذور: السيء الخلق اعتبارًا بالعذرة التي هي النجاسة. قيل: وأصل ذلك من العذرة التي هي فناء الدار. ويسمي ما يلقى فيها باسمها. ومن كلام أمير المؤمنين علي ﵁ في عتابه لقومٍ: "ما لكم لاتنظفون عذراتكم" وهذا كما كنى عن ذلك بالغائط لأن قاضي الحاجة ينتابه ليستتر به، وسيأتي.
стр. 990
وفي الحديث "استعذر رسول الله ﷺ أبا بكرٍ عن عائشة" أي عتب عليها وقال لأبيها: كن عذيري منها. واستعذر ﷺ من عبد الله بن أبي فقال: "من يعذرني من عبد الله؟ " أي من يقوم بعذري إن جازيته بصنيعه؟ وفي المثل: "عذيرك من فلانٍ" أي أحضر من يقبل عذرك؛ فعيل بمعنى فاعلٍ. ومنه قول علي ﵁ وقد نظر إلى الخبيث عبد الرحمن بن ملجمٍ المرادي: [من الوافر]
١٠٠٣ - عذيرك من خليلك من مراد
وفي شعرٍ أنشد في الاستسقاء: [من الطويل]
١٠٠٤ - أتيناك والعذراء يدمى لبانها
العذراء: البكر من النساء، وباعتبار صيقها قيل للجامعة من الأغلال عذراء. وقد يجوز أن تكون الجامعة هي الأصل، ومن ذلك قولهم: تعذر: إذا ضاق وعسرت معرفة وجهه.
فصل العين والراء
ع ر ب:
قوله تعالى:﴾ ومن الأعراب ﴿[التوبة: ٩٨] الأعراب: سكان البوادي، والعرب: سكان القرى والبوادي. ومن ثم غلط سيبويه من جعل أعرابًا جمعًا لعربٍ لاستحالة كون المفرد أعم من الجمع. وهذا نظير: عالمون في كونه ليس جمعًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقد تكلمنا على ذلك في "إيضاح السبيل" وغيره. وقال الراغب:
стр. 991
والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسمًا لسكان البادية. وهذا لا ينافي قول سيبويه فإنه كان كذا ثم غلب الاستعمال على ما ذكره. والأعراب يجمع على أعاريب. وأنشد: [من الوافر]
١٠٠٥ - أعاريب ذوو فخرٍ بإفكٍ
والأعرابي منسوب إلى الأعراب سكان البادية. والعربي هو المفصح؛ قيل: والعرب من كان من ولد إسماعيل. ويقال: لكونهم منسوبين إلى يعرب. والعربي أيضًا هو الكلام المبين الفصيح.
والإعراب يطلق بإزاء معانٍ منها البيان. ومنه الحديث: "والأيم تعرب عن نفسها" ومنها التغيير؛ ومنه: أعربها الله، أي غيرها. ومنها التحسين؛ ومنه:﴾ عربًا أترابًا ﴿[الواقعة: ٣٧] أي حسانٍ متحبباتٍ إلى أزواجهن. ومنها الفساد؛ ومنه عربت معدة البعير أي فسدت. فالهمزة في الإعراب حينئذٍ للسلب. فقولهم: أعرب كلامه، أي بينه أو غيره أو حسنه أو أزال فساده. وللنحاة عبارات بيناها في غير هذا. قوله:﴾ إنا جعلناه قرآنًا عربيًا ﴿[الزخرف: ٣] أي بينًا فلا يلزم أن يكون كله بلغة العرب. بل يجوز أن يكون غير عربي إذا كان متفاهمًا معروفًا بين المخاطب به كاليم قيل: البحر بلغة الحبشة، والقسطاس: الميزان بلغة الروم، والمشكاة: الكوة بلغة الهند، إلى غير ذلك. ومن الناس من أباه وتحاشى ذلك لقوله:﴾ أأعجمي وعربي ﴿[فصلت: ٤٤] وقد بينا القولين ودلائلهما في غير هذا الموضوع من "القول الوجيز" و"البحر الزاخر" وغيرهما.
قوله:﴾ وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًا ﴿[الرعد: ٣٧] قيل: معناه شريفًا كريمًا، كقوله:﴾ عربًا أترابًا ﴿ووصفه بذلك كوصفه بكريمٍ. وقيل: معناه مفصحًا يحق الحق ويبطل الباطل، وقيل: معربًا من قوله ﵊: "عربوا على الإمام"؛ يقال:
стр. 992
عربت عليه: إذا رددت عليه من حيث الإعراب، قاله الراغب، ومعناه على هذا أنه ناسخ لغيره من الأحكام. وقيل: لكونه منسوبًا إلى النبي العربي من حيث إنه منزل على قلبه وبلسانه. قوله:﴾ عربًا ﴿أي متحبباتٍ لبعولتهن حسان في أعينهن. وقيل: لأنها لا تعرب بحالها عن عفتها ومحبة زوجها؛ الواحدة عروب. والمعرب: المتحري في كلامه الصواب، والمبين عما في نفسه، وصاحب الفرس العربي كالمجرب لصاحب الجرب.
ويعرب: يقال إنه أول من نقل السريانية إلى العربية. ومن قيل أنه سمي باسم فعله. قوله:﴾ وهذا لسان عربي مبين ﴿[النحل: ١٠٣] اللسان هنا: اللغة، ووصفه بالإبانة بعد نسبته إلى العرب تنبيه على أن صاحبه يتكلم بالعربية. يقال: عرب اللسان يعرب عروبًا وعروبية. وفي الحديث: "الأيم يعرب عنها لسانها" أي يبين، إلا أن أبا عبيدٍ قال: الصواب يعرب؛ بالتشديد. قال الفراء: يقال: عربت عن القوم: إذا تكلمت عنهم، ومنه الحديث الآخر: "فإنما كان يعرب عما في قلبه ولسانه". وقد رد ابن قتيبة على أبي عبيد وقال: الصواب التخفيف لأنه يقال: اللسان يعرب عما في الضمير. قال أبو بكرٍ: لا حجة لابن قتيبة علي أبي عبيدٍ لأنه حكاه عن الفراء عن العرب. والذي قاله ابن قتيبة إنما عمله برأيه عملاً، واللغة تروى ولا تعمل ولا سمعنا أحدًا يقول: التعريب باطل كما قال، لأنه لا اختلاف بين اللغويين في أنه يقال: أعربت الحرف وعربت الحرف. فالفراء يذهب إلى أن عربت أجود من أعربت مع عن، فإذا لم تكن عن فأعربت وعربت لغتان متساويتان لا تقدم إحداهما على الأخرى.
قلت: وهذا هو المشهور، وهو أن اللغة سماع لا قياس، وإنما حكيت هذا الكلام برمته لإفادته لاسيما عن فحول الصناعة. وقال ابن الأعرابي: أعرب الصبي والعجمي: إذا فهم كلامهما بالعربية. وعربا: إذا لم يلحنا. وقال عمر ﵁: "ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس ألا تعربونه؟ " أي تمنعونه. وقيل: فقبحوا فعله عليه. وفي
стр. 993
الحديث: "لا تحل العرابة للمحرم" قيل: هي الفحش. وفي الحديث: "نهى عن بيع العربان" هو أن يدفع المستام شيئًا فإذا مضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمضه كان للبائع.
ويقال: عربون وعربون وأربون - بالعين والهمز - ومنه الحديث: "فأعربوا فيها [أربع] مئة درهمٍ" أي أسلفوا وهو من العربان. وعن عطاءٍ: "نهى عن الإعراب في البيع" هو أيضًا من العربون.
قوله تعالى:﴾ ثم يعرج إليه في يومٍ ﴿[السجدة: ٥] أي يسعد إليه في المعراج وهو السلم؛ تقول: عرج في السلم يعرج عروجًا والجمع معاريج. قوله:﴾ ذي المعارج ﴿[المعارج: ٣]؛ قيل: معارج الملائكة. وقيل: أراد بها الفواصل العالية؛ الواحد معرج وهو الدرجة. وشبه الصاعد عليها بالأعرج. فمن ثم سميت معرجًا والصاعد فيها عارجًا. وقيل: العروج: ذهاب في صعودٍ. وعرج يعرج عروجًا وعرجانًا: مشى مشي العارج كما قالوا: درج أي مشى مشي الصاعد في درجه. وعرج: صار ذلك خلقًة له. وقيل: يقال عرج بالفتح: أصابه شيء غمز منه. وعرج - بالكسر - إذا صار أعرج؛ فعرج - بالضم والكسر - يتقاربان معنًى. ومن ثم قيل للضبع: عرجاء لكونها في خلقتها ذات عرجٍ. وتعارج تفاعل ذلك. والأعرج: من أصيبت إحدى رجليه فاختل مشيه؛ قال تعالى:﴾ ولا على الأعرج حرج ﴿[النور: ٦١].
قوله تعالى:﴾ كالعرجون القديم ﴿[يس: ٣٩]. العرجون: فعلون من الانعراج لا الانعطاف. وأصله من العروج والعرج. والعرجون: عود الكباسة التي عليها الشماريخ
стр. 994
للعذق، فإذا قدم تقوس واصفر، فمن ثم شبه بالهلال في آخر الشهر وأوله ويقال له الأهاق أيضًا. وقال الراغب: العرجون الطاقة من أغصانه. وهذا تفسير يحتاج إلى تفسيرٍ.
ع ر ر:
قوله:﴾ وأطعموا القانع والمعتر ﴿[الحج: ٣٦]. المعتر: المتعرض للسؤال. يقال: عر واعتر أي تعرض. وعررت لك حاجتي. والعر والعر: الجرب الذي يعر البدن، أي يعترضه. ومنه قيل للمضرة: معرة، تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب. وقيل: المعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. يقال: اعتره يعتره، واعتراه يعتريه، والقانع: من برز وجهه للمسألة. ومنه قيل: اعتررته، أي أتيته أطلب منه معروفه.
قوله تعالى:﴾ فتصيبكم منهم معرة ﴿[الفتح: ٢٥] أي مسبة ومذمة، وذلك أنهم لو قاتلوا أهل مكة وفيهم من المؤمنين والمؤمنات من لم يتميز عند قتال الكفرة لأصابوا أولئك المؤمنين من غير علمٍ بهم، فيقال فيهم إنهم قد قتلوا المسلمين من أهل ملتهم فيلزمهم من ذلك مذمة من القوم وديات المقتولين. وأصل المعرة من العر وهو الجرب، فقيل لكل مضرةٍ معرة تشبيهًا بالعر الذي هو الجرب. قال النابغة: [من الطويل]
١٠٠٦ - كذي العر يكوى غيره وهو راتع
أي كصاحب الداء الذي يستحق الكي، وهو مثل للبريء يعاقب ويترك الجاني. وفي الحديث: "كان إذا تعار من الليل" قال أبو عمر: واختلف الناس في تعار؛ قيل: انتبه، وقيل: علم، وقيل: تمطى، وإنه مأخوذ من عرار الظليم: وهو صياحه، والظليم ذكر النعام. والعرار: حكاية صوته وصوت حفيف الريح. والعرعر: شجر، لما يسمع من حفيف أغصانها. وعرعار: لعبة لهم حكايًة لصوتها. وفي الحديث: "أتيتك بهذا المال لما يعررك" ويروى "يعروك" أي ينوبك. والعرار: شجر طيب أيضًا وقال الشاعر:
стр. 995
[من الوافر]
١٠٠٧ - تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
والعرارة بالتاء: الشدة. وفي الحديث: "كان يدمل إرضه بالعرة" وهي العذرة. ومنه حديث جعفرٍ: "كل سبع تمراتٍ من خلةٍ غير معرورةٍ" أي غير مسمدةٍ بعذرةٍ. وسأل بعض الأعراب آخر عن منزله فقال: "بين حيين من العربن فقال: نزلت بين المجرة والمعرة" المجرة: مجرة السماء، والمعرة: ما وراءها من ناحية القطب الشمالي؛ سميت بذلك لكثرة نجومها تشبيهًا بمن أصابه العر وهو الجرب لكثرته في البدن. والعرب تسمي السماء: الجرباء، لنجومها؛ كأنه قال له: هم في الكثرة كالنجوم.
والمعرة: المسبة كما تقدم. والمعرة: بلد معروف. والمعرة أيضًا: موضع العر وهو الجرب أو العرة وهو العذرة، كأنه لطخهم بها.
ع ر ش:
قوله تعالى:﴾ الرحمن على العرش استوى ﴿[طه: ٥] أصل العرش: شيء مسقف ومنه: عرشت الكرم أعرضه: إذا جعلت له كهيئة سقفٍ. ويقال له عريش أيضًا. واعترض العنب: ركب عرشه. والعرش أيضًا: شبه الهودج، تشبيهًا له بعرش الكرم في هيئته. وعرشت البئر، أي جعلت له عريشًا. وسمي مجلس السلطان عرشًا اعتبارًا بعلوه. ثم عبر به عن العز والمنعة والقوة، لأنه محل صدور ذلك وقراره وهو المراد بعرش الباري تعالى. ويجوز أن يكون عرشًا جسمانيًا ولكنه في الهيئة والخلقة لا يعلم كنه ذلك إلا خالقه. واستواؤه عليه هو استيلاؤه - وقد مضى تفسير ذلك - لا الاستواء المعلوم. قال الراغب:
стр. 996
وعرش الله مما لا يعلمه البشر على الحقيقة إلا بالاسم. قال: وليس كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له تعالى عن ذلك لا محمولاً، والله تعالى يقول:﴾ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده ﴿[فاطر: ٤١] وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى، والكرسي فلك الكواكب. قال: واستدلوا على ذلك بما روي عنه ﵊: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقةٍ ملقاةٍ في أرض فلاةٍ" والكرسي عند العرش كذلك.
قلت: لا يلزم من قال: إن العرش جسم وفلك أن يكون حاملاً لله تعالى بل العرش وحملته وما سوى ذلك محمولون بقدرته تعالى. والقرآن قد ورد بأن للباري تعالى عرشًا موجودًا جسمانيًا محمولاً وهو قوله تعالى:﴾ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية ﴿[الحاقة: ١٧].﴾ وكان عرشه على الماء ﴿[هود: ٧] فأي محذورٍ في أن يكون له عرش كما أن له سماواتٍ وأرضًا، ولا نقول إن شيئًا من ذلك يحويه ولا هو مقوله ﵎ عن ذلك. وقيل: العرش سرير الملك فعبر به عن ملكوت ربنا لأنه ملك الملوك.
قوله:﴾ وكان عرشه على الماء ﴿تنبيه أن عرشه تعالى لم يزل مستعليًا مذ وجد على الماء. وقوله تعالى:﴾ ذو العرش المجيد ﴿[البروج: ١٥]،﴾ رفيع الدرجات ذو العرش ﴿[غافر: ١٥] ونحو ذلك. قيل: هو على حقيقته من وجود عرشٍ كالسماوات. وقيل: هو إشارة إلى مملكته وسلطانه لا إلى مقر له، تعالى عن ذلك. ومن ذلك قولهم: ثل عرش فلانٍ: إذا ذهب عنه. وروي أن عمر ﵁ " [رئي] في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: لولا أن يتداركني برحمته لئل عرشي" قوله:﴾ ولها عرش عظيم ﴿[النمل: ٢٣] إشارة إلى قوة ملكها وعز سلطانها وكبر سريرها وعظمته، واستعظام الهدهد لذلك غير بدعٍ منه؛ فهو حكاية عنه لا أنه تعالى استعظمه، وحيث ورد عنه تعالى استعظام شيء فغنما ذلك بالنسبة إلى استعظام خلقه كقوله ﴿عذاب عظيم﴾ [المائدة: ٤١].
стр. 997
قوله: ﴿وما كانوا يعرشون﴾ [الأعراف: ١٣٧] أي لكرومهم. وقيل: يثبتون. يقال: عرش يعرش ويعرش، وقد قرئ بهما أي عرش العروش من أي نوعٍ كان ومن أي زرعٍ كان. وقيل: يبنون العريش. قوله:﴾ خاوية على عروشها ﴿[البقرة: ٢٥٩] أي ساقطة على سقوفها، سقطت السقوف ثم وقعت عليها الحيطان، يشير إلى خرابها علوًا وسفلاً. ولا ترى أوجز لفظًا ولا أرمز على المعنى بأحسن من لفظ القرآن. وفي الحديث: "لما مات سعد اهتز له عرش الحرمن" قيل: هو الجنازة، واهتزازه فرحه به، وإضافته إلى الرحمن من باب التكريم والبشارة. وقيل: كناية عن قبول أهل العرش - وهم الملائكة - ولا مانع من أن يحمل على حقيقته تكرمًة كما قيل في قوله تعالى:﴾ فما بكت عليهم السماء والأرض ﴿[الدخان: ٢٩] وإن الله يجعل فيها قوة البكاء كل هذا لا محال فيه عقلاً ولا شرعًا. وعن بعضهم: "تمتعنا مع رسول الله ﷺ وفلان كافر بالعرش" يعني وهو بعرش مكة بعد لم يهاجر، والباء بمعنى في، والعرش جمع عرشٍ كسقفٍ وسقفٍ. وقيل: هو جمع عريشٍ نحو قلبٍ وقليبٍ. وفي مقتل أبي جهلٍ: "خذ سيفي فاحتز به رأسي من عرشي" قال المبرد: العرش: عرق في أصل العنق.
ع ر ض:
قوله تعالى:﴾ وجنةٍ عرضها السماوات والأرض ﴿[آل عمران: ١٣٣] العرض مقابل الطول، وإذا كان عرضها كذلك فما ظنك بطولها؟ وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. ومثله في المعنى:﴾ بطائنها من استبرقٍ ﴿[الرحمن: ٥٤] فما ظنك بالظهارة؟ فإن العادة قاضية بأن الظهارة أنفس من البطانة. وأنشد للأعشى: [من الطويل]
١٠٠٨ - كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المذعور كفة حابل
стр. 998
وقيل: هو كناية عن السعة من غر نظرٍ إلى طولٍ ولا عرضٍ. وأصل العرض والطول أن يستعملا في الأجسام، وقد يتجوز بهما في غيرهما. ومنه قوله تعالى:﴾ فذو دعاءٍ عريضٍ ﴿[فصلت: ٥١] والعرض مخصوص بالجانب. وعرض الشيء: بدا عرضه. ومنه قولهم: عرضت العود على الإناء. واعترض الشيء في حلقه: وقف فيه بالعرض. واعترض الفرس في مشيه. وفيه عرضه أي اعتراض في مشيه من الصعوبة. ومنه قوله تعالى:﴾ ولا تجعلوا الله عرضًة لأيمانكم ﴿[البقرة: ٢٢٤] قيل: معناه: ولا تجعلوه معرضًا لها ومعدًا لأن ذلك يشعر بقلة المبالاة، من قولك: هذا بعير عرضة للسفر. وأنشد لعبد الله بن الزبعري: [من الطويل]
١٠٠٩ - فهذي لأيام الحروب وهذه ... للهوي وهذي عرضة لا رتحاليا
وقال المبرد: العرضة: الاعتراض في الخير والشر. يقول: لا تعترضوا باليمين في كل ساعةٍ أن لا تبروا ولا تتقوا. وقيل: لا تجعلوه معترضًا بينكم وبين فعل البر، وذلك أن الرجل يحلف ألا يفعل الخير ولا يبر فلانًا فيجعل الإيمان معترضًة بين فعله الخير وبينه وقيل: هي المنع، أي: لا تجعلوه مانعًا لكم من البر والتقوى. ويدل عليه الحديث: "من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" وقد أتقنا هذه المسألة وأوسعنا فيها العبارة إحكامًا وإعرابًا وتفسيرًا في "القول الوجيز" و"الدر النظيم" وغيرهما ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى في موضعٍ:﴾ عرضها السماوات والأرض ﴿[آل عمران: ٢٣٣] وفي موضعٍ آخر:﴾ كعرض ﴿[الحديد: ٢١]. فصرح بحرف التشبيه لما بيناه في غير هذا. قال بعضهم: أراد بالعرض في الموضعين الذي هو خلاف الطول. قال: وتصور ذلك على أحد وجوهٍ: إما أن يريد به أن يكون عرضها في السماء الأخيرة كعرض السماوات والأرض في النشأة الأولى، وذلك أنه قد قال:﴾ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴿[إبراهيم: ٤٨] قال: فلا يمتنع أن تكون السماوات والأرض في النشأة الأخيرة أكبر مما هي الآن وروي أن يهوديًا سأل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية وقال: فأين النار؟ فقال عمر: فإذا جاء الليل فأين النهار؟ وقد
стр. 999
قيل: يعني بعرضها سعتها لا من حيث المساحة لكن من حيث المسرة، كما يقال في ضده: الدنيا على فلانٍ حلقة خاتمٍ وكفة حابلٍ. وسعة هذه الدار كسعة الدنيا. وقيل: العرض ها هنا من العرض على البيع كقولهم: بيع كذا بعرضٍ: إذا بيع بسلعةٍ فمعناه عرضها أي بدلها وعوضها كقولك: عرض هذا الثوب كذا وكذا. والعرض - بالتحريك - ضد الجوهر، وهو ما لا يكون له ثبات ولا استقرار. ومنه استعار أهل الكلام العرض لما لا يقوم بنفسه بل بجوهرٍ كاللون. وقولهم: الدنيا عرض حاضر، أي لا ثبات لها ومنه قوله تعالى:﴾ تريدون عرض الدنيا ﴿[الأنفال: ٦٧] وقوله:﴾ لو كان عرضًا قريبًا ﴿[التوبة: ٤٣] أي مطلبًا سهلاً.
والتعريض: ما احتمل من الكلام وجهين فصاعدًا وهو الذي تسميه الأدباء الكلام الموجه. وفي الحديث: "إن في المعاريض مندوحًة عن الكذب" والتعريض: ضد التصريح. ومنه قوله تعالى:﴾ فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴿[النساء: ٢٣٥] هو أن يقول: أنت جميلة ورب راغبٍ فيك وإذا حللت فآذنيني، ونحو ذلك. والتصريح أن تقول: أريد أن أتزوجك، ونحو ذلك. قوله تعالى:﴾ ثم عرضهم على الملائكة ﴿[البقرة: ٣١] أي أتى بهم لهم وأعتدهم ووقفهم عليهم، من قولك: عرض الأمير الجند ليتعرفهم بخلاقهم وأسمائهم. والعارض: البادي عرضه؛ فتارًة تختص بالسحاب كقوله تعالى:﴾ هذا عارض ممطر ﴿[الأحقاف: ٢٤] أي سحاب قد عرض في الأفق. قال الشاعر: [من المنسرح]
١٠١٠ - يا من رأى عارضًا أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد
وقوله تعالى:﴾ وعرضنا جهنم ﴿[الكهف: ١٠] أي أبرزناها وجهلناها بحيث يرونها. ومثله:﴾ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ﴿[الأحقاف: ٢٠] من ذلك وقيل: هو مقلوب، والأصل: تعرض النار عليهم. ومنه قولهم: عرضت الناقة على الحوض. قوله:﴾ وأنتم معرضون [[البقرة: ٨٣] أي مولون، وأصله: من ولى في عرضه أي ناحيته
стр. 1000
فأعرض عني من كذا. وقيل: أعرض: أظهر عرضه، أي ناحيته. فإذا قيل: أعرض لي كذا، أي بكذا عرضه فأمكن تناوله. وإذا قيل: أعرض عني فمعناه ولى مبديًا عرضه. وعرض كذا: إذا بدا من أي ناحيةٍ كانت. وقولهم: هو من عرض الناس، أي من نواحيهم غير مخصوصٍ ولا معلومٍ.
قوله:﴾ وهم عن آياتها معرضون ﴿[الأنبياء: ٣٢] أي مولون على الاستدلال بها على الله وعلى وحداهيته. وأعرض الشيء: إذا بدا. ويقال فيما يعرض من السقم: عارض وفيما يظهر من شعر الخدين: عارض، ومنه: العارضان: وهما الشعر النابت على اللحيين. وعلى ما يبدو من الأسنان وهي المجاورة للثنايا، وللإنسان أربع عوارض؛ قال عنترة: [من الكامل]
١٠١١ - سبقت عوارضها إليك من الفم
وقال كعب: [من البسيط]
١٠١٢ - تجلو عوارض ذي ظلمٍ إذا اوتسمت ... كأنه منهل بالراح! معلول
وفلان شديد المعارضة: كناية عن جودة بيانه. قوله:﴾ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴿[الأعراف: ١٦٩] أي الرشا في الأحكام. قوله:﴾ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ﴿[التوبة: ٩٥] أي لتعفوا وتصفحوا، أي لأن في العفو إعراضًا عن الجاني. وقيل: اللام متعلقة بالحلف على معنى أنهم حلفوا لأجل إعراضكم عنهم؛ فعلوا ذلك لما رأوكم أعرضتم. وعبر الهروي عن هذا المعنى حكايًة عن أبي العباس قال: قال أبو العباس: أي لإعراضكم عنهم، وليست لام كي لكنهم حلفوا لإعراض المسلمين عنهم. قلت: وهذه لام كي على التقديرين المذكورين، وهي متعلقة بالفعل على التقديرين أيضًا، فكيف يقال: وليست لام كي؟.
وفي الحديث: "كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله وعرضه ودمه" قال
стр. 1001
المبرد: العرض من الإنسان موضع المدح والذم، وذلك أن يذكر أمورًا يرتفع بها الإنسان أو يسقط وقيل: عرضه هم أسلافه الذين يشرف بهم أو موضع منه. وقيل: العرض: نفس الرجل، واستدل بحديثه ﵊ في صفة أهل الجنة: "لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يخرج من أعراضهم" أي من ذواتهم. قلت وقول حسان ﵁: [من الوافر]
١٠١٣ - فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمدٍ منكم وقاء
يحتمل الأمرين إلا أن الظاهر منه العرض المتعارف. واستدل أيضًا بحديث أبي ضمضمٍ: "اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك" ووجه الدليل أنه لو كان العرض الأسلاف لما جاز أن يحلهم لغيره لأن ذلك إليهم لا إليه. والذاهب إلى ذلك والمستدل عليه هو ابن قتيبة. قال أبو بكر: وما ذهب إليه واضح الخطأ ألا ترى قول مسكينٍ الدارمي: [من الرمل]
١٠١٤ - رب مهزولٍ سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
قال: فلو كان العرض البدن والجسم على ما أدعى لم يكن مسكينًا ليقول: "رب مهزول سمين عرضه" إذ كان مستحيلاً للقائل أن يقول: "رب مهزولٍ سمين جسمه" لمناقضة ذلك. وإنما أراد: "رب مهزولٍ جسمه كريمة أفعاله" وتأول الحديث بأن الأعراض: المغابن التي يخرج منها العرق، وهذا عندي قريب من قول ابن قتيبة فكيف يكون ردًا عليه؟ واستدل أبو بكرٍ بقوله: دم المسلم وماله وعرضه. قال: لو كان العرض البدن لكان قوله دمه كافيًا لأن الدم يعبر به عن النفس. ويدل عليه قول عمر للخطيئة: "اندفعت تغني بأعراض المسلمين" معناه بأفعالهم وأفعال أسلافهم. قال الشاعر وهو
стр. 1002
طرفة: [من الطويل]
وقال: الحكم بن عبدلٍ الأسدي: [من الطويل]
١٠١٥ - وأدرك مسيور الغني ومعي عرضي
أي أفعالي الجميلة التي تقتضي مدحي وعدم مذمتي. وقوله ﵊: "لي الواجد يحل عقوبته وعرضه" أي يجوز لرب الدين أن يصفه بسوء القضاء بالنسبة إلى نفسه لا إلى أسلافه. وفي كتابه ﵊ لأقيال شنوءة: "وما كان لهم من ملك وعرمان ومزاهر وعرضانٍ" قيل: العرضان: جمع عريضٍ وهو ابن سنةٍ من المعز. وقيل: جمع عرضٍ وهو الوادي الكثير النخل والشجر. ومنه: أعراض المدينة لقراها في الوادي خاصة فيها النخيل. وفي الحديث: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" أي احتاط لنفسه. فهذا ظاهر في النفس كما قال ابن قتيبة. وفي حديث ابن عمر: "وأضرب العروض" العروض من الإبل ما أخذ يمينًا وشمالاً ولا يلزم محجًة واحدًة. والعروض: العلم المعروف استنبطه الخليل بن أحمد. وقال ذو البجادين يخاطب ناقة رسول الله ﷺ : [من الرجز]
١٠١٦ - تعرضي مدارجًا وسومي ... تعرض الجوزاء للنجوم
أي خذي يمنًة ويسرًة وتنكبي الثنايا الغلاظ. يقال: تعرض في الجبل: إذا أخذ في عروضٍ منه أي ناحيةٍ، فاحتاج أن يأخذ يمينًا وشمالاً. وإنما قال: "تعرض الجوزاء" لأنها
стр. 1003
تسير على جنب وليست بمستقيمةٍ، بل تعارض النجوم معارضًة. وفي حديث عدي "إني أرمي بالمعراض" هو سهم بلا نصلٍ ولا ريشٍ ويصيب بعرض عوده. وفي الحديث: "ولكم العارض هي التي أصابها كسر؛ عرضت الناقة والشاة: أصابها ذلك. وأنشد [من الطويل].
١٠١٧ - إذا عرضت منها كهاة سمينة ... فلا تهدمنها واتشق وتجبجب
وبنو فلانٍ يأكلون العوارض، أي التي أصابها مرض وكسر؛ يصفونهم بالبخل. وقال ﵊ لعدي لما تأول قول الله :﴾ الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴿[البقرة: ١٨٧] بخيطين جعلهما في رجله: "إنك لعريض الوساد" أي كثير النوم، كنى عن كثرة نومه بعرض وساده. وكبر: كثر نومه. والظاهر أنه أراد عدم الفطنة، وذلك أنه ورد في رواية أخرى: "عريض القفا" وهذا كناية عن السمن المفرط؛ فإنه غالبا يزيل الفطنة وقيل: معناه: من أكل في صومه مع الصبح أصبح عريض القفا أي سمينًا، لأن الصوم لا ينهكه ولا يؤثر فيه. وأنشدت لبعض البدويات في بليدٍ: [من الطويل]
١٠١٨ - عريض القفا ميزانه في شماله ... قد انحص من بعض المقاريظ شاربه
وفي الحديث: "أن تجارًا عرضوا رسول الله ﷺ وابا بكرٍ ثيابًا بيضًا" أي أهدوا لهما ذلك. والعراضة: الهدية أيضا. وفيه أيضًا: "خمروا آنيتكم ولو بعودٍ تعرضونه عليه" أي تضعونه بالعرض. يقال: عرضه يعرضه، بالضم في المستقبل. وفي حديث عمر ﵁: "فادان معرضا" المعرض، قال شمر: هو هنا بمعنى المعترض،
стр. 1004
يعني: اعترض لكل من يقرضه؛ يقال عرض لي الشيء فأعرض، وتعرض واعترض بمعنى واحدٍ قال: ومن فسره بمعنى الممكن على ما فسر أبو عبيدٍ فهو بعيد لأن معرضًا منصوب على الحال، فإذا فسر أنه يمكنه فالمعرض هو الذي تعرض لأنه هو الممكن. وقال ابن شميلٍ: "فادان معرضًا" أي تعرض، إذا قيل له: لا تستدن فلا يقبل. وروى أبو حاتمٍ عن الأصمعي أنه قال فيه: أي أخذ الدين، ولم يبال ألا يؤديه. وقال القتيبي: أي استدان معرضًا عن الأداء، وهو قول أبي حاتمٍ. وعندي أن كلام أبي عبيدٍ صحيح لأن هذا المستدين قد يكون أدان وهو مليء ممكن، وهو مما يلام عليه الإنسان، والمستدين رجل عير عمر ﵁. وفي حديث محمد بن علي: "كل الجبن عرضًا" قال أبو عبيدٍ: أي اعترضه واشتره ممن وجدته ولا تسأل عمن عمله؛ أعمل مسلمٍ أم غيره؟ وهذا قصد به ﵁: الأخذ بالظاهر، وأن السؤال قد يؤدي إلى محاذير لابد من تعاطيها، مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته كما تقدم. وفي حديثٍ: "فاستعرضهم الخوارج" أي قتلوهم من أي وجهٍ أمكنوهم.
ع ر ف:
قوله تعالى:﴾ الجنة عرفها لهم [[محمد: ٦] أي طيبها، من العرف وهو الطيب. وتقول العرب: طيب الله عرفك، أي رائحتك. وقيل عرفها لهم في الدنيا بوصفٍ وصفها لهم، فإذا دخلوها عرفوها بتلك الأوصاف الحسنة بمعنى: ألهم كل أحد أن يعرف منزله في الجنة كما يعرف منزله في الدنيا مع اتساع تلك المنازل وكثرتها. وإذا الهم الطيور أن تهتدي لأوكارها في الدنيا مع كثرة أوكارها وأشباهها وتقاصر فهمها، فهذا أولى. فقيل: إنه يبعث مع كل رجلٍ ملك يعرفه منزله. وقيل: عرفها: زينها. وقيل: شوقهم إليها بوصفه لها وتعريفه إياها. قوله تعالى:﴾ ولتعرفنهم في لحن القول ﴿[محمد: ٣٠] أي ليظهرن لك المنافق من غيره من فحوى خطابه. والمعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكرٍ وتدبرٍ لأثره فهو أخص من العلم ويضاده الإنكار. ويقال: فلان يعرف
стр. 1005
الله، ولا يقال: يعلم الله، متعديًا إلى واحدٍ، لما كان معرفة البشر الله هي تدبر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال: يعرف، لما كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكرٍ؛ قاله الراغب.
قلت: وقد فرق قوم بين العلم والعرفان بغير ذلك؛ فقال بعضهم: المعرفة: إدراك الشيء دون ما هو عليه. ومن ثم تعدت لواحدٍ. والعلم معرفته وما هو عليه. ومن ثم تعدي لاثنين، فمن ثم يقال: علم الله، دون عرف. وقال آخرون: المعرفة تستدعي جهلاً بالشيء المعروف بخلاف العلم فإنه لا يستدعي ذلك، ولذلك علم الله دون عرف الله. وقد وقع في عبارة بعض العلماء عرف الله، ومنهم الزمخشري في كشافه. ثم إنهم يقولون: علم يتعدى لمفعول واحد إذا كانت بمعنى عرف، ويجعلون من ذلك﴾ لا تعلمونهم الله يعلمهم ﴿[الأنفال: ٦٠] وحينئذٍ فكيف يصح ذلك؟ إذ المحذور أمر معنوي لا لفظي فإنه متى أريد بالعلم العرفان كانا بمعنى واحد امتناعًا وجوازًا. فيجب أن يقال:﴾ الله يعلمهم ﴿متعد لاثنين حذف ثانيهما وأما﴾ لا تعلمونهم ﴿فمتعد لواحد. قيل: وأصل عرفت: من أصبت عرفه. أي رائحته، أو من أصبت عرفه أي خده. وتقابل المعرفة بالإنكار والعلم بالجهل.
قوله:﴾ وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا ﴿[الحجرات ١٣] أي ليعرف بعضكم بعضًا بنسبه، فيقال: فلان بن فلانٍ من الحي الفلاني والقبيلة الفلانية والشعب الفلاني. وقد تقدم أن الشعوب في العجم والقبائل في العرب. والمعنى: لتعارفوا لا لتفاخروا، والأصل: لتتعارفوا فحذفت إحدى التاءين، وأثبتهما ابن كثيرٍ إلا أنه أدغم إحداهما في الأخرى، وهي أحرف معدودة بيناها في "العقد النضيد". وقيل:﴾ عرف بعضه وأعرض عن بعضٍ ﴿[التحريم: ٣] أي عرف بعض أزواجه وهي حفصة. وقيل: "عرف" بالتخفيف، قيل، بمعنى جازاها عليه، وهو مستفيض عندهم في الوعيد،
стр. 1006
يقولون: عرفت ما فعلت، أي سأجزيك وفي التفسير قصة﴾ والمرسلات عرفًا ﴿[المرسلات: ١] هم الملائكة ترسل بالمعروف. فعرفًا حال، أي ذات عرفٍ. وقيل: معنى عرفًا: متتابعًة من عرف الفرس والديك لتتابع شعره. ومنه: جاءت القطا عرفًا أي متابعًة. وقوله:﴾ وقولوا لهم قولاً معروفًا ﴿[النساء: ٥] أي علموهم وعرفوهم طرق الرشاد وأسباب الخير، فهذا هو القول المعروف. وقيل: لا تواجهوهم بمنع الأموال بكلامٍ شينٍ بل برد جميلٍ بأن تقولوا: إذا رشدتم دفعنا إليكم الأموال. وقيل: ما يوجبه الدين والملة بتصريحٍ وبيانٍ.
وقوله:﴾ وصاحبهما في الدنيا معروفًا ﴿[لقمان: ١٥] قال ابن عرفة: المعروف ما عرف من طاعة الله والمنكر ما خرج عنها، وهذا يقرب من الإجمال. ومراد الآية أن يصحبًا وهما كافران بالإحسان إليهما من نفقةٍ عليهما، ومراعاة لجانبهما، مما يتعلق بالأمور الدنيوية كقوله تعالى:﴾ وبالوالدين إحسانًا ﴿[البقرة: ٨٣]﴾ فلا تقل لهما أفً ﴿[الإسراء: ٢٣] فهذا عام في المسلمين والكافرين إلا أن يأمروا بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة، وهم وغيرهم في ذلك سواء، وقد قال تعالى:﴾ وإن جاهداك على أن تشرك ﴿[لقمان: ١٥] قوله:﴾ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴿[آل عمران: ١١٠] هذه الأشياء تفسير للخيرية المذكورة في قوله تعالى:﴾ كنتم ير أمةٍ أخرجت للناس ﴿[آل عمران: ١١٠] والمعروف: اسم لكل فعلٍ يعرف بالعقل والشرع حسنه، والمنكر: ما ينكرهما ومن ثم قيل للاقتصاد في الجود معروف لما كان مستحسنًا شرعًا وعقلاً. وقوله:﴾ وللمطلقات متاع بالمعروف ﴿[البقرة: ٢٤١] أي بالاقتصاد من غير إسرافٍ فيضر بالزوج، ولا تقتير فيضر بالمرأة قوله:﴾ قول معروف ومغفرة خير من صدقةٍ يتبعها أذى ﴿[البقرة: ٢٦٣] أي رد للفقير بقول جميلٍ نحو: فتح الله عليك، وسع الله عليك، أعفاك الله، خير من أن تعطي شيئًا فتمن به وتقرع وتوبخ كصدقة غالب أهل زماننا.
قوله تعالى:﴾ خذ العفو وأمر بالعرف ﴿[الأعراف: ١٩٩] أي بالمعروف وفي
стр. 1007
الحديث في تفسيرها: "أنه ﵊ سأل جبريل عنها [فقال:] لا أدري حتى أسأل. ثم رجع فقال: "يا محمد إنه ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك" وعن جعفرٍ الصادق أنه قال: "أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع منها لمكارم الأخلاق".
في الحديث: "من أتى عرافًا أو كاهنًا" العراف: الحازي أو المنجم الذي يدعي الغيب. والعراف كالكاهن إلا أن العراف يخص بمن يخبر بالأحوال المستقبلة، والكاهن بمن يخبر بالأحوال الماضية. وسيأتي شيء من هذا في مادة (ك هـ ن) وفي حديث طاووس: "سألت ابن عباسٍ عن قول الناس: أهل القرآن عرفاء أهل الجنة" قلت: مصداق ما قاله ابن عباسٍ ﵁ أن العريف من يسري المعروف إلى أهله وجيرانه وأهل قريته. قال علقمة بن عبدة: [من البسيط]
١٠١٩ - بل كل قومٍ وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشرمرجوم
والعريف أيضًا من يتعرف أحوال الناس ومنه عريف الجيش وهو نقيبهم. قال الشاعر: [من الكامل]
١٠٢٠ - أو كلما حلت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم؟
والاعتراف: الإقرار، وأصله إظهار معرفة الذنب، وذلك ضد الجحود. والعارف في عرف المتصوفة: هو المختص بمعرفة الله تعالى ومعرفة ملكوته وحسن معاملته. وفي الحديث: "أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة" قيل: معناه من بذل معروفه في الدنيا أوتي جزاء معروفه في الآخرة وقيل: من بذل جاهه لأصحاب الجرائم
стр. 1008
التي لا تبلغ الحدود مستشفعًا فيهم شفعه الله في الآخرة في أهل التوحيد، وكان عنده وجيهًا كما كان عنده في الدنيا وجيهًا عند الناس. قال ابن العباس: سألت ابن الأعرابي عنه فقال: روى الشعبي أن ابن عباسٍ قال: يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم وتبقى حسناتهم جامًة فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فتزيد حسناته فيغفر له فيدخل الجنة.
وفي الحديث: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" أي أطعه واحفظه في أمره ونهيه يجازك بذلك، فسماه تعرفًا على المقابلة وهو كثير. ومن كلام عمر ﵁: "أطردنا المعترفين" قال القتيبي: أحسبه الذين يقرون على أنفسهم وشبهه، كأنه كره لهم ذلك وأحب الستر على أنفسهم ونعم ما أوجب ﵁ فإن العلماء نصوا على أن الذنب المتعلق بينه وبين ربه أن يستره على نفسه ويتوب منه. وإن تعلق بغيره فيؤديه إليه ويستر على نفسه ما أمكنه. وإذا أحسن إلى غيره بالستر عليه فإحسانه إلى نفسه ما أمكنه. وإذا أحسن على غيره بالستر عليه فإحسانه إلى نفسه بذلك أولى. وفي الحديث: "إن الله يقول لعباده: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله سبحانه. فيقول: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه" قال الأزهري: معناه إذا تحقق.
ع ر م:
قوله تعالى:﴾ فأرسلنا عليهم سيل العرم ﴿[سبأ: ١٦] قيل: العرم: اسم الوادي. وقيل: اسم الخلد الذي نقب السد حتى فتح وسال ماؤه فغرق ديارهم وأهلك بساتينهم. وقيل: العرم: المسناة. قال ابن الأعرابي: العرم من أسماء الفأرة. ومنه قولهم في المثل: "لا يعرف الهر من البر" والهر: السنور والبر الفأرة. وقيل: العرم: المطر
стр. 1009
الشديد. وخصه بعضهم بالفأر الذكر، وهو الجراد أيضًا.
وأصل العرامة: الشدة والشراسة وصعوبة الخلق. ومنه رجل عارم. يقال: عرم يعرم فهو عارم، وعرم فهو عريم: تخلق بذلك. وعرام، الجيش: معظمه. وفي الحديث: "من ملك وعرمان" العرمان: المزارع، الواحد عريم، وقيل: أعرم: وهو ما يرتفع حول الدائرة. والعرمة: الكدس؛ وهو حصيد الزرع.
ع ر و:
قوله تعالى:﴾ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴿[البقرة: ٢٥٦] قال الأزهري: أصله من عروة الكلا وهو ماله أصل ثابت في الأرض مثل الشيخ والأرطى وغيرهما من جميع الشجر المستأصل في الأرض، فإذا كانت السنة قليلة المطر والبقول رعتها الماشية وعاشت بها. فلما كانت هذه الأشياء يستمسك بها ضربت مثلاً للعهد ولكل ما يعتصم به ويلجأ إليه. وقيل: العروة: ما يتعلق [به] من العرا - بالقصر - وهو الناحية. قيل: ومنه: عراه واعتراه أي قصد عراه أي ناحيته.
والعروة أيضًا: شجر تتعلق به الإبل، فاستعيرت العروة للعهد الوثيق. قوله:﴾ إن نقول إلا اعتراك ﴿[هود: ٥٤] أي مسك وأصابك، يقال: عروته واعتريته وعررته واعتررته: إذا أتيته تطلب منه حاجة. وعرى: مسته العرواء وهي الحمى؛ قال الراغب: واحدة عرواء أي رعدة تعرض من العري. وليست العروة من العري لاختلاف المادتين.
ع ر ي:
قوله تعالى:﴾ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴿[طه: ١١٨] أي لا يزول عنك لباسك بل يبقى عليك أبدًا؛ أخبره بعدم الشقاوتين الحاصلتين في الدنيا وهما الكد في اللباس والمطعم، فكفاه مؤنتهما. يقال: عري من ثوبه فهو عارٍ وعريان وحكى الراغب: فهو عرو من الذنب، أي عارٍ. وهذا يقتضي أن يكون في لامه لغتان: الواو والياء. ومعاري الإنسان: الأعضاء التي من شأنها ألا تكسى كاليدين والرجلين والوجه.
стр. 1010
وفلان حسن المعرى نحو حسن المتجرد، أي الجسد.
قوله:﴾ فنبذناه بالعراء ﴿[الصافات: ١٤٥] أي بمكانٍ لا شجر فيه، فهو عريان من شيءٍ يشتره. يقال: مكان عراء، بالمد أي خالٍ من الشجر. وأما العرا بالقصر فقد تقدم أنه الناحية. وفي الحديث: "رخص في بيع العرايا". جمع عرية وهي النخلة. وقد اختلف في تفسيرها فقيل: لما حرم رسول الله ﷺ المزابنة - وهي بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر على الأرض - رخص لهم من جملة ذلك بيع العرايا؛ وهو أن من الناس من عنده فضل تمرٍ من قوته ولا نقد عنده قدرًا للرطب فيشتهيه هو وعياله فلم يجد ثمنًا فرخص له أن يشتري بذلك التمر رطب نخلةٍ خرصًا فيما دون خمسة أوسقٍ. الواحدة عرية؛ قيل: من أعرى، أي خرجت من المعنى عنه فهي فعيلة بمعنى فاعلةٍ. وقيل: من عراه يعروه لأنها قصدت بالشراء. وقيل: هي التي تعرى عن البيع وتعزل. وقيل: هي التي يعريها صاحبها محتاجًا فيحصل ثمرتها. وقيل: هي النخلة للرجل وسط نخيلٍ كثيرٍ لغيره فيتأذى به صاحب الكثير فرخص له أن يبتاع بتمرٍ. والعرية في غير هذا: ما يعرو من الريح البادرة.
وفي الحديث: "ركب فرسًا عريًا" يقال: فرس عري ولا يقال: رجل عري، بل عريان وعارٍ. وقال ﷺ : "إنما مثلي ومثلكم كمثل رجلٍ أنذر قومه جيشًا فقال: أنا النذير العريان" قال يعقوب: هو رجل من خثعم حمل عليه عوف بن عامرٍ يوم ذي الخلصة فقطع يده ويد امرأته، فصار مثلاً في النذارة، وقيل: خص العريان لأنه أبين له في العين، يعني من غير لبسٍ. واعروريت الفرس: ركبته عريًا.
فصل العين والزاي
ع ز ب:
قوله تعالى:﴾ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرةٍ ﴿[يونس: ٦١] أي لا يبعد عن علمه ولا يغيب، من قولهم: روض عازب، أي بعيد. يقال عزب يعزب. ويعزب بالضم والكسر، وقرئ بهما. ورجل عزب، أي بعيد عن النساء، وامرأة عزبة. ولا
стр. 1011
يقال: عازب وعازبة في المشهور. وفي الحديث: "من قرأ القرآن أربعين ليلًة فقد عزب" أي بعد عهده بما ابتدأ منه وأبطأ في تلاوته. وفي الحديث: "أصبحنا بأرضٍ عزيبةٍ" أي بعيدة العشب والكلأ والمال عازب وعاهن؛ فالعازب: الغائب، والعاهن: الحاضر.
ع ز ر:
قوله تعالى:﴾ وعزرتموهم ﴿[المائدة: ١٢] و﴾ تعزروه ﴿[الفتح: ٩] أي نصرتموهم. قال الزجاج: العزر في اللغة: الرد. وتأويل عزرت فلانًا، أي أدبته، أي يغلب به ما يردعه عن القبيح كما تقول: نكلت به، أي فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة. قال قتادة: تأويل﴾ وعزرتموهم ﴿أي نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم. وقال غيره:﴾ تعزروه ﴿تنصروه مرًة أخرى، كأنه أخذ التكرير من بنية فعل. وفي التفسير: تنصروه بالسيف. وقال ابن عرفة: ولذلك سمي الضرب دون الحد تعزيرًا لأنه منع للجاني أن يعاود. وقال الراغب: التعزير: النصرة مع التعظيم. والتعزير دون الحد، ولذلك يرجع إلى الأول، فإن ذلك تأديب. والتأديب: نصرة بقهر ما، لكن الأول نصرة بقمع العدو عنه. والثاني نصرة بقهرٍ عن عدو، فإن أفعال الشر عدو للإنسان فمتى قمعته عنها نصرته. ومن ثم قال ﵊: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلوما. قال: أنصره مظلوما فكيف أهجره ظالمًا؟ قال: تكفه عن الظلم" ويقال: عزرته مخففًا أيضًا. وأنشد للقطامي: [من الطويل]
١٠٢١ - ألا بكرت سلمى بغير سفاهةٍ ... تعنفني والمرء ينفعه العزر
стр. 1012
فالعزر مصدر عزرت مخففًا، كما أن التعزير مصدر عزرت، مثقلاً. وقال بعضهم: التعزير في كلام العرب: التوقيف على الفرائض والأحكام. قال الهروي: وفي حديث سعدٍ: "أصبحت بنو أسدٍ تعزرني على الإسلام" أي توقفني عليه.
وعزير: اسم نبي، قيل: أصله عزر فصغر ترخيمًا، وقرئ منونًا وغير منون. ولنا فيه كلام أتقناه في قوله تعالى:﴾ وقالت اليهود عزير ابن الله ﴿[التوبة: ٣٠]
ع ز ز:
قوله تعالى:﴾ والله عزير حكيم ﴿[البقرة: ٢٢٨] العزيز: الغالب الممتنع على من يريده بالقهر والغلبة، والباري تعالى أغلب الغالبين. قال تعالى:﴾ والله غالب على أمره ﴿[يوسف: ٢١] فقوله تعالى:﴾ وعزني في الخطاب ﴿[ص: ٢٣] أي غلبني: وقيل: صار أعزمني في المخاطبة والمحاجة. ومنه قوله تعالى:﴾ في عزةٍ وشقاقٍ ﴿[ص: ٢] أي في مغالبةٍ ومنعةٍ. قوله تعالى:﴾ أيبتغون عندهم العزة ﴿[النساء: ١٣٩] أي المنعة وشدة الغلبة. قوله:﴾ أخذته العزة ﴿[البقرة: ٢٠٦] أي الامتناع والغلبة. قوله:﴾ يا أيها العزيز ﴿[يوسف: ٧٨] سموه عزيزًا لامتناعه وشدته لأن هذه صفة الملوك. وعز يعز عزًا بكسر العين إذا صار عزيرًا. ويعز - بفتحها - إذا اشتد؛ يقال يعز علي أن أراك بحالٍ سيئةٍ أي يشتد. ويقال للعليل إذا اشتدت به العلة: قد استعزته. وقيل: العزة: حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، من قولهم: أرض عزاز، أي صلبة. وتعزز اللحم: اشتد وعز كأنه حصل في عزازٍ يصعب الوصول إليه، كقولهم: تظلف، أي حصل في ظلفٍ من الأرض. والعزيز الذي يقهر ولا يقهر. قال تعالى:﴾ إنه هو العزيز الحكيم ﴿[العنكبوت: ٢٦]﴾ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴿[المنافقون: ٨].
والعزه قد يمدح بها تارًة ويذم بها تارًة، [قال تعالى:]﴾ بل الذين كفروا في عزة وشقاقٍ ﴿قال بعضهم: ووجه ذلك أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين هي
стр. 1013
الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية. والعزة التي للكافر هي التعزز. وهي في الحقيقة ذل ولهذا قال ﵊: "كل عز ليس بالله فهو ذل ﴿قوله تعالى:﴾ ليكونوا لهم عزًا ﴿[مريم: ٨١] أي ليمتنعوا بهم من العذاب. قوله:﴾ من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا ﴿[فاطر: ٨١] معناه: من كان يريد أن يعز فإنه يحتاج أن يكتسب من الله [العزة] فإنها له وقد تستعار للحمية والأنفة المذمومة، وذلك في قوله:﴾ أخذته العزة بالإثم ﴿وقد تستعار العزة للصعوبة ومنه قوله تعالى:﴾ عزيز عليه ما عنتم ﴿[التوبة: ١٢٨] أي صعب عليه مشقتكم. وقيل: من عزيز. أي غلب سلب. وعز المطر الأرض: صلبها. وقد تستعار العزة للقلة اعتبارًا بما قيل: كل موجودٍ ملول مفقودٍ مطلوب.
واستعز فلان: إذا غلب بمرضٍ أو موتٍ. قوله:﴾ وإنه لكتاب عزيز ﴿[فصلت: ٤١] أي يصعب وجود مثله. وفي الحديث: "فاستعز برسول الله ﷺ " أي اشتد به المرض وأشرف على الموت. وفلان معزاز المرض، أي شديده. وقال ابن عمر لجماعةٍ اشتركوا في قتل صيدٍ: إنكم لمعزز بكم" أي مشدد بكم. وكانوا قالوا: على كل منا جزاء فأفتاهم بجزاءٍ وحدٍ. قوله تعالى:﴾ فعززنا بثالثٍ ﴿[يس: ١٤] أي قوينا. وقرئ مخففًا ومشددًا وفي التشديد مبالغة، يقال عززته وعززته: قويته وشددته. وفي كتابه ﵊ لقومٍ: "وأن لهم عزازها" أي ما اشتد وصلب من الأرض، وذلك يكون في أطراف الأرض.
من ظرف ما يحكى أن الزهري قال: كنت أختلف إلى أبي عبيد الله بن عتبة بن مسعودٍ فكنت أخدمه. وذكر جهده في الخدمة، فقدرت أني استنظفت ما عنده، فلما خرج لم أقم له ولم أظهر من تكرمته ما كنت أظهره من قبل. قال: فنظر إلى فقال: "إنك في العزاز - أي أنت في الأطراف من العلم لم تتوسطه بعد - فقم" قوله: ﴿أعزة﴾
стр. 1014
أي أشداء ﴿على الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] كما صرح بهذا الوصف عينه نفسه في موضعٍ وقال:﴾ أذلةٍ على المؤمنين ﴿وقال:﴾ رحماء بينهم ﴿[الفتح: ٢٩] فما أحلى تفنن القرآن وانتقال أساليبه! قوله:﴾ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴿[الدخان: ٤٩] من باب التهكم، أي أنت الهين الذليل. وقيل: العزيز عند نفسك هين عندنا. وفي التفسير: "إن أبا جهلٍ رآه رسول الله ﷺ فقال له: أولى لك. فقال: إني لكذا وكذا وإني العزيز" فنزلت قوله تعالى:﴾ أفرأيتم اللات والعزى ﴿[النجم: ١٩] اسم صنمٍ، وكذا اللات اشتقوها من لفظ العز. وقال قائل يوم بدرٍ: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ﵊: "أجيبوهم: الله مولانا ولا مولى لكم" فأنزل الله تعالى ذلك﴾ بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ﴿[محمد: ١١] وهذه هي التي بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ناصرة شعرها، وكان يرتجز.
ع ز ل:
قوله تعالى:﴾ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴿[الدخان: ٢١] أي تنحوا عني واتركوني. وقال ابن عرفة: أي فدعوني كفافًا لا علي ولا لي. ولا يفهم هذا المعنى من هذا اللفظ. وأصل الاعتزال تجنب الشيء بأمارةٍ وولايةٍ أو غيرهما. وتارًة يكون في الظاهر كالاعتزال بالبدن، وتارًة في الباطن كالاعتزال في الاعتقاد؛ قوله:﴾ وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون ﴿[الكهف: ١٦] فهذا من الظاهر بالبدن لأنهم فروا منهم. وقيل: بالقلب. يعني: إذا خالفتموهم في معتقدهم فانجوا إلى غارٍ تعبدون الله فيه. ويقال: عزلته واعتزلته وتعزلته فاعتزل؛ وأنشد للأحوص: [من الكامل]
١٠٢٢ - يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسمًا إليك مع الصدود لأميل
стр. 1015
قوله: ﴿وكان في معزلٍ﴾ [هود: ٤] أي في مكانٍ معتزلٍ عن أبيه. وقيل: في معزلٍ بقلبه، أي في جانبٍ عن دين أبيه. قال الهروي: وقيل: في السفينة، وفيه غرابة شديدة لقوله:﴾ اركب معنا ﴿[هود: ٤] ولقوله:﴾ سآوي إلى جبلٍ يعصمني من الماء ﴿[هود: ٤٣] ويبعد أن يكون هذان القولان صدرا منه في السفينة وخرج منها حتى غرق. وقيل: وقد يكون العزل بمعنى المنع؛ قال تعالى:﴾ إنهم عن السمع لمعزولون ﴿[الشعراء: ٢١٢] أي ممنوعون بعد أن كانوا يمكنون من ذلك. والأعزل: الذي لا رمح له ومن الدواب ما يميل ذنبه، ومن السحاب ما لا مطر معه. والسماك الأعزل: نجم لتصوره بخلاف نجمٍ آخر يقال له: السماك الرامح، تصورًا بصورة من أمامه رمح، وإياهما قصد أبو العلاء المعري في قوله: [من الكامل]
١٠٢٣ - سكن السماكان المساء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
والجمع عزل. قال الشاعر: [من الطويل]
١٠٢٤ - ألكني إلى قومي العداة رسالًة ... بآية ما كانوا ضعافًا ولا عزلا
وأعزال أيضًا. قال الفند الزماني؛ [من الهزج]
١٠٢٥ - رأيت الفتية الأعزا ... ل مثل الأينق الرعل
قيل: وهو الصحيح، إن الأعزال جمع عزلٍ بزنة عنقٍ. ومنه الحديث: "رآني رسول الله ﷺ بالحديبية عزلاً" وذلك نحو ناقة غلظٍ وجملٍ فنقٍ والجمع أغلاظ وأفناق، وماء سدم، ومياه أسدام، وجنب وأجناب. وفي الحديث: "دفاق العزائل جم البعاق" العزائل أصلها العزالي. قيل: والعزالي جمع عزلاء، والعزلاء: فم المزادة الأسفل؛ شبه اتساع المطر بالذي يخرج من فم المزادة. وأنشد لقيس بن ذريحٍ: [من الطويل]
стр. 1016
١٠٢٦ - سقاها من الوسماء كل مجلجلٍ ... سكوب العزالي صادق البرق والرعد
فقلبت الكلمة كقوله: عاقني يعوقني، وعقاني يعقوني، فهو عائق وعاقٍ. والقلب كثير في كلامهم حتى زعم بعضهم أن منه قوله:﴾ شفا جرفٍ هارٍ ﴿[التوبة: ١٠٩] أي هائرٍ. وسيأتي إن شاء الله تعالى.
ع ز م:
قوله تعالى:﴾ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴿[آل عمران: ١٥٩] العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر. وتعدى بنفسه وبعلى؛ يقال: عزمت الأمر وعليه. وقال تعالى:﴾ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴿[البقرة: ٢٣٥] قوله تعالى:﴾ ولم نجد له عزمًا ﴿[طه: ١١٥] وقال قتاجة: صبرًا. وقال غيره: حزمًا، وهذه غلطة. والأولى في تفسيرها: ولم ند له تصميمًا على ما هم به. وقال شمر: العزم والعزيمة: ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله. يقال: عزمت عليك، أي أمرتك أمرًا جدًا. قوله:﴾ فإذا عزم الأمر ﴿[محمد: ٢١] من أحسن المجاز أنه جعل للأمر عزمًا. والعزائم: الفرائض، تقابل الرخص. ومنه الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" وفي حديثٍ آخر: "خير الأمور عوازمها" قيل: فرائضها. وقيل: ما وكدت رأيك وعزمت عليه. "وقال ﷺ لأبي بكر ﵁: متى توتر؟ قال: من أول الليل. وقال لعمر: متى توتر؟ قال: من أخر الليل. فقال لأبي بكرٍ: أخذت بالحزم، ولعمر: أخذت بالعزم" أي احتطت أنت ووثقت أنت والعزم أيضًا على الشيء الصبر عليه، قال تعالى:﴾ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ﴿[الأحقاف: ٣٥] قيل: كل رسولٍ من أولي العزم فـ من للبيان. وقيل: هم خمسة: نبينا ﷺ ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى؛ فمن
стр. 1017
للتبعيض. وفي المثل: "لا خير في عزمٍ بغير حزمٍ" يريدون إن القوة إذا لم يكن معها حذر ورطت صاحبها. وقال بعضهم: الحزم: التأهب للأمر، والعزم: النفاذ فيه. واعتزم الأمر: مضى. ويحكى أن الأشعث قال لعمرو بن معدى كرب: "أما والله لئن دنوت مني لأضرطنك. فقال عمرو: كلا والله إنها لعزوم مفزعة" قال شمر: العزوم: الصبور الصحيحة العقد. قال: والدبر يكنى عنها بأم عزمة. أراد أن لها عزمًا وليست بواهيةٍ فتضرط. ومعنى مفزعة أنها تنزل بها الأقزاع فتجليها. وقال ﵊: "يا أنجشة رويدًا سوقك بالعوازم" والعوازيم جمع عوزم وهي الناقة المسنة.
ع ز و:
قوله تعالى:﴾ وعزني في الخطاب ﴿[ص: ٢٣]﴾ عزين ﴿[المعارج: ٣٧] أي حلقا حلقا وجماعًة جماعاًة؛ الواحدة عزة، وأصلها عزوة فحذفت اللام، وجمع جمع سلامة جبرًا لها نحو سنين، وهي كل جماعةٍ اعتزاؤها واحد. وقيل: هي الجماعات في تفرقةٍ، وأصلها من عزوته فاعتزى، أي نسبته فانتسب، فكأنهم الجماعة المنتسب بعضهم إلى بعض إما في الولادة وإما في المصاهرة. ومنه الاعتزاء في الحرب. وفي الحديث: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه على هن أبيه ولا تكنوا" يعني: من انتسب نسب الجاهلية فقولوا له: اعضض بظر أمك. وقيل: هو من قولهم: عزى عزاء فهو عزٍ. إذا صبر، وتعزى: تصبر. قيل: فعلى هذا كأنها اسم للجماعة يتأسى بعضهم ببعضٍ.
فصل العين والسين
ع س ع س:
قوله تعالى:﴾ والليل إذا عسعس ﴿[التكوير: ١٧] أي أقبل وأدبر، فهو من الأضداد وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه. والعسعسة والعساس: رقة الظلام وذلك في طرفي
стр. 1018
الليل وقال بعضهم: إنه ليس من الأضداد، بل لأن بينهما قدرًا مشتركًا. وإليه نحا الهروي وغيره، وقال: والمعنيان يرجعان إلى معنًى واحدٍ وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره. ويقال: رجل عاس وعساس لمن يتعسس بالليل، والجمع العسس، ومن ثم قالوا: كلب عس خير من أسدٍ ربض، أي كلب يطلب صديه وقوته ليلاً خير من أسد لا يطلب رزقه. والعسوس من النساء: المتعاطية للزينة بالليل. والعس: قدح ضخم، وجمعه عساس.
ع س ر:
قوله تعالى:﴾ إن مع العسر يسرًا ﴿[الشرح: ٦] العسر: الإضافة في المال، يقال: عسر يعسر إعسارًا فهو معسر، أي افتقر. والعسرة: نقيض اليسرة. وتعاسر القوم تحروا تعسير الأمر.
قال تعالى:﴾ وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ﴿[الطلاق: ٦] قوله:﴾ فذلك يومئذٍ يوم عسير على الكافرين ﴿[المدثر: ٩ - ١٠] أي لا يتيسر فيه أمر. وعسرني الرجل: طالبني حين العسرة. وروي عن ابن مسعودٍ، وقيل: عن ابن عباسٍ: "أنه لما قرأها قال: لن يغلب عسر يسرين" قلت: قال الفراء وغيره: العرب إذا ذكرت نكرًة ثم أعادتها بنكرةٍ مثلها صارتا ثنتين، وإذا أعادتها بمعرفةٍ فهي هي تقول: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول وتقول: إذا كسبت درهمًا فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول بعينه فهذا معنى قول ابن مسعودٍ لأن الله تعالى لما ذكر العسر ثم أعاده بالألف واللام علمت العرب أنه هو. ولما ذكر يسرًا بلا ألفٍ ولامٍ ثم أعاده بغير ألفٍ ولامٍ علموا أن الثاني غير الأول. وفي حديث رافع بن سالم: "وفينا قوم عسران" هو جمع أعسر نحو أعور وعوران وأعمى وعميان والأعسر أشد رميًا من غيره.
стр. 1019
ع س ل:
قوله تعالى:﴾ وأنهار من عسلٍ مصفى ﴿[محمد: ١٥] العسل معروف وهو ما يمجه هذا الطير المعروف الذي ألهمه الله تعالى ذلك. يقال إنه يمتص الندى الذي ينزل من السماء ثم يمجه من فيه لا من دبره، والشمع الذي فيه ليس من بطنه وإنما هو حده في رجليه ويبنى به بيوتًا مسدسًة يكون فيها العسل. حدثنا بذلك جماعة ممن يربون النحل ويسافرون به برًا وبحرًا. فسبحان من أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى. ولما ذكرنا من كون النحل - يمج مجًا لا أنه يرونه من دبره، قال ابن الرومي منبهًا في ذلك: [من البسيط]
١٠٢٧ - في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تغيير
تقول: هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن ذممت فقل قيء الزنابير
والجمع أعسال. وقال بعض أهل اللغة: العسل لعاب النحل وهو موافق لما ذكرناه وقوله ﵊: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" كنى عن لذة الجماع وحلاوته بذلك. ويقال: كانوا في حمله وسده وعسله. والمراد الكناية عن طيب ما كانوا وإن لم يكن ثم شيء مما ذكر، وإنما أنث؛ قيل: لأنه أراد النطفة فأنث الكناية لأن المكنى عنه مؤنث. قيل: العسل يذكر ويؤنث، فمن أنثه يقول: العسل شريتها وشربتها وقال: عسيلة. وقيل: لأنه أراد قطعًة من العسل وإذا فعلوا ذلك فيما لا يتفاضل قطعًا نحو قوله: الثدية وذو الثدية يريدون قطعًة من الثدي، فإن يفعلوا ذلك فيما يتفاضل أولى والعسلان والسيلان: ضرب من السير، وأصله من عسلان الرمح: وهو اهتزاز كعوبه واضطرابها. وأكثر ما يستعمل العسلان في الذئب قال الشاعر: [من الكامل]
١٠٢٨ - لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه، كما عسل الطريق الثعلب
стр. 1020
وقيل: العسلان: اهتزاز الأعضاء في العدو والسير، فأطلق على السير عسلانًا مجازًا وفي الحديث: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عسله. قيل: وما عسله يا رسول الله؟ قال: يفتح الله له عملاً صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه من حوله".
قال ابن الأعرابي: العسل: طيب الثناء. وفي حديثٍ آخر: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عسله في الناس" أي طيب ثناءه. قال القتيبي: أراه مأخوذا من العسل؛ شبه العمل الصالح الذي يفتح له بالعسل. وقال أبو بكرٍ: هذا مثل أي وفقه الله تعالى لعملٍ صالحٍ يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه إذا أطعمه العسل.
ع س ي:
قوله تعالى:﴾ عسى ربكم أن يرحمكم ﴿[الإسراء: ٨] هذه وإن كانت في الأصل للترجى فهي هنا للإيجاب، كأنه قيل: ربكم يرحمكم. وقال سيبويه: عسى ولعل من الله إيجاب، أي لا يراد بهما الترجى ولا الإشفاق لأن ذلك محال في حق الباري تعالى. وأما الحذاق غيره فقد قالوا: هما على بابهما. ولكن ليس بالنسبة إلى الباري تعالى بل إلى الناس؛ فقالوا في قوله تعالى:﴾ فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر ﴿[طه: ٤٤] أي اذهبا إليه، على الرجاء والطمع منكما في ذلك. كما قيل في قوله:﴾ بل عجبت ﴿[الصافات: ١٢] فيمن قرأ بالضم. قال الراغب: عسى: طمع وترج. وكثير من المفسرين فسروا عسى ولعل في القرآن باللازم فقالوا: إن الطمع والرجاء لا يصحان من الله قال: وفي هذا قصور نظرٍ، وذلك أن الله تعالى إذا ذكر ذلك [يذكره] تذكرة ليكون الإنسان منه على رجاءٍ لا أن يكون هو تعالى راجيًا. قال تعالى:﴾ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ﴿[الأعراف: ١٢٩] أي كونوا راجين ذلك. وعسى فعل لا يتصرف، خرج عن حقيقته من المضي إلى الإنشاء، وهو ناقص ككان إلا أن خبره لا يكون في الأمر العام إلا مضارعًا مقترنًا بأن كقوله تعالى:﴾ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴿[المائدة: ٥٢] ولم يرد
следующие страницы →