٢:٢ صورة توضيحية تبين الدماغ وعدم اتصاله بالجهاز الهضمي
٢ - التجويف الصدري: وهو المعروف بالقفص الصدري، ويوجد فيه الرئتان والقلب، وتقع الرئتان أحداهما في يمين التجويف الصدري، والأخرى في يساره، ويقع القلب في وسط التجويف مائلاً قليلاً إلى جهة اليسار, والقلب مغطى بغشاء يسمى التامور, والغشاء الخارجي منه غليظ سميك, أما الداخلي المحيط بعضلة القلب فهو رقيق، ويسمى الشغاف.
стр. 107
وفي القلب ذاته أربعة تجاويف فهناك الأذينان: (الأيمن والأيسر) في أعلى القلب, وفي كل واحد منهما يتجمع الدم, كما أنّ هناك البطينين: (الأيمن والأيسر)، وهما أكبر وأغلظ من الأذينين, ومن البطين الأيمن يضخ الدم إلى الرئة, ومن الأيسر يضخ الدم إلى كافة أجزاء الجسم (١).
٢:٣ صورة تبين التجويف الصدري ومحتوياته
стр. 108
٣ - التجويف الأنفي: يوجد في عظام الوجه تجاويف عدة تعرف بالجيوب الأنفية, وهي ترخم الصوت, وتخفف من وزن الرأس, ولها إفرازات هي التي تصل إلى البلعوم الأنفي (nasopharynx) ومنه إلى البلعوم الفموي (oropharynx) المعروف بالحلق (١).
٢:٤ صورة توضح التجويف الأنفي وعلاقته بالجهاز الهضمي
стр. 109
٤ - التجويف البطني: ويحتوي على القناة الهضمية, والغدد الملحقة بجهاز الهضم.
وتجويف البطن هو: الجزء الذي ينحصر بين عضلة الحجاب الحاجر من أعلى, وبين الحجاب الحوضي من أسفل, ويحده من الخلف العمود الفقري والعضلات المحيطة به, وما يسمى بجدار البطن الأمامية, ونهايات الأضلاع, وغضاريفها.
وينقسم تجويف البطن إلى جزئين رئيسين هما:
أولاً: تجويف البطن الحقيقي: وهو الجزء الأكبر, ويقع أعلى الجزء السفلي المعروف بتجويف الحوض.
ويحتوي على أعضاء مختلفة من الجهاز الهضمي, والجهاز البولي, وأوعية دموية, وغدد صماء وغير صماء, وأعصاب وغدد لمفاوية, وطحال.
ثانياً: تجويف الحوض: ويحتوي تجويف الحوض على أجزاء من الجهاز البولي, والجهاز التناسلي, بالإضافة إلى المستقيم, والقولون السيني, والغدد اللمفاوية وأوعيتها, والأوعية الدموية, والأعصاب (١).
стр. 110
٢:٥ صورة تبين التجويف البطني
الجوف المؤثر في الصيام عند الأطباء المعاصرين (١):
للأطباء المعاصرين المهتمين بالشأن الفقهي والذين استكتبتهم المجامع الفقهية، ولهم مؤلفات وبحوث حول المُفَطِّرات الطبية رأي في تحديد الجوف المؤثر في الصيام من الناحية الطبية التشريحية، بناءً على مقصد الصيام الشرعي، حيث يرون أنَّ الجوف الذي يؤثر في الصيام ويحصل فساد الصوم بوصول الطعام والدواء إليه هو: الجهاز الهضمي، أو ما جاوز الفم والبلعوم من الجهاز الهضمي (المعدة، والأمعاء).
يقول الدكتور محمد علي البار (٢): «والجهاز الهضمي هو على الحقيقة:
стр. 111
الجوف المقصود في الصيام؛ إذ هو موضع الطعام والشراب, وكل ما يدخل إلى الجهاز الهضمي متجاوزاً الفم والبلعوم يكون سبباً للإفطار ومفسداً للصيام» (١).
ويرى الدكتور البار أنّ الدماغ، والفرج، والمثانة، ليس لها أي علاقة بالجهاز الهضمي (٢).
ويقول الدكتور حسان شمسي باشا (٣): «ليس هناك أدنى شك في أنَّ الدماغ لا يرتبط بالجهاز الهضمي، وأنَّ المثانة والإحليل لا علاقة لهما بالجهاز الهضمي، وأن المهبل والرحم منفصلان كلياً عن جهاز الهضم، والذي أراه هو أنَّ الجهاز
стр. 112
الهضمي هو الجوف المقصود في الصيام فهو موضع الطعام والشراب، وكل ما يدخل إلى الجهاز الهضمي متجاوزًا الفم والبلعوم يكون سببًا للإفطار ومفسدًا للصيام» (١).
ويقول الدكتور خالد حميد استشاري الجراحة العامة وجراحة المناظير (٢): «ما من شك أنّ الدماغ ليس له رابط بالجهاز الهضمي والذي أراه بأن الجهاز الهضمي المتضمن المريء والمعدة والأمعاء هو الجوف المقصود بالصيام، فهو مكان الطعام والشراب، وأن كل ما يدخل هذا الجهاز مما بعد الفم والبلعوم يكون سبباً للإفطار ومفسداً للصوم، وأما الجهاز البولي من إحليل ومثانة والجهاز التناسلي من رحم ومبايض وغيرها فلا علاقة لها بالجهاز الهضمي ولا رابط بينهما» (٣).
ويقول الدكتور عمر بن سعيد العمودي (٤): «الجوف المؤثر في الصيام هو: المريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة» (٥).
OOOOO
стр. 113
المطلب الخامس: مناقشة تقرير الفقهاء للجوف:
من خلال قراءة وتتبع نصوص الأئمة في المذاهب الأربعة حول علة التفطير، وضابط الجوف عندهم نجد تبايناً واختلافاً بين المذاهب؛ بل بين المذهب الواحد، وهذا الاختلاف والتنازع في علة التفطير -الجوف- بسبب كونها علة مستنبطة لم يعلق عليها الشارع الحكيم سبب فساد الصوم، وإنّما كانت استنباطاً اعتمد فيه الفقهاء على ما وصل إليه علمهم من التصور الطبي، وسوف يناقش الباحث أقوالهم في الجوف في ضوء النص القطعي الذي بَيَّن لنا فيه الشارع مفسدات الصوم، وفي ضوء ما توصل إليه الطب التشريحي الحديث.
أولاً: اعتبار الفقهاء المتقدمين ﵏ الدماغ جوفاً مؤثراً:
من خلال النصوص المتقدمة للفقهاء المتقدمين نرى أنهم اعتبروا الدماغ جوفاً مؤثراً معتمدين على أمور منها:
١ - اعتمادهم على المعنى اللغوي للجوف: «بأنه ما يقبل الشغل والفراغ».
٢ - تصورهم أنّ له قوة محيلة للغذاء والدواء.
٣ - تصورهم أنّ بين الدماغ والمعدة منفذاً يلج منه ما يصل الدماغ إلى البطن.
٤ - اعتقادهم أنَّ النهي عن الاكتحال (١) سببه خشية وصول شيء منه إلى
стр. 114
الدماغ.
٥ - اعتقاد أغلب الفقهاء أنّ النهي عن المبالغة في الاستنشاق كما هو في حديث لقيط بن صبرة (١) خشية أن يلج من الأنف إلى الدماغ.
المناقشة:
سأناقش –بإذن الله- هذه التصورات عن الجوف عند الفقهاء المتقدمين فقرة فقرة، وأبيِّن مدى توافق ما قرروه مع الطب الحديث؛ ليتبين لنا مدى تأثيره على الصيام من عدمه ومدى اعتماد كون ما يصل إليه مفسداً للصيام.
١ - اعتماد الفقهاء على تقرير كون الدماغ جوفاً مؤثراً بناءً على تصورهم أنّ الدماغ جوف يقبل الشغل والفراغ، فقد تبين عدم صحة ذلك، حيث قرر التشريح الطبي المعاصر أنّه ليس ثمة فراغ في التجويف الدماغي؛ بل هو تجويف ممتلئ بالدماغ وبأغشية ثلاث تغلف الدماغ تُعرف (بالسحايا)، وسائل يملأ فراغات تجويف الجمجمة (٢).
٢ - اعتقادهم أنّ في الدماغ قوة محيلة للغذاء والدواء، كما نصوا على ذلك،
стр. 115
إلا أنّ الطب الحديث بَيَّن لنا أن وظيفة الدماغ هي إدارة أجهزة الجسم، وجمع المعلومات وتحليلها وهو منبع لإنتاج معلومات جديدة، فليس له أي وظيفة آلية لإحالة الدواء أو الغذاء (١).
٣ - اعتقادهم أنّ هناك منفذاً بين الدماغ والحلق، فإنّ التشريح الطبي الحديث يبيِّن لنا أنَّه لا يوجد منفذ البتة بين الدماغ والجهاز الهضمي، وأنَّ هناك حجاباً حاجزاً يفصل الدماغ عن التجويف الأنفي.
يقول الدكتور محمد علي البار: «الجمجمة تجويف يشغله الدماغ، وسائل المخ شوكي الذي يدور حوله، ولا يصل شيء لا من الدماغ ولا من السائل إلى الجهاز الهضمي على الإطلاق، إلا إذا انكسر قاع الجمجمة نفسها» (٢). ويقول: «وليس لبطون الدماغ ولا للسائل المخ شوكي أي علاقة بالجهاز الهضمي، وبالتالي فإن كل ما ذكره الفقهاء من أنّ ذلك سبب للإفطار لا أساس له من الصحة» (٣).
ويقول الدكتور حسان باشا: «الدماغ لا علاقة له بالجهاز الهضمي، وبالتالي فإنَّ ما يدخل إلى الدماغ من جرح (وهو ما يسميه الفقهاء بالمأمومة) لا يصل شيء
стр. 116
منه إلى البلعوم أو الأنف مهما وضع فيه دواء أو غيره» (١).
٤ - اعتقادهم أنَّ النهي عن الاكتحال في الحديث الذي رواه أبو داود عن النبي ﷺ : أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم وقال: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (٢) سببه خشية وصول شيء منه إلى الدماغ.
فالجواب عن ذلك أنّ الحديث ضعيف، ولا يثبت عن النبي ﷺ .
قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر (٣)، ويعارضه حديث أنس بن مالك قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي، أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ» (٤).
قال الترمذي: «إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء».
كما أنّ في إسناده أبو عاتكة، وهو ضعيف، واسم أبي عاتكة طريف بن سلمان. قال البخاري: «طريف بن سلمان: منكر الحديث»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، وقال الرازي: «ذاهب الحديث» (٥).
стр. 117
فالحديثان متقابلان وضعيفان فيسقط الاستدلال بهما.
وعلى فرضية صحة النهي عن الاكتحال للصائم فإنه لا يصح الاستدلال به على أن الدماغ جوف مؤثر في الصيام، وذلك أنّ الطب الحديث أثبت أنّه لا يوجد منفذٌ بين العين والدماغ، وإنما هناك القناة الدمعية التي تصل إلى الأنف، وهذا باب آخر. وهو ما يتعلق بالواصل إلى الأنف (١).
٥ - اعتقاد أغلب الفقهاء أنّ النهي عن المبالغة في الاستنشاق كما هو في حديث لقيط بن صبرة أنَّ النبي ﷺ قال: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٢) خشية أن يلج من الأنف إلى الدماغ، فإنّ هذا الاستدلال في غير محله، وذلك أنّ الطب الحديث أثبت أنّه لا علاقة بين الأنف والدماغ، وأنَّ الأنف منفذ إلى الحلق (٣).
ثانياً: اعتبار الفقهاء (٤) ﵏ أنّ الإحليل جوف معتبر، وأنّ ما يصل إليه يصل إلى الجهاز الهضمي.
المناقشة:
стр. 118
مما يُنَاقش فيه كلام الفقهاء المتقدمين – ﵏ أنهم اعتبروا أنّ الإحليل له صلة بالجهاز الهضمي، وهم في ذلك معذورون من حيث التصور، إذ أنّ تصورهم بناءً على ما توصل إليه علم التشريح في زمانهم، وقد أثبت الطب التشريحي الحديث بشكل جازم وقاطع أنّه لا يوجد منفذ بين الجهاز البولي والجهاز الهضمي، فإنّ ما يدخل إلى الجهاز البولي من دواء أو قسطرة عن طريق الإحليل - مجرى البول في الذكر أو الأنثى - يصل إلى المثانة، وذلك كله ليس له علاقة بالجهاز الهضمي (١).
ثالثاً: اعتبار بعض الفقهاء (٢) ﵏ أن المهبل والرحم جوفان معتبران ولهما صلة بالجهاز الهضمي.
المناقشة:
أظهر الطب الحديث عدم صحة ما تصوره الفقهاء المتقدمون من تأثير ما يدخل إلى المهبل والرحم على صحة الصوم، فليس للمهبل علاقة بالجهاز الهضمي، والمهبل (vagina) ليس تجويفًا؛ لأنّ الجدارين (الأمامي والخلفي)
стр. 119
ينطبقان على بعضهما، ولكنَّ هذين الجدارين مرنان جداً فيتسعان عند الجماع والإيلاج، وعند الولادة ونزول الدم في الحيض أو النفاس، ولا توجد علاقة بين الرحم والجهاز الهضمي مطلقاً (١).
رابعاً: اعتمادهم على قاعدة «الفطر مما دخل وليس مما خرج» مستدلين بحديث: «إِنَّمَا الْإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ» (٢). وبأثر ابن عباس قال: «إِنَّمَا الفطر مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (٣)، على اعتبار كل مجوف في الجسم مناطاً لفساد الصوم بما يصل إليه.
المناقشة:
الاستدلال بالحديث والأثر على أنَّ كل مجوف في الجسم يفسد الصوم بما يصل إليه محل مناقشة من عدة أوجه:
١ - الحديث المرفوع ضعيف ولا يصح ففي سنده راوٍ مجهول، وقد نص
стр. 120
الأئمة على تضعيفه منهم الزيلعي في نصب الراية (١)، وقال الهيثمي: «رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفه» (٢)، وقال القاري: «ولجهالة المولاة-أحد رواة الحديث- لم يثبته بعض أهل العلم» (٣).
وعلى فرضية صحة الحديث فإنَّ قصة الحديث وسياقه تبين لنا المراد من النص، فإنّ لفظ الحديث بتمامه: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان عن رزين البكري قال: حدثتنا مولاة لنا - يقال لها سلمى من بكر بن وائل - أنها سمعت عائشة ﵂ تقول: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ هَلْ مِنْ كِسْرَةٍ؟» فَأَتَيْتُهُ بِقُرْصٍ فَوَضَعَهُ عَلَى فِيهِ وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ هَلْ دَخَلَ بَطْنِي مِنْهُ شَيْءٌ؟ كَذَلِكَ قُبْلَةُ الصَّائِمِ. إِنَّمَا الْإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ».
فالمراد ظاهر جدا من قصة الحديث حيث وضع النبي ﷺ الكسرة في فمه، وقال: «يا عائشة: هل دخل بطني منه شيء ...» ثم عقب بقوله: «إنما الإفطار مما دخل»، أي دخل إلى البطن التي نفى أن يكون دخل إليها منه شيء، وكذلك المراد عن طريق الفم حيث كانت الكسرة في فمه، ولا يَرِد على هذا قاعدة العبرة بعموم اللفظ، إذ اللفظ متوجه لحكم حالة معينة، وهي ما يدخل البطن.
стр. 121
٢ - أثر ابن عباس ﵄ لا يدل على التوسع بمفهوم الجوف إذ الخطاب الشرعي متوجه إلى الغالب، والنادر لا حكم له؛ بل إن قلنا إنّ أثر ابن عباس مرفوع حكماً فيكون فهماً لآية الصيام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧].
فالخطاب العام يتوجه تفسيره بالمعنى الشرعي إن كان له معنى شرعي، وأثر ابن عباس ﵄ له معنى شرعي، وهو ما دلت عليه الآية، وعليه يترجح هذا المعنى على غيره، وإن كان غيره قد يقع، وهذا أقره الأصوليون ومنهم الإمام السبكي حيث يقول: «والخطاب الشرعي المجمل يكون من جهة أنّ الشرعي أرجح، وأغلب من غيره، وإن كان غيره قد يقع، فالحكم للغالب» (١).
٣ - أنّ استدلال الشافعية بعموم ما دل عليه أثر ابن عباس ﵄ ينتقض عليهم بصور، منها: الداخل من مسام الجلد؛ حيث أجمعوا على عدم فساد الصوم بما يدخل منها، وكذا نفى بعضهم فساد الصوم بما يدخل الإحليل ما لم يصل المعدة، مما يدل على أن العموم غير مقصود، فإن أخرجوا هذه الصورة لاعتبارات فغيرها يخرج باعتبارات أخرى، وعليه لا يُسلم لهم الاستدلال بالأثر.
وبهذا يتبن أن المراد بأثر ابن عباس ﵄: «الصوم مما دخل»، أي دخل من
стр. 122
منفذه المعتاد إلى مدخله المعتاد الذي دلت آية الصوم على منع دخول أي شيء إليه. والله أعلم وأحكم (١).
стр. 123
المبحث الرابع
ضابط المُفَطِّرات
بعد استعراض موقف الفقهاء والأطباء من الجوف، ومناقشة الأقوال في تحديد مناط المُفَطِّرات، فإن الضابط الذي توصل إليه الباحث، وتدل عليه النصوص، وتطمئن إليه النفس بعد دراسة وتمحيص في المُفَطِّرات الداخلة للجسم هو:
كل ما دخل إلى المعدة عن طريق الحلق من أكل أو شرب سواء تغذى به البدن أو لم يتغذى، وكل ما دخل من منفذ آخر وتغذى به البدن.
أو هو: كل ما دخل إلى المعدة عن طريق الحلق من أكل أو شرب سواء انتفع به الإنسان أم لم ينتفع، أو كان داخلاً من أي منفذٍ ويقوم مقام الأكل والشرب.
أو هو: الأكل والشرب عن طريق الحلق، وما كان في معناهما حقيقة أو صورة (١).
أدلة الترجيح:
توصل الباحث إلى هذا الاختيار بناءً على دراسة متأنية لأقوال الفقهاء في المذاهب الفقهية المعتبرة، وسبر تلك الأقوال في ضوء الأدلة الشرعية والتطورات الطبية في مجال التشريح، وليس اختياره بدعاً من القول؛ بل ذهب إليه أو قريباً منه
стр. 124
أئمة أعلام من المتقدمين والمتأخرين، وهذا استعراض لمرجحات الاختيار:
أولاً: الفقهاء المتقدمون متفقون على أن المعدة هي أصل الجوف، وذكروا أجوافاً أخرى هي محل خلاف بين المذاهب؛ بل بين المذهب الواحد، فيكون محل الاتفاق مؤثراً لأنه معتمد على نص تحريم الأكل والشرب، ولذا يمكن اعتبار المحل المجمع عليه والمسْتنِد إلى نص هو ضابط رئيس في المُفَطِّرات بجعله مناطاً لفساد الصوم، ويُلغى ما كان محلاً للخلاف بسبب عدم ورود نص فيه، أو علة صريحة تجعله مناطاً لفساد الصوم، لئلا نبطل بذلك عبادة عينية مُطالب بها العام والخاص، وهذا ما صرح به النووي وابن قدامة.
قال الإمام النووي: «أجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب على الصائم، وهو مقصود الصوم، ودليله الآية الكريمة والإجماع» (١).
والآية الكريمة المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال ابن قدامة: «أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب لما يتغذى به،
стр. 125
فأما ما لا يتغذى به، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به» (١).
ثانياً: إنّ إدراك مفسدات الصوم في ضوء توسع الفقهاء في الجوف مما زاد على المنصوص، ولا يستند إلى دليل أو تعليل قوي، مما يتعذر فهمه على كثير من المكلفين، فلا يمكن إفساد عبادة عينية تلزم كل المكلفين، العالِم منهم والجاهل، والذكر والأنثى، وصاحب الحاضرة وصاحب البادية بأمر خَفِيٍّ كهذا، وهذا مما لا تأتي به الشريعة، وقد جرت عادة التكليف في الشريعة في الفروض العينية سهولة فهمها لكل المكلفين، وتفريعات الفقهاء زيادة على مقصود الشارع، وما كان زائداً عن مقصود الشارع فالراجح إلغاؤه (٢).
ثالثاً: اعتبار غير المغذي (مما يدخل في عموم لفظ الأكل والشرب) في ضابط المُفَطِّرات إذا دخل المعدة عن طريق الحلق للأسباب التالية:
١. دخوله تحت عموم الأكل والشرب، فمن تناول ما لا يغذي عن طريق الفم فإنه ينطبق عليه أنّه أكَلَ أو شَرِب، فيدخل تحت دائرة الحظر.
٢. اتفاق الفقهاء على أنّ تناول غير المغذي مفسد للصوم، وهو أشبه بالإجماع فكان محل اعتبار في ضابط المُفَطِّرات.
قال ابن قدامة «أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب لما يتغذى به، فأما ما لا يتغذى به-أي من الأكل والشرب-، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل
стр. 126
به» (١).
٣. مقصود الشارع متحقق بالامتناع عن تناول غير المغذي لما يحصل به من الإشباع وامتلاء المعدة، وإذا حصل هذا الامتلاء لم يحصل مقصود الصوم وحكمته. وقد أثبت ذلك الطب المعاصر حيث يتم علاج السمنة المستعصية بعملية بالون المعدة من أجل تخفيف الوزن، فيشعر الشخص معه بقدر من الشبع والامتلاء مع كونه غير مغذي (٢).
وقد فطن بعض الفقهاء المتقدمون لهذا المعنى.
يقول الدسوقي: «الحصاة تشغل المعدة اشتغالاً ما، وتنقص كَلَب الجوع (أي شدته ووطأته)» (٣).
стр. 127
٢:٦ صورة تبين بالون المعدة
رابعا: إدراج المغذي الداخل من غير منفذ الحلق في ضابط المُفَطِّرات للأسباب الآتية:
١. أنّ أبرز الحِكَم الشرعية في منع الأكل والشرب للصائم لما فيهما من الغذاء، فإذا وجد الغذاء بغير هذه الطريقة فقد تحقق المقصود بهما، واختلاف طريق حصول الغذاء لا أثر له، ولهذا ثبت الحكم لعدم الفارق، وفارق طريق الحصول لا يؤثر في الحكم؛ لأنّ الشريعة مبنية على المعاني فما تحقق فيه المعنى أخذ حكم نظيره.
٢. كل ما يتغذى به الجسم يقع تحت دائرة المُفَطِّرات حيث لا فارق بين الأكل والشرب، وما يتغذى به البدن لتحقق المعنى في كل منهما.
وهذا المعنى متقرر عند الأصوليين، يقول الإمام الجويني: «ما علم قطعاً التحاقه بالمنصوص عليه، فلا حاجة فيه إلى استنباط معنى من مورد النص، وبيان وجود ذلك المعنى في المسكوت عنه؛ بل العقل يسبق إلى القضاء بالإلحاق، ويقدره
стр. 128
بالمنصوص عليه» (١).
والضابط الذي توصل إليه الباحث يتوافق مع ما قرره بعض الأئمة الأفذاذ من المتقدمين والمتأخرين، فهذا الكاساني ﵀ يقول: «وأما ركنه - أي الصوم- فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع ... فلا يوجد الصوم بدونه، وعلى هذا الأصل؛ ينبني بيان ما يُفسد الصوم وينقضه؛ لأنَّ انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمرٌ ضروري، وذلك بالأكل والشرب والجماع. سواء كان صورة ومعنى (تناول المغذي)، أو صورة لا معنى (تناول غير المغذي)، أو معنى لا صورة (تناول المغذي من غير مدخله المعتاد)» (٢).
ويقول الشيخ القرضاوي: «ولم يجيء فيهما- الكتاب والسنة-منع الصائم من شيء إلا من الأكل والشرب والجماع» (٣).
وجاء قرار مجمع الفقه الإسلامي في ضابط المُفَطِّرات بما يلي: «المُفَطِّرات في كتاب الله ، وفي السنة الصحيحة ثلاثة هي: الأكل والشرب والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب، كمًّا وكيفًا، يُعد مُفَطِّراً» (٤).
стр. 129
الفصل الثالث
المُفَطِّرات الطبية المعاصرة
وفيه مباحث:
- المبحث الأول: ما يدخل الجسم عبر منافذ الوجه.
- المبحث الثاني: ما يدخل الجسم عبر الجلد، نفاذاً وامتصاصاً.
- المبحث الثالث: ما يدخل الجسم عبر الجهاز التناسلي والشرج.
- المبحث الرابع: الخارج من البدن.
стр. 130
المبحث الأول
ما يدخل الجسم عبر منافذ الوجه
وفيه مطالب:
- المطلب الأول: بخاخ الربو، وملحقاته.
- المطلب الثاني: غاز الأكسجين.
- المطلب الثالث: غاز التخدير.
- المطلب الرابع: معجون الأسنان ومطهرات الفم ومعالِجاته.
- المطلب الخامس: منظار المعدة.
- المطلب السادس: قطرات الأنف وملحقاتها.
- المطلب السابع: قطرات الأذن وملحقاتها.
- المطلب الثامن: قطرات العين وملحقاتها.
المطلب التاسع: الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان.
стр. 131
تمهيد
إنّ الحديث عن المُفَطِّرات الطِّبية المعاصرة وتقرير حكم شرعي فيها يتطلب أمرين مهمين:
الأول: وضوح التصور الطِّبي للمسألة؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
ومن هذا المنطلق فقد ترددت على المستشفيات الجامعية والتخصصية والمركزية، وقابلت الأطباء الاستشاريين والأخصائيين وحاورتهم ووثقت حواراتهم مكتوبة ومسجلة، كما حاورت كبير خبراء المجامع الفقهية في المجال الطِّبي (١)، بالإضافة إلى الإبحار في المراجع والمواقع الطِّبية المتخصصة.
الثاني: ضرورة الاستقراء التام لأقوال الفقهاء المتقدمين وأدلتهم في كل مسألة لتكييفها وتخريجها تخريجاً سليماً؛ ليُبنى الحكم والترجيح على أسس صحيحة، وتأخذ الدراسة طابعاً اجتهادياً يعين من يأتي بعدها.
ومن هذين المنطلقين بدرجة أساسية دلفت إلى مسائل البحث التفصيلية، وكان توفيق الله وتيسيره معيني في هذا كله، فلله الحمد أولاً وآخراً.
OOOOO
стр. 132
المطلب الأول: بخاخ الربو وملحقاته:
بخاخ الربو:
أولاً: الجانب الطِّبي (١):
تعريف مرض الربو (asthma): هو أحد أمراض الجهاز التنفسي، وهو عبارة عن التهاب مزمن يصيب القصبات والقصيبات الهوائية مما يؤدي إلى ضيقها عند تعرض المريض للمواد الحساسة وبالتالي صعوبة دخول وخروج الهواء أثناء التنفس، وهذا ما يعرف بالنوبة الربوية.
وضيق القصبات الهوائية يكون بسبب:
١. تضخم وتورم الأغشية المخاطية الموجودة فيها.
٢. زيادة إفرازات المخاط.
٣. إنقباض العضلات الخارجية للشعيبات الهوائية.
стр. 133
٣:١ صورة لقصبة هوائية سليمة ... ٣:٢ صورة لقصبة هوائية مصابة بالربو
أعراض مرض الربو:
١. صعوبة في التنفس وضيق في الصدر وصفير.
٢. كحة ونقص في الأكسجين.
٣. زرقة في الأطراف وعدم قدرة على الكلام.
يتكون الجهاز التنفسي من الجزء العلوي والجزء السفلي:
الجزء العلوي:
?- الأنف: وهو تجويف ينقسم إلى قسمين أيمن وأيسر، ويفصل بينهما الحاجز الأنفي، ويبطنه غشاء مخاطي وظيفته ترطيب الهواء الداخل وتدفئته وتنقيته من الغبار والعوالق بمساعدة شعيرات موجودة في الأنف.
٢ - البلعوم: وهو قناة عضلية طولها ١٤ سم تصل بين الأنف من الخلف
стр. 134
والمريء من الأعلى، ويعتبر جزء من الجهاز الهضمي، ويتكون من ثلاثة أجزاء.
أ-البلعوم الأنفي (الجزء العلوي) وتصل إليه إفرازات الأنف والجيوب الأنفية وما يوضع في الأنف من دواء سائل أو بخاخ أو أبخرة أو دخان.
ب-البلعوم الفمي (الجزء المتوسط) ويقع خلف الفم مباشرة وعن طريقه يتم بلع الغذاء والشراب والدواء وكل ما يدخل الفم، ويتصل مباشرة بالمريء الموصل إلى المعدة.
جـ-البلعوم الحنجري (الجزء السفلي): ويقع خلف الحنجرة، وفيه تقع فتحة الحنجرة، ويغطيها لسان المزمار عند البلع حتى لا يدخل الطعام والشراب إلى الحنجرة مما يؤدي إلى الشَرَق والغصة والكحة.
٣ - الحنجرة: وتقع فوق القصبة الهوائية وتتصل بالبلعوم، ويغطيها لسان المزمار، وتحتوي الحنجرة على الحبال الصوتية المسؤولة عن إخراج الأصوات أثناء الكلام.
٣:٣ صورة للجزء التنفسي العلوي
стр. 135
الجزء السفلي:
?- القصبة الهوائية: تتكون من مجموعة من الغضاريف التي تلي الحنجرة مباشرة ويبلغ طولها ١٠ سم، ويقع نصفها الظاهر في أسفل العنق والنصف الباطن أعلى تجويف الصدر، وتُغطى من الداخل بغشاء مخاطي له أهداب عديدة وتفرز مادة مخاطية خفيفة، وتعمل على تنقية الهواء الداخل وطرد فضلات الزفير، وتنقسم القصبة الهوائية إلى شعبتين.
٢ - الشعب الهوائية: تنقسم القصبة الهوائية إلى شعبتين رئيسيتين يمنى ويسرى تتصل الشعبة اليمنى بالرئة اليمنى، والشعبة اليسرى بالرئة اليسرى، ثم تنقسم كل شعبة هوائية إلى شعيبات أصغر فأصغر حتى تصل إلى الأسناخ.
٣ - الشعيبات والحويصلات الهوائية: تتفرع الأسناخ إلى مجموعات كثيرة من الحويصلات الرقيقة التي تعرف بالحويصلات الهوائية، يتم من خلال جدراها انتقال الأكسجين من الرئة إلى الدم أثناء الشهيق، وطرد ثاني أكسيد الكربون من الدم إلى الرئة، ثم إلى الخارج أثناء الزفير (١).
стр. 136
٣:٤ صورة للجزء التنفسي السفلي
أدوية الربو:
تنقسم أدوية الربو إلى قسمين أساسيين هما أدوية السيطرة طويلة الأمد وأدوية السيطرة السريعة.
١ - أدوية السيطرة طويلة الأمد: تستخدم للسيطرة على الربو المزمن أو الدائم.
٢ - أدوية السيطرة السريعة: تستخدم لأعراض نوبة الربو الحادة أو تفاقم النوبات.
الأجهزة المستخدمة لعلاج مرض الربو:
البخاخات: وهي عبوات ذات أشكال مختلفة، يتم من خلالها إيصال جميع أنواع الأدوية - (الكورتيزون ومشتقاته) و (الكرومليون ومشتقاته) - إلى الشعب
стр. 137
الهوائية سواء كانت من مشتقات الكورتيزون، أو من موسعات الشعب الهوائية قصيرة، أو طويلة الأمد، وميزتها: صغر الجرعة الدوائية المستخدمة والتي تحسب بالميكروجرام (واحد على المليون من الجرام) (١).
أنواع البخاخات:
?- البخاخات المضغوطة (أنابيب مضغوطة).
٢ - البخاخات ذات البودرة الجافة (أنابيب اسطوانية) ومنها:
أ-البخاخ ذو القرص (دسكهيلير).
ب-البخاخ الاسطواني الدائري (دسكاكس).
البخاخات المضغوطة:
- يكون الدواء على شكل سائل مضغوط مع الهواء في أنابيب.
- حجم المادة المضغوطة = ١٠ مليلترات تعطي ٢٠٠ جرعة، كل جرعة تعادل ١٠٠ ميكروجرام (واحد على المليون من الجرام).
- قد تختلف في الحجم، والجرعة حسب تصميم الشركة المنتجة واحتياج المريض، لكن فكرتها واحدة.
стр. 138
طريقة استعمال البخاخات المضغوطة
أ- مباشر:
تُوضع فتحة البخاخ في الفم، ويتم إغلاق الشفتين حولها بإحكام، وأخذ نفس ببطء وعمق (الشهيق)، ويتم حينها الضغط على جهاز البخاخ لإخراج الدواء مع الاستمرار باستنشاق الهواء مع حبس النفس لمدة ?٠ ثوان.
ب- عن طريق القمع الهوائي: حيث يتم توصيل قمع هوائي بالبخاخ مما يساعد على:
- سهولة إيصال الدواء إلى الرئة عندما يقوم المريض بسحب الهواء.
- التقليل من ترسب الدواء في تجويف الفم والحنجرة، وإيصاله إلى الرئة بتركيز عالي.
٣:٥ صورة للاستخدام المباشر للبخاخ ... ٣:٦ صورة للاستخدام عن طريق البرميل الهوائي
٣:٧ صورة لبعض الأقماع الهوائية
стр. 139
طريقة استعمال البخاخات ذات البودرة الجافة:
١. توجد البودرة الدوائية جاهزة داخل الجهاز المخصص للاستنشاق أو في كبسولات خارجية توضع داخل الجهاز يتم تخريمها عند الاستعمال لاستنشاقها.
٢. هناك أشكال متعددة وطرق مختلفة لاستعمال هذه الأدوية ولكن في الإجمال يتم شفط هذه البودرة إلى داخل الرئة أثناء التنفس.
٣. تكون البودرة جاهزة للاستنشاق بعد تدوير القرص يميناً ويساراً قبل كل نشقة من الفم.
٣:٨ صورة تبين بخاخات البودرة
٣ - النبيوليزير (الرذاذ البخاري): هو جهاز كهربائي يقوم بتحويل محلول المادة الدوائية إلى بخار مرئي يستنشقه المريض بواسطة كمامة توضع على الأنف والفم أو من خلال توصيلة توضع في الفم مباشرة، ويعطى عادة أثناء الأزمات الربوية في المنازل والمستشفيات، وله أشكال كثيرة وأنواع متعددة، والجرعة
стр. 140
المستخدمة: من ?- ٤ جرعات يومياً حسب الحاجة، وتستمر فترة الاستنشاق مابين ?٠ - ?٥ دقيقة للجرعة.
والجرعة المستخدمة في جهاز النبيوليزير: ٢ سم محلول ملحي + ?- ٢ ملل فنتولين + ٢ ملل أتروفينت (٢٥٠ - ٥٠٠) ميكروجرام، وهي جرعة عالية مقارنة بالبخاخات حيث تعادل ما يقارب ٢٠ بَخَّة ويترسب في داخل الرئة ?٠% من الجرعة المعطاه، أما الباقي فيترسب في الأنابيب الموصلة وفي الأجزاء العلوية من مجاري التنفس ومعظمه يتطاير في الهواء (١).
٣:٩ صورة لجهاز النبيوليزير، وكيفية استخدامه
стр. 141
ملاحظات هامة:
١. عند غسل الفم بالماء بعد استخدام البخاخ يتم التخلص من ٥٠% من المادة المترسبة.
٢. استخدام القمع الهوائي يمنع ترسب الدواء في البلعوم الفمي وبالتالي تنعدم فرص وصوله إلى المعدة.
٣. الأقماع الهوائية لا يمكن استخدامها مع بخاخات البودرة في الوقت الحالي، لعدم وجود آلية طبية لذلك.
٤. كمية الدواء التي يمكن وصولها إلى المعدة باستخدام جهاز النبيوليزر أكبر بكثير من الكمية التي تُعطى من خلال البخاخات الأخرى.
استخدام البخاخ مباشرة ... استخدام بواسطة القمع الهوائي
٣:١٠ صورة تبين الفرق في توزع الدواء إذا تم استخدام القصبة الهوائية حيث يصل الدواء إلى الرئة ولا يترسب في البلعوم الفمي
стр. 142
ثانيًا: الجانب الفقهي:
التكييف الفقهي:
عند النظر في مسألة بخاخ الربو وحقيقته في ضوء المقدمات الطِّبية السابقة نستطيع أن نكيفه فقهياً على ثلاث صور عند الفقهاء المتقدمين-﵏:
١. الصورة الأولى: مسألة استنشاق بخار الأطعمة والبخور والتداوي به.
٢. الصورة الثانية: مسألة دخوله في عموم الأكل أو الشرب حيث يتم تناوله من الفم.
٣. الصورة الثالثة: مسألة المتبقي من المضمضة حال الصيام.
التخريج الفقهي:
وأما تخريج حكم كل صورة في ضوء نصوص الفقهاء من المذاهب الأربعة فهو كالتالي:
• الصورة الأولى: مسألة استنشاق بخار الأطعمة والبخور والتداوي به.
وحكمه عند الفقهاء في ضوء التكييف الفقهي على مسألة استنشاق بخار الأطعمة والبخور يكون مُفَطِّراً عند الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، وغير مُفَطِّر عند الشافعية، وأقوالهم تبين لنا موقفهم من هذه المسألة.
القول الأول: (استنشاق بخار الأطعمة والبخور مُفَطِّر).
وهو قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة.
•
стр. 143
الحنفية:
قال ابن عابدين: «ولو أدخل حلقه الدخان بأي صورة كان الإدخال، حتى لو تبخر بخور فآواه إلى نفسه واشتمه ذاكراً لصومه أفطر لإمكان التحرز عنه» (١).
• المالكية:
قال الدسوقي: «متى وصل دخان البخور أو بخار القدر للحلق وجب القضاء; لأن دخان البخور وبخار كل منهما جسم يتكيف به الدماغ ويتقوى به، أي تحصل له قوة كالتي تحصل له من الأكل» (٢).
• الحنابلة:
قال البهوتي: «ولا يفسد صومه إن طار إلى حلقه ذباب أو غبار طريق أو نخل نحو دقيق أو دخان بلا قصد لعدم إمكان التحرز منه» (٣).
ومفهومه أنّه إذا كان قاصداً فسد صومه.
وهذه الأقوال صريحة في أنَّ البخار المتصاعد من الأطعمة والبخور مفسد للصوم عندهم، وتخريجاً على أقوالهم هذه يكون عندهم بخاخ الربو مُفَطِّراً للصائم.
стр. 144
القول الثاني: (استنشاق بخار الأطعمة والبخور غير مُفَطِّر).
وهو قول الشافعية
قال الرملي: «ووصول الدخان الذي فيه رائحة البخور أو غيره إلى الجوف لا يفطر به، وإن تعمَّد فتح فِيه لأجل ذلك وهو ظاهر لما تقرر أنّها ليست عيناً عرفاً إذ المدار هنا عليه» (١).
وقول الشافعية إنّ بخار القدر والبخور لا يُفَطِّر الصائم ولو تعمده، يتخرج عليه أنّ بخاخ الربو غير مُفَطِّر عندهم.
• الصورة الثانية: دخوله في عموم الأكل أو الشرب حيث يتم تناوله من الفم ولاحتوائه على مواد دوائية.
وحكمه في ضوء هذا التكييف يكون مُفَطِّراً على المذاهب الأربعة، كونه داخل في عموم الأكل والشرب حيث لم يُفرِّق الفقهاء المتقدمون بين القليل والكثير، فقد نصوا على أنّ تناول القليل يُفَطِّر.
• الحنفية:
قال السرخسي: «وإن تناول سمسمة وابتلعها ابتداء فهو مُفْطِر لأنَّ هذا يقصد إبطال صومه ومعنى هذا أنّه إذا أدخل سمسمة في فمه فابتلعها فقد وُجِد
стр. 145
منه القصد إلى إيصال المُفَطِّر إلى جوفه وذلك مفسد لصومه» (١).
• المالكية:
قال المغربي (المعروف بالحطَّاب): «إذا ابتلع الصائم في النهار ما يبقى بين أسنانه من الطعام يجب عليه قضاء؛ لأنّه أمر غالب» (٢).
ومفهومه أنَّ تناول هذا اليسير عمداً يفسد الصوم لكونه ليس غالباً.
• الشافعية:
قال الشربيني: «والذي يفطر به الصائم عشرة أشياء، الأول: ما وصل من عين وإن قلَّت كسمسمة عمداً مختاراً عالماً بالتحريم إلى مطلق الجوف من منفذ مفتوح» (٣).
• الحنابلة:
قال البهوتي: «لو أدخل إلى جوفه شيئاً من كل محل ينفذ إلى معدته مطلقاً أي سواء كان ينماع ويغذى، أو لا، كحصاة وقطعة حديد ورصاص ونحوهما ولو طرف سكين من فعله أو فعل غيره بأذنه فسد صومه أو وجد طعم علك مضغه بحلقه فسد صومه لأنّه دليل وصول أجزائه إليه» (٤).